Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
قوله: "بعد قَرْئها" قال الكِرْماني: أي طُهْرها لا حَيْضها، بقرينة لفظ الدم.
وقال العيني: المعنى أن ابن سيرين سُئل عن امرأة كان لها حيضٌ معتادٌ، ثم رأت بعد أيام عادتِها الدمَ بخمسة أيام أو أقل أو أكثر، فكيف يكون حكم هذه الزيادة؟ فقال ابن سِيرين: "هي أعلم بذلك" يعني: أن التمييز بين الدمين راجع إليها، فيكون المرئي في أيام عادتها حيضًا، وما زاد على ذلك استحاضة، فإن لم يكن لها علم بالتمييز، يكون حيضُها ما تراه إلى أكثر مدة الحيض، وما زاد عليها يكون استحاضة. والمراد بقوله: "قَرْئها" أي: حيضها المعتاد لا طهرها، كما قال الكِرْماني.
وهذا الأثر وصله الدارِمي عن محمد بن عيسى عن مُعْتَمِرْ ومعتمر بن سليمان وأبوه سُليمان مرّا في التاسع والستين من كتاب العلم.
والمراد بابن سِيرين محمد، وقد مرَّ في الحادي والأربعين من كتاب الإِيمان.
стр. 2662
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ: "لاَ، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِي الصَّلاَةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِى كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي".
ومعنى الاستدراك: لا تترك الصلاة في كل الأوقات، ولكن اتركيها في مقدار العادة.
ومناسبة الحديث للترجمة في قوله: "قدر الأيام التي كُنْتِ تحيضين فيها"، فوَكَلَ ذلك إلى أمانتها، وردَّه إلى عادتها، وذلك يختلِفُ باختلاف الأشخاص. وفيه دِلالة على أن فاطمة كانت مُعتادة.
وقد تقدمت مباحث هذا الحديث عند ذكره في باب غُسل الدم من كتاب الوضوء.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر فاطمة بنت أبي حُبَيْش.
الأول: أحمد بن أبي رجاء، واسم أبي رجاء عبد الله بن أيوب الحَنَفِي، أبو الوليد بن أبي رجاء الهَرَوي، والحَنَفِي حنفي النسب لا المذهب.
روى عن: ابن عُيينة، وأبي أسامة، ويحيى القطان، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، وأبو زُرعة، وأحمد بن حَفْص النَّيْسابوري، وأبو حاتم، وقال: صدوق.
стр. 2663
قال الحاكم: إمام عصره بِهَراة في الفقه والحديث، وطلب مع أحمد بن حَنْبل، وكتب بانتخابه عن الشيوخ.
وقال النسائي: كتبت عنه بالثَّغْر، وهو ثقة لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات.
مات في النصف من جُمادى الأولى سنة اثنين وثلاثين ومئة.
والحَنَفي نسبه إلى حَنيفة كسَفينة، لقب أُثال بن لُجيَم بن صعب بن بكر بن وائل، أبي حيٍّ، وهم قوم مسيلمة الكذاب، وإنمّا لُقب لقول جُذَيمة، وهو الأحْوى بن عوف، لقي أثالًا فضربه فحَنَفَه، وضربه أثال فجذمه، فلُقِّب جُذَيمة وفي ذلك يقول:
فإن تَكُ خَنْصري بانَتْ فإني ... بها حَنَفْتُ حامِلَتَي أُثال
فمنهم خولة بنت جَعْفر الحنفيّة أم محمد بن علي رضي الله تعالى عنه.
الثاني: أبو أُسامة، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم. ومرَّ هشام بن عُروة وأبوه عُروة وعائشة أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي. ومرت فاطمة بنت أبي حُبَيْش في الثالث والتسعين من كتاب الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الافراد في موضع، والعنعنة في موضع واحد، وفيه السماع، ورواته ما بين هَرَوي وكوفي ومدني. وتقدم ذكر المواضع التي ذُكر فيها في الرابع والتسعين من كتاب الوضوء.
باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض
الصُّفرة: الماء الذي تراه المرأة كالصَّديد، يعلوه اصفرار، وليس على شيء من ألوان الدماء القوية والضعيفة. والكُدْرَة -بضم الكاف- شيء كَدِر ليس على ألوان الدماء.
стр. 2664
وقوله: "في غير أيام الحيض" يشير إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدم في قولها: "حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاء" وبين حديث أم عطية المذكور في هذا الباب، بأن ذلك محمول على ما إذا رأت الصُّفرة أو الكُدرة في أيام الحيض، وأما في غيرها فعلى ما قالته أم عطية.
стр. 2665
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا لاَ نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا.
قوله: "كنا لا نَعُدُّ" تعني في زمن النبي ﷺ ، مع علمه بذلك، وتقريره له، وبهذا يُعْطَى الحديث حكم الرفع، وهو مصَّير من البخاري إلى أن مثل هذه الصيغة يُعدُّ في المرفوع، ولو لم يصرِّح الصحابي بذكر زمنه ﵊، وبهذا جزم الحاكم وغيره خلافًا للخطيب.
وقوله: "شيئًا" أي: من الحيض إذا كان في غير زمنه، أما فيه فهما من الحيض. ولأبي داود، عن قَتادة، عن حَفْصة، عن أم عَطِية: "كُنّا لا نعدُّ الكُدرة والصُّفرة بعد الطُّهر شيئًا"، وهو موافق لما تَرْجَمَ به البخاري.
وبهذا التفصيل قال سعيد بن المسيب، وعطاء، والليث، وأبو حنيفة، ومحمد، والشافِعِي، وأحمد. وأما مالك، فمشهور مذهبه أنهما حيض مطلقًا في غير زمن الحيض وفي زمنه. وقيل: إنهما لغوٌ مطلقًا، وقيل: إن كانتا في أيام الحيض فحيضٌ، وإلا فاستِحاضة، وتأوَّلَ حديثَ أم عطية على أن معناه: لا نعدُّهما شيئًا من علامات الطُّهر كالقَصَّة، بل هما من أنواع الدم.
رجاله خمسة:
الأول: قُتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الثاني والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ إسماعيل بن عُلَيّة في الثامن منه. ومرَّ أيوب السَّحْتياني في التاسع منه أيضًا، ومرَّ محمد بن سِيرين في الحادي والأربعين من كتاب الإيمان أيضًا. ومرَّت أم عطية في الثاني والثلاثين من كتاب الوضوء.
стр. 2666
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، وهو في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: كنا. يعني: في زمن النبي ﷺ ، وقد مرَّ الكلام على ذلك في الثامن والخمسين من كتاب الوضوء.
أخرجه البخاري هنا، وأبو داود في الطهارة عن مسدَّد، والنَّسائي فيها عن عَمْرو بن زُرارة، وابن ماجه فيها عن مُحمد بن يَحْيى.
واختار البخاري رواية إسماعيل له عن أيوب عن محمد بن سِيرين على رواية وُهَيْب له عن أيوب عن حفصة؛ لأن إسماعيل أرجح، لمتابعة مَعْمَر عن أيّوب، ولأنه أحفظ لحديث أيوب من غيره. ويجوز أن يكون أيوب قد سمعه من محمد ومن حفصة.
باب عِرق الاستحاضة
أي: بكسر العين وإسكان الراء، المسمى بالعاذِل، وقد مرَّ الكلام عليه في حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش في باب غَسْل الدم من كتاب الوضوء.
стр. 2667
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ: "هَذَا عِرْقٌ". فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلاَةٍ.
قوله: "وعن عَمْرة" يعني: كلاهما عن عائشة، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر بحذف الواو، فصار من رواية عُروة عن عَمْرة، والمحفوظ إثبات الواو، وأن الزُّهري رواه عن شيخين: عُروة، وعَمْرة، كلاهما عن عائشة. وكذا أخرجه مُسلم، وأبو داود، عن الزُّهري، عنهما. وأخرجه مسلم عن الزُّهري، عن عُروة وحده. وأخرجه مُسلِم أيضًا وأبو داود عن الزُّهري، عن عَمْرة وحدها. قال الدارقطني: هو صحيح من رواية الزُّهرى عن عُروة وعَمرة جميعًا.
قوله: "إن أم حبيبة" هي بنت جَحْش أخت زَيْنَب أم المؤمنين، وفي "الموطأ" أن اسمها زَيْنب، فقيل: هو خطأ، وقيل: هو الصواب، وإن اسمها زينب، وكُنيتها أم حبيبة، وأما كون اسم أختها أم المؤمنين زينب، فإنه لم يكن اسمها الأصلي، وإنما كان اسمها بَرَّة، فغيَّره النبي ﷺ ، ولعلَّه سمّاها باسم أختها، لكون أختها غَلَبَتْ عليها الكُنية. ولها أخت أخرى اسمها حَمْنة.
