Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ". قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ".
قوله: "في بعض طريق المدينة" أي: بالإفراد للأكثر، ولكريمة والأصيلي: "طرق" بالجمع، ولأبي داود والنسائي: "لقيتُهُ في طريقٍ من طرق المدينة".
وقوله: "وهو جُنُب" يعني نفسه، جملة حالية من الضمير المنصوب في "لقيه"، وفي رواية أبي داوود: "وأنا جُنُب".
وقوله: "فانخَنَسْتُ" بنون ثم خاء معجمة ثم نون ثم سين مهملة، أي: مضيتُ عنه مستخفيًا، ولذلك وُصِفَ الشيطان بالخَنَّاس، وفي رواية: "فانسَلَلْتُ" وهي توافق هذه، وفي رواية: "فانْخَنَس"، وفي رواية: "فانْبَجَسْتُ" بالموحدة والجيم، أي: اندفعت، كقوله تعالى: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ٦٠]، أي: جرت واندفعت، وفي رواية: "فانتَجَسْتُ" بنون ثم مثناة فوقية ثم جيم، من النجاسة، من باب الافتعال، أي: اعتقدت نفسي نجسًا. وفي رواية: "فانْبَخَسْتُ" بنون فموحدة ثم خاء معجمة ثم سين مهملة، قال القزّاز: لا وجه لها، وقد تُوَجَّه بأنها من البَخْس، وهو النقص، أي: اعتقدت نقصان نفسي بجنابتي عن مجالسة رسول الله ﷺ .
وقوله: "فذهب فاغتسل" بلفظ الغيبة من باب النقل عن الراوي بالمعنى، أو من قول أبي هريرة من باب التجريد، وهو أنه جرد من نفسه شخصًا، فأخبر
стр. 2487
عنه، وهو المناسب لرواية: "فانْخَنَسَ"، وفي رواية: "فذهبتُ واغتسلتُ"، وهو المناسب لرواية: "فانْخَنَسْتُ".
وسبب ذهاب أبي هريرة ما رواه النسائي وابن حِبّان عن حُذيفة أنه ﷺ كان إذا لقِيَ أحْدًا من أصحابه ماسَحَه ودعا له، فلما ظن أبو هُريرة أن الجُنُبَ يَنْجُسُ بالجنابة، خشي أن يماسَّه النبي ﷺ كعادته، فبادر إلى الاغتسال.
وقوله: "قال: كنتُ جُنُبًا" أي: ذا جنابة؛ لأنه اسم جرى مجرى المصدر، وهو الإجْناب كما مرّ.
وقوله: "فكرهت أن أجالِسَكَ وأنا على غير طهارة" جملة اسمية حالية من الضمير المرفوع في "أُجالِسَك".
وقوله: "فقال" بالفاء قبل القاف، وسقطت في كلام أبي هُريرة على الأفصح في الجُمَلْ المفتتحة بالقول، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾ [الشعراء: ١٠]، وأما القول مع ضمير النبي ﵊، فالفاء سببية رابطة، فاجتلبت لذلك، ولأبي ذر والأصيلي: "قال" بإسقاط الفاء.
وقوله: "سبحان الله" نُصِبَ بفعل لازم الحذف، وأتى به هنا للتعجب والاستعظام، أي: كيف يَخْفى عليك هذا الظاهر من عدم التنجس بالجنابة.
وقوله: "إن المسلم لا ينجُسْ" أي: في ذاته حيًّا ولا ميتًا، ولذا يُغسل إذا مات، نعم يتنجس بما يعتريه من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار.
وتمسك بمفهومه بعض أهل الظاهر، كابن حزم، فقال: إن الكافر نجس العين، وقوّاه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
وأجاب الجمهور عن الحديث: بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك، لعدم تحفظه عن النجاسة. وعن الآية: بأن المراد نجاسة اعتقادهم، أو لأنه يجب أن يُتَجَنب عنهم كما يُتَجَنَّب
стр. 2488
عن الأنجاس، أو لأنهم لا يتطهَّرون ولا يتجَنَّبون النجاسات، فهم ملابسون لها غالبًا.
وقد نُقِل عن ابن عبّاس أن أعيانهم نجسة كالكلاب.
وحجة الجمهور أن الله تعالى أباح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقَهُنَّ لا يَسْلَم منه من يضاجعُهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غُسْل الكتابية إلاَّ مثل ما يجب عليه من غُسْل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين، إذ لا فرق بين النساء والرجال.
وأغرب القرطبي، فنسب القول بنجاسة الكافر للشافعي.
وفي الحديث استحباب استصحاب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظَّمة، واستحباب احترام أهل الفضل وتوقيرهم ومصاحبتهم على أكمل الهيئات.
وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه، لقوله: "أين كنت" فأشار إلى أنه كان ينبغي أن لا يفارِقه حتى يعلمه.
وفيه استحباب تنبيه المتبوع لتابعه على الصواب، وإن لم يسأله.
وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، وبوَّب عليه ابن حِبان، والرد على من زعم أن الجُنُب إذا وقع في البئر، فنوى الاغتسال، فإن ماء البئر ينجس.
وفيه الدلالة على طهارة عرق الجنب؛ لأن بدنه لا ينجُس بالجنابة، فكذلك ما تحلَّب منه.
وفيه جواز تصرف الجُنُب في حوائجه قبل أن يغتسل، كما بوَّب عليه البخاري.
رجاله ستة:
الأول: علي بن عبد الله المديني، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم. ومرَّ يَحْيى بن سعيد القطّان في السادس من كتاب الإيمان. ومرَّ حُمَيْد الطويل
стр. 2489
في الثالث والأربعين منه. ومرَّ أبو هُريرة في الثاني منه أيضًا.
الخامس: بَكْر بن عبد الله بن عَمْرو المُزَنّي أبو عبد الله البَصْري أخو عَلْقَمة بن عبد الله المُزَني، وقيل: ليس بأخيه.
قال ابن مَعين: ثقة. وكذلك النسائي. وقال أبو زُرعة: ثقة مأمون. وقال ابن سَعْد: كان ثقة مأمونًا حجة، وكان فقيهًا. وقال ابن المَديني: له نحو خمسين حديثًا، قال: أدركت ثلاثين من فرسان مُزَبْنة، منهم: عبد الله بن مُغَفَّل، ومَعْقِل بن يسار. وقال ابن حِبّان في "الثقات": روى عن عبد الله بن عمرو بن هِلال المُزَني، وله صحبة، وكان عابدًا فاضلًا، وهو والد عبد الله بن بَكْر. وقال حُميد الطويل: كان بكر مجابَ الدعوة. وقال العِجْلي: بصري تابعي ثقة، وكان يقول: إياك من الكلام ما إن أصبتَ فيه لم تُؤجر، وإن أخطأت فيه أثمتَ، وهو سؤ الظن بأخيك.
