← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

بدل المبيح في الوضوء أجزأه، أخذًا من كون عمار تمرغ في التراب للتيمم، وأجزأه ذلك. رجاله ثمانية: الأول: الأول آدم بن أبي إياس. والثاني: شعبة بن الحجاج، وقد مرا في الثالث من كتاب الإيمان، ومرَّ الحَكَم بن عُتَيبة في الثامن والخمسين من كتاب العلم، ومرَّ عمار بن ياسر في الحادي والعشرين من كتاب الإِيمان، ومرَّ عمر بن الخطاب في الأول من بدء الوحي. الرابع: ذرّ بن عبد الله بن زُرارة المُرْهِبي، بضم الميم وسكون الراء الهمدانيّ الكوفيّ. قال ابن مُعين والنَّسائيّ وابن خِراش: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، وكان يقص. وقال البخاريّ: صدوق في الحديث، وكذا قال الساجيّ، وزاد: كان يرى الإِرجاء، ووثقه ابن نُمير، وقال الأثرم عن أحمد: ما به بأس، وقال أبو داود: كان مُرجئيًا، وهجره إبراهيم النخعيّ وسعيد بن جبير للإرجاء. روى عن عبد الله بن راشد بن الهاد وسعيد بن عبد الرحمن بن أَبزى والمسيب بن عَجيبة وغيرهم. وروى عنه ابنه عمر والأعمش ومنصور والحكم بن عُتيبة وعطاء بن السائب وغيرهم. قال ابنه عمر: إنه شهد مع عبد الرحمن بن الأشعث قتاله للحجاج، وذلك سنة ثمانين. الخامس: سعيد بن عبد الرحمن بن أَبزى الخُزاعيّ، مولاهم، الكوفيّ، روى عن أبيه وعن ابن عباس وواثلة. وروى عنه جعفر بن أبي المغيرة وطلحة بن مضر والحكم بن عُتيبة وعطاء بن السائب وغيرهم. قال النَّسائي: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن حنبل: حسن الحديث. السادس: عبد الرحمن بن أبزى الخُزاعيّ، مولاهم الصحابيّ، قال

стр. 2732

البخاريّ والتِّرمذيّ وآخرون: له صحبة. وقال أبو حاتم: أدرك النبي ﷺ ، وصلى خلفه. وقال ابن السكين: استعمله عليٌّ رضي الله تعالى عنه، على خُراسان وأَسند عنه أنه قال: شهدنا مع علي ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة ثمان مئة نفسٍ بصفين، فقتل منا ثلاث مئة وستون نفسًا. وثبت في صحيح البخاري من رواية أبي المجالد أنه سأل عبد الرحمن بن أبزى، وابن أبي أوْفى عن السلف فقالا: كنا نصب الغنائم مع النبي ﷺ . وفي صحيح مسلم أن عمر قال لنافع بن عبد الحارث الخُزاعِيّ: من استعملتَ على مكة؟ قال: عبد الرحمن بن أبزى. قال: استعملت عليهم مولى قال: إنه قارىء لكتاب الله عالم بالفرائض. وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر، وفيه "إني وجدته أقرأهم لكتاب الله، وأفقههم في دين الله" وسكن عبد الرحمن بعد ذلك الكوفة، روى اثني عشر حديثًا، وروى عن أبي بكر وعمار وعمر وعلي وغيرهم. وروى عنه ابناه عبد الله وسعيد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى والشعبيّ وأبو مالك الغِفاريّ وغيرهم. وأما ذكر ابن حبان له في الثقات التابعين، فلم يوافَق عليه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع أيضًا. وفيه القول، وفيه ثلاثة من الصحابة، ورواته ما بين خراسانيّ وكوفيّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي الطهارة عن عدد، ومسلم في الطهارة أيضًا عن إسحاق بن منصور، وأبو داود فيها أيضًا عن محمد بن كثير، والتِّرمذيّ فيها عن أبي حفص عمرو بن علي، والنَّسائيّ فيها عن محمد بن بَسار، وابن ماجه فيه عن بُندار. ثم قال المصنف باب التيمم للوجه والكفين أي هو الواجب، وأتى بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم ... إلخ ما مرَّ قريبًا.

стр. 2733

الحديث السادس حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمُ عَنْ ذَرٍّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ عَمَّارٌ بِهَذَا، وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. قوله عن الحكم، في رواية كريمة والأصيليّ أخبرني الحكم وهي رواية ابن المنذر أيضًا. وقوله: عن ابن عبد الرحمن، في رواية أبوي ذرٍّ والوَقْتِ "عن سعيد بن عبد الرحمن" وقوله: بهذا، أشار إلى سياق المتن الذي قبله من رواية آدم عن شعبة، وهو كذلك، إلّا أنه ليس في رواية حجاج قصة عمر، وحجاج في هذا الحديث المراد به ابن منهال. وقد روى النَّسائيّ هذا الحديث عن حجاج بن محمد عن شعبة بغير هذا السياق، والبخاريّ لم يرو عن حجاج بن محمد، وقد تابع البخاريَّ في حجاج بن منهال عليُّ بن عبد العزيز البغويّ، كما أخرجه ابن المنذر والطبرانيّ عنه، وخالفهما محمد بن خُزيمة البصريّ عنه، فقال: عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، ووهم في ذلك، فقد سقطت من روايته لفظة "ابن" ولابد منها؛ لأن أبزى لا رواية له في هذا الحديث، وقد مرَّ قريبًا ما في قوله "ثم أدناهما من فيه" في الذي قبله، ومرت فيه مباحث الحديث مستوفاة. رجاله سبعة: الأول: الحجاج بن منهال، مرَّ في الثامن والأربعين من كتاب الإِيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ عمار بن ياسر في الحادي والعشرين منه، ومرَّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين من كتاب العلم، ومرَّ ذَرّ بن عبد الله وسعيد بن عبد الرحمن وأبوه عبد الرحمن في الذي قبل هذا.

