← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة مراده بيان صحة إهلال الحائض، ومعنى "كيف" في الترجمة الإعلام بالحال بصورة الاستفهام، لا الكيفية التي تُراد بها الصفة، وبهذا يندفع اعتراض من زعم أن الحديث غير مناسب للترجمة، إذ ليس فيه ذكر صفة الإهلال.

стр. 2627

الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ". قَالَتْ: فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ. قوله: "من أهلَّ بحجٍّ" في رواية المستملي: "بحجة". وقوله: "فلْيَحْلِل" بإسكان اللام من الثلاثي، أي: قبل يوم النحر، حتى يُحْرِم بالحج. وقوله: "فلا يَحِلُّ حتى يَحِلَّ" بفتح المثناة وكسر الحاء فيهما والضم في لام الأولى والفتح في لام الأخرى. وقوله: "بنحو هَدْيهِ" في رواية أبوي ذرٍّ والوقت: "حتى ينحرَ هَدْيَه"، أي: يوم العيد، لكونه أدخل الحج، فيصير قارنًا، ولا يكون متمتعًا، فلا يَحِلُّ. وأما توقفه على دخول يوم النحر مع إمكان التحلُّل بعد نصف ليلة، فليس التحلُّل الكلي، أما التحلُّل الكلي المُبيح للجِماع فهو يوم النحر. وقوله: "ومن أهَلَّ بحجٍّ" يعني مفرِدًا، وفي رواية المستملي والحموي: "ومن أهلَّ بحَجّةٍ".

стр. 2628

وقوله: "فلْيُتِمَّ حجَّه" أي: سواء كان معه هدي أم لا. وقوله: "حتى كان يومُ عرفة" برفع يوم؛ لأن كان تامة. وقوله: "ولم أُهْلِل" بضم الهمزة وكسر اللام الأولى، وهذا الحديث قد مرّت مباحثه في البابين اللذين قبله بباب. رجاله ستة: الأول: يحيى بن بُكَيْر، والثاني: الليث بن سعد، والثالث: عقيل بن خالد، والرابع: ابن شِهاب الزُّهري، وقد مرَّ الجميع في الثالث من بدء الوحي. ومرَّ عُروة بن الزُّبير وعائشة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع، ورواته ما بين بصري وأَيْلِي، ومدني. أخرجه البخاري هنا، وفي الحج بزيادة. ومسلم في المناسك. باب: إقبال المحيض وإدباره اتفق العلماء على أن إقبال المحيض يُعوف بالدفعة من الدم في وقت إمكان الحيض، واختلفوا في إدباره، فقيل: يُعرف بالجُفوف، وهو أن يخرُجَ ما يُحتشى به جافًّا من أنواع الدم لا من البلل؛ لأن المحل لا يخلو غالبًا من بلل. وقيل: بالقَصَّة البيضاء، وإليه ميل المصنف كما سيظهر. وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ: لاَ تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. قوله: "وكنَّ نساءٌ" هو بصيغة جمع المؤنث، ونساءٌ بالرفع بدلٌ من الضمير على لغة: أكلوني البراغيث. والتنوين في نساء للتنويع، أي: كان ذلك من نوع

стр. 2629

من النساء، لا من كلهن. وقوله: "بالدِّرَجَة" هي بكسر أوله وفتح الراء والجيم، جمع دُرْج بالضم ثم السكون، وضبطه ابن عبد البر في "الموطأ" بضم ثم سكون، قائلًا: إنه تأنيث دُرْج، والمراد به ما تحتشي به المرأة من قطنة أو غيرها، لتعرِفَ هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا. وضبطها الباجي بفتح الأوَّلَيْن، ونوزع فيه. وقيل في تفسيرها: انها وعاء أو خِرقة، وهذا التفسير هو المناسب لما بعده. وقوله: "فيها الكُرْسُف" أي: بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء ساكنة، وهو القطن، أي: في الدِّرَجَة القطن، ولأجل هذا المعنى اخترنا أن معناها الوعاء أو الخرقة. وقوله: "فيه الصُّفْرة" أي: في القطن الصُّفرة، زاد مالك: "من دم الحيضة". وقوله: "فتقول" أي: عائشة. وقوله: "لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ" أي: بسكون اللام والمثناة التحتية. وقوله: "القَصَّة البيضاء" أي: بفتح القاف وتشديد المهملة، ماء أبيض يكون آخر الحيض، يدفعه الرحم عند إنقطاعه، شبيهًا بالجِصّ، وهو النَّوْرَة، ومنه: قَصَّصَ دارَه، أي: جصَّصها. قال مالك: سألت النساء عنه، فإذا هو أمر معلومٌ عندهُنَّ، يعرِفْنَه عند الطُّهر. وقال الهَرَوي: معناه أن يخرُج ما تحتشي به الحائض نقيًّا كالقَصَّة، كأنه ذهب إلى الجفوف. قال القاضي عياض: وبينهما عند النساء وأهل المعرفة فرقٌ بيِّن، وإنما كانت القَصّة أبلغ؛ لأن الجفوف عدم، والقَصَّة وجود، والوجود أبلغ دِلالة، وكيف لا والرحم قد يجِفُّ في أثناء الحيض، وقد تنظُف الحائض، فيجِفُّ

стр. 2630

رحمَها ساعة، فلا يدُلُّ ذلك على انقطاع الحيض، بخلاف القَصَّة، فإنها لا توجد إلا عند انقطاعه، فهي علامة لانتهاء الحيض، ويتبيَّن بها ابتداء الطُّهر. وإنما اختير القُطنُ للاختبار لبياضه، ولأنه يُنَشِّفُ الرطوبة، فيظهر فيه من آثار الدم ما لم يظهر في غيره. وفي الحديث دِلالة على أن الصُّفْرة والكُدرة في أيام الحيض حيض، وأما في غيرها فسيأتي الكلام على ذلك في باب مفردٍ إن شاء الله تعالى. وهذا الأثر رواه مالك في "الموطأ"، فقال: عن علقمة بن أبي عَلْقَمة، عن أمه مَرْجانة مولاة عائشة، أنها قالت: كان النساء ... إلخ. ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ: مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. قوله: "يدعونَ" أي: يطلُبْنَ، وفي رواية الكُشميهني: "يدعين" وقال في "القاموس": دَعَيْتُ لغة في دَعَوْت، وقد مرّ الكلام على "يدعون" في أثر أم عطية في باب: تقضي الحائض المناسك كلها. وقوله: "إلى الطهر" أي: إلى ما يدُلُّ على الطهر. وقولها: "ما كان النساء" اللام في النساء للعهد، أي: نساء الصحابة. وقوله: "وعابت عليهن ذلك"، إنما عابته عليهن لأن ذلك يقتضي الحَرَج والتنطُّع، وهو مذموم. أو لكون ذلك كان في غير وقت الصلاة، وهو جَوْف الليل، وفيه نظر؛ لأنه وقت العشاء. ويُحتمل أن يكون العيب لأن الليل لا يُتَبَيَّن به البياض الخالص من غيره، فيحسَبْنَ أنهنَّ طَهُرْنَ، وليس كذلك، فيُصلّين قبل الطُّهر. وهذا الأثر أخرجه مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته، عن ابنة زيد بن ثابت، أنه بَلَغَنا. فذكره، فوقع في "الموطأ" مُبْهمًا.

стр. 2631

ولزيد بن ثابت من البنات: حَسْنَة، وعَمْرة، وأُم كلثوم، وأُم محمد، وقُرَيْبَة، وأُم سعد. وزعم بعض الشُّرّاح أنها أُم سعد، قال: لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة. وليس في ذلك دليل؛ لأنه لم يقُل: إنها صاحبة هذه القصة. وزعم بعضهم أنها أُم كُلثوم، قائلًا: لم أر رواية لواحدة منهن إلا لأُم كلثوم وكانت زوجًا لسالم بن عبد الله بن عمر. وأما أُم سعد فقد أخرج ابن مَنْده نسخة تشتمل على عدة أحاديث لها: منها أنها قالت: "كان رسولُ الله ﷺ يأمُرُ بدفنِ الدَّمِ إذا احتَجَمَ. ومنها: "دخلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت عائشة، وهو يتأوّه، يشتكي بطنه، ويقول: وابَطْناه". ومنها "قلت: يا رسول الله: هل من شيء إلا يَحِلُّ بيعُه؟ قال: لا يَحِلُّ بيع الماء". ومنها: "كان رسول الله ﷺ إذا سافر لا تفارِقُه مرآة ولا مِكْحَلة، يكونان معه". ومنها: قال رسول الله ﷺ : "الوضوء مُدٌّ والغُسل صاعٌ، وسيأتي أقوام من بعدي يستَقِلُّون ذلك، أولئك خلاف أهل سُنّتي، والآخذ بسنتي معي، وهو في حظير القُدُس، وهو سيرة أهل الجنة". وفي سند هذه الأحاديث عَنْبَسَة بن عبد الرحمن، وهو من المتروكين.

