← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

والأربعين منه. ومرَّ الزُّبَيْر بن العوام في الثامن والأربعين منه. ومرَّ طلحة بن عُبيد الله في الأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ عُروة في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ أبو أيوب الأنصاري في العاشر من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبلفظ أخبره في أربعة مواضع، وفيه لفظ القول في موضعين: أحدهما: قال يحيى، أي: قال الحسين: قال يحيى، ولفظ قال الأولى يُحذف في الخط في اصطلاحهم. وقال الآخر: قوله: قال عثمان، وفيه السؤال في موضعين، وفيه السماع في موضعين، وفيه قال يحيى: وأخبرني، هذا عطف على مقدَّر تقديره: قال يحيى: أخبرني بكذا، وأخبرني بهذا، وإنما احتَجْنا إلى هذا التقدير لأن أخبرني مقول قال، وهو مفعول حقيقة، فلا يجوز دخول الواو بينهما. وفي رواية مسلم بحذف الواو على الأصل، وفي رواية البخاري دقة، وهو الإشعار بأن هذا من جملة ما سمع يحيى من أبي سلمة، فإن قيل: قول الحسين: قال يحيى، يوهم أنه لم يسمع من يحيى ... إلخ ما مرَّ.

стр. 2522

الحديث الخامس والأربعون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ. قَالَ: "يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّى". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الأخِيرُ، إِنَّمَا بَيَّنَّا لاخْتِلاَفِهِمْ. قوله: "ما مس المرأة منه" أي: يغسل الرجل العضو الذي مسَّ فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن المراد رطوبة فرجها، ففي "مسَّ" ضمير، وهو فاعله، يعود إلى كلمة: "ما"، وموضعها نصب مفعولًا ليغسل. وقوله: "ثم يتوضأ" صريح في تأخير الوضوء عن غَسْل الذكر، زاد عبد الرزاق عن هشام: "وضوءَه للصلاة". وقوله: "ويصلي" هو أصرح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث الذي قبله. وقوله: "قال أبو عبد الله" هو المصنف، وقائل ذلك هو الراوي عنه. وقوله: "الغُسل أحوط" بضم الغين، أي: الاغتسال من الإِيلاج وإن لم يُنزل أحوط، أي: أكثر احتياطًا في أمر الدين من الاكتفاء بغسل الفرج والوضوء المذكور في الحديث السابق، وفتوى من ذكر من الصحابة على تقدير أن لا يثبت الناسخ ولا يظهر الترجيح. وقوله: "وذلك الأخير" بالمثناة من غير مد، ولغير أبي ذر: "الآخِر" بالمد وكسر الخاء من غير ياء، أي: آخر الأمرين من فعل الشارع، أو من اجتهاد

стр. 2523

الأئمة، وهو يشير إلى أن حديث الباب منسوخ، وضبطه الدَّماميني وابن التين: "الآخَر" بفتح الخاء، أي: ذلك الوجه الآخر، أو الحديث الآخر الدال على عدم وجوب الغسل. وقوله: "إنما بيّنّا لاختلافهم" وفي رواية كريمة: "إنَّما بيَّنّا اختلافَهم"، وللأصيلي: "إنما بيّناه لاختلافهم"، وفي نسخة الضغَاني: "إنما بيَّنّا الحديث الآخر لاختلافهم، والماء أنقى". واللام تعليلية، أي: حتى لا يُظَنَّ أن في ذلك إجماعًا، ولابن عساكر: "وإنما بالواو"، والأليق حذفها، وهو يناسب رواية فتح خاء "الآخَر". واستشكل ابن العربي كلام البخاري، فقال: إيجاب الغُسل أطبق عليه الصحابة ومَن بعدهم، وما خالف فيه إلا داود، ولا عبرة بخلافه، وإنما الأمر الصعب مخالفة البخاري، وحكمه بأن الغسل مستحب، وهو أحد أئمة الدين وأجلة علماء المسلمين. وتُعقِّب هذا بأن كلام البخاري إنما يكون مَيْلًا منه لمذهب داود إذا فُتِحت خاء "الآخر"، أما بالكسر، فيكون جزمًا منه بالنسخ كما مرَّ تقديره، وأما نفيه للخلاف فمعتَرَضٌ بأن الخلاف مشهور بين الصحابة، ثبت عن جماعة منهم، لكن ادّعى ابن القصّار أن الخلاف ارتفع بين التابعين. واعْتُرِض أيضًا، فقد قال الخطابي: إنه قال به من التابعين الأعمش، وتبِعَه عِياض، لكنه قال: لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره. وهو مُعْتَرَض أيضًا، فقد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، رواه أبو داود في "سننه" بسند صحيح، وعن هشام بن عروة عند عبد الرزاق بإسناد صحيح، ونقل عبد الرزاق عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى أغتسل من أجل اختلاف الناس، لأخذنا بالعروة الوثقى. وقال الشافعي: حديث الماء من الماء ثابت، لكنه منسوخ، إلى أن قال:

стр. 2524

فخالفنا بعضُ ناحيتنا من الحجازيين، فقالوا: لا يجب الغسل حتى يُنزل، فعُرِف بهذا أن الخلاف كان مشهورًا بين التابعين ومن بعدهم. لكن الجمهور على إيجاب الغسل، وهو الصواب، وقد بيّنّا عند ذكر هذا الحديث في الباب السابق إيضاح نسخه فليُراجع. رجاله ستة: الأول: مسدَّد بن مُسَرْهد، والثاني: يحيى القطان، وقد مرّا في السادس من كتاب الوحي. ومرَّ هشام بن عُروة وأبو عُروة في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ أبَي بن كَعب في السادس عشر من كتاب العلم. ومرَّ أبو أيوب الأنصاري في العاشر من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه الإِخبار بصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه رواية صحابي عن صحابي.

стр. 2525

خاتمة قال في "فتح الباري": اشتمل كتاب الغُسل وما معه من أحكام الجنابة من الأحاديث المرفوعة على ثلاثة وستين حديثًا، المكرر منها فيه وفيما مضى خمسة وثلاثون حديثًا، الموصول منها أحد وعشرون، والبقية تعليق ومتابعة، والخالص ثمانية وعشرون، منها واحد معلق، وهو حديث بَهْز، عن أبيه، عن جده. وقد وافقه مسلم على تخريجها سواه، وسوى حديث جابر في الاكتفاء في الغسل بصاع، وحديث أنس: كان يدور على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة في ليلة واحدة، وحديثه في الاغتسال مع المرأة من إناء واحد، وحديث عائشة في صفة غُسل المرأة من الجنابة. وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين عشرة، المعلق منها سبعة، والموصول ثلاثة، وهي حديث أيوب بن خالد عن علي وطلحة والزُّبير المذكور في الباب الأخير، فإن كان مرفوعًا عنهم فتزيد عدة الخالص من المرفوع ثلاثة، وهي أيضًا من أفراده عن مسلم، والله تعالى أعلم. قلت: ترى ابن حجر جزم بأن الموصول من أحاديث هذا الكتاب أحد وعشرون، وقد رأيتُ الموصول المسند ثلاثة وأربعين بالمكرر وغيره، فانظره مع ما قال.

