Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
والمستملي فإن لم تجدوا قال أبو ذر كذا في روايتنا، والتلاوة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ قال صاحب المشارف: هذا هو الصواب. قال البيضاوي: فلم تجدوا، أي فلم تتمكنوا من استعماله، إذ الممنوع كالمفقود. وقوله "وأيديكم" في رواية أبي ذر "لم يقل منه". وفي رواية الشبويّ وكريمة زيادة "منه" وهي تعين آية المائدة دون آية النساء. وإلى ذلك نحا البخاريُّ فأخرج حديث الباب في تفسير سورة المائدة، وأيد ذلك برواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث ولفظه فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] إلى قوله ﴿تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وقد مرَّ الكلام على الآيتين آية النساء وآية المائدة في أول كتاب الغُسل عند ذكرهما هناك.
стр. 2697
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِى خَاصِرَتِي، فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلاَّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِى كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
قوله: في بعض أسفاره، جزم ابن عبد البَرّ وابن سَعد وابن حِبّان بأن ذلك في غزوة بني المُصْطَلق، وهي غزوة المريسيع، وفيها وقعت قصة الإِفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضًا، فإن كان ما جزموا به ثابتًا، حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين كما هو بين في سياقهما. واستبعد بعض الشيوخ ذلك، بأن المريسيع من ناحية مكة، بين قُدَيد والساحل، وهذه القصة كانت من خيبر، لقولها في الحديث "حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش" وهما بين المدينة وخيبر، كما جزم به النووي.
стр. 2698
والشك من أحد الرواة عن عائشة، وقيل منها، واستبعد.
والذي في غير هذا الحديث، كلحديث عمار بن ياسر عند أبي داود والنَّسائي، بإسناد جيد، أنه كان بذات الجيش، قال عَرَّس رسول الله ﷺ بذات الجيش، ومعه عائشة زوجه، فانقطع عقدها ... الحديث. ولم يشك بينه وبين البيداء. وما جزم به النووي مخالف لما جزم به ابن التين، فإنه قال: البيداء هي ذو الحُليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة. قال: وذات الجيش وراء ذي الحُليفة. وقال أبو عُبيد البكريّ: البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحُليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا، ثم ساق حديث ابن عمر قال: "بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها ما أهَلَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلاّ من عند المسجد ... الحديث. قال: والبيداء هو الشرف الذي قُدّام ذي الحُليفة في طريق مكة. وقال أيضًا: ذات الجيش من المدينة على بريد. قال: وبينها وبين العَقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، فاستقام ما قال ابن التين.
ويؤيده ما رواه الحميديّ في مسنده عن عروة في هذا الحديث قال فيه: إن القلادة سقطت ليلة الأبواء، والأبواء بين مكة والمدينة. وروى جعفر الفريابيّ وابن عبد البر عن هشام قال: وكان ذلك المكان يقال له الصُّلْصُل، وهو بمهملتين مضمومتين ولامين الأولى ساكنة بين الصادين. قال البكري: جبل عند ذي الحُليفة. ووهم من جعله بالضاد المعجمة، ويأتي ما قيل في تعدد القصة.
وقوله: عِقد لي، بكسر المهملة، كل مايعقد ويعلق في العنق، ويسمى قلادة. ففي التفسير من رواية عمرو بن الحارث: سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ونزل. وهذا مشعر بأن ذلك كان عند قربهم من المدينة. وفي رواية عُروة الآتية عنها، أنها استعارت قلادة من أسماء، يعني أختها، فهلكت، أي ضاعت. والجمع بينهما أن إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها، لتصريح عائشة في رواية عُروة بانها استعارتها منها. وهذا كله بناء على
стр. 2699
اتحاد القصة. ويأتي ما في ذلك.
وفي رواية عمار عند أبي داود وغيره أن العقد المذكور كان من جَزْع ظُفَار، وكذا في قصة الإفك الآتية، والجزع بفتح الجيم وسكون الزاي، خرز يمنيّ، وظفار مدينة تقدم الكلام عليها في باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض.
وفي هذا الحديث جواز السفر بالنساء، واتخاذهن الحلي تجملًا لأزواجهن، وجواز السفر بالعارية، وهو محمول على رضا صاحبها. وقوله: على التماسه، أي لأجل طلبه، فعلى أجلية كقوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] أي لأجل هدايته لكم، وقوله: ليسوا على ماء، وليس معهم ماء، كذا للأكثر في الموضعين، وسقطت الجملة الثانية في الموضع الأول من رواية أبي ذَرٍّ واستدل بهذا على جواز الإِقامة في المكان الذي لا ماء فيه. وكذا سلوك الطريق التي لا ماء فيها. قيل: وفيه نظر، لأن المدينة كانت قريبة منهم، وهم على قصد دخولها.
قلت: هذا لا ينفي الإقامة على غير ماء، مع أنّ كونهم على القرب منها قاصدين الدخول فيها، ليس في جميع الروايات، بل في رواية واحدة، فلا يحكم بها على كل الروايات. ويحتمل أن يكون ﵊ لم يعلم بعدم الماء في الركب، وإن كان قد علم بأن المكان لا ماء فيه. ويحتمل أن يكون قوله "ليس معهم ماء" أي للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب، فيحتمل أن يكون معهم، والماء للوضوء محتمل لجواز إرسال المطر أو نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، كما وقع في مواطن أخرى.
وفيه اعتناء الإِمام بحفظ حقوق المسلمين، وإن قلت. فقد نقل ابن بطال أن ثمن العقد المذكور كان اثني عشر درهمًا، ويلتحق بتحصيل الضائع الإقامة للحوق المنقطع، ودفن الميت ونحو ذلك من مصالح الرعية. وفيه الإِشارة إلى ترك إضاعة المال وقوله: فأتى الناس إلى أبي بكر، فيه شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا إلى أبي بكر لكون النبي ﷺ كان نائمًا، وكانوا لا يوقظونه. وقوله: ألا ترى، بإثبات همزة الاستفهام الداخلة على لا،
стр. 2700
وعند الحمويّ "لا ترى" بإسقاطها. وقوله: أقامت برسول الله ﷺ والناس، أي بالجر، فيه نسبة الفعل إلى من كان سببًا فيه، لقولهم: صنعت وأقامت. وقوله: فعاتبني أبو بكر، وقال: ما شاء الله أن يقول، في رواية عمرو بن الحارث "فقال: حبست الناس في قلادة" أي بسببها. ويأتي عن الطبرانيّ أن من جملة ما عاتبها به قوله "في كل مرة تكونين عناء وبلاء على الناس"، وإنما قالت فعاتبني أبو بكر، ولم تقل أبي؛ لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب بالفعل مغاير لذلك في الظاهر. فلذلك أنزلته منزلة الأجنبي، فلم تقل أبي. وقوله: وجعل يَطْعُنني، هو بضم العين، وكذا في جميع ما هو حسي، وأما المعنوي فيقال طَعَن، بالفتح، هذا هو المشهور فيهما، وحكي الفتح فيهما والضم فيهما معًا.
وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وإن كان زوجها معها إذا علم رضاه بذلك، ولم تكن حالة مباشرة، وفيه تأديب الرجل ابنته، وإن كانت متزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلحق بذلك تأديب من له تأديبه ولو لم يأذن الإِمام. وقوله: فلا يمنعني من التحرك إلاّ مكان رسول الله ﷺ على فخذي، مكان مصدر ميمي، أي إلاّ كونه ﵊ على فخذي، وفيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة أو يحصل به تشويش لنائم، وكذا المصلي أو قارىء أو مشتغل بعلم أو ذكر.
وقوله: فقام حين أصبح، كذا أورده هنا، وأورده في فضل أبي بكر بلفظ "فنام حتى أصبح" وهي رواية مسلم، ورواه الموطأ والمعنى فيهما متقارب؛ لأن كلًا منهما يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح. وقال بعضهم: ليس المراد بقوله "حتى أصبح" بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح؛ لأنه قيد قوله حتى أصبح بقوله "على غير ماء" أي آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء، ورواية عمرو بن الحارث لفظها "أن النبيّ ﷺ استيقظ وحضرت" فإن أُعربت الواو حالية، وهو الظاهر، كان دليلًا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح، واستدل به على الرخصة في ترك التهجد في السفر،
стр. 2701
إن ثبت أن التهجد كان واجبًا عليه، وعلى أن طلب الماء لا يجب إلاّ بعد دخول الوقت، لقوله في رواية عمرو بن الحارث، بعد قوله "وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد"، وعلى أن الوضوء كان واجبًا عليهم قبل نزول آية الوضوء، ولهذا استعظموا إقامتهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع.
قلت: الاستعظام يمكن أن يكون لأجل الاحتياج إلى الماء في الشرب وغيره، وكذلك ما وقع في أبي بكر. وقال ابن عبد البَرّ: معلوم عند الجميع أهل المغازي أنه ﷺ لم يصلِّ منذ افترضت الصلاة عليه إلاّ بوضوء، ولا يدفع ذلك إلاّ جاهل أو معاند. قال: وفي قوله في هذا الحديث "آية التيمم" إشارة إلى أن الذي طرأ إليهم من العلم حكم التيمم لا حكم الوضوء، قال: والحكمة في نزول آية الوضوء مع ما تقدم العلم به، ليكون فرضه متلواً بالتنزيل. وقال غيره: يحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديمًا، فعلموا به الوضوء، ثم نزل بقيتها، وهو ذكر التيمم في هذه القصة. وإطلاق آية التيمم على هذا، من تسمية الكل باسم البعض، لكن رواية عمرو بن الحارث التي مرَّ أن المصنف أخرجها في التفسير، تدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة، فالظاهر ما قاله ابن عبد البر.
