← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وأجيب أيضًا باحتمال أن يكون المراد بالإِحداد المعتد بالثلاث قدرًا زائدًا على الإِحداد المعروف، فعلته أسماء مبالغة في حُزْنِها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث. ويُجاب أيضًا باحتمال أنها كانت حاملًا، فوضعت بعد ثلاث، فانقضت العُدة، فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى؛ لأنه يُحمل على أنه ﷺ اطَّلع على أن عُدَّتها تنقضي عند الثلاث. ويجاب أيضًا بأنه لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده، فلم يكن عليها إحدادٌ. وأما إعلال البيهقي للحديث بالانقطاع فغير صحيح، لتصحيح أحمد له، لكنه قال: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة في الإِحداد، وهذا مصيَّر منه إلى إعلاله بالشذوذ، وهذا هو الذي مرَّ عن البُلُقّيني. وأما ما رُوي عن سالم، عن ابن عمر رفعه "لا إحداد فوق ثلاث" فقد قال أحمد: هذا منكر، والمعروف عن ابن عُمر من رأيه، وهذا يُحتمل أن يكون لغير المرأة المعتدّة، فلا نَكاره فيه، بخلاف حديث أسماء. وأغرب ابن حِبّان، فساق حديث أسماء بلفظ: "تسلمي" بالميم بدل الباء، وفسره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، وبأن الحكمة في تقييده بالثلاث كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشد، فلذلك قيد بالثلاث. وهذا تكلف وتصحيف، ويُبَيِّن خطأَهُ روايةُ البيهقي: "فأمرني رسول الله ﷺ أن أتسلبَ ثلاثًا". قلت: الظاهر عندي في الجواب عن حديث أسماء هو أن هذا خصوصية لها منه ﵊؛ لأنه هو المرجِع في الأحكام، فله أن يخصَّ بعض أمته بحكم، ويمنع غيره منه، ولو بغير عذر، كخصوصية هذه لأسْماء بالإِحداد ثلاثًا، وكتخصيصه لأبي بُردة ابن نيار بإجزاء جَذَعة المَعْزِ عنه في الضَّحِية، وكإباحته النياحة على الميت للأنصارية، إلى غير ذلك.

стр. 2592

واستُدِلّ بقوله: "على ميت" أن لا إحداد على المطلَّقة إجماعًا في الرجعية، وعند الجمهور في البائن. وقالت الحنفية وأبو عُبيد وأبو ثور: عليها الإحداد قياسًا على المتوفّى عنها. وبه قال بعض الشافعية والمالكية. واحتج الجمهور بأن الإحداد شُرِع لأن تركه من التطيُّب واللبس والتزين يدعو إلى الجماع، فمُنِعَت المرأة منه، زجرًا لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهرًا في حق الميت؛ لأنه يمنعُه الموت عن منع المعتدة منه من التزويج، ولا تراعيه هي، ولا تخافُ منه، بخلاف المطلِّق الحي في كل ذلك. ومن ثَمَّ وَجَبَت العدة على كل متوفى عنها، وإن لم تكن مدخولًا بها، بخلاف المطلقة قبل الدخول، فلا عدة عليها اتفاقًا. وبأن المطلقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد. وتُعُقِّب بأن الملاعنة لا إحداد عليها. وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه لا لفقدان الزوجية. وما مرَّ من أن غير الزوج لا يجوز الاحداد عليه فوق ثلاث، هو على عمومه، أبًا كان أو غيره. وما أخرجه أبو داود عن عَمرو بن شُعيب، من أن النبي ﷺ رخَّص للمرأةِ أن تَحُدَّ على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام، لو صح كان خصوص الأب يخرُجُ من العموم، لكنه مرسل أو مُعْضَل؛ لأن جُلَّ رواية عَمْرو بن شُعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة إلا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة. وإنما أُبيح هذا القدر على غير الزوج لأجل حظ النفس ومراعاتها، وغلبة الطباع البشرية. وقوله: "أربعة أشهر وعشرًا" الحكمة في هذا القدر هي أن الولد يتكامل تخليقه، وتُنفخ فيه الروح بعد مضي مئة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأَهِلّة، فجُبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وأنَّث العشرَ باعتبار الليالي؛ لأنها غُرر الشهور والأيام، ولذلك لا يستعملون التذكير

стр. 2593

في مثله قط، ذهابًا إلى الأيام، حتى إنهم يقولون: صمت عشرًا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: ١٠٣]، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: ١٠٤]، ولكن المراد بالليالي مع أيامها عند الجمهور، فلا تحِلُّ حتى تدخل الليلة الحادية عشرة. وعن الأوزاعي وبعض السلف: تنقضي بمضي الليالي العشر بعد مضي الأشهر، فتَحِلُّ في أول اليوم العاشر. والحامل مستثناة من هذا، لنصِّ الكتاب العزيز. وقوله: "ولا نكتحِل" قيل بالنصب عطفًا على المنصوب السابقال في هو "تَحِدَّ"، ورده الدماميني بأنه يَلْزَمُ من عطفه عليه فساد المعنى؛ لأن تقديره: كنا نُنهى أن لا نكتحل. نعم: يصِحُّ العطف عليه على تقدير أنَّ لا زائدة، أكد بها، لأن في النهي معنى النفي. ورواية الرفع هي الأحسن كما لا يَخْفى. والصحيح عند المالكية والشافعية جواز الاكتحال لها ليلًا للضرورة، وإن بطيبٍ عند المالكية، وتمسحه نهارًا، لما رواه في "الموطأ" عن أُم سلمة: "اجعليهِ بالليلِ، وامسحيه بالنهار". وأجابوا عن قصة المرأة التي سألت النبي ﷺ عن ابنتها المتوفّى عنها زوجُها، وقد اشتكت عينها: أفنكحلها؟ فقال: "لا مرتين أو ثلاثًا" باحتمال أنه كان يحصُلُ لها الشفاء بغير الكحل، كالتضميد بالصبر ونحوه، كما أخرجه ابن أبي شَيْبة عن صفية بنت أبي عُبيد أنها أحَدَّت على ابن عُمر فلم تكتحل، حتى كادت عيناها تزيغان، فكانت تقطُرُ فيهما الصبر. ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيُّن به، لأن محضَ التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة. وقال بعض العلماء: يجوز ذلك، ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه جمعًا بين الأدلة. وتأول بعضُهم حديث النهي على أنه لم يتحقق الخوف على عينها. وتُعُقِّب

стр. 2594

بأن في حديث شعبة: "فخَشُوا على عينيها"، وفي رواية ابن مَنْده: "رمِدت رَمدًا شديدًا، وقد خشيت على بصرها"، وفي رواية الطبراني أنها قالت في المرة الثانية: "إنها تشتكي عينها فوق ما يظن، فقال: لا"، وفي رواية القاسم بن أصبغ أخرجها ابن حَزْم: "إني أخشى أن تَنْفَقِىء عينُها. قال: لا، وإن انْفَقَأَت" وسنده صحيح. وقوله: "ولا تَلْبَس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصْب" بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، ثم موحدة، بالإضافة، وهي برود اليمن، يُعْصَب غَزْلُها، أي: يُربط، ثم يُصبغ، ثم يُنسج معصوبًا، فيخرج موش، لبقاء ما عُصب أبيض لم ينصَبِغ، وإنما يُعصب السُّدَى دون اللُّحْمة. وقال صاحب "المنتهى": العَصْب هو المفتول في برود اليمن، وذكر أبو موسى المدني أنه من دابة بحرية تُسمى فرس فرعون، يُتَّخذ منها الخَرَز وغيره، ويكون أبيض، وهذا غريب. وأغرب منه قول السُّهَيْلي: إنه نبات لا ينبُتُ إلا باليمن. وأغرب منه قول الداوودي: المراد بالثَّوْبِ العَصْب: الخَضِرة، وهي الحَبِرة. وليس له سلف في أن العَصْب الأَخْضر. وكره عُروة العَصْب، وكره مالك غليظه، وقال النووي: الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقًا. وهذا الحديث حجة لمن أجازه. قال ابن المُنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّة لُبس الثياب المُعَصْفَرة، ولا المصبغة، إلا ما صُبغ بسواد، فرخَّص فيه مالك والشافعي، لكونه لا يُتَّخَذ للزينة، بل هو من لباس الحزن. ويُشترط عند المالكية في لبسها للسواد أن لا تكون ناصعة البياض، أو من قوم زينتهم السواد. وقال ابن دقيق العيد: أُخِذَ من مفهوم الحديث جوازُ ما ليس بمصبوغ، وهي الثياب البيض. ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يُتَزيَّن به. وقال النووي: رخَّص بعض أصحابنا فيما لا يُتزين به ولو مصبوغًا. واختُلِفَ في الحرير، فعند الشافعية: الأصح منعه مطلقًا، مصبوغًا أو غير