وقد مرَّ في باب الاعتكاف للمستحاضة أن بنات جَحْش الثلاثة استُحِضْن، ومرَّ هُناك ذكر من اسْتُحيضت من النساء في زمنه ﵊.
وقوله: "استُحيضَتْ سبع سنين"، قيل: فيه حُجَّة لابن القاسم في إسقاطه عن المستحاضة الصلاة إذا تركتها ظانّة أن ذلك حَيْض؛ لأنه ﷺ لم يأمرها
стр. 2668
بالإِعادة مع طول المدة.
ويُحتمل أن يكون المراد بقولها: "سبع سنين" بيان مدة استحاضتها، مع قطع النظر هل كانت المدة كلها قبل السؤال أم لا، فلا يكون فيه حُجة لما ذُكر.
وقوله: "فأمرها أن تغتَسِلَ" زاد الإسماعيلي ومسلم: "وتصلي"، وهذا الأمر بالاغتسال مطلق، فلا يدُلُّ على التكرار إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش في باب غَسْل الدم من كتاب الوضوء، فراجعه.
رجاله سبعة:
الأول: إبراهيم بن المُنذر، وقد مرَّ في الأول من كتاب العلم. ومرَّ مَعْن بن عيسى القَزّاز في الثاني والمئة من كتاب الوضوء. ومرَّ ابن أبي ذِئب في الستين من كتاب العلم. ومرَّ ابن شِهاب الزُّهري في الثالث من بَدْء الوحي. ومرَّتْ عائشة ﵂ في الثاني منه.
وأما عَمْرة فهي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زِرٍّ الأنصارية، كانت في حَجْر عائشة.
روت عن: عائشة، وأختها لأمها أُم هشام بنت حارِثة بن النعمان، وحَبيبة بنت سَهْل، وأم حبيبة حَمْنة بنت جَحْش.
وروى عنها: ابُنها أبو الرّجال، وأخوها محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، وعُروة بن الزُّبير، والزُّهري، وعَمْرو بن دينار، وآخرون. قال ابن مَعين: ثقة حُجة. وقال العِجْلي: مدنية تابعية ثقة. وفخّم ابن المديني أمرَها، وقال: عَمْرَةُ أحد العلماء بعائشة، الأثبات فيها. وذكرها ابن حِبّان في "الثقات"، وقال: كانت أعلم الناس بحديث عائشة. وقال سُفيان: أثبتُ حديث عائشة حديثُ عَمرة والقاسم وعُروة. وقال عُمر بن عبد العزيز: ما بقي أحد أعلم بحديث عائشة من عَمْرة. قال شعبة: وكان عبدُ الرحمن بن القاسم يسألُها عن حديث عائشة. وقال ابن سعد: كانت عالمة. وكتب عُمر بن عبد العزيز إلى ابن حَزْم أن يكتب
стр. 2669
له أحاديث عَمْرة. ماتت سنة ست ومئة، وهي بنت سبع وسبعين سنة.
وفي الحديث ذكر أم حبيبة، وهي: بنت جحش أخت زينب زوج النبي ﷺ أم المؤمنين، كانت تحت عبد الرحمن بن عَوْف، فاستُحيضت سبع سنين، فسألت النبي ﷺ ... إلخ الحديث. ورواه مَعْمر عن الزُّهري، فقال: أم حبيب بغير هاء، وفي رواية محمد بن إسحاق عن الزُّهري: إن كانت لتخرج من المركن وقد غلبت حُمرة الدم على الماء، فتصلي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الافراد في موضع، والعنعنة في أربعة مواضع، ورواته مدنيّون، وفيه رواية ابن شهاب عن عُروة وعَمْرة بواو العطف، كلاهما عن عائشة. وفي رواية ابن عساكر: عن عُروة بحذف الواو. ورواية إثباتها أثبت، إلى آخر ما مرَّ قريبًا في المتن.
أخرجه الستة، وأخرجه البخاري هنا، ومسلم في الطهارة عن قُتيبة ومحمد ابن رُمح، وأبو داود فيها عن يزيد بن خالد، والتِّرمذي والنسائي فيها عن قُتيبة.
باب المرأة تحيض بعد الإِفاضة
أي: هل يجب عليها طواف الوداع أم لا، وإذا وَجَبَ، هل يُجبر بدم أم لا؟
стр. 2670
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ؟ ". فَقَالُوا: بَلَى. قَالَ: "فَاخْرُجِي".
قوله: "حاضت" أي: بعد أن أفاضت يوم النحر، كما يأتي في باب الزيارة يوم النحر.
وقوله: "لعلها تحبِسُنا" أي: تمنعنا من التوجه إلى مكة في الوقت الذي أردنا التوجُّه فيه، ظنًّا منه ﷺ انها ما طافت طواف الإِفاضة، وإنما قال ذلك لأنه لا يتركها ويتوجّه، ولا يأمرها بالتوجُّه وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يُقيم حتى تَطْهُرَ وتطوفَ وتَحِلَّ الحلَّ الثاني.
وقَوْلُه: "ألم تكن طافت معكُنَّ؟ " أيْ طراف الرّكن ولغير أبوي ذرٍّ والوقت والأصيلي: "ألم تكن أفاضت" أي طافت طواف الإِفاضة، وهو طواف الركن.
وقوله: "قالوا: بلى" بغير فاء لابن عساكر، ولغيره: "فقالوا" أي: النساء ومن معهن من المحارم، وفي رواية تأتي في الحج أنَّ صفيَّة هي التي قالت: "بلى"، وفي رواية عن عائشة فيه أيضًا في باب الزيارة يوم النحر أنها قالت: "حجَجْنا، فأفَضْنا يوم النحر، فحاضت صفيَّة، فأراد النبي ﷺ منها ما يُريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله: إنها حائض".
وهذا مشكل، لأنه ﵊ إن كان عَلِم أنها طافت طواف
стр. 2671
الإفاضة، فكيف يقول: "لعلها تحبِسُنا؟ " وإن كان ما علِمَ، فكيف يريد وقاعها قبل التحلُّل الثاني.
ويُجاب عنه بأنه ﵊ ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنته نساؤه في طواف الإفاضة، فأذن لهنَّ، فكان بانيًا على أنها قد حلّت، فلما قيل له: إنها حائض، جوَّز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك، فأَعلمته عائشة أنها طافت معهنَّ، فزال عنه ما خشيه من ذلك.
وقوله: "قال: فاخرُجي" بالإفراد؛ لأن طواف الوداع ساقِطٌ بالحيض، وهو خطاب لصفيّة، أي: قال لصفية مخاطبًا لها: "اخرُجي". وفيه التفات من الغَيْبة، أي: "ألم تكن طافت". إلى الخطاب، أو خاطب عائشة؛ لأنها المخبرة له، أي: اخُرجي، فإنها توافقك. أو قال لعائشة: قولي لها: اخرُجي. وفي رواية المُسْتَملي والكشُميهني: "اخرُجْنَ" وهي مناسِبة للسياق، وفي رواية أبي سَلمة: "اخرُجوا"، وفي رواية عائشة في المغازي: "فَلْتَنْفِر"، وفي رواية عائشة في الحج: "وحاضت صفيَّةُ"، فقال النبي ﷺ : "عقْرى، حلقى، إنك حابستُنا، أما كُنتِ طُفْتِ يوم النحر؟ " قالت: بلى. قال: "فلا بأس، انْفِري". ومعَاني هذه الروايات متقاربة، والمراد بها كلها الرحيل من مِنى أو المحصب إلى المدينة.
وقوله في هذه الرواية: "عَقْرى حَلْقى" بالفتح فيهما ثم السكون، وبالقصر بغير تنوين في الرواية، ويجوز لغة، وصوَّبَهُ أبو عُبيد؛ لأن معناه الدعاء بالعَقْر والحَلْق كما يُقال: سُقيا ورُعيا، ونحو ذلك من المصادر التي يُدعى بها. وعلى الأول هو نعتٌ لادعاء.
ثم معنى عقرى: عَقَرها الله، أي: جرحها، وقيل: جَعَلَها عاقرًا لا تلِدُ. وقيل: عَقَر قومها. ومعنى حَلْقى: حَلَقَ شعرهَا، وهو زينة المرأة، أو أصابها وجع في حلقها، أو حَلَقَ قومَها بشُؤْمِها، أي: أهلكهم.
وحكى القرطبي أنها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين
стр. 2672
الكلمتين، ثم اتَّسع العرب في قولهما من غير إرادة حقيقتهما، كما قالوا: قائلة العر، وتَرِبَت يداه، ونحو ذلك.
قال القرطبي وغيره: شتان ما بين قوله ﵊ هذا لصفية، وبين قوله لعائشة لما حاضت معه في الحج: هذا شيء كتبه الله علي بنات آدم، لما يَشْعُرُ به من الميل لها، والحنوِّ عليها، بخلاف صفية.