روى عن: أنس بن مالك، وابن عباس، وابن عمر، والمغيرة بن شُعبة، وأبي رافع الصايغ، والحسن البصري، وحمزة وعروة ابني المُغيرة بن شعبة، وغيرهم.
وروى عنه: ثابت البُناني، وقتادة، وعاصم الأحول، وسعيد بن عبد الله بن جُبَيْر، ومطر الوراق.
مات سنة ست ومئة، أو ثمان.
السادس: أبو رافع نُفَيْع بن رافع الصايغ المدني نزيل البصرة، مولى ابنة عمر، وقيل: مولى بنت العَجْماء. أدرك الجاهلية.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: خرج من المدينة قديمًا، وكان ثقة. وقال العِجْلي: بصري تابعي ثقة من كبار التابعين. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وقال ثابت: لما أُعتق أبو رافع بكى، وقال: كان لي أجران، فذهب أحدهما. وقال الدارقُطني: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
стр. 2490
وقال ابن عبد البر: لا أقف على نسبه، وهو مشهور من علماء التابعين، أدرك الجاهلية.
وروي عنه أنه قال: كان عُمر يمازِحُني، حتى يقول: أكذبُ الناس الصايغ، يقول: اليوم وغدًا.
روى عن: الخلفاء الأربعة، وابن مَسْعود، وزيد بن ثابت، وأُبي بن كَعْب، وأبي هُريرة، وحَفْصة بنت عُمر رضي الله تعالى عنهم.
وروى عنه: ابنه عبد الرحمن، والحسن البصري، وحُميد الطويل، وقَتادة بن دِعامة، وغيرهم.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ورواته بصريّون.
ومن أجل لطائفه أنه متصل، ورواه مُسلم مقطوعًا عن حُميد عن أبي رافع في طريق الجلودي. وذكر أبو مسعود وخلف أن مسلمًا أخرجه أيضًا متصلًا مثل البخاري، فله فيه روايتان.
أخرجه البخاري أيضًا عن عياش بن الوليد. ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، وأبو داود في الصلاة عن مسدد، والترمذي فيه عن إسحاق بن منصور، والنسائي فيها عن حُمَيْد بن مَسْعَدة، وابن ماجه فيها أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.
باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره
بجر "غيره" عطفًا على سابقة، أي: وفي غير السوق، ويجوز فيه الرفع على أنه مبتدأ، أي: وغيره نحوه، أي: فينام ويأكل، فهو عطف عليه من جهة المعنى.
стр. 2491
وقالَ عَطاءٌ يَحْتَجِمُ الجُنُبُ ويُقَلِّمُ أظْفَارَهُ ويَحْلِقُ رِأسَهُ وإنْ لَمْ يتَوَضَّأْ.
وما قاله عطاء هو قول الجمهور، خلافًا لما رواه ابن أبي شَيْبة عن علي، وعائشة، وابن عُمر، وسعيد بن المسيِّب، والحسن، ومجاهد، وغيرهم من أنهم كانوا إذا أجنبوا لا يخرُجون ولا يأكُلون حتى يتوضؤوا.
وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن جُرَيْج، عنه. وزاد فيه: "ويطلي بالنَّوْرَةِ". ومرَّ عطاء في التاسع والثلاثين من العلم.
стр. 2492
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.
وقوله في السند: "سعيد" وهو ابن أبي عَروبة، وللأصيلي: "شعبة" بدل سعيد، وليس بصواب.
وقوله: " أن النبي" في رواية كريمة والأصيلي: "أن نبي الله".
وقوله: "وله يومئذ تسع نسوة" أي: وله حينئذٍ، إذ لا يومَ لذلك معيَّن، ولفظةُ: "كان" تدل على التكرار والاستمرار.
ومطابقة الحديث للترجمة تُفهم من قوله: "كان يطوف على نسائه"؛ لأن نساءه كان لهن حُجَر متقاربة، فبالضرورة أنه كان يخرج من حجرة إلى حجرة قبل الغُسْل.
وحديث أنس هذا يقوّي اختيار عطاء؛ لأنه لم يذكُر فيه أنه توضأ، فكان المصنف أورده ليستدلَّ له، لا ليستدل به.
ومرَّت مباحث الحديث في باب: إذا جامع ثم عاد.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الأَعْلى بن حمّاد بن نَصْر الباهلي مولاهم البَصْري أبو يَحْيى المعروف بالنَّرْسِيّ -بفتح النون وسكون الراء- نسبة إلى نهر بالكوفة، عليه عدة قرى.
стр. 2493
روى عن: مالك، ووُهَيْب بن خالد، والحمادَيْن، ويزيد بن زُرَيْع، وداود بن عبد الرحمن العطّار، وابن أبي الزِّناد، وجماعة.
وروى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود. وروى النسائي عنه بواسطة. وروى عنه أبو زُرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن عبد الرحيم صاعِقة، وجماعة.
قال ابن مَعين: النرسِيّان ثقتان. وقال مرة: لا بأس بهما. وقال أبو حاتم والدارقطني ومَسْلَمة بن قاسم والخَليلي: ثقة. وقال صالح بن مُحمد بن خِراش: صدوق. وقال النَّسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حِبّان في الثقات.
مات في جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين ومئتين.
والثاني: يزيد بن زُريع وقد مرَّ في الخامس والتسعين من كتاب الوضوء. ومرَّ سعيد بن أبي عَروبة في الحادي والعشرين من كتاب الغُسل. ومرَّ قَتادة بن دِعامة وأنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان.
وقد مرَّ الكلام على مواضع إخراجه.
стр. 2494
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُريرة؟ " فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هُريرة إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ".
قوله: "فأخذ بيدي" في بعض الأصول: "فأخذ بيميني".
وقوله: "فانسَلَلْتُ" أي: ذهبت في خفيةٍ، ولابن عساكر: "فانسللتُ منه".
وقوله: "فأتيتُ الرَّحْل" بحاء مهملة ساكنة، أي: المكان الذي يأوي فيه.
وقوله: "أين كنت؟ " كان واسمها، والخبر الظرف، أو هي تامة، فلا تحتاج إلى خبر.