стр. 2526

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الحيض ولابن عساكر والأصيلي إسقاط البسملة، ولأبي ذر تقديم كتاب على البسملة، وقد تقدم توجيه كل من الأمرين عند كتاب الإيمان، وفي رواية باب بدل كتاب، والتعبير بالكتاب أولى. لما فرغ مما ورد في بيان أحكام من الأحداث أصلًا وخلقًا، شرع في بيان ما ورد في الحيض الذي هو من الأنجاس، وترجم بالحيض دون النفاس، وإن كان المراد بقوله: "كتاب الحيض" أي: وما يذكر معه من النفاس والاستحاضة، لكثرة وقوعه بالنسبة إلى وقوع النفاس. وللحيض خمسة عشر اسمًا، جمعها الناظم في قوله: للحيض عشرةُ أسما وخمستُها ... حيضٌ محيضٌ محاضٌ طمثٌ اكبارُ طمسٌ عراكٌ فراكٌ مع أذى ضحك ... درسٌ دراسٌ نفاسٌ قرءٌ اعصارُ وهو في اللغة: السيلان. يقال: حاض الوادي، إذا سال، وحاضت الشجرة إذا سال صمغُها، وفي الشرع: دم يخرج من قَعْر رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة. والاستحاضة: الدم الخارج في غير أوقاته، ويسيل من عرق فمه في أدنى الرحم، اسمعه العاذل بالذال المعجمة كما مرَّ في الوضوء، وحكى ابن سِيده إهمالها، والجوهري بدل اللام راء. والذي يحيض من الحيوانات تسعة، جمعها الراجز في قوله:

стр. 2527

امرأةٌ وفرسٌ وضبُعٌ ... ووزَغٌ حيةٌ الخفاشُ عُوا وناقةٌ وأرنبٌ ثمانِ ... تحيضُ كلُّها بلا بُهتانِ وهذهِ الصفةُ أيضًا جامعة ... لفيلةٍ معها فهي التاسِعَهْ وقول الله تعالى: وللأصيلي: " " بجر "قول" عطفًا على قوله: "الحيض" المجرور بإضافة كتاب إليه، وفي رواية: "قول الله" بالرفع، ثم قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾. ﴿الْمَحِيضِ﴾ مصدر كالمجيء والمبيت، أي: الحيض، أي: عن حكمه. وروى الطبري عن السُّدّي أن الذي سأل أولًا عن ذلك هو ثابت بن الدَّحْداح، فقد روى مسلم وأبو داود عن أنس أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة أخرجوها من البيت، فسُئِل النبي ﷺ عن ذلك، فنزلت الآية، فقال اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاح، فأنكرت اليهود ذلك، فجاء أُسَيْد بن حُضَيْر وعبّاد بن بِشْر، فقالا: يا رسول الله: ألا نُجامِعُهُنَّ في الحيض، يعني: خلافًا لليهود، فلمَ يأذن في ذلك. وقوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قال الطيبي: سمي الحيض أذىً لنتنه وقذره ونجاسته، فهو مؤذ لمن يقربه. وقال الخطابي: الأذى المكروه الذي ليس بشديد، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١]. فالمعنَى أن المحيض أذى، يُعتزل من المرأة موضعه، ولا يَتَعدّى ذلك إلى بقية بدنها. وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي: اجتنبوهن، والمحيض الأول هو الحيض اتفافًا، وهذا الثاني معناه الحيض أيضًا عند الجمهور، وقيل: زمانه، وقيل: مكانه، وهو الفرج، وهذا اقتصاد بين إفراط اليهود الآخِذين في ذلك بإخراجهن من البيوت كما مر، وتفريط النَّصارى فإنهم كانوا يُجامعوهن ولا

стр. 2528

يُبالون بالحيض، وإنما وصفه بأنه أذىً، ورتَّب الحكم عليه بالفاء. إشعارًا بأنه العلة. وقَوْله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تأكيد للحكم، وبيان لغايته، وهو أن يغتسِلْن بعد الانقطاع، ويدلُ عليه صريحًا قراءة: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ بالتشديد، بمعنى: يغتسلن. والتزامًا. قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فإنه يقتضي تأخر جواز الإتيان عن الغسل، وقال أبو حنيفة: إن طهُرت لأكثر الحيض جاز إتيانها قبل الغسل. وقال ابن شعبان من المالكية: يجوز إتيانها بعد الطُّهر إذا تيممت قبل أن تغتسل. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: بتجنبه في الحيض، وهو القبل، ولا تعدوه إلى غيره، فهو المأتي الذي أمركم به وحلله لكم. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي: من الذنوب. وقوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: المتنزهين عن الفواحش والأقذار، كمجامعة الحائض، والإتيان في غير القبل. ذكرت الآية كلها في رواية ابن عساكر، ولأبوي ذرٍّ والوقت: "فاعتزلوا إلى قوله يحب المتطهرين". وفي رواية: "ويسألونك عن المحيض الآية". باب كيف كان بَدْءُ الحيض أي: ابتداؤه، ويجوز تنوين باب بالقطع عمّا بعده، وتركه بالإضافة إليه، وقد مرَّ ما فيه في قوله أول الكتاب: "باب: كيف كان بدء الوحي". وقولُ النبيِّ ﷺ هذا شَيءٌ كتَبَهُ الله على بَنَاتِ آدَمَ. بجر: "قول" ورفعه. وقوله: "هذا شيء" الإشارة إلى الحيض. وقوله: "كتبه الله علي بنات آدم" أي: لأنه من أصل خِلْقَتِهنَّ الذي فيه

стр. 2529

صلاحهن، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، المفسر بأصلحناها للولادة برد الحيض إليها بعد عقرها. وأخرج الحاكم وابن المنذر بإسناد صحيح عن ابن عباس أن ابتداء الحيض كان على حوّاء ﵍ بعد أن أُهْبِطَت من الجنة. والتعليق المذكور وصله المصنف في الباب الذي يليه عن عائشة بلفظ: "هذا أمر" ووصله بعد ستة أبواب في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، بلفظ: "فإن ذلك شيء" بدل قوله هنا: "هذا شيء". وقالَ بَعْضُهُمْ كانَ أوَّلُ ما أُرسلَ الحَيْضُ على بَني إسْرَائيلَ. قوله: "أول" بالرفع لأنه اسم كان، والخبر: "علي بني إسرائيل". وقوله: "أُرْسِل" بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحيض نائبه، وكأنه يشير إلى حديث عبد الرزاق عن ابن مسعود بإسناد صحيح، قال: "كان الرجال والنساء من بني إسرائيل يصلّون جميعًا، فكانت المرأة تتشوَّف للرجل، فألقى الله عليهنَّ الحيضَ، ومنعهنَّ المساجد". وعنده عن عائشة نحوه. فالبعض المبهم هو عبد الله بن مسعود وعائشة كما علمت، وعبد الله قد مرَّ في أول كتاب الإيمان في ذكر حديث منه، ومرَّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. قال أبُو عَبْدِ اللهِ وحديثُ النبيِّ ﷺ أَكْثَرُ قوله: "أكثر" قيل: معناه أشمل من قول بعضهم السابق؛ لأنه عامٌّ في جميع بنات آدم، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلَهن، أو المراد أكثر شواهدًا وأكثر قوة. وقال الداوودي: ليس بينهما مخالفة، فإن نساء بني إسرائيل من بنات آدم، فعلى هذا، فقوله: "بنات آدم" عام أريد به الخصوص. وما قاله غير ظاهر، فالمخالفة كما ترى ظاهرة، فإن هذا القول يلزم منه أن غير نساء بني إسرائيل لم يُرسل عليهن الحيض، والحديث ظاهر في أن جميع

стр. 2530

بنات آدم كتب عليهن الحيض إسرائيلياتٍ كُنَّ أو غيرهن، وقد مرَّ في حديث ابن عباس التصريح بأن أول ابتداء الحيض كان على حواء. وأخرج الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي: حاضت. والقصة متقدمة علي بني إسرائيل بلا ريب. قال في "الفتح": ويمكن أن يُجمع بينهما مع القول بالتعميم، بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مُكْثِه بهنَّ عقوبة لهن لا ابتداء وجوده. وتعقبه العيني فقال: كيف يقول: لا ابتداء وجووه. والخبر فيه: "أول ما أرسل". وبينه وبين كلامه منافاة، وأيضًا: من أين وردَ أن الحيض طال مكثه على نساء بني إسرائيل، ومن نقل هذا. قلت: هذا الاعتراض ساقط، فإن قوله في الحديث: "أول ما أرسل" لا منافاة فيه لما قال، بل فيه دلالة له؛ لأن الإرسال عبارة عن الانطلاق، والانطلاق فيه دلالة على الكثرة، والكثرة تستلزم طول المكث، والتوفيق بين الأحاديث لا يشترط فيه النفل، بل يحصُل بما هو ممكن مما يزيل التعارض كما هو مقرر في علم الأصول. وأجاب العيني بأنه يمكن أن الله تعالى قطع حيض نساء بني إسرائيل عقوبةً لهُن ولأزواجهن لكثرة عنادِهم، ومضت على ذلك مدة، ثم إن الله رحمهم وأعاد حيض نسائهم الذي جعله سببًا لوجود النسل، فلما أعاده عليهم كان ذلك أول الحيض بالنسبة إلى مدة الانقطاع، فأطْلَق الأولية عليه بهذا الاعتبار؛ لأنها من الأمور النسبية. قلت: هذا الجواب ظاهر السقوط لما فيه من البُعد من انقطاع الحيض وإعادته، فما في الأحاديث دلالة على أنه انقطع بعد أن حصل، ولما فيه أيضًا من منافاة الحديث، فإن الحديث فيه أن الحيضَ أُرسل عقوبة لنساء بني إسرائيل، وهو قال: إن هذا الابتداء والإرسال كان رحمة لهن.

