Полный текст (6 753 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
عن آدم، عن شُعبة، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هُريرة بلفظ: "فأكْملُوا عِدَّة شعبانَ ثلاثينَ" وثانيهما: مِن حديث ابن عباس، رواه النَّسائي، من طريق عمرو بن دينار، عن محمَّد بن حُنَين، عن ابن عباس بلفظِ حديث ابن دينار، عن ابن عمر سواء، وهذا باللفظ وما قبله بالمعنى.
وإلى الاعتبار والمتابعات والشواهد أشار العراقي بقوله:
الاعتِبارُ سَبركَ الحديث هَلْ ... شَارَكَ راوٍ غَيْرَه فيما حَمَلْ
عن شَيْخِهِ فإن يكنْ شورِكَ مِنْ ... مُعْتَبَر به فَتابعٌ وإنْ
شُوركَ شيخه فَفَوْقُ فَكذا ... وقَدْ يُسَمّى شاهدًا ثم إذا
مَتْنٌ بمعناهُ أتى فالشاهِدُ ... وما خَلا عن كُلِّ ذا مَفَارِدُ
مثالهُ لو أَخَذُوا إهابَها ... فَلَفْظَةُ الدِّباغِ ما أتى بها
عن عمروٍ إلَّا ابن عُيَيْنَةَ وَقَدْ ... توبِعَ عمروٌ في الدِّباغِ فاعْتَضَدْ
ثمَّ وَجَدْنا: "أيُّما إهَابِ" ... فكان فيه شاهدٌ في الباب
ولَمَّا كانت المتابعةُ شرطُها أن يكون المتابِع ممن يُعتبر بحديثه، احتيج إلى معرفة من يُعتبر بحديثه، ولا يحتَّجُ به، وهو ما بعد المراتب الأربعة من مراتب التجريح التي أشار لها العراقي بقوله:
وَأَسْوأُ التَّجْريح كذّابٌ يضعْ ... يكذِبُ، وضّاعٌ ودَجّالٌ، وضع
وبَعْدها مُتَّهم بالكذب ... وساقِطٌ وهالِكٌ فاجْتَنِب
وَذاهبٌ متروكٌ أو فيه نَظَرْ ... وسَكَتوا عنهُ به لا يُعتبر
وليسَ بالثِّقةِ ثُمَّ رُدَّا ... حديثُهُ كذا ضعيفٌ جدًّا
واهٍ بمرةٍ همُ قَدْ طَرَحوا ... حديثَهُ وارْم به مُطَّرحُ
لَيْسَ بشيءٍ لا يُساوي شيْئًا ... ثمَّ ضعيفٌ وكذَا إن جيئا
بِمُنكرِ الحَديث أو مُضطربِهْ ... واهٍ وضعَّفوه لا يُحْتَجُّ به
وبَعْدَها فيه مَقالٌ ضُعِّفا ... وفيه ضعفٌ تُنْكِرَنْ وتَعْرفا
ولَيسَ بالمتينِ بالقويِّ ... بعُمدَة أو لَيْسَ بالمرضيِّ
للضعف ما هو فيه خلف طعنوا ... فيه كذا سيِّىء حفظ لين
تكَلَّموا فيهِ وكلُّ من ذُكِرْ ... مِن بَعْدُ شيئًا بِحَديثِهِ اعْتَبر
стр. 282
تنبيه:
قال العَيْني: قال النَّووي: مما يحتاج إليه المُعتني بصحيح البخاري فائدةٌ يُنَبَّهُ عليها وهي أنه تارةً يقول: تابعه مالك عن أيوب، وتارةً يقول: تابعه مالكٌ ولا يزيد، فإذا قال: مالك عن أيوب فهذا ظاهر، وأما إذا اقتصر على: تابعه مالك، فلا يُعرف عَمَّن المتابعة إلا مَن يعرف طبقات الرواة ومراتِبهم، قال الكِرماني: فعلى هذا لا يُعلم أن عبد الله يروي عن الليث أو غيره.
قلت الطريقة في هذا أن تَنْظُرَ طبقة المتابِعَ بكسر الباء فتجعلُه متابعًا لمن هو في طبقته، بحيث يكون صالحًا لذلك، ألا ترى كيف لم يسمِّ البخاريُّ المتابَعَ عليه في المتابعة الأولى وسماه في الثانية!
الحديث الخامس
٤ - باب * ٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا -فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ جَمْعُهُ لَهُ فِى صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا قَرَأَهُ.
[الحديث ٥ - أطرافه في: ٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤].
قوله: "من التَّنزيل": أي القرآني، أو مطلقًا لثقله عليه، وقوله: "شِدَّةً"، بالنصب: مفعول يعالج، والجملة في محل نصب خبر كانَ، وقوله: "وكان مِمّا يُحَرِّكُ شفتيه" وفي رواية زيادة: "به"، والمعالجة: محاولةُ الشيء بمشقَّة، والمعنى: كان كثيرًا يفعل ذلك، ووجهه أن مِن إذا دخلت
стр. 283
عليها "ما" كانت بمعنى ربَّ وهي تُطلق على القليل والكثير قال الشاعر:
وإنَّا لمِمَّا نَضْرِبُ الكبْشَ ضَرْبةً ... على رأْسِه تُلْقي اللِّسانَ مِنَ الفّمِ
ومن هذا المعنى حديثُ البَراء: "كُنَّا إذا صلَّيْنا خلفَ النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم مِمَّا نُحِبُّ أن نكون عن يمينه"، وحديث سَمُرةَ: كان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلى الصبح مما يقول لأصحابه: "مَنْ رأى منْكُمْ رؤيا؟ ".
ويؤيد هذا المعنى روايةُ البخاري في التفسير: إذا نَزَلَ جبريلُ بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه، فأتى بهذا اللفظ مجردًا عن تقدم العِلاج الذي قدره الكِرماني قائلًا: إن المعنى أي: كان العلاج ناشئًا من تحريك شفتين أي: مبدأ العلاج منه، وتُعُقِّبَ هذا بأن الشدةَ حاصلةٌ قَبْلَ التحريكِ، وأجيب بأن الشدةَ وإن كانت حاصلةً قبله إلا أنها لم تظهر إلا بتحريك الشفتين، إذ هي أمرٌ باطني لا يدركه الرائي إلا به.
وقيل: إن "ما" بمعنى "مَن" الموصولة، وأُطلقت على من يعقِل مجازًا، أي: وكان ممن يُحرِّك شفتيه، وكان يُكثر مِن هذا الفعلِ حتى لا ينسى أوله قبل أن يَفْرَغَ منه، أو لحلاوة الوحي في لسانه ومحبته إياه، ولا تنافي بين محبته إياه، والشدة التي تلحقه في ذلك.
وقوله: "فقال ابن عباس: فأنا أحركهما" إلى قوله: "فأنزل اللهُ": جملة معترضة بالفاء، وفائدتها زيادة البيان في الوصف على القول، وعَبَّر في الأول بقوله: كان يحركهما، وفي الثاني برأيت, لأن ابن عباس لم ير النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم في تلك الحالة لأن سورة القيامة مكيةٌ باتفاق، والظاهر أن نزولها كان في بدء الأمر كما يدلُّ عليه صنيعُ البخاري، من إيراده هذا الحديث في بدء الوحي، وابنُ عباس لم يكن وُلِدَ إذ ذاك، لأنه وُلد قبل الهجرة بثلاث سنين، لكن يجوزُ أن يكون أخبره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك بعدُ، كما ثبت صريحًا في مسند أبي داود الطَّيالِسي، ولفظهُ: قال ابنُ عباس: فأنا أحرك لك شفتيَّ كما كان
стр. 284
رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يحركهما، وأما سعيد بن جُبَيْر فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع، وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، ﴿لِسَانَكَ﴾ قبل أن يَتِمَّ وحيُه ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي: لتأخُذهُ على عجلةٍ مخافةَ أن يَنْفَلِتَ منك، ولا تنافيَ بين قوله: يحرك شفتيه، وبين قوله في الآية: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ , لأن تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا يَنْطِق بها إلا اللسان يَلْزَم منه تحريكُ اللسان، أو اكتفي بالشفتين وحذف اللسان لوضوحه، لأنه الأصل في النُّطقِ، فيكون حذفه من باب الاكتفاء على حَدِّ ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أي: والبرد، وللمؤلف في التفسير وابن جَرير في تفسيره: ويحرك به لسانه وشفتيه , فجمع بينهما.
وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: قراءتَه، فهو مصدر مضاف لمفعوله، والفاعل محذوف تقديره: قراءتك إياه.
وقوله: قال: جَمَعَه لك صدرُك، القائل هو ابن عباس في تفسيره، وجَمَعَه بفتح الجيم والميم فعلُ ماضٍ، ولك: اللام فيها للتعليل أي: لأجلك أو للتبيين، وصدرك فاعل، وفيه إسناد الجمع إلى الصدر مجازًا، لأن الجامعَ هو الله أي: جَمَعَهُ اللهُ في صدرك، فهو على حد: أنبت الربيعُ البقلَ، أي: أنبتَ اللهُ في الربيع البقلَ، وفي رواية لأبوي ذَرٍّ والوقتِ: "جَمْعَهُ لَك صَدْرُك" بإسكان الميم مصدر، وصدرك بالرفع فاعله، وفي رواية "جَمْعَهُ لك في صدرِك" وهي توضح الأولى، وفي رواية: "جَمْعَه له" بإسكان الميم أي: جمع اللهُ تعالى للقرآنِ في صدرك، الضمير الأول لله تعالى، والثاني للقرآن، وفي رواية: "جَمْعَه له في صدرك"، بزيادة "في".
وقوله: "وتقرأه": قاله ابن عباس في تفسيره، وقال البيضاوى: إثبات قرآنه في لسانك وهو تعليل للنهي.
وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]؟ أي: إذا قرأناه بلسان
стр. 285
جبريل عليك، وقوله: "فاستمع له وأَنْصِت"، قاله ابنُ عباس في تفسير قوله تعالى ﴿فَاتَّبِعْ﴾، والاستماع من باب الافْتِعال المقتضي للسعي في ذلك، أي: لا تكون قراءَتُك مع قراءته، بل تكون تابعةً لها متأخرةً عنها، وقوله: "وأنصِت" -بهمزة قطع- مِن الإِنصات، وفيه نَصَت ينصُت نَصْتًا، ومعناه: سكت واستمع للحديث، أي تكون حال قراءته ساكتًا، والاستماع أخصُّ من الإِنصات, لأنَّ الاستماعَ الإِصغاءُ، والإِنصاتَ السكوتُ، ولا يلزم من السكوت الإِصغاء.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] فَسَّرهُ ابن عباس بقوله: ثم إن علينا أنْ نقرأه، وفَسَّره غيرُه ببيان ما أشكل عليك من معانيه، وفيها دليلٌ على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة، لما تقتضيه، ثُمَّ مِنَ التَّراخي، ولكنَّ هذا لا يَتِمُّ إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حُمل على أن المراد استمرار حفظه له بظهوره على لسانه فلا، والبيانُ: الإِظهار، يقال: بانَ الكوكبُ إذا ظهرَ، ويؤيدُ هذا أن المرادَ بيانُ جميعِ القرآنِ والمُجمل إنما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضه بالأمر المذكور دون بعض، وقال أبو الحسين البَصْري: يجوز أن يُراد البيان التفصيليُّ، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإِجمالي، فلا يتمُّ الاستدلال، وتُعُقِّب باحتمال إرادة المعنيين: الإِظهار والتفصيل، وغير ذلك, لأنَّ قوله: بيانه، جنس مضافٌ، فيعم جميعَ أصنافه من إظهاره، وتبيين أحكامه، وما يتعلق بها من تخصيص وتقييد ونسخ وغير ذلك، وهذه الآية كقوله تعالى في سورة طه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [الآية: ١١٤] فنهاه فيها عن الاستعجال في تلقي الوحي من المَلَك، ومسابقته في القرآن حتى يَتِمَّ وحيُه.