وقوله: فأنزل الله آية التيمم، قال ابن العربيّ: هذه معضلةٌ ما وجدت لدائها من دواء؛ لأنا لا نعلم أنّ الآيتين عنت عائشة. قال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة. وقال القرطبيّ: هي آية النساء، ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها بآية التيمم. وأورد الواحديّ في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضًا، وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد، لرواية عمرو بن الحارث، إذ صرّح فيها بقوله: فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ... الآية﴾ [المائدة: ٦]. وقوله ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ يحتمل أن يكون خبرًا عن فعل الصحابة، أي فتيمم الناس حين نزلت الآية. ويحتمل أن يكون حكاية لبعض الآية. وهو الأمر في قوله ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] بيانًا
стр. 2702
لقوله "آية التيمم"، أو بدلًا.
واستدل بالآية على وجوب النية في التيمم؛ لأن معنى "فتيمموا" فاقصدوا، وقد مرَّ الكلام على ذلك عند حديث "إنما الأعمال بالنيات" في آخر كتاب الإيمان. ووجوبها فيه هو قول فقهاء الأمصار إلاّ الأوزاعي. واستدل به على أنه يجب عليه قصد التراب، ولا يكفي هبوب الريح به، بخلاف الوضوء، كما لو أصابه مطر فنوى الوضوء به، فإنه يجزىء، والأظهر الإجزاء لمن قصد التراب من الريح الهابّة، بخلاف من لم يقصد، وهو اختيار الشيخ أبي حامد، قاله في الفتح. وعند المالكية إذا قصد التيمم بما هب في كفيه من إلقاء الريح حتى سترهما، فيه وجهان: الإجزاء وعدمه. واستظهر عليّ الأجهوريّ أنه لابد من وضع اليدين على الأرض، ويأتي الكلام على المراد بالصعيد الطيب، وعلى التيمم لكل فريضة، وعلى كيفية التيمم.
وقوله: ما هي بأول بركاتكم، بل مسبوقة بغيرها من البركات، والمراد بأبي بكر نفسه وأهله وأتباعه. وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها، وتكرار البركة منها. وفي رواية عمرو بن الحارث: لقد بارك الله للناس فيكم وفي تفسير إسحاق البستي أن النبي ﷺ قال لها: "ما كان أعظم بركة قلادتك" وفي رواية عروة الآتية قريبًا "فوالله ما نزل بك من أمر تكرهينه إلاّ جعل الله فيه للمسلمين خيرًا وفي النكاح إلاّ جعل الله لك منه مخرجًا وجعل للمسلمين فيه بركة" وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيقوي قول من قال بتعدد ضياع العقد.
وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخبازيّ فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق. وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أولًا، وقال الداوديّ: كانت قصة التيمم فني غزاة الفتح، ثم تردد في ذلك، وقد روى ابن أبي شَيبة عن أبي هريرة قال: لما نزلت آية التيمم لم أدرِ كيف أضع الحديث. وهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق؛ لأن إِسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف.
стр. 2703
ويأتي في المغازي أن البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة، ومما يدل على تأخر القصة أيضاً، عن قصة الإِفك، ما رواه الطبرانيّ عن عبَاد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضًا عقدي حتى حبس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بنية، في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة ثلاثًا، وفي إسناده محمد بن حميد الرازيّ فيه مقال.
ففي هذا الحديث التصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين، وقد جنح البخاري في التفسير إلى تعددها حيث أورد حديث الباب في تفسير المائدة، وحديث عروة في تفسير النساء، فكأن نزول آية المائدة بسبب عقد عائشة، وآية النساء بسبب قلادة أسماء. قلت: فعلى هذا يكون التيمم نزل في غزوتين مختلفتين. قال في الفتح: واتحاد القصة أظهر، ولم يظهر لي ظهوره مع ما ذكر مما هو قال على التعدد صريحًا. وقوله: فبعثنا البعير، أي أثرنا البعير الذي كنت عليه حالة السفر. وقوله: فأصبنا العقد تحته، أي وجدناه. وهو ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه أولًا لم يجدوه.
وفي رواية عروة الآتية في الباب الذي يليه: فبعث رسول الله ﷺ رجلًا فوجدها، أي القلادة. وللمصنف في فضل عائشة ومسلم "فبعث ناسًا من أصحابه في طلبها" ولأبي داود "فبعث أسيد بن حُضير وناسًا معه وطريق الجمع بين هذه الروايات أن أسيدًا كان رأس من بَعث لذلك، فلذلك سمي في بعض الروايات دون غيره. وكذا أسند الفعل إلى واحد بهم، وهو المراد به، وكأنهم لم يجدوا العقد أولًا، فلما رجعوا، ونزلت آية التيمم، وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير، وجده أسيد بن حُضَير. فعلى هذا، فقدله في رواية عروة الآتية "فوجدها" بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيرها.
وقال النوويّ: يحتمل أن يكون فاعل وجدها النبي ﷺ ، وقد بالغ الداودي
стр. 2704
في توهيم رواية عُروة، ونقل عن إسماعيل القاضي أنه حمل الوهم فيها على عبد الله بن نمير، وقد بان مما ذكرنا من الجمع بين الروايتين أن لا تخالف بينهما ولا وهم.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف.
والثاني: الإِمام مالك.
وقد مرا مع عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الرحمن بن القاسم في السادس عشر من كتاب الغُسل، ومرَّ أبوه القاسم في الحادي عشر منه، وفيه ذكر أسيد بن حُضير، وقد جاء تعريفه بعد هذا في الحديث الثالث من هذا الكتاب.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإِخبار كذلك، والعنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه القول. ورواته مدنيون ما خلا شيخ المؤلف أخرجه البخاري هنا وفي النكاح عن عبد الله بن يوسف، وفي فضل أبي بكر عن قتيبة. وفي التفسير والمحاربين عن إسماعيل بن أبي أويس، ومسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى، والنَّسائي فيها وفي التفسير عن قتيبة.
стр. 2705
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح قَالَ وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَقِيرُ قَالَ أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً".
قوله: وحدثني سعيد بن النضر قال: أخبرنا هُشيم، إنما لم يجمع البخاريّ بين شيخيه مع أنهما حدثاه به عن هشيم لأنه سمعه منهما مفترقين، وكأنّه سمعه من محمد بن سنان مع غيره، فلهذا جمع فقال: حدثنا محمد بن سنان وسمعه من سعيد وعده، فلهذا أفرد فقال: وحدثني، وكأنَّ محمدًا سمعه من لفظ هشيم، فلهذا قال: حدثنا، وكأنّ سعيدًا قرأه أو سمعه يُقرأ على هشيم، فلهذا قال: أخبرنا. ومراعاة هذا كله على سبيل الإصطلاح ثم إنّ سياق المتن لفظ سعيد ح، وقد ظهر بالاستقراء من صنيع البخاريّ أنه إذا أورد الحديث عن غير واحد يكون اللفظ للأخير، ومدار الحديث جابر هذا على هشيم بهذا الإِسناد.
وله شواهد من حديث ابن عباس وأبي موسى وأبي ذَرٍّ من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد حسان وقوله: أُعطيتُ خمسًا، بيّن عمرو بن شعيب في روايته أن ذلك كان في غزوة تبوك، وهي آخر غزوات النبي ﷺ . وقوله: لم يُعطهنَّ أحد قبلي، زاد في الصلاة من الأنبياء.
وفي حديث ابن عباس "لا أقولهن فخرًا" ومفهومه أنه لم يختص بغير الخمس
стр. 2706
المذكورة، لكن في حديث أبي هريرة عند مسلم مرفوعًا "فضلت على الأنبياء بستٍّ" فذكر أربعًا من هذه الخمس، وزاد خصلتين وهما "وأُعطيت جوامع الكَلِم، وخُتِم بي النبيّون" فتحصَّل منه ومن حديث جابر سبع خصال.
ولمسلم أيضًا عن حذيفة "فضلنا على الناس بثلاث خصال: جُعِلت صفوفنا كصفوف الملائكة" وذكر خصلة الأرض كما مرَّ، وذكر خصلة أخرى مبهمة، وبينهما ابن خُزيمة والنَّسائيّ وهي "وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش" يشير إلى ما حطه الله عن أمته من الإِصر، وتحميل مالا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا. ولأحمد عن عليّ "أعطيتُ أربعًا لم يُعطهن أحد من أنبياء الله: أُعطيت مفاتيح الأرض، وسُميت أحمد، وجُعلتْ أمتي خير الأمم" وذكر خصلة التراب فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة. وعند البزّار عن أبي هُريرة مرفوعًا "فُضلت على الأنبياء بست: غُفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجُعِلت أمتي خير الأمم، وأعطيتُ الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه" وذكر ثنتين مما تقدم. وله عن ابن عباس، رفعه "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم" قال: ونسيت الأخرى، فانتظم بهذا سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وذكر أبو سعيد النَّيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" أن عدد الذي اختُص به نبينا ﷺ ستون خصلة. وطريق الجمع بين الروايات المتقدمة هي أن يقال لعله اطلع أولًا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي، ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإِشكال من أصله.