стр. 2531

وأجاب في "المصابيح" بالحمل على أن المراد بإرسال الحيض إرسال حكمه، بمعنى أن كون الحيض مانعًا ابتدىء بالإسرائيليات، وحمل الحديث على قضاء الله علي بنات آدم بوجود الحيض، كما هو الظاهر منه. قلت: هذا الجواب عندي حسن. باب الأمر بالنفساء إذا نفسن أي: الأمر المتعلق بالنُّفساء، والجمع في قوله: "إذا نَفِسْنَ" للجنس، وفي رواية: "إذا نَفِسَ" بتذكير الضمير الراجع للنفساء، باعتبار الشخص، أو لعدم الإلباس، لاختصاص الحيض بالنساء. وقيل: إن الباء في "بالنفساء" زائدة؛ لأن النفساء مأمورة لا مأمور بها. وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: باب: الأمر للنساء إذا نَفِسْنَ. وفي أكثر الروايات الباب والترجمة ساقطان. وترجم بالنفساء إشعارًا بأن ذلك يُطلق على الحائض، لقول عائشة في حديث الباب: "حِضْتُ"، وقوله ﷺ لها: "أَنَفِسْتِ" وهو بضم النون وفتحها، وكسر الفاء فيهما للحيض والولادة. وقال الخطابي: أصل هذه الكلمة من النَّفْسِ، وهو الدم، إلا أنهم فرَّقوا بين بناء الفعل من الحيض والنفاس، فقالوا في الحيض: نَفِسَت بفتح النون، وفي الولادة بضمها. وقال الأصمعي: هو بضم النون فيهما .. وقال النووي: الضم في الولادة أكثر من الفتح، والفتح في الحيض أكثر من الضم. وقال الهَرَوي: الضم والفتح في الولادة، وأما الحيض فبالفتح لا غير.

стр. 2532

الحديث الأول حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لاَ نَرَى إِلاَّ الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي قَالَ: "مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ". قَالَتْ: وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. قوله: "لا نُرى" جملة حالية، ونُرى بضم النون، أي: لا نظن، وفي رواية: "لا نَرى" بفتحها. وقوله: "إلا الحج" أي: إلا قصده؛ لأنهم كانوا يظُنون امتناع العمرة في أشهر الحج، فأَخْبَرت عن اعتقادها أو عن الغالب من حال الناس أو حال الشارع. وقوله: "فلما كُنا" للكُشميهني وللأصيلي: "فلما كنت". وقوله: "بِسَرِف" بوزن كتف، موضع على عشرة أميال أو تسعة أو سبعة أو ستة من مكة، غير منصرف للعلمية والتأنيث، وقد يُصرف باعتبار إرادة المكان. وقوله: "وأنا أبكي" جملة إسمية حالية. وقوله: "أمر كتبه الله" أي: شأن امتحنَهُنَّ به وتعبَّدَهُن بالصبر عليه. وقوله: "فاقضي ما يَقْضي الحاج" بإثبات الياء في "اقضي" لأنه خطاب لعائشة، والمراد بالقضاء هنا الأداء، وهما في اللغة بمعنى واحد، أي أدِّ الذي يؤديه، وفي الرواية الآتية في الحج: "افعلي كما يفعل الحاج".

стр. 2533

وقوله: "غير أن لا تطوفي بالبيت" أي: غير أن تطوفي بالبيت، فلا زائدة، وإلا فغير عدم الطواف هو نفس الطواف، أو تطوفي مجزوم بلا، وأن مخففة من الثقيلة، وفيها ضمير الشأن، أي: لا تطوفي ما دُمتِ حائضًا. وفي الرواية الآتية زيادة: "حتى تَطَّهّري" بتشديد الطاء والهاء. وقوله: "وضحّى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر"، ولأبي ذر والحموي والمستملي: "بالبقرة". ودل الحديث على أن طواف الحائض فاسد؛ لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد، وفي معنى الحائض الجُنُب والمحدِث كما هو قول الجمهور. وذهب جمع من الكوفيين منهم أبو حنيفة وحماد ومنصور والحكم إلى عدم اشتراط الطهارة في الطواف، واختلف أصحاب أبي حنيفة في وجوبها وجبرانها بالدم. وأما السعي فلم يذكر ابن المنذر عن أحد من السلف اشتراط الطهارة له إلا عن الحسن البصري، وحكى ذلك رواية عن الحنابلة، والذي عند المالكية أن الطهارة له مستحبة. واستدلت المالكية القائلون بأن الضحية والهَدْي لا يُجزىء فيهما التشريك بظاهر هذه الرواية من قوله: "عن نسائه بالبقر" فإن البقر جمع، فالظاهر توزيعه على النساء، فيكون ضحّى عن كل واحدة ببقرة. وكذلك رواية مسلم بلفظ: "ضحّى رسول الله ﷺ عن نسائه بالبقر"، وعند النَّسائي التصريح بما أفهمته الروايتان عن عائشة من رواية عمّار الدُّهْنِي قالت: "ذبح عنا رسول الله ﷺ يوم حَجَجْنا بقرةً بقرةً". وأما رواية يونس عن الزهري عن عائشة أخرجها أبو داود والنسائي أن النبي ﷺ نَحَر عن أزواجه بقرة واحدة. فقد قال القاضي إسماعيل: إن يونُس تفرَّدَ بها، وقد خالفه غيره. وتمسك الشافعية وغيرهم بهذه الرواية, فأجازوا الاشتراك في الضحيّة والهدي، قائلين: إنها تفرُّد من ثقة حافظ، وقد تابعه مَعْمر عند النسائي بلفظ

стр. 2534

أصرح من لفظه: قال: ما ذُبِح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة. وروى النسائي عن أبي هريرة قال: ذَبَح رسول الله ﷺ عمَّن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرةً بينهنَّ. صححه الحاكم، وهو شاهد قوي لرواية الزُّهري. واستدل بعض العلماء كالبخاري وغيره بهذا الحديث على أن الرجل له التضحية عن نسائه من غير أمرهن، آخذًا ذلك من استفهام عائشة عن اللحم لمّا دخل عليها به بقولها: "فقلت: ما هذا؟ " كما يأتي في رواية الحج، قائلًا: لو كان ذبحه بعلمها لم تَحْتَج إلى الاستفهام، لكن ليس هذا دافعاً للاحتمال، فيجوز أن يكون عِلْمُها بذلك تقدم بأن يكون استأذَنهُنَّ في ذلك، لكن لما أدخل اللحم عليها احتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير ذلك، فاستفهمت عنه لذلك. قلت: وهذا الوجه ظاهر؛ لأن علمها بالتضحية عنها لا يستلزم أن تعلم أن اللحم من تلك التضحية. ومذهب المالكية أنه لابد من الاستنابة باللفظ، كـ "اذبح عني" أو بالعادة كالزوج أو القريب المتعاطي أمور الشخص، وما وقع في هذا الحديث محتمل للأمرين. رجاله خمسة: الأول: علي بن عبد الله المديني مرَّ تعريفه في الرابع عشر من كتاب العلم. والثاني: سُفيان بن عيينة وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي. ومرَّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من كتاب الغسل. ومرَّ أبوه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق في الحادي عشر منه. ومرّت عائشة أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والسماع في ثلاثة مواضع، وفيه

стр. 2535

أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني. أخرجه البخاري هنا، وفي الأضاحي عن قُتيبة ومُسَدَّد. ومسلم في الحج عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وغيره، والنَّسائي في الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم، وفي الحج عن محمد بن عبد الله وغيره. وابن ماجه في الحج عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، وعلي بن محمد. باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله بالجر عطفًا على غسل المجرور بالإِضافة، أي: تسريح شعر رأسه وتنظيفه وتحسينه، والحديث مطابق لما تُرجم له من جهة الترجيل، وأُلحق به الغسل قياسًا أو إشارة إلى الطريق الآتية في باب مباشرة الحائض، فإنها صريحة في ذلك، إذ فيها: "فأَغْسِلُه وأنا حائض" وهو دالٌّ على أن ذات الحائض طاهرة، وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها.