وقوله: "يا أبا هُريرة"، للكُشميهني: "يا أبا هر" بالترخيم، وقد مرَّ في تعريفه أنه أحب إليه من غير المُرَخَّم؛ لأنه صدر له من النبي ﵊.
وقوله: "فقلت له" أي: الذي فعلته من المجيء للرحل والاغتسال.
ومطابقته للترجمة من قوله: "فمشيتُ معه"، واستُنْبِط منه جواز أخذ العالم بيد تلميذه، ومشيه معه، معتمدًا عليه، ومرتفقًا به، وغيرَ ذلك.
وقد مرَّ الكلام على مباحثه في الباب الذي قبله.
رجاله ستة:
الأول: عياش بن الوليد الرقّام القطّان أبو الوليد البَصْري.
стр. 2495
روى عن: عبد الأعلي بن عبد الأعلى، والوليد بن مُسلم، ووكيع، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، وأبو داود، والنسائي في "اليوم والليلة" عن أبي موسى عنه، وأبو حاتم، وأبو زُرعة، والذُّهلي، وآخرون.
قال أبو حاتم: هو من الثقات. وقال أبو داود: صدوق. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
مات سنة ست وعشرين ومئتين.
والثاني: عبد الأعلي بن عبد الأعلى السّاميّ، وقد مرَّ في الثالث من كتاب الإِيمان. ومرَّ حُمَيْد الطويل في الثالث والأربعين من كتاب الإيمان أيضًا. ومرَّ بَكْر بن عبد اللهْ المُزَني وأبو رافع الصايغ المدني في الثالث والثلاثين قبل هذا بحديث واحد. ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من كتاب الإيمان.
ومرَّ قريبًا قبل هذا بحديث ذكر مواضع إخراجه.
باب كينونة الجنب في البيت إذا توضأ
قوله: "كينونة" أي: استقراره فيه، و"كينونة" مصدر كان يكون كونًا وكينونةً، ولم يجيء على هذا إلا أحرف معدودة، مثل: ديمومة من دام.
وقوله: "إذا توضّأ" زاد أبو الوقت وكريمة: "قبل أن يغتسل"، وسقط الجميع من رواية المُسْتَملي والحموي.
قيل: "أشار بهذه الترجمة إلى ما ورد عن عليٍّ مرفوعًا: "إن الملائكة لا تدخُل بيتًا فيه كلب، ولا صورة، ولا جنب" رواه أبو داود وغيره. وفيه نُجَيّ -بالتصغير- الحَضْرَمي، ما روى عنه إلاَّ ابنه عبد الله، فهو مجهول، لكن وثَّقه العِجْلي، وصحح حديثه ابن حِبّان والحاكم، فيحتمل -كما قال الخطابي- أن المراد بالجنب من يتهاون بالاغتسال، ويتخذ تركه عادةً، لا من يؤخِّره ليفعله.
стр. 2496
ويقوّيه أن المراد بالكلب غير ما أُذِن في اتِّخاذه، وبالصورة ما فيه روح وما لا يُمْتَهَنَ.
قال النووي: وفي الكلب نظر.
ويُحتمل أن يكون المراد بالجُنُب في حديث علي الذي لم يرتفع حدثه كلّه ولا بعضه، وعلى هذا فلا يكون بينه وبين حديث الباب منافاة؛ لأنه إذا توضأ ارتفع بعض حدثه على الصحيح. قاله في "الفتح"، ويأتي قريبًا استيفاء الكلام عليه.
стр. 2497
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
تأليف
الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي
(المتوفى سنة ١٣٥٤هـ)
الجزء السادس
مؤسسة الرسالة
стр. 2498
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2499
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
стр. 2500
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة بيروت - شارع سوريا - بناية صمدي وصالحة
هاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - برقيًا: بيُوشرَان
стр. 2501
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْقُدُ وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ.
قوله: "قالت: نعم، ويتوضأ" هو معطوف على ما سد لفظ نعم مسدَّه، أي: يرقد ويتوضأ، والواو لا تقتضي الترتيب، فالمراد أنه كان يجمع بين الوضوء والرقاد، فيتوضأ ثم يرقد.
ويدل لهذا رواية مسلم بلفظ: "كان إذا أراد أن ينام وهو جُنُب توضّأَ وُضوءَه للصلاة". وهذا السياق أوضح في المراد. وللمصنف مثله في الباب الذي بعد هذا بزيادة غسل الفرج من رواية عروة، وكذا قال أبو نُعيم في "المستخرج" في آخر هذا الحديث، ويتوضأ وُضوءه للصلاة.
رجاله ستة:
الأول: أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن، وقد مرَّ في السادس والأربعين من كتاب الإِيمان. ومرَّ هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي في الثامن والثلاثين منه. ومرَّ شَيْبان بن عبد الرحمن النَّحْوي في الثالث والخمسين من كتاب العلم. ومرَّ يَحْيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين منه أيضًا. ومرَّ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عَوْف في الرابع من بَدْء الوحي. ومرت عائشة في الثاني منه أيضًا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه
стр. 2502
السؤال، وفيه رواية ابن أبي شَيْبة بتحديث أبي سلمة، ورواه الأوْزاعي عن يَحْيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن ابن عُمر، رواه النسائي.
стр. 2503
الحديث التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ".
قوله: "إن عمر بن الخطاب سأل" ظاهره أن ابن عمر حضر السؤال، فيكون الحديث من مُسنده، وهو المشهور من رواية نافع. وأخرجه النسائي ومسلم عن نافع عن ابن عمر عن عمر، فيكون من مسند عمر. لكن ليس في هذا الاختلاف ما يقدح في صحة الحديث.
ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن جواز رُقاد الجُنُب في البيت يقتضي جواز استقراره فيه يَقْظان لعدم الفرق، أو لأن نومه يستلزم الجواز، لحصول اليقظة بين وضوئه ونومه، ولا فرق في ذلك بين القليل والكثير.
ووقع في رواية كريمة قبل حديث ابن عُمر هذا: "باب: نوم الجُنُب"، وهذه الترجمة زائدة للاستغناء عنها بباب: الجُنُب يتوضأ ثم ينام، ويُحتمل أن يكون ترجم على الإطلاق وعلى التقييد، فلا تكون زائدة.