стр. 2632

الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي". قوله: "وإذا أَدبَرَتْ فاغتسِلي وصلّي" وهذا لا يقتضي تكرار الغسل لكل صلاة، بل يكفي غُسل واحد. وهذا الحديث مرّت مباحثه مستوفاة في باب غَسْل الدم من كتاب الوضوء. رجاله خمسة: فيه ذكر بنت أبي حُبَيْش. الأول: عبد الله بن محمد المُسْنِدي، وقد مرّ في الثاني من كتاب الإِيمان. ومرَّ هشام بن عُروة وأبوه عُروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. ومرّ سُفيان بن عُيينة في الأول منه، وهو المراد بسفيان المذكور في السند، لأن المُسْنِدي لا يروي إلا عن ابن عُيينة، ولم يرو عن الثوري. ومرّت بنت أبي حُبَيْش فاطمة في الرابع والتسعين من الوضوء. باب: لا تقضي الحائض الصلاة قد نقل ابن المنذر وغيره إجماع أهل العلم على ذلك، ونقل عبد الرزاق عن معمر عن الزُّهري أنه قال: اجتمع الناس عليه. ونقل ابن عبد البرَ عن طائفة من الخوارج أنهم كانوا يوجبونه. قلت: قول عائشة الآتي قريبًا: "أحروريَّةٌ أنت؟ " يدل على أن هذا

стр. 2633

مذهبهم، اللهم إلا أن تكون أرادت أنهم هم أهل التنطُّع والإِفراط. وعن سَمُرَة بن جُنْدُب أنه كان يأمر به، فأنكرت عليه أُم سلمة، لكن استقر الإجماع على عدم الوجوب كما مرَّ. وقالَ جَابرٌ وأبُو سَعيدٍ عنِ النبيِّ ﷺ تَدَعُ الصَّلاةَ. واستشكل إيراد هذين الحديثين للاستدلال على الترجمة، بأن الترجمة لعدم القضاء، والحديثان لعدم الإِيقاع. وأجاب الكِرْماني بأن الترك في قوله: "تدع الصلاة" مطلق، يتناول الأداء والقضاء. ورُدَّ هذا بأن منعَها إنما هو في زمن الحيض فقط، وقد وَضَح ذلك من سياق الحديثين. قال في "الفتح" والذي يظهر أن المؤلف أراد أن يستدِلَّ على الترك أولًا بالتعليق المذكور، وعلى عدم القضاء بحديث عائشة، فجعل المعلَّق كالمقدمة للحديث الموصول، الذي هو مطابق للترجمة. أما تعليق جابر فقد أخرجه البخاري في كتاب الأحكام من طريق حبيب، عن جابر في قصة حيض عائشة في الحج، وفيه: "غيرَ أنَّها لا تطوفُ ولا تصلي"، ولمسلم نحوه من طريق أبي الزُّبَيْر عن جابر. وأما تعليق أبي سعيد الخُدري، فأخرجه في باب ترك الحائض الصوم، وفيه: "أليس إذا حاضَتْ لم تُصَلِّ ولم تَصُم". وجابر مرّ تعريفه في الرابع من بدء الوحي، ومرَّ أبو سعيد في الثاني عشر من كتاب الإِيمان.

стр. 2634

الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ: أَتَجْزِي إِحْدَانَا صَلاَتَهَا إِذَا طَهُرَتْ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟! كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلاَ يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ: فَلاَ نَفْعَلُهُ. قوله: "إن امرأةً" كذا أبهمها همّام، وبيَّن شُعبة عن قَتادة أنها هي مُعاذة الراوية، أخرجه الإِسماعيلي عنه، وكذا مسلم من طريق عاصم، عن معاذة. ويأتي تعريفها قريبًا. وقوله: "أتَجْزي إحدانا صلاتَها" أي: بفتح أوله، وصلاتَها بالنصب على المفعولية، أي: أتقضي صلاتها، وفي رواية: "أَتُجْزِىءُ" بضم أوله وبالهمز آخره، أي: أتكفي المرأةَ الصلاةُ الحاضرةُ وهي طَاهرة، ولا تحتاج إلى قضاء الفائتة في زمن الحيض، فصلاتُها على هذا بالرفع على الفاعلية. وقوله: "أحَرُوريةٌ أنت؟! "، الحَروري منسوب إلى حَرُوراء بفتح الحاء وضم الراء المهملتين وبعد الواو الساكنة راء أيضًا، بلدة على ميلين من الكوفة، والأشهر أنها بالمد، قال المبرِّد: النسبة إليها حروراوِيّ، وكذا كل ما كان في آخره ألف تأنيث ممدودة، ولكن قيل: الحروري بحذف الزوائد. ويقال لمن يعتقد مذهب الخوارج: حَروري؛ لأن أول فِرقة منهم خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه نزلوا بالبلدة المذكورة، فاشْتُهِروا بالنسبة إليها، وهم فِرق كثيرة، وأقبحهم فرقة نَجْدة بن عامر الحَرُورِيّ اليماميّ كما قال في "الفتح".

стр. 2635

ومن أصولهم المتَّفق عليها بينهم الأخذ بما دلَّ عليه القرآن، وردُّ ما زاد عليه من الحديث مطلقًا، ولهذا استفهمت عائشة معاذةَ استفهام إنكارٍ. قلت: ومعنى أخذِهم بما دلَّ عليه القرآن، يعني: في زعمهم أنه دالٌّ عليه، كتكفيرهم لعلي رضي الله تعالى عنه، بأن حكم في دين الله تعالى، مستدلّين بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، لا أنهم يأخذون بما دلَّ عليه حقيقة؛ لأنهم لا يستنِدون في معاني القرآن إلا إلى عقولهم الفاسدة، فيبيحون ما أباحوا، ويحرِّمون ما حرَّموا، من غير دليل. ومن أصولهم المتَّفق عليها بينهم، تكفير من فَعَلَ ما هو ذنبٌ في زعمهم من المسلمين، سواء كان ذنبًا حقيقيًّا أو غير حقيقي، كما فعلوا مع علي رضي الله تعالى عنه كما مرّ. وزاد مسلم في رواية عاصم عن مُعاذة: "فقلت: لا، ولكني أسأل سؤالًا مجرّدًا لطلبِ العلمِ لا للتعنُّتِ". وفهمت عائشة عنها طلب الدليل، فاقتصرت في الجواب عليه دون التعليل. والفرق بين الصلاة والصيام أن الصلاة تتكرَّر، فلم يجِبْ قضاؤها للحرج، بخلاف الصيام. ولمن يقول بأن الحائض مخاطبة بالصيام أن يفرِّق بأنها لم تُخاطب بالصلاة أصلًا، وقيل: إن خطابها بقضائه بأمر جديدٍ لا بكونها خوطبت به أولًا. وقوله: "فلا يأمُرُنا به"، أو قالت: "فلا نفعَلُه" كذا في هذا الرواية بالشك، وعند الإِسماعيلي من وجه آخر: "فلم نَكُنْ نقضي، ولم نُؤمر به". والاستدلال بقولها: "فلم نكن نقضي" أوضح من الاستدلال بقولها: "فلم نُؤمر به"؛ لأن عدم الأمر بالقضاء هنا قد يُنازع في الاستدلال به على عدم الوجوب، لاحتمال الاكتفاء بالدليل العام على وجوب القضاء. وقال ابن دقيق العيد: اكتفاء عائشة في الاستدلال على إسقاط القضاء

стр. 2636

بكونها لم تُؤمر به يحتمل وجهين: أحدهما: أنها أخذت إسقاطَ القضاء من إسقاط الأداء، فيُتَمَسَّكُ به حتى يُوجد المعارِض، وهُو الأمر بالقضاء كما في الصوم. ثانيهما وهو الأقرب: أن الحاجة داعية إلى بيان هذا الحكم، لتكرر الحيض منهن عنده ﷺ ، وحيث لم يبيِّن، دلَّ على عدم الوجوب، لاسيما وقد اقترن بذلك الأمر بقضاء الصوم، كما في رواية عاصم عن مُعاذة عند مسلم. رجاله خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكِيّ، مرّ في الرابع من بدء الوحي. والثاني: همّام بن يَحْيى بن دينار، وقد مرَّ في الرابع والثمانين من كتاب الوضوء. ومرَّ قَتادة بن دِعامة في السادس من كتاب الإِيمان. ومرّت عائشة في الثاني من بَدْء الوحي. والرابع من السند: مُعاذة بنت عبد الله العَدَوِيّة أُم الصَّهْباء، امرأة صِلَة بن أُشَيْم. روت عن: عائشة، وعلي، وهشام بن عامر، وأم عمرو بنت عبد الله بن الزُّبير. روى عنها: أبو قِلابة، وقَتادة، وعاصم الأحول، وسليمان بن عبد الله البَصْري، وغيرهم. قال ابن مَعين: ثقة حجة. وذكرها ابن حِبّان، وقال: كانت من العابِدات، يقال: إنها لم تتوسَّد فراشًا بعد أبي الصَّهْباء حتى ماتت. وقال أبو بِشْر البَصْرِي: أتيت مُعاذة، فقالت: إني اشتكيت بطني، فوُصِفَ لي نبيذُ الجر، فأتيتها منه بقدحٍ، فوضَعَتْهُ، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أن عائشة حدّثتني أن النبي ﷺ نَهَى عن نبيذِ الجرِّ فاكفنيه بما شئت. قال: فانْكَفَأ القدحُ، وأُهْرِيق ما فيه، وأذهب الله تعالى ما كان بها.