وقوله: نُصرتُ بالرعب، زاد أبو أُمامة كما عند أحمد "يقذف في قلوب أعدائي" وقوله: مسيرة شهر، مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، وأما ما دونها فيمكن. لكن لفظ عمرو بن شعيب "ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر" فالظاهر اختصاصه به مطلقًا، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى لو كان
стр. 2707
وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال.
وليس المراد بالخصوصية مجرد حصول الرعب، بل هو وما ينشأ عنه من الظفر بالعدو. والحكمة في جعل الغاية شهرًا هي أنه لم يكن بينه وبين الممالك الكبار التي حوله ممثر من شهر، كالشام والعراق ومصر واليمن، فليس بين المدينة النبوية وبين الواحدة منها إلاَّ شهر فما دونه، وللطبراني عن السائب بن يزيد "شهرًا أمامي وشهرًا خلفي" وهذا غير مناف لحديث جابر. وله أيضًا عن أبي أُمامة "شهرًا وشهرين" وهذا التردد بي الشهر والشهرين إما أن يكون الراوي سمعه كما في حديث السائب، واما أنَّه لا أثر لتردده، لجزم غيره بالشهر.
وقوله: وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا أي موضع سجود، ولا يختص السجود بموضع منها دون موضع، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك. وقال التيمي: قيل: المراد جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا ولم تجعل له طهورًا لأنَّ عيسى كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة، وسبقه الداوديّ إلى هذا وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة، فأبيح لها في جميع الأرض إلاّ فيما تيقنوا نجاسته. والأظهر ما قاله الخطابيّ وهو أنّ من قبله إنما أُحلت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبِيَع والصوامع. ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ "وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم" وهذا نص في موضع النزاع، فتثبت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار عن ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه "ولم يكن من الأنبياء أحدٌ يصلي حتى يبلغ محرابه". قلت: فعلى هذا فلعل ما روي عن عيسى ﵊ من كونه يصلي حيث أدركته الصلاة، لم يثبت. وقوله: وطهورًا، استدل به على أن الطَّهور هو الطهر لغيره؛ لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها. وقد روى ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح، عن أنس مرفوعًا "جُعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا" ومعنى طيبة طاهرة، فلو كان معنى
стр. 2708
"طهورًا" طاهرًا للزم تحصيل الحاصل، واستدل به على أن التيمم يرفع الحدث، لاشتراكهما في هذا الوصف، وفيه نظر، ويأتي ما فيه.
وقوله: فأيما رجلٌ أي مبتدأ فيه معنى الشرط. وما زائدة للتأكيد. واستدل بقوله طهورًا على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أكد في رواية أبي أُمامة بقوله: "وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا" وهو قول مالك وأبي حنيفة ويحيى بن سعيد الأنصاريّ وابن خزيمة، ورواية عن أحمد وعند الشافعية. والرواية الأخيرة عن أحمد لابد من التراب التي يعلق منها شيء باليد، محتجين بقوله تعالى ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] جاعلين مِنْ للتبعيض، وجعلها الأولون لابتداء الغاية، أو صلة، بدليل حذفها في آية النساء، واحتج الأولون بما مرَّ وبعموم "فأيما رجل" فإنه يتناول جميع أجزاء الأرض، لقوله في الجواب "فليصل" يعني بعد أن يتيمم، ولا يقال هو خاص بالصلاة؛ لأنا نقول، لفظ حديث جابر مختصر، وفي رواية أبي أُمامة عند البيهقيّ فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة وجدَ الأرض طهوراً ومسجدًا. وعند أحمد "فعنده طهوره ومسجده". وفي رواية عمرو بن شعيب "فأينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت". وقد مرَّ قريبًا بيان أن معنى طهورًا في الحديث مطهر لا طاهر، واحتج ابن خزيمة لجواز التيمم بالسبخة، التي هي غير منبتة، بحديث عائشة في شأن الهجرة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "أُريت دار هجرتكم سبخة ذات نخل" يعني المدينة. قال: وقد سمى النبي ﷺ المدينة طيبة، فدل على أن السبخة داخلة في الطيب، واحتج من خص التيمم بالتراب بحديث حذيفة عند مسلم بلفظ "وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" وهذا خاص، فينبغي أن يحمل العام عليه، فتختص الطهورية بالتراب.
ودل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدًا دون الآخر على افتراق الحكم، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقًا كما في حديث الباب. ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب، بأن
стр. 2709
قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره. وأجيب بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب أخرجه ابن خزيمة وغيره. وفي حديث عليّ "وجعل التراب لي طَهورًا" أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، ويقوي القول بأنه خاص بالتراب أن الحديث سيق لإِظهار التشريف والتخصيص، فلو كان جائزًا بغير التراب لما اقتصر عليه.
قلت: الظاهر عندي أن ما أجيب به كله لا جواب فيه، أما الجواب بأن التربة وردت في الحديث بلفظ التراب، فهو دال على ترادف لفظ التربة والتراب، وهو الذي في القاموس وغيره من كتب العربية، فما قيل في التربة يقال في التراب. وما ذكر في الاستدلال بتفرقة اللفظين يقال فيه إن التعبير باللفظين إنما هو تفنن في العبارة، فإن التراب هي الأرض، ولذلك اقتصر على الأرض في حديث الباب وحديث أبي أُمامة، ومن أين لنا بأن الأرض والتراب متغايران لغة؟ وقد قال الله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠] وقال في آية أخرى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] برجوع الضمير إلى الأرض، وما ذلك إلاَّ لترادفهما. وقد قال كثير من المفسرين إن المرادَ أصلكم آدم، ومعلوم أن آدم خلق من جميع أجزاء الأرض كما هو منصوص، وكتب العربية يجعلون التراب هي الأرض، وعموم ذكر الأرض في حديث الباب مخصوص بما نهى الشارع عن الصلاة فيه، ففي حديث أبي سعيد الخدريّ مرفوعًا "الأرض كلها مسجد إلاّ المقبرة والحمام" رواه أبو داود وقال الترمذيّ: حديث فيه اضطراب، ولذا ضعفه غيره.
وفي حديث ابن عمر عند التِّرمذيّ وابن ماجه "نهى النبي ﷺ أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإِبل، وفوق ظهر بيت الله الحرام" قال الترمذيّ: إسناده ليس بالقوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قَبل حفظه. قلت: ولأجل الكلام في الحديثين المذكورين حمل مالك النهي في المسائل المذكورة على كراهة التنزيه في قول ضعيف عنده، والمشهور منه التفصيل في المسائل المذكورة، فتكره في معطن
стр. 2710
الإبل وتحرم على ظهر الكعبة الفريضة خاصة وتبطل، وفي النافلة قولان: وتجوز في غير هاتين إن أمنت النجاسة.
وقوله: فليصل، خبر المبتدأ الذي هو أي، وعرف مما مرَّ أن المراد فليصل بعد أن يتيمم.
وقوله: وأحلت لي الغنائم للكشميهنيّ المغانم، وهي رواية مسلم، وللمصنف في الجهاد "أحل الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا" وفي رواية سعيد بن المُسَيّب "لما رأى من أمر ضعفنا" وفيه إشعار بأن إظهار العجز بين يدي الله تعالى يستوجب ثبوت الفضل. قال الخطابيّ: كان من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته إن كان مقبولًا. وقيل: المراد أنه خص بالتصرف في الغنيمة، يصرفها كيف شاء. والأول أصوب، وهو أن من مضى لم تحل لهم الغنائم أصلًا، بل تجمع، فالمقبولة تنزل عليها نار من السماء فتأكلها، وغير المقبولة لا تنزل عليها نار، وتبقى.
ومن أسباب عدم القبول الغُلُول، كما يأتي في الجهاد، وقد مَنّ الله على هذه الأمة ورحمها، لشرف نبيها عنده، فأحل لهم الغنيمة، وستر عليهم الغلول، فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول ودخل في عموم أكل النار الغنيمة السبيُ، وفيه بعدٌ؛ لأن مقتضاه إهلاك الذُّرِّية ومن لم يقاتل من النساء، ويمكن أن يستثنوا من ذلك، ويلزم استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم، ويؤيده أنهم كانت لهم عبيد وإماء، فلو لم يجز لهم النبي لما كان لهم أرقاء، ويشكل على الحصر أنه كان السارق يسترق، كما في قصة يوسف ﵇، ولم أرَ مَنْ صرح بذلك. قاله في الفتح.
واستدل ابن بطال بما ذكر على جواز إحراق أموال المشركين، وتعقب بأن ذلك كان في تلك الشريعة، وقد نسخ بحل الغنائم لهذه الأمة، وأجيب عنه بأنه لا يخفى عليه ذلك، ولكنه استنبط من إحراق الغنيمة بأكل النار جواز إحراق
стр. 2711
أموال الكفار إذا لم يوجد السبيل إلى أخذها غنيمة، وهو ظاهر لأن هذا القدر لم يرد التصريح بنسخه، فهو محتمل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ. قلت: هذا لا يتردد فيه؛ لأن إضرار العدو واجب بحسب الإِمكان.