وقوله: "فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أتاه جبريلُ اسْتَمَع، فإذا انطلق جبريل قَرَأَهُ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما قرأ". وفي رواية: "كما قرأه"، بضمير المفعول أي: القرآن، والفاعل ضميرُ جبريل، وفي رواية: "كما كان قَرَأ"، والحاصل أن الحالةَ الأولى
стр. 286
جمعهُ في صدره، والثانيةُ تلاوتُه، والثالثة تفسيرُه وإيضاحهُ.
وجبريلُ هو ملَكُ الوحي المُفَضَّلُ به على جميع الملائكة، وهو الموكل بإنزال العذاب والزلازل والدمادِم، ومعناه: عبد الله بالسِّريانية. لأن "جبر" عبد و "إيل" اسم من أسماء الله تعالى، فقيل: الله، وقيل: الرحمن، وقيل: الرزاق، كما روي عن عكرمة وابن عكرمة وابن عباس، وقيل: إن الإِضافة في هذه الأسماء مقلوبةٌ فإيل هو العبد، وأوله اسم من أسماء الله تعالى: ومعنى الجبر عند العجم موافق لمعناه في العربية: وهو إصلاح ما فسد، وجبر ما وَهَى من الدين، وفيه تسعُ لغات جَبرئيل بفتح الجيم وسكون الباء بوزن سَلسبيل، وجَبْرَئِل بحذف الياء كجَحِمْرِش، وجَبريل بحذف الهمزة مفتوح الجيم كشمويل، وبوزن قِنديل، وجِبرالّ بلام مشددة، وجِبرائيل بوزن جِبراعيل، وبوزن جِبراعِل بحذف الياء، وجَبْرين بفتح الجيم وبالنون بدل اللام، وجِبرين بكسر الجيم وبالنون أيضًا، وقد قُرىء بأربع منها في المتواترة قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص: جِبريل كقنديل، وقرأ ابن كثير: جَبريل كشَمْويل، وقرأ حمزة والكسائي: جَبْرَئيل كسَلْسَبيل، وقرأ عاصم: جَبْرَئِل كجَحَمُرش، وقُرِىءَ بالبواقي في الشواذ.
وأما رجاله فخمسة:
الأول: موسى بن إسماعيل المِنْقري مولاهم أبو سَلَمة التَّبُوذَكي البَصْري، قال عباسٌ الدُّوري، عن ابن معين: ما جلستُ إلى شيخ إلا هابني وعَرَف لي، ما خلا هذا التَّبُوذَكي، وقال: عددتُ ليحيى بن معينَ ما كتبنا عنه خمسًا وثلاثين ألف حديث، وقال الحسين بن الحسن الرّازي، عن ابن معين: ثقة مأمون، وقال أبو حاتم: سمعتُ ابنَ معين وأثنى على أبي سلمة، وقال: كان كَيِّسًا، وكان الحجاجُ بن مِنْهال رجلًا صالحًا، وأبو سَلَمة أتقنُهما، وقال أبو الوليد الطَّيالِسيُّ: موسى بن إسماعيل ثقة صدوق، وقال ابنُ المَديني: من لا يكتُب عن أبي سلمة
стр. 287
كتب عن رجل عنه، وقال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عنه فقال: ثقة، كان أيقظ من الحجَّاج، ولا أعلم أحدًا مِمَّن أدركناه أحسنَ منه حديثًا، وقال ابنُ سَعْد: كان ثقةً كثير الحديثِ، وذكره ابنُ حِبَّان في "الثقات"، وقال: كان من المتقِنين، ويُروى أن ابن معين قال له في حديث: وجدته على ظهر كتابك، لم أجده في صدره، فاحلِف لي أنك سمعتَهُ، فَخَلَفَ له، وقال بعد ذلك: واللهِ لا كَلَّمتُك أبدًا، وقال العِجْلي: بصريٌّ ثقة، وقال ابن خراش تكلم الناس فيه وهو صدوق.
روى عن: جرير بن حازم، وهَمَّام بن يحيى، ووُهَيب بن خالد، وحمّاد بن سَلَمة، وعبد العزيز الماجِشون، ومُعْتَمِر بن سُليمان، وعبد الواحد بن زياد، وخلق.
وروى عنه البخاري، وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة الحسن ابن علي الخَلَّال، والذي رواه مسلم عنه حديث أم زرع وحدَه، وروى عنه الذُّهلي، وعبيد الله بن فَضَالة ويحيى بن معين، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم.
وآخر من حدث عنه أبو خليفة الفَضْل بن الحُباب، وروى عنه خَلقٌ كثيرٌ.
مات بالبصرة ليلة الثلاثاء لثلاثَ عَشرة خلت من رجب، ودُفن يوم الثلاثاء سنة ثلاث وعشرين ومئتين.
والمِنْقَري في نسبه: بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف نسبة إلى مِنْقَر بن عبيد بن مُقاعِس، واسم مقاعس: الحارث بن عمرو بن كعب ابن سعيد بن زيد مناة بن تميم، قال ابنُ دُريد: مِن نَقَرْتُ عن الشيءِ: كشفتُ عنه.
والتَّبُوذَكي بفتح التاء المثناة من فوق، وضم الباء المُوَحَّدة، ثم واو ساكنة ثم ذال معجمة مفتوحة: نسبة إلى تَبُوذَك: بلدة نُسب إليها, لأنه نزل
стр. 288
دار قوم من أهلها، أو لأن قومًا من أهلها نزلوا في داره، وقيل: لأنه اشترى دارًا بِتَبُوذك، وقال السمعانيُّ: نسبة إلى بيع السَّماد -بفتح السين المهملة- وهو السِّرجين يوضع في الأرض ليَجُود نَباتها، وقال ابن ناصر: نسبة إلى بيع ما في بطون الدجاج من الكبد والقلب والقانصة.
الثاني: الوَضّاحُ بن عبد الله اليَشْكُري، مولى يزيد بن عطاء، أبو عَوانة الواسطي البزار، كان من سبي جُرجان، قال هشام بن عبيد الله الرّازي: سألتُ ابن المبارك: مَن أروى الناسِ أو أحسنُ الناس حديثًا عن مُغيرة؟ قال: أبو عَوانة، وقال ابن مهدي: كتاب أبي عَوانة أثبت من حفظ هُشَيم، وقال يحيى القَطَّان: ما أشْبهَ حديثه بحديثهما، يَعني أبا عَوانة وشعبةَ وسفيان، وقال عفان: كان أبو عَوانة صحيحَ الكتاب كثيرَ العَجْم والنَّقْط، وكان ثَبْتًا، وأبو عَوانة في جميع أحواله أصحُّ حديثًا عندنا من هُشَيم. وقال أحمد: إذا حَدَّث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حَدَّث من غير كتابه ربما وَهِمَ، وقال ابنُ مَعين: أبو عَوانة جائزُ الحديث، وحديثُ يزيدَ بنِ عطاء ضعيفٌ، ثَبَّتَ حديثَ أبي عوانة، وأسْقَط مولاه يزيد بن عطاء, وقال أبو زُرعة: ثقة إذا حدث من كتابه، وقال أبو حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا، وهو صدوق ثقة، وهو أحَّبُّ إليَّ من أبي الأَحْوصِ، ومن جَرير، وهو أحفظ مِن حَمّاد بن سلمة، وقال أحمد: ما أشبهَ حديثَ أبي عَوانة بحديث شُعبة والثَّوْري، قال: وكان أمينًا ثقةً، وكان مع أمانته وثقته يَفْزَع من شعبة، فأخطأ شُعبة في اسم خالد بن عَلْقمة، فقال: مالك بن عُرْفُطة، فتابعه أبو عَوانة على خَطئه بعد أنْ كان رواه على الصواب، وقال ابنُ مهدي: أبو عَوانة وهُشيم كهَّمام وسعيد، إذا كان الكتاب فكتاب أبي عوانة وهمام وإذا كان الحفظ فحفظ هشيم وسعيد، وقال ابنُ سعد: كان ثقةً صدوقًا، ووُهَيب أحفظُ منه، وقال تَمْتَامٌ عن ابن معين: كان أبو عَوانة يقرأ ولا يكتُب، وقال الدُّوري: سمعتُ ابنَ معين، وذكر أبا عوانة وزهيرَ بن معاوية، فَقَدَّم أبا عَوانة. وقال موسى بن إسماعيل: قال أبو عوانة: كل شيء قد حدثتُك به
стр. 289
فقد سمعت، وقال العِجْلي: أبو عَوانة بصريٌّ ثقةٌ، وقال ابنُ شاهين في "الثقات": قال شعبة إذا حدثكم أبو عَوانة عن أبي هُريرة فصدقوه، وقال ابن المديني: كان أبو عَوانة في قتادة ضعيفًا, لأنه كان قد ذهب كتابهُ، وكان أحفظَ من سعيد، وقد أَغْرب في أحاديثَ، وقال يعقوبُ بن شيبة: ثبتٌ، صالح الحفظ، صحيحُ الكتاب، وقال ابن خِراش:. صدوقٌ في الحديث، وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبتٌ حجةٌ فيما حدث به من كتابه، وإذا حدث من حفظه ربما غَلِطَ.
واختلف في سبب عِتقه على أوجه، فقال ابن عَدِيٍّ: كان مولاه قد فَوَّض له في التجارة فجاء سائلٌ، فقال له: أعطني درهمين لأنفعك، فأعطاه فدار السائل على رؤساء البصرة، فقال: بَكِّروا على يزيد بن عطاء، فقد أعتق أبا عَوانة، فاجتمع إليه الناسُ فأَنِفَ من أن ينكر حديثه، وأعتقه حقيقةً، وحكى ابنُ حِبَّان قصةَ عِتقِه، فقال: كان يزيدُ بن عطاء حجَّ ومعه أبو عَوانة، فجاء سائل إلى يزيدَ فسأله فلم يعطهِ شيئًا، فلحقه أبو عَوانة، فأعطاه دينارًا، فلما أصبحوا وأرادوا الدفعَ من المُزْدَلِفَةِ، وقف السائلُ على طريق الناس فكلما رأى رِفقة قال: أيها الناس اشكُروا يزيد ابن عطاء، فإنه تقرب إلى الله تعالى اليوم بِعِتق أبي عَوانة، فجعل الناسُ يمرون فوجًا بعد فوج إلى يزيد يشكرون له ذلك، وهو ينكر، فلما كثروا عليه قال: من يستطيع ردَّ هؤلاء؟ اذهب فأنت حرٌّ، وحكاها أَسْلمُ بن سَهْل على صفة أخرى، وهي أن أبا عَوانة كان له صديق قاصٌّ، وكان يحسن إليه، فأراد أن يكافِئَهُ، فكان لا يجلِسُ مجلسًا إلا قال: ادعوا الله تعالى ليزيد بن عطاء فإنه قد أَعتق أبا عَوانة.
رأى الحسنَ، وابن سيرين، وسمع من معاوية بن قُرَّة حديثًا واحدًا.
وروى عن الأَشْعث بن أبي الشَّعْثاء، والأسودِ بن يزيد، وقَتادة، والأَعْمش، والحكم بن عُتَيْبة، ومنصور بن المُعْتَمر، وسعيد بن مَسْروق، وسِمَاك بن حرب، وخلق كثير.
стр. 290
وروى عنه شعبة، ومات قبله، وابن عُليَّة، وأبو داود، وأبو الوليد الطَّيالسي، والفضل بن مُساوِرٍ صِهرُهُ، وعبد الرحمن بن مَهْدي، وحجاج ابن مِنْهال، وخلقٌ كثير.
مات في ربيع الأول سنة ست وسبعين ومئة.
والواسطيُّ في نسبه نسبة إلى واسطٍ: مدينة اخْتَطَّها الحجاج بن يوسف بين الكوفة والبصرة في أرض كسكر، وهي نصفان على شاطىء دِجلة، وبينهما جِسرٌ من سفن، وسميت واسطًا لأن منها إلى البصرة خمسين فرسخًا، ومنها إلى الكوفة خمسين أيضًا، وإلى الأهواز كذلك، وإلى بغداد كذلك.
واليَشْكُرِيُّ في نسبهِ نِسبةً إلى يَشْكُر أبو قبيلتين عظيمتين في ربيعة، يَشْكُرُ بن علي بن بكر بن وائل بن قاسِط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة، وفي الأَزْدِيَشْكر بن مبشر بن صعب.