стр. 2734

لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإِخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد، والعنعنة في ثلاثة مواضع وفيه القول. ثم قال: وقال النضر: أخبرنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ذرًا يقول عن ابن عبد الرحمن بن أبزى: قال الحكم، وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه، قال: قال عمار: "وضوء المسلم يكفيه من الماء" قوله: وقد سمعته من ابن عبد الرحمن عن أبيه، أفاد النضر في هذه الرواية أن الحكم سمعه من شيخ شيخه سعيد بن عبد الرحمن، والظاهر أنه سمعه من ذَرٍّ عن سعيد، ثم لقي سعيدًا فأخذه عنه، وكأنّ سماعه من ذرٍّ كان أتقن، ولهذا أكثر ما يجيء في الروايات بإثباته. وهذا التعليق وصله مسلم عن إسحاق بن منصور عن النضر. وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريق إسحاق بن راهويه عنه. رجاله ستة: مرَّ ذكر محالهم في الذي قبله، إلاّ النضر بن شميل، فإنه قد مرَّ تعريفه في متابعة بعد السابع عشر من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه القول أولًا، والإخبار بصيغة الجمع ثانيًا، والعنعنة ثالثًا، والقول رابعًا، وخامسًا بينهما السماع، والعنعنة سادسًا، والقول سابعًا، والسماع ثامنًا، والعنعنة تاسعًا، والقول عاشرًا.

стр. 2735

الحديث السابع حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ سَمِعْتُ ذَرًّا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا، وَقَالَ تَفَلَ فِيهِمَا. قوله: كنا في سرية فأجنبنا، أفادت هذه الرواية أن عمر أجنب أيضًا، فلهذا خالف اجتهاده اجتهاد عمار. وقوله: وتفل فيهما، التَّفْل، قال أهل اللغة: هو دون البزق، والنفث دونه. رجاله ثمانية: وتقدم في ذكره أولًا ذكر محالهم ما عدا سليمان بن حرب، وسليمان مرَّ في الرابع عشر من كتاب الإِيمان.

стр. 2736

الحديث الثامن حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أبيه قَالَ قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ". قوله في هذه الرواية: يكفيك الوجه والكفان، هكذا هو في رواية الأصيلي، وغيره بالرفع على الفاعلية فيهما، وهو واضح. وفي رواية أبي ذرٍ وكريمة: يكفيك الوجه والكفين، بالنصب فيهما على المفعولية. إمّا بإضمار أعني، والتقدير يكفيك أن تمسح الوجه والكفين، أو بالرفع في الوجه على الفاعلية، والنصب في الكفين على أنه مفعول معه. وقيل إنه روي بالجر فيهما، ووجَّهَه ابن مالك بأن الأصل: يكفيك مسح الوجه والكفين، فحذف المضاف وبقي المجرور به على ما كان، واستفيد من هذه الرواية أن ما زاد على الكفين ليس بفرض، وقد مرَّ الكلام على ذلك مستوفى في الرواية الأُولى. رجاله ثمانية: ذكروا أول ذكره ما عدا محمد بن كثير، فإنه مرَّ في الثاني والثلاثين من كتاب العلم.

стр. 2737

الحديث التاسع حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ شُعْبَةُ عَن الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. قوله: وساق الحديث، لم يسق المتن في هذه الرواية، بل قال: وساق الحديث، وظاهره أن لفظه يوافق اللفظ الذي قبله. رجاله ثمانية: مرت محالها عند أول ذكره ما عدا مسلم بن إبراهيم، فلم يذكر هناك، وقد مرَّ تعريفه في السابع والثلاثين من كتاب الإِيمان.

стр. 2738

الحديث العاشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. ساق الحديث في هذه الرواية نازلًا من طريق غندر عن شعبة، والظن أنه قصد بإيراد هذه الطرق الإِشارة إلى أن النضر تفرد بزيادته وأنّ الحَكَم سمعه من سعيد بلا واسطة، واختصر المصنف أيضًا سياق غندر، وقد أخرجه أحمد عنه وابن خُزيمة في صحيحه عن محمد بن بشّار شيخ البخاريّ، وسياقه أتم، ذكر فيه قصة عمر، وذكر فيه النفخ أيضًا، وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في هذا الباب من رواية ستة أنفس، وبينه وبين شعبة بن الحجاج في الطريق الأخير اثنان، وفي الطرق الخمسة السابقة واحد، ولم يسقه تامًا من رواية واحد منهم، ولم يذكر جواب عمر رضي الله تعالى عنه، وليس ذلك من المؤلف، فقد أخرجه البيهقيّ من طريق آدم كذلك، نعم ذكر جوابه مسلم من طريق يحيى بن سعيد، والنَّسائيّ من طريق حجاج بن محمد، كلاهما عن شعبة، ولفظهما "فقال لا تصلِّ" زاد السراج "حتى تجد الماء" وقد مرت مباحثه. رجاله ثمانية: ذكروا عند أول ذكره، ما عدا محمد بن بشار وغندر، أما محمد بن بشار فقد مرَّ في الحادي عشر من كتاب العلم، وأما غندر فقد مرَّ في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان. ثم قال المصنف

стр. 2739

باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه عن الماء باب بالتنوين، خبر مبتدأ أي هذا باب، والصعيد مبتدأ، والطيب صفته، ووضوء المسلم خبر، والصعيد الطيب: الأرض الطاهرة، فإن الصعيد وجه الأرض، فعيل بمعنى مفعول، أي مصعود عليه. وقال قتادة: الصعيد الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر. وقال أبو إسحاق: الطيب النظيف، وأكثر العلماء على أنه الطاهر. وقيل الحلال. وقيل: الطيب ما تستطيبه النفس، وعزا بعضهم للشافعيّ أنه قال: صعيدًا طيبًا: أي ترابًا منبتًا، والشافعي غير قائل باشتراط الإنبات في التراب التي يجوز التيمم بها. فقد قال النوويّ: الإنبات ليس بشرط على الأصح، ومعنى الترجمة أن التيمم يغنيه عن الماء عند عدمه حقيقة أو حُكمًا. والترجمة لفظ حديث أخرجه البزار عن أبي هريرة مرفوعًا، وصححه ابن القَطّان، لكن قال الدارقطنيّ: إن الصواب إرساله، وروى أحمد وأصحاب السنن عن عمرو بن بُجْدان، بضم الموحدة وسكون الجيم، عن أبي ذر ونحوه، ولفظه "إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين" وصححه التِّرمذيّ وابن حِبّان والدارقطني، ومعنى "وإن لم يجد الماء عشر سنين" أنه يفعل التيمم مرة بعد أخرى، وإن بلغت مدة عدم الماء عشر سنين، وليس المعنى أن التيمم دفعة واحدة بكفيه عشر سنين. ثم قال: وقال الحسن يُجزئه التيمم ما لم يحدث. قوله: يُجزئه، بضم المثناة التحتية، مهموزًا، أي يكفيه. وقوله: ما لم يحدث، أي مدة عدم حَدَثه، وفي مصنف حماد بن سَلَمة عنه قال: يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد كالوضوء. وهذا مذهب الحنفية، قالوا نيابة عن الوضوء فله حكمه. وقال الأئمة الثلاثة: لا يصلي إلاّ فرضًا واحدًا، لأنه طهارة ضرورية بخلاف الوضوء، وقد صح فيما قاله البيهقيُّ عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة. قال: ولا نعلم له مخالفًا من الصحابة إلاّ ما روى ابن المنذر عن ابن عباس أنه لا يجب، والنذر كالفرض.