стр. 2536

الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ. قوله: "كنت أُرَجِّل" بضم الهمزة وتشديد الجيم، أي: أمشط. وقوله: "رأس رسول الله" أي: شعر رأسه، فهو من مجاز الحذف؛ لأن الترجيل للشعر لا للرأس، أو من إطلاق المحل على الحال مجازًا. وقوله: "وأنا حائض" جملة اسمية حالية. رجاله خمسة: عبد الله بن يوسف التِّنِّيسيّ، والإمام مالك بن أنس، وهشام بن عروة، وأبوه عروة , وعائشة أم المؤمنين، وقد مرّوا بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته مدنيون ما عدا عبد الله بن يوسف، فإنه تِنيسي. أخرجه البخاري هنا وفي اللباس أيضًا عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه الترمذي في "الشمائل" عن إسحاق بن موسى، والنسائي في الطهارة والاعتكاف عن قُتيبة، ثلاثتهم عن مالك.

стр. 2537

الحديث الثالث حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الْحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّي الْمَرْأَةُ وَهْيَ جُنُبٌ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: كُلُّ ذَلِكَ عَلَىَّ هَيِّنٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِي، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ، يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهْيَ حَائِضٌ. قوله: "وهي جُنب" يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع كما مرَّ، لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، والجملة اسمية حالية. وقوله: "كل ذلك علي هين" أي: الخدمة والدنو، و"هيِّن" بتشديد الياء، وقد تخفف، أي: هين، ولابن عساكر: "كل ذلك هين". وقوله: "وكل ذلك تخدمني" الإشارة إلى الحائض والجُنُب، وجازت الإشارة بذلك إلى اثنين، كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، و"كُلُّ" رفع على الابتداء أو منصوب على الظرفية. وقوله: "كانت ترجِّل" أي: شعر رأسه، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأصيلي: "يعني رأس رسول الله". وقوله: "وهي حائض" بالهمز والجملة حالية، ولم يقل حائضة بالتاء، لعدم الالتباس، لاختصاص الحيض بالنساء. وقوله: "مجاور في المسجد" أي: معتكف فيه، وحجرة عائشة كانت ملاصقة للمسجد.

стр. 2538

وقوله: "وهي في حُجرتها" بضم الحاء المهملة جملة حالية. وقوله: "فتُرَجِّله وهي حائض" أي: فترجل شعر رأسه، والحال أنها حائض. وألحق عُروة الجنابة بالحيض قياسًا، وهو جلي؛ لأن الاستقذار بالحائض أكثر من الجُنُب، وألحق الخدمة بالترجيل. وفي الحديث دلالة على طهارة بدن الحائض وعرقها، وجواز مباشرتها، وأن المباشرة الممنوعة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، المراد بها الجِماع أو ما دونه من دواعي اللذة لا اللمس. ودل الحديث على أن إخراج المعتكف جزءً منه كيده ورأسه غير مُبطِل لاعتكافه، كعدم الحنث في إدخال بعضه دارًا حلف لا يدخُلَها، وأن الحائض لا تدخل المسجد. وقال ابن بطّال: فيه حجة على الشافعي في قوله: إن المباشرة مطلقًا تنقُض الوضوء. قال في "الفتح": لا حجة فيه؛ لأن الاعتكاف لا يُشترط فيه الوضوء، وليس في الحديث أنه عقَّبَ ذلك الفعل بالصلاة، وعلى تقدير ذلك فمسُّ الشعر لا ينقض الوضوء. قلت: ما أجاب به غير ظاهر، فإن كمال النبي ﵊ يقتضي أنه لا يكون معتكفًا في المسجد إلاَّ على طهارة. وقوله: إنه ليس في الحديث أنه عقَّب ذلك الفعل بالصلاة. يقال فيه: إنه ليس في الحديث أنه توضأ عُقِيب ذلك. رجاله ستة: الأول: إبراهيم بن موسى بن يزيد بن زَاذَان التَّميمي أبو إسحاق الرازِيّ

стр. 2539

الفرّاء المعروف بالصغير، وكان أحمد يُنْكِر على من يقول له الصغير؛ ويقول: هو كبير في العلم والجلالة. قال أبو زُرعة: هو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة وأصح حديثًا منه، لا يحدث إلاَّ من كتابه، وهو أتقن وأحفظ من صفوان بن صالح. وقال أبو حاتم: من الثقات، وهو أتقن من أبي جعفر الجمال. وقال صالح جزرة: سمعت أبا زُرعة يقول: كتبت عن إبراهيم بن موسى مئة ألف حديث، وعن أبي بكر بن أبي شيبة مئة ألف حديث. وقال النسائي ثقة. وفي سؤالات الآجُري عن أبي داود السِّجِسْتاني: قال أبو داود: كان عند إبراهيم حديث بخطِّ إدريس، فحدث به، فانكروه عليه، فتركه. قال ابن حجر: وهذا يدل على شدة توقّيه. وقال الخليلي في "الإرشاد": ومن الحفاظ الكبار العلماء الذين كانوا يُقْرَنون بأحمد ويحيى: إبراهيم بن موسى الصغير, ثقة، إمام. روى عن: هشام بن يوسف الصَّنْعاني، والوليد بن مُسلم، ويحيى بن أبي زائدة، وعيسى بن سُليمان، وخالد الواسطي، ويزيد بن زُرَيْع، وغيرهم. وروى عنه: البخاري، ومسلم، وأبو داود. وروى الباقون عنه بواسطة، ويحيى بن موسى خَتّ بفتح المعجمة وتشديد المثناه، وأبو زُرعة، وعَمرو بن منصور، وابن وارَه، والذُّهلي، وغيرهم. مات سنة بضع وعشرين ومئتين. والرازِيُّ في نسبه نسبة إلى الرَّي بالفتح، بلد معروف بين الدَّيْلم والجبال، له رَسَاتيق وأقاليم كثيرة، والنسبة إليه رازي، ألحقوا في النسب زايًا على خلاف القياس. الثاني: هشام بن يوسف الصَّنْعاني أبو عبد الرحمن الأَنْبارِي من أبناء الفرس، قاضي صنعاء. قال إبراهيم بن موسى: سمعت عبد الرزاق يقول: إن حدثكم القاضي،

стр. 2540

يعني هشام بن يوسف، فلا عليكم أن لا تكتُبوا عن غيره. قال الحسين بن الحسن الرازي عن يحيى بن مَعين: لم يكن به بأس، هو أضبط عن ابن جُرَيْج من عبد الرزاق، وكذا قال الدوري عن يحيى، وزاد: وكان أعلم بحديث سفيان من عبد الرزاق، وهو ثقة. وقال إبراهيم: وسمعت هشامًا يقول: قدم الثوري اليمن، فقال: اطلبوا كاتبًا سريع الخط، فارتادوني، فكنت أكتب. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زُرعة: كان هشام أصح اليمانيين كتابًا. وقال مرة أخرى: كان أكثرهم وأتقنهم وأحفظهم. وقال أبو حاتم: ثقة متقن. وقال العِجْلي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال أحمد: عبد الرزاق أوسع علمًا من هشام، وهشام أنصف منه. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال الخليلي: ثقة متَّفَق عليه، روى عنه الأئمة كلهم. روى عن: معمر، وابن جُرَيْج، والقاسم بن فَيّاض، والثوري، وعبد الله بن بُجَيْر، وإبراهيم بن عُمر بن كَيْسان، والنُّعمان بن أبي شَيْبة الجندي، وغيرهم. وروى عنه: ابن عمه زكرياء بن يحيى بن تميم بن عبد الرحمن الصَّنْعاني، ومحمد بن إدريس الشافعي، وعلي بن المديني، ويحيى بن مَعين، وإسحاق بن راهَوَيه، وعبدالله بن محمد المُسْنِدي، وإبراهيم بن موسى الرازي، وموسى بن هارون البَرْدَعي، وغيرهم. الثالث: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج -بالتصغير- الأُمَوي مولاهم أبو الوليد أو أبو خالد المكي، أصله رومي. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أول من صنف الكتب؟ فقال: ابن جُرَيْج، وابن أبي عَروبة. وقال ابن جُريج: لزمت عطاء سبع عشرة سنة، وجالست عمرو بن دينار بعدما فَرَغْتُ من عطاء سبع سنين، وكان يقول: ما دَوَّنَ العلمَ تدويني أحدٌ. وقال طلحة بن عُمر المكيّ قلت لعطاء: من نسأل بعدك؟ فقال: هذا الفتى