الثالث: موسى بن أبي عائشة المخزومِيُّ الهَمْدانيُّ -بإسكان الميم- أبو الحسن الكوفي، مولى آل جَعْدة بن هُبَيْرة.
قال يحيى بن سعيد: كان سفيان الثوري يحسن الثناء عليه، وقال ابن عُيينة: حدثنا موسى بن أبي عائشة، وكان من الثقات، وقال ابن مَعين: ثقة، وقال جَرير: كنت إذا رأيت موسى ذكرت الله تعالى لرؤيته، وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: تُريبُني -بفتح التاء ثلاثي مجرد- روايةُ موسى بن أبي عائشة حديثَ عبيد الله بن عبد الله في مرض النبي ﷺ ، قال ابن حَجَر: عني أبو حاتم أنه اضْطَرَبَ فيه، وهذا من تَعَنُّتِهِ، وإلا فهو حديث صحيح، وقال يَعْقوب بن سفيان: كوفي ثقة.
روي عن عبد الله بن الهاد بن شَدَّاد، وسليمان بن صُرَد، ويقال: مرسل، وسعيد بن جُبَيْر، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود،
стр. 291
وعَمْرو بن شُعيب، وغيلان بن جَرير، وغيرهم.
وروى عن شعبة، والسفيانان، وأبو عَوانة، وإسرائيل، وزائدةُ، وآخرون، وأبو عائشة لا يعرف اسمه.
والهَمْداني في نسبه نسبة إلى هَمْدان بفتح فسكون، وبالدال المهملة: قبيلةٌ باليمن من حِمْيَر، واسمه أَوْسَلَةُ بنُ مالك بن زيد بن أَوْسَلَة ابن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كَهْلان بن سبأ، والنسبة هَمْداني على لفظه.
وأما الهَمَذاني بفتح الهاء والميم والذال المعجمة، فهو نسبة إلى هَمَذان محركة، بلدة من كُور الجبل، بينها وبين الدِّينَوَرِ أربع مراحل، بناها الهَمَذان بن الفلوج بن سام بن نوح ﵇، فتحها المغيرةُ بن شعبة سنة أربع وعشرين على رأس ستة أشهر من مقتل عمر بن الخطاب في جُمادى الأولى، وهي أحسن البلاد هواءً، وأطيبها وأنزهها، وما زال محلًّا للملوك، ومعدِنًا لأهل الدين والفضلِ لولا شتاؤه المفرِط، بحيث قد أُفْرِدَت فيه كتب، وذُكر في الشعر والخطب، قال كاتب بكر:
هَمَذَانُ مُتْلِفَةُ النُّفوسِ وَبَرْدُها ... الزَّمْهَريرُ وَحَرُّها مأمونُ
غَلَبَ الشِّتاءُ مَصيفَها ورَبيعَها ... فَكَأَنَّما تَمُّوزها كانُونُ
وسأل عمر بن الخطاب رجلًا: من أين أنت؟ فقال: من هَمَذان.
فقال: أما إنها مدينةُ همٍّ وأذىً يجمُدُ قلوبُ أهلِها كما يجمُدُ ماؤها، والنسبة إلى القبيلة في المتقدمين أكثر، وإلى المدينة في المتأخرين أكثر، ولا يُمكن استيعاب هؤلاء ولا هؤلاء، وممن خرج من الغالب وسُكِّنَ من المتأخرين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن سعيد بن عُقْدة، وأبو الفضل محمد بن محمد بن عطاف، وجعفر بن علي، وعلي بن عبد الصمد السَّخاوي، وعبد الحكم بن حاتم.
قال العراقي:
........................ وفي النَّسَبْ ... هَمْدانُ وهو مطلقًا قِدْمًا غَلَبْ
стр. 292
وممن هو بفتح الميم والذال المعجمة أحمد بن المراد بن حمويه الهمذاني، قيل: إن البخاري حدث عنه في الشروط.
الرابع: سعيدُ بن جُبَيْر بن هشام الأسَدِيّ الوَالبيّ مولاهم أبو عبد الله أو أبو محمد الكوفي، قال مَيْمون بنُ مِهْران: مات سعيدٌ وما على ظهر الأرض أحدٌ إلا وهو يحتاج إلى علمه، وكان يقال له: جهبذ العلماء، وقال جعفر بن أبي المغيرة: كان ابن عباس إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه، يقول: أليس فيكم ابنُ أم الدَّهْماء؟ -يعني سعيد بن جُبير- وقد قال له ابن عباس: حدث. فقال له: أحدث وأنت ها هنا؟! فقال: أليس من نعمة الله أن تحدث وأنا شاهد؟ فإن أصبت فذاك، وإن أخطأت علمتك، وكان لا يستطيع أن يُكْتَبَ مع ابن عباس في الفُتيا، فلما عَمِيَ كُتب، فبلغه ذلك، فغضِب، وقال ابن إياس: قال لي سعيد بن جبير: أمسك علي القرآن، فما قام مِن مجلس حتى ختمه. وقال خُصيف: كان من أعلم التّابعين بالطلاق سعيد بن المسيِّب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاووس، وبالتفسير مُجاهد بن جَبْر، وأجمعَهم لذلك كلِّه سعيد بن جُبير وقال أَصْبَغُ بن زايد الواسِطيُّ: كان له ديك يقوم من الليل لصياحه، فلم يَصِح ليلة حتى أصبح، فلم يستيقِظْ سعيد، فَشَقَّ عليه ذلك، فقال: ماله قَطَعَ الله صوته؟ فما سُمع له صوتٌ بعد ذلك، فقالت له أمه: لا تدعُ علي شيء بعدها. وذكره ابن حِبَّان في "الثقات" وقال: كان فقيهًا عالمًا عابدًا ورعًا فاضلًا، وقال أبو القاسم الطَّبري: هو ثقة إمام حجة على المسلمين، وقال يحيى بن سعيد: مرْسَلاتُ سعيد أحبُّ إليَّ من مرسلات عطاء ومُجاهد، وكان سفيان يُقَدِّم سعيدًا على إبراهيم في العلم، وكان أعلم من مجاهد وطاووس، ورأى عبد الملك بن مروان كأنه بال في المحراب أربع مرات، فوجه إلى سعيد بن جبير من يسأله, فقال: يَمْلِكُ من ولده لصُلبه أربعة، فكان كما قال، فإنه وَلِيَ من ولده لصُلبه الوليدُ، وسُليمان، ويزيدُ، وهشامُ، وقيل للحسن البصريّ: إن الحجاج قتل سعيد بن جبير، فقال: اللهم أئت على فاسق ثقيفٍ، فوالله لو أن مَنْ بين
стр. 293
المشرق والمغرب اشتركوا في قتله لكبهم الله في النار، كان يختم القرآن في كل ليلتين.
وقال عثمان بن بوذويه: كنت مع وَهْب بن مُنَبِّه، وسعيد بن جُبير يوم عرفة، فقال وهب لسعيد: يا أبا عبد الله كم لك منذ خفت من الحجاج؟ قال: خرجتُ عن امرأتي وهي حاملٌ فجاءني الذي في بطنها وَقَدْ جُرِح وجههُ.
كان يكتب لعبد الله بن عُتبة بن مسعود، حيث كان على قضاء الكوفة، ثم كتب لأبي برده بن أبي موسى، ثم خرج مع ابن الأشعث في جملة القراء، فلما هُزِم ابن الأشعث هرب سعيدُ بن جُبير إلى مكة، فأخذه خالد بن عبد الله القسري وكان واليًا على مكة يومئذ، وبعث به إلى الحجاج بن يوسف مع إسماعيل بن واسطٍ البَجَلي فقال له الحجّاج: ما اسمُك؟ قال: سعيدُ بن جُبير. قال: بل أنت شقي بن كُسَير. قال: بل كانت أمي أعلَمَ باسمي منك. قال: شَقِيَتْ أمك وشَقِيت أنت. قال يعلَم الغيبَ غيرُك. قال: لأبَدِّلَنَّكَ بالدنيا نارًا تلظى. قال: لو علمت أنَّ ذلك بيدك لاتّخذتك إلهًا. قال: فما قولك في محمد؟ قال: نبي الرحمة وإمام الهدى. قال: فما قولك في علي أهو في الجنة أو في النار؟ قال: لو دخلتُها وعَرَفت من فيها عَرَفت أهلها. قال: فما قولُك في الخلفاء؟ قال: لستُ عليهم بوكيل. قال: فأيُّهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي. قال: فأيُّهم أرضى له؟ قال: علمُ ذلك عند الله، يعلم سرهم ونجواهم. قال: أبيت أن تَصْدُقَني. قال: إني لم أُحبَّ أن أكذبك. قال: فما بالك لم تضحك؟ قال: وكيف يَضْحَك مخلوق خُلق من طين، والطين تأكله النار؟ قال: فما بالُنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب. ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزَّبَرْجَدِ والياقوت، فجمعه بينَ يديه، فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لِتَتَّقيَ به فزعَ يوم القيامة فصالحٌ، وإلا فَفَزْعَةٌ واحدة تُذْهِلُ كُلَّ مرضعةٍ عما أرضعت، ولا خير في شيءٍ جُمع للدنيا إلا ما طاب وَركا، ثم دعا الحجاج بالعُود والنَّاي، فلما ضُرب بالعود ونُفخ في الناي، بكى سعيدٌ، فقال: ما يُبكيك هو اللعب؟ قال: هو الحزن، فأما النفخ فذكرني يومًا عظيمًا يوم
стр. 294
يُنْفخ في الصور، وأما العود فشجرة قُطِعت في غير حق، وأما الأَوْتار فمن الشّاء نُبْعَثُ معها يوم القيامة. قال الحجاج: ويلَكَ يا سعيد. قال: لا ويلَ لمن زُحْزحَ عن النار وأدخل الجنة. قال الحجاج: اختر يا سعيد أَيَّ قتلة أقتُلُك. قال: اختر لنفسك يا حجاج فوالله لا تقتُلني قتلة إلا قتلك الله بها يومَ القيامة. قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو، فمن الله، وأما أنت، فلا براءة لك ولا عُذر. قال الحجاج: اذهَبوا به فاقتُلوه، فلما خرج ضَحِكَ، فأخبر الحجاج بذلك فَرَدَّهُ، وقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جراءتك على الله وحِلم الله عليك، فَأَمَرَ بالنِّطع فبُسطَ، وقاَل: اقتُلوه. قال سعيد: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] قال: وجِّهوا به لغير القبلة. قال سعيد: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قال: كُبُّوه لوجهه. قال سعيد: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] قال الحجاج: اذبَحُوه. قال سعيد: أما إنّي أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له وأن محمدًا عبدُه ورسوله، خُذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة، ثم دعا سعيد فقال: اللهم لا تُسلِّطْهُ على أحد يقتله بعدي، وكان قَتْلُه في شعبان سنة خمس وتسعين للهجرة بواسطٍ، ومات الحجاج بعده في شهر رمضان من السنة المذكورة، ولم يُسَلِّطْه الله على أحد يقتُلُه بعده إلى أن مات.
وكان سعيد يقول يوم أُخِذَ: وَشَى بي واشٍ في بلد الله الحرام: أكله إلى الله تعالى: يعني خالد بن عبد الله القَسْرِيّ.
وقيل: إن الحجاج قال له لما أُحضر إليه: أما قَدِمْتَ الكوفة وليس بها إلَّا عربي فجعلتك إمامًا؟ فقال: بلى، قال: أما وليتك القضاء فضَجَّ أهل الكوفة، وقالوا: لا يَصْلُح للقضاء إلا عربي، فاستقضيت أبا بُردة بن أبي موسى الأشعري، وأمرته أن لا يقطع أمرًا دونك؟ قال: بلى، قال: أما جعلتك في سُمّاري وكلُّهم رؤوس العرب؟ قال: بلى. قال: أما أعطيتك مئة ألف درهم، تفرقها في أهل الحاجة في أول ما رأيتك، ثم لم أسأَلْك
стр. 295
عن شيءٍ؟ قال: بلى. قال: فما أخرجك علي؟ قال: بَيْعةٌ كانت في عُنُقي لابن الأشعث. فغضب الحجاج، ثم قال: أما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك من قبل؟ والله لأَقْتُلَنَّك، يا حارس اضرب عنقه، فضرب عنقه، ولما قتله سال منه دم كثير فاستدعى الحجاج الأطباء، وسألهم عنه، وعمن كان قتله قبله فإنه كان يسيل منه دم قليل، فقالوا له: هذا قتلته ونفسُهُ معه، والدم تَبَع للنفس، ومن كنت تقتله قبله كانت نفسه تذهب من الخوف، فلذلك قل دمهم، فلما حضرت الحجاج الوفاة، كان يغيب ثم يفيق ويقول: مالي ولسعيد بن جبير؟ وقيل: إنه في مدة مرضه كان إذا نام رأى سعيد بن جبير آخذًا بمجامع ثوبه، ويقول له: ياعدو الله فيم قتلتني؟ فيستيقظ مذعورًا، ويقول: مالي ولسعيد بن جبير؟ ويقال: إن الحجاج رُئِيَ في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك، فقال: قتلني بكل قتيل قَتَلْتُهُ قتلةً، وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلةً.
