← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الثاني: علي بن مُسْهِر باسم الفاعل القُرَشي، أبو الحسن الكوفي الحافظ، قاضي الموصل. قال عبد الله عن أبيه: صالح الحديث، أثبت من أبي مُعاوية. وقال عثمان الدارِمي: قلت لابن مَعين: هو أحب إليك أو أبو خالد الأحمر؟ فقال: ابن مُسْهِر. فقلت: ابن مسهر أو إسحاق بن الأزرق؟ قال: ابن مُسْهِر. قلت: ابن مُسْهِر أو يحيى بن أبي زائدة. قال: كلاهما ثقة. قال يحيى: هو أثبت من ابن نُميْر. وقال العِجْلي: قرشي ثقة من أنفسهم جمع الحديث والفقه ثقة. وقال فيه أيضًا: صاحب سنة ثقة في الحديث، ثبت فيه، صالح الكتاب، كثير الرواية عن الكوفيين. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو زُرعة: صدوق ثقة. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال يحيى بن يحيى: إنه ولي قضاء أرمينية، فاشتكى عينه، فدس إليه القاضي الذي كان بأرمينية طبيبًا، فكحَّلَه، فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى. وقال أحمد لما سُئِل عنه: لا أدري كيف أقول، كان قد ذهب بصره، فكان يحدثهم من حفظه. روى عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عُروة، وعبد الملك بن أبي سُليمان، ومُطَرِّف بن طَريف، وأبي إسحاق الشيباني، والأجْلَح الكِنْدي، وغيرهم. وروى عنه: أبو بكر وعثمان ابنا أبي شَيْبة، وبِشْر بن آدم، وزكريّاء بن عَدي، وهنّاد بن سَريّ، وغيرهم. مات سنة تسع وثمانين ومئة. والثالث: أبو إسحاق الشَّيْباني مولاهم، وقيل: إنه سليمان بن أبي سليمان مولى ابن عباس، وأبو سليمان اسمه فَيْروز، وقيل: خاقان، ويقال: عمرو. قال الجوزجاني: رأيت أحمد يُعجبه حديث الشيباني، ويقول: هو أهل أن لا ندع له شيئًا. وقال ابن مَعين: ثقة حجة. وقال أبو حاتِم: ثقة صدوق صالح

стр. 2557

الحديث. وقال النَّسائي: ثقة. وقال العِجْلي: كان ثقة من كبار أصحاب الشعبي. وقال أبو بكر بن عياش: وإن الشيباني فقيه الحديث. وقال ابن عبد البَر: هو ثقة حجة عند جميعهم. روى عنه: عبد الله بن أبي أَوْفى، وزِر بن حُبَيْش، وأشعث بن أبي الشَّعثاء، وبُكَيْر بن الأخْنس، وجَبَلَة بن سُحَيْم، وعبدالله بن شَدّاد بن الهادي، وغيرهم. وروى عنه: ابنه إسحاق، وأبو إسحاق السَّبيعي وهو أكبر منه، وعاصم الأحول، وهو من أقرانه، والثوري، وشعبة، وجعفر بن عَوْن، وهو خاتمة أصحابه. مات سنة تسع وعشرين ومئة وقيل: سنة ثمان وثلاثين. وقيل: سنة تسع وثلاثين. والشَّيباني في نسبه نسبة إلى شَيْبان، حيٌّ من بكر، وهما الشيبانيّة، وهما شيبانان، أحدهما شيبان بن ثَعْلبة بن عُكابة بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل. والآخر شيبان بن ذُهْل بن ثَعلبة بن عُكابة وهما قبيلتان عظيمتان، تشتملان على بطون وأفخاذ، وإلى الثانية نسب إمام المذهب أحمد بن حنبل، والإمام محمد بن الحسن صاحب الإِمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما. الرابع: عبد الرحمن بن الأسود، وقد مرَّ في الثاني والعشرين من كتاب الوضوء. ومرَّ أبوه الأسود بن يزيد في السابع والستين من كتاب العلم. ومرت عائشة أُم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار بصيغته في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه قوله: "وهو الشيباني" إشارة إلى أنه تعريف له من تلقاء نفسه، وليس من كلام شيخه، وقد مرَّ الكلام على ذلك في الحديث السادس من كتاب الوضوء. ورواته كلهم إلى عائشة كوفيون، وفيه رواية تابعي عن صحابية.

стр. 2558

أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيْبة وعلي بن حَجَر. وأبو داود عن عثمان بن أبي شَيْبة. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة. تابَعَهُ خالِدٌ وجَريرٌ عَنِ الشَّيْبَانيِّ. أي: تابعا علي بن مُسْهِر في رواية هذا الحديث عن أبي إسحاق الشَّيْبانى بهذا الإسناد، وللشيباني فيه إسناد آخر يأتي عقبه. ومتابعة خالد له وصلها أبو القاسم التَّنوخي في "فوائدة" من طريق وَهْب بن بَقيّة عنه، ومتابعة جَرير وصلها أبو داود، والإسماعيلي، والحاكم في "المستدرك"، وهذا مما وهم في استدراكه لكون مخرجًا في "الصحيحين" من طريق الشَّيْباني. وخالد المراد به خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن، وقد مرَّ في السادس والخمسين من كتاب الوضوء، ومرَّ جَرير بن عبد الحميد في الثاني عشر من كتاب العلم.

стр. 2559

الحديث الثامن حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تقولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهْيَ حَائِضٌ. قوله: "أمرها" أي: بالائتزار. وقوله: "فاتَّزَرت"، قال في "الفتح": في روايتنا بإثبات الهمزة على اللغة الفصحى. وقوله: "وهي حائض" جملة حالية من مفعول "يباشر" على الظاهر، أو من مفعول "أمر"، أو من فاعل "اتَّزَرَت". وقال الكِرْماني: يُحتمل أنه حال من الثلاثة جميعًا. رجاله خمسة: الأول: أبو النعمان عارِم بن الفَضْل السَّدُوسي مرَّ في الحادي والخمسين من كتاب الإيمان. ومرّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين منه أيضًا. ومرَّ أبو إسحاق في الحديث الذي قبل هذا. ومرت أم المؤمنين مَيْمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من كتاب العلم. والخامس: عبد الله بن شَدّاد بن الهادي أبو الوليد المدني، كان يأتي الكوفة، وأمه سلمى بنت عُمَيْس الخَثْعَمِيّة أخت أسماء بنت عُمَيْس، فهو أخو أولاد حمزة بن عبد المطلب لأمهم، وابن خالة أولاد جعفر، وكذا محمد بن أبي بكر، وبعض ولد علي أمهم أسماء بنت عُمَيْس. روى عن: أبيه، وعمر، ويعْلى، وطلحة، ومُعاذ، والعباس، وابن مسعود،

стр. 2560

وابن عبّاس، وابن عمر، وخالته أسماء بنت عُمَيْس، وخالته لأمه مَيْمونة بنت الحارث، وعن أُم سلمة، وغيرهم. وروى عنه: سعد بن إبراهيم، وأبو إسحاق الشَّيْباني، ومَعْبَد بن خالد، والحكم بن عُتيبة، ورِبْعِي بن حِراش، وطاووس، ومحمد بن كعب، وجماعة. قال الميموني: سئل أحمد: أسمع عبد الله بن شَدّاد من النبي ﷺ شيئًا؟ قال: لا. وقال ابن المديني: شهد مع علي ﵁ يوم النَّهْروان. وقال العِجْلي والخطيب: هو من كبار التابعين وثقاتهم. وقال أبو زُرعة والنسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان عثمانيًّا ثقة في الحديث، توفي في ولاية الحجّاج على العراق. وقال الواقِدي: خرجٍ مع القراء أيام ابن الأشعث على الحجاج، فقُتِل يوم دُجَيْل، وكان ثقة فقيها كثير الحديث متشيِّعًا. وقال يعقوب بن شيبة في "مسند" عمر: كان يتشيع. فما قاله ابن سعد فيه نظر. وقال ابن نُمَيْر: قتل بدُجَيْل سنة واحد وثمانين. وقال يحيى بن بُكَيْر وغيره: فُقِد ليلة دُجَيْل سنة اثنين وثمانين. وقال الثوري: فُقِد ابن شدّاد وابن أبي ليلى بالجَماجِم، وكذا قال العِجْلي، وزاد: اقتحم بهما فرساهما، فذهبا. وقال ابن عبد البر: ولد على عهد النبي ﷺ . لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والسماع في موضع واحد، وفيه رواية تابع عن تابعي عن صحابية، ورواته ما بين بصري وكوفي ومدني. أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى وغيره. وأبو داود في النكاح عن مسدَّد وغيره. وابن ماجه بسند صحيح من حديث أُم حَبيبة رضي الله تعالى عنها. رَوَاهُ سُفْيانُ عنِ الشَّيْبَانيِّ. قوله: "رواه" أي: الحديث، وللأصيلي وكريمة: "ورواه". وقوله: "عن الشَّيْباني" يعني بسند عبد الواحد، وإنما عبر بقوله: "رواه" دون