стр. 2595

مصبوغ؛ لأنه أُبيح للنساء للتزين به، والحادة ممنوعة من التزين، فكان في حقِّها كالرجال. وفي التحلي بالذهب والفضة واللؤلؤ ونحوه وجهات، الأصح جوازُه، وفيه نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه، وفي المقصود بالإحداد، فإنه عند تأمُّلها يترجَّح المنع، قاله في "الفتح". قلت: مذهب المالكية منع التحلي، ولو خاتمًا أو قِرْطًا، وكذا التزين بالحرير ونحوه من كل ما فيه زينة، واستعمال الطيب والتجارة فيه، ودخول الحمام. وقوله: "في نبذة" بضم النون وفتحها وسكون الموحدة وبالذال المعجمة، أي: قطعة، وتُطلق على الشيء اليسير. وقوله: "من كُسْت أظفار" كذا هو في هذه الرواية بضم الكاف وسكون المهملة، وفي رواية لمسلم: "من قسط أو أظفار" بإثبات أو، وهي للتخيير. قال المفضّل بن سَلَمة: القُسط، والكُسط، والكُست. ثلاث لُغات، وهي من طيب الأعراب. وقال في "المشارق": القُسط بُخُور معروف. وقال البخاري في كتاب الطلاق: القُسط والكُست مثل الكافور والقافور، أي: يجوز في كل منهما الكاف والقاف. والأظفار ضَرْب من العطر، يُشبه الظفر. وقال صاحب "المحكم": الظفر ضَرْب من العطر أسود مُغَلَّف من أصله على شكل ظفر الإنسان، يوضع في البُخور، والجمع أظفار. وقال صاحب "العين": لا واحد له من لفظه. وقال ابن التين: صوابه: "قُسْط ظِفار"، ووجهه في "المشارق" بأنه منسوب إلى ظِفار، مدينة معروفة بسواحل اليمن، يُجلب إليها القُسط الهندي. وفي ضبطها وجهان: كسر أوله وصرفه، أو فتحه والبناء بوزن: قَطَامِ. وقال النووي: القُسْط والأظفار نوعان معروفان من البُخور، وليسا من مقصود الطيب، رُخِّص فيه للمغتسلة من الحيض، لإزالة الرائحة الكريهة، تتَّبِع

стр. 2596

به أثر الدم لا للتطيُّب. وقال المهلّب: رُخِّص لها في التبخُّر به لدفع رائحة الدم عنها, لما تستقبله من الصلاة. وقال في "الفتح": المقصود من التطيُّب بهما أن يُخلطا بأجزاء آخر من غيرهما، ثم تُسحق، فتصير طيبًا، والمقصود بهما هنا أن تُتَّبَع آثار الدم بهما، كما قال النووي، لإزالة الرائحة الكريهة لا للتطيب. وزعم الداوودي أنها تسحق القُسْط، وتُلقيه في الماء آخر غسلها لتذهب رائحة الحيض. ورده عياض بأن ظاهر الحديث يأباه، وأنه لا تحصُل منه رائحة طيبة إلا بالتبخُّر به، كذا قال، وفيه نظر. وقوله: "وكنا نُنهى عن اتِّباع الجنائز" في روايتها الآتية في الجنائز: "نُهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يُعْزَم علينا"، والنهي صادرٌ منه ﷺ ، فقد أخرجه الإسماعيلي بهذا الإسناد بلفظ: "نهانا رسول الله ﷺ "، ولو لم يُسَمَّ الناهي في هذه الرواية, كان هذا اللفظ دالاًّ على الرفع، لما رواه الشيخان وغيرهما، أن كل ما وَرَدَ بهذه الصيغة كان مرفوعًا. ويؤيد رواية الإسماعيلي ما رواه الطبراني عن أُم عطية، قالت: "لما دخل النبي ﷺ المدينة، جمع النساء في بيت، ثم بعث إلينا عمر، فقال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكن لأبايعكن على أن لا تُشْرِكْنَ بالله شيئًا ... " الحديث. وفي آخره: "وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق، ونهانا أن نخرج في جنازة" وهذا يدل على أن رواية أُم عطية الأولى من مرسل الصحابة. والحديث قال على أن فضل اتِّباع الجنائز خاص بالرجال دون النساء، فقولها:"ولم يعزِم علينا" أي: ولم يؤكد علينا في المنع، كما أكد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كرِهَ لنا اتّباع الجنائز من غير تحريم. قال القرطبي: ظاهر سياق أُم عطية أن النهي نهي تنزيه، وبه قال الجمهور.

стр. 2597

ومال مالك إلى الجواز، وهو قول أهل المدينة، ويدُلُّ على الجواز ما رواه بن أبي شيبة عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ كان في جِنازة، فرأى عمر امرأة، فصاح بها، فقال: "دعها يا عمر ... الحديث". وأخرجه ابن ماجه والنسائي من هذا الوجه. وقال الداودي: قولها: "نُهينا عن اتِّباع الجنائز" أي: إلى أن نصل إلى القبور، وقولها: "ولم يُعزم علينا" أي: أن لا نأتي أهل الميت، فنعزِّيَهم، ونترحم على ميتهم، من غير أن نتَّبع جنازته. وفي أخذ هذا التفصيل من هذا السياق نظر، لكن في حديث عبد الله بن عمر، وعند أحمد والحاكم وغيرهما، أن النبي ﷺ رأى فاطمة مُقبلة، فقال: "من أين جئتِ؟ " فقالت: رحمت على أهل هذا الميت ميتهم. فقال: "لعلك بلغت معهم الكُدى؟ " قالت: لا ... الحديث. والكُدى بالضم وتخفيف الدال هي المقابر، فقد أنكر عليها في هذا الحديث بلوغ المقابر، ولم ينكر عليها التعزية، فيُدل ذلك على جواز التعزية للنساء دون التشييع. وقال المحب الطبري: يُحتمل أن يكون المراد بقولها: "ولم يُعزم علينا" أي: كما عُزِم على الرجال بترغيبهم في اتَّباعها بحصول القيراط، ونحو ذلك، والأول أظهر، وقد مرَّ الكلام مستوفى غاية على ما للرجال في اتِّباعها في باب اتِّباع الجنائز من كتاب الإيمان. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن عبد الوهّاب الحَجَبِيّ، وقد مرَّ في السادس والأربعين من كتاب العلم. ومرَّ حمّاد بن زيد في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ أيوب السَّخْتياني في التاسع من كتاب الإيمان أيضًا. ومرَّت حَفْصة بنت سيرين وأُم عطية في الثاني والثلاثين من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته بصريون.

стр. 2598

أخرجه البخاري هنا، وفي الطلاق عن أبي نُعَيْم. ومسلم في الطلاق عن الحسن بن الربيع، وأبي الربيع الزهراني. وأبو داود في الطلاق عن هارون بن عبد الله. والنسائي فيه عن الحسن بن محمد. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة. ورَوَى هِشَامُ بنُ حَسَّانٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عنِ النبيِّ ﷺ . كذا لأبي ذر ولغيره: "ورواه" أي: الحديث المذكور، ولم يقع هذا التعليق في رواية المستملي، وأغرب الكِرْماني فجوَّز أن يكون قائل. ورواه حمّاد بن زيد المذكور في أول الباب فلا يكون تعليقًا، وهذا التعليق وصله البخاري في الطلاق من حديث هشام المذكور وهو: هشام بن حسان الأَزْدي القَرُدُوسي -بفتح القاف وضم الدال- أبو عبد الله البَصْري، والصحيح أنه كعصفور كما في "القاموس"، وهو قُرْدوس بن الحارث بن مالك بن فَهْم بن غُنْم بن دَوْس بن عدقان بن زهر بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن نَضْر بن الأزد أبو حي من الأزد أو من قيس، والصواب الأول. وقردوس هذا أخو جُرموز، وهم الجراميز والقراديس، وأخوهما منقذ جد العفاة، والقبط جد قاضي البصرة كعب بن سور، منهم هشام هذا، وسعد بن نجد قاتل قتيبة بن مسلم الباهلي، ومحمد بن الحسين القُرْدُوس الذي روى عن جَرير بن حازِم، يقال: كان نازلًا في القَراديس، ويقال: مولاهم أحد الأعلام. قال فيه محمد بن سيرين: هشام منا أهلَ البيت. وقال ابن عُيينة: لقد أُوتي هشام أمرًا عظيمًا بروايته عن الحسن. قيل لنعيم: لم؟ قال: إنه كان صغيرًا. وقال ابن عُيينة: كان هشام أعلم الناس بحديث الحسن. وقال حمّاد: كان أيوب يقول: سل لي هشامًا عن حديث كذا. وقال سعيد بن أبي عَروبة: ما رأيت أحفظ عن محمد بن سِيرين من هشام. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن هشام بن حسان، قال: صالح،

стр. 2599

وهشام أحب إلى من أشعث. وقال الأثرم عن أحمد: لا بأس به عندي، وما يكاد يُنْكَرُ عليه شيء إلا وجدت غيره قد رواه، إما أيّوب، وإما عوف. وقال عثمان الدارِمي: قلت لابن مَعين: هشام أحبُّ إليك أو جرير بن حازم؟ قال هشام. قلت: أهشام في ابن سيرين أو يزيد بن هارون؟ قال: كلاهما ثقة. وقال العِجْلي: بصري ثقة حسن الحديث، يقال: إن عنده ألف حديث حسن ليست عند غيره. وقال عبد الرزاق عن عبد الله: نُرى هشامًا أعلم أهل المشرق. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كان من العباد الخشن البكائين. وقال ابن سَعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى كثير الحديث. وقال ابن عَدِي: أحاديثه مستقيمة، ولم أر في حديثه منكرًا، وهو صدوق، وتُكُلِّم في حديثه عن الحسن وعطاء. قال معاذ بن معاذ: كان شعبة يتقي حديث هشام عن عطاء والحسن، وقال أبو داود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء، لأنه كان يُرسل، وكانوا يرَوْن أنه أخذ كتب حوشب. روى عن: حُميد بن هِلال، والحَسَن البصري، ومحمد وأنس وحفصة بني سيرين، وعِكْرمة، وأبي معشر، وزياد بن كُلَيْب، وهشام بن عُروة، وخلق. وروى عنه: عِكرمة بن عمار، وسعيد بن أبي عَروبة، وشُعبة، وزائدة، والحمّادان، والسُّفيانان، وابن جُريج، وابن عُلَية، وجرير بن عبد الحميد، ويزيد بن زُرَيْع، وخلق كثير. مات سنة ثمان أو سبع وأربعين ومئة. باب دلك المرأة نفسها إذا تطهرت من المحيض وكيف تغتسل وتأخذ فِرْصَةً مُمَسَّكة فَتَتَبَّع بها أثر الدم أي: باب: بيان استحباب دلك المرأة نفسها، وبيان كيف تغتسل، وكيف تأخذ فِرْصة، ويأتي تفسير الفِرْصة في متن الحديث. وقوله: "ممَسَّكة" بتشديد السين وفتح الكاف.