وهذا الوضوء، المراد به عند الجمهور الوضوء الشرعي، وهو محمولٌ عندهم على الاستحباب، قال بذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المُبارك والأوزاعي. وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه، وكذا قال ابن حَبيب من المالكية: إنه واجب وجوب الفرائض، وأشار ابن العربي إلى تقوية قول ابن حَبيب، وبوَّب عليه أبو عَوانة في "صحيحه" إيجاب الوضوء على الجُنُب إذا أراد النوم. وقال ابن دَقيق العيد: جاء الحديث بصيغة الأمر وبصيغة الشرط،
стр. 2504
وهو مُتَمَسَّكٌ لمن قال بوجوبه.
واستدل ابن العربي وابن خُزَيْمة على عدم الوجوب بحديث ابن عباس مرفوعًا: "إنما أمرت بالوضوء إذا قُمتُ إلى الصلاة". وقد مر ذكره في باب: إذا جامع ثم عاد.
وقدح ابن رشد المالكي في هذا الاستدلال.
وقال ابن العربي: قال مالك والشافعي: لا يجوز للجُنُب أن ينام قبل أن يتوضأ. واستنكر بعض المتأخرين هذا النقل قائلًا: لم يقل الشافعي بوجوبه ولا مالك.
ويمكن أن يُجاب عن ابن العربي بأن كلامه محمول على أنه أراد نفي الإِباحة المستوية الطرفين، لا إثبات الوجوب، أو أراد أنه واجب وجوب سنة، أي: متأكد الاستحباب، بدليل أنه قابله بقول ابن حَبيب، وهذا موجود في عبارات المالكية كثيرًا.
ونقل الطحاوي عن أبي يوسُف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب، وتمسك بما رواه أبو إسحاق عند أبي داود وغيره عن عائشة: "أنه ﵊ كان يُجْنِب ثم ينام ولا يَمَسُّ ماء".
وتُعُقِّب بأن الحفاظ قالوا: إن أبا إسحاق غَلِطَ فيه، وبأنه لو صح حُمل على أنه ترك الوضوء لبيان الجواز لئلا يُعتقد وجوبه. أو معنى قوله: "لا يمسُّ ماء" أي: للغُسل.
وذهب آخرون إلى أن الوضوء المأمور به هو غسل الأذى وغسل ذَكَره ويديه، وهو التنظيف. وجَنَح الطحاويُّ إلى هذا، واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث -وهو صاحب القصة- كان يتوضأ وهو جُنُب ولا يغسِلُ رِجليه كلما رواه مالك في "الموطأ" عن نافع.
وأجيب بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة من روايته ورواية عائشة، فَيُعتمد،
стр. 2505
ويُحمل ترك ابن عمر لغسل رجليه على أنه كان لعذر.
واختلف في الحكمة في هذا الوضوء, فقيل: هي أنه يخفِّف الحدث، ولاسيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شَيْبة بسندٍ رجاله ثقات عن شداد بن أوْس الصحابي، قال: "إذا أجنَبَ أحدُكم من الليل، ثم أراد أن ينام، فلْيَتَوضّأ، فإنه نصف غُسل الجنابة" وبهذا قال الشافعية.
وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، ليبيت على طهارة، وعلى هذا يقوم التيمم مقامه عند عدم وجود الماء، وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة: "أنه ﷺ كان إذا أجنَبَ، فأراد أن ينامَ، توضأ أو تيمم".
وقيل: الحكمة فيه أن ينشُطَ للعَوْد أو إلى الغسل، وبكل من هاتين العلتين قالت المالكية، والصحيح عدم اعتبار التيمم.
والحائض بعد إنقطاع دمها كالجُنُب.
وقال ابن الجوزي: الحكمة فيه أن الملائكة تبعُدُ عن الوسخ والريح الكريهه، بخلاف الشياطين، فإنها تَقْرُبُ من ذلك
قلت: مقتضى هذا أن يكون المراد بالوضؤ التنظيف، وقد مرَّ أنه غير صحيح.
وفي الحديث أن غُسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيَّق عند القيام إلى الصلاة.
رجاله خمسة:
الأول: قُتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الثاني والعشرين من كتاب الإيمان. ومرّ الليث في الثالث من بدء الوحي. ومرّ نافع مولى ابن عمر في الثالث والسبعين من كتاب العلم. ومرّ ابن عُمر أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ومرّ عمر بن الخطاب في أول حديث من بدء الوحي.
стр. 2506
وهذا الحديث أخرجه النسائي ومسلم من طريق يحيى القطان.
باب الجنب يتوضأ ثم ينام
стр. 2507
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ.
قوله: "وتوضأ للصلاة" أي: توضأ وضوءً كوضوء الصلاة، وليس المعنى أنه توضأ لأداء الصلاة، وإنما المراد أنه توضأ وضوءً شرعيًا لا لغويًّا كما مر.
رجاله ستة:
الأول: يحيى بن بُكَيْر وقد مرَّ في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ الليث فيه أيضًا.
الثالث: عُبَيْد الله بن أبي جَعْفَر المِصْري، أبو بكر الفقيه، مولى بني كِنانة، ويقال: مولى بني أُمية أبي جعفر يَسار -بتحتانية ومهملة-.
قال أحمد: كان يتفقه، ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ثقة مثل يزيد بن أبي حبيب. وقال النَّسائي: ثقة. وقال ابن خِراش: صدوق. وقال ابن سَعْد: ثقة فقيه زمانه. وقال ابن يونُس: كان عالمًا عابدًا زاهدًا.
قال أبو شُرَيح عبد الرحمن بن شُرَيح، عن عبيد الله بن أبي جعفر: غزونا القَسْطَنْطينية، فكُسِر بنا مركَبُنا، فألقانا الموج على خشبة في البحر، وكنا خمسة أو ستة، فأنبت الله لنا بعددنا ورقة لكل رجل منا، فكنا نمصُّها فتُشْبعنا وتروينا، فإذا فنيت أثبت الله لنا مكانها أخرى، حتى مرَّ بنا مركبٌ، فحملنا.
وقال العِجْلي: عبيد الله بن أبي جعفر بَصْري ثقة، وأخوه عبد الله لا بأس
стр. 2508
به. ونقل صاحب "الميزان" عن أحمد أنه قال: ليس بالقوي.
رأى عبد الله بن الحارث بن جُزْء الزُّبَيْدي، وروى عن حمزة بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن جعفر بن الزبير، وأبي الأسود، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عَوْف، وطائفة.
وروى عنه: إسحاق، وعمرو بن الحارث، والليث، وحَيْوة بن شُرَيْح، وأبو شُرَيْح عبد الرحمن بن شُرَيْح، وغيرهم.