стр. 2561

تابعه؛ لأن الرواية أعم من المتابعة، فلعله لم يروه متابعة، وكأن الشيباني كان يحدِّث به تارة من مسند عائشة، وتارة من مسند ميمونة، فسمعه منه جرير وخالد بالإِسنادين جميعًا، وسمعه غيرهما بأحدهما. ورواية سفيان عند أبي داود، والإِمام أحمد. وسفيان: الثوري أو ابن عُيينة، وعلى كل تقدير فلا يضرُّ إبهامه لأنهما على شرطه، وكل منهما تقدم، فابن عُيينة مرَّ في الحديث الأول من بدء الوحي، والثوري في الثامن والعشرين من كتاب الإيمان. والشَّيْباني المراد به أبو إسحاق، وقد مرَّ قبل هذا بحديثين. باب ترك الحائض الصوم قال ابن رشيد وغيره: جرى البخاري على عادته في إيضاح المشكل دون الجلي، وذلك أن تركها الصلاة واضح من أجل أن الطهارة مُشْتَرَطة في صحة الصلاة، وهي غير طاهر، وأما الصوم فلا تُشترط له الطهارة، فكان تركها له تعبدًا محضًا، فاحتاج إلى التنصيص عليه في الترجمة، بخلاف الصلاة، وإن كان الحديث جامعاً لهما.

стр. 2562

الحديث التاسع حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ". فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ". قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ ". قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ ". قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: "فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا". قوله: "خرج رسول الله" أي: من بيته أو مسجده. وقوله: "في أضحى" أي: في يوم أضحى، بفتح الهمزة وسكون الضاد جمع أضحات إحدى أربع لغات في اسمها، بضم الهمزة وكسرها، وضحية كهدية، والأضحى يُذَكَّر ويؤنث، سميت بذلك لأنها تُذْبَح في الضُّحى، وهو ارتفاع النهار. وقوله: "أو فطر" أي: أو في يوم فطر، شكٌّ من الراوي. وقوله: "إلى المُصَلَّى" فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة، فقال: "أيها الناس تصدَّقوا". وقوله: "يا معشر النساء" المعشر كل جماعة أمرهم واحد، وهو يَرِدُ على ثعلبٍ، حيث خصَّه بالرجال، إلاَّ إن كان مراده بالتخصيص حالة إطلاق المعشر

стр. 2563

لا تقييده كما في الحديث. وقوله: "فإني أُرِيْتُكُنّ" الفاء للتعليل، و"أُرِيْتُكُن" بضم الهمزة وكسر الراء، أي: إن الله تعالى أَراهُنَّ له ليلة الإسراء. وقوله: "أكثرَ أهل النار" بنصب أكثر مفعول أُرِيْتُكُن الثالث، أو على الحال إذا قُلنا: إن أفعل لا تتعرَّفُ بالإِضافة. وقوله: "فقلن" بالفاء، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي: "قلن" بلا فاء. وقوله: "وبم" قيل: الواو استئنافية، وقيل: عاطفة على مقدر، تقديره: وما ذنبُنا؟ قاله العيني. قلت: المقدر المعطوف عليه هو عين المعطوف، فلا يَصح، والباء تعليلية، والميم أصلها ما الاستفهامية، فحُذِفَت منها الألف تخفيفًا. وفرقًا بين الاستفهام والخبر. نحو: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣]، وأما قراءة عكرمة: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ٧٨]، فشاذة. وقوله: "وتكفرن العشير" أي: تَجْحَدْنَ حق الخليط، وهو الزوج، أو هو أعم من ذلك، والخطاب عامٌّ، غلبت فيه الحاضرات على الغُيَّب. وقوله: "من ناقصات عقل ودين" صفة لموصوف محذوف، قال الطيبي: قوله: "ما رأيت من ناقصات ... إلخ" زيادة على الجواب، تسمى الاستِتْباع، والظاهر أن ذلك من جملة أسباب كونهن أكثر أهل النار؛ لأنهن إذا كنَّ سببًا لإِذهاب عقل الرجل الحازم حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغي، فقد شاركته في الإثم. وقوله: "أَذْهب لِلُبِّ الرجل الحازم من إحداكن" أي: أشد إذهابًا على مذهب سيبويه، حيث جوز بناء أفعل التفضيل من الثلاثي المزيد فيه، وكان القياس فيه: أشد إذهابًا. واللُّبُّ أخصُّ من العقل، وهو خالص ما في الإنسان من قواه، فكل لُبٍّ عقل، وليس كل عقل لُبًّا. والحازم: الضابط لأمره. وهذه

стр. 2564

مبالغة في وصفهِنَّ بذلك؛ لأن الضابط لأمره إذا كان ينقاد لهن، فغير الضابط أولى. قوله: "قلن: وما نُقصان ديننا وعقلنا؟ " كأنه خَفِي عليهنَّ ذلك حتى سألن عنه، ونفس هذا السؤال دالٌّ على النقصان؛ لأنَّهُنَّ سلمن ما نُسِبَ إليهن من الأمور الثلاثة: الإكثار، والكُفران، والإذهاب، ثم استشكلن كونهن ناقصات. وما ألطف ما أجابهن به ﷺ من قوله: "أليس شهادة المرأة مثلُ نصفِ شهادة الرجل ... إلخ"، فأجابهن بما لا تعنيف فيه ولا لوم، بل خاطَبَهُنَّ على قَدْرِ عقولهن، وأشار بقوله: "مثل نصف شهادة الرجل" إلى قوله تعالى: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لأن الاستظهار بأخرى مؤذِن بقلة ضبطها. وحملُ بعضِهم العَقْلَ هنا على الدِّية بعيد، وسياق الكلام يأباه. وقوله: "فذلك من نقصان عقلها" بكسر الكاف خطابًا للواحدة التي تولَّت خطابه ﵊، فإن قيل: هو خطاب للإناث، والمعهود فيه فذلكُنَّ، أحيب بأنه قد عُهِدَ في خطاب المذكر الاستغناء بذلك عن ذلكم، قال الله تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، فهذا مثله في المؤنث. على أن بعض النحاة نقل لغة بأنه يَكْتفي بكاف مكسورة مفردة لكل مؤنث أو الخطاب لغير معين من النساء، ليعم الخطاب كلاًّ منهن على سبيل البدل، إشارة إلى أن حالتهن في النقص تناهت في الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختص به واحدة دون واحدة، فلا تختصُّ حينئذ بهذا الخطاب مخاطبة دون مخاطبة، ويجوز فتح الكاف على أنه للخطاب العام، ويؤخذ منه أنه لا يواجه بذلك الشخص المعين، ففي الشمول تسلية وتسهيل. وقوله: "لم تصلِّ ولم تَصُم" أي: لِما قام بها من مانع الحيض، وفيه إشعار بأن منع الحائض من الصلاة والصوم كان ثابتًا بحُكم الشرع قبل ذلك المجلس.