стр. 2600

وقوله: "فتَتَبَّع" بلفظ الغائبة، مضارع الفعل، وحذف إحدى التاءات الثلاث، وفي رواية: "فتَتَّبِع" بتشديد التاء الثانية وتخفيف الموحدة المكسورة، ولأبي ذر: "تَتْبَع" بسكون التاء الثانية وفتح الموحدة. وقوله: "بها أثر الدم" أي: بالفرصة. واستشكل مطابقة الحديث للترجمة بأنه ليس فيه كيفية الغسل ولا الدلك، وأجاب الكِرْماني تبعًا لغيره، بان تَتَبُّع أثر الدم يستلزم الدلك، وبأن المراد من كيفية الغسل الصفة المختصة بغسل المحيض، وهي التطيب لا نفس الاغتسال. قال في "الفتح": هذا حسن، وأحسن منه أن المصنِّف جرى على عادته في الترجمة بما تضَمَّنَهُ بعضُ طرق الحديث الذي يورِدُه، وإن لم يكن المقصود منصوصًا فيما ساقه، وبيان ذلك هو أن مسلمًا أخرج هذا الحديث عن صفية عن عائشة، وفي تلك الرواية شرح كيفية الاغتسال المسكوت عنها في رواية منصور، ولفظه: "فقال: تأخُذُ إحداكُنَّ ماءَها وسِدْرتها، فَتَطَّهر، فتُحْسِن الطُّهور، ثم تصب على رأسها، فتدلكه دَلْكًا شديدًا حتى تبلغ شؤون رأسها" أي: أصوله، "ثم تصبَّ عليها الماء، ثم تأخذ فِرْصة" فهذا مراد الترجمة، لاشتمالها على كيفية الغَسل والدلك، وإنما لم يخرِّج المصنف هذه الطريق لكونها من رواية إبراهيم بن مُهاجر عن صفية، وهو ليس على شرطه.

стр. 2601

الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ؟ فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ: "خُذِى فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا". قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قَالَ: "سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي". فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِى بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. قوله: "إن امرأة"، في رواية وُهيب: "من الأنصار"، وسماها مسلم أسماء بنت شَكَل بالشين المعجمة وبالتحريك، وفي رواية له: أسماء من غير تسمية أبيها، وسماها الخطيب في المُبْهَمات: أسماء بنت يزيد بن السَّكَن. وقال الدِّمياطي: إن الذي في مسلم تصحيف؛ لأنه ليس في الأنصار من يقال له: شَكَل. وهذا ردٌّ للرواية الثابتة بغير دليل، ويُحتمل أن يكون شَكَل لقبًا لا اسمًا. والمشهور في المسانيد والجوامع في هذا الحديث: أسماء بنت شَكَل كما في مسلم، أو أسماء بغير نسب كما في أبي داود. وحكى النووي في "شرح مسلم" الوجهين بغير ترجيح. وأسماء بنت يزيد يأتي تعريفها في السابع والعشرين من كتاب العيدين. وقوله: "خُذي فِرصة" هو بيان لقولها: "أمرها"، فإن قيل: كيف يكون بيانًا للاغتسال، والاغتسال صب الماء لا أخذ الفِرْصة. فالجواب: أن السؤال لم يكن عن نفس الاغتسال؛ لأنه معروف لكل أحد، بل كان لقدرٍ زائد على ذلك. وهذا الجواب وقوفًا مع هذا اللفظ الوارد، مع قطع النظر عن الطريقة التي مرت عند مسلم، الدالة على أن بعض الرواة اقتصر أو اختصر. والفِرْصة بتثليث الفاء وسكون الراء وإهمال الصاد قطعة من صوف أو قُطن أو جلدة عليها صوف، وفي رواية لأبي داود: "قَرصة" بفتح القاف، أي: شيء

стр. 2602

يسير مثل القَرْصة بطرف الإصبعين. وقال ابن قُتيبة: "قُرْضَة" بفتح القاف وبالضاد المعجمة. وقوله: "من مَسْك" بفتح الميم، والمراد قطعة من جلد، واحتج ابن قُتيبة بأنهم كانوا في ضيق يمتنع معه أن يمتهنوا المِسْك، مع غلاء ثمنه. وتبعه ابن بطال. وفي "المشارق": أكثر الروايات بفتح الميم. ورجح النووي الكسر، وقال: إن الرواية الأخرى، وهي قوله: "فِرصة مُمَسَّكة" تدُلُّ عليه. وفيه نظر؛ لأن الخطابي قال: يُحتمل أن يكون المراد بقوله: "ممْسَكة" أي: مأخوذة باليد، يُقال: أمسكتُه ومَسَكْتُه لكن يبقى الكلام ظاهر الرِّكّة؛ لأنه يصير هكذا: خُذي قطعة مأخوذة. وقال الكِرْماني: صنيع البخاري يُشعر بأن الرواية عنده بفتح الميم، حيث جَعَل للأمر بالطيب بابًا مستقلًّا، لكن اقتصارَ البُخاري في الترجمة على بعض ما دلَّت عليه لا يَدُلُّ على نفي ما عداه. ويُقَوي رواية الكسر، وأن المراد التطيُّب، ما في رواية عبد الرزاق، حيث وقع عنده: "من زريرة". وما استبعده ابن قُتيبة من امتِهان المسك ليس ببعيد، لما عُرِف من شأن أهل الحِجاز من كثرة استعمال الطّيب. وقد يكونُ المأمور به مَن يقدِرُ عليه. قال النووي: المقصود باستعمال الطيب دفع الرائحة الكريهة على الصحيح. وقيل: لكونه أسرع إلى الحَبَل، حكاه الماوَرْدي، قال: فعلى الأول، إن فَقَدَتِ المسكَ، استعملت ما يخلُطُه في طيب الريح، وعلى الثاني ما يقوم مقامه في إسراع العُلوق. وضعَّفَ النووي الثاني، وقال: لو كان صحيحًا لاختَصَّت به المتزوِّجة، واطلاق الأحاديث يرُدُّه. والصواب أنَّ ذلك مستحبٌّ لكل مغتسِلة من حَيْض أو نِفاس، ويُكره تركه للقادرة، فإن لم تجد مسكًا فطيبًا، فإن لم تجد فمُزيلًا كالطين، وإلا فالماء كافٍ.

стр. 2603

وقوله: "فَتطَّهري"، في الرواية التي بعدها: "فتوضئي" أي: تَنظَّفي. وقوله: "سبحان الله"، زاد في الرواية الآتية: "استَحْيا وأعرض"، وللإسماعيلي: "فلما رأيتُه استحيا علَّمْتُها"، وزاد الدارِمي: "وهو يسمَعُ فلا يُنْكِر". وقوله: "فاجتَبَذْتُها" بتقديم الموحدة على الذال المعجمة، وفي راوية بتأخيرها. وقوله: "أثر الدم"، قال النووي: المراد به عند العلماء الفَرْج، وقال المحاملي: يُستحبُّ لها أن تطيبَ كلَّ موضع أصابه الدم من بدنها. قال: ولم أره لغيره، وظاهر الحديث حجة له. ويصرِّح به رواية الإسماعيلي: "تَتَبَّعي بها مواضع الدم". وفي هذا الحديث من الفوائد التسبيح عند التعجب، ومعناه هنا: كيف يَخْفى هذا الظاهر الذي لا يُحْتاج في فهمه إلى فكر. وفيه استحباب الكنايات فيما يتعلَّق بالعورات. وفيه سؤال المرأة العالِمَ عن أحوالها التي يُحتشم منها، ولهذا كانت عائشة تقول في نساء الأنصار: "لم يمنَعْهُنَّ الحياء أن يتفقَّهْنَ في الدين". كما أخرجه مسلم في بعض طرق هذا الحديث، وقد مرّ في العلم معلقًا. وفيه الاكتفاء بالتعريض والإشارة في الأمور المستَهْجَنة، وتكرير الجواب لإفهام السائل، وإنما كرَّره مع كونها لم تفهمه أولًا؛ لأن الجواب يُؤخذ من إعراضه بوجهه عند قوله: "توضيء" أي في المحل الذي يُستَحْيى من مواجهة المرأة بالتصريح به، فاكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت عائشة رضي الله تعالى عنها ذلك عنه، قولت تعليمها. وبوب عليه المصنف في الاعتصام الأحكام التي تُعرف بالدلائل. وفيه تفسير كلام العالم بحضرته لمن خَفِي عليه إذا عُرِفَ أن ذلك يُعجبه.