وقوله: وأُعطيتُ الشفاعة، قال ابن دقيق العيد: الأقرب أن اللام فيها للعهد، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وبذا جزم النّوويُّ وغيره. وقيل: الشفاعة التي اختُص بها أنه لا يرد فيما يسأل وقيل: الشفاعة في خروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان؛ لأن شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك. قاله عياض،. والظاهر أن هذه مرادة مع الأولى لأنه يتبعها بها، كما في حديث الشفاعة الآتي إن شاء الله في كتاب الرقاق. وقال البيهقيّ في البعث: يحتمل أن الشفاعة التي تختص بها أن يشفع لأهل الصغائر والكبائر، وغيره إنما شفع لأهل الصغائر دون الكبائر، قلت: الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، فلا يمكن أن يوجد من له صغائر بدون الكبائر، ونقل عياض أن الشفاعة المختصة به شفاعة لا ترد، وهذا هو عين القول الثاني.
وقد وقع في حديث ابن عباس "وأُعطيتُ الشفاعة، فأخرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا" وفي حديث عمرو بن شعيب "فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله" والظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة في هذا الحديث، إخراج من ليس له عمل صالح إلا التوحيد، وهو مختص أيضًا بالشفاعة الأُولى، لكن جاء التنويه بذكر هذه لأنها غاية المطلوب من تلك، لاقتضائها الراحة المستمرة، وقد ثبتت هذه الشفاعة في رواية الحسن عن أنس، كما يأتي في التوحيد "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأقول: يا رب، ائذن لي في من قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله". ولا يعكر على ذلك ما وقع عند مسلم قبل قوله "وعزتي" فيقول: "ليس ذلك لك، وعزتي ... الخ"، لأن المراد أنه لا يباشر الإِخراج كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة.
стр. 2712
وقوله: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامةً، وقع في رواية مسلم "وبُعثت إلى كل أحمر وأسود" فقيل: المراد بالأحمر العجم، وبالأسود العرب. وقيل: الأحمر الإِنس، والأسود الجن، وعلى الأول التنصيص على الإنس من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه مرسل إلى الجميع. قلت: لعل في العبارة قلبًا، وأصلها التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن الإِنس أعلى من الجن، وظاهر قوله في الحديث "لم يعطَهن أحد قبلي" يقتضي أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله، وهو كذلك، ولا يُعترض عليه بأن نوحًا ﵇ كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلاّ من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلًا إليهم؛ لأن هذا العموم لم يكن من أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا ﵊ فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك.
وأما قول أهل الموقف لنوح ﵇، كما صح في الحديث: أنت أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادًا، فهو مخصوص بتنصيصه، ، في عدة آيات على أن إرساله كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أُرسل إلى غيرهم. واستدل بعضهم بعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض فأُهلكوا بالغرق، إلّا أهل السفينة، فلو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أُهلكوا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإِسراء: ١٥] وقد ثبت أنه أوّل الرسل، والجواب القاطع عندي هو أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلاّ قومه، فبعثته خاصة، لكونها إلى قومه فقط، وهي عامة في الصورة، لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم، قلت: نص الآية صريح في أن المغرقين قومه، قال تعالى: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فيدل ذلك على أنه بعث إلى قومه خاصة، ولكن لم يكن موجودًا سواهم حينئذ، وأجيب بجواز أن يكون غيره أُرسل إليهم في أثناء مدته، وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمن من قومه ومن غيرهم، فأجيب: ويرد هذا الجواب
стр. 2713
أنه لم ينقل أنه نبّىء في زمن نوح غيره. قلت: ويرده أيضًا لحديث الصحيح المار "أنت أول رسول" إذ لو كان معه رسول لم يكن أول.
ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا ﵊ في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته، ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بَلَغَ بقية الناس، فتمادوا على الشرك، فاستحقوا العقاب، وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته، قال ابن عطية: قلت: ومعناه الإِرسال إلى غير قومه المنفي لقوله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ووجهه ابن دقيق العيد بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًا في حق بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامًا؛ لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم لم يقاتلهم، وغفل الداودي غفلة عظيمة فقال: قوله "لم يُعْطهن أحد" يعني لم يجمع لأحد قبله؛ لأن نوحًا بعث إلى كافة الناس، وأما الأربع فلم يعط أحد واحدةً منهن، وكأنه نظر في أول الحديث، وغفل. عن آخره؛ لأنه نص ﷺ على خصوصيته بهذه أيضًا، لقوله "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة".
وفي رواية مسلم "وكان كل نبي ... الخ" وظاهر الرواية السابقة عند مسلم "أرسلت إلى الخلق كافة" تؤيد قول من ذهب إلى إرساله ﵊ إلى الملائكة، كآية الفرقان ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ والصحيح أنه لم يبعث لهم؛ لأنهم نشأوا على التوحيد والعبادة جِبِلَّةً. ومن قال إنه بعث إليهم، قال إنه بعث إليهم ليعلمهم أدب العبودية بحضرة الرب.
رجاله ستة:
الأول: محمد بن سنان، وقد مرَّ في الأول من كتاب العلم.
والثاني: هُشيم (بالتصغير) بن بَشير، مكبر، ابن القاسم بن دينار السلميّ أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ. قيل: إنه بخاريّ الأصل، قال يزيد بن
стр. 2714
هارون: ما رأيت أحفظ من هشيم إلا الثَّوريّ. وقال عثمان بن أبي شيبة: ما رأيت يزيد يثني على أحد ما يثني على هُشيم: وقال إبراهيم الحربيّ: كان حفاظ الحديث أربعةٌ هشيم شيخهم يحفظ هذه الأحاديث المقاطيع حفظًا عجيبًا، وقال محمد بن حاتم المؤدب: قيل لهشيم: كم تحفظ؟ قال: كنت أحفظ في اليوم مئة، ولو سئلت عنها بعد شهر لأجبت. وقال علي بن معبد الرقّيّ: جاء رجل من أهل العراق إلى مالك، فذاكره في حديث فقال له: وهل بالعراق أحد يحسن الحديث إلا ذلك الواسطيّ، يعني هشيمًا. وقال حماد بن زيد: ما رأيت في المحدثين أنبل من هُشيم.
وقال إسحاق الزياديّ: اسمعوا من هشيم، فنعم الرجل هشيم. وقال نَصْر بن بسّام: رأيت معروفًا الكرخيّ، فسمعته يقول: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم وهشيم بين يديه، وهو يقول: جزاك الله تعالى عن أمتي خيرًا. وقال أبو حاتم: لا يسأل عن هشيم في صلاحه وصدقه وأمانته. وقال أحمد: كان هشيم كثير التسبيح، ولازمته أربعًا أو خمسًا ما سألته عن شيء هيبة له، إلاّ مرتين. وقال الحسين بن الحسين الروميّ: ما رأيت أكثر ذكرًا لله من هشيم. وقال ابن المبارك: من غير الدهر حفظه فلم يغبر حفظ هشيم. وقال ابن مهديّ: هشيم أحفظ للحديث من الثوريّ. قال: وسمعت وكيعًا يقول: نحّوا عني هُشيمًا في المذاكرة، وهاتوا من شئتم. وقال أيضًا حِفْظ هشيم أثبت عندي من حفظ أبي عُوانة، وكتاب أبي عُوانة أثبت من حفظ هشيم. وقال عمار. إذا اختلف أبو عوانة وهشيم فالقول قول هشيم، لم يعد عليه خطأ.
وقال الحارث بن شريح البقّال: سمعت يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: هشيم في حصين أثبت من سفيان وشعبة. وفي رواية عن ابن مهدي: أثبت منهما إلاّ أن يجتمعا. وقال أحمد: ليس أحد أصح حديثًا عن حصين من هشيم. وقال علي بن حَجَر: هشيم في ابني بشر مثل ابن عُيينة في الزُّهريّ. وقال عمرو بن عون: هشيم سمعت من الزُّهريّ نحوًا من مئة حديث، فلم أكتبها. وقال الهرويّ: كتب هشيم عن الزُّهري صحيفة بمكة، فجاءت
стр. 2715
الريح فحملت الصحيفة، فطرحتها فلم يجدها، وحفظ هشيم منها تسعة، وقيل إن ذكر شعبة بحديث الزُّهريّ، ولم يكن شعبة كتب عن الزهريّ، فأخذ شعبة الصحيفة وألقاها في دجلة، فكان هشيم يروي عن الزُّهريّ من حفظه، وكان يدلس. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان مدلسًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ثبتًا يدلس كثيرًا، فما قال فيه: حدثنا، فهو حجة، وما لم يقل فليس بشيء. وقال عبد الرزاق عن ابن المبارك: قلت لهشيم: لِمَ تدلس وأنت كثير الحديث؟ فقال: كبيران قد دلّسا: الأعمش وسفيان. وذكر الحاكم أن أصحاب هشيم اتفقوا على أن لا يأخذوا عنه تدليسًا. ففطن لذلك فجعل يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حصين ومغيرة، فلما فرغ قال: هل دلست لكم؟ قالوا: لا. قال: لم أسمع من المغيرة مما ذكرت لكم حرفًا واحدًا، إنما قلت حدثني حصين، وهو مسموع لي، وأما المغيرة فغير مسموع لي. وقال الخليليّ: حافظ متقن، تغير بآخر مدته، روى عن أبيه وخاله القاسم بن مِهران وعمرو بن دينار وعاصم الأحول وحميد الطويل، وسيار أبي الحكم، وخالد الحذاء والأعمش وخلق كثير. وروى عنه مالك بن أنس وشُعبة والثّوريّ، وهم أكبر منه، وابنه سعيد، وابن المبارك ووكيع ويزيد بن هارون، وخلق كثير. مات في شعبان سنة ثلاث وثمانين ومئة.