مات سنة خمس أو ست وثلاثين ومئة.
الرابع: محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفل بن الأسود بن نَوْفل بن خُوَيْلد بن أسد بن عبد العُزّى الأَسَدي أبو الأسود المدني يتيم عروة؛ لأن أباه كان أوصى إليه. وكان جده الأسود من مُهاجرة الحبشة.
قال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه، فقال له: ثقة. قيل له: يقوم مقام الزُّهري وهشام بن عروة؟ فقال: ثقة. وقال النسائي: ثقة. ذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: ليس له عقِب، وكان كثير الحديث ثقة. وقال أحمد بن صالح: هو ثبتٌ له شأن وذِكْر. وقال ابن البُرْقي: لا يعلم له رواية عن أحد من الصحابة مع أن سنَّه يَحْتَمل ذلك.
روى عن: عُروة، وعلي بن الحُسين، وسليمان بن يسار، وعامر بن عبد الله بن الزُّبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، والأعرج، وعكْرمة، والنُّعمان بن أبي عياش، وغيرهم.
وروى عنه: الزهري. وهو من أقرانه، ويزيد بن قُسَيْط ومات قبله، وابن إسحاق، ومالك، وعمرو بن الحارث، والليث، وحيْوة بن شُرَيْح، وشُعبة، وأبو ضَمْرة أنس بن عِياض الليثي، وغيرهم.
مات سنة إحدى وثلاثين ومئة أو سبع وثلاثين.
стр. 2509
الخامس: عُروة بن الزُّبير، والسادس: عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد مرّا في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع، وفيه القول، ونصف رواته مصريون، والنصف الآخر مدنيون.
стр. 2510
الحديث الحادي والأربعون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ. قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ".
قوله: "عن عبد الله" في رواية ابن عساكر: "عن ابن عمر".
وقوله: "قال: نعم إذا توضأ"، ولمسلم عن نافع: "ليتوضأ ثم لينم".
وهذا الحديث قد مرَّ في باب كينونة الجُنُب في البيت الكلام عليه.
رجاله أربعة:
الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الخامس من بدء الوحي. ومرَّ نافع مولى ابن عُمر في الثالث والسبعين من كتاب العلم. ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
والرابع: جُويرية بن أسماء بن عبيد بن مُخارِق، ويقال: مِخْراق الضُّبَعي أبو مُخارِق، ويقال: أبو أسماء البَصْري.
روى عن: أبيه، ونافع، والزُّهري، ومالك بن أنس وهو من أقرانه.
وروى عنه: حَبّان بن هِلال، وحَجاج بن مِنْهال، وابن أخته سعيد بن عامر الضُّبَعي، وابن أخيه عبد الله بن مُحمد بن أسماء، ومُسَدَّد، وأبو الوليد، وغيرهم.
قال ابن مَعين: ليس به بأس. وقال أحمد ثقة وليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حِبَّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان صاحب
стр. 2511
علم كثير. وذكره ابن المَديني في الطبقة السابعة من أصحاب نافع.
مات سنة ثلاث وسبعين ومئة.
стр. 2512
الحديث الثاني والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ".
هكذا رواه مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن دينار باتفاق رواته، ورواه خارج "الموطأ" عن نافع بدل عبد الله بن دينار، وكذا رواه ابن السَّكَن.
قال أبو علي: الحديث محفوظ لمالك عنهما جميعًا، وقد رواه عنه كذلك عن نافع خمسة أو ستة، فلا غرابة فيه، وإن أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك"، فمراده ما رواه خارج "الموطأ"، خلافًا لقول ابن عبد البر: حديث نافع غريب. لكن رواية "الموطأ" أشهر.
وقوله: "ذكر عمر بن الخطاب" مقتضاه أيضًا أنه من مسند ابن عمر كما هو عند أكثر الرواة، ورواه أبو نوح عن مالك فزاد فيه: "عن عمر"، وقد بين النسائي سبب ذلك في روايته عن نافع، قال: أصاب ابن عمر جنابة، فأتى عمر، فذكر ذلك له، فأتى عمر النبي ﷺ ، فاستأمره، فقال: "ليتوضأ ويرقُدْ" وعلى هذا فالضمير في قوله في حديث الباب: "أنه تصيبه" يعود على ابن عمر لا على عمر.
وقوله: في الجواب: "توضأ" يُحتمل أن يكون ابن عمر كان حاضرًا، فوُجِّه الخطاب إليه، ويُحتمل أن يكون الجواب لعمر في غيبة ابنه جوابًا لاستفتائه، ولكنه يرجِعُ إلى ابنه؛ لأن الاستفتاء من عمر انما هو من أجل ابنه.
стр. 2513
وقوله: "بأنه تصيبه" كذا للحموي والمستملي، والباقين: "أنه".
وقوله: "فقال له" سقط لفظ له من رواية الأصيلي.
وقوله: "توضأ واغسِل ذكرك"، في رواية أبي نوح: "اغسل ذكرك، ثم توضّأ، ثم نم" وهو يرد على من حمله على ظاهره، فقال: يجوز تقديم الوضوء على غَسْل الذكر؛ لأنه ليس بوضوء يرفع الحدث، وإنما هو للتعبد، إذ الجنابة أشد من مس الذكر. فتبين من رواية أبي نوح أن غَسْله مقدَّمٌ على الوضوء ويمكن أن يؤخره عنه بشرط أن لا يمسَّه على القول بأن مسّه ينقُض.
وقوله: "ثم نم" فيه من البديع تجنيس التصحيف.
وقد مرت مباحث الحديث قبل هذا بحديثين.
رجاله خمسة بعُمر المذكور فيه:
الأول: عبد الله بن يوسُف مرَّ هو ومالك بن أنس في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ عُمر في الأول منه. ومر عبد الله بن دينار في الثاني من كتاب الإيمان. ومرَّ ابن عُمر في أوله قبل ذكر حديث منه.
باب إذا التقى الختانان
باب بالتنوين، أي: من الرجل والمرأة، والمراد بهذه التثنية خِتان الرجل وخِفاض المرأة، والخَتْن قطع جلدة كمرته، والخَفْض قطع جُليدة في أعلى فرجها تشبه عرف الديك، بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة، ويينهما مخرج البول كما مرَّ، وإنما ثنيا بلفظ واحدٍ تغليبًا، وله نظائر، وقاعدته ردُّ الأثقل إلى الأخف، والأدنى إلى الأعلى.