стр. 2604

وفيه الأخذ عن المفضول بحضرة الفاضل. وفيه صحة العَرْض عن المحدِّث إذا أقره، ولو لم يقُل عقبه: نعم. وأنه لا يُشترط في صحة التحمل فهم السامع لجميع ما يسمعه. قلت: التي لم تَفْهم أولًا ليست هي الراوية هنا حتى يؤخذ منه هذا، مع أنها أيضًا قد فهمت. وفيه الرفق بالمتعلم، وإقامة العذر لمن لا يفهم. وفيه أن المرء مطلوب بستر عيوبه، وإن كانت مما جُبِل عليها من جهة أمر المرأة بالتطيب لإِزالة الرائحة الكريهة. وفيه حسن خُلقه ﷺ ، وعظيم حِلْمه وحيائه زاده الله شرفًا. رجاله خمسة: الأول: يَحْيى غير منسوب، واختُلِف في المراد به، قيل: المراد به يحيى بن موسى، وقيل: المراد به يَحْيى بن جعفر. قال ابن السكن: القاعدة الكلية: كل ما كان في البخاري في هذا "الصحيح" من يحيى غير منسوب، فهو يحيى بن موسى، ولابدَّ من تعريف كل منهما لتتم الفائدة. فالأول: يحيى بن موسى بن عبد ربِّه بن سالم الحُدائي -بضم المهملة- أبو زكريا البَلَخِي السَّخْتياني المعروف بخَتّ -بفتح المعجمة وتشديد المثناة من فوق- كوفي الأصل. قيل: لُقِّب بخَتّ لأنها كلمة كانت تجري على لسانه. وقيل: لقبه به أبوه موسى. قال أبو زرعة والنسائي: ثقة. وقال ابن إسحاق: ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: كان من ثقات الناس. وقال موسى بن هارون: كان من خيار المسلمين. وقال الدارقطني: كان من الثقات. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال مَسْلَمة: ثقة.

стр. 2605

روى عن: ابن عُيينة، وأبي مُعاوية الضرير، ووكيع، والوليد بن مُسلم، ويزيد بن هارون، وأبي داود الطيالسي، وغيرهم. وروى عنه: البُخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وجعفر الفِرْيابي، وغيرهم. مات سنة أربعين ومئتين. والحُدائي في نسبه نسبة إلى حُداء بن نُمَيْرة بن سعد العشيرة، قبيلة بالكوفة. والثاني: يحيى بن جَعْفر بن أعْيَن الأَزْدي البارِقي أبو زكريا البخاري البِيْكَنْدِي. روى عن: ابن عُيينة، وأبي معاوية، ووكيع، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، ومعاذ بن هشام، وغيرهم. وروى عنه: البخاري، وابنه الحسين بن يَحْيى، وأبو جعفر بن أبي حاتم. ورّاق البخاري، وآخرون. قال سُرَيْج بن موسى المؤذن: لما أراد يحيى بن جَعْفر القُدوم من العراق، كتب إلى كَعْبان، قال سُرَيْج: فشهدت رقعته، فقال كَعْبان لأصحابه: مَنْ أراد علمًا لطيفًا صحيحًا فعليكم بيحيى بن جعفر، اكتبوا عنه. وقال ابن عدي: هو الذي قال لمحمد بن إسماعيل لما أراد أن يرحل إلى عبد الرزاق، مات عبد الرزاق، ولم يكن مات، فانصرف، فكتب كتبه عنه. وذكره ابن حِبّان في "الثقات". مات في شوال سنة ثلالة وأربعين ومئتين. والبارِقي في نسبه نسبة إلى بارِق، جبل للأزد باليمن، قال الشاعر: ولقيله أَوْدى أبوهُ وجدُّهُ ... وقتيلُ برقَةَ بارِقٌ لي أوجعُ

стр. 2606

الثاني: سفيان بن عُيينة، وقد مرّ في الحديث الأول من بدء الوحي. الثالث: منصور بن صَفْيّة، وقد مرّ في الرابع من كتاب الحَيْض. ومرّت صفية بنت شَيْبة في التاسع والعشرين من كتاب الغسل. ومرت عائشة ﵂ في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ووقع في "مسند" الحُميدي التصريح بالسماع في جميع السند، ورواته ما بين بلخي ومكي. أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة عن مسلم بن إبراهيم، وفي الاعتصام عن مُحمد بن عُيينة. ومسلم في الطهارة عن عمرو الناقد، وابن أبي عُمر، والنَّسائي فيها عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزُّهري. باب غسل المحيض أي: غُسل المرأة -بضم الغين وفتحها-، والمطابقة بين الحديث والترجمة على رواية فتح غين غسل وتفسير المحيض باسم المكان ظاهرة، وعلى رواية ضم الغين والمحيض بمعنى الحيض، فالإضافة بمعنى اللام الاختصاصية، لأنه ذكر لها خاصة هذا الغُسل، وما يمتاز به عن سائر الاغتسال.

стр. 2607

الحديث العشرون حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: "خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِى ثَلاَثًا". ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَالَ: "تَوَضَّئِى بِهَا" فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ . قوله: "خُذي" أي: بعد إيصال الماء لشعرك وبشرتك. وقوله: "فِرْصة مُمَسَّكة" مرّ الكلام عليهما في الذي قبله. وقوله: "فتوضّئي" أي: الوضوء اللغوي، وهو التنظيف، وفي رواية أبوي ذرٍّ والوقت: "وتوضَّئي" بالواو، وفي رواية: "فتوضّئي بها". وقوله: "ثلاثًا" يُحتمل أن يتعلق بقوله: "توضّئي" أي: كرِّري الوضوء ثلاثًا، ويُحتمل أن يتعلق بـ"قال"، ويؤيده السياق المتقدم، أي: قال لها ذلك ثلاث مرات. وقوله: "فأَعْرَضَ" أي: بالفاء، ولأبي ذرٍّ والأصيلي: "وأعرض" بالواو. وقوله: "أو قال توضّئي بها" كذا في أكثر الروايات بالشك، وفي رواية ابن عساكر: "وقال" بالواو العاطفة، والأُولى أَوْلى، ومحلُّ التردد في لفظ: "بها"، هل هو ثابت أم لا، أو التردد واقع بينه وبين لفظ: "ثلاثًا". وقوله: "بما يُريد" أي: من التتبُّع، وإزالة الرائحة الكريهة. ومباحث الحديث مرت في الذي قبله؛ لأنه هو هو بعينه إلا قليل ألفاظ بينته.

стр. 2608

رجاله خمسة: الأول: مُسلم بن إبراهيم وقد مرَّ في السابع والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ وُهَيْب بن خالد في تعليق بعد الخاص عشر من الإيمان. ومرّ منصور بن صَفِيّة في الرابع من كتاب الحيض هذا. ومرّت أمه صفيّة بنت شَيْبة في التاسع والعشرين من كتاب الغُسل. ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. باب امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض الامتشاط: تسريح شعر الرأص، والغُسل - بفتح الغين وضمها- كما مرَّ، والمحيض مصدرُ ميميُّ، معناه الحيض.

стр. 2609

الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ، وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ". فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِي مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي نَسَكْتُ. قوله: "قالت: أهلَلْتُ" أي: أحرمتُ ورفعتُ صوتي بالتَّلْبِية، وأصل الإهلال رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتَّلْبِية عند الإِحرام، ثم أُطلق على نفس الإحرام اتِّساعًا. وقوله: "فكنت ممَّن تمتّع ولم يَسُقِ الهَدْيَ" أي: بفتح الهاء وسكون المهملة وتخفيف الياء، أو بكسر المهملة مع تشديد الياء، اسم لما يُهْدى بمكة من الأنعام، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة، لأن الأصل أن تقول: ممن تمتعت. لكن ذُكر باعتبار مَن. وقوله: "حتى دَخَلَتْ ليلةُ عرفة" فيه دِلالة على أن حيضها كان خمسة أيام خاصة؛ لأن دخوله ﵊ مكة كان في الخامس من ذي الحجة، فحاضت يومئذ، فطهُرت يوم النحر بِمنى. ويدل على أن حيضها كان عند القدوم، قولها في حديث الأسود الآتي في الحج: "فلما قدِمْنا تَطَوَّفْنا بالبيت" إلى أن قالت: "فحِضْتُ، فلم أطُف