стр. 2740

واعترف البيهقيّ بأنه ليس في المسألة حديث صحيح من الطرفين، والأصح صحة الجنائز بعد الفرض، لشبه صلاة الجنازة بالنفل في جواز الترك، وتعينها عند انفراد المكلف عارض، وقد أبيح عند الجمهور بالتيمم الواحد النوافل مع الفريضة، إلاّ أن مالكًا اشترط تقدم الفريضة واتصال النافلة بها. وشذّ شُريك القاضي فقال: لا يصلي بالتيمم الواحد أكثر من صلاة واحدة، فرضًا كانت أو نفلًا، واحتج المصنف لعدم الوجوب بعموم قوله في حديث الباب "فإنه يكفيك" أي: ما لم تحدث أو تجد الماء، وحمله الجمهور على الفريضة التي تيمم من أجلها، ويصلي به ما شاء من النوافل، فإذا حضرت فريضة أخرى وجب طلب الماء، فإن لم تجد تيمم. والتعليق وصله عبد الرزاق ولفظه "يُجزي تيمم واحد ما لم يحدث" وابن أبي شيبة في مصنفه ولفظه "لا ينقض التيمم إلاّ الحدث" وسعيد بن منصور ولفظه "التيمم بمنزلة الوضوء، إذا توضأت فأنت على وضوء حتى تحدث" وهو أصرح في مقصود الباب. والحسن المراد به البصريّ، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من كتاب الإيمان. ثم قال: وأَم ابن عباس وهو متيمم، وأشار المصنف بهذا إلى أن التيمم يقوم مقام الوضوء، ولو كانت الطهارة ضعيفة لما أَم ابن عباس وهو متيمم، من كان متوضئًا، وهذا مذهب مالك والشافعيّ وأبي حنيفة والجمهور، خلافًا للأوزاعيّ. قال: الضعيف طهارته نعم لا تصح ممن تلزمه الإِعادة، كمقيم تيمم لعدم الماء عند الشافعية. والتعليق وصله ابن أبي شيبة والبيهقيّ وغيرهما، وإسناده صحيح، وسيأتي في باب "إذا خاف الجنب" لعمرو بن العاص مثله، وعبدالله بن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي. ثم قال: وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بالصلاة على السَّبْخَة، والتيمم بها. والسبخة، بمهملة وموحدة ثم معجمة مفتوحات: هي الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت، وإذا وصفت الأرض قلت: أرض سَبِخة، بكسر الموحدة. وهذا الأثر يتعلق بقوله في الترجمة "الصعيد الطيب" أي أَن المراد بالطيب الطاهر كما

стр. 2741

مرَّ، وقد مرَّ ما قيل في الصعيد عند الترجمة، ولم يخالف في دخول السبخة في الطيب إلاّ ابن راهويه، فلم يجوّز التيمم بها. ويحيى بن سعيد المراد به الأنصاريّ، وقد مرَّ في الأول من بدء الوحي، ولم أر من وصل هذا الأثر.

стр. 2742

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلاَنٌ ثُمَّ فُلاَنٌ ثُمَّ فُلاَنٌ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأَنَّا لاَ نَدْرِى مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلاً جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ لِصَوْتِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ قَالَ: "لاَ ضَيْرَ أَوْ لاَ يَضِيرُ ارْتَحِلُوا". فَارْتَحَلَ فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ، فَدَعَا بِالْوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ. قَالَ: "مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟. قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلاَنًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَهُ عَوْفٌ وَدَعَا عَلِيًّا فَقَالَ: "اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ". فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالاَ لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا. قَالاَ لَهَا: انْطَلِقِي إِذًا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ قَالاَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَتِ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِىءُ؟ قَالاَ: هُوَ الَّذِى تَعْنِينَ فَانْطَلِقِي. فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَحَدَّثَاهُ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ أو

стр. 2743

السَّطِيحَتَيْنِ وَأَوْكَأَ أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ الْعَزَالِىَ، وَنُودِىَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا وَاسْتَقُوا. فَسَقَى مَنْ شَاءَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرَ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الْجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ قَالَ: "اذْهَبْ، فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ". وَهْىَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا، وَأَيْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا، وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اجْمَعُوا لَهَا". فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ وَدَقِيقَةٍ وَسَوِيقَةٍ، حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، فَجَعَلُوهَا فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْهَا. قَالَ لَهَا: "تَعْلَمِينَ مَا رَزِئْنَا مِنْ مَائِكِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى أَسْقَانَا". فَأَتَتْ أَهْلَهَا، وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ. فَقَالُوا: مَا حَبَسَكِ يَا فُلاَنَةُ؟ قَالَتِ الْعَجَبُ، لَقِيَنِي رَجُلاَنِ فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِىءُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لأَسْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ. وَقَالَتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ: تَعْنِى السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلاَ يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِى هِيَ مِنْهُ، فَقَالَتْ يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى أَنَّ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْدًا، فَهَلْ لَكُمْ فِى الإِسْلاَمِ؟ فَأَطَاعُوهَا فَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ. قوله: كنا في سفر، اختلف في تعيين هذا السفر، ففي مسلم عن أبي هريرة، أنه وقع عند رجوعهم من خيبر قريبٌ من هذه القصة. وفي أبي داود عن ابن مسعود "أقبل النبي ﷺ من الحُدَيبيةِ ليلًا، فنزل فقال: مَن يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا ... الحديث". وفي الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلًا "عرّس رسول الله ﷺ ليلةً بطريق مكة، ووكّل بلالًا" وفي مصنف عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلًا أن ذلك كان بطريق تبوك. وللبيهقيّ في الدلائل نحوه، عن عقبة بن عامر. وروى مسلم حديث أبي قتادة في نومهم عن صلاة الصبح مطولًا، ورواه البخاريّ في الصلاة مختصرًا، ولم يعينا. وفي رواية لأبي داود أن ذلك كان في جيش الأُمراء، وتعقب بأن جيش