стр. 2637

قال الذهبي: بلغني أنها كانت تُحيي الليل، وتقول: عجبتُ لعينٍ تنام وقد علمت طولَ الرُّقاد في القبور، توفيت سنة ثلاث وثمانين. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع واحد، وفيه تصريح بسماع قَتادة من مُعاذة، وهو رَدٌّ على ما ذكره شعبة وأحمد من أنه لم يَسْمَع منها، ورواته كلُّهم بصريون. وهذا الحديث أخرجه الستة: أخرجه البخاري هنا، ومسلم عن أبي الربيع الزّهراني وغيره، وأبو داود عن موسى بن إسماعيل وغيره. والتِّرمذي عن قُتيبة، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة كلُّهم في الصلاة، والنَّسائي في الصوم عن علي بن مُسْهِر. باب: النوم مع الحائض وهي في ثيابها

стр. 2638

الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِى الْخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَنُفِسْتِ؟ ". قُلْتُ: نَعَمْ، فَدَعَانِي فَأَدْخَلَنِي مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ. قَالَتْ: وَحَدَّثَتْنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ. قوله: "فأدخلني معه في الخميلة"، الخميلة الأخيرة هي الخميلة الأولى، لأن المعرفةْ إذا أُعيدت بلفظِها كانت عينَ الأولى، وقد مرّ الكلام على هذا الحديث عند ذكره في باب من سمّى النِّفاس حيضًا. وقوله: "قالت: وحدثتني" أي: قالت زينب مما هو داخل تحت الإِسناد الأول، و"حدثتني" عطفٌ على قالت أُم سلمة الأول، أو عطف جملة على جملة، كما في: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، أي: ولِيَسْكُنْ زوجُك. وقولها: "كان يقبِّلها وهو صائم" روي أيضًا عن عائشة في كتاب الصوم: "كان ﷺ يُقَبِّل ويبُاشر وهو صائم، وكانَ أمَلْكَكُم لإِرْبِه". والتقبيل أخص من المباشرة، فهو من ذكر العامِّ بعد الخاص. وقد اختُلِف في القبلة والمباشرة للصائم على أقوال: فكرهها قومٌ مطلقًا، وهو مشهور مذهب مالك، إن علمتَ السلامة من المذي أو المني أو الإنعاظ الكامل عند ابن القاسم، وإن لم تعلم السلامة بأن

стр. 2639

عُلِم عدمُها أو ظُنَّ حَرُمَتِ المقدماتُ كلها، وان شكَّ في السلامة وعدمها فيه خلاف، هَلْ تحرُمُ أو تُكْرَه. وروى ابن أبي شَيْبة بإسناد صحيح عن ابن عُمر أنه كان يكرهُ القُبلة والمباشرة. ونقَل ابنُ المنذرِ عن قومٍ تحريمَها، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ ... الآية [البقرة: ١٨٧]، فمنع من المباشرة في هذه الآية نهارًا. وأجيب عن ذلك بأن النبي ﷺ هو المبيِّن عن الله تعالُّ، وقد أباح المباشرة نهارًا، فدلَّ على أن المباشرة في الآية: المراد بها الجِماع لا ما دونَه من قُبلة ونحوها. وأفتى عبد الله بن شُبْرُمة أحد فقهاء الكوفة بإفطار من قبَّل وهو صائم، ونقله الطحاوي عن قومٍ لم يسمِّهم. وأباح القُبلة: قومٌ مطلقًا، وهُو المنقول صحيحا عن أبي هُريرة، وبه قال: سعيد، وسعد بن أبي وقاص، وطائفة، بل بالغ بعض أهل الظّاهر فاستحبَّها. وفرق آخرون بين الشابِّ والشيخ، فكرهها للشاب، وأباحها للشيخ، وهو مشهور عن ابن عبّاس، أخرجه عنه مالك، وسعيد بن منصور، وجاء فيه حديثان فيهما ضعف عند أبي داود، عن أبي هريرة، وأحمد عن عبد الله بن عُمر. وفرَّق آخرون بين من يملِكُ نفسَه ومن لا يملك كما أشارت إليه عائشة، وكما مرّ في مباشرة الحائض. وقال التِّرمِذي: ورأى بعضُ أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبِّل، وإلا فلا، ليَسْلَمَ له صومُه. وهو قول سفيان، والشافعي. فالنظر في ذلك لمن لا يتأثّر بالمباشرة والتقبيل، لا للتفرقة بين الشاب والشيخ؛ لأن عائشة كانت شابّة. ويدُلُّ على ذلك ما رواه مسلم عن عمر بن أبي سَلَمة، وهو ربيبُ النبي

стр. 2640

- ﷺ ، أنه سأله ﵊: أيقبِّل الصائم؟ فقال: سل هذه لأُم سلمة، فأخبرته أنه ﵊ يصنعُ ذلك. فقال: يا رسول الله، قد غُفِر لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخّر. فقال: "أما والله إني لأتقاكُم لله، وأخشاكُم له". وعمر حينئذٍ كان شابًّا، ولعله كان أول ما بلغ. وفيه دِلالة على أنه ليس من الخصائص. وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار، أنه قبَّل امرأته وهو صائم، فأمر امرأته أن تسأل النبي ﵊ عن ذلك، فسألته، فقال: "إني أفعلُ ذلك". فقال زوجها: يرخِّص الله لنبيه ما يشاء. فرجَعَتْ، فقال: "أنا أعلمُكُم بحدود الله وأتقاكم". وقال النووي: القُبلة في الصوم ليست محرمَّة على من لم تحرِّك شهوته، لكن الأولى له تركها، وأما مَن حرَّكَت شهوتَه فهي حرام في حقه على الأصح. وقيل: مكروهة. وروى ابن وَهْب عن مالك إباحتها في النفل دون الفرض، وهذا الذي قاله قريب من التفصيل المار عن المالكية. وقد قال المازَرِيّ منهم: ينبغي أن يُعتبر حال المقبِّل، فإن أثارت منه القُبلة الإِنزال حَرُمت عليه، لأن الإِنزال يُمنع منه الصائم، فكذلك ما أدّى إليه، وإن كان عنها المذي، فمن رأى القضاء منه قال: يحرم في حقه، ومن رأى أَنْ لا قضاءَ، قال: يكره. وإن لم تؤدِّ القبلة إلى شيء فلا معنى للمنع منها إلا على القول بسدِّ الذريعة. قال: ومن بديعِ ما رُوي في ذلك قوله ﵊ للسائل عنها فيما أخرجه أبو داود والنسائي عن عمر، وقال النسائي: إنه منكر، وصححه ابن خُزيمة وابن حِبّان والحاكم: "أرأيتَ لو تمَضْمَضْتَ؟ "، فأشار إلى فقهٍ بديعٍ، وذلك أن المضمضة لا تنقُضُ الصوم، وهي أول الشُّرب ومفتاحه، كما أن القُبلة من دواعي الجِماع ومفتاحه، والشرب يُفسد الصوم كما يفسده الجِماع، فكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا تُفْسِد الصوم، فكذلك أوائل الجِماع.

стр. 2641

وألزم ابن حَزْم أهل القياس أن يقيسوا الصيامَ على الحجِّ في منع المباشرة ومقدمات الجِماع، للاتِّفاق على إبطالهما بالجِماع. واختَلَفت العلماء فيما إذا باشر أو قبَّل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء. قال النووي: لا خلاف أنها، أي: القبلة، لا تُبْطِل الصوم، إلا إن أنزل بها. وقال مالك بوجوب الكفارة عند الإِنزال مطلقًا من قُبلة كان أو ملامسة أو فكر. وقال ابن القاسم: تجب إلا إذا حَصَل عن نظر أو فكر غير مُدامَيْن. وقال أَشْهَب: لا تجب إلا مع المداومة مطلقًا. وقال اللَّخْمي: إذا كان حصولُه مخالفًا للعادة لا تجِبُ، وإذا حصل المذي، فإن كان عن قُبلة ومباشرة قضى، وقيل: لا قضاء فيه، وإن كان عن نظرٍ وفِكْرٍ غير مُدامَيْن بدون قصد، لا قضاء فيه. وفي المدامَيْن قولان، والمشهور عدم القضاء. وإن حصل الإنعاظ الكامل ففيه ثلاثة أقوال، قال أشهب: لا قضاء فيه مطلقًا. وقيل: فيه القضاء مطلقًا. وفصَّل ابن القاسم بين ما إذا كان عن قبلة ومباشرة ففيه القضاء، وإلا فلا قضاء. واحتجَّ القائل بالكفارة بالإِنزال بأنه أقصى ما يُطلب بالجماع من الالتذاذ في كل ذلك. وتعقَّبه الآخرون بأن الأحكام عُلِّقت بالجِماع، ولو لم يكن إنزال، فافترقا. قلت: هذا التعقُّب غير ظاهر؛ لأن الجِماعَ المعلَّقةُ به الأحكام، غايتُه وثمرتُه الإِنزال، فتتعلَّق به كما تعلقت بسببه. وروَى عبد الرزاق عن حُذيفة بإسناد ضعيف: "من تأمَّلَ خَلْقَ امرأتهِ وهو صائمٌ، بطُلَ صومُه". وقال ابن قُدامة: من قبَّل فأنزل أفطر بلا خلاف، وفيه نظر؛ لأن ابن حَزْم قد حكى أنه لا يُفطر ولو أنزل. وقوّى ذلك وذهب إليه. وما رواه النّسائي عن عائشة أن الأسود سألها: أيُباشِر الصائم؟ قالت: لا. قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أمْلَكَكُم لإِربهِ بما يدُلُّ بظاهره على أنها اعتقدت خصوصية النبي ﷺ بذلك، يُجمع