стр. 2610

بالبيت". وقالت في رواية القاسم: "حتى قدِمْنا مِنى، فطَهُرْتُ ثم خرجت من مِنى، فأفضْتُ بالبيت"، فالجميع يدل على أن مدة حيضها كان خمسة أيام، لأنها حاضت يوم القدوم في الخامس، وطهُرت يوم النحر يوم مِنى كما دلت عليه الروايات المذكورة. وقوله: "يا رسول الله هذه ليلة عرفة"، وفي نسخة: "هذا ليلة عرفة" أي: هذا الوقت، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأصيلي: "يوم عرفة". وقوله: "وإنما كنتُ تمتعتُ بعُمرة" أي: وأنا حائض، وفيه تصريح بما تضمنَّهُ التمتُع؛ لأنه إحرام في أشهر الحج ممن على مسافة القصر من الحرم، ثم يُهِلُّ بالحج في تلك السنة. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وكونه على مسافة القصر ليس شرطًا في التمتع عند المالكية. وقوله: "انَقُضي رأسك" بضم القاف، أي حُلّي ضَفْرَهُ. وقوله: "وأمسكي عن عُمرِتك" بقطع الهمزة، أي: اتركي العمل في العمرة وإتمامها، وأَدْخِلي عليها الحجَّ، فليس المرادُ الخروجَ منها، فإن الحجَّ والعمرة لا يُخْرَجُ منهما إلا بالتَّحَلُّل، وحينئذ فتكون قارِنة. ويؤيده قوله في رواية لمسلم أيضًا: "وأمسكي عن العمرة" أي: عن أعمالها. وإنما قالت عائشة: "وأرجِعُ بحجٍّ"، لاعتقادها أن افراد العُمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. واستُبْعِد هذا، لقولها في رواية عطاء عنها: "وأرجعُ أنا بحجَّةٍ ليس معها عُمرة" أخرجه أحمد. وتمسَّكَ الكوفيون بهذه الرواية على أن عائشة تركت العُمرة، وحجَّت مُفردة، وفي هذه الرواية ضَعْف، وتمسَّكوا أيضًا بقولها في الرواية الأخرى: "دعي عُمرتك"، وفي رواية: "ارفضي عُمرتك"، فقالوا: إن للمرأة إذا أهلَّت بالعُمرة متمتِّعة، فحاضت قبل أن تطوف، أن تترك العمرة، وتُهِلَّ بالحجِّ مفردًا،

стр. 2611

كما فعلت عائشة على ظاهر رواية عطاء المارّة، المارُّ أنها ضعيفة. والرافع للإِشكال ما رواه مسلم عن جابر: "أن عائشة أهلَّت بعُمرة، حتى إذا كانت بسَرِف حاضت، فقال لها النبي ﷺ : "أهِلّي بالحجِّ. حتى إذا طَهُرت، طافت بالكعبة وسعت، فقال: قد حَلَلْتِ من حجِّك وعُمرتك. قالت: يا رسول الله: إني أجد في نفسي أني لم أطُف بالبيتِ حتى حجَجْتُ. فأعمرها من التَّنْعيم". ولمسلم عن طاووس عنها: "فقال لها النبي ﷺ : طوافُكِ يسعُك لحجِّك وعُمرتك"، فهذا صريح في أنها كانت قارِنة، لقوله: "قد حللتِ من حجِّك وعُمرتك"، وإنما أعمرها من التَّنْعيم تطييبًا لخاطرها، لكونها لم تطُف بالبيت حين دخلت معتمِرةً، وقد وقع عن مسلم: "وكان النبيُّ ﷺ رجلًا سَهْلًا، إذا هَوَتْ شيئًا تابَعَها عليه". وقال عِياض وغيره: الصواب في الجمع بين الروايات المختلفة عن عائشة أنها أحْرَمَتْ بالحجِّ كما هو ظاهرُ إحدى روايتي القاسم وغيره عنها، ثم فسخته في العمرة لما فسخ الصحابة، وعلى هذا تنزَّل قولُ عُروة عنها: "أحرمتُ بعُمرة". فلما حاضت وتعذَّر عليها التحلُّل من العمرة لأجل الحيض، وجاء وقت الخروج إلى الحجِّ أدخلتِ الحجَّ على العُمرة، فصارت قارِنة، واستمرَّت إلى أن تحلَّلت، وعليه يدُلُّ قولُه لها في رواية طاووس عنها عند مسلم المارة: "طوافُك يسعُكِ لحجِّك وعُمرتك". وأما قوله لها: "هذه مكانَ عُمرتك"، فمعناه: العمرة المنفردة التي حَصَلَ منها التحلُّل بمكة، ثم أنشؤوا الحجَّ منفِردًا، فعلى هذا، فقد حصل لعائشة عمرتان. وكذا قولها: "يرجِعُ الناس بحجٍّ وعُمرة، وأرجِع بحجٍ" أي: يرجِعون بحجٍّ منفردٍ وعُمرة منفردة.

стр. 2612

قال الداودي: ليس في الحديث دليل على الترجمة؛ لأن أَمْرَها بالامتِشاط كان للإهلال وهي حائِض، لا عند غُسلها. والجواب: أن الإهلال بالحجِّ يقتضي الاغتسال؛ لأنه من سُنّة الإِحرام، وقد وَرَدَ الأمر بالاغتسال صريحًا في هذه القصة، فيما أخرجه مسلم عن جابر، ولفظه: "فاغْتَسِلي ثم أهِلّي بالحج"، فكأن البخاريَّ جرى على عادته في الإشارة إلى ما تضفّنه بعضُ طرق الحديث، وإن لم يكن منصوصًا فيما ساقه. ويحتمل أن يكون الداودي أراد بقوله السابق: لا عند غسلها. أي: من الحيض، ولم يُرِد نفيَ الاغتسال مطلقًا. والحامل له على ذلك ما في "الصحيحين" أن عائشة إنما طَهُرت من حيضها يوم النَّحْر، فلم تغتسل يوم عرفة إلا للإحرام. وأما ما وَقَعَ في مسلم عنها أنها حاضَتْ بسَرِف، وتطهَّرَتْ بعَرَفَة، فهو محمول على غُسل الإحرام، جمعًا بين الراويتين. وإذا ثبت أن غسلها إذا ذاك كان للإحرام، استُفيد معنى الترجمة من دليل الخطاب؛ لأنها إذا جاز لها الامتشاط في غُسل الإحرام، وهو مندوب، كان جوازُه لغُسل المحيض، وهو واجب، أولى. قلت: ما ذُكِر هنا من أنها حاضت بسَرِف، لا يُنافي ما مرَّ من أن حيضَها كان يوم القدوم، لإمكان دخولِها يوم صبَاحها بِسَرِف، فيكون الحيضُ حصل بِسَرِفٍ يوم الدخول. وقوله: "ففعلتُ" أي: النقضُ والامتشاط والإمساك. وقوله: "أمر عبدَ الرحمن" يعني: ابن أبي بكر الصديق: وقوله: "ليلة الحَصْبَة" أي: بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الموحدة، هي الليلة التي نزلوا فيها في المحصب، وهو المكان الذي نزلوه بعد النَّفْر من مِنى خارج مكة. وقوله: "من التَّنْعيم" موضع على فرسخٍ من مكة، فيه مسجد عائشة.

стр. 2613

وقوله: "التي نَسَكَتْ" من النُّسُك، أي: التي أحرمتُ بها، وأردْتُ أولًا حصولَها منفردةً غير مندرِجة، ومنعني الحيضُ. وفي رواية أبي زيد المَرْوَزِي: "التي سَكَتُّ" من السكوت بلفظ التكلم، أي: تركت أعمالها، وسكتُّ عنها. وللقابسي: "شَكَتْ" بالشين المعجمة والتخفيف من الشِّكاية، والضمير راجع إلى عائشة، على سبيل الالتفات، وقد مرّ التفات آخر في الحديث، ففيه التفات بعد التفات. أو المعنى على هذه النسخة: شَكَتِ العمرةَ من الحيض، وإطلاق الشِّكاية عليها مجازٌ عن اختلالها وعدم بقاء استقلالها. رجاله خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكي، وقد مرَّ في الخامس من بدء الوحي. ومرَّ إبراهيم بن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف في السادس عشر من كتاب الإِيمانْ. ومرَّ ابن شِهاب الزُّهري في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ عُروة بن الزُّبير وعائشة في الثاني منه، وفيه ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وقد مرَّ في الرابع من كتاب الغُسل. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين بَصْري ومُدَنّيين. وروى إبراهيم هنا عن الزُّهري بلا واسطة، وروى عنه في باب تفاضل أهل الإِيمان بواسطة. باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض أي: هل هو واجب أم لا؟ ولابن عساكر: "باب: من رأى نَقْضَ المرأة ... إلخ". وظاهر الحديث الوجوب، وبه قال الحسن، وطاووس في الحائض دون الجُنُب. وبه قال أحمد. ورجَّح جماعة من أصحابه أنه للاستحباب فيهما. قال ابن قُدامة: لا أعلم أحدًا قال بوجوبه فيهما إلا ما رُوى عن عبد الله بن

стр. 2614

عُمر وعند مسلم، وفيه إنكار عائشة عليه الأمر بذلك، لكن ليس فيه تصريح بأنه كان يوجبه. وقال النووي: حكاه أصحابُنا عن النَّخَعي. واستدل الجمهور على عدم وجوبه بما رواه مسلم عن أُم سلمة، قالت: يا رسول الله: إني امرأة أشدُّ ضَفْر رأسي، أفَأَنْقُضُه لغُسل الجنابة؟ قال: "لا". وفي رواية له: "للحيضة والجنابة". وحملوا الأمر في حديث الباب على الاستحباب جمعًا بين الروايتين، أو يُجمع بالتفصيل بين من لا يَصِلُ الماء إليها إلا بالنَّقْضِ، فيلزم، وإلا فلا. وحاصل مذهب المالكية، هو ما نظمه بعض شيوخ العلّامة الشيخ الأمير بقوله: " إنْ في ثلاثِ الخيطِ يُضْفَرُ الشَّعَرْ ... فنَقْضُهُ بكلِّ حالٍ قَدْ ظَهَرْ وفي أقلَّ إن يكن ذا شدَّهُ ... فالنقضُ في الطُّهرينِ صار عُمَدهُ وإن خلا عن الخيوطِ أبطَلَه ... في الغُسل إن شُدَّ وإلا أَهْمَلَه