стр. 2541

إن عاش. وقال عطاء: شابُّ أهل الحجاز ابن جُرَيْج. وقال علي بن المديني: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فذكرهم، ثم قالِ: فصار علم هؤلاء إلى من صنف في العلم منهم من أهل مكة عبد الملك بن جُرَيْج. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي وغير واحد: لمن طلبتم العلم؟ فكان يقول: لنفسي، غير ابن جُرَيْج، فإنه قال: طلبته للناس. وقال يحيى القطان: ابن جُرَيْج أثبت في نافع من مالك. وقال أحمد: ابن جُريج أثبت الناس في عطاء. وقال يحيى بن سعيد أيضًا: كنا نسمّي كتب ابن جُرَيج كتب الأمانة، وإن لم يحدثك بها ابن جُرَيْج من كتابه لم ينتفع به. وسئل عنه أبو زُرعة فقال: بخٍ من الأئمة. وقال ابن خِراش: كان صدوقًا. وقال العجلي: مكي ثقة. وقال الشافعي: استمتع ابن جُرَيْج بسبعين امرأة. وقال أبو عاصم: كان من العُبّاد، وكان يصوم الدهر إلا ثلاثة أيام من الشهر. وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جُريج: قال فلان، وقال فلان، وأُخْبِرتُ، جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، وسمعت. فحسبك به. وقال الميموني: سمعت أبا عبد الله غير مرة يقول: كان ابن جُرَيْج من أوعية العلم. وقال المِخْراقي عن مالك: كان ابن جُرَيْج حاطب ليل. وقال إسماعيل بن داود عن ابن مَعين: ليس بشيء في الزُّهري. وقال ابن أبي مَرْيم عنه: ثقة في كل ما رُوي عنه من الكتاب. وقال جعفر بن عبد الواحد عن يحيى بن سعيد: كان ابن جُرَيج صدوقًا، إذا قال: حدثني. فهو سماع، وإذا قال: أخبرني. فهو قراءة، وإذا قال: قال. فهو شبه الريح. وقال سليمان بن النضر ما رأيت أصدق لهجة من ابن جُرَيْج. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أحسن صلاةً من ابن جُرَيْج.

стр. 2542

وقال عبد الرحمن بنُ أبي الزِّناد: شهدت ابن جُرَيْج جاء إلى هشام بن عُروة، فقال: يا أبا المنذر: الصحيفة التي أعطيتها فلانًا هي من حديثك؟ قال: نعم. فكان ابن جُرَيْج بعد ذلك يقول: حدْثنا هشام ما لا يُحصى. وقال الدارقطني: تجنَّبْ تدليسَ ابن جُرَيْج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلِّس إلاَّ فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما. وأما ابن عُيَيْنة فكان يدلس عن الثقات. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان من فقهاء أهل الحجاز وقرّأئهم ومتقنيهم، وكان يدلِّس. وقال الذهلي: ابن جُرَيْج إذا قال: حدثني وسمعت. فهو محتجٌّ به، داخل في الطبقة الأولى من أصحاب الزُّهري. روى عن: حكيمة بنت رقيقة، وأبيه عبد العزيز، وعطاء بن أبي رباح، وطاووس، والزُّهري، وصالح بن كَيْسان، وعِكْرمة. وقيل: لم يسمع منه. وعَمرو بن دينار، وخلق كثير. وروى عنه: ابناه عبد العزيز ومحمد، والليث، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو من شيوخه، وحمّاد بن زَيْد، وابن عُيينة، وخلق كثير. مات في أول عشر ذي الحجة سنة خمسين ومئة، وهو ابن ثمانين سنة. الرابع: هشام بن عروة، والخامس: أبوه عروة، والسادس: عائشة أُم المؤمنين الصديقة، ومرَّ الثلاثة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار بصيغة الإفراد في أربعة مواضع، غير أن قوله: قال: أخبرني. رُوِيَ: أخبرنا. والأول أكثر. وفيه العنعنة في موضع واحد.

стр. 2543

وفيه لطيفة حسنة، وهي: ابن جُرَيْج يروي عن هشام، وهشام يروي عن ابن جُرَيْج، فالأعلى ابن عروة، والأدنى ابن يوسف، ورواته ما بين رازي وصنعاني ومكي ومدني. باب قراءة القرآن في حجر امرأته وهي حائض " الحِجْر" بتثليث الحاء وسكون الجيم حضن الإنسان، وفي رواية: "باب قراءة القرآن في حجر المرأة". وكَانَ أبو وَائِل يُرْسِلُ خادِمَهُ وهيَ حائضٌ إلى أبي رَزِينٍ فَتأْتيهِ بالمُصْحَفِ فَتُمْسِكُهُ بِعِلاقَتِهِ. قوله: "خادمه" أي: جاريته، والخادم يُطلق على الذكر والأنثى. وقوله: "بعِلاقته" بكسر العين. أي: الخيط الذي يُربط به كيسه، وذلك مصير منهما إلى جواز حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف، يحمل الحائض المؤمن الذي يحفظ القرآن؛ لأنه حامله في قلبه، وهذا مذهب أبي حنيفة. واستدل من جوِّز ذلك بحديث: "إن المُؤمِنَ لا ينجُسُ"، وبكتابه ﵊ إلى هِرَقْل، وفيه القرآن، مع علمه أنهم يمَسُّونه، وهم أنجاس. ومنعه الجمهور، وفرَّقوا بين العمل والاتِّكاء، بأن العمل مُخِلٌّ بالتعظيم، والاتكاء لا يُسَمّى في العُرف حملًا. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، ويمسُّه مجزوم بلا الناهية، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة أنه مذهب البصريين، بل قال في الدُّرِّ: إن سيبَوَيْه لم يحفظ فيه إلا الضم. ولو حمله مع أمتعة وتفسير ولو قلَّ جدًّا حلَّ، إذا كانت هي المقصودة، فلو قصده ولو معها حَرُم، وكذا إذا كان التفسير أقل من القرآن عند الشافعية. وهذا الأثر أخرجه ابن أبي شَيْبة في "مصنفه" بسند صحيح، فقال: حدّثنا

стр. 2544

جَرير، عن مُغيرة: كان أبو وائل. فذكره. وأبو وائل، شَقيق بن سلَمة، مرَّ في الثاني والأربعين من كتاب الإِيمان. وأما أبو رَزِين بفتح الراء مكبّرًا، فهو مسعود بن مالك أبو رَزِين الأَسَدي أسد خُزَيْمة، مولى أبي وائل الأَسَدِي الكوفي. روى عن: مُعاذ بن جَبَل، وابن مسعود، وعمرو بن أم مَكْتُوم، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأَشْعَري، وابن عبّاس، وغيرهم. وروى عنه: ابنه عبد الله، وإسماعيل بن أبي خالد، وعاصم بن أبي النَّحْوي، والأَعْمَش، وعطاء بن السائب، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم سئل أبو زرعة عنه، فقال: اسمه مسعود، كوفي ثقة. وقال أبو حاتم: شهد صفين مع علي. وقال يحيى: كان أكبر من ابن أبي وائل، وكان عالمًا فَهْمًا. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قيل: قتله ابن زِياد بالبصرة، وقيل: إن الذي قتله عُبيد الله بن زياد وهو أبو رَزِين الأسدي المُسَمّى بعبد، وأما هذا المسمّى بمسعود فقد تأخر إلى حدود التسعين من الهجرة. وأرخ ابن قانع وفاته سنة خمس وثمانين. وقال أبو بكر بن عَيّاش عن عاصم: قال لي أبو وائل: لا تعجَبْ من ابن أبي رَزِين، قد هَرِم، وإنما كان غلامًا على عهد عمر، وأنا رجل، ولم يقع في البخاري له ذكر إلاَّ في هذا الموضع لا غير. وموجود أبو رَزين آخر أسدي، اسمه مسعود بن مالك، روى عن سَعيد بن جُبَيْر. وبالغ البَرْقاني فيما حكاه الخطيب عنه في الرد على من زعم أنهما واحد. وسبب الاشتباه مع اتفاقهما في الاسم واسم الأب والنسبة إلى القبيلة والبلد، أن الأعمش روى عن كلٍّ منهما, ولكن الذي روى عن سعيد بن جُبَيْر أصغر من هذا بكثير.