стр. 2565

وقوله: "فذلك من نُقصان دينها" أي: بكسر الكاف وفتحها كالسابق. قيل: وهذا العموم فيهِنَّ يعارِضه حديث: "كمُلَ من الرجال كثيرٌ، ولم يكمُلْ من النساء إلا: مريمُ ابنة عمران، وآسيةُ بنت مُزاحم". وفي رواية الترمذي وأحمد: "أربع: مريمُ ابنة عمران، وآسية امرأة فِرْعَون، وخديجة بنت خُوَيْلِد، وفاطمة بنت محمد". وأجيب بأن الحكم على الكل بشيء لا يستلزِم الحكم على كل فرد من أفراده بذلك الشيء، وليس المقصود بذكر النقص في النساء لومُهُنَّ على ذلك، لأنه من أصل الخلقة، لكن التنبيه على ذلك تحذيرٌ من الافتتان بهن، ولهذا رتَّب العذاب على ما ذُكِر من الكفران وغيره لا على النقص، وليس نقص الدين منحصرًا فيما يحصُل به الإثم، بل في أعم من ذلك؛ لأنه أمر نسبي، فالكامل مثلًا ناقض عن الأكمل، ومن ذلك الحائض، لا تأثم بترك الصلاة زمن الحيض، لكنها ناقصة عن المصلّي. وهل تُثاب على هذا الترك لكونها مكلَّفة به كما يُثاب المريض على النوافل التي كان يصليها في صحته، وشُغِل بالمرض عنها. قال النووي: الظاهر أنها لا تُثاب، والفرق بينها وبين المريض أنه ينوي أنه يفعل لو كان صحيحًا مع أهليته، وهي ليست بأهل، ولا يمكنها أن تنوي؛ لأنها حرام عليها. قال في "الفتح": وعندي في كون هذا الفرج مستلزمًا لكونها لا تُثاب وقفة. قلت: ما قاله هو الظاهر، فإن كونها ليست أهلًا للفِعْل لا يمنعُ من أن تُثاب على نية أنها لو قدرت لفعلت، كما يتمنى الرجل أنه لو كان له مال لَعَمِل فيه ما يعمل فلان في ماله، ويحصُلُ الأجر بذلك كما في الحديث. وقد مرّ الكلام على باقي مباحث هذا الحديث مستوفى في باب: كفران العشير من كتاب الإِيمان، وباب عظة الإِمام النساء، وفي باب: هل يَجْعَلُ للنساء يومًا؟ من كتاب العلم.

стр. 2566

رجاله خمسة: الأول: سعيد بن أبي مريم، وقد مرّ في الرابع والأربعين من كتاب العلم. ومرّ زَيْد بن أسلم في الثاني والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ أبو سعيد الخُدْرِي في الثاني عشر منه. والثاني من السند: محمد بن جَعْفَر بن أبي كَثِير الأنصاري الزرقي مولاهم المدني. روى عن: زيد بن أسلم، وحُميد الطويل، وموسى بن عُقبة، وهشام بن عُروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وغيرهم. وروى عنه: عبد الله بن نافع الصائغ، وزياد بن يونُس، وسعيد بن أبي مَرْيم، وغيرهم. قال الدُّوري عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المَديني: معروف. وقال النَّسائي: صالح. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال النَّسائي أيضًا: مستقيم الحديث. وقال العْجِلي مدني ثقة. والرابع من السند: عِياض بن عبد الله بن سَعْد بن أبي سَرْح بن الحارث بن حَبيب بن جُذَيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لُؤي القرشي العامري المكي. روى عن: ابن عُمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وجابر. وروى عنه: زيد بن أسلم، ومحمد بن عَجْلان، وسعيد المَقْبرُي، وبُكَيْر بن الأَشَجّ، وداود بن قيس، وغيرهم. قال ابن مَعين والنسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن يُونس: ولد بمكة، ثم قدم مصر مع أبيه، ثم رجع إلى مكة، فلم يزل بها حتى مات على رأس المئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الإِفراد في

стр. 2567

موضع واحد، والعنعنة في موضعين، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ورواته مدنيّون ما خلا ابن أبي مَرْيَم، فإنه مصري. أخرجه البخاري هنا، وأخرجه مقطّعًا في الصوم والطهارة وفي الزكاة، وأخرجه في العيدين بطوله. ومسلم في الإيمان عن حسن الحلواني وغيره. والنسائي في الصلاة عن قُتَيْبة. وابن ماجه عن أبي كُرَيْب. باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت الأحسن فيما قيل في مقصود البخاري بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث والآثار أن مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجُنُب بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها؛ لأنه ﷺ لم يستثن من جميع مناسك الحج إلاَّ الطواف، وإنما استثناه لأنه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذِكر وتلبية ودعاء، ولم تُمنع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجُنُب؛ لأن حدثها أغلظ من حدثه، ومَنْعُ القراءة إن كان لكونه ذِكْرَ الله فلا فرق بينه وبين ما ذُكر، وإن كان تعبُّدًا فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصحَّ عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره، لكن أكثرها قابل للتأويل، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطَّبَري وابن المنذر وداود بعموم حديث: "كان يذكُرُ الله على كل أحيانِهِ" الآتي قريبًا؛ لأن الذِّكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فُرِّق بين الذِّكر والتلاوة بالعُرف. وقالَ إبراهيمُ لا بأسَ أنْ تَقْرَأَ الآيةَ. يعني: ونحو الآية، والجُنُب مثلها. ورُوي عن مالك نحو قول إبراهيم، وروي عنه الجواز مطلقًا، وروي عنه الجواز للحائض دون الجُنُب. قلت: وهذا هو مشهور مذهبه، فالجُنُب في مشهور مذهبه لا يقرأ من القرآن إلا الآيتين ونحوهما، للتعوذ والاستدلال والرُّقْيَة.

стр. 2568

وأجاز بعضهم قراءة المعوَّذتَيْن، ولابد فيما يُقرأ للتعوُّذ أن يكون مما يُتَعَوَّذ به، لا نحو آية الدَّيْن، وكذا يجري نحوه فيما يُرقى به، أو يُسْتَدل به. وظاهر كلام الباجي أنه يجوز له أن يقرأ المعوذتين وآية الكرسي معًا، بل قد يشمل كلامه قراءة: قل أوحي. وأما الحائض فقراءتها عنده جائزة ما دامت حائضًا كما مرَّ عند قول عائشة: "ثم يقرأ القرآن". قال القسطلاني: إن مذهب الشافعية والحنفية تحريم قراءة الحائض كالجنب، ولو بعض آية، لحديث الترمذي: "لا يقرأُ الجُنُب ولا الحائض شيئًا من القرآن". قال: فيتناول بإطلاقه الآية فما دونها، فيكون حجة على النَّخَعي والطحاوي في إباحتهما بعض الآية، لكن هذا الحديث ضعيف من جميع طرقه، فلا يصح الاحتجاج به على المالكية ولا على غيرهم. وأثر إبراهيم هذا وصله الدّارَقُطني بلفظ: "أربعة لا يقرؤون القرآن: الجُنُب، والحائِضُ، وعند الخلاء، والحمّام، إلا الآية". وإبراهيم: المراد به إبراهيم بن يزيد النخعي وقد مرَّ في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. ولمْ يَرَ ابنُ عَبّاسٍ بالقراءةِ للجُنُبِ بَأْسًا. وهذا الأثر وصله ابن المنذر وابن أبي شَيْبة بلفظ: إنه كان يقرأ وِرْدَه من القرآن وهو جُنُب، فقيل له في ذلك، فقال: ما في جوفي أكثر منه. وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي. وكانَ النبيُّ ﷺ يَذْكُرُ الله على كلِ أَحْيَانِهِ. وهذا الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث عائشة ﵂. وقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بتكبيرهِمْ ويَدْعُونَ. قوله: "يَخْرُجَ الحِيَّضُ" بالرفع على الفاعلية، وفي رواية: "أن نُخْرِجَ

стр. 2569

الحيَّضَ" بالنصب على المفعولية، فيكُنَّ خلف الناس. وقوله: "ويدعون" أي: بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. وللكشميهني: "يدعين" بمثناة تحتية بدل الواو، وردها العين لمخالفتها لقواعد التصريف؛ لأن هذه الصيغة معتلة اللام من ذوات الأربع، يستوي فيها لفظ جماعة الذكور والإناث في الخطاب والغيبة جميعًا، وفي التقدير يختلف، فوزن الجمع المذكر: يَفْعُونَ لحذف لامه. ووزن المؤنث: يَفْعَلْنَ. ووجه الدلالة منه ما تقدم من أنه لا فرق بين التلاوة وغيرها. وهذا التعليق وصله البخاري في أبواب العيدين في باب التكبير أيام مِنى، وإذا غدا إلى عَرَفة. ورواه أيضًا في باب خروج النساء الحُيَّض إلى المُصَلّى على ما يأتي. ومرت أُم عطية في الثاني والثلاثين من كتاب الوضوء. وقَالَ ابنُ عباسٍ أَخْبَرني أبُو سُفيانَ أنَّ هِرَقْلَ دَعَا بكتاب النبيِّ ﷺ فقرَأَهُ فإذا فيهِ بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية. قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ بإسقاط الواو لأبي ذرٍّ والأصيلي، وبزيادة واو في رواية القابِسِيّ والنَّسَفِي وعَبْدُوس، وقد مرَّ توجيه إثبات الواو في بدء الوحي. ووجه الدِّلالة منه من حيث إنه إنما كُتِبَ إليهم ليقرؤوه، وهو مشتمل على آيتين، فاستلزم جواز القراءة بالنص لا بالاستنباط. وأجاب مَن مَنَعَ ذلك وهو الجمهور، بأن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه، أو في التفسير، فإنه لا تُمنع قراءته ولا مسُّه عند الجمهور؛ لأنه لا تُقصد منه التلاوة. وأجاب بعضهم بأن الجُنُب إنما مُنع من التلاوة إذا قصدها وعَرَفَ أن الذي يقرؤه قرآنًا، أما لو قرأ في ورقة ما لا يعلم أنه من القرآن، فإنه لا يُمنع، وكذلك الكافر.