قال في "الفتح": ليس دليل على اتّضاع قدر صَفِيّة عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النُّسك، فسَلاّها بذلك، وصفيّة أراد منها ما يريد الرجل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كلاًّ منهما ما خاطبها به في تلك الحالة.
قلت: ما قاله يرُدُّ عليه ما أخرجه مسلم من أن النبي ﵊ لما أراد أن ينفِرَ إذا صفيّةُ على باب خِبائها كئيبة حزينة، فقال: "عقرى .. الحديث"، ففي هذا الحديث أن صفيّة وقع لها ما وقع لعائشة من الحزن، ومع ذلك قال لها ما قال، فيكون الظاهر ما قاله القُرطبي وغيره. وكان حيضها ليلة النَّفْر من المحصب.
وفي الحديث دلالة على أن أمير الحاجِّ يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل مَن تحيض ممن لم تَطُف للإِفاضة.
وتعقب باحتمال أن يكون ارادته ﵊ تأخير الرحيل إكرامًا لصفيّة، كما احتبس بالناس على عقد عائشة.
قلت: الاحتباس على العِقْدِ لا يبعد أن يكون واجبًا، لما فيه من المحافظة على عدم إضاعة المال، والحديث الذي أخرجه البزّار عن جابر والبَيْهَقي عن أبي هُريرة مرفوعًا: "أميران وليس بأميرين، من تَبِعَ جِنازة فليس له أن ينصَرِف حتى تُدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تَحُجُّ أو تعتمِرُ مع قومٍ، فتحيضُ قبلَ طَواف الرُّكن، فليس لهم أن ينصرِفوا حتى تَطْهُر أو تأذن لهم" في اسنادة ضعف شديد، فلا يُستدل به على الوجوب.
стр. 2673
وقد ذكر مالك في "الموطأ" أنه يلزم الجمال أن يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، وكذا النفساء. واستشكله ابن الموّاز بأن فيه تعريضًا للفساد كقطع الطريق. وأجاب عِياض بأن محلَّ ذلك مع أمن الطريق، كما أن محله أن يكون مع المرأة مَحْرم.
ويأتي في الحديث الذي بعده الكلام على طواف الوداع.
رجاله ستة:
الأول: عبد الله بن يوسُف. والثاني: الإمام مالك. وقد مرّا في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ عبد الرحم بن أبي بَكر في الرابع والعشرين من كتاب الوضوء. ومرت عَمرة بنت عبد الرحمن في الحديث الذي قبل هذا. ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم في باب: كيف يُقبض العلم بعد الأربعين من كتاب العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وصيغة الإخبار كذلك، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته كلهم مدنيون غير عبد الله بن يوسُف فإنه مصري ثم تِنّيسي.
أخرجه البخاري هنا، ومسلم في الحج عن يحيى بن يحيى، والنسائي فيه عن الحارث بن مِسكين، وفي الطهارة عن محمد بن مسلمة.
وفي الحديث ذكر صَفِيّة بنت حُيي بن أخطب بن ثعلبة بن عُبيد بن كعب بن الخَزْرَج بن أبي حَبيب بن النَّضْر بن النحام بن تخوم من بني إسرائيل من سِبط هارون بن عِمْران، وأمها بَرّة بنت سموأل، كانت عند سلام بن مِشْكم، وكان شاعرًا، ثم خَلَفَ عليها كنابةُ بن أبي الحقيق وهو شاعر، فقتل يوم خَيبر.
وعن أبي بَرْزة: لما نزل النبي ﷺ خَيْبر، كانت صفيّة عروسًا في مجاسدها،
стр. 2674
فرأت في المنام أن الشمس نزلت حتى وقعت على صدرها، فقصَّت ذلك على زوجها، فقال لها: ما تمنَّيْن إلا هذا الملك الذي نزل بنا. قال: فافتتحها رسول الله ﷺ ، فضرب عُنُق زوجها صبرًا. وقيل: إنها رأت قبل ذلك أن القمر وقع في حَجْرها، فذكرت ذلك لأمها، فلطمت وجهها، وقالت: إنك لتَمُدّينَ عُنُقَك إلى أن تكوني عند ملك العرب، فلم يزل الأثر في وجهها، حتى أتى بها رسول الله ﷺ ، فسألها عنه، فأخبرته.
تزوجها النبي ﷺ سنة سبع من الهجرة.
وروى ثابت عن أنس أن النبي ﷺ اشترى صفيّة بنت حُيي بسبعة أرْؤُس. وخالفه عبد العزيز بن صُهيب وغيره عن أنس، فقال فيه: إن رسول الله ﷺ لما جمع سَبْيَ خيبر، جاءه دِحية، فقال: أعطني جارية من السَّبْي. فقال: "اذهب فخُذ جاريةً"، فأخذ صفية بنت حُيي. فقيل: يا رسول الله: إنها سيدة قُريظة والنَّضير، ما تصْلُحُ إلا لك. فقال له: "خذ جارية غيرها".
وقال ابن عبد البر: اصطفاها رسول الله ﷺ ، وصارت في سهمه، ثم أعتقها وجعل عِتْقَها صَداقها، لا يختلفون في ذلك، وهو خصوصي عند أكثر الفقهاء له ﷺ إذ كان حكمه ﷺ في النساء مخالفًا لحكم أمته.
وعن إسحاق بن يسار قال: لما افتَتَحَ رسول الله ﷺ الغموصَ حِصْنَ بني أبي الحقيق، أُتي بصفية بنت حُيي ومعها ابنة عمٍّ لها، جاء بهما بلال، فمر بهما على قتلى يهود، فلما رأتهم المرأة التي مع صفِيّة، صكَّت وجهها، وصاحت، وحثَتِ التراب على وجهها. فقال رسول الله ﷺ : "أعْزبُوا هذه الشيطانة عني"، وأمر بصفية، فجُعلت خلفه، وغَطّى عليها ثوبه، فعَرَفَ الناس أنه اصطفاها لنفسه. وقال لبلال: أنُزِعَتِ الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما.
وقال الواقدي: لم يخرجُ من خَيْبَر حتى طَهُرَتِ صفيّة من حيضها، فجعلها وراءه، فلما صار إلى منزلٍ على ستة أميال من خَيْبر، مال يريد أن يُعْرِس بها، فأبت عليه، فوجد في نفسه، فلمّا كان بالصهباء، وهي على بريدِ من خَيْبر، نزل
стр. 2675
بها هناك، فمشَّطَتها أم سُليم وعطَّرتها، وكانت أضوأَ ما يكون من النساء، فدخل على أهله، فلما أصبح، سألتها عما قال لها، فقالت: قال لي: "ما حملك على الامتناع من النزولِ أولًا؟ " فقلت: خشيتُ عليك من قُرب اليهود. فزادها ذلك عنده.
وعن عَطاء بن يسار: لما قدمت صفية من خَيْبر، أُنزِلَت في بيت لحارثة بن النعمان، فتسمَّع نساء الأنصار فجئنَ ينظُرن إلى جمالِها، وجاءت عائشة مُتَنَقِّبَة، فلما خرجت، خرج النبي ﷺ على إثرها، فقال: "كيف رأيت يا عائشة؟ " فقالت: رأيت يهودية. فقال: "لا تقولي ذلك، فإنَّما أسلمت وحسُنَ إسلامُها".
وعن سعيد بن المسيِّب قال: قدمت صفيَّةُ وفي أُذُنها خُوصة من ذهب، فوهبت منه لفاطمة ولنساءٍ معها.
وقال ابن سعد، عن ثابت، عن سُمَيّة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان في سفرٍ، فاعتلَّ بعيرٌ لصفيّة، وفي إبل زَيْنب بنت جَحْش فضلٌ، فقال لها: "إن بعيرَ صفية اعتلَّ، فلو أعطيتها بعيرًا". فقالت: أنا أُعطي تلك اليهودية، فتركها رسول الله ﷺ ذا الحجة والمحرم شهرين أوثلاثة لا يأتيها، حتى قالت زينب: يئستُ منه.
قال ابن عبد البر: كانت صفيةُ حليمةً فاضلةً عاقلةً، وكان لها جارية، فأتت عمر بن الخطاب، وقالت له: إن صفيّة تُحِبُّ السبتَ، وتصِلُ اليهود. فبعث إليها عمر، فسألها عن ذلك. فقالت: أما السبتُ فإن لم أحبَّه منذ بدَّلني الله يوم الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحمًا، وأنا أصِلُها. قال: ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: الشيطان. قالت: اذهبي فأنت حُرة.
ودخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال لها: ما يُبكيك؟ قالت: بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني، وتقولان: نحنُ خيرٌ من صفية، نحن بناتُ عمِّ رسول الله ﷺ وأزواجه. قال: "ألا قلتِ لهنَّ كيف تَكُنَّ خيرًا مني، وأبي هارون وعمي
стр. 2676
موسى، وزوجي محمد؟ ".