وروى محمد بن حبيب أن سعيد بن جبير كان بأصبهان يسألونه عن الحديث فلا يحدث، فلما رجع إلى الكوفة حدث، فقيل: يا أبا محمد كنت بأصبهان لا تحدث، وأنت بالكوفة تحدث، فقال: انشُرْ بَزَّكَ حَيْثُ يُعرف.
أكثر رواياته عن عبد الله بن عباس، أخذ منه القراءة عَرْضًا، وسمع منه التفسير، وروى عن ابن الزبير، وابن عمر، وابن مَعْقِل، وعَدي بن حاتم، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي سعيد الخُدري، وأبي هُريرة، وأبي موسى الأشعري، وأنس، وعمر، وابن ميمون، وعائشة، وغيرهم.
وروى عنه: ابناه عبد الملك وعبد الله، ويعلي بن حكيم، ويَعلي بن مسلم، وأبو إسحاق السَّبيعي، وأبو الزُّبير، والأعمش، ومنصور بن المُعْتَمِر، والمغيرة بن النعَمان، ووَبَرة بن عبد الرحمن، وخلق كثير.
والوالبيُّ في نسبه: نسبة إلى والبة بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن
стр. 296
أسد بن خُزيمة بطن من أسد، وإليه ينتسب أيضًا مسلم بن معبد شاعر إسلامي، وفي الأسْد -بسكون السين-: والبة بن الدُّؤَل بن سعد مَناة، وفي بَجيلة: والبة بن مالك بن سعد، وقال عمر بن سعيد بن أبي حسين: دعا سعيد بن جبير ابنه حين دُعِيَ ليقتل، فجعل ابنه يبكي، فقال له: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة؟.
الخامس: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَناف ابن قُصي أبو العباس الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ ، وأمه أم الفضل لُبابة الكبرى بنت الحارث أخت مَيْمونة أم المؤمنين، كان يقال له "البحر" لِكثرة علمه، و"الحبر" و"حبر هذه الأمة" و"فقيهها" و"ترجمان القرآن"، وهو والد الخلفاء، وأحدُ العبادلة الأربعة باتفاق.
وهم هو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو ابن العاص، وقيل: بدل ابن العاص عبد الله بن مسعود وهو ضعيف.
وهو أيضًا أحد الستة المكثرين في الحديث من الصحابة.
وأكثرهم في الحقيقة فتوى ابن عباس, لأن النبي ﷺ دعا له بقوله: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكتابَ" وفي رواية: "اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ في الدينِ وَعَلِّمْهُ التَّأويل" وفي رواية: "اللَّهُمَّ علمه الحكمة وتأويل الكتاب" وفي رواية: "اللَّهُمَّ بارِك فيه، وانْشُر منه، واجعَلْه من عبادِك الصالحين" وفي رواية "اللَّهُمَّ زِدْه علمًا، وفِقهًا".
وهو معدود من الصحابة الذين لهم أتباع في الفقه يَرَوْن علمهم وفتياهم، ومعه عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، والمكثرون أكثرهم أبو هريرة لأنه روى خمسة آلاف حديث وثلاث مئة وأربعة وسبعين حديثًا، ثم ابن عمر لأنه روى ألفين وست مئة وثلاثين، ثم أَنَس لأنه روى ألفين ومئتين وستة وثمانين، ثم عائشة لأنها روت ألفين ومئتين وعشرة، ثم ابن عباس لأنه روى ألفًا وست مئة وستين، ثم جابر لأنه روى ألفًا وخمس مئة
стр. 297
وأربعين، وزاد العراقي سابعًا وهو أبو سعيد الخُدري لأنه روى ألفًا ومئة وسبعين وإلى هذا أشار العراقي بقوله:
............................. وهُمْ ... عُدُولٌ قيلَ لا مَن دَخلا
في فِتيةٍ والمُكْثِرونَ سِتَّهْ ... هم أنَسُ ابنُ عمر الصِّدِّيقَهْ
والبَحْرُ جَابِرٌ أبو هُرَيْرَهْ ... أكْثَرُهُمْ وَالبَحْرُ في الحَقِيقَهْ
أكثَرُهم فتوى وهْوَ ابنُ عُمرا ... وابنُ الزُّبيرِ وابنُ عمرو قَدْ جَرَي
بينَهُم بالشُّهْرَة العَبَادِلَهْ ... لَيْسَ ابن مَسْعُودٍ ولا مَنْ شاكَلَهْ
وهْوَ وَزَيْدٌ وابنُ عَبَّاسٍ لَهُمْ ... في الفِقْه أتْباعٌ يَرَوْنَ قَوْلَهُمْ
ولد عبد الله بن عباس ﵁ وبنو هاشم في الشعب قبل الهجرة بثلاث، وقيل بخمس، وهو يقارب ما في الصحيحين عنه: "أقْبَلْتُ وأنا راكب على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهَزْتُ سن الاحتلام، والنبي ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار" الحديث، وفي الصحيح عن ابن عباس: "قُبِض النبيُّ ﷺ وأنا خَتين". وفي رواية: "مختون" وفي رواية: "وكانوا لا يختِنون الرجل حتى يُدرك".
كان عمر بن الخطاب ﵁ يحبه، ويدنيه، ويقربه، ويشاوره مع جِلَّةِ الصحابة، وروى الزُّهري أن المهاجرين قالوا لعمر: ألا تدعو أبناءنا كما تدعو ابن عباس؟ فقال: ذاكم فتى الكهول، له لسان سُؤول، وقلب عَقول.
وروى زيد بن أسلم أنه كان يُقَرِّبُ ابن عباس، ويقول: إني رأيت رسول الله ﷺ دعاك، فمسح رأسك، وتَفَلَ في فيك، وقال: "اللَّهُم فَقِّهْهُ في الدين، وعلمه التأويل".
وفي الصحيح أن النبي ﷺ ضمه إليه وقال: "اللَّهْمَّ علمه الحكمة".
وفي مسند أحمد من طريق كُرَيْب أن ابن عباس أخبره قال: صليتُ خلف رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حِذَاءَهُ، فلما أقبل على صلاته خَنَسْتُ، فلما انصرف قال لي: ما شأنك؟ قلت: يا رسول
стр. 298
الله أو ينبغي لأحد أن يُصَلِّي حذاءك، وأنت رسول الله، فدعا لي أن يزيدني الله علمًا وفهمًا.
وروى ابن سعد من طريق طارق، عن ابن عباس: دعا لي رسول الله ﷺ ، فمسح على ناصِيَتي، وقال: "اللهم علمه الحكمة، وتأويل الكتاب".
وأخرج ابن سعد أيضًا من طريق عكرمة، قال: أرسل العباس عبدَ الله إلى النبي ﷺ ، فانطلق ثم جاء، فقال: رأيت عنده رجلًا لا أدري مَنْ هو؟ فجاء العباس إلى النبي ﷺ ، فأخبره بالذي قال عبد الله، فدعاه، فأجلسه في حِجْره، ومسح رأسه، ودعا له بالعلم.
وأخرج الزُّبير بن بَكّار، عن محمد بن أبي كَعْب، عن أبيه أنه سمعه يقول: كان عنده ابن عباس، فقام، فقال: هذا يكون حبر هذه الأمة، أَوْفى عقلًا وحَشْمًا ودعا له رسول الله ﷺ أن يفقهه في الدين.
وأخرج ابن سعد أيضًا بسند صحيح، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات حبر هذه الأمة، ولعل الله أن يجعل في ابن عباس خَلَفًا.
وفي تاريخ عباس الدُّوري، عن ابن أبي نَجِيح: ما رأيت مثل ابن عباس قطُّ، ولقد مات يوم مات وإنه لحبر هذه الأمة.
وكان يقال له: حبر العرب، ورُوي أن الذي لقبه بذلك جَرْجِير ملك الغرب , وكان قد غزا مع عبدالله بن أبي سَرْح إفْريقِيَّةَ, فتكلم مع جَرجير, فقال: ينبغي إلا أن تكون حبر العرب.
ومن طريق أبي أمامة، عن مجاهد، قال: ابن عباس يسمّى البحر لكثرة علمه.
وفي "الجَعْدِيّات" عن شعبة بن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد: سألت البحر عن لحوم الحمر، وكان ابن عباس يُسمى البحر الحديث،
стр. 299
وأصله في البخاري، وكان عمر يستشيره ويقول: غَوّاصٌ.
وقال سعيد بن المُسَيِّب: ما رأيت أَحْضَرَ فهمًا، ولا أَلَبَّ لُبًّا ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حِلمًا من ابن عباس، ولقد رأيت عمر يدعوه للمُعْضلات.
وقال عِكْرمة: كان ابن عباس إذا مر بالطريق قالت الناس: أَمَرَّ المِسْكُ أو ابن عباس؟.
وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس، وإذا نطق قلت: أفصح الناس، وإذا حدث قلت: أعلم الناس.
وقال عطاء: ما رأيت قَطُّ أكرمَ من مجلس ابن عباس, أكثر فقهًا, وأعظم خشية؛ إن أصحاب الفقه عنده، وأصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده يَصْدُرهم كلهم من واد واسع.
وقال طاووس: رأيتُ سبعينَ من أصحاب رسول الله ﷺ إذا تدارؤوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس.
وعن أبي وائل قال: قرأ ابن عباس سورة النور، فجعل يفسرها، فقال رجل: لو سَمِعَتْ هذا الدَّيْلَمُ لأسلمت. وفي رواية: لو سمعته فارس والروم لأسلمت.
وقال أبو وائل: قال رجل: والله إني لأشتهي أن أقبِّلَ رأسه من حلاوة كلامه. وقال سعيد بن جُبَير: كنت أسمع الحديث من ابن عباس، فلو يأذن لي لقبلت رأسه.
وقال مَيْمون بنُ مِهران: لو أتيت ابن عباس بصحيفة فيها ستون. حديثًا لرجعت ولم تسأله عنها، ورأيتَ الناس يسألونه فَيَكْفُونك.
وسُئِل ابن عمر عن شيءٍ، فقال للسائل: سل ابن عباس فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد. وعن عبد الله بن دينار، أن رجلًا سأل
стр. 300
عبد الله بن عمر عن قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] فقال: اذهب إلى ذلك الشيخ، فاسأله, ثم تعال فأخبرني، فذهب إلى ابن عباس، فسأله, فقال: كانت السماء رَتْقاء لا تُمْطر، والأرض رتقاء لا تُنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجَع الرجل، فأخبر ابن عمر، فقال: لقد أُوتي ابن عباس علمًا صدقًا، هكذا، لقد كنت أقول ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علمًا.
وروى عكرمة عنه أنه قال: لما قُبض رسول الله ﷺ ، قلت لِرجل من الأنصار: هَلُمَّ فنسأل أصحاب رسول الله ﷺ فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك، أفَتَرى الناس يفتقرون إليك؟ قال: فترك ذلك وأقبلت أسأل، فإن كان لَيبلُغُني الحديث عن رجل، فآتي بابه وهُو قائِلٌ فأتوسد روائي على بابه يسفي الريح علي من التراب، فيَخْرُج فيراني، فيقول: يا ابن عم رسول الله ﷺ هلّا أرسلت إلي فآتِيَكَ. فأقول لا أنا أحق أنْ آتيك، فأسأُلُه عن الحديث، فعاش الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فقال: هذا الفتى كان أعقل مني.