стр. 2744

الأمراء كان في غزوة مؤتة، ولم يحضرها النبي ﷺ ، ولكن يحتمل أن يكون المراد بغزوة جيش الأمراء غزوة أخرى غير غزوة مؤتة، واختلف هل كان نومهم عن صلاة الصبح مرة أو أكثر؟ فجزم الأصيليّ بأن القصة واحدة، وتعقبه عياض بأن قصة أبي قتادة مُغايرة لقصة عِمران بن حصين، فإن قصة أبي قتادة، كما يأتي فيها، أن أبا بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، لم يكونا مع النبي ﷺ لما نام. وقصة عمران فيها أَنَّهُما كانا معه، كما بين قريبًا. وفي قصة عمران أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبي ﷺ حتى أيقظه عمر بالتكبير وقصة أبي قتادة فيها أن أوّل مَنْ استيقظ النبي ﷺ . وفيهما عير من أن عبد الله بن رباح راوي الحديث عن أبي قتادة ذكر أن عِمران بن حصين سمعه وهو يحدث بالحديث بطوله، فقال له: انظر كيف تحدث، فإني كنت شاهدًا القصة، قال: فما أنكر عليه من الحديث شيئًا، فهذا يدل على اتحادها. لكن لمدعي التَّعدد أن يقول: يحتمل أن يكون عمران حضر القصتين، فحدّث بإحداهما، وصدّق عبد الله بن رباح لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى، ومما يدل على تعدد القصة اختلاف مواطنها كما مرَّ. وحاول ابن عبد البرّ الجمع بينها بأنّ زمان رجوعهم من خيبر قريب من زمان رجوعهم من الحديبية، وأن اسم طريق مكة يصدق عليها، وهذا ظاهر البطلان، لأن طريق خيبر إلى جهة الشام لا جهة مكة، ورواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك ترد عليه. وروى الطبرانيّ عن عمرو بن أمية شبيهًا بقصة عمران، وفيه أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مُخبر، وأخرجه من طريق ذي مخبر أيضًا، وأصله عند أبي داود، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أن بلالًا هو الذي كلأ لهم الفجر، وذكر فيه أن النبي ﷺ كان أولهم استيقاظًا كما في قصة أبي قتادة. ولابن حبّان في صحيحه عن ابن مسعود أن كلأ لهم الفجر. وهذا أيضًا يدل على تعدد القصة. وقوله: أسْرينا، قال الجوهري: تقول: أسريت وسَرَيت بمعنى إذا سَرَيت ليلًا. وقال صاحب المحكم: السُّرى سير عامة الليل، وقيل سير الليل كله، والحديث يخالفه. وقوله: وقعنا وقعة، أي نمنا نومة، وقوله: ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، أي من الوقعة في آخر الليل، وكلمة "لا" لنفي الجنس، ووقعة

стр. 2745

اسمها، وأحلى خبرها، وقيل: خبرها محذوف، وأحلى صفة لوقعة. وفي رواية أبي قتادة عند المصنف أن سبب نزولهم في تلك الساعة سؤالُ بعض القوم في ذلك، وفيه أن رسول الله ﷺ قال "أخاف أن تناموا عن الصلاة، فقال بلال: أنا أوقظهم" وقوله: فكان أول من استيقظ فلان، أول بالنصب؛ لأنه خبر كان مقدمًا، وفلان اسمها، وفلان بدل من أول على أنه اسم كان التامة المستغنية عن الخبر، بمعنى وُجِد. وقول الزركشيّ إن "مَنْ" نكرة موصوفة، فيكون أول نكرة أيضًا لإضافته إلى نكرة، أي أول رجل استيقظ. قال الدمامينيّ: إنه لا يتعين لجواز كونها موصولة، أي: وكان أول الذين استيقظوا، وأعاد الضمير بالإِفراد رعاية للفظ مَن، وفلان المستيقظ أولًا هو أبو بكر الصديق، كما أخرجه المصنف في علامات النبوءة. وقوله: ثم فلان، يحتمل أن يكون عِمران الراوي؛ لأن ظاهر سياقه أنه شاهد ذلك، ولا تمكنه مشاهدته إلاّ بعد استيقاظه. قال في المصابيح: الأَوْلَى أن يجعل هذا من عطف الجُمَل، أي ثم استيقظ فلان، إذ تَرَتُّبُهم في الاستيقاظ يدفع اجتماعهم جميعهم في الأولية، ولا يمتنع أن يكون من عطف المفردات. ويكون الاجتماع في الأولية باعتبار البعض لا الكل، أي أن جماعة استيقظوا على الترتيب، وسبقوا غيرهم في الاستيقاظ. لكن هذا لا يتأتى على رأي الزركشيّ؛ لأنه قال: أي أول رجل، فإذا جعل هذا من قبيل عطف المفردات، لزم الإِخبار عن جماعة بأنهم أوّل رجل استيقظ، وهو باطل. وقوله: ثم فلان، يشبه أن يكون من شارك عمران في رواية هذه القصة المعنية، وهو ذو مخبر، كما في الطبرانيّ عنه أنه قال: فما أيقظني إلاّ حر الشمس، فجئت أدنى القوم فأيقظته، وأيقظ الناس بعضهم بعضًا حتى استيقظ ﷺ . ويأتي قريبًا تعريف ذي مخبر. وقوله: فنسي عَوف، يعني نسي تسمية الثلاثة، مع أن شيخه كان يسميهم، وقد شاركه في روايته عنه سَلَم بن زُرير، فسمى أول من استيقظ كما أخرجه المصنف في علامات النبوءة، وهو أبو بكر كما مرَّ.