стр. 2545

الحديث الرابع حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ سَمِعَ زُهَيْرًا عَنْ مَنْصُورٍ ابْنِ صَفِيَّةَ أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَّكِىءُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. قوله: "وأنا حائض" جملة حالية من ياء المتكلم في "حجري". وقوله: "ثم يقرأ القرآن" وللمصنف في كتاب التوحيد: "كان يقرأ القرآن ورأسه في حجْري وأنا حائض"، وحينئذٍ فالمراد بالاتّكاء وضع رأسه في حِجْرها. قال ابن دَقيق العيد: في هذا الفعل إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، لأن قراءتها لو كانت جائزة لما تُوُهِّم امتناع القراءة في حِجْرها، حتى احتيج إلى التنصيص عليها. ومذهب المالكية جواز قراءة الحائض القرآن إلى أن تَطْهُر، فيمتنع عليها إلى أن تغتسل كالجُنُب، وعلَّلوا الجواز بأن مانعها ليس بيدها رفعه. وفي الحديث جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة ما لم يَلْحَق شيئًا منها نجاسةٌ، وهذا مبني على منع قراءة القرآن في المواضع المستقذرة. وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة. وفيه جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض إذا كانت أثوابها طاهرة، قاله القُرطبي.

стр. 2546

رجاله خمسة: الأول: أبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن، مرَّ في الخامس والأربعين من كتاب الإيمان. والثاني: زُهَيْر بن مُعاوية، مرَّ أيضًا في الثالث والثلاثين منه. الثالث: منصور بن صَفِية بنت شَيْبة، وأبو منصور عبد الرحمن بن طَلْحة بن الحارِث بن طَلْحة بن أبي طلحة بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدّار بن قُصَي القُرَشِي العَبْدَرِي الحَجَبِي المكي، وإنما نُسِبَ لأمه لأنه اشتُهِر بها وروى عنها. قال ابن حِبّان في "الثقات": كان ثبتًا. ثقة. وقال الأثْرم: سئل عنه أحمد، فأحسن الثناء عليه. وقال ابن عُيَيْنة: يُثنى عليه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال النَّسائي: ثقة. وقال الحُمَيْدي عن ابن عُيينة: كان يبكي في وقت كل صلاة. وقال هشام بن الكَلبي: رأيته في زمن خالد بن عبد الله يَحْجُبُ البيت وهو شيخ كبير. روى عن: أمه صفية بنت شيبة، ومُسافِع بن شَيْبة الحَجَبي، وسعيد بن جُبَيْر، ومحمد بن عباد بن جَعْفَر، وأبي سعيد مولى ابن عبّاس. وروى عنه: أخوه محمد، وزائدة، وابن جُرَيْج، ووُهَيْب، وزهير بن مُعاوية، وزهير بن محمد، ومعروف بن مُشْكان، وداود بن عبد الرحمن العطّار، والسفيانان، وفُضَيْل بن سُليمان. مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئة. الرابع: صفية بنت شَيْبة بن عُثمان بن أبي طلحة مرت في التاسع والعشرين من الغُسل. والخامس: عائشة رضي الله تعالى عنها، وقد مرت في الثاني من بدء الوحي.

стр. 2547

باب من سمى النفاس حيضًا قيل: هذه الترجمة مقلوبة؛ لأن حقها أن يقول: من سمى الحيض نِفاسًا. وقيل: تُحمل على التقديم والتأخير، والتقدير: من سمى حيضًا النِّفاس، أو المراد بقوله: "مَن سمى": من أطلق لفظ النفاس على الحيض، فيطابق ما في الخبر بغير تكلُّف. وقال المهلَّب: لما لم يجد المصنف نصًّا على شرطه في النفاس، ووجد تسمية الحيض نفاسًا في هذا الحديث، فُهِم منه أن حكم دم النفاس حكم دم الحيض. وتُعُقِّب بأن الترجمة في التسمية لا في الحكم. وقال ابن رشيد وغيره: مراد البخاري أن يثبت أن النِّفاس هو الأصل في تسمية الدم الخارج، والتعبير به تعبير بالمعنى الأعم، والتعبير عنه بالحيض تعبير بالمعنى الأخص، فعبر النبي ﷺ بالأول، وعبَّرت أم سلمة بالثاني، فالترجمة على هذا مطابِقَة لما عبَّرت به أم سلمة.

стр. 2548

الحديث الخامس حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ: "أَنُفِسْتِ". قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْخَمِيلَةِ. قوله: "مضطجعة" بالرفع، ويجوز النصب. وقوله: "في خَميصَة" بالخاء المعجمة وبالصاد المهملة، كساء أسود له أعلام، يكون من صوف وغيره. وأكثر الروايات فيها: "خميلة" باللام بدل الصاد، وهو موافق لما في آخر الحديث. والخَميلة، قيل: القطيفة. وقيل: الطِّنْفِسة. وقال الخليل: الخميلة ثوب له خَمْل، أي: هُدب، وعلى هذا لا منافاة بين الخَميصة والخميلة فكأنها كانت كساء أسود له أهداب. وقوله: "فانسلَلْت" بلامين، الأولى مفتوحة، والثانية ساكنة، أي: ذهبت في خِفْيَةٍ، زاد المصنف في رواية تأتي قريبًا: "فخرجتُ منها" أي: من الخميلة. قال النووي: كأنها خافت وصول شيء من دمها إليه، أو خافت أن يطلُب الاستمتاع بها، أو تقذَّرت نفسها ولم ترضها لمضاجعته، فلذلك أذِن لها في العود. وقوله: "فأخذتُ ثياب حيضتي" روي بفتح الحاء وكسرها، وجزم الخطابي بالكسر، ورجحه النووي، ورجح القُرطبي الفتح لوروده في بعض طرقه بلفظ:

стр. 2549

"حَيْضي" بغير تاء. فمعنى الفتح: أخذت ثيابي التي أَلبَسُها زمن الحيض؛ لأن الحَيْضة بالفتح هي الحَيْض، ومعنى الكسر أخذت ثيابي التي أعددتها لألبسها حالة الحيض؛ لأن الحِيْضة بالكسر للمهيئة والحالة. وقوله: "أَنَفِسْتِ" بضم النون وفتحها، ومرَّ استيفاء الكلام عليه في باب الأمر للنُّفساء إذا نفِسْن. وفي الحديث جواز النوم مع الحائض في ثيابها، والاضطجاع معها في لحاف واحد، واستحباب اتخاذ المرأة ثيابًا للحيض غير ثيابها المعتادة. رجاله خمسة: الأول: مكي بن إبراهيم مرَّ في السابع والعشرين من كتاب العلم. ومرَّ هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتُوائي في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ يحيى بن أبي كَثير في الثالث والخمسين من كتاب العلم. ومرَّ أبو سَلَمة بن عبد الرحمن بن عَوْف في الحديث الثالث من بدء الوحي. ومرّت زَيْنَب بنت أم سلمة في السبعين من كتاب العلم. ومرّت أمها أم سلمة أم المؤمنين في السادس والخمسين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضعين أيضًا، والعنعنة في موضعين. وفيه أبو سلمة وأم سلمة، وليست كنيتان باعتبار شخص واحد، بل سَلَمة الأول هو ابن عبد الرحمن، وسلمة الثاني ولد ابن عبد الأسد رضي الله تعالى عن الجميع. وفيه أن يحيى روى عن أبي سلمة رضي الله تعالى عنه بالعنعنة، وفي رواية مسلم روى عنه بالتحديث. وفيه رواية تابعي عن صحابية، ورواته ما بين بَلْخِي وبَصْري ويماني ومدني.

стр. 2550

أخرجه البخاري هنا، وأخرجه في الصوم أيضًا عن مسدد، وفي الطهارة عن سَعْد بن حَفْص. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي موسى محمد بن المثنّى. والنسائي عن عُبيد الله بن سعيد، وغيره. باب مباشرة الحائض المراد بالمباشرة: التقاء البشرتين لا الجماع.