الثالث سعيد بن النضر البغداديّ أبو عثمان، سكن وآمُل جَيْحون، روى عن هشيم وعثمان بن عبد الرحمن الوقاص وغيرهما. وروى عنه البخاري والفضل بن أحمد بن سمهل الآمُليّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات. مات سنة أربع وثلاثين ومئتين.
الرابع سيّار بن أبي سيار، أبو الحكم العَنَزيّ الواسطيّ، ويقال البصريّ، واسم أبي سيار وَرْدان، وقيل: وَرْد، وقيل: دينار. روى عن ثابت البنانيّ وبكر بن عبد الله المُزَنيّ وأبي وائل، ويزيد الفقير والشعبيّ وغيرهم. وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد وشعبة والثَّوْريّ وقُرّة بن خالد وهُشيم وخلف بن خليفة وغيرهم. قال أحمد: صدوق ثقة ثبت في كل المشائخ. وقال ابن معين
стр. 2716
والنَّسائي: ثقة، وقال أسلم بن سهل الواسطيّ عن الليث بن بكّار عن أبيه: مات سنة اثنتين وعشرين ومئة وكان لنا جارًا.
الخامس يزيد بن صُهيب الفقير، أبو عثمان الكونيّ، كان يشكو أفقار ظهره، ولم يكن فقيرًا من المال. قال صاحب المحكم: رجل فقير، مكسور فقار الظهر. ويقال له فقير، بالتشديد أيضًا. روى عن جابر وأبي سعيد وابن عمر، وروى عنه سيّار أبو الحكم والحكم بن عُتبة وقيس بن سليم والمسعوديّ وأبو حنيفة وابن أبي ذيب والأعمش وآخرون. قال ابن مُعين: ثقة. وأبو حاتم وأبو زرعة والنَّسائيّ: ثقة صدوق. وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن خِراش: صدوق جليل عزيز الحديث.
والسادس جابر بن عبدالله، وقد مرَّ في الرابع من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بصريّ وواسطيّ وبغداديّ وكوفيّ، وفيه صورة الماء، وقد تقدم الكلام عليها في الخامس من بدء الوحي، وفيه سيار مبهمًا، ومرَّ أن المراد به سيار بن أبي سيار، ولهم شيخ آخر اسمه سيار، وهو تابعيّ شاميّ، أخرج له التِّرمذيُّ، وذكره ابن حِبان في الثقات، وإنما ذكرته لأنه روى معنى حديث الباب عن أبي أُمامة، ولم ينسب في الرواية كما لم ينسب سيار في حديث الباب، فربما ظنهما بعض من لا تمييز له واحدًا، فيظن في الإِسناد اختلافًا، وليس كذلك، أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة والخمس، ومسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة والنَّسائي في الطهارة بتمامه، وفي الصلاة ببعضها عن الحسن بن إسماعيل. ثم قال المصنف.
باب إذا لم يجد ماء ولا ترابًا
قال ابن رشيد: نزل البخاريّ فَقْدَ شرعية التيمم منزلة فقد التراب بعد شرعية التيمم، فكأنه يقول: حكمهم في عدم المطهر الذي هو الماء خاصة، كحكمنا
стр. 2717
في عدم المطهرين: الماء والتراب، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة؛ لأن الحديث ليس فيه أنهم فقدوا التراب، وإنما فيه أنهم فقدوا الماء فقط، ففيه دليل على وجوب الصلاة لفاقد الطهرين، ووجهه أنهم صلوا معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبي ﷺ ذلك، وحاصل مذاهب العلماء فيها خمسة أقوال: أربعة منها عند المالكية، كل واحد منها موافق لمذهب آخر إلاَّ القول الأول، وعندهم خاص لم يوافقوا عليه أيضًا. وكذلك عند الشافعية فيها أربعة أيضًا.
فمشهور مذهب مالك أنها ساقطة أداء وقضاء. قال خليل: وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد، ووجهه هو أن الطهر أداء وقضاء شرط في الوجوب. وعند ابن القاسم يصلي ويقضي، وهو مشهور مذهب الشافعيّ، أوجبوا الصلاة لحديث الباب، وأوجبوا القضاء احتياطًا، ولأن هذا عذر نادر لا يسقط الإِعادة. وقال أشهب: تجب الصلاة ولا يعيد، وهذا هو المشهور عنه وبه قال المزنيّ وابن المنذر، واختاره النوويّ في شرع المهذب قائلًا: إنه أدى وظيفة الوقت، وإنما يجب القضاء بأمر جديد، ولم يثبت فيه شيء، واحتج أهل هذا القول بحديث الباب قائلين: لو كانت الإِعادة واجبة لبينها النبي ﷺ ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وأُجيب بأن الإِعادة ليست على الفور، ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة.
قلت: مذهب المالكية أن الإِعادة على الفور. والرابع قول أَصْبَعْ: تحرم الصلاة الآن، لكونه محدثًا، ويجب القضاء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وبه قال النَّوريّ والأوزاعيّ، وقولٌ عند الشافعية.
والخاص عند المالكية قول القابسيّ، وهو أن المصلوب يومىء إلى الأرض بوجهه وكفه قاصدًا التيمم، وينوي الصلاة. وعند الشافعية قول حكاء النوويّ: تستحب الصلاة، وتجب الإِعادة. ونظم بعض المالكية الأقوال الموجودة في مذهبهم فقال:
ومن لم يجد ماء ولا مُيَمَّمًا ... فأربعة الأقوال يحكين مذهبًا
стр. 2718
يصلي ويقضي عكس ما قال مالك ... وأصبغ يقضي والأداء لِأشهبا
وللقابسي ذو الربط يُومي لأرضه ... بوجهٍ وكفٍّ للتيمم مطلبا
стр. 2719
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا.
قوله: فأدركتهم الصلاة، يعني الذين بعثوا في طلب العقد، وقوله: فصلوا بغير وضوء، كما صرح به مسلم في روايته والمصنف في فضل عائشة، وفي التفسير، وقد تقدمت مباحث الحديث مستوفاة، وطريق الجمع بين رواية عُروة والقاسم في الباب الذي قبله.
رجاله خمسة:
الأول: زكرياء بن يحيى من غير ذكر جد، فيحتمل زكرياء بن يحيى بن صالح اللؤلؤيّ، ويحتمل زكريا بن يحيى بن عمر الطائيّ الكوفيّ أبو السكين، وقد مرّ تعريفهما في الثالث عشر من كتاب الوضوء، وأيًا كان منهما فهو على شرطه، فلا يوجب الاشتباه بينهما قدحًا في الحديث.
الثاني: عبد الله بن نُمَير،. بضم النون، الهمدانيّ الخارفيّ، أبو هشام الكوفيّ قال أبو نعيم: سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر فقال: نِعم الرجل عبدالله بن نُمير. وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحى بن مُعين: إدريس أحب إليك في الأعمش، أو عبد الله بن نُمير؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو حاتم: كان
стр. 2720
مستقيم الأمر، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال العجليّ: ثقة صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث صدوق روى عن إسماعيل بن أبي خالد والأعمش ويحيى بن سعيد وهشام بن عروة والأوزاعيّ ويحيى بن سعيد الأنصاريّ وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد وأبو خَيْثمة ويحيى بن يحيى وعلي بن المدينيّ وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة وجماعة. مات سنة تسع وتسعين ومئة، ومرَّ هشام بن عروة وأبوه عروة وعائشة أم المؤمنين في الثاني من بدء الوحي.
وفي الحديث ذكر أُسَيد بن حُضير، بالتصغير فيهما ابن السِّماك بن عَتيك بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل، يكنى أبا يحيى على المشهور، وقيل: أبا عتيك، وقيل: أبا عيسى، وقيل: أبا حضير. وقيل أبا الحُصين. كان أبوه الحُضَير فارس الأَوس ورئيسهم يوم بُعاث، وكان أُسيد من السابقين إلى الإِسلام، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، وكان إسلامه على يد مصعب بن عُمير قبل إسلام سعد بن معاذ، واختلف في شهوده بدرًا، قال ابن سعد: كان شريفًا كاملًا، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن حارثة، وكان ممن ثبت يوم أحد، وجرح حينئذ سبع جراحات.
وفي البغويّ عن أبي هُريرة أن النبيّ ﷺ قال: "نعم الرجل أُسَيد بن حُضير" وفي ابن إسحاق عن عائشة قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد منهم يُلْحق في الفضل كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأُسيد بن الحُضير، وعبّاد بن بشر. وفي مسند أحمد عن عائشة قالت: كان أُسيد بن حُضير من أفاضل الناس، وكان يقول: لو أنّي أكون كما أكون على أحوال ثلاث، لكنت حين أسمع القرآن أو أقرأه، وحين أسمع خطبة رسول الله ﷺ ، وإذا شهدت جنازة. وفي الواقديّ: كان أبو بكر لا يقدم أحدًا من الأنصار على أُسيد بن حضير.