والمراد بالتلاقي: تلاقي موضع القطع من الذكر، مع موضعه من فرج الأنثى.
стр. 2514
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ".
قوله: "إذا جلس" الضمير المستتر فيه. وفي قوله: "جهد" للرجل، والضميران البارزان في قوله: "شعبها"، و"جهدها" للمرأة، وترك إظهار ذلك للمعرفة به، وقد وقع مصرَّحًا به في رواية ابن المنذر من وجه آخر عن أبي هُريرة قال: "إذا غَشِي الرجل امرأته، فقعد بين شعبها .. الحديث".
وقوله: "بين شُعَبِها الأربع" الشُّعَب -بضم ثم فتح- جمع شُعْبة -بضم فسكون- وهي القطعة من الشيء، قيل: المراد هنا يداها ورجلاها. وقيل: رجلاها وفخِذاها. وقيل: ساقاها وفخذاها. وقيل: فخذاها واسكتاها. وقيل: فخِذاها وشُفراها. وقيل: نوحي فرجها الأربع. والاسكتان: ناحيتا الفرج. والشُّفران: طرف الناحيتين.
ورجح عياض الأخير، وابن دقيق العيد الأول، قائلًا: إنه أقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس، وهو كناية عن الجماع، فاكتفى به عن التصريح.
وقوله: "ثم جَهَدَها" بفتح الجيم والهاء، يقال: جَهَد واجْهَد، أي: بلغ المشقة، قيل: معناه: كدها بحركته، أو بلغ جهده في العمل بها. وفي رواية لمسلم: "ثم اجتهد".
ومرت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب الوضوء من المَخْرَجين عند
стр. 2515
ذكر حديث عثمان هناك: "أرأيتَ إذا جامع الرجلُ امرأته فلم يُمْنِ".
رجاله سبعة:
الأول: مُعاذ بن فَضَالة وقد مرَّ في التاسع عشر من كتاب الوضوء. ومرَّ هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ أبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن في السادس والأربعين منه. ومرَّ قَتَادة بن دِعامة في السادس منه. ومرَّ الحسن البَصْري في الخامس والعشرين منه. ومرَّ أبو هُريرة في الثاني منه. ومرَّ أبو رافع الصايغ في الثالث والثلاثين من كتاب الغُسْل هذا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في ست مواضع، ورواته كلهم بصريون.
أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي خَيْثَمة زُهير بن حرب، وغيره، وأبو داود فيها أيضًا عن مسلم بن إبراهيم. والنسائي فيها عن مُحمد بن عبد الأعلى. وابن ماجه فيها عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.
تابَعَهُ عَمْرُو عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ وقالَ: مُوسَى حَدَّثَنا أَبَانُ قالَ: حَدَّثَنا قَتَادَةُ قالَ: أَخْبَرنا الحسنُ مِثْلَهُ.
الضمير في تابعه يعود على هشام لا على قَتادة؛ لأن رواية شعبة عن قَتادة عن الحسن لا عن الحسن نفسه.
وقوله: "مثله" أي: مثل حديث الباب، إلاَّ أنه قال: "وأجهدها".
وقوله: "وقال موسى" أفادت روايته التصريح بتحديث الحسن لقتادة، وفي رواية الباب عن الحسن بالعنعنة، فأُمِن تدليس قتادة.
وكون رواية موسى هذه أخرجها البيهقي عن عفّان وهمام عنه، غير صحيح، فلا ذكر فيه لموسى، بل رواه عفّان عن أبان، كما رواه عنه موسى، فهو رفيقه لا شيخه، ويُحتمل أن يكون البخاري سمعها من موسى لا من
стр. 2516
مشايخه، فلا يكون تعليقًا.
ومتابعة عمرو موصولة في "فوائد" عثمان بن أحمد السَّمّاك.
ومرَّ شُعبة في الثالث من الإيمان. وموسى بن إسماعيل مرَّ قريبًا محله. وأبان بن يزيد بن العطار مرَّ في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ قَتادة بن دِعامة في السادس منه. ومرَّ الحسن البصري في الخامس والعشرين منه.
وأما عمرو فهو: عمرو بن مرزوق الباهلي، يقال: مولاهم أبو عُثمان البَصْري.
قال أبو زُرعة: سمعت أحمد بن حَنْبل وقلت له: إن علي بن المديني يتكلم في عمرو بن مَرْزوق، فقال: عمرو رجل صالح، لا أدري ما يقول علي. قال: وبلغني عن أحمد أنه قال: كان عفّان يَرْضى عمرو بن مرزوق، ومن كان يرضَى عفّانُ؟
وقال سليمان بن حرب -وقد ذُكر عمرو بن مرزوق-: جاء بما ليس عندهم فحسدوه.
وقال أبو عبيد الله الحداني: سئل عنه أحمد بن حنبل، فقال: ثقة مأمون، فتَّشْنا على ما قيل فيه، فلم نجد له أصلًا.
وقال ابن مَعين: ثقة مأمون صاحب غزو وقرآن وفضل، وحمده جدًّا.
وقال أبو حاتم: كان ثقة من العباد، ولم يكتب عن أحد من أصحاب شعبة كان أحسن حديثًا منه. قال أبو حاتم: قلت لأبي سلمة: كتب عمرو مع أبي داود فغضب، وقال: بل أبو داود وكان يطلب مع عمرو.
وكان أحمد بن محمد بن مَخْلد يقول: لم يكن بالبصرة مجلس أكبر من مجلس عمرو بن مرزوق، كان فيه عشرة آلاف رجل.
وقال مُسلم بن إبراهيم: كانت الكتب التي عند أبي داود لعمرو بن مرزوق، وكان عمرو غزّاء، فلما مات أبو داود حولها عمرو.
стр. 2517
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث عن شعبة. وقال السّاجِي: صدوق من أهل القرآن والجهاد، وكان أبو الوليد يتكلم فيه. وقال الأزْدِي: كان علي بن المديني صديقًا لأبي داود وكان أبو داود لا يحدّث حتى يأمره علي، وكان ابن مَعين يُطري عَمرو بن مرزوق ويرفع ذكره ولا يفعل ذلك بأبي داود، لطاعة أبي داود لعلي. وقال بُندار: سمعت عمرو بن مرزوق، وقيل له: تزوجت ألف امرأة؟ قال: أو زيادة.