وروى عنه أبو سَلَمَة أنه قال: وجدت علم رسول الله ﷺ عند هذا الحي من الأنصار، إن كنت لأقيلُ عند باب أحدهم، ولو شئت أن يُؤذن عليه لأذِن لكن أبتغي بذلك طيب نفسه.
ورُوي عن الشعبي قال: ركب زيد بن ثابت، فأخذ ابن عباس بركابه، فقال: لا تَفْعَلْ يا ابن عم رسول الله ﷺ ، فقال: هكذا أُمِرْنا أن نَفْعَلَ بعلمائنا، فقبل زيد بن ثابت رأسه، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
وعن ابن مسعود أنه قال: نِعْمَ تَرْجُمانُ القرآن ابنُ عباس، لو أدرك أسناننا ما عَشِره منا رجل.
стр. 301
وقال مجاهد: ما سمعت فتيا أحسن من فتيا ابن عباس، إلَّا أنْ يقول قائل: قال رسول الله ﷺ .
وعند الدارمي وابن سعد بسند صحيح عن عبد الله بن أبي يزيد: كان ابن عباس إذا سُئِل فإن كان القرآن أخبر به، فإن لم يكن وكان عن رسول الله ﷺ أخبر به، فإن لم يكن وكان عن أبي بكر وعمر أخبر به، فإن لم يكن قال برأيه. وفي رواية ابن سعد: اجتهدَ رأيَهُ.
وفي البَيْهَقيِّ عن عبد الله بن بُرَيْدة، قال: شتم رجل ابن عباس، فقال: إنك لتَشْتِمُني وَفِيَّ ثلاث: إني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدِل في حكمه، فأحبه، ولعلي لا أقضي عليه أبدًا، وإني لأسمع بالغيث يُصيبُ البلد من بلدان المسلمين، فأفرح به، وما لي بها سائمة ولا راعية، وإني لآتي على آية من كتاب الله تعالى فودِدْت أن المسلمين كلهم يعلمون منها مثل ما أعلم.
وعن يزيد بن الأَصَمِّ: خرج معاوية حاجًّا، ومعه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب، ولابن عباس موكب ممن يطلُب العلم.
وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس الحلالِ، والحرامِ، والعربيةِ، والأنسابِ، وأحسبه قال: والشعر.
وعن عُبيد الله بن عبد الله قال: ما رأيت أحدًا كان أعلم بالسنة، ولا أجَلَّ رأيًا، ولا أثقب نظرًا من ابن عباس.
وقال القاسم بن محمَّد: ما رأيت في مجلس ابن عباس باطلًا قطُّ، وما سمعت فتوى أشبه بالسنة من فتواه.
ويُروى أن معاوية نظر إلى ابن عباس يومًا يتكلم، فَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ، وقال متمثلًا:
إذا قَالَ لَمْ يَتْركْ مَقالًا لِقائلٍ ... مُصيبٌ وَلَمْ يَثْن اللِّسانَ على هُجْرِ
стр. 302
يُصَرِّفُ بالقَوْل اللِّسانَ إذا انْتَحى ... ويَنْظُرُ في أعطافِهِ نَظَرَ الصَّقْرِ
وقال عطاء: كان الناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب، وناس يأتونه لأيام العرب ووقائعها، وناس يأتون للعلم والفقه ما منهم إلا يُقْبِل عليهم بما شاؤوا.
وروى أبو الحسن المدائني، عن أبي بَكْرة، قال: قدم علينا ابن عباس البصرة، وما في العرب مثله حَشْمًا، وعِلمًا، وثيابًا، وجمالًا، وكمالًا.
وأخرج الطبراني من طريق أبي الزِّنَادِ أن حسانَ بن ثابت، قال: كانت لنا عند عثمان أو غيره من الأمراء حاجة فطلبناها إليه بجماعة من الصحابة منهم عبدُ الله بن عباس، وكانت حاجةً صعبة شديدة، فاعتل علينا، فراجعوه إلى أن عَذَروه وقاموا، إلا ابنَ عباس، فلم يزل يُراجِعُه بكلام جامع، حتى سَدَّ عليه حاجته، فلم يَرَ بُدًّا من أن يقضيَ حاجتنا، فخرجنا من عنده وأنا آخذٌ بيد ابن عباس، فمررنا على أولئك الذين كانوا عَذَرُوا وضَعُفوا، فقلت: كان عبد الله بن عباس أولاكم به، قالوا: أجل، فقلت أمدحه:
إذا ما ابن عَبّاسٍ بَدَا لَكَ وَجْهُهُ ... رَأَيْتَ لَهُ في كُلِّ أحوالِهِ فَضْلًا
كَفَى وشَفَى ما في النُّفُوسِ وَلَمْ يَدَعْ ... لِذِي أَرَبٍ في القولِ جدًّا ولا هزْلا
سَمَوْتَ إلى العَلْيا بِغَيرِ مَشَقَّةٍ ... فَنِلْتَ ذُراها لَا دَنِيًّا وَلاَ وَغْلا
خُلِقْتَ حليفًا لِلْمُروءَةِ والنَّدى ... بليجًا وَلَمْ تُخْلَق كهامًا وَلاَ خبلا
وذكر خليفةُ أن عليًّا ولّاه البصرة، وكان على الميسرة يوم صفين، واستخلف أبا الأسود على الصلاة، وزيادًا على الخراج، وكان استكتبه، فلم يزل ابن عباس على البصرة حتى قُتِلَ علي، فاستَخْلف عبد الله بن الحارث، ومضى إلى الحجاز.
وأخرج الزبير بسند له أن ابن عباس كان يُفتي الناس في رمضان وهو أمير البصرة، فما ينقضي الشهر حتى يفقههم.
стр. 303
وقال محمود بن سلام سعى ساعٍ إلى ابن عباس برجل، فقال: إن شئت نظرنا، فإن كنت كاذبًا عَاقَبْناك، وإن كنت صادقًا نَفَيْناك، وإن شئت أَقَلْتُك. قال: هذه.
وفي كتاب "الجليس" للمعافى نظر الحطيئة إلى ابن عباس في مجلس عمر، وقد بَرَعَ بكلامه، فقال: مَنْ هذا الذي نزل عن القوم في سِنِّه، وعلاهم في قوله؟ قالوا: هذا ابن عباس. فأنشأ يقول:
إنّي وَجَدْتُ بَيَانَ المَرْءِ نَافِلَةً ... تهدي له، وَوَجَدْتُ العِيِّ كالصَّمَمِ
المَرْءُ يَبْلى وَتَبْقى الكَلْمُ سائِرَةً ... وَقَدْ يُلام الفتى يوماً وَلَمْ يَلُمِ
وفي "تاريخ" يعقوب بن سُفيان، من طريق يزيد بن الأَصَمِّ، عن ابن عباس، قال: قدم على عمر رجل، فسأله عن الناس، فقال: قرأ منهم القرآن كذا وكذا. فقال ابن عباس: ما أُحب أن يُسأل عن آي الاقرآن. قال: فَزَبَرَني عمر، فانطلقت إلى منزلي، فقلت: ما أراني إلا قد سقطت من نفسه، فبينا أنا كذلك إذ جاءني رجل، فقال: أجب، فأخذ بيدي، فخلا بي، فقال ما كرِهْت مما قال الرجل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت أسأت فاستغفر الله. قال: لَتُحَدِّثَني. قلت: إنهم متى تنازعوا اختلفوا، ومتى اختلفوا اقتتلوا، قال: لله أبوك، لقد كنت أكتمها النّاسَ.
وأخرج أحمد، عن عكرمة أن ابن عباس بلغه أن عليًّا حَرَّق أُناسًا، فقال: لم أكن لِأحُرِّقَهم ... الحديث، فبلغ عليًّا قوله، فقال: ويح ابن أم الفضل إنه لغواص على الهَنَات.
وفي "المجالسة" من طريق المدائني، قال علي في ابن عباس: إنَّك لَتَنْظُر إلى الغيب من سِتر رقيق لعقله وفطنته.
وأخرج يعقوب بن سفيان من طريق عبد الله بن شَبيب قال: قالت عائشة: هُو أعلم الناس بالحج.
وفي "فوائد" المقرئ من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن
стр. 304
مسعود، أن عمر كان يأخذ بقول ابن عباس في العُضَلِ، وعُمَرُ عُمَرُ.
وعن هشام بن عُروة: سألت أبي عن ابن عباس، فقال: ما رأيت مثل ابن عباس قطُّ.
ورُوي أن عبد الله بن صَفْوان بن أُمَيَّةَ مَرَّ يومًا بدار عبد الله بن عباس بمكة، فرأى فيها جماعة من طالبي الفقه، ومرَّ بدار عُبيد الله بن عباس فوجد فيها جماعة ينتابونها للطعام، فدخل على ابن الزبير، وقال: أصبحتَ والله كما قال الشاعر:
فَإِنْ تُصِبْكَ من الأيّام قارِعةٌ ... لَمْ نَبْكِ منكَ على دُنيا ولا دينِ
قال: وما ذاك يا أعرج، قال: هذان ابنا عباس أحدهما يفقه الناس، والآخر يطعم الناس، فما أبقيا لك مَكْرُمة، فدعا عبدَ الله بن مُطيع، وقال انطلق إلى ابني عباس، وقل لهما: يقول لكما أمير المؤمنين: اخرجا عني أنتما ومن انضوى إليكما من أهل العراق، وإلا فعلت وفعلت، فقال عبد الله ابن عباس لابن الزبير: والله ما يأتينا من الناس إلا رجلان، رجل يطلُبُ فقهًا، ورجل يطلب فضلًا، فأيَّ هذين تمنع؟ وكان بالحضرة أبو الطفيل عامر بن وَاثلة الكناني، فجعل يقول:
لا دَّر دُّر الَّليالي كيف تُضحِكُنا ... مِنها خطوبٌ أعاجيبٌ وَتُبْكينا
ومِثلُ ما تُحدثُ الأيّامُ مِن غِيَرٍ ... في ابن الزُّبير عن الدُّنيا يُسَلّينا
كُنّا نَجيءُ ابن عبّاسٍ فَيُسمعُنا ... فِقْهًا ويُكسِبُنا أجرًا ويَهْدينا
ولا يزالُ عُبيدُ اللهِ مُتْرعةً ... جِفَانُهُ مُطعِمًا ضيفًا ومِسْكينا
فَالبِرُّ والدينُ والدُّنيا بدارهمُ ... نَنالُ منها الّذي نَبْغي إذا شينا
إنَّ النّبيُّ هو النُّور الذي كُشطتْ ... به عَماياتُ ماضِينا وبَاقينا
ورَهطُه عِصمَةٌ في ديننا لهُمُ ... فَضلٌ علَينا وَحَقٌّ واجِبٌ فينا
فَفيم تَمنَعُنا مِنهُم وتَمنعُهُم ... مِنّا وتُؤذيهم فِينا وَتُؤذينا
ولَستَ فَاعْلَم بأَولاهُم بهِ رَحِمًا ... يا ابنَ الزُّبيرِ ولا أولى به دِينا
لَنْ يُؤِتيَ الله إنسانًا بِبُغضِهِمُ ... في الدّينِ عِزًّا ولَا في الأرضِ تَمكينا
стр. 305
وكان ﵁ قد عمي في آخر عمره، ورُوي عنه أنه رأى رجُلًا
مع النبي ﷺ فلم يَعْرِفْهُ، فسأل النبي ﷺ عنه، فقال رسول الله ﷺ :
"أَرأَيتَهُ" قال: نعم. قال: "ذلك جِبْريلُ، أما إنَّك سَتفقدُ بَصَركَ" فعمي في آخر عمره وهو القائل:
إن يأْخُذ الله من عَينيَّ نُورهُما ... ففي لِساني وقَلْبي مِنهُما نورُ
قَلْبي ذَكِيٌ وعَقلي غَيرُ ذي دَخَلٍ ... وفي فَمي صارِمٌ كالسَّيْفِ مَشْهُورُ
وروى مجاهدٌ عنه أنه قال: رأيت جبريل عند النبي ﷺ مرتين.
له ألف وست مائة حديث وستون حديثًا، اتفقا على خمسة وتسعين، وانفرد البخاري بمئة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين.