стр. 2746

وقوله: ثم عمر بن الخطاب الرابع، صفة لعمر المرفوع عطفًا على ثم فلان، أو بالنصب خبر كان أي ثم كان عمر بن الخطاب الرابع من المستيقظين. وقوله: إذا نام لم يُوقَظ، بضم المثناة التحتية مبنيًا للمفعول مع الإِفراد، وللأربعة ثم "نوقظه" بنون التكلم وكسر القاف، والضمير المنصوب للنبي ﷺ . وقوله: لا ندري ما يحدث له، أي بضم الدال من الحديث، أي من الوحي، كانوا يخافون قطع الوحي بإيقاظه، فلا يوقظونه لاحتمال ذلك. قال ابن بطال: يؤخذ منه التمسك بالأمر الأعم احتياطًا. وقوله: وكان رجلًا جَليدًا، بفتح الجيم من الجلادة أي: الصلابة، زاد مسلم هنا "أجوف" أي رفيع الصوت، يخرج صوته من جوفه بقوة. وقوله: حتى استيقظ بصوته، بالباء الموحدة أي: بسبب صوته، وللأربعة لصوته، باللام، أي لأجل صوته، وإنما استعمل التكبير لسلوك طريق الأدب، والجمع بين المصلحتين الذكر والاستيقاظ، وخص التكبير لأنه أصل الدعاء إلى الصلاة. وقوله: الذي أصابهم، أي من نومهم عن صلاة الصبح حتى خرج وقتها. وقوله: قال لا ضير أو لا يَضير: أي لا ضرر، والشك من عوف كما صرح به البيهقيّ في روايته. ولأبي نعيم في المستخرج "لا يسوء ولا يضير". وفيه تأنيس لقلوب الصحابة، لما عرض لهم من الأسف على ذوات الصلاة في وقتها، بأنهم لا حرج عليهم، إذ لم يتعمدوا ذلك. وقوله: ارتحلوا، بصيغة الأمر للجماعة المخاطَبين، من الصحابة، واستدل به على جواز تأخير الفائتة عن وقت ذكرها إذا لم يكن عن تغافل أو استهانة. وقوله: فارتحل، أي النبي ﷺ ومن معه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر "فارتحلوا" أي عقب أمره ﵊ بذلك، وبين مسلم عن أبي هريرة السبب في الأمر بالارتحال من ذلك الموضع الذي ناموا فيه،. ولفظه "فإن هذا منزل حَضَرنا فيه الشيطان" ولأبي داود عن ابن مسعود "تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغَفْلة" وهذا يرد على من زعم أن العلة فيه كون ذلك كان وقت الكراهة، بل في حديث الباب أنهم لم يستيقظوا حتى وجدوا حر الشمس. ولمسلم عن أبي هُريرة "حتى ضربتهم الشمس" وذلك لا يكون إلاّ بعد أن يذهب وقت الكراهة،

стр. 2747

وقيل: إنما أخّر ﵊ الصلاةَ لاشتغالهم باحوالها. وقيل: تحرزاً من العدو. وقيل: انتظارًا لما نزل عليه من الوحي، وقيل: ليستيقظ من كان نائمًا، وينشط من كان كسلانًا. وروي عن ابن وهب وغيره، أن تأخير قضاء الفائتة منسوخٌ بقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وفيه نظر؛ لأن الآية مكية والحديث مدنيّ، وكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟ وقد تكلم العلماء في الجمع بين حديث النوم هذا وحديث "إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي" قال النوويّ: له جوابان أحدهما: أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به، كالحدث والألم، ولا يدرك ما يتعلق بالعين؛ لأنها نائمة والقلب يقظان. والثاني: أنه كان له حالان: حال كان قلبه لا ينام، وهو الأغلب، وحال ينام فيه قلبه، وهو نادر، فصادف قصة النوم عن الصلاة. قال: والمعتمد هو الأول، والثاني ضعيف، ولا يقال القلب، وإن كان لا يدرك ما يتعلق بالعين من رؤية الفجر مثلًا، لكنه يدرك إذا كان يقظانًا مرورَ الوقت الطويل، فإن من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميت الشمس مدة طويلة لا تخفى على من لم يكن مستغرقًا؛ لأنا نقول: يحتمل أن يقال إنه كان قبله عليه الصلاة، إذ ذاك، مستغرقًا بالوحي، ولا يلزم مع ذلك وصفه بالنوم، كما كان ﷺ يستغرق حالة إلقاء الوحي في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك بيان التشريع بالفعل؛ لأنه أوقع في النفس، كما في قضية سهوه في الصلاة. وقريب من هذا جواب ابن المنير أن القلب قد يحصل له السهو في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم أولى أو على السواء، وقد أجيب عن الإِشكال بأجوبة أخرى ضعيفة، منها أن معنى قوله: لا ينام قلبي، أي لا يخفى عليه حالة انتقاض وضوئه، ومنها أن معناه لا يستغرق بالنوم حتى يوجد منه الحدث، وهذا قريب من الذي قبله. قال ابن دقيق العيد: كأنّ قائل هذا أراد تخصيص يقظة القلب بإدراك حالة الانتقاض، وذلك بعيد، وذلك أن قوله ﷺ "إنّ عينيّ تنامان ولا ينام قلبي" خرج جوابًا عن قول عائشة: أتنام قبل أن توتر؟ وهذا كلام لا تعلق له بانتقاض الطهارة الذي تكلموا فيه، وإنما هو جواب يتعلق بأمر الوتر، فتحمل يقظته على تعلق القلب باليقظة للوتر، وفرق بين من شرع في النوم مطمئن القلب به وبين من شرع فيه متعلقًا باليقظة.

стр. 2748

قال: فعلى هذا فلا تعارض، ولا إشكال في حديث النوم حتى طلعت الشمس؛ لأنه يحمل على أنه ﵊ اطمأنّ في نومه لما أوجبه تعب السير، معتمدًا على من وكّله بكلاءة الفجر، ومحصله تخصيص اليقظة المفهومة من قوله "ولا ينام قلبي" بإدراكه وقت الوتر إدراكًا معنويًا، لتعلقه به، وأن نومه في حديث الباب كان نومًا مستغرقًا ويؤيده قول بلال له: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، كما في حديث أبي هريرة عند مسلم، ولم ينكر عليه، ومعلوم أن نوم بلال كان مستغرقًا، واعترض عليه بأن ما قاله يقتضي اعتبار خصوص السبب، وأجاب بأنه يعتبر إذا قامت عليه قرينة، وأرشد إليه السياق، وهو هنا كذلك، قلت: بل يعترض بأنه موجب إبطال حديث النوم، ومساواة النبي ﷺ لغيره في النوم، فمن كان شرع في النوم متعلق القلب باليقظة، كان له ذلك، ومن شرع في النوم مطمئن القلب به، لم يحصل له ذلك الانتباه، فلا خصوصية له إذًا بأنّ عينيه تنامان ولا ينام قلبه، وهذا باطل يديه. ومن الأجوبة الضعيفة أيضًا قول من قال: كان قلبه يقظانًا، وعلم خروج الوقت، لكن ترك إعلامهم بذلك عمدًا لمصلحة التشريع، وقول من قال: المراد بنفي النوم عن قلبه أنه لا يطرأ عليه أضغاث أحلام كما يطرأ على غيره، بل كل ما يراه في نومه حق ووحيٌ. وأقرب هذه الأجوبة إلى الصواب الأول على الوجه الذي قررناه. وهذه المعارضة والأجوبة عنها قد مرت في باب "السمر في العلم" بعينها، فهي هنا مكررة. وقال القرطبيّ: أخذ بهذا بعض العلماء، فقال من انتبه من نوم عن صلاة فاتته في سفر، فليتحول عن موضعه، وإن كان واديًا فليخرج منه، وقيل: إنما يلزم في ذلك الوادي بعينه، وقيل: هو خاص بالنبي ﷺ ؛ لأنه لا يعلم من حال الوادي ولا غيره ذلك إلاّ هو، وقال غيره: يؤخذ منه أن من حصلت له غفلة في مكان عن عبادة استحب له التحول منه، ومنه أمره ﵊ الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحويل من مكانه إلى مكان آخر. وقوله: فسار غير بعيد، يدل على أن الارتحال المذكور وقع على خلاف