стр. 2642

بينه ويبن ما ثبت عنها صريحًا من إباحته، كقولها فيما رواه البخاري: يحرُمُ عليه فرجُها. وكما رواه مالك في "الموطأ" عنها مما هو دالٌّ على أنها لا ترى تحريمها ولا كونها من الخصائص عن أبي النَّضْر، أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة، فدخل عليها زوجُها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت له عائشة: ما يمنعُكَ أن تدنُو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟! قال: أقبِّلها وأنا صائم؟! قالت: نعم. يحمل النهي الذي في حديث الأسود على كراهة التنزيه، لأنها لا تنافي الإِباحة. وقد وردت الكراهة عنها صريحًا فيما رواه يوسف القاضي عن حمّاد، قال: سألتُ عائشةَ رضي الله تعالى عنها عن المباشرة للصائم، فكرهتها. وأما ما رواه أبو داود عنها من أن النبي ﷺ كان يقبِّلها ويمصُّ لسانَها فإسناده ضعيف. ولو صحَّ، فهو محمولُ على أنه لم يبتلع ريقه الذي خالطه ريقها. وقوله: "وكنت أغتسِلُ" معطوف على جملة الحديث الذي قبله، أي: وحدثتني أن النبي ﷺ كان يقبِّلها وهو صائم، وبقولها: كنت أغتسل. وقوله: "أنا والنبيُّ" برفع النبي عطفًا على الضمير المستتر في أغتسل، أو بالنصب مفعول معه، أي: أغتسِلُ معه. وقوله: "من إناءٍ واحدٍ من الجنابة" من في قوله: "من إناء"، و"من الجنابة" يتعلقان بقوله: "أغتسِل"، ولا يمتنِعُ هذا؛ لأن الابتداء في الأول من عَيْن، وهو الإناء، وفي الثاني من معنى وهو الجنابة، وإنما الممتِنعُ إذا كان الابتداء من شيئين هما من جنسٍ واحد، كزمانين، نحو: رأيته من شهر من سنة، أو مكانين، نحو خرجت من البصرة من الكوفة. وهذه القطعة من هذا الحديث مرَّ الكلام عليها مستوفى عند ذكر حديث عائشة في باب غُسل الرجل مع امرأته من كتاب الغُسل. رجاله ستة: الأول: سَعْد بن حَفْص الطَّلْحي أبو محمد المعروف بالضَّخْم، وقد مرّ في

стр. 2643

الرابع والأربعين من كتاب الوضوء. ومرّ شَيْبان بن عبد الرحمن النَّحْوي ويحيى بن أبي كَثير في الثالث والخمسين من كتاب العلم. ومرّ أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عَوْف في الرابع مغ بدء الوحي. ومرّت زينب بنت أبي سَلَمة في السبعين من كتاب العلم. ومرّت أُم سَلَمة في السادس والخمسين منه أيضًا. وتقدم ذكر المواضع التي أُخرج فيها في الخامس من هذا الكتاب. باب: من اتخذ ثياب الحيض سوى ثياب الطهر وفي رواية الكُشميهني: "من أعدَّ" بالعين والدال المهملتين.

стр. 2644

الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُضْطَجِعَةً فِي خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي فَقَالَ: "أَنُفِسْتِ؟ ". فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ. قوله: "فأخذتُ ثيابَ حِيْضَتي" بكسر الحاء، ولا معارضة بين هذا وبين قول عائشة في الحديث السابق في باب: هل تصلي المرأة في ثوب حاضَتْ فيه؟: "ما كان لإِحدانا إلا ثوب واحد"؛ لأنه باعتبار حالتين، حالة الإِقتار وحالة السَّعَة كما مرّ، أو المراد بالثياب هنا: خِرَق الحيضة وحفاظُها، فكنَّت بالثياب تجمُّلًا وتأدُّبًا. وقد مرّت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب من سمّى النِّفاس حيضًا. رجاله ستة: الأول: مُعاذ بن فَضالة، وقد مرّ في التاسع عشر من كتاب الوضوء. والثاني: هِشام الدَّسْتُوائي وقد مرّ في الثاني والثلاثين من كتاب الإيمان. ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من كتاب العلم. ومرَّ أبو سَلَمة بن عبد الرحمن في الرابع من بدء الوحي. ومرَّت زينب بنت أبي سلمة في السبعين من كتاب العلم ومرَّت أُم سَلَمة في السادس والخمسين من كتاب العلم. باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى وفي رواية ابن عساكر: "واعتزالِهِنَّ"، وجمع الضمير في "يعتزلن" مع رجوعه إلى مفرد بالنظر إلى أن الحائض اسم جنس، كما في قوله تعالى: ﴿بهِ

стр. 2645

سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]، أو فيه حذف، والتقدير: ويعْتَزِلْنَ الحيضُ كما ذُكر في الحديث. وقوله: "المُصَلّى" المراد به مكان صلاة العيد، وإنما اعتزلنه تنزيهًا وصِيانة واحترازًا عن مخالطة الرِّجال من غير حاجة ولا صلاة، ويأتي في الحديث تمامه.

стр. 2646

الحديث التاسع والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِي الْعِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِى خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فِي سِتٍّ. قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِي الْكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي النَّبِيَّ ﷺ : أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لاَ تَخْرُجَ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ". فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: بِأَبِي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "يَخْرُجُ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ، أَوِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى". قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ الْحُيَّضُ؟ فَقَالَتْ أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا. قوله: "كنا نمنعُ عواتِقَنا أن يَخْرُجْنَ"، العواتق جمع عاتِق، وهي مَنْ بلغت الحلم أو قاربت أو استحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عُتِقَت عن الامتهان في الخروج للخدمة. وكأنهم كانوا يمنعونَ العواتِقَ من الخروج لما حدث بعد العصر الأول من الفساد، ولم تلاحظ الصحابة ذلك، بل رأت استمرار الحكم على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ . وقوله: "فقدِمت امرأة"، لم تُسَمَّ. وقوله: "فنزلت قصَر بني خَلَف" هو قصر بالبصرة، منسوب إلى طلحة بن

стр. 2647

عبد الله بن خَقف الخُزاعي المعروف بطَلْحةِ الطَّلْحات. وقد وَلِيَ امرة سِجِسْتان. وقوله: "فحدَّثت عن أُختها" قيل: هي أُم عطية، وقيل: غيرها. وعلى أنها أُم عطية، فزوجُها لم يُسمَّ أيضًا. وقوله: "ثِنْتَى عَشْرة" زاد الأصيلي: غزوة. وقوله: "وكانت أُختي" فيه حذف، تقديره: قالت المرأة وكانت أختي. وقوله: "معه" أي: مع زوجها، أو مع النبي ﵊. وقوله: "في ستٍّ" أي: ست غَزوات، وفي الطبراني أنها غَزَت معه سبعًا. وقوله: "قالت"، أي: الأخت لا المرأة. وقوله: "كُنا" أي: بلفظ الجمع، لبيان فائدة حضور النساء الغزوات على سبيل العموم. وقوله: "نُداوي الكَلْمى" بفتح الكاف وسكون اللام، جمع كَلِيم، أي: جريح. وقوله: "أَعَلى إحدانا بأسٌ" أي: حَرَج وإثم. وقوله: "إذا لم يكن لها جِلْباب" هو بكسر الجيم وسكون اللام وبموحدتين بينهما ألف، قيل: هو خِمار واسع كالمِلْحَفة تغطي به المرأةُ رأسَها وظهرها وقيل: المِقْنَعَة، أو الخِمار، أو ثوب واسع يكون دون الرِّداء، أو الإزار، أو المِلْحَفَة، أو المُلاءة، أو القميص. وقوله: "أن لا تخرُجَ" أن مصدرية، أي: في عدم خروجها إلى المصلّى للعيد. وقوله: "لتُلْبِسْها صاحبتُها" بالجزم ورفع صاحبتها على الفاعلية، وفي رواية: "فتلبِسُها" بالرفع وبالفاء بدل اللام. وقوله: "من جِلْبابها" قيل: المراد به الجنس، أي: تُعيرها من ثيابها ما لا