стр. 2570

واستدل الجمهور على المنع بحديث علي: "كان رسول الله ﷺ لا يحجُبُهُ شيءٌ عن القرآن ليس الجنابة". أخرجه أصحاب "السنن"، وصححه الترمذي وابن حِبّان، وضعَّفَ بعضُهم بعض رواته، والحق أنه من قبِيل الحسن، يصلُح للحجة. لكن قيل: في الاستدلال به نظر؛ لأنه فعلٌ مجرَّد، فلا يدُلُّ على تحريم ما عداه. وأجاب الطبري القائل بالجواز كما مرَّ عن الحديث بأنه محمول على الأكمل جمعًا بين الأدلة. ونص أحمد على أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ، وقال به كثيرٌ من الشافعية، ومنهم من خصَّ الجواز بالقليل كالآية والآيتين. وقال الثَّوري: لا بأس أن يُعَلَّمَ الرجلُ النصرانيُّ الحرفَ من القرآن، عسى الله أن يهديه، وأكره أن يُعَلَّم الآية، هو كالجُنُب. وعن أحمد: أكره أن يَضَعَ القرآن في غير موضعه. وعنه: إن رُجِيَ منه الهداية جاز، وإلا فلا. وقالت الشافعية: تحِلُّ للجُنُب قراءة الفاتحة في الصلاة إذا فقد الطُّهورين، بل تجب كما صححه النووي؛ لأنه نادر. وصحح الرافعي حرمتها, لعجزه عنها شرعًا. وكذا تحِلُّ أذكاره لا بقصد القرآن، كقوله عند الركوب: سبحان الذي سخَّر لنا هذا وما كُنا له مُقْرِنين. فإنْ قَصَدَ القرآن وحده أو مع الذكر حَرُم، وإن أَطْلَق فلا كما اقتضاه كلام "المنهاج"، خلافًا لما في "المحرر". وقال في "شرح المهذب": أشار العراقي إلى التحريم. وهذا قطعة من حديث أبي سُفيان في قصة هِرَقْل، وقد وصله البُخاري في بدء الوحي، ومرَّ هناك المواضع المذكور فيها. وعبد الله بن عباس مرَّ هناك في الحديث الخامس من بدء الوحي. ومرَّ أبو سُفيان في السابع منه.

стр. 2571

وقالَ عَطَاءٌ عَنْ جابرٍ حَاضَتْ عائشةُ ﵂ فَنَسكَتْ المَنَاسِكَ كُلَّها غيرَ الطوافِ بالبيتِ ولا تُصَلِّي. وهذا قطعة من حديث ذكره البخاري موصولًا في كتاب الأحكام في باب: قول النبي ﷺ :"لو استقبلتُ من أمري ما استَدْبَرت". وعطاء بن أبي رباح مرَّ ذكره في التاسع والثلاثين من كتاب العلم. ومرَّ جابر بن عبد الله في الثالث من بدء الوحي. وقالَ الحَكَمُ إني لأذْبَحُ وأنا جُنُبٌ وقالَ الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. وجه الدلالة منه أن الذبح مستلزِمٌ لذِكر الله بحكم الآية التي ساقها، قال في "الفتح": وفي جميع ما استدل به نزاع يطُول ذكره، ولكن الظاهر من تصرُّفِهِ ما مرَّ تقريره عند الترجمة. وهذا التعليق وصله البغوي في الجَعْدِيّات من روايته عن علي بن الجَعْد، عن شُعبة، عنه. والحكم: المراد به الحكم بن عُتَيْبة وقد مرَّ ذكره في الثامن والخمسين من كتاب العلم.

стр. 2572

الحديث العاشر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لاَ نَذْكُرُ إِلاَّ الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِى فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ". قُلْتُ: لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ. قَالَ: "لَعَلَّكِ نُفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَإِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي". قوله في آخر الحديث: "حتى تطهُري" أي: طهارة كاملة بانقطاع الحيض والاغتسال، لحديث: "الطوافُ بالبيت صلاة"، فيُشْتَرَطُ له ما يُشترط لها. وهذا الحديث مرّت مباحثه عند ذكره في أول الكتاب. رجاله خمسة: الأول: أبو نُعَيْم الفَضْل بن دُكَيْن مرَّ في السادس والأربعين من كتاب الإيمان. والثاني: عبد العزيز بن أبي سلمة مرَّ في الخامس والستين من كتاب العلم. ومرَّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من كتاب الغُسْل. ومرَّ أبوه القاسم بن محمد في الحادي عشر منه. ومرّت عائشة أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي.

стр. 2573

وتقدم هذا الحديث في أول كتاب الغسل. باب الاستحاضة قد مرَّ تفسيرها مرارًا.

стр. 2574

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لاَ أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي". قوله: "إني لا أطهُرُ" قد مرَّ التصريح ببيان السبب في هذا الحديث، وهو قولها: "إني امرأة أُسْتَحاض"، فكان عندها أن طهارة الحائض لا تُعْرَفُ إلا بانقطاع الدم فتكون بعدم الطهر عند اتصاله، وكانت قد علمت أن الحائض لا تصلي، فظنَّت أن ذلك الحكم مقترنٌ بجَرَيان الدم من الفَرْج، فأرادت تَحَقُّقَ ذلك، فقالت: أفأدع الصلاة؟ وقوله: "إنما ذلك عِرْق" أي: بكسر الكاف، وزاد في الرواية السابقة: "لا". وقوله: "ليس بالحَيْضَة" بفتح الحاء، قال النووي: هو متعين أو قريب من المتعيِّن, لأنه ﵊ أراد إثبات الاستحاضة ونفي الحيض. وأما قوله: "فإذا أقبلت الحيضةُ" فيجوز فيه الوجهان معًا جوازًا حسنًا. وقوله: "فاغسِلي عنك الدم وصلّي"، أي: بعد الاغتسال ... إلخ ما مرَّ. وهذا الحديث قد مرَّت مباحثُه مستوفاة عند ذكره في باب غَسْل الدم من كتاب الوضوء.

стр. 2575

رجاله خمسة: تقدموا بهذا النسق معرَّفين في الثاني من بدء الوحي، وهم: عبد الله بن يوسف، والإِمام مالك، وهشام بن عُروة، وأبوه عُروة، وعائشة أم المؤمنين، وفيه ذكر فاطمة بنت أبي حُبيْش وقد مرّت في الثالث والتسعين من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، والعنعنة في ثلالة مواضع، وتقدمت المواضع التي ذُكِر فيها في الرابع والتسعين من كتاب الوضوء. باب غسل دم المحيض بالميم، ولأبي الوقت وابن عساكر: "الحيض" وفي رواية: "الحائض"، وسبق في كتاب الوضوء باب غَسْل الدم، وهذه الترجمة أخص منها على ما لا يَخْفى.