أولم النبي ﷺ عليها تمرًا وسَويقًا، وقسم لها، وكانت إحدى أمهات المؤمنين.
وعن زيد بن أسلم: اجتمع نساء النبي ﷺ في موضعه الذي تُوفي فيه، واجتمع إليه نساؤه، فقالت صفية بنت حُيي: إني والله يا نبي الله لوَدِدْتُ أن الذي بك بي. فغَمَزْنَ أزواجُه ببصرِهِنَّ. فقال: "مَضْمِضْنَ". فقلن: من أي شيىء؟ فقال: "من تغامُزِكُنَّ بها، والله إنها لصادقة".
روت عن: النبي ﷺ أحاديث، اتَّفَقا على واحدٍ.
وروى عنها: ابن أخيها، ومولاها كِنانة، وزَيْن العابدين بن علي بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث بن صَفْوان.
توفيت سنة اثنين وخمسين في خلافة معاوية.
стр. 2677
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إِنَّهَا لاَ تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَنْفِرُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ.
قوله: "رُخِّص للحائض" بالبناء للمفعول.
وقوله: "أن تَنْفِرَ" بفتح أوله وكسر ثالثه، وقد يُضم، أي: رُخِّص لها في النفور، وهو الرجوع من مكة إلى وطنها.
وقوله: "إذا حاضَتْ" أي: من غير أن تطوف للوداع.
وقوله: "وكان ابن عُمر يقول: هذا مقول طاووس لا ابن عبّاس، وكذا قوله: "ثم سمعته يقول"، فقد صرَّح بذلك في الحج، فقال: "قال: وسمعت ابنَ عمر يقول ... إلخ" رادًا القولَ لطاووس.
وكان ابن عمر يُفتي بأنها يجِبُ عليها أن تتأخّر حتى تطهُر من أجل طواف الوداع، ثم بلغته الرُّخصة عن النبي ﷺ لهنَّ في تركه، فصار إليه، أو كان نسي ذلك، فتذكره. وإنما جمع في قوله: "لهن"، وإن كان المراد الحائض، نظرًا للجنس.
والظاهر أنه بلغه لا أنه تذكر لما رواه الطحاوي عن طاووس أنه سمع ابن عُمر يُسْأَل عن النساء إذا حِضْن قبل النَّفْر، وقد أَفَضْنَ يوم النَّحر. فقال: إن عائشة كانت تذكرُ عن رسول الله ﷺ رُخصة لهنَّ، وذلك قبل موت ابن عُمر بسنة.
стр. 2678
وكذلك أخرج النسائي عن طاووس أن ابن عمر كان يقول قريبًا من سنتين: إن الحائض لا تنفِرُ حتى يكون آخر عهدِها بالبيت ثم قال بعدُ: إنّه رُخِّص للنساء.
وروى ابن أبي شَيبة أن ابن عُمر كان يُقيم على الحائض سبعة أيام حتى تطوف طواف الوداع، قال الشافعي: كان ابن عُمر سمع الأمر بالوداع، ولم يسمع الرخصة أولًا، ثم بلغته الرخصة، فعمل بها.
وما رُوي عن ابن عمر من وقوله أولًا بوجوب التأخير لطواف الوداع، ورجوعه عن ذلك، رُوي عن زيد بن ثابت.
قال ابن المنذر: عامة الفقهاء بالأمصار ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، ورَوَيْنا عن عمر بن الخطاب، وابن عُمر، وزيد بن ثابت، أنهم أمروها بالمُقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة، إذ لو حاضت قبله لم يسقُط. قال: وقد ثبتَ رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر، فخالفناه، لثبوت حديث عائشة وأم سُلَيم وغيرهما بخلافه.
وأُسْند عن عمر بإسناد صحيح، عن ابن عمر قال: طافت امرأةٌ بالبيتِ يوم النَحَّر، ثم حاضت، فأمر عُمر بحبسِها بمكة بعد أن ينفِرَ الناس، حتى تطهُر وتطوف بالبيت.
وروى ابن أبي شَيبة عن القاسم بن محمد: كان الصحابة يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيضَ فقد فَرَغَت إلا عمر، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت.
وقد روى أحمد، وأبو داود والنسّائي، والطحاوي عن الحارث بن عبداللُه بن أَوْس الثقفي، قال: أتيتُ عُمر، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت. قال الحارث: فكذلك أفتاني. وفي رواية أبي داود: هكذا حدثني رسول الله ﷺ .
стр. 2679
واستدل الطحاوي بحديث عائشة وحديث أم سُليم على نسخ حديث الحارث في حق الحائض.
رجاله ستة:
الأول: مُعَلّى بن أسد -بفتح المهملة وتشديد اللام- أبو الهيثم البَصْري الحافظ.
قال العِجْلي: شيخ بصري ثقة كيِّس، وكان معلِّمًا، وأخوه بَهْز أسنُّ منه، وهو ثبتٌ في الحديث، رجل صالح. وقال أبو حاتم: ثقة ما أعلم أني عثرتُ له على خطأ غير حديث واحد. وقال مَسْلمة بن قاسم ثقة. وقال مسعود بن الحَكَم: ثقة مأمون. وذكره ابن حِبّان في "الثقات".
روى عن: وُهَيب بن خالد، وعبد الواحد بن زِياد، وعبد العزيز المُختار، ويَزيد بن زُرَيْع، وعبد الله بن المُثَنّى بن عبد الله بن أَنَس، وجماعة.
وروى عنه: البخاري. وروى الباقون له بواسطة أحمد بن يوسُف السُّلَمي، وحجّاج بن الشاعر، وأحمد بن عبد الله بن علي بن مَنْجوف، وخلق.
توفي في رمضان سنة ثماني عشرة ومئتين.
الثاني: وُهَيْب بن خالد، وقد مرَّ في الثالث والعشرين من كتاب العلم. ومرَّ طاووس بعد الأربعين من كتاب الوضوء في باب: مَنْ لم ير الوضوء إلا من المخرجين. ومرَّ عبد الله بن عباس في الخامس من بدء الوحي. ومرَّ عبد الله بن عُمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
والثالث من السند: عبد الله بن طاووس بن كَيْسان اليماني أبو محمد الأنْباري.
قال أبو حاتم والنسّائي: ثقة. وقال عبد الرزاق عن مَعْمر: قال لأيوب: إن كنت راحلًا إلى أحد فعليكَ بابن طاووس، فهذه رحلتي إليه. وقال أيضًا عن مَعْمر: ما رأيت ابن فَقيه مثل ابن طاووس. فقلت له: ولا هشام بن عروة؟ فقال:
стр. 2680
حسبُك بهشام، ولكن لم أر مثل هذا. وكان أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خُلُقًا. وقال النسائي: ثقة مأمون. وكذا قال الدّارَقُطني والعِجْلي. وذكره ابن حِبان في الثقات. وقال: كان من خيار عُباد الله تعالى فضلاً ونُسكًا ودينًا، وتكلَّم فيه بعضُ الرافضة.
وقال حارِثة بن مضرب: جلست إلى ابن عباس، فقلت: روى أهل العراق عن طاووس عنك مرفوعًا: ما أبقيت الفرائضُ فلِأوْلى عَصَبَة ذَكَرٍ. فقال: أبلغ أهل العراق، إني ما قلت هذا، ولا رواه طاووس عني. قال حارِثة: فلقيتُ طاووسًا، فقال: لا والله ما رويتُ هذا، وإنما الشيطان ألقاه على ألسنتهم. قال: ولا أُراه إلا من قِبَلِ ولده، وكان على خاتم سُليمان بن عبد الملك، وكان كثير الحَمْل على أهل البيت. والحديث المذكور في "الصحيحين".
روى عن: أبيه، وعطاء، وعَمْرو بن شُعيب، وعلي بن عبد الله بن عبّاس، ووَهْب بن مُنَبِّه، وعِكرمة بن خالد المَخْزومي، وغيرهم.
وروى عنه: ابناه طاووس ومحمد، وعَمرو بن دينار، وهو أكبر منه، وأيّوب السَّخْتِياني، وهو من أقرانه، والسُّفيانان، وغيرهم.
مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة بعد أيوب بسنة.
باب إذا رأت المستحاضة الطهر
أي: يتميز لها دم العِرْق من دم الحيض، فسمّى زمن الاستحاضة طُهرًا، لأنه كذلك بالنسبة إلى زمن الحَيْض، ويُحتمل أن يريد به انقطاع الدم، والأول أوفق بالسِّياق، ويرجِّحه قول ابن عباس الآتي: إذا رأت الدم البحراني فلا تصلي؛ لأن البحراني هو دم الحيض.
قالَ ابنُ عباسٍ تغتسلُ وتصلّي ولوْ ساعةً ويأْتيَها زَوْجُهَا إذا صلَّتْ الصَّلاَةُ أعظمُ.