стр. 2648

تحتاج المُعِيَرةُ إليه، ويؤيده رواية ابن خُزيمة: "من جلابيبها"، وللترمذي: "فلْتُعِرْها أختُها من جلابيبها" والمراد بالأخت الصاحبة. ويُحتمل أن يكون المراد تَشْرَكُها معها في ثوبها، ويؤيِّده رواية أبي داود: "تُلْبِسُها صاحبتُها طائفةً من ثوبِها" يعني: إذا كان واسعًا. ويؤخذ منه: جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد عند التستُّر. وقيل: إنه ذُكر على سبيل المبالغة، أي: يخرُجْنَ على كلِّ حال، ولو اثنتين في جلباب. وقوله: "ولْتشهَدِ الخيرَ" أي: ولتحضُرْ مجالسَ الخير، كسماع الحديث والعلم وعيادة المريض ونحو ذلك. وقوله: "ودعوةَ المسلمين" كالاجتماع لصلاة الاستسقاء، وفي رواية الكُشْمِيهني: "المؤمنين"، وهي موافِقة لرواية أُم عطية. وقوله: "قالت: بأبي" أي: فديتُه بأبي، أو هو مُفْدَى بأبي، وحُذِفَ المتعلَّق تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وفي الطبراني: "بأبي هو وأمي". وقولها: "بأبي" هو بهمزة وموحدة مكسورة ثم مثناة تحتية ساكنة، ولأبي ذرٍّ: "بيَبي" بقلب الهمزة ياء، وللأصيلي "بأيا" بفتح الموحدة وإبدال ياء المتكلم ألفًا، وفي رواية: "بَيبي" بقلب الهمزة ياء وفتح الموحدة. وقوله: "وكانت لا تذكُرُه" أي: كانت أُم عطية لا تذكر النبي ﷺ . وقوله: "تخرُجُ العواتِقُ" هو خبر متضمِّنٌ للأمر؛ لأن إخبار الشارع عن الحكم متضمِّن للطلب الشرعي. وقوله: "وذوات الخُدور" أي: بالعطف مع الجمع صفة للعواتق، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهني والأصيلي: "ذات الخدور" من غير عطف وبإفراد "ذات". و"الخُدور" بضم الخاء والدال المهملة جمع خِدْر -بكسر الخاء وسكون الدال، وهو ستر يكون في ناحية البيت، تقعد البِكْر وراءه، أو هو البيت نفسه.

стр. 2649

وقوله: "أو العواتِق ذوات الخُدور والحُيَّض" على الشك من الراوي، هل هو بواو العطف، أم لا. و"الحُيَّض" بضم الحاء وتشديد الياء، جمع حائض، معطوف على العواتِق، وفي رواية التِّرمذي: "تخرُجُ الأبكار والعواتِقُ وذواتُ الخدورِ"، وبين العاتِق والبكر عموم وخُصوص وجهي. وقوله: "ولتشْهَدْنَ الخير" في رواية ابن عساكر: "ويشَهْدنَ" وهو معطوف على: "تخرج" المتضمن للأمر كما مرّ، أي: لتخرج العواتق وليشهدن. وقوله: "ويعتزلُن الحُيَّضُ المصَلَّى" بضم اللام، وهو خبر بمعنى الأمر، وفي رواية: "يعتزِلْنَ الحُيَّضُ المصلّى" وهو على لغة أكلوني البراغيث، أي: فيكُنَّ فيمن يدعو ويؤمِّن، رجاء بركة المشهد الكريم. وحَمَل الجمهور الأمر المذكور على الندب؛ لأن المصلّى ليس بمسجد، فيمتنع الحُيَّضُ من دُخوله، وأغرب الكِرْماني فقال: الاعتزال واجب، والخروج والشهود مندوبٌ، مع كلونه نَقَلَ عن النووي تصويبَ عدم وجوبه. وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالِهِنَّ أنَّ في وقوفِهِنَّ وهُنَّ لا يصلّين مع المصليات إظهارَ استهانة بالحال، فاستُحِبَّ لهُن اجتناب ذلك. وقوله: "قالت حفصة: فقلت لها" القائلة المرأة، والمَقُول لها أُم عطية، ويُحتمل أن تكون القائلة حفصة، والمَقول لها المرأة، وهي أخت أُم عطية، والأول أرجح. وقوله: "آلحُيَّضُ؟ " بهمزة ممدودة على الاستفهام التعجُّبي من إخبارها بشهود الحيض. وقوله: "فقالت: أليس تشهد" واسم ليس ضمير الشأن، وللكُشْمِيهني: "أليست" بتاء التأنيث، وللأصيلي: "أليس يشهَدْنَ" بنون الجمع، أي: الحُيَّضُ. وقوله: "عرفة وكذا وكذا" أي: نحو المُزْدَلفة ومِنى وصلاة الاستسقاء.

стр. 2650

وفي الحديث استحباب خروج النساء إلى شهود العيدين، سواء كن شوابَّ أم لا، وذوات هيئات أم لا، وقد اختلف فيه السلف، فنقل عياض وجوبه عن أبي بكر وعلي وابن عمر. قال في "الفتح": والذي رواه ابن أبي شَيْبة عن أبي بكر وعلي أنهما قالا: "حقَّ على كلِّ ذاتِ نطاقٍ الخروجُ إلى العيدين" ولفظ: "حقَّ" يحتمِلُ الوجوب وتأكُّد الاستحباب. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عُمر أيضًا أنه كان يُخْرِج من استطاع من أهله إلى العيدين، وهذا ليس صريحًا في الوجوب أيضًا. وقد رُوِيَ عن ابن عمر المنع، فيُحْتَمل أن يُحْمَلَ على حالين، ومنهم من حمله على الندب. وحاصل مشهور مذهب مالك أن المتجالة التي لا أرب للرجال فيها يُندب لها أن تخرج إلى الفَرْضِ والعيد والاستسقاء. والتي لم ينقطِعْ أَرَبُ الرِّجال منها بالكلية تخرج للمسجد. ولا تكثر التردُّد. وأما الشابّة، فإن كانت بارعة في الجمال لم تخرُج أصلًا، وإن كانت غير بارعة يجوز خروجُها للفَرْضِ وجنازة أهلها وقرابتها، مع أنه خِلاف الأولى، ويُمنع خروجُها لمجالس العلم والوعظ والذِّكر وإن بَعُدَت وكانت منعزِلة عن الرجال. وقيل: يكره في هذه الحالة كراهةً شديدة. وشَرَطَ العلماء في خروجها أن تكون بليلٍ، وعكس بعضهم، وقال: بل يكون نهارًا. ويمكن اختلاف ذلك باختلاف الزمان. وأن يَكُنَّ غير متزيِّنات ولا متطيِّبات ولا مزاحمات للرِّجال. وأن تخرُجَ في خشِنِ ثيابِها. وأن لا تتحلى بحُلِيٍّ يظهر أثره للرجال بنظر أو صوت، وإلا فلا بأس به. وأن لا يَبْقى في الطريق ما تخشى مفسدتُه. ولا يخرُجنَ في الليالي المقصودة بالخروج. ولا يُقضى على زوجها بالخروج ولو شرطته في أصل العقد، ولكن يُندب له الوفاء به. بِخلاف المتجالّة، فإنه يُقضى لها إذا شرطته. وقيل: لا يُقضى لها أيضًا. ومذهب الشافعية قريب من هذا.

стр. 2651

قال القسطلاّني: وخصَّ بعضُ أصحابنا من عموم الحديث غير ذوات الهيئات والمستحسنات، وأما هُنَّ فيُمْنَعْن، لأن المفسدة إذ ذاك كانت مأمونة بخلافها اليوم، وقد قالت عائشة في "الصحيح": لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدث النِّساء لمَنَعَهُنَّ المساجد كما مُنِعت نساء بني إسرائيل. قلت: هذا قالته عائشة رضي الله تعالى عنها بعد النبي ﷺ بزمن يسير جدًّا، وأما في هذا الزمان فلا يرخَّص لهُنَّ الخروج بتاتًا لا في فرضٍ ولا في عيد ولا غيره. وقال في "الفتح": إن بعض العلماء حمل الأمر في الحديث في خروجهن على النَّدْب، وجزم بذلك الجُرجاني من الشافعية، وابن حامِد من الحنابلة، ونصَّ الشافعي في "الأم" على استثناء ذوات الهيئات. ونصه: وأنا أَحِبُّ شهودَ العجائزِ وغيرِ ذوات الهيئات للصلاة، وأنا لشُهودِهِنَّ الأعياد أشدُّ استحبابًا. وفي رواية المُزَني بإسقاط الواو من: "غير ذوات الهيئات"، فتكلون صفة للعجائز، ويكون الحكم مقصورًا عليهن دون الشوابِّ. وقد قال النووي في "شرح المهذَّب" يكره للشابّة ومن تُشْتَهى الحضور خوف الفتنة عليهن، وبهنَّ. قال في "الفتح": والأولى أن يُخَصَّ خروجُهن بمن يُؤمن عليها وبها الفتنة، ولا يَتَرَتَّب على حضورها محظورٌ، ولا تُزاحم الرجال في الطرق ولا في المجامع. وقال العَيْني: مذهب أصحابنا ما ذكره في "البدائع": أجمعوا على أنه لا يُرَخص للشابّة في الخروج إلى العيدين والجمعة وشيء من الصلوات، لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ولأن خروجَهن سببٌ للفِتنة. وأما العجائز فيُرَخَّص لهُنَّ في الخروج للعيدين، ولا خلاف أن الأفضل أن لا يخرُجْن في صلاة ما، فهذا خرجْن يُصلّين صلاة العيد. في رواية الحسن عن أبي حنيفة، وفي رواية أبي يوسُف عنه: لا يصلّين، بل يكثِّرْنَ سواد المسلمين، وينتَفِعْنَ بدعائهم.