стр. 2551

الحديث السادس حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلاَنَا جُنُبٌ. وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. قوله: "كنتُ أغتسل أنا والنبي" قد مرَّ كثيرًا أن "النبي" فيه الرفع عطفًا على الضمير المرفوع في "كنت"، والنصب على أن الواو بمعنى مع، أي: مصاحبة له ﵊. وقوله: "كلانا جُنُب" أي: بالتوحيد أفصح من التثنية. وقوله: "فأتَّزِر" بتشديد التاء المثناة بعد الهمزة، وأصله: فأأتَزِر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة، ثم المثناة بوزن أفتعل، وأنكر أكثر النحاة الإدغام، حتى قال في "المفصل": إنه خطأ. لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين، وحكاه الصَّغاني في "مجمع البحرين". وقال ابن مالك: إنه مقصور على السماع. ومنه قراءة ابن مُحَيْصِن: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بالتشديد. وعلى تقدير أنه خطأ فهو من الرواة عن عائشة، فإن صح عنها كان حجة في الجواز؛ لأنها من فصحاء العرب، وحينئذ فلا خطأ. والمراد بذلك أنها تشُدُّ إزارها على وسطها، وحدد ذلك الفقهاء بما بين السرة والركبة، عملًا بالعُرف الغالب، وقد سبق الكلام على مباحث الحديث قبل هذا ببابين، وفي كتاب الغسل في باب تخليل الشعر.

стр. 2552

رجاله ستة: الأول: قَبيصة بن عُقبة، والثاني: سفيان الثَّوري وقد مرّا في الثامن والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ إبراهيم بن يَزيد النَّخَعي في السادس والعشرين منه. ومرَّ منصور بن المُعْتَمِر في الثاني عشر من كتاب العلم. ومرّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من كتاب العلم أيضًا. ومرّت عائشة رضي الله تعالى في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع، ورواته كلهم إلى عائشة كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابية. أخرجه البخاري هنا، وفي باب الصوم عن محمد بن يوسف الفِرْيابي. ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، وغيره. وأبو داود، فيها عن مسلم بن إبراهيم. والترمذي فيها عن بُندار. والنسائي فيها عن إسحاق بن إبراهيم، وفي عشرة النساء عن محمود بن غَيْلان. وابن ماجه فيها أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.

стр. 2553

الحديث السابع حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ. قوله: "إحدانا" أي: إحدى أزواجه ﷺ . وقوله: "أن تَتَّزِر" بتشديد المثناة الثانية، وقد مرَّ توجيهها قريبًا. وللكُشميهني: "أن تأْتَزِر" بهمزة ساكنة، وهي أفصح. وقوله: "في فَوْرِ حيضتِها" أي: في أوله ومعظمه، وقال القُرطبي: فَوْرَ الحيضة معظم صبِّها من فَوَران القِدْر وغَليَانها. وقوله: "ثم يباشِرَها" أي: بملاقاة البشرة للبشرة من غير جِماع؛ لأنه حرام إجماعًا. وقوله: "وأيكم يملُكُ إربَه" أي: بكسر الهمزة وسكون الراء ثم موحدة، قيل: المراد عُضْوَه الذي يستمتِع، وقيل: حاجته؛ لأن الحاجة تسمى إِرْبًا بالكسر والسكون، وتُسمى أَرَبًا بفتح الهمزة والراء. وإنكار رواية الكسر لا معنى له لثبوتها ووضوح توجيهها، والمعنى هو أنه ﷺ كان أملك الناس لأمره، فلا يُخشى عليه ما يُخشى على غيره، من أن يحوم حول الحمى، ومع ذلك فكان يباشر فوق الإزار تشريعًا لغيره ممن ليس بمعصوم. وبهذا قال أكثر العلماء، وهو البخاري على قاعدة المالكية في باب سد الذرائع.

стр. 2554

قلت: يظهر لي في هذا الحديث معنى آخر لم أر مَن ذكره، وهو أن المعنى فيه الرد على المتنطعين المانعين قربان الحائض ألبتة، فأَخْبَرَتْ بأنه ﵊ كان يفعل هذا مع ملكه لنفسه، وقدرته على ردِّ شهوته، فكيف يتنزه عنه غيره. وذهب كثير من السلف، والثوري، وأحمد، وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، ورجحه الطحاوي، وهو اختيار أصبغ من المالكية، واحد القولين أو الوجهين للشافعية، واختاره ابن المُنذر. وقال النووي: هو الأرجح دليلًا، لحديث أنس عند مسلم: "اصنَعوا كلَّ شيءٍ إلا الجماعَ"، ولما رواه أبو داود بإسناد قوي عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، "أنه كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها ثوبًا"، وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة. وقال ابن دقيق العيد: ليس في حديث الباب ما يقتضي منع ما تحت الإزار؛ لأنه فِعْلٌ مجرَّد. واستدل الطحاوي على الجواز بأن المباشرة تحت الإزار دون الفرج لا توجب حدًّا ولا غُسلًا، فأشبهن المباشرة فوق الإزار. وفرق بعض الشافعية، فقال: إن كان يضبطُ نفسه عن المباشرة عن الفرج، ويَثِقُ منها باجتنابه، جاز، وإلا فلا. واستحسنه النووي. ولا يبعُد توجيه قول مفرِّقِ بين ابتداء الحيض وما بعده، لظاهر التقييد بقولها: "فَوْرَ حيضتِها"، ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أُم سلمة: "أن النبي ﷺ كان يتَّقِي سَوْرَة الدم ثلاثًا، ثم يباشِر بعد ذلك". ويُجمع بينه وبين الأحاديث الدالة على المبادرة إلى المباشرة على اختلاف هاتين الحالتين. قلت: أَخْذُ هذا الوجهِ من حديث الباب بعيدٌ جدًّا؛ لأنه صريح في ضده،

стр. 2555

وأما من حديث ابن ماجه فظاهر؛ لأنه صريح فيه. ويجوز الاستمتاع بالسُّرّة والركبتين، نصت على ذلك كتب المالكية، ونص عليه الشافعي في الأم. ولو وَطِىء عامدًا عالمًا بالتحريم أو الحيض، مختارًا، فقد ارتكب كبيرة، فيتوب. وقال الشافعي في الجديد: لا غرم، ويُندب ما أوجبه في القديم، وهو دينار إن وَطِىء في قوة الحيض، وإلا فنصفه. وما في القديم للشافعي هو مذهب ابن عباس، وفي المشهور عند المالكية: لا يَجِبُ إلا التوبة والاستغفار، وأوجب القاضي عِياض وابن عبد البَر خُمس الدينار في أثناء الحيض، ونصفه، أي: الخمس بعد الانقطاع، ونظم هذا بعضُهم فقال: وواطىءُ الحائضِ لا يكفُرُ ... للبَرْزَلي لكنَّهُ يستغْفِرُ وخُمس الدينارِ عن عياضِ ... به ابنُ عبدِ البرِّ فيهِ قاضي ونصفُه من بعد الانقطاعِ ... وأَلْزَمَ الدينار في الجماعِ في أولِ الدَّم ابنُ عباسٍ وفي ... آخرِه النَّصيفُ منه فاعْرِفِ رجاله ستة: الأول: إسماعيل بن خَليل الخَزاز -بمعجمات- عبد الله الكوفي. روى عن: علي بن مُسْهِر، وعبد الرحمن بن سليمان، وحفص بن غياث، وغيرهم. وروى عنه: البخاري، ومسلم، وروى أبو داود بواسطة الذُّهلي حديثًا، وحسنٌ غيرُ منسوب، وبُسْر بن موسى، وغيرهم. قال أبو حاتم: كان من الثقات. وقال مُطَيَّن: كان ثقة. وكتب عنه ابن نُمَيْر. وقال العِجْلي: ثقة صاحب سنة. وذكره ابن حِبّان في الثقات. مات سنة خمس وعشرين ومئتين.