وقال سعيد: قال لي ابن المديني: اختَلِف إلى مسلم بن إبراهيم، ودع عمرو بن مرزوق. وقال الحسن بن شُجاع البَلْخي: سمعت ابن المديني يقول: اتركوا حديث الفَهْدين والعَمْرَين، يعني: فهد بن حيّان وفهد بن عَوْف، وعمرو بن مرزوق وعمرو بن حكام.
وقال ابن وارة: سألت أبا الوليد عنه، فقال: لا أقول فيه شيئًا. وقال ابن أبي خَيْثمة: قال عبيد الله بن عمر: كان يحيى بن سعيد لا يَرْضَى عمرو بن مرزوق. وقال ابن المديني أيضًا: ذهب حديثه. وقال ابن عمّار الموصِلي: ليس بشيء. وقال العِجْلي: عمرو بن مَرزوق بصري ضعيف يحدِّث عن شُعبة، ليس بشيء. وقال الدارقطني: صدوق كثير الوهم. وقال الحاكم: سيىء الحفظ.
قال ابن حجر: لم يخرج عنه البخاري في "الصحيح" سوى حديثين، أحدهما: حديثه عن شُعبة، عن عمرو بن مرة، عن عروة، عن أبي موسى في فضل عائشة، وهو عنده بمتابعة آدم بن أبي إياس وغُنْدَر وغيرهما عن شُعبة. والثاني: حديثه عن شُعبة، عن أبي بكر، عن أنس في ذكر الكبائر مقرونًا عنده بعبد الصمد عن شعبة، فوضح أنه لم يخرِّج له احتجاجًا.
روى عن: شعبة، ومالك، وزائدة، وعمران القطّان، والحمّادَيْن، وزهير بن معاوية، وجماعة.
وروى عنه: البخاري مقرونًا بغيره، وأبو داود، وبُندار، وأبو قِلابة الرُّقاشي،
стр. 2518
وإسماعيل بن إسحاق، وعثمان بن خُرَّزاد، وأبو حاتم، وجماعة.
مات في صفر سنة أربع وعشرين ومئتين.
باب غسل ما يصيب من رطوبة فرج المرأة
قوله: "ما يصيب" أي: الرجل، والترجمة شاهدة لما قدَّمناه عند حديث عثمان من نجاسة رطوبة فرج المرأة، وهي عند المالكية نجسة مما بوله نجس, طاهرة مما بوله طاهر إن لم يتغذَّ بنجاسة.
стр. 2519
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ. قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ -رضى الله عنهم- فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: "عن الحسين"، زاد أبو ذر: "المعلم".
وقوله: "قال يحيى" هو ابن أبي كثير، أي: قال الحسين: قال يحيى. ولفظ قال الأُولى يُحذف في الخط عُرفًا.
وقوله: "وأخبرني أبو مسلمة" هو عطف على مقدر، أي: أخبرني بكذا، وأخبرني بكذا. وفي رواية مسلم بحذف الواو.
قال ابن العربي: لم يسمعه الحسين من يحيى، فلهذا قال: "قال يحيى". ولم يأت بدليل على هذا. وقد وقع في رواية مسلم: "عن الحسين عن يحيى" وليس الحسين بمدلِّس، وعنعنة غير المدلس محمولة على السماع إذا لقيه على الصحيح. على أنه وقع التصريح في رواية ابن خُزَيمة بالتحديث في رواية حسين عن يحيى بلفظ: "حدثني يحيى". ومع هذا لم ينفرد الحسين به، فقد رواه عن يحيى أيضًا معاوية بن سلام، أخرجه ابن شاهين، وشَيْبان بن عبد الرحمن، أخرجه المؤلف في باب الوضوء من المخرجين.
стр. 2520
وقوله: "فأمروه بذلك" قد مرَّ ما فيه مستوفى في الباب المذكور الآن، وقد مرَّ الكلام على جميع مباحثه عند ذكره هناك.
وقوله: "وأخبرني أبو سلمة أن عُروة بن الزبير أخبره" كذا لأبي ذر، وللباقين: "قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة" وهو المراد، وهو معطوف بالإسناد الأول، وليس معلقًا، وقد رواه مسلم بالإسنادين معًا.
وقوله: "إنه سمع ذلك من رسول الله ﷺ " قال الدارقطني هو وهم؛ لأن أبا أيوب إنما سمعه من أُبي بن كعب كما قال هشام بن عروة عن أبيه في الرواية التي بعد هذه.
قال في "الفتح": والظاهر أن أبا أيوب سمعه منهما، لاختلاف السياق، لأن في روايته عن أُبي بن كعب قصة ليست في روايته عن النبي ﷺ ، مع أن أبا سَلمة أكبر قدرًا وسنًّا وعلمًا من هشام بن عروة، وروايته عن عروة من رواية الأقران؛ لأنهما تابعيان فقيهان من طبقة واحدة، وكذلك رواية أبي أيوب عن أُبي بن كعب؛ لأنهما فقيهان صحابيّان كبيران، وقد جاء هذا الحديث من وجه آخر عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ ، وأخرجه الدارِمي وابن ماجه.
رجاله أربعة عشر نفسًا سبعة من أجلاء الصحابة وسبعة من غيرهم.
فالأول من غير الصحابة: أبو مَعْمر عبد الله بن عمرو،
والثاني: عبد الوارث بن سعيد، وقد مرّا في السادس عشر من كتاب العلم. ومرَّ حُسين بن ذَكْوان المعلِّم في السادس من كتاب الإيمان. ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من كتاب العلم. ومرَّ أبو سلمة بن عبد الرحمن في الرابع من بدء الوحي. ومرَّ عروة في الثاني منه. ومرَّ عطاء بن يَسار في الثالث والعشرين من كتاب الإيمان.
والأول من الصحابة: زيد بن خالد، وقد مرَّ في الثالث والثلاثين من كتاب العلم. ومرَّ أُبي بن كعب في السادس عشر منه. ومرَّ عثمان بن عفّان في باب ما يُذكر في المناولة بعد الخامس منه أيضًا. ومرَّ علي بن أبي طالب في السابع
стр. 2521
والأربعين منه. ومرَّ الزُّبَيْر بن العوام في الثامن والأربعين منه. ومرَّ طلحة بن عُبيد الله في الأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ عُروة في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ أبو أيوب الأنصاري في العاشر من كتاب الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبلفظ أخبره في أربعة مواضع، وفيه لفظ القول في موضعين: أحدهما: قال يحيى، أي: قال الحسين: قال يحيى، ولفظ قال الأولى يُحذف في الخط في اصطلاحهم. وقال الآخر: قوله: قال عثمان، وفيه السؤال في موضعين، وفيه السماع في موضعين، وفيه قال يحيى: وأخبرني، هذا عطف على مقدَّر تقديره: قال يحيى: أخبرني بكذا، وأخبرني بهذا، وإنما احتَجْنا إلى هذا التقدير لأن أخبرني مقول قال، وهو مفعول حقيقة، فلا يجوز دخول الواو بينهما. وفي رواية مسلم بحذف الواو على الأصل، وفي رواية البخاري دقة، وهو الإشعار بأن هذا من جملة ما سمع يحيى من أبي سلمة، فإن قيل: قول الحسين: قال يحيى، يوهم أنه لم يسمع من يحيى ... إلخ ما مرَّ.