стр. 2652

وفي التِّرمذي: روُي عن ابن المبارك: أكره اليوم خروجَهن في العيدين، فإن أبت المرأة إلا أن تخرُجَ فلْتخْرجُ في أطمارِها بغير زينةٍ، فإن أبت ذلك فللزَّوْج أن يمنَعَها. ويُروى عن الثوري أنه كره اليومَ خروجَهن. قال العيني: الفتوى اليوم على المنع مطلقًا، ولاسيما نساء مصر. وقد ادّعى بعضُهم نسخ هذا الحديث، قال الطحاوي: أمرُهُ ﵊ بخروج الحُيَّض وذواتِ الخدور إلى العيد، يُحتمل أن يكون في أول الإِسلام، والمسلمون قليَلٌ، فأُريد التكثيرُ بحضورِهِنَّ، إرهابًا للعدوِّ، وأما اليوم فلا يُحتاج إلى ذلك. وتُعُقِّب بأن النسخ لا يثبُت بالاحتمال. وبأن حديث ابن عباس بأنه قد شهِدَه وهو صغير، وكان ذلك بعد فح مكة، يرُدُّ كونَه في أول الإِسلام. وبأنه صرَّح في حديث أُم عطية بعلَّة الحكم، وهو شهودُهُنَّ الخير ودعوةَ المسلمين ورجاء بركة ذلك اليوم وطُهرته. وبأن أُم عطية أفتت به بعد النبي ﷺ بمدة كما في هذا الحديث، ولم يثبُت عن أحدٍ من الصحابة مخالفتُها في ذلك. وما مرّ عن عائشة لا يدُلُّ على النسخ، بل يدُلُّ صريحًا على عدمه، ولكنها هي قالت ما قالت لما رأت من الفجور الموجب لتغير الأحكام كما قال عمر بن عبد العزيز: تحدثُ للنّاسِ أقضيةٌ، بقَدْرِ ما أحدثوا من الفجور. وقوله: "إرهابًا للعدو" فيه نظر، فإن الاستنصار بالنساء والتكثُّر بهنَّ في الحرب دالٌّ على الضعف. واستدل بعضُهم بالحديث على وجوب صلاة العيد، وفيه نظرٌ؛ لأن من جملة من أُمر بذلك مَن ليس بمكلِّف، فظهر أنَّ القصدَ منه إظهار شعائر الإِسلام بالمبالغة في الاجتماع، ولتَعُمَّ الجميع البركة. وفيه من الفوائد غير ما مرَّ: جواز مداواة المرأة للرجال الأجانب إذا كانت

стр. 2653

بإحضار الدواء مثلًا، والمعالجة بغير مباشرة، إلا إن احتيج إليها عند أَمْن الفتنة. وفيه أن من شأن العواتِق والمُخْدَرات عدم البُروز إلا فيما أُذِنَ لهُنَّ فيه. وفيه استحباب إعداد الجِلْباب للمرأة، ومشروعية استعارة الثياب إلى الخروج للطاعات. وفيه قَبول خبر المرأة. وفيه أن في قولها: "كُنّا نداوي" جواز نقل الأعمال التي كانت في زمنه ﵊ والاعتماد عليها، وإن كان ﵊ لم يُخْبِر بشيء من ذلك. وفيه جواز النقل عمن لا يُعرف اسمه من الصحابة خاصة، وغيرهم إذا بُيِّن مسكنه ودُلَّ عليه. وفيه جواز السؤال بعد رواية العدل من غيره تقويةً لذلك. رجاله ثمانية: الأول: محمد بن سلاّم البيْكَنْدي، وقد مرّ في الثالث عشر من كتاب الإيمان. ومرّ عبد الوهاب بن عبد المجيد الثَّقَفِى وأيوب السَّخْتِياني في التاسع منه أيضًا. ومرّت حَفْصَة بنتُ سِيْرين وأُم عطيّة الأنصارية في الثاني والثلاثين من كتاب العلم. وأما امرأة في قوله: "فقدمت" فلم يُعلم اسمها، وكذا زوج أُختها لم يُعلم اسم ذلك الزوج، وقوله: "أُختها"، قيل: إنها أُم عَطِيّة، وقيل: غيرها. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والقول والسؤال والسماع، ورواته ما بينَ بُخاري وبَصْري ومدني. أخرجه البخاريُّ هنا، وفي العيدين عن أبي مَعْمر وغيره، ومُسلم في

стр. 2654

العيدين عن عمرو الناقد، وأبو داود في الصلاة عن النَّفَيْلِيّ، والتِّرمذي أيضًا في الصلاة عن أحمد بن مَنيع، والنَّسائي فيها أيضًا عن أبي بكر بن علي، وابن ماجه فيها أيضًا عن محمد بن الصَّبّاح. باب إذا حاضتْ في شهر ثلاث حِيض وما يُصَدَّقُ النساء في الحيض والحمل فيما يُمكن من الحيض لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ قوله: "حِيَض" بكسر الحاء وفتح الياء جمع حَيْضة. وقوله: "وما يُصَدَّق النساء" بضم أوله وتشديد الدال المفتوحة. وقوله: "في الحيض والحمل" أي: مدة الحيض ومدة الحمل، ولابن عساكر: "والحَبَل" بالباء الموحدة المفتوحة. وقوله: "وفيما يُمْكِنُ من الحيض" أي: من تكراره في الشهر والشهرين، والجار والمجرور متعلقان بيصدق، فما لا يُمكن لا يُصَدَّقُ فيه. وقوله: "لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ " [البقرة: ٢٢٨] يشير إلى تفسير الآية المذكورة. فقد روى الطبري بإسناد صحيح عن الزهري قال: بَلَغنا أن المراد بما خلق الله في أرحامهن الحَيْض أو العمل، فلا يحلُّ لهُنَّ أن يكتمن ذلك لتنقضي العدة، ولا يملِكُ الزّوجُ الرَّجْعَةَ إذا كانت له. وروي ذلك عن ابن عمر أيضًا، وعن مجاهد: لا تقول: إني حائض. وهي ليست بحائض. ولا: لست بحائض، وهي حائض. وكذا في الحَبَل. ومطابقة الآية للترجمة من جهة أن الآية دالّة على أنها يجبُ عليها الإظهار، فلو لم تصدُق فيه لم تكُن له فائدة. ويُذْكر عَنْ عليٍّ وشُرَيْحٍ إنْ جاءتْ بِبَيِّنَة منْ بِطانةِ أهلِهَا ممنْ يُرضَى دينُه

стр. 2655

أنَّها حاضتْ في شَهرٍ ثَلاثًا صُدِّقَتْ. قوله: "إن جاءت" في رواية كريمة: "إنِ امرأة جاءت" بكسر النون. وقوله: "بِطانة" بكسر الموحدة، أي: خواصِّها. وقوله: "ممن يُرضى دينُه" أي: بأن يكون عدلًا. وقوله: "أنها حاضت في شهرٍ" ولابن عساكر: "في كل شهرٍ"، قال إسماعيل القاضي: ليس المراد أن يشهَدَ النساء أن ذلك وقع، وإنما هو فيما نُرى أن يَشْهَدْنَ أن هذا يكون، وقد كان في نسائهن. قال في "الفتح": وسياق اللفظ الآتي قريبًا للدارِمي يدفَعُ هذا التأويل، فإنه ظاهرٌ في أن المراد أن يَشْهَدْنَ بأن ذلك وقع منها، وإنما أراد إسماعيل ردَّ هذه القصة إلى موافقة مذهبه. قلت مذهبهُ مذهب مالك، والمرأة عندهم تصدُق في انقضاء عدة القَرْءِ والوضع بلا يمين إن ادَّعت ما هو ممكن غير نادِر، وإن ادَّعت ما هو ممكن بالنُّدور كَدعواها أنها حاضت ثلاث حيض في شهر، سُئِل النساء: هل هذا يقع للنساء؟ فإن شَهِدْن أنه يقع لهن صدقت. وتصوير حيضها في شهر ثلاثًا على مشهور مذهب مالك من أن أقلَّ الطُّهر نصفُ شهر، هو أن يطلِّقها أول ليلة من الشهر وهي طاهر، فتحيضُ في تلك الليلة، وتطْهُرُ قبلَ الفجر؛ لأنَّ الطُّهر الذي طلَّقها فيه يُعَدُّ من أقرائها، وإن لحظة، والحيضُ تكفي فيه قَطْرة واحدة، ثم تحيض الليلة السادسة عشرة، وتطُهرُ فيها، ثم تستمرُّ طاهرة، ثم يأتيها الحيض عقِبَ غروب آخر يوم من الشهر، فتنقضي عُدَّتها. وإن ادَّعت ما لا يُمكن نادرًا لم تُصَدَّق. وطريق علم الشاهد بذلك، مع أنه أمر باطني، القرائن والعَلامات، بل ذلك مما يشاهده النساء، فهو ظاهر بالنسبة لهن.