стр. 2749

سيرهم المعتاد. وقوله: ونودي بالصلاة، واستدل به على الأذان للفوائت، وتعقب بأن النداء أعم من الأذان، فيحتمل أن يراد به هنا الإِقامة، وأجيب بأن عند مسلم عن أبي قَتادة التصريحُ بالتأذين، وكذا عند المصنف في أواخر المواقيت، وبالأذان للفائتة قال الشافعيّ في القديم، وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثَور وابن المنذر، مستدلين بما في حديث أبي قتادة من قوله "قم فأذّن بالناس بالصلاة" وبما رواه أبو داود عن عمران بن حصين "ثم أمر مؤذنًا فأذنَ فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم أقام ثم صلى الفجر". وقال مالك والأوزاعيّ، والشافعيّ في الجديد: لا يؤذَّن لها، واستدلوا بحديث جابر عند البخاريّ في المواقيت "فتوضأ لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب" وأجابوا عن حديث أبي قتادة يحمل الأذان فيه على الإِقامة، وتعقب هذا بأنه عقب في الحديث الأذان بالوضوء، ثم بارتفاع الشمس، فلو كان المراد به الإِقامة لما أخر الصلاة عنها، وأجيب أيضًا بحمله على المعنى اللغويّ، وهو محض الإِعلام، ولاسيما على رواية الكشميهنيّ، فإنّ فيها "فآذن" بالمد وحذف الموحدة من بالناس، وآذن معناه أعلم. قلت: ورواية غير الكشميهنيّ المارة دالة أيضًا على أن المراد به الإِعلام، لأن لفظها كما مرَّ "أذن بالناس بالصلاة" وهذا هو لفظ القرآن في الإِعلام بالحج، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، فلو كان المراد الأذان الشرعيّ لقال: أذّن للصلاة أو بالصلاة، واعترض الآخرون الاستدلال بحديث جابر، بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الراوي الأذان لها، وقد عرف من عادته ﷺ الأذان للحاضرة، فدل على أن الراوي ترك ذكر ذلك، لا أنّه لم يقع في نفس الأمر، وأجيب باحتمال أن تكون المغرب لم يتهيأ إيقاعها إلاّ بعد خروج وقتها، على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، ويؤيد هذا ما في حديث أبي سعيد من قوله "فصلى بعد مضي هَوِيّ من الليل". وقوله: فصلى بالناس، فيه مشروعية الجماعة في الفائتة، وعليه أكثر أهل العلم إلاّ الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت. وقوله: إذا هو

стр. 2750

برجل، يأتي ما قيل فيه في السند. وقوله: أصابتني جنابة ولا ماء، بفتح الهمزة، أي معي أو موجود، وحذفُ الخبر أبلغ في عذره لما فيه من عموم النفي كأنه نفى وجود الماء بالكلية، بحيث لو وجد بسبب أو سعى لحصله، فإذا نفى وجوده مطلقًا كان أبلغ في النفي وأعذر له. وقوله: عليك بالصعيد فإنه يكفيك، أي المذكور في الآية الكريمة، فاللام فيه للعهد، ويؤخذ منه الاكتفاء في البيان بما يحصل به المقصود من الإِفهام، لأنه أحاله على الكيفية المعلومة من الآية، ولم يصرح له بها، ودل قوله: يكفيك، على أن المتيمم في مثل هذه الحالة لا يلزمه القضاء، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: يكفيك أي للأداء، فلا يدل على ترك القضاء. وفي الحديث جواز الاجتهاد بحضرة النبي ﷺ ، لأن سياق القصة يدل على أن التيمم كان معلومًا عندهم، لكنه صريح في الآية عن الحدث الأصغر، بناء على أن المراد بالملامسة ما دون الجماع، وأما الحدث الأكبر فليست صريحة فيه، فكأنه كان يعتقد أن الجنب لا يتيمم، فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النبي ﷺ عن هذا الحكم، ويحتمل أنه كان لا يعلم مشروعية التيمم أصلًا، فكان حكمه حكم فاقد الطهورين، ويؤخذ من هذه القصة أن للعالم إذا رأى فعلًا محتملًا أن يسال فاعله عن الحال فيه، ليوضح له وجه الصواب. وفيه التحريض على الصلاة في الجماعة، وأنّ ترك الشخص الصلاة بحضرة المصلين مَعيب على فاعله بغير عذر. وفيه حسن الملاطفة والرفق في الإنكار. وقوله: فدعا فلانًا، هو عمران بن حصين، كما يأتي قريبًا. وقوله: فابتغيا، أي بالتاء الفوقية بعد الباء الموحدة من الابتغاء، وللأصيليّ: فابغيا، وهو من الثلاثي، وهمزته همزة وصل، ولأحمد "فابغيان" والمراد الطلب. يقال: ابتغ الشيء أي تطلبه، وابغ الشيء أي اطلبه، وابغني أي اطلب لي. وفيه الجوي على العادة في طلب الماء وغيره، دون الوقوف عند غرقها، وإنّ التسبب في ذلك غير قادح في التوكل. وقوله: بين مزادتين أو سطحتين، المزادتان تثنية مَزَادة، بفتح الميم والزاي، قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، فلذلك سميت مزادة،