стр. 2556

الثاني: علي بن مُسْهِر باسم الفاعل القُرَشي، أبو الحسن الكوفي الحافظ، قاضي الموصل. قال عبد الله عن أبيه: صالح الحديث، أثبت من أبي مُعاوية. وقال عثمان الدارِمي: قلت لابن مَعين: هو أحب إليك أو أبو خالد الأحمر؟ فقال: ابن مُسْهِر. فقلت: ابن مسهر أو إسحاق بن الأزرق؟ قال: ابن مُسْهِر. قلت: ابن مُسْهِر أو يحيى بن أبي زائدة. قال: كلاهما ثقة. قال يحيى: هو أثبت من ابن نُميْر. وقال العِجْلي: قرشي ثقة من أنفسهم جمع الحديث والفقه ثقة. وقال فيه أيضًا: صاحب سنة ثقة في الحديث، ثبت فيه، صالح الكتاب، كثير الرواية عن الكوفيين. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو زُرعة: صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يحيى بن يحيى: إنه ولي قضاء أرمينية، فاشتكى عينه، فدس إليه القاضي الذي كان بأرمينية طبيبًا، فكحَّلَه، فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى. وقال أحمد لما سُئِل عنه: لا أدري كيف أقول، كان قد ذهب بصره، فكان يحدثهم من حفظه. روى عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عُروة، وعبد الملك بن أبي سُليمان، ومُطَرِّف بن طَريف، وأبي إسحاق الشيباني، والأجْلَح الكِنْدي، وغيرهم. وروى عنه: أبو بكر وعثمان ابنا أبي شَيْبة، وبِشْر بن آدم، وزكريّاء بن عَدي، وهنّاد بن سَريّ، وغيرهم. مات سنة تسع وثمانين ومئة. والثالث: أبو إسحاق الشَّيْباني مولاهم، وقيل: إنه سليمان بن أبي سليمان مولى ابن عباس، وأبو سليمان اسمه فَيْروز، وقيل: خاقان، ويقال: عمرو. قال الجوزجاني: رأيت أحمد يُعجبه حديث الشيباني، ويقول: هو أهل أن لا ندع له شيئًا. وقال ابن مَعين: ثقة حجة. وقال أبو حاتِم: ثقة صدوق صالح

стр. 2557

الحديث. وقال النَّسائي: ثقة. وقال العِجْلي: كان ثقة من كبار أصحاب الشعبي. وقال أبو بكر بن عياش: وإن الشيباني فقيه الحديث. وقال ابن عبد البَر: هو ثقة حجة عند جميعهم. روى عنه: عبد الله بن أبي أَوْفى، وزِر بن حُبَيْش، وأشعث بن أبي الشَّعثاء، وبُكَيْر بن الأخْنس، وجَبَلَة بن سُحَيْم، وعبدالله بن شَدّاد بن الهادي، وغيرهم. وروى عنه: ابنه إسحاق، وأبو إسحاق السَّبيعي وهو أكبر منه، وعاصم الأحول، وهو من أقرانه، والثوري، وشعبة، وجعفر بن عَوْن، وهو خاتمة أصحابه. مات سنة تسع وعشرين ومئة وقيل: سنة ثمان وثلاثين. وقيل: سنة تسع وثلاثين. والشَّيباني في نسبه نسبة إلى شَيْبان، حيٌّ من بكر، وهما الشيبانيّة، وهما شيبانان، أحدهما شيبان بن ثَعْلبة بن عُكابة بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل. والآخر شيبان بن ذُهْل بن ثَعلبة بن عُكابة وهما قبيلتان عظيمتان، تشتملان على بطون وأفخاذ، وإلى الثانية نسب إمام المذهب أحمد بن حنبل، والإمام محمد بن الحسن صاحب الإِمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما. الرابع: عبد الرحمن بن الأسود، وقد مرَّ في الثاني والعشرين من كتاب الوضوء. ومرَّ أبوه الأسود بن يزيد في السابع والستين من كتاب العلم. ومرت عائشة أُم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار بصيغته في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه قوله: "وهو الشيباني" إشارة إلى أنه تعريف له من تلقاء نفسه، وليس من كلام شيخه، وقد مرَّ الكلام على ذلك في الحديث السادس من كتاب الوضوء. ورواته كلهم إلى عائشة كوفيون، وفيه رواية تابعي عن صحابية.

стр. 2558

أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وعلي بن حَجَر. وأبو داود عن عثمان بن أبي شَيْبة. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة. تابَعَهُ خالِدٌ وجَريرٌ عَنِ الشَّيْبَانيِّ. أي: تابعا علي بن مُسْهِر في رواية هذا الحديث عن أبي إسحاق الشَّيْبانى بهذا الإسناد، وللشيباني فيه إسناد آخر يأتي عقبه. ومتابعة خالد له وصلها أبو القاسم التَّنوخي في "فوائدة" من طريق وَهْب بن بَقيّة عنه، ومتابعة جَرير وصلها أبو داود، والإسماعيلي، والحاكم في "المستدرك"، وهذا مما وهم في استدراكه لكون مخرجًا في "الصحيحين" من طريق الشَّيْباني. وخالد المراد به خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن، وقد مرَّ في السادس والخمسين من كتاب الوضوء، ومرَّ جَرير بن عبد الحميد في الثاني عشر من كتاب العلم.

стр. 2559

الحديث الثامن حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تقولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهْيَ حَائِضٌ. قوله: "أمرها" أي: بالائتزار. وقوله: "فاتَّزَرت"، قال في "الفتح": في روايتنا بإثبات الهمزة على اللغة الفصحى. وقوله: "وهي حائض" جملة حالية من مفعول "يباشر" على الظاهر، أو من مفعول "أمر"، أو من فاعل "اتَّزَرَت". وقال الكِرْماني: يُحتمل أنه حال من الثلاثة جميعًا. رجاله خمسة: الأول: أبو النعمان عارِم بن الفَضْل السَّدُوسي مرَّ في الحادي والخمسين من كتاب الإيمان. ومرّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين منه أيضًا. ومرَّ أبو إسحاق في الحديث الذي قبل هذا. ومرت أم المؤمنين مَيْمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من كتاب العلم. والخامس: عبد الله بن شَدّاد بن الهادي أبو الوليد المدني، كان يأتي الكوفة، وأمه سلمى بنت عُمَيْس الخَثْعَمِيّة أخت أسماء بنت عُمَيْس، فهو أخو أولاد حمزة بن عبد المطلب لأمهم، وابن خالة أولاد جعفر، وكذا محمد بن أبي بكر، وبعض ولد علي أمهم أسماء بنت عُمَيْس. روى عن: أبيه، وعمر، ويعْلى، وطلحة، ومُعاذ، والعباس، وابن مسعود،

стр. 2560

وابن عبّاس، وابن عمر، وخالته أسماء بنت عُمَيْس، وخالته لأمه مَيْمونة بنت الحارث، وعن أُم سلمة، وغيرهم. وروى عنه: سعد بن إبراهيم، وأبو إسحاق الشَّيْباني، ومَعْبَد بن خالد، والحكم بن عُتيبة، ورِبْعِي بن حِراش، وطاووس، ومحمد بن كعب، وجماعة. قال الميموني: سئل أحمد: أسمع عبد الله بن شَدّاد من النبي ﷺ شيئًا؟ قال: لا. وقال ابن المديني: شهد مع علي ﵁ يوم النَّهْروان. وقال العِجْلي والخطيب: هو من كبار التابعين وثقاتهم. وقال أبو زُرعة والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عثمانيًّا ثقة في الحديث، توفي في ولاية الحجّاج على العراق. وقال الواقِدي: خرجٍ مع القراء أيام ابن الأشعث على الحجاج، فقُتِل يوم دُجَيْل، وكان ثقة فقيها كثير الحديث متشيِّعًا. وقال يعقوب بن شيبة في "مسند" عمر: كان يتشيع. فما قاله ابن سعد فيه نظر. وقال ابن نُمَيْر: قتل بدُجَيْل سنة واحد وثمانين. وقال يحيى بن بُكَيْر وغيره: فُقِد ليلة دُجَيْل سنة اثنين وثمانين. وقال الثوري: فُقِد ابن شدّاد وابن أبي ليلى بالجَماجِم، وكذا قال العِجْلي، وزاد: اقتحم بهما فرساهما، فذهبا. وقال ابن عبد البر: ولد على عهد النبي ﷺ . لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والسماع في موضع واحد، وفيه رواية تابع عن تابعي عن صحابية، ورواته ما بين بصري وكوفي ومدني. أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى وغيره. وأبو داود في النكاح عن مسدَّد وغيره. وابن ماجه بسند صحيح من حديث أُم حَبيبة رضي الله تعالى عنها. رَوَاهُ سُفْيانُ عنِ الشَّيْبَانيِّ. قوله: "رواه" أي: الحديث، وللأصيلي وكريمة: "ورواه". وقوله: "عن الشَّيْباني" يعني بسند عبد الواحد، وإنما عبر بقوله: "رواه" دون
следующие страницы →