قال الداودي: معناه: إذا رأت الطُّهر ساعة، ثم عاوَدَها دمٌ فإنها تغتسل
стр. 2681
وتصلي في تلك الساعة.
والتعليق المذكور وصله ابن أبي شَيْبة والدّارمي عن أنس بن سِيرين، أنه سأل ابن عبّاس عن المُسْتَحاضة، فقال: أما ما رأت الدمَ البحراني فلا تصلي، وإذا رأت الطُّهر ولو ساعةً فَلْتَغْتَسِل وتصلي.
وقوله: "ويأتيها زوجُها" أثر آخر عن ابن عباس، أخرجه عبد الرزاق وغيره عن عِكرمة عنه، قال: المُستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجُها. ولأبي داود من وجه آخر عن عِكرمة قال: كانت أم حبيبة تُستحاض، وكان زوجُها يَغْشاها. وهو حديث صحيح إن كان عِكْرمة سمعه منها.
وقوله: "إذا صلَّتْ" شرطٌ محذوف الجزاء، أي: إذا صلَّت تغتَسِل، وهو رأي البصريين، أو جزاؤه مقدَّم، وهو قوله: "تغتسل وتصلي" وهو رأي كوفي، والمعنى على قولهم: "إذا صلّت": أي: أرادت الصلاة، تغتسل وتصلي.
وقوله: "الصلاة أعظم" أي: من الجِماع.
وهذا بحث من البخاري، أراد بيان الملازمة، أي: إذا جازت الصلاة، فجواز الوطء أولى؛ لأن أمر الصلاة أعظم من أمر الجماع، ولذا عقَّبه بحديث عائشة المختصر من قصة بنت أبي حُبيش، المصرِّح بأمر المستحاضة بالصّلاة.
وأشار البخاريُّ بما ذكر إلى الردِّ على مَن مَنَعَ وطء المُستحاضة، وقد نقله ابن المُنذر عن إبراهيم النَخَعي، والحكم، والزُّهري، وغيرهم. وما استدل به على الجواز ظاهر فيه.
وذكر بعض الشراح أن قوله: "الصلاة أعظم" من بقية كلام ابن عباس، وعزاه إلى تخريج ابن أبي شَيْبة، وليس هو فيه، نعم: روى عبد الرزاق والدارمي عن سالم الأَفْطَس أنه سأل سعيد بن جُبير عن المُستحاضة: أتُجامع؟ قال: الصلاة أعظم من الجماع.
وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي.
стр. 2682
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي".
رواه البخاري هُنا عن زُهير مختصرًا، وقد أخرجه أبو نُعَيْم في "المستخرج" من طريقه تامًّا، وقد مرت مباحثه مستوفاة في باب غسل الدم من كتاب الوضوء.
رجاله خمسة:
الأول: أحمد بن يونُس، وقد مرَّ في التاسع عشر من كتاب الإيمان. ومرَّ زُهير بن معاوية في الثالث والثلاثين. ومرَّ هِشام بن عُروة وأبوه عروة وعائِشة في الثاني من بدء الوحي.
باب الصلاة على النفساء وسنتها
أي: سنة الصلاة عليها، والنُفَساء بضم النون وفتح الفاء مع المد مفرد، وجمعه نِفاس، فليس قياسًا لا في المفرد ولا في الجمع، إذ ليس في الكلام فُعلاء يجمع على فِعال إلا عُشراء، ونُفساء. والنُّفساء هي الحديثة العهد بالولادة.
стр. 2683
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى سُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَامَ وَسَطَهَا.
قوله: "ماتت في بَطْن" أي: بسبب بَطْن، يعني العمل. وهو نظير: "عُذِّبَت امرأةٌ في هرة".
قيل: وَهِم البخاري فظنَّ أن قوله: "ماتت في بَطْن" ماتت في الولادة، ومعنى ماتت في بَطْن: ماتت مَبْطونة. والموهِّم له هو الواهم، فإن عند المصنف في هذا الحديث في الجنائز: "ماتت في نِفاسها"، وكذا المسلم. وقوله: "فقام وَسَطَها" أي: محاذيًا لوسَطِها بتحريك السين على أنه اسم، وبتسكينها على أنه ظرف، وللكُشميهني: "فقام عند وَسَطِها".
قيل: "إن القيام عند وَسَطها لسترها، وذلك مطلوب في حقها، بخلاف الرجل. وتعقِّبَ بأن ذلك كان قبل اتِّخاذ النَّعْش للنِّساء، فأما بعد اتِّخاذه فقد حصل المطلوب من السَّتْر
وما رواه أبو داود والترمذي عن أبي غالب عن أنس بن مالك أنه صلى على رجل، فقام عند رأسه، وصلى على امراة، فقام عند عَجيزتها، قال له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول الله ﷺ يفعل؟ قال: نعم. قال في "الفتح": في البخاري الإشارة إلى أنه ضعيف.
والسنّة عند المالكية أن يقف الإِمام محاذيًا لصدر المرأة، لأنه أكثر ما
стр. 2684
تعصي به الله، لا عند وسطها، لئلا يتذكر إن وقف عند وَسَطِها ما يشغَلُه أو يفسد صلاته، ولا يردُ على ذلك وقوفه ﵊ عند وسط المرأة، لأنه معصوم، فلا يحصُل في حقه ما يحصُل في حق غيره. ويقف عند وسط الرجل محاذيًا فرجَه، لأنه أشد ما يعصي الله به.
وروى ابن غانم عن مالك أنه يقف عند وَسَط المرأة كالرجل.
وقال ابن شعبان: حيث وقف الإِمام من الرجل والمرأة جاز. وهذا الذي قال موافقٌ لما دَرجَ عليه البخاري في الجنائز حيث قال: باب: أين يقوم من الرجل والمرأة. فإنه أورد الترجمة مورد السؤال، وأراد عدم التفرقة بين الرجل والمرأة.
قال ابن بطّال: يُحتمل أن يكون البخاري قصد بهذه الترجمة أن النُّفساء وإن كانت لا تصلي لها حكم غيرها من النساء في طهارة العين، لصلاة النبي ﷺ عليها. قال: وفيه ردٌّ على من زعم أن ابن آدم ينجُس بالموت؛ لأن النُّفساء جمعت الموت وحمل النجاسة بالدم اللازم لها، فلما لم يضرَّها ذلك، كان الميت الذي لا تسيلُ منه نجاسة أولى.
وتعقبه ابن المنير بأن هذا أجنبي عن مقصود البخاري. قال: وإنما قصد أنها وإن ورد أنها من الشهداء، فهي ممن يصلى عليها كغير الشهداء.
وتعقَّبه ابن رشيد بأنه أيضًا أجنبي عن أبواب الحيض، قال: وإنما أراد البخاري أن يستدِلَّ بلازم من لوازم الصلاة؛ لأن الصلاة اقتضت أن المستَقْبَلَ فيها يكون طاهرًا، فلما صلّى عليها إليها، لزِمَ من ذلك القول بطهارة عينها. وحكم النفساء والحائض واحد.
قال: ويدُلُّ على أن هذا مقصوده، إدخال حديث ميمونة في الباب، كما في رواية الأصيلي وغيره، وفي رواية أبي ذرٍّ قبل حديث ميمونة باب غير مترجم، وعادته في مثل ذلك أنه بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، ومناسبته له أن عين الحائض والنُّفساء طاهرة، لأن ثوبه ﷺ كان يُصيبها إذا سجد ولا يضرُّه ذلك.
стр. 2685
قلت: ما قاله ابن رشيد وارتضاه، هو عين ما قاله ابن بطّال سابقًا.
رجاله ستة:
الأول: أحمد بن الصبّاح، وكنيته: أبو جعفر، وكنية أبيه: أبو سُريج الرازي المقُرىء. وقيل: اسم أبيه: عمر. بغدادي.
روى عن: ابن عُلَيّة، ووكيع، ومروان بن معاوية، وشَبابة، ويزيد بن هارون، وغيرهم.
وروى عنه: البخاري، وأبو داود، والنسائي، وأبو زُرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شَيْبة كان ينزل المخرم، ونَزَع إلى الرَّي، فمات بها، كان ثقة ثبتًا أحد أصحاب الحديث، قرأ القرآن على الكِسائي. وقال ابن حِبان في "الثقات": يُغْرِب على استقامته.
مات بعد الأربعين ومئتين.
الثاني: شَبابة -بفتح الشين وتخفيف الباءين الموحدتين ابن سَوّار- بفتح السين وتشديد الواو الفَزَاري مولاهم، أبو عمر المدائني.
قال ابن مَعين: ثقة. وقال عُثمان الدارمِي: قلت ليحيى فشبابَة في شعبة؟ قال: ثقة، وسألت يحيى عن شاذان، فقال: لا بأس به. قلت: هو أحب إليك أم شَبابة؟ قال: شَبابة.