روى عن النبي ﷺ ، وعن أبيه، وأمِّه أم الفَضْل، وأخيه الفضل، وخالته مَيْمونة، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عَوف، ومُعاذ بن جَبل، وأبي ذرٍّ، وأُبيِّ بن كَعب، وخالد بن الوليد وهو ابن خالته، وأبي هُريرة، وأسامة بن زَيد، وخلق.
وروى عنه ابناه علي ومحمد، وابن أخيه محمَّد بن علي، وأخوه كَثير ابن العباس، وابن أخيه عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وابن أخيه الآخر عبد الله بن مَعيد بن عباس، ومن الصحابة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثَعْلبةُ بن الحكم اللَّيثي، وأبو الطُّفَيل، وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين أبو أُمامة بن سَهْل بن حَنيف، وسعيد بن المسَيِّب، وسعيد بن جُبير، وأبو سَلَمةَ بن عبد الرحمن، وعطاء، وطاووس وكُرَيْب، ومُجاهد، وعَمرو بن دينار، وابن خالته عبد الله بن شَداد بن الهاد، وابن خالته الأخرى يزيد بن الاصم، وخلق كثير.
مات ﵁ بالطائف سنة ثمان وستين، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة سبعين، وصلى عليه محمد بن الحَنَفِيَّة، ولما سُوِّي عليه التراب، قال: مات والله اليوم حبر هذه الأمة، وفي رواية: رَبّانِيُّ هذه الأمة.
стр. 306
وروي عن سعيد بن جُبير أنه قال: مات ابن عباس وأنا بالطائف، فشهدت جنازته، فجاء طائر أبيض لم يُرَ على خِلقَتِه مثله، فدخل في نَعْشه، ولم نره خارجًا منه، فلما دُفِن تليت هذه الآية: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] إلى آخر السورة، فكانوا يرون أنه عِلْمُه، وقيل: إنه بصره، وضرب محمَّد فُسطاطًا على قبره، واختلف في سِنِّه يوم مات، فقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن اثنتين، وقيل: أربع، والأول هو الأقوى، وليس في الكتب الستة مَنْ اسمه عبد الله بن عباس سواه.
فائدة: رُوي عن غُنْدَر أن ابن عباس لم يسمع من النَبيِّ ﷺ إلا تسعة أحاديث، وعن يحيى القَطّان عشرة، وقال الغزالي في "المستصفى": أربعة. وفيه نظر، ففى الصحيحين عن ابن عباس مما صرح فيه بسماعه من النبي ﷺ أكثر من عشرة، وفيهما مما يشهد فعله نحو ذلك، وفيهما ما له حكم الرفع نحو ذلك، فضلًا عما ليس في الصحيحين، قاله في: "تهذيب التهذيب".
لطائف إسناده منها: أنه كله على شرط الستة، ورواته ما بين مكيٍّ وبَصْري وواسِطي، وكلهم من الأفراد، لا أعلم من شاركهم في أسمائهم وأسماء آبائهم. وفي رواية تابعي عن تابعي، وهما موسى بن أبي عائشة، وسعيد بن جُبير.
أخرجه البخاري هُنا، وفي التفسير، وفي فضائل القرآن عن قُتَيْبَةَ. ومسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم، وقُتيبة، وغيرهما. والتِّرمذي من حديث سفيان بن عيينة، وقال: حسن صحيح.
الحديث السادس
٥ - باب * ٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 307
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
[الحديث ٦ - أطرافه في: ١٩٠٢، ٣٢٢٠، ٣٥٥٤، ٤٩٩٧].
قوله: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجود الناس" أجود منصوب لأنه خبر كان، وقدم ابن عباس هذه الجملة على غيرها، وإن كانت لا تتعلق بالقرآن، على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها، ومعنى أجود الناس: أكثرهم جودًا على الإِطلاق، والجود: الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وقد أخرج التِّرمذي من حديث سَعْد رفعه: "إن الله جوادٌ يُحِبُّ الجود" الحديث، وله من حديث أنس رفعه: "أنا أجودُ وَلَدِ آدم، وأجودهم بعدي رجلٌ عَلِمَ عِلمًا فَنَشَر علمه، ورجلٌ جادَ بنفسه في الله" وفي سنده مقال، وفي "الصحيح" عن أنس كما يأتي: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أشجع الناس، وأجود الناس الحديث.
وقوله: "وكان أجود ما يكون في رمضان" وأجود بالرفع في أكثر الروايات، وخبرها محذوف سد الحال الذي هو في رمضان مسده، وتقديره: حاصل، على حد قولهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، أو هو مبتدأ مضاف إلى المصدر وهو: "ما يكون"، وخبره "في رمضان"، والتقدير: أجود أكوان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في رمضان، وعلى هذا تكون كان زائدة، ويرجح هذا الوجه وروده بدون كان عند المؤلف في الصوم، وفي رواية: أجود بالنصب على أنه خبر كان، واسمها ضمير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والتقدير: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مدة كونه في رمضان أجودَ منه في غيره. وذكر النَّوَوِيّ أنه سأل ابن مالك عن هذا اللفظ، فخرج فيه الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين، وذكر ابن الحاجب في أماليه للرفع خمسة أوجه، تَوَارَدَ مع ابن مالك في وجهين منها، ولم يُعَرِّج على النصب.
стр. 308
وقوله: "حينَ يَلْقاه جِبريلُ" أي: لأن في ملاقاته زيادة ترقيه في المقامات، وزيادة اطِّلاعه على علوم الله تعالى، ولا سيما مع مدارسة القرآن.
وقوله: "وكانَ يَلْقاه" الضمير المستتر في كان لجبريل ﵇، والبارز في يَلْقاه للنبي ﵊، وجوز الكِرْماني العكس، ورجَّحَ الأول بقرينة: "حين يلقاه جبريل" فهو أقرب في الذكر.
وقوله: "فيدارسُهُ القرآنَ" الفاء فيه عاطفة له على يلقاه، والقرآن مفعول ثان على حد: جاذَبْتُهُ الثَّوْبَ، والحكمة في أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات، لأن نِعَم الله فيه على عباده زائدة على غيره، فكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يؤثر متابعة سنة الله تعالى في عباده، فبمجموع ما ذُكر من الوقت، والمنزول به، والنازل، والمذاكرة، حصل المزيد في الجود. قال الطِّيبيُّ: فيه تخصيص بعد تخصيص، على سبيل الترقي، فَضَّلَ أولًا جوده مطلقًا على جود الناس كلهم، ثم فضل ثانيًا جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم فضل ثالثًا جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل له على جوده في غيرها من رمضان، وإنما دارسه القرآن لكي يتقرر عنده، ويرسخ أتَمَّ رسوخ، فلا ينساه أبدًا، وهذا إنجاز، كما وعد به رسوله ﵊ حيث قال له: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦].
وقوله: "فَلَرَسُول اللهِ أجودُ بالخيرِ من الرِّيحِ المُرسلة" الفاء للسببية، واللام في المبتدأ للتأكيد أو جواب قسم مقدر، يعني أنه في الإِسراع بالجود أسرع من الريح، وعَبَّر بالمرسلة، أي: المطلقة، إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده، كما تَعُمُّ الريح المرسلة جميعَ ما تَهُبُّ عليه.
стр. 309
ووقع عند أحمد في آخر هذا الحديث: "لَا يسْأَلُ شَيْئًا إلَّا أعْطَاهُ" وثبتت هذه الزيادة في الصحيح من حديث جابر: "ما سُئِلَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شَيْئًا، فقال: لا" وفي تقديم معمول أجود على المفضل عليه نكتةٌ لطيفة، وهي أنه لو أخره لَظُنَّ تعلقه بالمرسلة، وهذا وإن كان لا يتغير به المعنى المراد من الوصف بالأجودية، إلا أنه تَفُوت به المبالغة، لأن المراد وصفه بزيادة الأجودية على الريح مطلقًا. قلت: عندي في هذا نظر، لأن أجوديته ﵊ إنما تكون بالخير خاصة، وأجوديته إنما تحصل على الريح المرسلة بالخير خاصة لا على غيرها، فلا تظهر هذه النكتة المشار لها.
وفيه جواز المبالغة في التشبيه، وجواز تشبيه المعنوي بالمحسوس ليُقَرَّبَ لِفَهْم سامِعِهِ، وذلك أنه أثبت له أولًا وصف الأجودية، ثم أراد أن يصفه بأزيد من ذلك، فشبه جوده بالريح المرسلة، بل جعله أبلغ منها في ذلك لأن الريح قد تسكن.
وفيه استعمال أفعل التفضيل في الإِسناد الحقيقي والمجازي، لأن الجود منه صلى الله تعالى عليه وسلم حقيقي، ومن الريح مجاز، فكأنه استعار للريح جودًا باعتبار مجيئها بالخير، فَأَنْزَلَها منزلةَ من جاد.
وفيه فوائد منها: الحث على الجود مطلقًا والزيادة في رمضان، وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وزيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكره ذلك، واستحباب الِإكثار من القرآن في رمضان، وكونه أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويًا لَفَعَلاه، فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ، قلنا: الحفظ كان حاصلًا، والزيادة فيه تَحْصُل ببعض المجالس، وإنه يجوز أن يقال: رمضان من غير إضافة، وفيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في رمضان، لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان، كما ثبت من حديث ابن عباس، فكان جبريل يَتَعاهده في كل سنة، فيُعارِضه بما نزل عليه من
стр. 310
رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عارَضَهُ به مرتين، كما ثبت في الصحيح من حديث فاطِمَةَ رضي الله تعالى عنها، وبهذا يُجاب من سأل عن مناسبة إيراد الحديث في هذا الباب، ثم نزل بعد نزوله جُملة على حسب الأسباب في عشرين سنة، وقيل نزلت صُحُف إبراهيم ﵇ أول ليلة منه، و"التوراة" لِسِتٍّ، و"الِإنجيل" لثلاث عشرة، و"القرآن" لأربع وعشرين، وفهم منه أن جبريل ﵊ كان ينزل على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في كل ليلة من رمضان، وهذا يعارض ظاهر ما رُوي في صحيح مسلم: "في كل سنة في رمضان حتى يَنْسلِخَ" وأجيب بأن المحفوظ في مسلم أيضًا مثل ما في البخاري، ولئن سلمنا صحة الرواية المذكورة فلا تَعَارُضَ، لأن معناه بمعنى الأول، لأن قوله: "حتى يَنْسَلخَ" بمعنى كل ليلة، وخُص رمضان بالمدارسة لأن عبادة فيه أفضل من العبادة في غيره، ولذلك قال الزُّهري: "تَسْبيحةٌ في رمضان خير من سبعين في غيره. وقد جاء في الحديث أنه يُعْتَقُ في كل ليلة منه ألف ألف عتيق من النار.
رجاله ثمانية:
الأول: عَبْدان، وهو لقب عبد الله بن عثمان بن جَبَلة -بفتح الجيم والباء الموحدة- ابن أبي رَوّاد ميمون، وقيل: أيمن الأزدِيُّ العَتَكي مولاهم، أبو عبد الرحمن المَرْوَزِيّ الحافظ، مولى المُهَلَّب بن أبي صُفرة.
قال ابن حبان في "الثقات": قال أحمد بن حَنْبل: ما بقي الرِّحْلة إلا إلى عَبْدان بخراسان. قال أحمد بن عَبْدة: تصدق عَبْدان في حياته بألف ألف درهم، وكَتَبَ كُتُبَ ابن المبارك بقلم واحد. وقال ابن عدي في "شيوخ البخاري": حدث عن شعبة أحاديث تفرد بها. وقال أبو رَجَاء محمد بن حَمْدويه: رأيته يَخْضِبُ، وهو ثقة مأمون. وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث ببلده، ولاه عبد الله بن طاهر قضاء الجُوزجان فاحتال حتى اعتفى، وفي "الزهرة" روى عنه البخاري مئة حديث وعشرة أحاديث، قيل: إنه لقب عبدان لكون أول اسمه عبد، وأول كنيته عبد، فاجتمع من
стр. 311
اسمه وكنيته عبدان، وقيل: إن ذلك من تغيير العامة للأسامي وكسرهم لها في زمن صِغَرِ المُسَمّى كقولهم في علي: عليان، وفي أحمد بن يوسف وغيره: حمدان، وفي وَهْب بن بَقِيّة الواسِطي: وهبان.