وقال ابن عبد البَرّ: كان أُسيد بن حُضير من أَحسن الناس صوتًا بالقرآن، وحديثه في استماع الملائكة قراءته، حين نفرت فرسه، حديث صحيحٌ جاءت
стр. 2721
به طرق صحاح. وفي ابن إسحاق عن أبي عطارد قال: جاء عامر بن الطفيل وأربد إلى رسول الله ﷺ ، فسألاه أن يجعل لهما نصيبًا من تمر المدينة، وأخذ أُسيد بن حُضير الرمحَ فجعل يقرع رؤوسهما ويقول: اخرجا أيها الهَجْرَسان. فقال عامر: من؟ فقال: أنا أُسيد بن حُضير. قال: حُضير الكتائب؟ قال: نعم. قال: كان أبوك خيرًا منك. قال: بل أنا خير منك ومن أبي، مات أبي وهو كافر. والهَجْرَس الثعلب. توفي أُسيد بن الحُضير في شعبان سنة إحدى وعشرين، وحمل عمر بن الخطاب بين العمودين من بني الأشهل حتى وضعه في البقيع. وقيل إنه حمل نعشه بنفسه بين الأربعة الأعمد، وصلى عليه، وأوصى إلى عمر بن الخطاب فنظر عمر في وصيته، فوجد عليه أربعة آلاف دينار، فباع نخله أربع سنين بأربعة آلاف، وقضى دَيْنَه. وقال: لا أترك بني أخي عالة فرد الأرض وباع تمرها.
والأشهليّ في نسبه نسبة إلى عبد الأشهل، أبو حيّ من الأنصار، وهو ابن جُشَم بن الحارث بن الخزرجيّ، وإليه يرجع كل أشْهليّ منهم سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن لموته.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين كوفيّ ومدنيّ. ثم قال المصنف
باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة
جعله مقيدًا بشرطين: خوف خروج الوقت، وفقد الماء. ويلتحق بفقده عدم القدرة على تحصيله، كما إذا كان في بئر وليس عنده آلة للاستسقاء، أو حال بينه وبينه عدوّ أو سبع. ثم قال: وبه قال عطاء، أي بهذا المذهب، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في مصنفه موصولًا عن عمر عن ابن جُريج عن عطاء، ووصله عبد الرزاق بسند صحيح، وليس في المنقول عنه تعرض لوجوب
стр. 2722
الإعادة، وعطاء المراد به ابن أبي رباح، وقد مرَّ في التاسع والثلاثين من كتاب العلم.
ثم قال: وقال الحسن في المريض عنده الماء ولا يجد من يناوله: يتيمم، أي كذلك يتيمم إذا خاف من الماء ضررًا، وإن وجد معينًا. وروى ابن أبي شيبة عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: لا يتيمم ما رجا أن يقدر على الماء في الوقت، ومفهومه يوافق ما قبله، والتعليق المذكور وصله إسماعيل القاضي في الأحكام من وجه صحيح، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه موصولًا معنى ما ذكره البخاريّ معلقًا، وقد مرَّ الحسن في الرابع والعشرين من الإِيمان.
ثم قال: وأقبل ابن عمر من أرضه بالجُرُف، فحضرت العصر بِمَرْبَد الغنم، فصلى ثم دخل المدينةَ والشمس مرتفعة، فلم يعد. والجُرُفُ، بضم الجيم والراء وقد تسكن، ما تجرفه السيول وتأكله من الأرض، والمراد به هنا موضع ظاهر المدينة كانوا يعسكرون به إذا أرادوا الغزو، وهو على فرسخ من المدينة. والمِرْبَد بكسر الميم وسكون الراء ثم موحدة مفتوحة، وحكى ابن التين أنه روي بفتح الميم، موضع تحبس فيه الإبل والغنم على ميل أو ميلين من المدينة.
وقوله: فصلى يعني بعد أن تيمم. كما في رواية مالك الآتية في الموطأ ورواية الشافعيّ. وقوله: "فَلم يُعد" أي الصلاة، وهذا يدل على أن ابن عمر كان يرى جواز التيمم للحاضر؛ لأن مثل هذا لا يسمى سفرًا، وبهذا يناسب الترجمة. وظاهره أن ابن عمر لم يراع خروج الوقت، لأنه دخل المدينة والشمس مرتفعة، لكن يحتمل أن يكون ظن أنه لا يصل إلاّ بعد خروج الوقت، ويحتمل أن يكون تيمم لا عن حدث، بل لأنه كان يتوضأ لكل صلاة استحبابًا، فلعله كان على وضوء فأراد الصلاة فلم يجد ماء كعادته، فاقتصر على التيمم بدل الوضوء. وعلى هذا فليس مطابقًا للترجمة إلاّ بجامع ما بينهما من التيمم في الحضر. قاله في الفتح.
قلت: هذا التأويل بعيد جدًا؛ لأنه لم ينقل عن أحد أن تجديد الوضوء
стр. 2723
يحصل بالتيمم، وقد اختلف السلف في المسألة، فذهب مالك إلى أنه أي الحاضر الصحيح العادم للماء، يتيمم ولا يعيد الصلاة، متمسكًا بهذا الذي رواه عن ابن عمر. ووجهه ابن بطّال بأن التيمم إنما ورد في المريض والمسافر لإِدراك وقت الصلاة، فيلتحق بهما الحاضر إذا لم يجد الماء قياسًا، وذهب الشافعيّ إلى أنه تجب الإِعادة لندرة فقد الماء في الحضر، بخلاف السفر. وعن أبي يوسف وَزُفَر لا يصلي إلى أن يجد الماء، ولو خرج الوقت. وقال العينيّ: فذهبنا جواز التيمم لعادم الماء في الأمصار. وفي شرح الطحاويّ: التيمم في المِصر لا يجوز إلاّ في ذي ثلاث: إذا خاف فوت صلاة الجنازة إنْ توضأ، وعند خوف فوت صلاة العيد، وعند خوف الجنب من البرد بسبب الاغتسال.
وهذا التعليق في موطأ مالك عن نافع، أنه أقبل هو وعبد الله من الجُرف الخ، وفيه أنه تيمم فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين. قال في الفتح: ولم يظهر سبب حذف البخاريّ لذكر التيمم مع أنه المقصود بالباب. قال العينيّ: لعله من الناسخ، واستمر الأمر عليه. وعبد الله مرَّ في كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 2724
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇.
قوله: من نحو بئرِ جمل، أي من جهة الموضع الذي يعرف بذلك، وهو بفتح الجيم والميم، وفي النَّسائيّ: بئر الجمل، وهو العقيق. وقوله: فلقيه رجل، هو أبو الجُهيم الراوي، كما بينه الشافعي في روايته لهذا الحديث. وقوله: فلم يرد عليه، أي بالحركات الثلاث: الكسر لأنه الأصل، والفتح لأنه الأخف، والضم لاتباع الراء. وقوله: حتى أقبل على الجدار، وللدارقطنيّ: حتى وضع يده على الجدار. وزاد الشافعيّ: "فحته بعصا" وهو محمول على أن الجدار كان مباحًا أو مملوكًا لإِنسان يعرفُ رضاه. قلت: هو لا يخلو من أن يكون لمسلم، وكل مسلم معلوم رضاه بذلك، أو الكافر مباح المال. وإذا كان ذميًا فهذا لا يلحقه فيه ضرر.
وقوله: فمسح بوجهه ويديه، وللأصيلي وأبي الوقت "وبيديه" بزيادة الموحدة، وللدارقطنيّ "فمسح بوجهه وذراعيه" وكذا للشافعيّ، وله شاهد أخرجه أبو داود عن ابن عمر، لكن خَطَّأ الحفاظ راويه في رفعه، وصوبوا وقفه، وقد مرَّ قريبًا أن مالكًا أخرجه موقوفًا عن ابن عمر. والثابت في حديث أَبي جُهيم لفظ "يديه وذراعيه". وقوله: ثم رد ﵇، زاد الطبراني في روايته في الأوسط
стр. 2725
"وقال إنه لا يمنعني أن أرد عليك إلاّ أني كنت على غير طُهر" أي فكره أن يذكر الله على غير طهارة؛ لأن السلام اسم من أسمائه تعالى، لكنه منسوخ بآية الوضوء أو بحديث عائشة "كان ﵊ يذكر الله على كل أحيانه".
والحديث كما قال النوويّ محمول على أنه كان عادمًا للماء حال التيمم، وهو مقتضى صنيع البخاري، وقد تعقب استدلاله به على جواز التيمم في الحضر بأنه ورد على سبب، وهو إرادة ذكر الله؛ لأن لفظ السلام من أسمائه، وما أريد به استباحة الصلاة، وأُجيب بأنه لما تيمم في الحضر لرد السلام، مع جوازه بدون الطهارة، فمن خشي فوت الصلاة في الحضر جاز له التيمم، بالأَوْلى لعدم جواز الصلاة بغير طهارة مع القدرة، وقيل: يحتمل أنه ﷺ لم يرد بذلك رفع الحدث، ولا استباحة محظور، وإنما أراد التشبه بالمتطهرين، كما شرع الإِمساك في رمضان لما يباح له الفطر، أو قصد تخفيف الحدث بالتيمم، كما يشرع تخفيف حدث الجنب بالوضوء، كما مرَّ.