стр. 2576

الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ، فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ". وهذا الحديث مرّت مباحثه مستوفاة غاية الاستيفاء عند ذكره أيضًا في الباب السابق مع الحديث الذي قبله. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسُف، والثاني: الإِمام مالك، والثالث: هشام، وقد مرّوا في الثاني من بدء الوحي، ومرّت فاطمة بنت المنذر، وجدتها أسماء بنت أبي بكر الصديق في الثامن والعشرين من كتاب العلم. ورجال هذا الحديث مدنيّون ما خلا عبد الله بن يوسُف، فإنه تِنِّيسِيّ. ومرَّ ذكر المواضع التي أُخرج فيها في الثاني والتسعين من كتاب الوضوء. وفي الحديث: "جاءت امرأة"، وهذه المرأة هي أسماء بنفسها, ولكنها أبهمت نفسها. قاله ابن حجر في هذا الحديث في باب غَسْل الدم في الوضوء وقد قدَّمنا كلامه هناك في الحديث الثالث والتسعين من كتاب الوضوء.

стр. 2577

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ، وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ. قوله: "كانت إحدانا" أي: أزواج النبي ﷺ ، وهو محمول على أنهن كُنَّ يَصْنَعْن ذلك في زمنه ﵊، وبهذا يَلْتَحِق حكم هذا الحديث بالمرفوع، ويؤيده حديث أسماء الذي قبله. وحديث عائشة مفسِّرٌ لحديث أسماء، دالٌّ على أن المراد بالنَّضْح في حديثها الغَسْل. وقوله: "ثم تَقْتَرِصُ" بالقاف والصاد المهملة، بوزن تَفْتَعِل، وفي رواية: "ثم تَقْرُصُ". وقوله: "عند طُهْرِها" أي: من الحيض، وللحموي وللمُسْتَملي: "عند طهره" أي: الثوب، أي: عند إرادة تطهيره. وقوله: "فتغسِلُه" أي: بأطراف أصابعها. وقوله: "وتنضَحُ على سائره" أي: ترُشُّ عليه بالماء، دفعًا لما يعرِضُ لها من الشكِّ في إصابة النجاسة له. وقد مرَّ في الكلام على حديث أسماء في الباب السابق في الوضوء الاستدلال بهذه الجملة على مذهب المالكية من وجوب النَّضْح عند الشكِّ في إصابته النجاسة.

стр. 2578

وقوله: "ثم تصلّي فيه" فيه إشارة إلى امتناع الصلاة في الثوب النَّجس. وفي قوله: "عند طهره" جواز ترك النجاسة في الثوب عند عدم الحاجة إلى تطهيره. رجاله ستة: الأول: أَصْبَغ بن الفَرَج، وقد مرَّ هو وعمرو بن الحارث في السابع والستين من كتاب الوضوء. ومرَّ عبد الله بن وَهْب في الثالث عشر من كتاب العلم. ومرَّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من كتاب الغسل. ومرَّ أبوه القاسم بن مُحمد بن أبي بكر الصديق في الحادي عشر منه أيضًا. ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موِضع واحد، والعنعنة في موضعين، والرواة الثلاثة الأُوَل بصريّون، والثلاثة الأَخَر مدنيون. أخرجه البخاري هنا، وابن ماجه في الطهارة عن حَرْمَلة بن يَحْيى. باب الاعتكاف للمستحاضة أي: حكم اعتكافها في المسجد، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأصيلي: "باب اعتكاف المستحاضة".

стр. 2579

الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ. وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ الْعُصْفُرِ فَقَالَتْ: كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلاَنَةُ تَجِدُهُ. قوله: "بعضُ نسائه" اختُلِف في المراد بهذا البعض، فقيل: هي أُم حَبيبة بنت أبي سُفيان، قال في "الفتح": إنه رأى على حاشية نسخة صحيحة من أصل أبي ذرٍّ، "فلانة: هي رملة أم حبيبة". وقيل: زينب بنت جَحْش، لما أخرجه أبو داود عن عائشة: "استُحيضَت زينب بنت جحش، فقال لها النبي ﷺ : "اغتَسِلي لكلِّ صلاة"، وكذا وقع في "الموطأ" أن زَيْنب بنت جَحْش استُحيضَت، وقد أنكر ابن عبد البَر كون زينب استُحيضت مع ما نُقِل عنه من أن بنات جحش الثلاثة كُنَّ مُستحاضات: زَيْنب أم المؤمنين، وحَمْنَة زَوْج طلحة، وأُم حَبيبة زوج عبد الرحمن بن عَوْف، وهي المشهورة منهنَّ بذلك. وقال البُلُقِّيني: يُحمل على أن زَيْنب بنت جَحْش استُحيضت وقتًا، بخلاف أختها، فإن استحاضَتَها دامت. وقيل: هي سَوْدة بنت زَمْعة، لما أخرجه أبو داود تعليقًا، وابن خُزَيمة موصولًا من مرسل أبي جَعْفر محمد بن علي زَيْن العابدين أنها استُحيضَت في زمنه ﵊. وقيل: هي أُم سَلَمة، كما في "سنن" سعيد بن منصور، عن عكرمة، أنها كانت مُعْتَكِفة، وهي مُسْتَحاضة، وربما جَعَلَتِ الطَّسْت تحتها. وأخرج البخاري هذا بذكر عائشة فيه موصولًا.

стр. 2580

وأنكر ابن الجَوْزي أن تكون زوجة من أزواج النبي ﷺ كانت مستحاضة في زمنه، وقال: إن عائشة أرادت بقولها: "من نسائه" أي: من النساء المتعلقة به، وهي: أُم حبيبة بنت جَحْش. وهذا التأويل مردودٌ بقولها في الرواية الثانية: "امرأة من أزواجه"، وفي الرواية الثالثة: "بعض أمهات المؤمنين". ومن المستبعد أن تعتِكف معه ﷺ امرأةً من غير زوجاته، وإن كانت لها به تعلق. والذي اسْتُحيض من الصحابيات في زمنه ﵊ غير ما ذُكرَ من أمهات المؤمنين: فاطمة بنت أبي حُبَيْش المذكورة في حديث البخاري، وأُم حَبيبة بنت جَحْش المذكورة فيه أيضًا، وحَمْنَة بنت جَحْش، وأسماء بنت عُمَيْس، وسهلة بنت سُهَيْل، ذكر الثلاثة أبو داود في "سننه". وأسماء بنت مَرْثَد، ذكرها البيهقي وغيره. وبادية بنت غَيْلان، ذكرها ابن مَنْده. وذكر البيهقي والإِسماعيلي أن زينب بنت أم سلمة استُحيضت في زمنه ﵊، ولا يَصِحُّ؛ لأنها كانت صغيرة في زمنه ﵊؛ لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة وهي تُرْضِع. وقوله: "من الدم" أجلية، أي: لأجل الدم. وقوله: "وزعم عكرمة" هو معطوف على معنى العنعنة، أي: حدثني عكرمة بكذا، وزعم كذا. وأبعد من زعم أنه معلق. وقوله: "كأن هذا" أي: بالهمز وتشديد النون. وفي الحديث جواز مُكثْ المستحاضة في المسجد، وصحة اعتكافها وصلاتها، وجواز حدثِها في المسجد عند أمن التلويث، ويَلْتَحِق بها دائم الحدث، ومن به جُرْحٌ يسيل. رجاله خمسة: الأول: إسحاق بن شاهين -بكسر الهاء- ابن الحارث الواسطي أبو بِشْر -بكسر الباء-.

стр. 2581

روى عن: هيثم، وخالد الطحّان، وابن عُيينة، وغيرهم. وروى عنه: البخاري، والنّسائي، وابن خُزَيْمة، وأسلم بن سَهْل الواسطي صاحب التاريخ, ومحمد بن المُسَيَّب الأرغِياني. قال ابن حِبّان في "الثقات": مستقيم الحديث. وقال مَسْلَمة الأندلسي: واسطي صدوق، أخبرنا عنه ابن مبشِّر، وقال النسائي في أسماء شيوخه: كتبنا عنه بواسطة، صدوق. وقال مرة: لا بأس به. وقال أنس بن محمد الطحّان: كان من الدّهاقِين. وقال أسلم بن سهل: جاز المئة. مات بعد الخمسين والمئتين. الثاني: خالد بن عبد الرحمن الطحّان، وقد مرَّ في السادس والخمسين من كتاب الوضوء. ومرَّ خالد بن مِهْران الحذّاء وعِكْرمة مولى ابن عباس في السابع عشر من كتاب العِلْم. ومرّت عائشة ﵂ في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين واسطي ومدني وبصري. أخرجه البخاري في هذا الباب مرتين، وفي الصوم عن قُتيبة. وأبو داود في الصوم عن مُحمد بن عيسى. والنسائي في الاعتكاف عن قُتَيْبة وأبي الأشعث. وابن ماجه في الصوم عن الحسن بن محمد بن الصبّاح.