стр. 2615

الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلاَلِ ذِى الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّي لَوْلاَ أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ". فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. قَالَ هِشَامٌ: وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلاَ صَوْمٌ وَلاَ صَدَقَةٌ. قوله: "خرَجْنا" أي: من المدينة. وقوله: "موافين لهِلال ذي الحِجة"، قيل: معناه موافقون، والأوْلى أن معناه: مشرفون. يقال: أوفى على كذا إذا أشرف عليه، ولا يلزم منه الدخول فيه. وقال النووي: أي: مقارِبين لاستهلاله، لأن خروجه ﵊ كان لخَمْس ليال بقين من ذي القعدة يوم السبت، وكان دخوله مكة في اليوم الخامس أو الرابع من ذي الحجة. وقوله: "لأهْللت بعمرة" في رواية أبوي ذرٍّ والوقت وكريمة والحموي: "لأَحْللت". وليس في الحديث دلالة على أن التمتع أفضل من الإِفراد؛ لأنه ﵊ انما قال ذلك لأجل فسخ الحج إلى العمرة، الذي هو خاص بهم في تلك السنة، لمخالفة تحريم الجاهلية العمرة في أشهر الحج، لا التمتع

стр. 2616

الذي فيه الخلاف، وقال ما قال ليطيِّب قلوب أصحابه، إذ كانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحجِّ إليها، لإِرادتهم موافقته ﷺ ، أي: ما يمنعني من موافقتكم فيما أمرتُكُم به إلا سَوْقي الهدي، ولولاه لوافقتكم، وإنما كان الهدي علةً لانتفاء فسخ الحج إلى العمرة؛ لأن صاحب الهدي لا يحلُّ له التحلُّل حتى ينحره، ولا ينحره إلا يوم النحر، والمتمتِّع يتحلل من عمرته قبله، فيتنافيان. وقوله: "حتى إذا كان ليلة الحَصْبة" أي: بالرفع على أن كان تامة، أي: وُجِدَت. وبالنصب على أنها ناقصة، واسمها الوقت. وقوله: "مكانَ عمرتي" أي: التي تركتها، وقد مرَّ الجمع بين الروايات في الحديث الذي قبله. وقوله: "قال هشام: ولم يكُن في شيء من ذلك هديٌ ولا صوم ولا صدقة". قال القُرطبي: أشكل ظاهر هذا الحديث من نفي الثلاثه، مع أن القارِن والمتمتِّع عليهما الدم. وأجاب القاضي عياض بأنها لم تكن قارِنة ولا مُتَمَتِّعة، لأنها أحرمت بالحجِّ، ثم نوت فَسْخَه في عُمرة، فلما حاضت ولمْ يتمَّ لها ذلك، رجعت إلى حجِّها، لتعذُّر أفعال العمرة، فأكملته، ثم أحرمت عُمرة مبتدأة، فلم يَجِبْ عليها هديٌ. قال: وكأن عياضًا لم يسمع قولها: "كنت ممَّن أهلَّ بعُمرة"، ولا قوله ﷺ لها: "طوافُك يسعُك لحجِّك وعُمرتك". والجواب عن ذلك: أن هذا الكلام مُدْرَجٌ من قول هشام، كأنه نفى ذلك بحسب علمه، ولا يلزم من ذلك نفيه في نفس الأمر، ويُحتمل أن يكون المراد عنده بقوله: "لم يكُن في ذلك هدي" أي: لم تتكلف له، بل قام بذلك عنها، لما ثبت عن عائشة: "أن النبي ﷺ ضحّى عن نسائه بالبَقَر"، كما تقدم في أول الحيض، ولما رواه مسلم عن جابر: "أن النبي ﷺ أهدى عنها"، فيُحمل على أنه ﷺ أهدى عنها من غير أن يأمُرَها بذلك، ولا أعلمها به. وقد بيَّن البخاري في هذه الرواية بقوله: "وقال هشام ... إلخ"، أن هذا

стр. 2617

من كلام هشام، بخلاف روايته في الحج، حيث قال: "فقضى الله حجَّها وعمرتها، ولم يكن في شيء من ذلك هديٌ ولا صدقةُ ولا صوم"، فإن ظاهرها يدُلُّ على أن ذلك من قول عائشة. وأخرجه مسلم وابن ماجه والإِسماعيلي كذلك، لكن بيَّن إدراجه مسلم في روايته عن أبي كُرَيب بيانًا شافيًا، فإنه ساق الحديث، وقال في آخره: "قال عُروة: فقضى الله حجَّها وعُمرتها. قال هِشام: ولم يكن في ذلك هديٌ ولا صيامٌ ولا صدقةٌ". وقال ابن خُزيمة: معنى قوله: "لم يكن في شيء من ذلك هديٌ" أي: في تركها لعمل العمرة الأولى، وإدراجها لها في الحج، ولا في عمرتها التي اعتمرتها من التَّنْعِيم أيضًا، وهذا تأويلٌ حسن. رجاله خمسة: الأول: عُبَيْد بن إسماعيل بن محمد القُرَشي الهَبّاري -بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة وبالراء المهملة- أبو محمد الكوفي، ويقال: إن اسمه عُبيد الله، وعُبيد لقب. روى عن: ابن عُيينة، وعيسى بن يونُس، وأبي أُسامة، والمُحارِبي، وأبي إدريس، وجُمَيْع بن عُمَيْر العِجْلي. وروى عنه: البُخاري، وأبو حاتم، ومحمد بن علي الخزّاز، ومحمد بن عبّاس الأَخْرم. قال مطيَّن: ثقة. وقال الدارقُطني: ثقة. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال البخاري: مات يوم الجمعة آخر ربيع الأول سنة خمسين ومئتيق. والهَبّاري نسبة إلى هَبّار -بفتح الهاء وتشديد الباء-. وفي قريش: هبار بن الأسود بن المطّلب بن عبد العُزّى بن أسد الأسدي، أسلم في الفتح، وهبّار بن سُفيان بن عبد العُزّى الأسدي المخزومي من مهاجمرة الحبشة، قُتِل بأجنادين،

стр. 2618

ولا أدري لأُيِّهما هو منسوب. الثاني: أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم. ومرَّ هشام بن عُروة وأبوه عُروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثه مواضع، ورواته ما بين كوفي ومدني. باب مخلقة وغير مخلقة المخلقة: المصوَّرة خَلْقًا تامًّا، لا نقصَ فيها ولا عيب. وغير المصوَّرة: السقط قبل تمام خَلْقِة، هذا قول مجاهد والشعبي، وهو الصواب. وللأصيلي: "باب: قول الله ". وباب: رُوِي بالإضافة، أي: باب تفسير قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]، ورُوي بالتنوين، أي: هذا باب فيه مخلّقة وغير مُخلّقة. ومناسبة الحديث للترجمة من جهة أن الحديث المذكور مفسِّر للآية؛ لأن فيه ذكر المُضْغَة، والمُضْغَة مخلَّقة وغير مُخَلَّقة. وأوضح منه سياقًا ما رواه الطبري عن ابن مَسْعود، قال: "إذا وقعتِ النطفة في الرحم، بعث الله مَلَكًا، فقال: يا ربِّ مخلَّقَة أو غير مُخَلَّقة، فإن قال: غير مخَلَّقة. مجَّها الرَّحِم، وإن قال: مُخَلَّقة. قال: يا ربِّ: فما صفة هذه النطفة؟ " فذكر الحديث. وإسناده صحيح، وهو موقوفٌ لفظًا، مرفوع حكمًا. وقال ابن بطّال: قَصَدَ البخاري بإدخال هذا الحديث في أبواب الحيض، تقوية مذهب من يقول: إن دم الحامل ليس بِحَيْض؛ لأن العمل إن تم، فإن الرحم مشغولٌ به، وما ينفصل عنه من دم، إنمَا هو رَشْحٌ من الولد، أو من فضلة غذائه، أو دم فسادٍ لعلّةٍ، وليس بحيض. وإن لم يَتِمَّ، وكانت المضغة غير مخَلَّقة، مجّها الرحم مضغةً مائعةً، حكمها حكم الولد، فكيف يكون حكم

стр. 2619

الولد حيضًا؟ وهذا مذهب الكوفيين وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل والثوري والأوزاعي، وإليه ذهب الشافعي في القديم، وقال في الجديد: إنها تحيض. وبه قال إسحاق. وعن مالك روايتان. قلت: مذهب مالك أن الحامل تحيضُ، ولحيضها تفصيل، فما كان بعد الدخول في الثالث تجلِسُ له خمسة عشر إلى عشرين، وهكذا إلى ستة، وما كان بعد الدخول في السادس تجلِسُ له عشرين إلى شهر، وما قبل الثلاثة، قيل: حكمه حكم الحائل من مبتدأة ومعنادة، وقيل: حكمها حكم صاحبة الثلاثة. قال في "الفتح": وفي الاستدلال بالحديث على أنها لا تحيض نظر؛ لأنه لا يلزم من كون ما يخرُجُ من الحامل هو السقط الذي لم يُصَوَّر أن لا يكون الدم الذي تراه المرأة التي يستمرُّ حملها ليس بحيض، وما ادّعاه المخالف من أنه رَشْحٌ من الولد أو من فضلة غذائه يحتاج إلى دليل. وما وَرَدَ في ذلك من خبر أو أثر، كما رواه ابن شاهين عن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنهما قالا: إن الله تعالى رفع الحيض عن الحُبلى، وجعل الدَّم رزقًا للولد مما تفيض الأرحام. وما رواه الأثرم والدارقطني عن عائشة في الحامل ترى الحيض، فقالت: الحبلى لا تحيضُ، وتغتسِلُ وتصلّي. كله لا يثبت؛ لأن هذا دم بصفات دم الحيض، وفي زمن إمكانه، فله حكم دم الحيض، فمن ادّعى خلافه فعليه البيان. واستدل ابن المُنير على أنه ليس بدم حيض بأن المَلَك موكَّل برحم الحامل، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه قَذَر، ولا يُلائِمها ذلك. وأُجيب بأنه لا يلزم من كون الملك موكّلًا بالرحم أن يكون حالًّا فيه، ثم هو مُشْتَرَكُ الإِلزام؛ لأن الدم كله قذر. ومن أقوى حججهم أن استبراء الأمة اعتُبِر بالحيض، لتحقق براءة الرحم من العمل، فلو كانت الحامل تَحيضُ لم تتمَّ البَراءة بالحيض.