стр. 2751

وتسمى السطيحة، لتسطيح أحد الجلدين على الآخر. والشك من عوف الراوي، لخلو رواية مسلم عن أبي رجاء منه. وفي رواية مسلم "فإذا نحن بامرأةٍ سادلة، أي مدلية رجليها بين مزادتين" والمراد بهما الراوية. وقوله: من ماء على بعير، سقط "من ماء" عند ابن عساكر. وقوله عهدي به أمسِ، بالبناء على الكسر عند الحجازيين، خبر لمبتدأ الذي هو عهدي، وعند تميم يعرب غير منصرف للعلمية والعدل. وقوله: هذه الساعةَ، بالنصب على الظرفية. وقال ابن مالك: أصله في مثل هذه الساعة، فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، بعد حذف في. وقوله: ونفرنا خلوفًا: النفر ما دون العشرة أو الناس، وهو اللائق هنا لأنها أرادت أن رجالها تخلّفوا لطلب الماء أوغيره. وخُلوف، بضم الخاء المعجمة واللام، جمع خالف. والخالف المستقي، ويقال لمن غاب، ولعله المراد هنا، أي أنّ رجالها غابوا عن الحي، وخلوفًا بالنصب على الحال، السادّة مسد الخبر، كما في رواية المستملي والحموي، أو منصوبًا بكان المقدرة أي كانوا خلوفًا. وهذا هو الأظهر. وفي رواية الأصيلىّ خُلوفٌ بالرفع خبر المبتدأ أي: غُيب. وقوله: الصابي، بلا همزة، أي الماثل، ويروى بالهمزة من صبأ صُبُوءًا، أي خرج من من دين إلى دين. ويأتي تفسيره للمصنف في آخر الحديث. وقوله: هو الذي تعنين، أي تردين، وفيه حسن أدب؛ لأنهما لو قالا: لا لإِلفات المقصود، ولو قالا نعم، لكان فيه تقرير لكونه ﵊ صابئًا، فتخلصا بهذا اللفظ أحسن تخلص، وأشار إلى ذاته الشريفة، لا إلى تسميتها. وفيه جواز الخلوة بالأجنبية في مثل هذه الحالة، يعني عند تعددهما وأمن الفتنة. وقوله: فاستنزلوها عن بعيرها، أي طلبوا منها النزول عنه، وجمع باعتبار عليّ وعِمران ومن تبعهما ممن يعينهما. وقوله: ففرغ فيه، من التفريغ. وللكشميهنيّ: فأفرغ فمه من الإفراغ. وقوله: من أفواه المزادتين أو السَّطيحتين، جمع الأفواه في موضع التثنية، على حد قوله تعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] إذ ليس لكل مزادة

стр. 2752

سوى فم واحد. وقوله: وأوكأ أفواههما، أي ربط. وقوله: وأطلق العَزَالي: أي فتح، والعزالي، بفتح المهملة والزاي وكسر اللام، ويجوز فتحها وفتح الياء، جمع عزلاء، بإسكان الزاي والمد، أي فم المزادتين الأسفل، وهي عُرْوتها التي يخرج منها الماء بسعة، ولكل مزادة عزلاوان من أسفلها. وزاد الطبرانيّ والبيهقيّ من هذا الوجه "فتمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين" وبهذه الزيادة تتضح الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، ويعرف منها أن البركة إنما حصلت بمشاركة ريقه الطاهر المبارك للماء. قلت: صب ﵊ من غير المحل الذي خالطه ريقه، لتبقى بركة ريقه مخالطة للماء، فلا يخرج الريق من الماء، فتزول عنه البركة. وقوله: أسقوا بهمزة قطع مفتوحة، من أسقى، أو بهمزة وصل مكسورة من سَقى، أي أسقوا غيركم، كالدوابّ. وقوله: واستقوا، أي اشربوا أنتم، فالفرق بين استقى وسقى هو أن الأول سقيه لنفسه والثاني سقيه لغيره من ماشيته ونحوها. وقيل فيهما بالعكس، وقيل إنهما بمعنى، والأول أصح. وقوله: وكان آخر ذلك "أن أعطى" يجوز في آخر النصب على أنه خبر كان مقدمًا، والرفع على أن "أن أعطى" هو الخبر، والأول، كما قال أبو البقاء، أقوى؛ لأنّ أن والفعل أعرف من المعرف بالإِضافة، وقد قرئ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [العنكبوت: ٢٩] بالوجهين، واستدل بهذه القصة على تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره، كمصلحة الطهارة بالماء لتأخير المحتاج إليهما عمن سقى واستقى. ولا يقال وقع في رواية سَلَم بن زرير "غير أنّا لم نسق بعيرًا" لا نقول هو محمول على أن الإِبل لم تكن محتاجة إذ ذاك للسقي، فيحمل قوله "فسقى" على غيرها. وقوله: فأفرغه، بهمزة قطع في أفرغه، وقوله: وأيمُ الله، بفتح الهمزة وكسرها والميم مضمومة، أصله أَيْمُنُ الله، وهو اسم وُضع للقسم هكذا، ثم حذفت منه النون تخفيفًا وألفه ألف وصل مفتوحة، ولم يجىء كذلك غيرها. وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: أيْمُ الله قسمي. وفيها لغات كثيرة

стр. 2753

نحو عشرين، تأتي إن شاء الله تعالى في اليمين. وقوله: أشد مِلأةً، بكسر الميم وسكون اللام بعد همزة، أي امتلاءً، وفي رواية البيهقيّ "أملأ منها" والمعنى أنهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر مما كانَ أولًا. قال بعض العلماء الأقدمين: إنما أخذوها واستجازوا أخذ مائها، لأنها كانت كافرة حربية، وعلى تقدير أن يكون لها عهد، فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عوض، وإلا فنفس الشارع تفدى بكل شيء على سبيل الوجوب. قلت: الذين أخذوها لم يأخذوا شيئًا من مائها، وإنما أتوا بها النبيّ ﷺ ، وبعد مجيئها له لم ينقص من مائها شيئًا، بل زاد كما هو ظاهر الحديث، فلا يحتاج إلى ما ذكر، وهذا من أعظم آياته وباهر دلائل نبوته، حيث توضأوا وشربوا وسقوا واغتسل الجنب، بل رواية مسلم بن زرير أنهم ملأوا كل قربة كانت معهم، مما سقط من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتين، بل تخيل الصحابة أن ماءهما أكثر مما كان أولًا. وقوله: اجمعوا لها لعله تطييبًا لخاطرها في مقابلة حبسها في ذلك الوقت عن المسير إلى قومها، وما نالها من مخافتها أخذ مائها، لا أنه عوض عما أُخذ من الماء، ففيه جواز الأخذ للمحتاج برضى المطلوب منه، أو بغير رضاه إن تعين. وفيه جواز المعاطاة في مثل هذا من الريبات والإباحات من غير لفظ من المعطي والآخذ. وقوله: من بين عَجوة، بفتح أوله، تمر بالمدينة معروف. وقوله: ودقيقة وسويقة، بفتح أولهما، ولكريمة بضمة مصغران مع تثقيل الثاني. وقوله: حتى جمعوا لها طعامًا، زاد أحمد في روايته كثيرًا وفيه إطلاق لفظ الطعام على غير الحنطة والذرة، خلافًا لمن أبى ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: حتى جمعوا لها طعامًا ما، أي غير ما ذكر من العجوة وغيرها. وقوله: قال: تَعَلَّمين، بفتح أوله وثانيه وتشديد اللام، أي اعلمي، وللإسماعيليّ: قال لها رسول الله ﷺ . وللأصيلىّ: قالوا فتحمل على أنهم قالوا لها ذلك بأمره ﵊. وقوله: ما رَزِئنا من مائك شيئًا، بفتح الراء وكسر الزاي، ويجوز فتحها،