روى عن أبيه، وأبي حمزة السكري، ويزيد بن رُزَيْع، وابن المُبارك، وجَرير بن عبد الحميد، وشُعبة، وحَمّاد بن زيد، وغيرهم.
وروى عنه البخاري، وروى الباقون له بواسطة محمد بن يحيى اليَشْكُري سوى ابن ماجة، وروى عنه الذُّهلي، ويعقوب بن سفيان، ومحمد بن عبد العزيز بن أبي رِزمة، وغيرهم.
مات سنة إحدى وعشرين ومئتين وهو ابن ست وسبعين.
والعَتَكِيُّ في نسبه بالتحريك نسبة إلى عَتيك كأمير أبو بَطْن من الأَزْد، وهو عَتيك بن الأسد بن عمران بن عمرو مِزِيقِيا بن ماء السماء، ومن ولده أسد بن الحارث بن عَتيك، وأخوه وائل بن الحارث بن العَتيك، إليه ينسب المُهَلَّب بن أبي صُفرة، وإليه يرجع المُهَلَّبِيّون عشيرة أبي الحسن المهلبي شيخ اللغة بمصر.
والأزْدِيّ بسكون الزاي في نسبه نسبة إلى الأَزْد بن الغوث بن نبت ابن مالك بن كهلان بن سَبأ وهو أَسْد بالسين أفصح، وبالزاي أبو حي من اليمن، ومن أولاده: الأنصار كلهم، قيل: اسمه دِرْء بكسر فسكون، وقيل: دِرَاء ككتاب، وهو الصحيح، والأَزْد لقبه، قيل: معنى الأَزْد والأَسْد والعَسْد: القُبُل، وقيل الأَزْد أيضًا بمعنى العَزْد، وهو النكاح، وافترقت الأَزد فيما ذكره أبو عبيدة وغيره من علماء النسب على نحو سبع وعشرين قبيلة، ويقال أَزْدِ شَنُوءة، وإِزْدِ عُمان -كغراب- بلدة على شاطئ البحر بين البصرة وعَدَن، وأَزْدِ السُّراة أعظم جبال العرب، ويُقال لبعض آخر: أَزْد غَسّان، وهو اسم ماء فمن شرب منه منهم سُمِّي أَزْد غسان وهم أربع قبائل، ومن لم يشرب منه لم يُقَل له ذلك، وإليه يشير قول حسان بن ثابت:
стр. 312
إمَّا سَأَلْت فإنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌ ... الأَزْدُ نِسْبَتُها وَالماءُ غَسّانُ
وهو ماءٌ بين رِمَع وزَبيد لواديين باليمن، وقيل: بِسَدِّ مأْرِب، وقيل: بالمُشلَّلِ قرب الجُحْفَة، وقيل: اسم دابة وقعت في هذا الماء فَسُمي الماء بها، وحُكِيَ فيه الصرف والمنع على زيادة النون وأصالتها.
وغسان اسم مازِن بن الَأزْد بن الغَوْث، منهم ملوك غسان الذين منهم جَفْنَةُ بنُ عمرو، والحارثُ المُحَرِّقَّ، وثَعْلَبَةُ العَنْقاءُ، والحارثُ الأكبر المعروف بابن مارية، وأولادهُ النعمان، والمنذر، وجَبَلَة، وأبو شمر، ملوك كلهم، فمن ولد جَبَلة هذا جَبَلَة بن الأيْهم وفي وَلَدِ أبي شَمِر الحارثُ الأَعْرج بن أبي شَمِر، قيل: إن أَزْدَ غسان كان عاهد أَزْدَ شَنُوءة، وأَزْدَ عُمان أن لا يَحُولا عليه، فثبتت أَزْدَ شَنُوءَة على عهده دون أَزْد عُمان، فقال:
وَكُنْتُ كَذي رِجْلَيْنِ رِجْلٍ صَحيحةٍ ... وَرِجْلٍ بها رَيْبٌ مِنَ الحَدَثَانِ
فَأَمَّا الّتي صَحَّتْ فَأَزْدُ شَنُوءَةٍ ... وأمَّا التي شَلَّتْ فَأَزْدُ عُمانِ
وقد فَصل السُّهْلِيُّ في "الروض الأُنُف" غسان تفصيلًا جيدًا.
والمَرْوَزِيّ -بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح الواو، بعدها زاي معجمة- في نَسَبه نسبةً إلى مروِ الشَّاهْجان، هي إحدى كراسي خُراسان، وكراسي خُراسان أربع مدن: هذه، ونَيْسابور، وهَرَاة، وبَلْخ، وإنما قيل لها: مَرْوُ الشّاهْجان لتتميز عن مَرْوِ الرُّوذ -بفتح الميم، وسكون الراء، وفتح الواو، وتشديد الراء المهملة المضمومة وبعد الواو ذال معجمة- والشَّاهْجان لفظ عجمي تفسيره روح الملك، فالشاه: الملك، والجان: روح، ومن عادتهم أن يقدموا ذكر المضاف إليه على المضاف، ومرو هذه بناها الِإسكندر ذو القرنين، وهي سرير الملك بخراسان، وزادوا في النسبة إليها زايًا، كما قالوا في النسبة إلى الري: رازي، وإلى إصْطَخْر: إصْطَخْرَزِي على أحد النسبتين، إلا أن هذه الزيادة تختص ببني آدم عند أكثر أهل العلم بالنسب، وما عدا ذلك لا يزاد فيه الزاي، فيقال: فلان المروزي، والثوب وغيره من المَتَاع مَرْوي -بسكون الراء- وقيل: إنه يقال في الجميع بزيادة الزاي، ولا فرق بينهما، وهو من تغيير النسب، ومَرْوُ
стр. 313
الرُّوذ المتقدم ذكرها: مدينة مبنية على نهر، وهو المسمى بالرُّوذ على اللغة العجمية في تسمية النهر بذلك، وهي أشهر مدن خراسان، بينها وبين مَرْوِ الشَّاهْجان أربعون فرسخًا، وهاتان المدينتان هما المروان، أُضيفت إحداهما إلى الشّاهْجان وهي العظمى، والنسبة إليها مَرْوَزِي، والثانية إلى النهر المذكور، والنسبة إليها مَرْو الرُّوذِيّ ليحصل الفرق بينهما، وقيل مَرْوَزي.
وعبدان لقب جماعة، هذا أكبرهم، وعبد الله بن عثمان في الكتب الستة ثمانية.
الثاني: عبد الله بن المبارك بن وَاضح الحَنْظَلِيّ التَّميميّ مولاهم أبو عبد الرحمن المَرْوَزِي، أحد الأئمة، كان قد جمع بين العلم والزُّهد، وكان كثّير الانقطاع، مُحبًّا للخَلْوة، شديد التَّوَرُّع، وكان أبوه تُركيًّا مملوكًا لرجل من همدان، وأمه خُوارَزْمِيّة، وكان كثير المشايخ، رُوي عنه أنه قال: كتبت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف.
قال سفيان بن عُيَيْنة: ابن المبارك عالم المشرق والمغرب وما بينهما، وقال شُعبة: ما قدم علينا مثلُه، وقال أبو إسحاق الغَزَاري: ابن المبارك إمام المسلمين، وقال ابن مَهْدي: الأئمة أربعة الثَّوْري، ومالك، وحَمّاد بن زيد، وابن المُبارك، وقال لما سئل عن سفيان وابن المبارك: لو جَهَدَ سفيان جَهْدَهُ على أن يكون يومًا مثل عبد الله لم يقدِر، وقال شُعيب بن حرب: إني لأَشْتَهي من عُمُري كُلِّه أن أكون سنة واحدة مثل ابن المبارك فما أقدر ولا ثلاثة أيام، وقال شُعيب: ما لَقِي ابنُ المبارك رجلًا إلا وابن المبارك أفضل منه، وقال أبو أسامة: ما رأيت أطلب للعلم منه، وقال أحمد بن حَنْبلِ: لم يكن في زمانه أطلب للعلم منه، جمع أمرًا عظيمًا، ما كان أحدٌ أقلَّ سقَطًا منه، كان رجلًا صاحبَ حديث حافظًا، وكان يحدث من كتاب، وقال ابن عُيينة: نظرت في أمر الصحابة فما رأيت لهم فضلًا على ابن المبارك إلا بصحبتهم للنبي ﷺ وغزوهم معه، ولما نُعِي
стр. 314
إليه ابن المبارك، قال: كان فقيهًا عالمًا عابدًا زاهدًا شيخًا شجاعًا شاعرًا، وقال فُضَيْل بن عِياض: أما إنه لم يُخَلِّفْ أحدًا بعده مثله، وقال سَلام بن أبي مُطيع: ما خلف بالمشرق مثله، وقال ابن مَهْدي أيضًا: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثَّوْري، ولا أشد تقشفًا من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصحَ للأمة من ابن المبارك، وقال ابن مَعِين: كان كيِّسًا متثبتًا ثقة، وكان عالمًا صحيح الحديث والفقه، وكانت كتبه التي حدث بها عشرين ألفًا أو أحدًا وعشرين ألفًا، وقال إسماعيل بن عَيّاش: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله تعالى خلق خَصْلة من خِصال الخير إلا وقد جعلها فيه، وقال الحسن ابن علي بن شَفِيق: بلغنا أنه قال الفُضَيل بن عِياض: لولا أنت وأصحابُك ما اتجرْتُ. قال: وكان يُنْفقِ على الفقراء في كل سنة مئة ألف درهم، وقال الحاكم: هو إمام عصره في الآفاق، وأَوْلاهم بذلك علمًا وزهدًا وشجاعةً وسخاءً، وقيل لابن معين: أيُّهما أثبتُ عبد الله بن المبارك أو عبد الرزاق؟ فقال: كان عبد الله خيرًا من عبد الرزاق، ومن أهل قريته، عبد الله سيدٌ من سادات المسلمين. وقال ابن جُرَيْج: ما رأيت عراقيًا أفصح منه، وقال الحسن بن عيسى: كان مجاب الدعوة، وقال أبو وهب: مرَّ عبد الله برجل أعمى، فقال: أسألك أن تدعو لي، فدعا له، فرد الله عليه بصره وأنا انظر.
وقال الخَلِيليُّ: ابن المبارك الإِمام المتفق عليه، له من الكرامات ما لا يُحصى، يقال إنه من الأبدال، وحكى الحسن بن علي عنه من دقيق الورع أنه استعار قلمًا من رجل بالشّام، وحمله إلى خراسان ناسيًا، فلما وجده معه بها رَجَع إلى الشام حتى أعطاه لصاحبه.
وقال الأسود بن سالم: إذا رأيت الرجل يَغْمِزُ ابن المبارك فاتَّهِمْه على الإِسلام، وقال النسائي: لا نعلم في عصر ابن المبارك أجلَّ منه ولا أعلى منه ولا أجمع لكل خصلة محمودة، وقال العِجْلِيُّ: ثقة ثبت في الحديث، رجل صالح، وكان جامعًا للعلم.
стр. 315
وقال ابن حبان في "الثقات": كان فيه خِصال لم تجتمع في واحد من أهل العلم في زمانه في الأرض كلها.
وقال يَحْيى بن يَحْيى الأنْدَلُسِيُّ: كنا في مجلس مالك، فاستُؤذن لابن المبارك، فَأُذِن، فرأينا مالكًا تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بِلِصْقِهِ ولم أره تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارىء يقرأ على مالك، فربما مرَّ بشيءٍ فيسأله مالك: ما عندكم في هذا؟ فكان عبد اللهَ يُجيبُهُ بالخفاء، ثم قام، فخرج، فَأُعْجِبَ مالك بأدبه، ثم قال لنا: هذا ابن المبارك، فقيه خراسان.
وقال الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك مثل الفضل بن موسى، ومخْلَد بن حسين، وغيرهما، فقالوا: تعالَوْا حتى نَعُدَّ خِصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، والفصاحة، والزهد، والورع، والإِنصات، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفُروسية، والشَّجاعة، والشدة في بدنه، وترك الكلام فيما لا يَعْنيه، وقلة الخلاف على أصحابه.