стр. 2620

قلت: يُجاب عن هذا بان الأحكام منوطة بالغالب، والغالب عدم حيض الحامل، فلهذا كان عدم الحيض دليلًا على براءة الرحم، وهذا لا ينافي حصول الحيض نادرًا من الحامل، كما هو المشاهد في كل زمن، فتجري عليه أحكامه.

стр. 2621

الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهُ قَالَ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ". قوله: "إن الله وكل بالرحم" بتخفيف الكاف، يقال: وكله بكذا إذا استكفاه إياه، وصرف أمر إليه، وللأكثر: بالتشديد، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. وقوله: "يا ربِّ نطفةٌ" أي: بالرفع والتنوين، أي وقعت في الرحم نطفة، وفي رواية القابِسي بالنصب، أي: خلقْتَ يا ربِّ نطفةً، والنُّطفة بضم النون وتجمع على نُطَف، وأصلها الماء الصافي قلَّ أو كثُر، وتُستعمل النطفة أيضًا في كل شيء خفي. وقوله: "يا ربِّ عَلَقَةٌ" بفتح اللام، وهي الدم الجامد الغليظ، ومنه قيل للدابة التي تكون في الماء: عَلَقة؛ لأنها حمراء كالدم، فالعلقة قطعة من الدم. وقوله: "يا ربِّ مُضْغَة" أي: قطعة من اللحم، وهي في الأصل قَدْرُ ما يُمضغ، ويجوز نصب الاسمين عطفًا على السابق المنصوب بالفعل المقدَّر. وقول الملك ليس فيه فائدة الخبر ولا لازمها؛ لأن الله علاّم الغُيوب، وإنما المراد منه التماس إتمام خَلْقِه، والدعاء بإفاضة الصُّورة الكاملة عليه، أو الاستعلام عن ذلك، فهو على حد قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، فإنها قالته تأسُّفًا وتحزُّنًا.

стр. 2622

وبين قول الملك: يا ربِّ نطفة، يا ربِّ علقة، يا ربِّ مُضغة أربعون يومًا، لا في وقتٍ واحد، وإلا لكانت النطفة علقة مضغة في ساعة واحدة. وقد بيَّنَ المرادَ حديثُ ابن مسعود الآتي في كتاب القدر عند المصنِّف: "إن خَلْقَ أحدِكُم يُجمع في بطن أُمه أربعين يومًا، ثم يكونُ علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعثُ الله مَلَكًا، فيُؤمر بأربعة: برزقه، وأجله، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينفُخُ فيه الروح ... إلخ" فحديث ابن مسعود هذا بجميع طرقه يَدُلُّ على أن الجنين يتقلَّب في مئة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، كل طورٍ منها في أربعين، ثم بعد تكملتِها يُنفخ فيها الروح. وقوله: "فإذا أراد أن يَقْضِيَ خَلْقَه" أي: أن يُتم خَلْقَ ما في الرَّحِم من النُّطفة التي صارت عَلَقة، ثم مضغة. وقوله: "أذكرٌ أم أُنثى؟ " التقدير: أهو ذكرٌ أم أُنثى، فذَكَرٌ خبر للمبتدأ المقدر، أو التقدير: أذكر هو أم أُنثى، فذكرَ مبتدأ، وسوَّغ الابتداء به وإن كان نكرةً تخصيصُه بثبوت أحد الأمرين، إذ السؤال فيه عن التعيين، وللأصيلي: أذكرًا أم أُنْثى بالنصب. بتقدير: أتخلُقُ ذكرًا أم أُنثى. وقوله: "شقيٌّ أم سعيدٌ" بحذف أداة الاستفهام لدِلالة السابق عليه، وفيه من الإِعراب ما في الذي قبله. والشقِيُّ عند الأشاعرة: مَن وَجَبَتْ له النار، بمقتضى ما في الأزل. والسعيد: مَن وَجَبت له الجنة بمقتضى ما في الأزل. وعند الحنفية: الشقي: العاصي، والسعيد: المطيع. فالشقيُّ عندَهم قد يَسْعَد، والسعيد قد يَشْقى، لكن بالنسبة إلى الأعمال الظاهرة، وأما ما في علم الله تعالى فلا يتغيّر. وتمسك الأولون بهذا الحديث وأمثاله، كقوله في "الصحيحين": "ما مِنْكم من أحد إلا وقد كُتِبَ مقعدَهُ من النار أو مقعدَهُ من الجنة". وتمسَّكَ الحنفيةُ بمثل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]. والحقُّ أن النزاع لفظي، فالذي سَبَق في علم الله لا يتغيّر ولا يتبدّل، والذي

стр. 2623

يجوزُ عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعُد أن يتعلق ذلك بما في علم الحَفَظة والموكلين بالآدمي، فيقعُ فيه المحو والإِثبات، كالزيادة في العُمُر والنقص، وأما ما في علم الله فلا محوَ فيه ولا إثبات. وقوله: "فما الرزق" قليلًا أو كثيرًا، حلالًا أم حرامًا، والرُّزق في اللغة الحظُّ قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي: حظكم من هذا الأمر، والحظُّ هو نصيب الرجل، وما هو خاصٌّ له دون غيره. وقيل: الرزق: كل شيء يُؤكل ويُستعمل، وهذا باطِل؛ لأن الله تعالى أمرنا بان نُنْفِقَ مما رَزَقَنا، فقال تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ فلو كان الرزق هو الذي يُؤكل، لما أمكن إنفاقه. وقيل: الرزق: هو ما يُملك، وهذا باطل أيضًا؛ لأن الإِنسان قد يقول: اللهم ارزُقْني ولدًا صالحًا، وزوجةً صالحةً، وهو لا يملِكُ الولد والزوجة. وقالت المعتزلة: الرزق: هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، والحَظْرُ على غيره أن يمنعه من الانتفاع به. فالحرام ليس برزق عندهم، وعند أهل السنة: الحرام رزق؛ لأنه في أصل اللغة الحظ والنصيب، كما مرّ، فمن انتفع بحرام، كان ذلك الحرام نصيبًا له، فوجب أن يكون رزقًا له. وأيضًا قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [المنافقون: ١٠]، وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من الحرام، فوجب أن يكون طول عمره لم يأكل من رزقه شيئًا. وقوله: "وما الأجل؟ " وفي رواية: "والأجل" بدون ما، والأجل: هو مدة حياة الشخص، أو وقت موته؛ لأنه يُطلق على غاية المدة وعلى المدة. وقوله: "فيَكْتُب في بطن أُمه" أي: بالبناء للمعلوم، وفاعلُ يكتب، قيل: يرجع إلى الله تعالى، وقيل: يرجع إلى الملك. ويُروى بصيغة المجهول. وظاهر الحديث أن هذه الكتابة هي الكتابة المعهودة في صحيفته. وفي رواية لمسلم عن حُذيفة بن أسِيْد التصريح بذلك، بلفظ: "ثم تُطوى الصحيفة،

стр. 2624

فلا يُزاد فيها ولا يُنْقَص". وفي حديث أبي ذرٍّ: "فيقضي الله ما هو قاضٍ، فيكتُبُ ما هو لاقٍ بينَ عينيه". ويجوز أن تكون مجازًا عن التقدير. وقوله: "في بطن أمه" ظرف لقوله: "يكتب"، فهو المكتوب فيه، والشخص هو المكتوب عليه، والمكتوب هو الأمور الأربعة المذكورة. والمراد بجميع ما ذُكِر من الرزق والأجل والشقاوة والسعادة والذكورة والأُنوثة أنه يظهر ذلك للملك، ويُؤمر بإنفاذِه وكتابته، وإلا فقضاء الله وعلمه وإرادته سابق على ذلك. قال عياض: اختلفت ألفاظ هذا الحديث، يعني: حديث ابن مسعود السابق في مواضع، ولم يُختلف أن نفخ الروح فيه بعد مئة وعشرين يومًا، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يُعَوَّل فيما يُحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق، عند التنازع وغير ذلك، بحركة الجنين في الجَوْف. وقد قيل: إنه هو الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهو الدخول في الخامس كما صرح به سعيد بن المسيِّب كما عند الطبري عنه أنه سُئِل عن عدة الوفاة، فقيل له: ما بال العشر بعد أربعة أشهر؟ فقال: يُنفخ فيها الروح. وزيادة حُذَيْفة ابن أَسِيد مشعرة بان المَلَك لا يأتي لرأس الأربعين، بل بعدها، فيكون مجموع ذلك أربعة أشهر وعشرًا، وهو مصرح به في حديث ابن عباس، "إذا وقعتِ النُّطفةُ في الرحم، مكثت أربعة أشهر وعَشْرًا، ثم ينفخ فيها الروح". ومعنى إسناد النفخ للمَلَك، أنه يفعله بأمر الله، والنَّفخ في الأصل إخراج ريح من جوف النافخ، ليدخُلَ في المنفوخِ فيهِ، والمراد بإسناده إلى الله تعالى أن يقول له: كن فيكون.