стр. 2656

وهذا الأثر وصله الدارِميّ برجال ثقات، وإنما لم يَجْزِم البخاري به للتردُّد في سماع الشعبي من علي، والأثر فيه سماعه منه، ولم يقل: إنه سمعه من شُرَيْح فيكون موصولًا. ولفظ الدارمي: أخبرنا يَعْلى بن عُبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر -هو الشعبي- قال: جاءت امرأة إلى علي تُخاصم زوجها طلَّقها، وقالت: حِضْتُ في شهر ثلاثَ حِيَضٍ. فقال علي لشُرَيْح: اقضِ بينهما. فقال: يا أمير المؤمنين: وأنت ها هنا؟! قال: اقض بينهما. قال: ان جاءت من بِطانة أهلها ممَّن يُرضى دينه وأمانته، تزعُم أنها حاضت ثلاث حِيض، تطْهُرُ عند كل قَرْء وتُصَلّى، جاز لها، وإلا فلا. قال علي: قالون. وقالون بلسان الروم: أحسنت. وعلي: المراد به ابن أبي طالب ﵁، وقد مرَّ في السابع والأربعين من كتاب العلم. وأما شُرَيْح فه وابن الحارث بن قَيْس بن الجَهْم بن مُعاوية بن عامر بن الرائش بن الحارث بن معاوية بن ثَوْر بن مرتِّع -بتشديد المثناة من فوق وكسرها- الكِنْدي، وثور بن مرتِّع هو كِنْدة، وفي نسبه اختلاف كثير، وهذا الطريق أصحُّها، ويُكنى بأبي أمية، مختَلَفٌ في صحبته. قال ابن منده: "ولاه عُمر القضاء وله أربعون سنة، وكان في زمن النبي ﷺ ، ولم يره ولم يسمع منه. قال في "الإصابة": هذا هو المشهور، لكن روى ابن السَّكَن وغير واحد من طريق علي بن عبد الله بن مُعاوية بن مَيْسرة بن شُريح القاضي، حدثنا أبي، عن أبيه معاوية، عن أبيه مَيْسرة، عن أبيه شُرَيْح، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله: ان لي أهل بيتٍ ذوي عددٍ باليمن. قال: "جىء بهم"، فجاء بهم والنبيُّ قد قُبض. وأخرج أبو نُعيم بهذا الإسناد إلى شُرَيْح قال: وَليت القضاء لعُمر وعُثمان وعلي فمَنْ بعدهَمْ.

стр. 2657

أقامه قاضيًا خمسًا وسبعين سنة، لم يتعطَّل فيها إلا ثلاث سنين، امتنع فها من القضاء في فتنة ابن الزُّبير، واستعفى الحجاج بن يوسف من القضاء فأعفاه، ولم يقضِ بين اثنين حتى مات، وكان له يوم استعفى مئة وعشرون سنة، وعاش بعد ذلك سنة. يقال: إنه تعلم العلم من معاذ بن جَبَل حين كان باليمن، كان أعلم الناس بالقضاء، ذا فِطْنة وذكاء ومعرفة وعَقْلٍ وإصابة. قال أبو الشَّعثاء: أتانا زياد بشُرَيْح، فقضى فينا بالبصرة سنة، لم يقضِ فينا قبله مثله ولا بعده. وقال العِجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال ابن مَعين: شُرَيح بن هانىء وشُرَيْح بن أرطاة، وشريح القاضِ أقدم منهما، وهو ثقة. قال ابن عبد البر: كان شاعرًا محسِنًا، وهو أحد السادات الطُّلْسِ، وهم أربعة: عبد الله بن الزُّبير، وقيس ابن سَعْد بن عُبادة، والأَحْنَف بن قَيس الذي يُضرب به المثل، والقاضي شُرَيْح المذكور، والأطلس الذي لا شعر في وجهه. كان ﵁ مزّاحًا، دخل عليه عديُّ بن أرطاة فقال له: أين أنت أصلحك الله؟ فقال بينك وبيني الحائط. قال. استمع مني. قال: قل أسمع. قال: إني رجلٌ من أهل الشام. قال: مكان سحيقٌ. قال: تزوجتُ عندَكم، قال: بالرَّفاء والبنين. قال: أردتُ أن أُرَحِّلَها. قال. الرجل أحقُّ بأهله. قال: وشرطتُ لها دارَها. قال: الشرط أملك. قال: فاحكمُ الآن بيننا. قال قد فعلت. قال: فعلى مَن حكمت؟ قال: على ابن أمِّك. قال: بشهادة مَن؟ قال: بشهادة ابن أُخت خالتك. وروي أن علي بن أبي طالب ﵁ دخل مع خَصْم له ذِميٍّ إلى القاضي شُرَيْح، فقام له فقال: هذا أول جَوْرك، ثم أسند ظهره إلى الجدار، وقال: إما إنَّ خَصْمي لو كان مسلمًا لجلستُ بجَنْبه. وروي أن عليًّا رضي الله تعالى عنه قال: اجمعوا إليَّ القُرَّاء. فاجتمعوا في رحبة المسجد، فقال: إني

стр. 2658

أوشِك أن أُفارقَكم، فجعل يسألهم: ما تقولون في كذا؟ وشُريح ساكت، ثم سأله، فلما فَرَغَ منهم، قال: اذهب، فأنت من أقضى الناس، أو من أفضل العرب، وفي رواية: فأنت أقضى العرب. وتزوج شُرَيْحُ امرأة من بني تميم تُسمّى زَيْنب، فنَقَم عليها، ثم ضربها، فندم، فقال: رأيتُ رِجالًا يضِربونَ نِساءهُم ... فشُلَّتْ يمينى حينَ أضرِبُ زيْنَبَا أأضرِبُها مِن غيرِ ذَنْبٍ أتَتْ به ... فما العدلُ مِنّي ضرب مَنْ ليسَ مذنبا فزينبُ شمسٌ والنِّساء كواكِبُ ... إذ طَلَعَتْ لم تُبْقِ منهنَّ كَوْكَبا ويُروى أن زِياد بن أبيه كَتَبَ إلى معاوية: يا أمير المؤمنين: قد ضبطتُ لكَ العراقَ بشمالي، وفَرَغَتْ يميني لطاعتك، فولِّني الحجاز. فبلغ ذلك عبد الله بن عمر، وكان مقيمًا بمكة، فقال: اللَّهم اشْغَلْ عنّا يمين زِياد، فأصابه الطاعون في يمينه، فجمعَ الأطبّاء واستشارَهُم، فأشاروا عليه بقطعها، فاستَدْعَى شُرَيْحًا، وعرض عليه ما أشار به الأطباء. فقال له: لك رزقٌ معلومٌ وأجَلٌ محتومٌ، وإني أكره إن كانت لك مُدة أن تعيشَ في الدُّنيا بلا يمينٍ، وإن كان قد دَنا أجلُك أن تلقى ربَّكَ مقطوعَ اليد، فإذا سألك: لم قطعتها؟ قلت: بُغضًا في لقائك، وفِرارًا من قضائك. فمات زياد من يومه. فلام الناس شُريْحًا على منعه له من القَطْع لبُغضْهم له. قال: إنه استشارني، والمُستشار مؤتَمَنٌ، ولولا الأمانةُ في المشورة لودِدْتُ أنَّهُ قطَعَ يده يومًا، ورِجلَه يومًا، وسائرَ جَسدِه يومًا. روى عن: النبي ﷺ مرسلًا، وعن عُمر، وعلي، وابن مسْعود، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وغيرهم. وروى عنه: أبو وائل، والشَّعبي، وقَيْس بن أبي حازم، وابنا سِيرين: محمد وأنس، وابن أبي صَفِيّة، ومجاهد بن جَبْر، وإبراهيم النَّخَعي. مات سنة ثمان وسبعين زَمَنَ مُصعب بن الزُّبير.

стр. 2659

وقالَ عَطاءٌ أقْراؤها ما كانَتْ يعني: قبل الطلاق، فتعتبر عادتها قبل الطلاق، فلو ادَّعت في العُدّة ما يُخالف ما قبلها لم يُقبل. والأقراء، جمع قُرء، بضم القاف وفتحها، زمان العدة. وعطاء المراد به: ابن أبي رباح، ومرَّ في التاسع والثلاثين من كتاب العلم. وبهِ قالَ إبراهيمُ. أي: قال بما قال عطاء، ووصله عبد الرزاق، عن أبي معشر، عن إبراهيم نحوه. وروى الدارِميّ بإسناد صحيح إلى إبراهيم أيضًا أنه قال: إذا حاضَتِ المرأة في شهر أو أربعين ليلة ثلاث حِيَض، فذكر نحو أثر شُريح. وعلى هذا، فيُحتمل أن يكون الضمير في قول البخاري: "وبه". ويعود على أثر شُرَيْح، أو في النسخة تقديم وتأخير، أو لإبراهيم في المسألة قولان. وإبراهيم: المراد به إبراهيم بن يزيد النَّخَعي، وقد مرَّ في السادس والعشرين من كتاب الإيمان. وقالَ عَطاءٌ الحَيْضُ يومٌ إلى خَمْسَ عَشْرَةَ. هذا إشارة إلى أن أقلَّ الحيض عنده يوم بليلته، وأكثره خمسة عشر. وقد اختَلف العلماء في أقل الحيض وأقل الطهر، ونقل الداودي أنهم اتفقوا على أن أكثر الحيض خمسة عشر، فعند المالكية: لا حدَّ لأقلِّ الحيضِ، بل تكفي فيه قطرة واحدة، وأكثره نصف شهر. وفي أقل الطهر عندهم في باب الصلاة لا في باب العِدة أربعة أقوال: المشهور: نصف شهر. وقال ابن حبيب: عشرة أيام. وقال ابن الماجِشون: خمسة. وقال سُحْنون: ثمانية. ونظم هذا بعضُهم، فقال: الحيضُ مُنْتهاه نصفُ شهرِ ... ثمَّ الخِلافُ في أقلِّ الطُّهْر