وقال العباس بن مُصْعَب: جمع الحديث، والفقه، والعربية، والشجاعة، والتجارة، والسخاء، والمحبة عند الفراق.
وقال ابن سَعْد: طلب، وروى روايةً كثيرةً، وصنف كتبًا كثيرة في أبواب العلم، وكان ثقة مأمونًا حجة كثير الحديث.
ورُوي عن أشْعَثَ بن شُعبة المِصِّيصي أنه قال: قدم هارون الرَّقَّةَ، فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك، وانقطعت النِّعال، وارتفع الغُبار، فأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من قصر الخشب، فلما رأت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم خراسان قدم الرَّقّة، يقال له: عبد الله بن المُبارك، فقالت: هذا والله المُلْكُ لا مُلك هارون الذي لا يَجْمع الناس إِلا بشُرطٍ وأعوان.
стр. 316
وكان لعبد الله شعر، فمن شعره:
قَد يَفتحُ المرءُ حَانُوتًا لمتجَرهِ ... وَقَدْ فتحت لَك الحَانُوتَ بالدِّين
بَينَ الأسَاطينِ حَانوتٌ بلَا غَلَقٍ ... تَبتَاعُ بالدِّين أموالَ المساكينِ
صَيَّرت دِينكَ شَاهينًا تَصيدُ به ... ولَيسَ يُفلحُ أصحابُ الشَّواهينِ
ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا، فدلنا على ترك الدنيا، وسئل ابن
المبارك: أيُّما أفضل معاوية بن أبي سفيان أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله ﷺ ، فقال: سَمعَ الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا؟.
ويقال: إنَّ عبد الله نمت عليه بركة أبيه، فإنه كان في غاية الورع، وقد حُكي عن أبيه أنه كان يعمل في بستان لمولاه، وأقام فيه زمانًا، ثم إن مولاه جاءه يومًا، وقال له: أريد رُمّانًا حُلوًا، فمضى إلى بعض الشجر وأحضر منها رمانًا، فكسره فوجده حامِضًا، فَحَرَدَ عليه، وقال: أَطْلُبُ الحلوَ فتُحضر لي الحامِض؟ هات حلوًا، فمضى، وقطع من شجرة أخرى، فلما كسره وجده أيضًا حامضًا، فاشتد حَرَدُهُ عليه، وفعل ذلك دفعة ثالثة، فقال له بعد ذلك: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟ فقال: لا. فقال له: كيف ذلك؟ فقال: لأني ما أكلت منه حتى أعرف الحلو من الحامض. فقال: ولمَ لم تأكل؟ فقال: لأنك ما أَذنت لي. فكشف عن ذلك فوجده حقًا، فَعَظُم في عينه، فزوجه ابنته، فرزقه منها الله عبد الله، فنمت عليه بركة أبيه.
وقيل: إن هذه القصة منسوبة إلى إبراهيم بن أَدْهَم، وذكرها الطُّرْطُوشيُّ في أول "سراج الملوك" منسوبةً له.
روى عبد الله عن: سليمان التَّيْمي، وحُميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعِكْرمة بن عمار، والأَعْمش، وهشام بن عُروة، والثَّوري، وشُعبة، والأوْزاعي، وابن
стр. 317
جُريج، ومالك، والليث، وابن أبي ذِئْب، وموسى بن عُقْبَة، وإبراهيم ابن عُقبة، وخلق كثير.
وروى عنه الثَّوْري، ومَعْمر بن راشد، وأبو إسحاق الفَزَاري، وبَقِيَّة ابن الوليد، وابن عُيَيْنة، وأبو الأَحْوص، وفُضَيْل بن عياض، ومُعْتَمَر بن سُليمان، والوليد بن مُسلم، وغيرهم من شيوخه وأقرانه، وأبو سلمة التَّبُوذَكيّ، ونُعَيْم بن حَمّاد، وابن مَهْدي، والقَطَّان، وخلق كثير.
قال الخطيب: حدث عن معمر بن راشد، والحسن بن داود البَلْخِيّ، وبين وفاتيهما مئة واثنتان وثلاثون سنة، وقيل: مئة وثلاثون سنة، وقيل: مئة وتسع وعشرون سنة.
ولد سنة ثماني عشرة ومئة، ومات في رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة بهِيتْ بكسر الهاء في آخره تاء منصرفًا من الغزو، وهي قرية على شاطىء الفُرات، فوق الأنْبار، من أَعمال العراق، لكنها في بر الشام، والأَنْبار في بر بغداد، والفُرات يفصل بينهما، ودِجْلة تفصل بين الأنبار وبغداد، وقبره بها ظاهر يزار.
وقد جمع ابن خَلَّكان في أخباره جزأين، وليس في الكتب الستة من اسمه عبد الله بن المبارك سواه، فهو من أفرادها، لكن في رواة غيرها خمسةٌ: أحدهم بغدادي حدث عن هَمّام، والثاني: خُراساني وليس بالمعروف، والثالث: شيخ روى عنه الأثْرم، والرابع: جوهري روى عن أبي الوليد الطَّيالِسِي، والخامس: بَزّار روى عنه سَهْلٌ البُخَاري.
والتَّميميُّ في نَسَبه نسبةً إلى تميم كأمير بن أُدّ بن طانِجةَ أبو قبيلة من مُضَر مشهورة، والحَنْظَلِيُّ نسبة إلى حَنْظَلَة بطن من تميم، والمَرْوَزِي تقدم الكلام عليه في الذي قبله.
فائدة: ذكر الشيخ زَكَرِيّا في آخر فصل "المتَّفِق والمفترق" عن ابن الصلاح أنه حكى عن سَلَمَة بن سليمان أنه قال: إذا قيل في السند:
стр. 318
عبد الله بمكة فهو ابن الزبير، أو بالمدينة: فابن عمر، أو بالكوفة: فابن مسعود، أو بالبصرة: فابن عباس، أبو بخراسان: فابن المبارك.
وقال ابن حَجَر: إذا أطلق بمصر: فابن عمرو بن العاص.
الثالث: بشر بن محمَّد أبو محمَّد المَرْوَزِي السِّخْتِياني.
روى عن ابن المُبارك، والفَضْل بن موسى، وأبي ثُمَيْلة.
وروى عنه البخاريُّ، وأحمد بن سَيّار، وإسحاق بن الفَيْض الأَصْبهاني وكناه، وجعفر الفِرْياني.
ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان مُرْجِئًا. وذكر ابن أبي حاتم بشر بن محمَّد الكِنْدِيّ، عن عبد العزيز بن أبي رِزْمة. وعنه علي بن خشرم، ذكره مفردًا عن السِّخْتِياني، ويحتمل أن يكونا واحدًا.
مات السِّخْتِياني سنة أربع وعشرين ومئتين.
وانفرد البخاري به عن باقي الستة، روى عنه هنا، وفي التوحيد، والصلاة، وغيرها.
وكل ما جاء مِن بِشْر فهو بكسر الباء وسكون الشين المعجمة إلا أربعة، فبضم الباء وسكون السين المهملة، وهم بُسْر والد عبد الله بن بُسْر الصّحابي المَازِني ولم يذكره ابن الصلاح لأنه لا ذكر له فيٍ شيء من الكتب الثلاثة أعني: "البخاري" و"مسلمًا" و"الموطأ". وإن رَقَّمَ له المِزِّيُّ علامة مسلمٍ، وبُسْر بن سعيد، وبُسْر بن عبيد الله الحَضْرَمِيّ، وبُسْر بنَ مِحْجَن الدِّيْلي، وحديثه في "الموطأ" دون "الصحيحين"، وفيه خُلْفٌ، فقال الجمهور: إنه بالمهملة، وقال غيرهم: بالمعجمة، وقد تشبه هذه الترجمة بأبي اليسر كَعْب بن عمر، وهو بتحتية ثم مهملة مفتوحتين، وحديثه في صحيح مسلم، لكنه ملازم لأداة التعريف غالبًا بخلاف القسمين الأولين ونظم العراقي الأربعة فقال:
стр. 319
وابنُ سَعيدٍ بُسْر مِثْلُ المازِنِ ... وابنُ عُبَيْدِ اللهِ وابنُ مِحْجَن
وَفيهِ خلْفٌ وَيَشِيرٌ أَعْجَمُ ... ..................
الرابع: عُبيد الله -بالتصغير- ابن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود الهُذَلي، أبو عبد الله.
قال الواقِدِيّ: كان عالمًا، وكان ثقة، فقيهًا، كثير الحديث والعلم، شاعرًا، وقد عَمِيَ.
وقال العِجْلِيّ: كان أَعمى، وكان أحد فقهاء المدينة السبعة، تابعي ثقة، رجل صالح جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز.
وقال أبو زُرْعَة: ثقة مأمون إمام.
وقال مَعْمر، عن الزُّهْري: كان أبو سَلَمَة يسأل ابن عباس، وكان يَخْزُن عنه، وكان عبيد الله يلطفه، فكان يُعِزُّهُ عِزًّا.
وعن الزُّهري قال: ما جالست أحدًا من العلماء إلا وأرى أني قد انتهيت على ما عنده، وقد كنت اختلفت إلى عروة حتى ما كنت أسمع منه إلا معُادًا ما خلا عُبَيْد الله بن عُتْبة فإني لم آته إلا وجدت عنده طريفًا، وقال الزُّهري أيضًا: أدركت أربعة بحورٍ فذكر فيهم عُبَيْد الله، وقال: سمعت من العلم شيئًا كثيرًا فظننت أني قد اكتفيت حتى لَقِيتُ عبيد الله، فإذا كأني ليس في يدي شيء.
وقال عمر بن عبد العزيز: لأن يكون لي مجلس من عُبَيْد الله أحب إلى من الدنيا وما فيها، وقال: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع تَحَرِّيكَ وشدةِ تحفُّظِكَ، قال: أين يُذْهَبُ بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصيحته وبهدايته على بيت المال بألوف وألوف، إن في المحادثة تلقيحًا للعقل، وترويحًا للقلب، وتسريحًا للهم، وتنقيحًا للأدب.
وقال أبو جَعْفر الطَّبري: كان مقدمًا في العلم والمعرفة بالأحكام
стр. 320
والحلال والحرام، وكان مع ذلك شاعرًا مُجيدًا.
وقال ابن عَبْد البَرّ: كان أحد الفقهاء العشرة، ثم السبعة، الذين يدور عليهم الفتوى، وكان فاضِلًا مقدّمًا في الفقه، تقيًّا شاعرًا محسنًا لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا هذا فيما علمت فقيه أشعر منه، ولا شاعر أفقه منه.
وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان عبيد الله حيًا ما صدرت إلا عن رأيه.
وروي عن عُبيد الله أنه قال: ما سمعت حديثًا قطُّ ما شاء الله أن أعيه إلا وعيته.
وقيل لابن معين: أيُّما أحب إليك عكرمة أو عُبَيْد الله؟ قال: كلاهما ولم يُخَيِّر.
ومن شعره:
شَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتِ فيه ... هَواكِ فليم فَالْتَأَمَ الفُطُورُ
تَغَلْغَلَ حُبُّ عُثْمَةَ في فُؤَادي ... فباديه مَعَ الخافي يَسِيْرُ
تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ ... وَلاَ حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرورُ
ولما قال هذا الشعر قيل له: أتقول مثل هذا؟ قال: إن في الِّلدودِ راحةَ المفؤود، وهو القائل: لا بُدَّ لِلْمَصْدُورِ من أَنْ يَنْفُثَ.
روى عن أبيه، وأرسل عن عمه عبد الله بن مسعود، وروى عن عمار، وعمر، وعن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعثمان بن حُنَيْف، وسَهْل بن حُنَيْف، وأبي سعيد الخُدري، وأبي طَلْحة الأنصاري، وجماعة.
وروى عنه: أخوه عَوْنٌ، والزُّهري، وسَعْدُ بن إبراهيم، وأبو الزِّناد، وصالح بن كَيْسان، وعراك بن مالك، وموسى بن أبي عائشة، وغيرهم.
مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس وتسعين، وقيل: سنة تسعين، وقيل: سنة ثمانين، وقيل: سنة تسع وتسعين، وعُبَيْد الله في الكتب الستة غيره أحد عشر.
следующие страницы →