стр. 2625

وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين، فالكتابة الأولى في السماء، والثانية في بطن المرأة. ويُحتمل أن تكون إحداهما في صحيفة، والثانية على جبين المولود. وقيل: يَخْتَلِفُ باختلاف الأجنّة، فبعضها كذا، وبعضها كذا، والأول أولى. ومباحث هذا الحديث كثيرة جدًّا، ويأتي استيفاؤها في كتاب القَدَر إن شاء الله تعالى، عند حديث ابن مسعود المشار إليه. رجاله أربعة: الأول: مسدَّد، وقد مرّ في السادس من كتاب الإيمان. ومرّ حمّاد بن زَيْد في الرابع والعشرين منه. والثالث: عُبيد الله بن أبي بَكْر بن أنس بن مالك أبو معاذ الأنصاري. روى عن: جده، وقيل: عن أبيه عن جده. وروى عنه: أخوه بكر بن أبي بكر بن أنس، والحمّادان، وعُتبة بن حُميد الضّبّي، وشدّاد بن سعيد، وآخرون. قال أحمد: وابن مَعين وأبو داود والنّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حِبّان في الثقات. الرابع: أنس بن مالك، وقد مرّ في السادس من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته كلهم بصريّون. أخرجه البخاري هنا، وفي خَلْق بني آدم عن أبي النعمان، وفي القدر عن سُليمان بن حرب، ومُسلم في القدر عن أبي كامل الجَحْدَرِيّ، الكل عن حمّاد بن زيد.

стр. 2626

باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة مراده بيان صحة إهلال الحائض، ومعنى "كيف" في الترجمة الإعلام بالحال بصورة الاستفهام، لا الكيفية التي تُراد بها الصفة، وبهذا يندفع اعتراض من زعم أن الحديث غير مناسب للترجمة، إذ ليس فيه ذكر صفة الإهلال.

стр. 2627

الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ". قَالَتْ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ. قوله: "من أهلَّ بحجٍّ" في رواية المستملي: "بحجة". وقوله: "فلْيَحْلِل" بإسكان اللام من الثلاثي، أي: قبل يوم النحر، حتى يُحْرِم بالحج. وقوله: "فلا يَحِلُّ حتى يَحِلَّ" بفتح المثناة وكسر الحاء فيهما والضم في لام الأولى والفتح في لام الأخرى. وقوله: "بنحو هَدْيهِ" في رواية أبوي ذرٍّ والوقت: "حتى ينحرَ هَدْيَه"، أي: يوم العيد، لكونه أدخل الحج، فيصير قارنًا، ولا يكون متمتعًا، فلا يَحِلُّ. وأما توقفه على دخول يوم النحر مع إمكان التحلُّل بعد نصف ليلة، فليس التحلُّل الكلي، أما التحلُّل الكلي المُبيح للجِماع فهو يوم النحر. وقوله: "ومن أهَلَّ بحجٍّ" يعني مفرِدًا، وفي رواية المستملي والحموي: "ومن أهلَّ بحَجّةٍ".

стр. 2628

وقوله: "فلْيُتِمَّ حجَّه" أي: سواء كان معه هدي أم لا. وقوله: "حتى كان يومُ عرفة" برفع يوم؛ لأن كان تامة. وقوله: "ولم أُهْلِل" بضم الهمزة وكسر اللام الأولى، وهذا الحديث قد مرّت مباحثه في البابين اللذين قبله بباب. رجاله ستة: الأول: يحيى بن بُكَيْر، والثاني: الليث بن سعد، والثالث: عقيل بن خالد، والرابع: ابن شِهاب الزُّهري، وقد مرَّ الجميع في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ عُروة بن الزُّبير وعائشة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع، ورواته ما بين بصري وأَيْلِي، ومدني. أخرجه البخاري هنا، وفي الحج بزيادة. ومسلم في المناسك. باب: إقبال المحيض وإدباره اتفق العلماء على أن إقبال المحيض يُعوف بالدفعة من الدم في وقت إمكان الحيض، واختلفوا في إدباره، فقيل: يُعرف بالجُفوف، وهو أن يخرُجَ ما يُحتشى به جافًّا من أنواع الدم لا من البلل؛ لأن المحل لا يخلو غالبًا من بلل. وقيل: بالقَصَّة البيضاء، وإليه ميل المصنف كما سيظهر. وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ: لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. قوله: "وكنَّ نساءٌ" هو بصيغة جمع المؤنث، ونساءٌ بالرفع بدلٌ من الضمير على لغة: أكلوني البراغيث. والتنوين في نساء للتنويع، أي: كان ذلك من نوع

стр. 2629

من النساء، لا من كلهن. وقوله: "بالدِّرَجَة" هي بكسر أوله وفتح الراء والجيم، جمع دُرْج بالضم ثم السكون، وضبطه ابن عبد البر في "الموطأ" بضم ثم سكون، قائلًا: إنه تأنيث دُرْج، والمراد به ما تحتشي به المرأة من قطنة أو غيرها، لتعرِفَ هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا. وضبطها الباجي بفتح الأوَّلَيْن، ونوزع فيه. وقيل في تفسيرها: انها وعاء أو خِرقة، وهذا التفسير هو المناسب لما بعده. وقوله: "فيها الكُرْسُف" أي: بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء ساكنة، وهو القطن، أي: في الدِّرَجَة القطن، ولأجل هذا المعنى اخترنا أن معناها الوعاء أو الخرقة. وقوله: "فيه الصُّفْرة" أي: في القطن الصُّفرة، زاد مالك: "من دم الحيضة". وقوله: "فتقول" أي: عائشة. وقوله: "لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ" أي: بسكون اللام والمثناة التحتية. وقوله: "القَصَّة البيضاء" أي: بفتح القاف وتشديد المهملة، ماء أبيض يكون آخر الحيض، يدفعه الرحم عند إنقطاعه، شبيهًا بالجِصّ، وهو النَّوْرَة، ومنه: قَصَّصَ دارَه، أي: جصَّصها. قال مالك: سألت النساء عنه، فإذا هو أمر معلومٌ عندهُنَّ، يعرِفْنَه عند الطُّهر. وقال الهَرَوي: معناه أن يخرُج ما تحتشي به الحائض نقيًّا كالقَصَّة، كأنه ذهب إلى الجفوف. قال القاضي عياض: وبينهما عند النساء وأهل المعرفة فرقٌ بيِّن، وإنما كانت القَصّة أبلغ؛ لأن الجفوف عدم، والقَصَّة وجود، والوجود أبلغ دِلالة، وكيف لا والرحم قد يجِفُّ في أثناء الحيض، وقد تنظُف الحائض، فيجِفُّ

стр. 2630

رحمَها ساعة، فلا يدُلُّ ذلك على انقطاع الحيض، بخلاف القَصَّة، فإنها لا توجد إلا عند انقطاعه، فهي علامة لانتهاء الحيض، ويتبيَّن بها ابتداء الطُّهر. وإنما اختير القُطنُ للاختبار لبياضه، ولأنه يُنَشِّفُ الرطوبة، فيظهر فيه من آثار الدم ما لم يظهر في غيره. وفي الحديث دِلالة على أن الصُّفْرة والكُدرة في أيام الحيض حيض، وأما في غيرها فسيأتي الكلام على ذلك في باب مفردٍ إن شاء الله تعالى. وهذا الأثر رواه مالك في "الموطأ"، فقال: عن علقمة بن أبي عَلْقَمة، عن أمه مَرْجانة مولاة عائشة، أنها قالت: كان النساء ... إلخ. ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. قوله: "يدعونَ" أي: يطلُبْنَ، وفي رواية الكُشميهني: "يدعين" وقال في "القاموس": دَعَيْتُ لغة في دَعَوْت، وقد مرّ الكلام على "يدعون" في أثر أم عطية في باب: تقضي الحائض المناسك كلها. وقوله: "إلى الطهر" أي: إلى ما يدُلُّ على الطهر. وقولها: "ما كان النساء" اللام في النساء للعهد، أي: نساء الصحابة. وقوله: "وعابت عليهن ذلك"، إنما عابته عليهن لأن ذلك يقتضي الحَرَج والتنطُّع، وهو مذموم. أو لكون ذلك كان في غير وقت الصلاة، وهو جَوْف الليل، وفيه نظر؛ لأنه وقت العشاء. ويُحتمل أن يكون العيب لأن الليل لا يُتَبَيَّن به البياض الخالص من غيره، فيحسَبْنَ أنهنَّ طَهُرْنَ، وليس كذلك، فيُصلّين قبل الطُّهر. وهذا الأثر أخرجه مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن ابنة زيد بن ثابت، أنه بَلَغَنا. فذكره، فوقع في "الموطأ" مُبْهمًا.
следующие страницы →