وقال ابن الجُنَيْد: قلت ليحيى: تفسير وَرْقاء عمَّن حملته؟ قال: كتبة عن شبابة، وعن علي بن حَفْص، وكان شَبابة أجرأ عليها، وجميعهما ثقتان.
وقال يعقوب بن شَيْبة: سمعت علي بن عبد الله، وقيل له: روى شَبابة، عن شُعبة، عن بُكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يَعْمَر في الدُّبّاء: على أي شيىء تقدر أن تقول في ذلك؟ يعني: شبابة كان شيخًا صدوقًا، إلا أنه كان يقول
стр. 2686
بالإرجاء، ولا يُنْكَر لرجلٍ سمع من رجل ألفًا أو ألفين أن يجيىء بحديث غريب.
وقال ابن سعد: كان ثقة صالح الأمر في الحديث، وكان مرجئيًّا.
وقال أحمد بن حنبل تركته لم أكتب عنه للإِرجاء. قيل له: يا أبا عبد الله، وأبو معاوية؟ قال: شَبابة كان داعية. وقال زكريّا الساجي: صدوق، يدعو إلى الإرجاء، وكان أحمد يحمل عليه. وقال ابن خِراش: كان أحمد لا يرضاه، وهو صدوق في الحديث.
وقال أبو زُرعة: كان يرى الإِرجاء، قيل له: رجع عنه؟ قال: نعم.
وقال أبو حاتم: صدوق يُكتب حديثه، ولا يُحْتَجُّ به. وقال ابن عَدِيّ: إنما ذمَّةُ الناس للإرجاء الذي كان فيه، وأما في الحديث فلا بأس به.
وقال أبو علي: ابن سُختي المدائني، رجل معروف من أهل المدائن، قال: رأيت في المنام رجلًا نظيف الثوب حسن الهيئة، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من أهل المدائن. قال: من أهل الجانب الذي فيه شَبابة؟ قلت نعم. قال: فإني أدعو الله، فأمِّن على دُعائي اللهمَّ إن كان شَبابة يُبْغِضُ أهلَ نبيِّك فاضرِبْه الساعة بفالج، قال: فانتبهت، وجئت المدائن وقت الظُّهر، وإذا الناس في هَرْج، فقلت: ما للناس؟ فقالوا: أُفْلجَ شَبابة في السَّحَر ومات الساعة.
روى عن شعبة، وشيبان، ويونُس بن أبي إسحاق، وابن أبي ذئب، والليث، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد بن حَنْبل، وعلي بن المديني، ويَحيى بن مَعين، وإسحاق بن راهَوَيه، وأحمد بن أبي سُرَيْح، وخلق كثير.
خرج إلى مكة وأقام بها إلى أن مات سنة خمس وخمسين ومئتين.
الثالث: شُعبة بن الحجّاج، وقد مرَّ في الثالث من كتاب الإِيمان، ومرَّ
стр. 2687
حُسين بن ذَكْوان المعلِّم في السادس من كتاب الإيمان أيضًا.
والرابع: عبد الله بن بُرتدْة بن الحُصَيْب -بالتصغير فيهما- الأسْلَمَي أبو سَهل المَرْوزِي، قاضي مرو، أخو سليمان، وكانا توأمين.
قال ابن مَعين والعِجلي وأبو حاتم: ثقة. وقال الأثْرم عن أحمد: أما سُليمان فليس في نفسي منه شيء، أما عبد الله .. ثم سكت. ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا -لسليمان أحسد منهم لعبد الله. وفي رواية أخرى: كان سليمان أصحَّهما- حديثًا. وقال ابن خِراش: صدوق كوفي نزل البصرة. وقال إبراهيم الحَرْبي: عبد الله أتمُّ من سليمان، ولم يسمعا من أبيهما، وفيما روى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة، وسليمان اصح حديثًا، ويُتعَجَّب من الحاكم مع هذا القول في ابن بُريدة كيف يزعُم أن سند حديثه مع رواية حسين بن واقد عنه عن أبيه أصح الأسانيد لأهل مرو.
روى عن: أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وعبد الله بن مُغَفَّل، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وسَمُرة بن جُنْدَب، ومعاوية، والمغيرة، وغيرهم.
وروى عنه: حسين بن ذَكْوان المعلِّم، وابناه صَخْر وسَهْل، وسعيد الجَريري، وسعيد بن عُبيد، وعبد الله بن عطاء المكي، وغيرهم.
مات في ولاية أسد بن عبد الله على القضاء سنة خمس عشرة ومئة.
السادس: سَمْرة بن جُنْدَب -بضم الجيم وفتح الدال وبضمهما- ابن هلال بن جُرَيْج بن مُرة بن حرب بن عمرو بن جابر بن خَتَن بن لاتي بن عاصم بن فَزَارة الفَزَاري، يُكنى أبا سليمان.
قدمت به أمه المدينة بعد موت أبيه، فخطبها رجل، وكانت امرأة جميلة، فجعلت تقول: إنها لا تتزوَّج إلا برجل يكفُلُ لها نفقة ابنها سَمُرة حتى يبلُغ، فتزوَّجها رجلٌ من الأنصار على ذلك، فكانت معه في الأنصار.
стр. 2688
وكان رسول الله ﷺ يَعْرِضُ غلمانَ الأنصار، فمرَّ به غلام، فأجازه في البعث، وعُرِضَ عليه سَمُرة، فرده، فقال: لقد أجزت هذا وردَدْتَني، ولو صارعتُه لصرعْتهُ، قال: "فدونَكَهُ"، فصارعه، فصرعه سمرةُ، فأجازه.
وروي عنه قال: كنتُ غلامًا على عهد النبي ﷺ ، فكنت أحفظ منه.
نزل البصرة، وكان زيادٌ يستخلفه عليها ستة أشهر، وعلى الكوفة ستة أشهر، فلما مات زيادٌ، أقره معاوية على البصرة عامًا، ثم عزله، وكان شديدًا على الحرورية، كان إذا أُتي بواحد منهم إليه قتله، ولم يُقِلْهُ، ويقول: شرُّ قتلى تحت أديم السماء، يكفِّرون المسلمين، ويسفِكون الدِّماء.
وكانت الحرورية ومن قاربوهم في مذهبهم يطعنون عليه، وينالون منه.
وكان ابن سيرين والحسن وفضلاء أهل البصرة يُثنون عليه، ويجيبون عنه.
وقال ابن سِيرين في رسالة سَمُرة إلى ابنه كثير من العلم.
وقال الحسن: تذاكر سَمُرة وعِمران بن حُصَيْن، فذكر سَمُرة أنه حفظَ عن رسول الله ﷺ سكتَتَين: سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فَرَغَ من قراءة: ولا الضّالين، فانكر عليه عِمْران بن حُصَين، فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أُبَي بن كَعْب، فكان في جواب أُبي بن كعب: إن سَمُرة قد صدق وحفِظَ.
وقال محمد بن سِيرين: كان سمرة ما علمت عظيم الأمانة، صدوق الحديث، يحبُّ الإسلام وأهله.
وقال أحمد بن حنبل: كان سَمُرة من الحفّاظ المكثِرين عن رسول الله ﷺ .
له مائة وثلاثة وعشرون حديثًا، اتّفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بأربعة.
روى عنه: عبدالله بن بُريدة، والحسن البصري، والشعبي، وابن أبى ليلى، وأبو رجاء العُطارِدي، وآخرون.
стр. 2689
كانت وفاته بالبصرة في خلافة معاوية سنة ثمان وخمسين، سقط في قِدْرٍ مملؤة ماء حارًّا، كان يتعالج بالقعود عليها من كُزاز شديدٍ أصابه، فسقط في القدر الحارة، فمات، فكان ذلك تصديقًا لقول رسول الله ﷺ له ولأبي هُريرة والثالث معهما: "آخِرُكُم موتًا في النّار".
وروى عنه عبد الله بن بُريدة أنه قال: كنت على عهد رسول الله ﷺ غلامًا حَدَثًا، فكنت أحفظ منه وما يمنعني من القول إلا أن هاهنا رجالًا هم أسن مني، ولقد صليت مع رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها، فقام للصلاة عليها وَسَطَها.
وفي الحديث هنا ذِكر امرأة بالإِبهام، وهي أم كعب كما في "صحيح" مسلم، أنصارية، هي صاحبة هذه القصة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإِخبار بها في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين رازِيٍّ ومَرْوَزي ومدني وبَصْري.
أخرجه البخاري هنا، وفي الجنائز عن مُسَدَّد، ومسلم في الجنائز عن يَحْيى بن يحيى. وغيره، وأبو داود فيها عن مُسَدَّد أيضًا، والترمذي فيها عن علي بن حَجَر، والنسَّائي فيها أيضًا عن علي بن حَجَر، وابن ماجه فيها عن علي بن محمد.