стр. 2522
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ. قَالَ: "يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّى". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الأخِيرُ، إِنَّمَا بَيَّنَّا لاخْتِلاَفِهِمْ.
قوله: "ما مس المرأة منه" أي: يغسل الرجل العضو الذي مسَّ فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها، ففي "مسَّ" ضمير، وهو فاعله، يعود إلى كلمة: "ما"، وموضعها نصب مفعولًا ليغسل.
وقوله: "ثم يتوضأ" صريح في تأخير الوضوء عن غَسْل الذكر، زاد عبد الرزاق عن هشام: "وضوءَه للصلاة". وقوله: "ويصلي" هو أصرح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث الذي قبله.
وقوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف، وقائل ذلك هو الراوي عنه.
وقوله: "الغُسل أحوط" بضم الغين، أي: الاغتسال من الإِيلاج وإن لم يُنزل أحوط، أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من الاكتفاء بغسل الفرج والوضوء المذكور في الحديث السابق، وفتوى من ذكر من الصحابة على تقدير أن لا يثبت الناسخ ولا يظهر الترجيح.
وقوله: "وذلك الأخير" بالمثناة من غير مد، ولغير أبي ذر: "الآخِر" بالمد وكسر الخاء من غير ياء، أي: آخر الأمرين من فعل الشارع، أو من اجتهاد
стр. 2523
الأئمة، وهو يشير إلى أن حديث الباب منسوخ، وضبطه الدَّماميني وابن التين: "الآخَر" بفتح الخاء، أي: ذلك الوجه الآخر، أو الحديث الآخر الدال على عدم وجوب الغسل.
وقوله: "إنما بيّنّا لاختلافهم" وفي رواية كريمة: "إنَّما بيَّنّا اختلافَهم"، وللأصيلي: "إنما بيّناه لاختلافهم"، وفي نسخة الضغَاني: "إنما بيَّنّا الحديث الآخر لاختلافهم، والماء أنقى". واللام تعليلية، أي: حتى لا يُظَنَّ أن في ذلك إجماعًا، ولابن عساكر: "وإنما بالواو"، والأليق حذفها، وهو يناسب رواية فتح خاء "الآخَر".
واستشكل ابن العربي كلام البخاري، فقال: إيجاب الغُسل أطبق عليه الصحابة ومَن بعدهم، وما خالف فيه إلا داود، ولا عبرة بخلافه، وإنما الأمر الصعب مخالفة البخاري، وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين وأجلة علماء المسلمين.
وتُعقِّب هذا بأن كلام البخاري إنما يكون مَيْلًا منه لمذهب داود إذا فُتِحت خاء "الآخر"، أما بالكسر، فيكون جزمًا منه بالنسخ كما مرَّ تقديره، وأما نفيه للخلاف فمعتَرَضٌ بأن الخلاف مشهور بين الصحابة، ثبت عن جماعة منهم، لكن ادّعى ابن القصّار أن الخلاف ارتفع بين التابعين.
واعْتُرِض أيضًا، فقد قال الخطابي: إنه قال به من التابعين الأعمش، وتبِعَه عِياض، لكنه قال: لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره.
وهو مُعْتَرَض أيضًا، فقد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، رواه أبو داود في "سننه" بسند صحيح، وعن هشام بن عروة عند عبد الرزاق بإسناد صحيح، ونقل عبد الرزاق عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى أغتسل من أجل اختلاف الناس، لأخذنا بالعروة الوثقى.
وقال الشافعي: حديث الماء من الماء ثابت، لكنه منسوخ، إلى أن قال:
стр. 2524
فخالفنا بعضُ ناحيتنا من الحجازيين، فقالوا: لا يجب الغسل حتى يُنزل، فعُرِف بهذا أن الخلاف كان مشهورًا بين التابعين ومن بعدهم. لكن الجمهور على إيجاب الغسل، وهو الصواب، وقد بيّنّا عند ذكر هذا الحديث في الباب السابق إيضاح نسخه فليُراجع.
رجاله ستة:
الأول: مسدَّد بن مُسَرْهد،
والثاني: يحيى القطان، وقد مرّا في السادس من كتاب الوحي. ومرَّ هشام بن عُروة وأبو عُروة في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ أبَي بن كَعب في السادس عشر من كتاب العلم. ومرَّ أبو أيوب الأنصاري في العاشر من كتاب الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه رواية صحابي عن صحابي.
стр. 2525
خاتمة
قال في "فتح الباري": اشتمل كتاب الغُسل وما معه من أحكام الجنابة من الأحاديث المرفوعة على ثلاثة وستين حديثًا، المكرر منها فيه وفيما مضى خمسة وثلاثون حديثًا، الموصول منها أحد وعشرون، والبقية تعليق ومتابعة، والخالص ثمانية وعشرون، منها واحد معلق، وهو حديث بَهْز، عن أبيه، عن جده.
وقد وافقه مسلم على تخريجها سواه، وسوى حديث جابر في الاكتفاء في الغسل بصاع، وحديث أنس: كان يدور على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة في ليلة واحدة، وحديثه في الاغتسال مع المرأة من إناء واحد، وحديث عائشة في صفة غُسل المرأة من الجنابة.
وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين عشرة، المعلق منها سبعة، والموصول ثلاثة، وهي حديث أيوب بن خالد عن علي وطلحة والزُّبير المذكور في الباب الأخير، فإن كان مرفوعًا عنهم فتزيد عدة الخالص من المرفوع ثلاثة، وهي أيضًا من أفراده عن مسلم، والله تعالى أعلم.
قلت: ترى ابن حجر جزم بأن الموصول من أحاديث هذا الكتاب أحد وعشرون، وقد رأيتُ الموصول المسند ثلاثة وأربعين بالمكرر وغيره، فانظره مع ما قال.
следующие страницы →