стр. 2582

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ، وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهْىَ تُصَلِّي. قوله: "فكانت ترى الدم والصُّفْرة" هو كناية عن الاستحاضة. وقوله: "والطَّسْت تحتها" جملة حالية بالواو، وفي بعض النسخ سقوطها. وقوله: "وهي تصلّي" جملة حالية أيضًا، وهذا الحديث رواية من الحديث السابق. رجاله خمسة: الأول: قُتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ يزيد بن زُرَيْع في السادس والتسعين من كتاب الوضوء. ومرَّ خالد الحذّاء وعِكرمة مولى ابن عباس في السابع عشر من كتاب العلم. ومرَّت عائشة في الثاني من بدء الوحي.

стр. 2583

الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ. وهذا أيضًا كالذي قبله، رواية من الحديث السابق. رجاله خمسة: الأول: مسدَّد، وقد مرَّ في السادس من كتاب الإِيمان. والثاني: مُعْتَمِر بن سُليمان، وقد مرَّ في التاسع والستين من كتاب العلم. ومرَّ عِكْرمة وخالد الحذّاء في السابع عشر من كتاب العلم. ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه قيل: مطابقة الترجمة لحديث الباب، أن مَن لم يكن لها إلا ثوب واحد تَحيض فيه، فمن المعلوم أنها تصلي فيه، لكن بعد تطهيره.

стр. 2584

الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا. قوله: "عن مجاهد قالت"، ولابن عساكر: "قال: قالت". وقوله: "لإحدانا" أي: أُمهات المؤمنين. وقوله: "إلا ثوب واحد تَحيضُ فيه" النفي عام لكلِّهن؛ لأنه نكرة في سياق النفي؛ لأنه لو كان لواحدة ثوبان لم يصدُق النفي. والجمع بين هذا وبين حديث أم سلمة السابق الدال على أنها كان لها ثوب مختص بالحيض، أن حديث عائشة محمولٌ على ما كان في أول الأمر، وحديث أم سلمة محمولٌ على ما كان بعد أتساع الحال. ويُحتمل أن يكون مراد عائشة بقولها: "ثوب واحد": مختصٌّ بالحيض. وليس في سياقها ما ينفي أن يكون لها غيره في زمن الطُّهر، فيوافق حديث أُم سلمة. وليس فيه أيضًا أنها صلَّت فيه، فلا تكون فيه حجة لمن أجاز إزالة النجاسة بغير الماء، وإنما أزالت الدم بريقها ليذهب أثره، ولم تقصد تطهيره. ومرَّ الكلام على هذا مطولًا في باب غَسْل الدم من كتاب الوضوء عند ذكر حديث أسماء. وقوله: "قالت بريقها" من إطلاق القول على الفعل. وقوله: "فمصَعَتْهُ" بالميم والصاد والعين المهملتين المفتوحتين، أي: حكتْهُ وفركته بظفرها. ولأبي داود بالقاف بدل الميم، أي: فدلكته وعالجته،

стр. 2585

وهي رواية الفَرْع. وفي رواية عطاء عن عائشة: "ثم ترى فيه قَطْرة من دم، فتَقْعصعه بظفرها" فعلى هذا، فيُحمل حديث الباب على أن المراد دمٌ يسير يُعْفى عن مثله، والتوجيه الأول أقوى. وقوله: "بظُفْرها" بإسكان الفاء وبضمها. وطعن بعضهم في هذا الحديث من جهة دعوى الانقطاع ودعوى الاضطراب، فأما الانقطاع، فقال أبو حاتم: لم يسمع مُجاهد من عائشة، وهذا مردود، فقد وقع التصريح بسماعه منها عند البخاري في غير هذا الإسناد، وأثبته علي بن المديني، فهو مقدَّم على من نفاه. وأما الاضطراب، فلرواية أبي داود عن محمد بن كثير، عن إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم بدل ابن أبي نُجَيْح، وهذا الاختلاف لا يوجب الاضطراب؛ لأنه محمول على أن إبراهيم بن نافع سمعه من شيخين، ولو لم يكن كذلك، فشيخ البخاري أبو نُعيم أحفظ من شيخ أبي داود محمد بن كثير، وقد تابع أبا نعيم خَلاّدُ بن يحيى وأبو حُذيفة، والنعمان بن عبد السلام، فرجَحَتْ روايتُه، والرواية المرجوحة لا تؤثِّر في الرواية الراجحة. رجاله خمسة: الأول: أبو نُعَيْم الفضل بن دُكَيْن، وقد مرَّ في السادس والأربعين من كتاب الإيمان. ومرَّ إبراهيم بن نافع المَخْزومي في التاسع والعشرين من كتاب الغُسْل. ومرّ عبد الله بن أبي نُجَيْح في الرابع عشر من كتاب العلم. ومرَّ مُجاهد بن جَبْر في كتاب الإيمان قبل ذِكْر حديث منه. ومرت عائشة ﵂ في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه القول: وقيل: هذا الحديث منقطِعٌ ومضطرِبٌ إلى آخر ما مرَّ قريبًا.

стр. 2586

باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض المراد بالترجمة أن تطييب المرأة عند الغُسل من الحيض متأكِّد، بحيث إنه رُخِّص للحادة التي حُرم عليها استعمال الطيب في شيء منه مخصوص. ومثل الحائض النُّفَساء. وفي القَسْطَلاّني تبعًا للمجموع أن تركَه من غير عُذرٍ مكروهٌ. وفي رواية أبي ذر: "من الحيض" بغير ميم.

стр. 2587

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلاَ نَكْتَحِلَ وَلاَ نَتَطَيَّبَ وَلاَ نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. وفي رواية المُسْتَملي وكريمة: "قال أبو عبد الله، أي: البخاري: أو هشام بن حسان عن حفصة" فكأنه شكَّ في شيخ حمّاد، أهو أيوب السَّختياني أو هشام بن حسان، وليس ذلك عند بقية الرّواة، ولا عند أصحاب الأطراف والمستخرجات. وقد أورد المصنِّف هذا الحديث بهذا الإسناد في كتاب الطلاق، فلم يذكر ذلك. وقوله: "كنا نُنهى" أي: بضم النون الأولى، وفاعل النهي النبي ﷺ ، كما دلت عليه رواية هشام المعلقة المذكورة بعدُ، وهذا هو السر في ذكرها. وقوله: "أن تحد" بالتاء أو بالنون، مع ضم أولهما من الرباعي، ويجوز بفتحة ثم ضمة من الثلاثي. وأنكر الأصمعي "حَدَّثْ"، ولم يعرف إلا "أحَدَّثْ". وقال الفرّاء: كان القدماء يُؤثرون "أَحَدَّث"، والأخرى أكثر ما في كلام العرب. قال أهل اللغة: أصل الإِحداد: المنع، ومنه سُمي البواب حَدّادًا، لمنعه الداخل، وسميت العُقوبة حَدًّا لأنها تَرْدَعُ عن المعصية.