باب
أي: بدون ترجمة، وقد مرَّ قريبًا مَن ذكره في روايته، ومَن أسقطه من روايته وتوجيهه.
стр. 2690
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالَتِي مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لاَ تُصَلِّي، وَهْيَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي بَعْضُ ثَوْبِهِ.
قوله: "كانت تكون حائضًا لا تُصَلِّي" تكون، أي: تحصُل أو تستقِرُّ، ويُحتمل أن قوله: "تكون ... لا تُصَلّي" خبرًا لكانت.
وقوله: "حائضًا" حال على نحو: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] وقيل: إن كانت زائدة على حد قوله:
وجيرانٍ لنا كانوا كرامٍ
وقيل: تكون هنا بمعنى تصير. ولابن عساكر: "أنها تكون".
وقوله: "وهي مفترشة" أي: منبسطة على الأرض.
وقوله: "بحِذاء" بكسر الحاء المهملة والذال المعجمة والمد.
وقوله: "مسجِد" بكسر الجيم، أي: مكان سجوده من بيته لا مسجده المعهود، وتعقَّبه في "المصابيح" بأن المنقول عن سيبويه أنه إذا أُريد موضع السجود قيل: مسجد بالفتح فقط.
وقوله: "على خُمْرتِه" هي بضم الخاء وسكون الميم. قال الطبري: هو مُصَلّى صغير، يُعمل من سَعَفِ النخل، سُمِّيت بذلك لسترها الوجه والكفين من حرِّ الأرض وبردِها، فإن كانت كبيرة سُمِّيت حصيرًا.
стр. 2691
وزاد في "النهاية" ولا تكون خُمرة إلا في هذا المقدار، قال: وسمِّيت خُمرة لأن خُيوطها مستورة بسَعَفِها.
وقال الخطّابي: هي السجّادة يسجُد عليها المصلّي، ثم ذكر حديث ابن عباس في الفأرة التي جَرَّت الفَتيلَةَ حتى ألقتها على الخُمرة التي كان رسول الله ﷺ قاعدًا عليها. قال: ففي هذا تصريح بإطلاق الخُمرة على ما زاد على الوجه واليدين. قال: وسُمِّيت خُمرةً لأنها تغطي الوجه، ومنه. الخِمار.
وقوله: "إذا سَجَد أصابني بعضُ ثوبه" هذا حكاية لفظها، فالأصل أن يقول: أصابها، والجملة حالية.
وقد مرَّ قريبًا في آخر الحديث الذي قبله الغرض من إتْيان البخاري بهذا الحديث.
واستُنْبط منه عدم نجاسة الحائض، والتواضع والمسكنة في الصلاة.
قال ابن بطّال: لا خلاف بين علماء الأمصار في جواز الصلاة على الخُمرة، إلاّ ما روي عن عُمر بن عبد العزيز أنه كان يُؤتى بترابٍ، فيوضع على الخُمرة، فيسجدُ عليه. ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع والخشوع، فلا يكون فيه مخالفة للجماعة.
وقد روى ابن أبي شَيْبة عن عُروة بن الزُبير أنه كان يكره الصلاة على شيء دون الأرض، وكذا رُوي عن غير عروة.
ويُحتمل أن يُحمل على كراهة التنزيه، قاله في "الفتح".
قلت: انظر كيف تلتَئِم الكراهة مع ما هو ثابت في الأحاديث من صلاته ﵊ على الخمرة.
وأما صلاة كثير من المتكبِّرين على سجاجيد غالية الأثمان، مختلفة الألوان، فليس من السُّنَّة، وهو خال من التواضع والمسكنة لله تعالى.
стр. 2692
رجاله ستة:
الأول: الحسن بن مُدْرِكِ اسم فاعل من الإدراك ابن بشير السَّدوسي أبو علي البصري الطحّان الحافظ.
روى عن: يحيى بن حمّاد، ومحبوب بن الحسن، وعبد العزيز الأُوَيْسي.
وروى عنه: البخاري، والنَّسائي، وابن ماجه، ويَقّي بن مَخْلد، وابن أبي الدُنيا، وأحمد بن الحُسَيْن الصوفي، وقال: كان ثقة.
وقال الآجُرّي عن أبي داود: كذاب، كان يأخذ أحاديث فَهْد بن عوف، فَيُلْقيها على يحيى بن حمّاد. وقال النّسائي: بصري لا بأس به. وقال ابن عَدي: كان من حفّاظ البَصْرة. وقال أبو زُرعة: كثبنا عنه. وقال أبو حاتم: هو شيخ. وقال مَسْلمة بن قاسم الأندلسي: كتب عنه من أهل بلدنا الوضّاح، وهو صالح في الرواية.
الثاني: يحيى بن حمّاد بن أبي زياد الشَّيْباني مولاهم أبو بكر، ويقال: أبو محمد البَصْري، ختن أبي عَوانة.
روى عن: أبي عَوانة، وعِكْرمة بن عمَّار، وشُعبة، وحمّاد بن سَلَمة، وهَمّام بن يحيى.
وروى عنه: البخاري، وروى هو والباقون له بواسطة ابن راهَوَيه، وإبراهيم ابن دِينار، والحسن بن مُدْرك الطحّان. وروى عنه: الدارمى، والذُّهلي، وآخرون.
قال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث. وقال أبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال محمد بن النُّعمان: لم أر أعبد منه. وقال العِجْلي: بصرفي ثقة، وكان من أروى الناس عن أبي عَوانة، مات سنة خمسة عشر ومئتين.
стр. 2693
الثالث: أبو إسحاق الشَّيْباني مرَّ في السابع من كتاب الحَيْض. ومرَّ عبد الله ابن شدّاد بن الهادي في الثامن منه. ومرَّ أبو عَوانة في الخامس من بدء الوحي. ومرت مَيْمونة بنت الحارث أم المؤمنين في الثامن والخمسين من كتاب العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والإخبار بصيغته أيضًا في موضع واحد، والعنعنة في موضع واحد أيضًا، وفيه السماع، ورواته ما بين بَصْري وكوفي ومدني.
وفيه رواية البخاري من صغار شيوخه، وهو الحسن المذكور، والبخاري أقدم منه سماعًا، وروى البخاري عن يحيى بن حمّاد أيضًا شيخ الحسن المذكور. والنُّكتة فيه أن هذا الحديث قد فات البخاري عن شيخه يحيى، فرواه عن الحسن؛ لأنه عارِف بحديث يحيى بن حماد.
وفيه الإِشارة إلى أن أبا عَوانة حدَّث بهذا الحديث من كتابه، تقوية لما رُويَ عنه؛ لأنه إذا حدَّث من كتابه كان ثبتًا، وإذا حدَّث من غيره رُبّما وَهِمَ.
أخرجه هنا، وفي الصلاة أيضًا عن مُسدَّد، ومسلم في الصلاة عن يَحْيى بن يَحْيى وغيره، وأبو داود فيها عن عُمر بن عَوْن، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبة.
стр. 2694
خاتمة
قال في "فتح الباري": اشتمل كتاب الحيض من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثًا، المكرّر منها فيه وفيما مضى اثنان وعشرون حديثًا، الموصول منها عشرة أحاديث، والبقية تعليق ومتابعة، والخالص خمسة وعشرون حديثًا، منها واحد معلق، وهو حديث: "كان يذكر الله على كل أحيانه". والبقية موصولة.
وقد وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة: "كانت إحدانا تحيضُ ثم تَقْتَرِصُ الدَّم"، وحديثها في اعتكاف المستحاضة، وحديثها: "ما كان لإِحدانا إلا ثوب"، وحديث أم عطِيّة: "كنا لا نَعُدُّ الصُّفرة"، وحديث ابن عمر: "رُخِّص للحائض أن تَنْفِر".
وفيه من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين خمسة عشر أثرًا، كلها معلقة أ. هـ.
ثم قال المصنف:
стр. 2695
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب التيمم
تقديم البسملة قبل الكتاب كتاب التيمم لكريمة، وتأخيرها عنه لأبي ذرٍّ وقد مرَّ توجيه ذلك في كتاب الإيمان ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت، والأُصَيليُّ " باب التيمم "، والتيمم لغةً القصد، قال امرؤ القيس:
تيممتُها من أذْرُعاتِ وأهلها ... بيثربَ أدنى دارُها نَظَرٌ عالي
يقال: تيممت فلانًا ويممته، وتأممته، وأَمَمْتُه، أي قصدته. وفي الشرع القصدُ إلى الصعيد، لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ونحوها. وقال ابن السكيت: قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣] أي اقصدوا الصعيد، ثم كثر استعمالهم له حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. فعلى هذا هو مجاز لغوي، وعلى الأول هو حقيقة شرعية.