واستدل به ابن بطال على جواز التيمم بالحجر؛ لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود، وأجيب بأن الغالب وجود الغبار على الجدار، لاسيما وقد ثبت أنه ﵊ حتّ الجدار بالعصا، ثم تيمم كما في رواية الشافعيّ المارة، فيحمل المطلق على المقيد، لكن يرد هذا الجواب تفرد الشافعيّ بتلك الزيادة، وعلوق الغبار في الحجارة قليل لا يحصل منه ما يتيمم به، ويأتي في الذي بعده الكلام على مسح الذراعين.
رجاله سبعة ، وفيه ذكر ميمونة.
الأول: يحيى بن بكر.
والثاني: الليث بن سعد. وقد مرا في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ الأعرج عبد الرحمن بن هُرْمُز في السابع من كتاب الإِيمان، ومرت ميمونة في الثامن والخمسين من كتاب العلم.
الرابع: جعفر بن الربيع بن شُرَحبيل بن حَسَنة الكنديّ، أبو شرحبيل
стр. 2726
المصريّ، رأى عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزَّبيديّ الصحابيّ، روى عن الأعرج وعمران بن مالك وأبي سَلمة وبَكير بن الأَشَجّ والزُّهْرِيّ وجماعة. وروى عنه ابن لُهَيعة والليث وعمر بن الحارث ونافع بن يزيد ويزيد بن أبي حبيب، وهو من أقرانه. قال أحمد: كان شيخًا من أصحاب الحديث، ثقة. وقال أبو زوعة: صدوق، وقال النَّسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، توفي سنة ست وثلاثين ومئة.
الخامس: عُمير بن عبد الله الهلاليّ، مصغر، أبو عبد الله المدَنِيّ، مولى أم الفضل، روى عن مولاته وابنيها عبد الله والفضل ابني العباس، وأبي جهْم بن الحارث الصِّمَّة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة، وروى عنه الأعرج وسالم أبو النظر وإسماعيل بن رجاء الزُّبيدِيّ وغيرهم. قال ابن إسحاق: كان ثقة، أخرجوا له حديثين: أحدهما في الصيام، والآخر في التيمم. وقال النَّسائي: ثقة، وذكره ابن حبّان في الثقات، مات في المدينة سنة أربع ومئة.
السادس: عبد الله بن يسار المدنيّ الهلاليّ، مولى ميمونة بنت الحارث، أخو عطاء بن يسار، ولم يخرج له أحد من الصحاح، ولم أجد له ذكر في تهذيب الكمال.
السابع: أبو الجُهَيم الصحابيّ، بالتصغير، ويقال أيضًا بكر ابن الحارث بن الصِّمّة، وقيل في نسبه غير ذلك. قيل اسمه عبد الله، وقيل اسمه الحارث، له هذا الحديث، وله حديث آخر أخرجه أحمد والبغويّ من طريق يزيد بن خُصَيفة إلى أبي جُهيم الأنصاريّ أن رجلين اختلفا الحديث. وفيه أن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف. وجعل ابن عبد البَرّ أبا جُهيم هذا ابن الحارث غير أبي جُهيم عبد الله بن جُهيم الأنصاريّ .. وقال: روى هذا بشر بن سعيد مولى الحضرميين عن النبي ﷺ ، في المار بين يدي المصلي "أنه لو يعلم ماذا عليه في المرور لكان أن يقف أربعين خريفًا خيرًا له من أن يمر بين يديه". وجعل ابن حجر في الإِصابة واحدًا، وفي الصحابة آخر، يقال له أبو الجُهَيم، وهو صاحب الأنبجاتيه، وهو غير هذا؛ لأنه قرشيٌّ وهذا أنصاريّ.
стр. 2727
لطائف إسناده:
وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه السماع والقول، ونصف الإِسناد والأول مصريون، والنصف الثاني مدنيون، ورواية الأعرج عن عمير رواية الأقران، وعبد الله بن يَسَار أخو عطاء بن يسار المذكور هنا ليس له في هذا الحديث رواية، ولذا لم يذكره المصنفون في رجال الصحيحين.
أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم في الطهارة منقطعًا، وهو موصول، وفيه عبد الرحمن بن يسار وهو وهم، وأخرجه أبو داود فيها عند عبد الملك بن شُعيب، والنَّسائيّ فيها عن الربيع بن سليمان. ثم قال المصنف
باب المتيمم هل ينفخ فيهما
أي في يديه، وإنما ترجم بلفظ الاستفهام لينبه على أن فيه احتمالًا كعادته، لأن النفخ يحتمل أن يكون لشيء علق بيده، خشي أن يصيب وجهه الشريف، أو علق بيده من التراب شيء كثير، فأراد بخفيفه لئلا يبقى له أثر في وجهه الكريم. ويحتمل أن يكون لبيان التشريع، ومن ثَمّ تمسك به من أجاز التيمم بغير التراب، زاعمًا أن نفخه يدل على أن المشترط في التيمم الضرب من غير زيادة على ذلك، فلما كان هذا الفعل محتملًا لما ذكر، أورده بلفظ الاستفهام، ليعرف الناظر أن للبحث فيه مجالًا.
стр. 2728
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ. فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِى سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا". فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
قوله: جاء رجل، قال في الفتح: لم أقف على اسمه، وفي الطبرانيّ أنه من أهل البادية، وقوله: فلم أُصِبْ الماء، بضم الهمزة، من الإصابة، أي لم أجده. وقوله: أما تذكر أنّا كنا في سفر، وزاد مسلم في سَرِية فأجنبنا، همزة أما للاستفهام، وكلمة ما للنفي، وموضعُ "أنّا كنا" نصب مفعول تذكر، وقوله: أنا وأنت تفسير لضمير الجمع في كنّا، وقوله: فاما أنت فلم تصلّ أي: إما لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو لاعتقاده أن التيمم عن الحدث الأصغر لا الحدث الأكبر. وقوله: وأمّا أنا فتمعّكتُ: أي تمرغت في التراب. كما في الرواية الآتية "فتمرغتُ" أي تقلبتُ، وكأنَّ عمار استعمل في هذه المسألة القياس؛ لأنه لما رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء، وقع على هيأة الوضوء، رأى أن التيمم عن الغسل يقع على هيأة الغُسل.
وما ذكر عن عمر من عدم جواز التيمم للجنب مذهب مشهور عنه، ووافقه عليه ابن مسعود، وجرت بينه وبين أبي موسى مناظرة في ذلك، كما يأتي. وقيل إن ابن مسعود رجع عن ذلك، واستفيد من هذا الحديث وقوع اجتهاد الصحابة في زمنه ﷺ ، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه، وإن لم يصب الحق.
стр. 2729
أمر عمر أيضًا بقضائها دليل لمن قال إن فاقد الطهرين لا يصلي ولا يقضي، كما مرَّ عن مالك.
وقوله: إنما كان يكفيك هكذا، وللحموي والمستملي "هذا" وقوله: وضرب بكفيه الأرض، في رواية غير أبي ذَرٍّ "فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض" وللأصيلي "في الأرض". وقوله: ونفخ فيهما، وفي رواية حجاج الآتية "ثم أدناهما من فيه" وهو كناية عن النفخ فيهما، إشارة إلى أنه كان نفخًا خفيفًا ويأتي في رواية أبي معاوية "ثم نفضها" بدل نفخ فيهما، والمراد تخفيف التراب إذا كان كثيرًا، فعند المالكية يستحب النفض الخفيف، بحيث لا يزيل ما تعلق بهما من الغبار؛ لأنه يندب نقل الغبار إلى الوجه عندنا.
وقوله: ومسح بهما وجهه وكفيه، قال في الفتح: فيه دليل على أن الواجب في التيمم هو الصفة المشروحة، أي من كونه ضربة واحدة، ومن الاقتصار على الكفين. قال: والزيادة على ذلك، لو ثبتت بالأمر، دلت على النسخ ولزم قبولها، لكن إنما وردت بالفعل، فتحمل على الأكمل. وهذا هو الأظهر من حيث الدليل. وذهب مالك وأحمد إلى هذا، فلا يجب عندهما المسح إلى المرفقين، ولا الضربة الثانية. لكن عند المالكية يسن المسح إلى المرفقين، والضربة الثانية يمسح بها يديه فقط. ولا يقال يلزم على هذا مسح الواجب بما هو سنة؛ لأنا نقول أثر الواجب باقٍ من الضربة الأولى مضافة إليه الضربة الثانية، بدليل أنه لو تركها وفعل الوجه واليدين معًا بالأُولى أجزأه. ويعيد المقصر على كوعيه في الوقت ندبًا دون المقتصر على الضربة الواحدة، لقوله: القول القائل بوجوب المسح إلى المرفقين عندنا، بخلاف الضربة الثانية، فالقول القائل بوجوبها ضعيف. قال في الفتح: والأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم، وحديث عمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه. والراجح عدم رفعه، فأما حديث أبي جُهيم فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن. وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الأباط، فأما رواية المرفقين ونصف الذراع ففيهما مقال.