стр. 2660

فلابنِ ماجِشون خمسةٌ تُعَدّ ... وابن حبيبٍ عشرةٌ فيما وَرَدّ سحنونُ قد ما عدّها ثمانِيَهْ ... ما زادَها في السرِّ والعلانِيهْ مَشهورُها بنصفِ شهرٍ حُدّا ... فاسْمَع لِذا وكُن به مُعْتدًا واحترزت بقولي: لا في باب العدة. عن الطهر الذي وقع فيه الطلاق، فإنه يكفي حصوله في لحظة منه كما مر، ولذا كان انقضاء العدة عندهم ممكن في شهر كما مرَّ بيانه قريبًا. وعند الشافعية القَرْء الذي هو الطهر عندهم وعندنا، أقله خمسة عشر يومًا، وأقل الحيض يوم وليلة، فلا تنقضي عدتها في أقل من اثنين وثلاثين يومًا ولحظتين، بأن تُطَلَّقَ وبقي من الطهر لحظة، وتحيض يومًا وليلة، وتطهر خمسة عشر يومًا، ثم ستة عشر كذلك. ولابد من الطعن في الحيضة الثالثة للتحقق. وعند أحمد: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا، وغالبه ست أو سبع. وأقل الطهر ثلاثة عشر يومًا كما هو عند علي وشُريح المتقدمين، ولا حد لأكثره. وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام، وما نقص عن ذلك فهو استحاضة، وأكثره عشرة أيام. وقال أبو يوسف: أقله يومان، والأكثر من اليوم الثالث. وقال أبو حنيفة: لا يجتمع أقل الطهر وأقل الحيض معًا، فأقل ما تنقضي به العدة عنده ستون يومًا. وقال صاحباه: تنقضي في تسعة وثلاثين يومًا، بناء على أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأن أقل الطهر خمسة عشر يومًا، وأن المراد بالقَرْء: الحيض. وهذا التعليق وصله الدارمي بإسناد صحيح عنه، قال: "أقصى الحيض خمس عشرة، وأدناه يوم". ووصله الدارقُطني أيضًا بلفظ: "أدنى وقتِ الحيض يوم، وأكثره خمس عشرة". وعطاء مرَّ قريبًا ذِكر محله الذي مرَّ فيه.

стр. 2661

وَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. قوله: "بعد قَرْئها" قال الكِرْماني: أي طُهْرها لا حَيْضها، بقرينة لفظ الدم. وقال العيني: المعنى أن ابن سيرين سُئل عن امرأة كان لها حيضٌ معتادٌ، ثم رأت بعد أيام عادتِها الدمَ بخمسة أيام أو أقل أو أكثر، فكيف يكون حكم هذه الزيادة؟ فقال ابن سِيرين: "هي أعلم بذلك" يعني: أن التمييز بين الدمين راجع إليها، فيكون المرئي في أيام عادتها حيضًا، وما زاد على ذلك استحاضة، فإن لم يكن لها علم بالتمييز، يكون حيضُها ما تراه إلى أكثر مدة الحيض، وما زاد عليها يكون استحاضة. والمراد بقوله: "قَرْئها" أي: حيضها المعتاد لا طهرها، كما قال الكِرْماني. وهذا الأثر وصله الدارِمي عن محمد بن عيسى عن مُعْتَمِرْ ومعتمر بن سليمان وأبوه سُليمان مرّا في التاسع والستين من كتاب العلم. والمراد بابن سِيرين محمد، وقد مرَّ في الحادي والأربعين من كتاب الإِيمان.

стр. 2662

الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ: "لاَ، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِى كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي". ومعنى الاستدراك: لا تترك الصلاة في كل الأوقات، ولكن اتركيها في مقدار العادة. ومناسبة الحديث للترجمة في قوله: "قدر الأيام التي كُنْتِ تحيضين فيها"، فوَكَلَ ذلك إلى أمانتها، وردَّه إلى عادتها، وذلك يختلِفُ باختلاف الأشخاص. وفيه دِلالة على أن فاطمة كانت مُعتادة. وقد تقدمت مباحث هذا الحديث عند ذكره في باب غُسل الدم من كتاب الوضوء. رجاله خمسة ، وفيه ذكر فاطمة بنت أبي حُبَيْش. الأول: أحمد بن أبي رجاء، واسم أبي رجاء عبد الله بن أيوب الحَنَفِي، أبو الوليد بن أبي رجاء الهَرَوي، والحَنَفِي حنفي النسب لا المذهب. روى عن: ابن عُيينة، وأبي أسامة، ويحيى القطان، وغيرهم. وروى عنه: البخاري، وأبو زُرعة، وأحمد بن حَفْص النَّيْسابوري، وأبو حاتم، وقال: صدوق.

стр. 2663

قال الحاكم: إمام عصره بِهَراة في الفقه والحديث، وطلب مع أحمد بن حَنْبل، وكتب بانتخابه عن الشيوخ. وقال النسائي: كتبت عنه بالثَّغْر، وهو ثقة لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات. مات في النصف من جُمادى الأولى سنة اثنين وثلاثين ومئة. والحَنَفي نسبه إلى حَنيفة كسَفينة، لقب أُثال بن لُجيَم بن صعب بن بكر بن وائل، أبي حيٍّ، وهم قوم مسيلمة الكذاب، وإنمّا لُقب لقول جُذَيمة، وهو الأحْوى بن عوف، لقي أثالًا فضربه فحَنَفَه، وضربه أثال فجذمه، فلُقِّب جُذَيمة وفي ذلك يقول: فإن تَكُ خَنْصري بانَتْ فإني ... بها حَنَفْتُ حامِلَتَي أُثال فمنهم خولة بنت جَعْفر الحنفيّة أم محمد بن علي رضي الله تعالى عنه. الثاني: أبو أُسامة، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم. ومرَّ هشام بن عُروة وأبوه عُروة وعائشة أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي. ومرت فاطمة بنت أبي حُبَيْش في الثالث والتسعين من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الافراد في موضع، والعنعنة في موضع واحد، وفيه السماع، ورواته ما بين هَرَوي وكوفي ومدني. وتقدم ذكر المواضع التي ذُكر فيها في الرابع والتسعين من كتاب الوضوء. باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض الصُّفرة: الماء الذي تراه المرأة كالصَّديد، يعلوه اصفرار، وليس على شيء من ألوان الدماء القوية والضعيفة. والكُدْرَة -بضم الكاف- شيء كَدِر ليس على ألوان الدماء.

стр. 2664

وقوله: "في غير أيام الحيض" يشير إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدم في قولها: "حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاء" وبين حديث أم عطية المذكور في هذا الباب، بأن ذلك محمول على ما إذا رأت الصُّفرة أو الكُدرة في أيام الحيض، وأما في غيرها فعلى ما قالته أم عطية.

стр. 2665

الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لاَ نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا. قوله: "كنا لا نَعُدُّ" تعني في زمن النبي ﷺ ، مع علمه بذلك، وتقريره له، وبهذا يُعْطَى الحديث حكم الرفع، وهو مصَّير من البخاري إلى أن مثل هذه الصيغة يُعدُّ في المرفوع، ولو لم يصرِّح الصحابي بذكر زمنه ﵊، وبهذا جزم الحاكم وغيره خلافًا للخطيب. وقوله: "شيئًا" أي: من الحيض إذا كان في غير زمنه، أما فيه فهما من الحيض. ولأبي داود، عن قَتادة، عن حَفْصة، عن أم عَطِية: "كُنّا لا نعدُّ الكُدرة والصُّفرة بعد الطُّهر شيئًا"، وهو موافق لما تَرْجَمَ به البخاري. وبهذا التفصيل قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والليث، وأبو حنيفة، ومحمد، والشافِعِي، وأحمد. وأما مالك، فمشهور مذهبه أنهما حيض مطلقًا في غير زمن الحيض وفي زمنه. وقيل: إنهما لغوٌ مطلقًا، وقيل: إن كانتا في أيام الحيض فحيضٌ، وإلا فاستِحاضة، وتأوَّلَ حديثَ أم عطية على أن معناه: لا نعدُّهما شيئًا من علامات الطُّهر كالقَصَّة، بل هما من أنواع الدم. رجاله خمسة: الأول: قُتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الثاني والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ إسماعيل بن عُلَيّة في الثامن منه. ومرَّ أيوب السَّحْتياني في التاسع منه أيضًا، ومرَّ محمد بن سِيرين في الحادي والأربعين من كتاب الإيمان أيضًا. ومرَّت أم عطية في الثاني والثلاثين من كتاب الوضوء.
следующие страницы →