стр. 2588

وقال ابن درستُوَيْه: معنى الإحداد: منع المُعْتَدّة نفسَها الزينةَ، وبدنَها الطيبَ، ومنع الخُطّاب خطبتها والطمع فيها، كما منع الحد المعصية. وقال الفّراء: سمي الحديد حديدًا للامتناع به، أو لامتناعه على محاوله، ومنه: تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات، ويُروى بالجيم. قال الخطابي: يُروى بالجيم والحاء، وبالحاء أكثر، والجيم مأخوذ من جَدَّدْتُ الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة. وقوله: "على ميِّت فوق ثلاث"، يعني به: الليالي مع أيامها، جمعًا بين روايتي الحديث؛ لأن في إحدى روايتيه "ثلاث ليال"، وفي أخرى "ثلاثة أيام"، فجمع بينهما بإرادة الليالي بأيامها، خلافًا للأوزاعي القائل: إنها تَحُدُّ ثلاث ليال فقط، فإن مات في أول الليل، أقلعت في أول اليوم الثالث، وإن مات في أثناء الليل، أو في أول النهار، أو في أثنائه، لم تقلع إلا في صبيحة اليوم الرابع، ولا تلفيق. وقوله: "إلاَّ على زوج"، وفي رواية الحموي والمستملي: "إلاَّ على زوجها"، فالأولى موافقة: للفظ: "نحُدُّ" بالنون، والثانية موافقة لرواية: "تَحُدُّ" بالغيبة، أو توجه الثانية أيضًا على رواية النون، بأن الضمير يعود على الواحدة المندرِجَة في قولها: "كنا نُنهى" أي: كل واحدة منهن تُنهى أن تَحُدَّ فوق ثلاث، إلاَّ على زوجها. وسواء دخل الزوج بها أو لم يدخل، كبيرة كانت أو صغيرة، حرة أو أمة، مسلمة أو كتابية. وخالف الحنفية في الصغيرة، فقالوا: لا إحداد عليها، تمسُّكًا بمفهوم قوله في الحديث: "لا يَحِلُّ لامرأة". قالوا: إن الصغيرة ليست بامرأة، وإنها غير مكلفة. وأجاب الجمهور عن التقييد بالمرأة بأنه خرجَ مخرجَ الغالب، وعن كونها

стр. 2589

غير مكلفة، بأن الولي هو المخاطب، يمنعُها مما تُمنع منه المعتدة، واحتجوا بأن سبب إلحاق الصبية بالبالغة في الإِحداد وجوب العدة على كل منهما اتّفاقًا، وبأنها يحرُمُ العقد عليها وخِطْبتها في العُدة. وخالفت الحنفية في الذِّمِّية، فقالوا: لا إحداد عليها. ووافقهم على ذلك بعض المالكية، وأبو ثور من الشافعية، وترجم عليه النسائي، واستدلوا بالتقييد بالإيمان في قوله في الحديث: "تؤمن بالله واليوم الآخر". وأجاب الجمهور بأنه ذُكِرَ تأكيدًا للمبالغة في الزَّجْر، فلا مفهوم له، كما يقال: هذا طريق المسلمين، وقد يسلُكُه غيرهم. وأيضًا: الإحداد من حق الزوج، وهو ملتحِقٌ بالعُدة في حفظ النسب، فتدخُل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السَّوْم على سَوْم أخيه. ولأنه حق للزوجة فأشبه النفقة والسُّكنى. وقال النووي: قُيِّد بوصف الإيمان؛ لأن المتَّصِف به هو الذي ينقاد للشرع، والأول أولى. وفي رواية عند المالكية: إن الذِّمِّية تعتدُّ بالأقراء، قال ابن العربي: هو قول من قال لا إحداد عليها. ودخل في قوله: "ميت" امرأة المفقود. وقال ابن الماجِشون من المالكية: لا إحداد عليها؛ لأن زوجها لم يتحقق موته. وأجيب بأنه في حكم الميت. واستشكل الاستدلال على وجوب الإحداد المدة المذكورة على الزوج بهذا الاستثناء، بأن الاستثناء وقع بعد النفي، فيدُل على الحل فوق الثلاث على الزوج لا على الوجوب. وأجيب: بأن الوجوب استُفيد من دليل آخر، كالإِجماع. ورُدَّ هذا بأن المنقول عن الحسن البصري أن الإِحداد لا يَجِبُ. أخرجه ابن أبي شَيْبة. ونقل الخلاّل عن أحمد أن الشعبي كان لا يعرف الإحداد، قال

стр. 2590

أحمد: ما كان بالعراق أشدُّ تبحرًا من هذين، وقد خفي عليهما ذلك. لكن مخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها ردٌّ على من ادّعى الإجماع. وقد نفى ابن المنذر الخلاف إلا عن الحسن، وغَفَل عن خلاف الشعبي. ومما هو دالٌّ على الوجوب حديث التي شَكَتْ عينَها؛ ولم يُبِح لها الكحل، فلو لم يجب الإحداد لم يمتَنِعِ الكحل للدواء. وأجيب بأن السياق يدل على الوجوب، فإن كل ما مُنع منه إذا دلَّ دليلٌ على جوازه، كان ذلك الدليل دالاًّ بعينه على الوجوب. كالختان، والزيادة على الركوع في الكسوف، ونحو ذلك. وقد روي في حديث قوي الإِسناد عن أسماء بنت عُمَيْس ما يعارض الوجوب بعد اليوم الثالث، أخرجه أحمد، وصححه ابن حِبّان، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قَتْلِ جَعْفَر بن أبي طالب، فقال: "لا تَحِدِّي بعد يومِكِ". هذا لفظ أحمد، وفي رواية له ولابن حِبّان والطحاوي: لما أصيب جعفر، أتانا النبي ﷺ ، فقال: "تسلبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت". قال البلقيني في "شرح الترمذي": ظاهره أن الإِحداد لا يجب على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث، بل ظاهر النهي أنه لا يجوز،؛ لأن أسماء كانت زوج جعفر بن أبي طالب، وهي أم أولاده باتّفاق. وأجاب بأن هذا الحديث شاذٌّ مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه. قال: ويُحتمل أن يُقال: إن جعفرًا قُتِل شهيدًا، والشهداء أحياء عند ربهم. قال: وهذا ضعيف؛ لأنه لم يرِد في حقِّ غير جعفر، ممَّن قُطِع بأنهم شهداء، كحمزة، وعبدالله بن حرام، وغيرهما. وأجاب الطحاوي بأنه منسوخ، وأن الإِحداد كان على المعتدة في بعض عُدَّتها في وقت، ثم أُمِرَت بالإحداد أربعة أشهر وعشرًا، ثم ساق أحاديث الباب، وليس فيها دليل على ما ادّعاه من النسخ، لكنه يُكْثرُ من ادِّعاء النسخ بالاحتمال، فجرى على عادته.

стр. 2591

وأجيب أيضًا باحتمال أن يكون المراد بالإِحداد المعتد بالثلاث قدرًا زائدًا على الإِحداد المعروف، فعلته أسماء مبالغة في حُزْنِها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث. ويُجاب أيضًا باحتمال أنها كانت حاملًا، فوضعت بعد ثلاث، فانقضت العُدة، فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى؛ لأنه يُحمل على أنه ﷺ اطَّلع على أن عُدَّتها تنقضي عند الثلاث. ويجاب أيضًا بأنه لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده، فلم يكن عليها إحدادٌ. وأما إعلال البيهقي للحديث بالانقطاع فغير صحيح، لتصحيح أحمد له، لكنه قال: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإِحداد، وهذا مصيَّر منه إلى إعلاله بالشذوذ، وهذا هو الذي مرَّ عن البُلُقّيني. وأما ما رُوي عن سالم، عن ابن عمر رفعه "لا إحداد فوق ثلاث" فقد قال أحمد: هذا منكر، والمعروف عن ابن عُمر من رأيه، وهذا يُحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدّة، فلا نَكاره فيه، بخلاف حديث أسماء. وأغرب ابن حِبّان، فساق حديث أسماء بلفظ: "تسلمي" بالميم بدل الباء، وفسره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، وبأن الحكمة في تقييده بالثلاث كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشد، فلذلك قيد بالثلاث. وهذا تكلف وتصحيف، ويُبَيِّن خطأَهُ روايةُ البيهقي: "فأمرني رسول الله ﷺ أن أتسلبَ ثلاثًا". قلت: الظاهر عندي في الجواب عن حديث أسماء هو أن هذا خصوصية لها منه ﵊؛ لأنه هو المرجِع في الأحكام، فله أن يخصَّ بعض أمته بحكم، ويمنع غيره منه، ولو بغير عذر، كخصوصية هذه لأسْماء بالإِحداد ثلاثًا، وكتخصيصه لأبي بُردة ابن نيار بإجزاء جَذَعة المَعْزِ عنه في الضَّحِية، وكإباحته النياحة على الميت للأنصارية، إلى غير ذلك.