стр. 2730
وأما رواية الأباط فقال الشافعيّ وغيره: إن كان ذلك وقع بأمر النبي ﷺ ، فكل تيمم صح للنبي ﵊ بعده فهو ناسخ، وإن كان وقع بغير أمره فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين كونُ عمّار كان يفتي بعد النبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولاسيما الصحابي المجتهد. ومذهب أبي حنيفة والشافعيّ وجوب ضربتين: ضربة لوجهه، وضربة ليديه. ووجوب المسح إلى المرفقين قياسًا على الوضوء، لحديث أبي داود "أنه ﵊ تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه" وروى الحاكم والدارقطنيّ عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" والقياس على الوضوء دليل على أن المراد بقوله في حديث عمار "وكفيه إلى المرفقين" وبقول أحمد.
وقال إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن خزيمة، وقال النوويّ رواه أبو ثور وغيره عن الشافعيّ في القديم قال: هذا القول وإن كان مرجوحًا فهو القوي في الدليل، وقال النوويّ في شرح مسلم في الجواب عن هذا الحديث: إن المراد به بيان صورة الضرب للتعليم، وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم، وتُعُقب بأنّ سياق القصة يدل أن المراد به بيان جميع ذلك؛ لأن ذلك هو الظاهر من قوله "إنما يكفيك" وأما ما استدل به من اشترط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك مشترط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر، وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة لذلك مع وجود هذا النص، وسياق هؤلاء يدل على أن التعليم وقع بالفعل.
ولمسلم عن يحيى بن سعيد والإسماعيليّ عن يزيد بن هارون أن التعليم وقع بالقول، ولفظهم "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض" زاد يحيى "ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك" واستدل بالنفخ على سقوط استحباب التكرار في التيمم، لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف، وعلى أن من غسل رأسه
стр. 2731
بدل المبيح في الوضوء أجزأه، أخذًا من كون عمار تمرغ في التراب للتيمم، وأجزأه ذلك.
رجاله ثمانية:
الأول: الأول آدم بن أبي إياس.
والثاني: شعبة بن الحجاج، وقد مرا في الثالث من كتاب الإيمان، ومرَّ الحَكَم بن عُتَيبة في الثامن والخمسين من كتاب العلم، ومرَّ عمار بن ياسر في الحادي والعشرين من كتاب الإِيمان، ومرَّ عمر بن الخطاب في الأول من بدء الوحي.
الرابع: ذرّ بن عبد الله بن زُرارة المُرْهِبي، بضم الميم وسكون الراء الهمدانيّ الكوفيّ. قال ابن مُعين والنَّسائيّ وابن خِراش: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، وكان يقص. وقال البخاريّ: صدوق في الحديث، وكذا قال الساجيّ، وزاد: كان يرى الإِرجاء، ووثقه ابن نُمير، وقال الأثرم عن أحمد: ما به بأس، وقال أبو داود: كان مُرجئيًا، وهجره إبراهيم النخعيّ وسعيد بن جبير للإرجاء. روى عن عبد الله بن راشد بن الهاد وسعيد بن عبد الرحمن بن أَبزى والمسيب بن عَجيبة وغيرهم. وروى عنه ابنه عمر والأعمش ومنصور والحكم بن عُتيبة وعطاء بن السائب وغيرهم. قال ابنه عمر: إنه شهد مع عبد الرحمن بن الأشعث قتاله للحجاج، وذلك سنة ثمانين.
الخامس: سعيد بن عبد الرحمن بن أَبزى الخُزاعيّ، مولاهم، الكوفيّ، روى عن أبيه وعن ابن عباس وواثلة. وروى عنه جعفر بن أبي المغيرة وطلحة بن مضر والحكم بن عُتيبة وعطاء بن السائب وغيرهم. قال النَّسائي: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن حنبل: حسن الحديث.
السادس: عبد الرحمن بن أبزى الخُزاعيّ، مولاهم الصحابيّ، قال
стр. 2732
البخاريّ والتِّرمذيّ وآخرون: له صحبة. وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ ، وصلى خلفه. وقال ابن السكين: استعمله عليٌّ رضي الله تعالى عنه، على خُراسان وأَسند عنه أنه قال: شهدنا مع علي ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة ثمان مئة نفسٍ بصفين، فقتل منا ثلاث مئة وستون نفسًا. وثبت في صحيح البخاري من رواية أبي المجالد أنه سأل عبد الرحمن بن أبزى، وابن أبي أوْفى عن السلف فقالا: كنا نصب الغنائم مع النبي ﷺ . وفي صحيح مسلم أن عمر قال لنافع بن عبد الحارث الخُزاعِيّ: من استعملتَ على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال: استعملت عليهم مولى قال: إنه قارىء لكتاب الله عالم بالفرائض. وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر، وفيه "إني وجدته أقرأهم لكتاب الله، وأفقههم في دين الله" وسكن عبد الرحمن بعد ذلك الكوفة، روى اثني عشر حديثًا، وروى عن أبي بكر وعمار وعمر وعلي وغيرهم. وروى عنه ابناه عبد الله وسعيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى والشعبيّ وأبو مالك الغِفاريّ وغيرهم. وأما ذكر ابن حبان له في الثقات التابعين، فلم يوافَق عليه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع أيضًا. وفيه القول، وفيه ثلاثة من الصحابة، ورواته ما بين خراسانيّ وكوفيّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي الطهارة عن عدد، ومسلم في الطهارة أيضًا عن إسحاق بن منصور، وأبو داود فيها أيضًا عن محمد بن كثير، والتِّرمذيّ فيها عن أبي حفص عمرو بن علي، والنَّسائيّ فيها عن محمد بن بَسار، وابن ماجه فيه عن بُندار. ثم قال المصنف
باب التيمم للوجه والكفين
أي هو الواجب، وأتى بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم ... إلخ ما مرَّ قريبًا.
стр. 2733
الحديث السادس
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ.
قوله عن الحكم، في رواية كريمة والأصيليّ أخبرني الحكم وهي رواية ابن المنذر أيضًا. وقوله: عن ابن عبد الرحمن، في رواية أبوي ذرٍّ والوَقْتِ "عن سعيد بن عبد الرحمن" وقوله: بهذا، أشار إلى سياق المتن الذي قبله من رواية آدم عن شعبة، وهو كذلك، إلّا أنه ليس في رواية حجاج قصة عمر، وحجاج في هذا الحديث المراد به ابن منهال. وقد روى النَّسائيّ هذا الحديث عن حجاج بن محمد عن شعبة بغير هذا السياق، والبخاريّ لم يرو عن حجاج بن محمد، وقد تابع البخاريَّ في حجاج بن منهال عليُّ بن عبد العزيز البغويّ، كما أخرجه ابن المنذر والطبرانيّ عنه، وخالفهما محمد بن خُزيمة البصريّ عنه، فقال: عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، ووهم في ذلك، فقد سقطت من روايته لفظة "ابن" ولابد منها؛ لأن أبزى لا رواية له في هذا الحديث، وقد مرَّ قريبًا ما في قوله "ثم أدناهما من فيه" في الذي قبله، ومرت فيه مباحث الحديث مستوفاة.
رجاله سبعة:
الأول: الحجاج بن منهال، مرَّ في الثامن والأربعين من كتاب الإِيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ عمار بن ياسر في الحادي والعشرين منه، ومرَّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين من كتاب العلم، ومرَّ ذَرّ بن عبد الله وسعيد بن عبد الرحمن وأبوه عبد الرحمن في الذي قبل هذا.
стр. 2734
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإِخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد، والعنعنة في ثلاثة مواضع وفيه القول.
ثم قال: وقال النضر: أخبرنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ذرًا يقول عن ابن عبد الرحمن بن أبزى: قال الحكم، وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه، قال: قال عمار: "وضوء المسلم يكفيه من الماء" قوله: وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه، أفاد النضر في هذه الرواية أن الحكم سمعه من شيخ شيخه سعيد بن عبد الرحمن، والظاهر أنه سمعه من ذَرٍّ عن سعيد، ثم لقي سعيدًا فأخذه عنه، وكأنّ سماعه من ذرٍّ كان أتقن، ولهذا أكثر ما يجيء في الروايات بإثباته.
وهذا التعليق وصله مسلم عن إسحاق بن منصور عن النضر. وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريق إسحاق بن راهويه عنه.
رجاله ستة:
مرَّ ذكر محالهم في الذي قبله، إلاّ النضر بن شميل، فإنه قد مرَّ تعريفه في متابعة بعد السابع عشر من كتاب الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه القول أولًا، والإخبار بصيغة الجمع ثانيًا، والعنعنة ثالثًا، والقول رابعًا، وخامسًا بينهما السماع، والعنعنة سادسًا، والقول سابعًا، والسماع ثامنًا، والعنعنة تاسعًا، والقول عاشرًا.
стр. 2735
الحديث السابع
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ سَمِعْتُ ذَرًّا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا، وَقَالَ تَفَلَ فِيهِمَا.
قوله: كنا في سرية فأجنبنا، أفادت هذه الرواية أن عمر أجنب أيضًا، فلهذا خالف اجتهاده اجتهاد عمار. وقوله: وتفل فيهما، التَّفْل، قال أهل اللغة: هو دون البزق، والنفث دونه.
رجاله ثمانية:
وتقدم في ذكره أولًا ذكر محالهم ما عدا سليمان بن حرب، وسليمان مرَّ في الرابع عشر من كتاب الإِيمان.
следующие страницы →