واختلف فيه هل هو رخصة أو عزيمة. وفصل بعضهم فقال: هو لعدم الماء عزيمة، وللعذر رخصة، وهو من خصائص هذه الأمة. ونزل فرضه سنة خمس أو ست، وأخره البخاري عن الذي قبله لأن المذكور فيه أحكام الوضوء بالماء، والمذكرر هاهنا التيمم، وهو خلف عن الماء، فيذكر الأَصل أولاًّ، ثم يذكر الخلف عقيبه.
ثم قال: قول الله تعالى، بلا واو مع الرفع، مبتدأ خبره ما بعده، فالجملة استئنافية، وللأصيلي وابن عساكر "وقول الله" بواو عطف على كتاب التيمم، أو باب التيمم. أي: وفي بيان قول الله تعالى، ولأبوي ذرٍّ والوقت " " بدل "قوله تعالى" ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] كذا في رواية الأكتر، وللنَّسَفِيّ وعَبْدوس والحمويّ
стр. 2696
والمستملي فإن لم تجدوا قال أبو ذر كذا في روايتنا، والتلاوة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ قال صاحب المشارف: هذا هو الصواب. قال البيضاوي: فلم تجدوا، أي فلم تتمكنوا من استعماله، إذ الممنوع كالمفقود. وقوله "وأيديكم" في رواية أبي ذر "لم يقل منه". وفي رواية الشبويّ وكريمة زيادة "منه" وهي تعين آية المائدة دون آية النساء. وإلى ذلك نحا البخاريُّ فأخرج حديث الباب في تفسير سورة المائدة، وأيد ذلك برواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث ولفظه فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله ﴿تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وقد مرَّ الكلام على الآيتين آية النساء وآية المائدة في أول كتاب الغُسل عند ذكرهما هناك.
стр. 2697
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِى خَاصِرَتِي، فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِى كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
قوله: في بعض أسفاره، جزم ابن عبد البَرّ وابن سَعد وابن حِبّان بأن ذلك في غزوة بني المُصْطَلق، وهي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإِفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضًا، فإن كان ما جزموا به ثابتًا، حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين كما هو بين في سياقهما. واستبعد بعض الشيوخ ذلك، بأن المريسيع من ناحية مكة، بين قُدَيد والساحل، وهذه القصة كانت من خيبر، لقولها في الحديث "حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش" وهما بين المدينة وخيبر، كما جزم به النووي.
стр. 2698
والشك من أحد الرواة عن عائشة، وقيل منها، واستبعد.
والذي في غير هذا الحديث، كلحديث عمار بن ياسر عند أبي داود والنَّسائي، بإسناد جيد، أنه كان بذات الجيش، قال عَرَّس رسول الله ﷺ بذات الجيش، ومعه عائشة زوجه، فانقطع عقدها ... الحديث. ولم يشك بينه وبين البيداء. وما جزم به النووي مخالف لما جزم به ابن التين، فإنه قال: البيداء هي ذو الحُليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة. قال: وذات الجيش وراء ذي الحُليفة. وقال أبو عُبيد البكريّ: البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحُليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا، ثم ساق حديث ابن عمر قال: "بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها ما أهَلَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلاّ من عند المسجد ... الحديث. قال: والبيداء هو الشرف الذي قُدّام ذي الحُليفة في طريق مكة. وقال أيضًا: ذات الجيش من المدينة على بريد. قال: وبينها وبين العَقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، فاستقام ما قال ابن التين.
ويؤيده ما رواه الحميديّ في مسنده عن عروة في هذا الحديث قال فيه: إن القلادة سقطت ليلة الأبواء، والأبواء بين مكة والمدينة. وروى جعفر الفريابيّ وابن عبد البر عن هشام قال: وكان ذلك المكان يقال له الصُّلْصُل، وهو بمهملتين مضمومتين ولامين الأولى ساكنة بين الصادين. قال البكري: جبل عند ذي الحُليفة. ووهم من جعله بالضاد المعجمة، ويأتي ما قيل في تعدد القصة.
وقوله: عِقد لي، بكسر المهملة، كل مايعقد ويعلق في العنق، ويسمى قلادة. ففي التفسير من رواية عمرو بن الحارث: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونزل. وهذا مشعر بأن ذلك كان عند قربهم من المدينة. وفي رواية عُروة الآتية عنها، أنها استعارت قلادة من أسماء، يعني أختها، فهلكت، أي ضاعت. والجمع بينهما أن إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها، لتصريح عائشة في رواية عُروة بانها استعارتها منها. وهذا كله بناء على
стр. 2699
اتحاد القصة. ويأتي ما في ذلك.
وفي رواية عمار عند أبي داود وغيره أن العقد المذكور كان من جَزْع ظُفَار، وكذا في قصة الإفك الآتية، والجزع بفتح الجيم وسكون الزاي، خرز يمنيّ، وظفار مدينة تقدم الكلام عليها في باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض.
وفي هذا الحديث جواز السفر بالنساء، واتخاذهن الحلي تجملًا لأزواجهن، وجواز السفر بالعارية، وهو محمول على رضا صاحبها. وقوله: على التماسه، أي لأجل طلبه، فعلى أجلية كقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] أي لأجل هدايته لكم، وقوله: ليسوا على ماء، وليس معهم ماء، كذا للأكثر في الموضعين، وسقطت الجملة الثانية في الموضع الأول من رواية أبي ذَرٍّ واستدل بهذا على جواز الإِقامة في المكان الذي لا ماء فيه. وكذا سلوك الطريق التي لا ماء فيها. قيل: وفيه نظر، لأن المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها.
قلت: هذا لا ينفي الإقامة على غير ماء، مع أنّ كونهم على القرب منها قاصدين الدخول فيها، ليس في جميع الروايات، بل في رواية واحدة، فلا يحكم بها على كل الروايات. ويحتمل أن يكون ﵊ لم يعلم بعدم الماء في الركب، وإن كان قد علم بأن المكان لا ماء فيه. ويحتمل أن يكون قوله "ليس معهم ماء" أي للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب، فيحتمل أن يكون معهم، والماء للوضوء محتمل لجواز إرسال المطر أو نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، كما وقع في مواطن أخرى.
وفيه اعتناء الإِمام بحفظ حقوق المسلمين، وإن قلت. فقد نقل ابن بطال أن ثمن العقد المذكور كان اثني عشر درهمًا، ويلتحق بتحصيل الضائع الإقامة للحوق المنقطع، ودفن الميت ونحو ذلك من مصالح الرعية. وفيه الإِشارة إلى ترك إضاعة المال وقوله: فأتى الناس إلى أبي بكر، فيه شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر لكون النبي ﷺ كان نائمًا، وكانوا لا يوقظونه. وقوله: ألا ترى، بإثبات همزة الاستفهام الداخلة على لا،
стр. 2700
وعند الحمويّ "لا ترى" بإسقاطها. وقوله: أقامت برسول الله ﷺ والناس، أي بالجر، فيه نسبة الفعل إلى من كان سببًا فيه، لقولهم: صنعت وأقامت. وقوله: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول، في رواية عمرو بن الحارث "فقال: حبست الناس في قلادة" أي بسببها. ويأتي عن الطبرانيّ أن من جملة ما عاتبها به قوله "في كل مرة تكونين عناء وبلاء على الناس"، وإنما قالت فعاتبني أبو بكر، ولم تقل أبي؛ لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر. فلذلك أنزلته منزلة الأجنبي، فلم تقل أبي. وقوله: وجعل يَطْعُنني، هو بضم العين، وكذا في جميع ما هو حسي، وأما المعنوي فيقال طَعَن، بالفتح، هذا هو المشهور فيهما، وحكي الفتح فيهما والضم فيهما معًا.
وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وإن كان زوجها معها إذا علم رضاه بذلك، ولم تكن حالة مباشرة، وفيه تأديب الرجل ابنته، وإن كانت متزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه ولو لم يأذن الإِمام. وقوله: فلا يمنعني من التحرك إلاّ مكان رسول الله ﷺ على فخذي، مكان مصدر ميمي، أي إلاّ كونه ﵊ على فخذي، وفيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة أو يحصل به تشويش لنائم، وكذا المصلي أو قارىء أو مشتغل بعلم أو ذكر.
وقوله: فقام حين أصبح، كذا أورده هنا، وأورده في فضل أبي بكر بلفظ "فنام حتى أصبح" وهي رواية مسلم، ورواه الموطأ والمعنى فيهما متقارب؛ لأن كلًا منهما يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح. وقال بعضهم: ليس المراد بقوله "حتى أصبح" بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأنه قيد قوله حتى أصبح بقوله "على غير ماء" أي آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء، ورواية عمرو بن الحارث لفظها "أن النبيّ ﷺ استيقظ وحضرت" فإن أُعربت الواو حالية، وهو الظاهر، كان دليلًا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح، واستدل به على الرخصة في ترك التهجد في السفر،
следующие страницы →