стр. 2592

واستُدِلّ بقوله: "على ميت" أن لا إحداد على المطلَّقة إجماعًا في الرجعية، وعند الجمهور في البائن. وقالت الحنفية وأبو عُبيد وأبو ثور: عليها الإحداد قياسًا على المتوفّى عنها. وبه قال بعض الشافعية والمالكية. واحتج الجمهور بأن الإحداد شُرِع لأن تركه من التطيُّب واللبس والتزين يدعو إلى الجماع، فمُنِعَت المرأة منه، زجرًا لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهرًا في حق الميت؛ لأنه يمنعُه الموت عن منع المعتدة منه من التزويج، ولا تراعيه هي، ولا تخافُ منه، بخلاف المطلِّق الحي في كل ذلك. ومن ثَمَّ وَجَبَت العدة على كل متوفى عنها، وإن لم تكن مدخولًا بها، بخلاف المطلقة قبل الدخول، فلا عدة عليها اتفاقًا. وبأن المطلقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد. وتُعُقِّب بأن الملاعنة لا إحداد عليها. وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه لا لفقدان الزوجية. وما مرَّ من أن غير الزوج لا يجوز الاحداد عليه فوق ثلاث، هو على عمومه، أبًا كان أو غيره. وما أخرجه أبو داود عن عَمرو بن شُعيب، من أن النبي ﷺ رخَّص للمرأةِ أن تَحُدَّ على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام، لو صح كان خصوص الأب يخرُجُ من العموم، لكنه مرسل أو مُعْضَل؛ لأن جُلَّ رواية عَمْرو بن شُعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة إلا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة. وإنما أُبيح هذا القدر على غير الزوج لأجل حظ النفس ومراعاتها، وغلبة الطباع البشرية. وقوله: "أربعة أشهر وعشرًا" الحكمة في هذا القدر هي أن الولد يتكامل تخليقه، وتُنفخ فيه الروح بعد مضي مئة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأَهِلّة، فجُبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وأنَّث العشرَ باعتبار الليالي؛ لأنها غُرر الشهور والأيام، ولذلك لا يستعملون التذكير

стр. 2593

في مثله قط، ذهابًا إلى الأيام، حتى إنهم يقولون: صمت عشرًا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤]، ولكن المراد بالليالي مع أيامها عند الجمهور، فلا تحِلُّ حتى تدخل الليلة الحادية عشرة. وعن الأوزاعي وبعض السلف: تنقضي بمضي الليالي العشر بعد مضي الأشهر، فتَحِلُّ في أول اليوم العاشر. والحامل مستثناة من هذا، لنصِّ الكتاب العزيز. وقوله: "ولا نكتحِل" قيل بالنصب عطفًا على المنصوب السابقال في هو "تَحِدَّ"، ورده الدماميني بأنه يَلْزَمُ من عطفه عليه فساد المعنى؛ لأن تقديره: كنا نُنهى أن لا نكتحل. نعم: يصِحُّ العطف عليه على تقدير أنَّ لا زائدة، أكد بها، لأن في النهي معنى النفي. ورواية الرفع هي الأحسن كما لا يَخْفى. والصحيح عند المالكية والشافعية جواز الاكتحال لها ليلًا للضرورة، وإن بطيبٍ عند المالكية، وتمسحه نهارًا، لما رواه في "الموطأ" عن أُم سلمة: "اجعليهِ بالليلِ، وامسحيه بالنهار". وأجابوا عن قصة المرأة التي سألت النبي ﷺ عن ابنتها المتوفّى عنها زوجُها، وقد اشتكت عينها: أفنكحلها؟ فقال: "لا مرتين أو ثلاثًا" باحتمال أنه كان يحصُلُ لها الشفاء بغير الكحل، كالتضميد بالصبر ونحوه، كما أخرجه ابن أبي شَيْبة عن صفية بنت أبي عُبيد أنها أحَدَّت على ابن عُمر فلم تكتحل، حتى كادت عيناها تزيغان، فكانت تقطُرُ فيهما الصبر. ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيُّن به، لأن محضَ التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة. وقال بعض العلماء: يجوز ذلك، ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة. وتأول بعضُهم حديث النهي على أنه لم يتحقق الخوف على عينها. وتُعُقِّب

стр. 2594

بأن في حديث شعبة: "فخَشُوا على عينيها"، وفي رواية ابن مَنْده: "رمِدت رَمدًا شديدًا، وقد خشيت على بصرها"، وفي رواية الطبراني أنها قالت في المرة الثانية: "إنها تشتكي عينها فوق ما يظن، فقال: لا"، وفي رواية القاسم بن أصبغ أخرجها ابن حَزْم: "إني أخشى أن تَنْفَقِىء عينُها. قال: لا، وإن انْفَقَأَت" وسنده صحيح. وقوله: "ولا تَلْبَس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصْب" بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، ثم موحدة، بالإضافة، وهي برود اليمن، يُعْصَب غَزْلُها، أي: يُربط، ثم يُصبغ، ثم يُنسج معصوبًا، فيخرج موش، لبقاء ما عُصب أبيض لم ينصَبِغ، وإنما يُعصب السُّدَى دون اللُّحْمة. وقال صاحب "المنتهى": العَصْب هو المفتول في برود اليمن، وذكر أبو موسى المدني أنه من دابة بحرية تُسمى فرس فرعون، يُتَّخذ منها الخَرَز وغيره، ويكون أبيض، وهذا غريب. وأغرب منه قول السُّهَيْلي: إنه نبات لا ينبُتُ إلا باليمن. وأغرب منه قول الداوودي: المراد بالثَّوْبِ العَصْب: الخَضِرة، وهي الحَبِرة. وليس له سلف في أن العَصْب الأَخْضر. وكره عُروة العَصْب، وكره مالك غليظه، وقال النووي: الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقًا. وهذا الحديث حجة لمن أجازه. قال ابن المُنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّة لُبس الثياب المُعَصْفَرة، ولا المصبغة، إلا ما صُبغ بسواد، فرخَّص فيه مالك والشافعي، لكونه لا يُتَّخَذ للزينة، بل هو من لباس الحزن. ويُشترط عند المالكية في لبسها للسواد أن لا تكون ناصعة البياض، أو من قوم زينتهم السواد. وقال ابن دقيق العيد: أُخِذَ من مفهوم الحديث جوازُ ما ليس بمصبوغ، وهي الثياب البيض. ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يُتَزيَّن به. وقال النووي: رخَّص بعض أصحابنا فيما لا يُتزين به ولو مصبوغًا. واختُلِفَ في الحرير، فعند الشافعية: الأصح منعه مطلقًا، مصبوغًا أو غير

стр. 2595

مصبوغ؛ لأنه أُبيح للنساء للتزين به، والحادة ممنوعة من التزين، فكان في حقِّها كالرجال. وفي التحلي بالذهب والفضة واللؤلؤ ونحوه وجهات، الأصح جوازُه، وفيه نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه، وفي المقصود بالإحداد، فإنه عند تأمُّلها يترجَّح المنع، قاله في "الفتح". قلت: مذهب المالكية منع التحلي، ولو خاتمًا أو قِرْطًا، وكذا التزين بالحرير ونحوه من كل ما فيه زينة، واستعمال الطيب والتجارة فيه، ودخول الحمام. وقوله: "في نبذة" بضم النون وفتحها وسكون الموحدة وبالذال المعجمة، أي: قطعة، وتُطلق على الشيء اليسير. وقوله: "من كُسْت أظفار" كذا هو في هذه الرواية بضم الكاف وسكون المهملة، وفي رواية لمسلم: "من قسط أو أظفار" بإثبات أو، وهي للتخيير. قال المفضّل بن سَلَمة: القُسط، والكُسط، والكُست. ثلاث لُغات، وهي من طيب الأعراب. وقال في "المشارق": القُسط بُخُور معروف. وقال البخاري في كتاب الطلاق: القُسط والكُست مثل الكافور والقافور، أي: يجوز في كل منهما الكاف والقاف. والأظفار ضَرْب من العطر، يُشبه الظفر. وقال صاحب "المحكم": الظفر ضَرْب من العطر أسود مُغَلَّف من أصله على شكل ظفر الإنسان، يوضع في البُخور، والجمع أظفار. وقال صاحب "العين": لا واحد له من لفظه. وقال ابن التين: صوابه: "قُسْط ظِفار"، ووجهه في "المشارق" بأنه منسوب إلى ظِفار، مدينة معروفة بسواحل اليمن، يُجلب إليها القُسط الهندي. وفي ضبطها وجهان: كسر أوله وصرفه، أو فتحه والبناء بوزن: قَطَامِ. وقال النووي: القُسْط والأظفار نوعان معروفان من البُخور، وليسا من مقصود الطيب، رُخِّص فيه للمغتسلة من الحيض، لإزالة الرائحة الكريهة، تتَّبِع
следующие страницы →