стр. 2754

وبعدها همزة ساكنة، أي نقصنا. وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده وأنه لم يختلط فيه شي من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة، وهو ظاهر قوله "ولكن الله أسقانا" بالهمز. ولابن عساكر "سقانا" ويحتمل أن يكون المراد ما نقصنا من مقدار مائك شيئًا. واستدل بهذا على جواز استعمال أواني المشركين ما لم يتعين فيها النجاسة. وفيه إشارة إلى أن الذي أعطاها ليس على سبيل العوض عن مائها، بل على سبيل التكرم والتفضل، وقد اشتمل على علم عظيم من أعلام النبوءة. وقوله: فقالوا: ما حبسك؟ وللأصيلىّ "فقالوا لها" وفي رواية "قالوا" بدون فاء. وقوله: قالت العجب، أي حبسني العجب. وقوله: إلى هذا الذي، ولأبي ذَرٍّ "إلى هذا الرجل الذي" وقوله: لأسحر الناس من بين، عبرت عن النيانية، وكان المناسب التعبير بقي بدل من، على أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. وقوله: وقالت بأصبعها، أي أشارت، وهو من إطلاق القول على الفعل، والوسطى والسَّبابة يشار بهما عند المخاصمة والسب، وهي أي السبابة، المُسَبِّحة أيضًا، لأنها يشار بها إلى التوحيد والتنزيه. وقوله: أو إنه لرسول الله حقًا؟ هذا منها لم يثبت به الإِيمان للشك، لكن أخذت في النظر فاعقبها الحق فآمنت بعد ذلك. وقوله: بعد ذلك يغيرون، للأصيلي "بعد يغيرون" وهو بضم الياء، من أغار، ويجوز فتحها من غار، وهو قليل. وقوله: الصِّرْم الذي هي منه، بكسر الصاد المهملة وسكون الراء، النفر النازلون بأهليهم على الماء، أو أبيات من الناس مجتمعة، وإنما لم يغيروا عليهم، وهم كفرة للطمع في إسلامهم بسببها، أو لرعاية ذمامها. وقوله: فقالت يومًا لقومها: ما أرى هؤلاء القوم يدعونكم محمدًا، ما موصولة، وأرى بفتح الهمزة بمعنى أعلم، والمعنى الذي أعتقده أن هؤلاء يتركونكم عمدًا لا غفلة، ولا خوفًا منكم، بل مراعاة لما سبق بيني وبينهم، وهذه الغاية في مراعاة الصحبة اليسيرة، وكان هذا القول سببًا لرغبتهم في الإِسلام. وفي رواية

стр. 2755

أبي ذَرٍّ "ما أرى أن هؤلاء القوم" وما موصولة، وأن بالفتح، والمعنى كالرواية الأولى. وقيل: ما نافية، وإنْ بالكسر، والمعنى: لأعلم ما لكم في تخلفكم عن الإِسلام مع أنهم يدعونكم عمدًا. وللأصيليّ وابن عساكر: "مَا أدري أن" بالدال بعد الألف، وأنَّ بفتح الهمزة والتشديد، وهي في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إياكم عمدًا لماذا هو؟ وقال أبو البقاء: الجيد أن يكون "إن هؤلاء" بالكسر على الإهمال والاستئناف، ولا يفتح على إعمال "أدري" فيه، لأنها قد عملت بطريق الظاهر، ويكون مفعول "أدري" محذوفًا والمعنى: لا أدري لماذا تمتنعون من الإِسلام، إن المسلمين تركوا الإغارة عليكم عمدًا مع القدرة. واستشكل ما وقعَ بان الاستيلاء على الكفار بمجرده يوجب رق النساء والصبيان، وإذا كان كذلك، فقد دخلت المرأة في الرق باستيلائهم عليها، فكيف وقع إطلاقها وتزويدها؟ والجواب هو أنها أُطلقت لمصلحة الاستئلاف الذي جر دخول قومها أجمعين في الإِسلام، ويحتمل أنها كان لها أمان قبل ذلك، أو كانت من قوم لهم عهد، واستدل به بعضهم على جواز أخذ أموال الناس عند الضرورة بثمن، إن كان له ثمن، وفيه نظر، لابناه على أن الماء كان مملوكًا للمرأة وأنها كانت معصومة النفس والمال، ويحتاج إلى ثبوت ذلك، وإنما قدمناه احتمالًا قلت: هكذا كله غير محتاج إليه، لما مرَّ من أن الماء لم يؤخذ منه شيء، وأن الذي أعطيته المرأة إنما كان تفضلًا وإكرامًا. رجاله خمسة: الأول: مسدد. والثاني: يحيى بن سعيد القطان، وقد مرا في السادس من كتاب الإيمان. الثالث: عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابيّ، وقد مَرَّ في الأربعين من كتاب الإيمان أيضًا. الرابع: أبو رجاء عمران بن مِلحان، وقيل ابن تميم بن عبد الله العطاردِيّ البصريّ، أدرك زمن النبي ﷺ ولم يره، وروى عن عمر وعلي وعمران بن حصين

стр. 2756

وابن عباس وعائشة. وروى عنه أيوب وجرير بن حازم وعوف الأعرابيّ وعمران القَصير وآخرون. قال ابن مُعين وأبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعيد: كان ثقة في الحديث، وله رواية علم بالقرآن، وأمَّ قومه أربعين سنة. وقال أبو حاتم: جاهليّ فر من النبي ﷺ ، ثم أسلم بعد الفتح، وأتى عليه مئة وعشرون عامًا. والصحيح كما قال ابن عبد البر، أنه أسلم بعد المبعث، فقد قال جرير بن حازم: سمعت أبا رجاء العُطارديّ قال: سمعنا بالنبي ونحن في مال لنا، فخرجنا هرابًا. قال: فقال: مررت بقوائم ظبي فاخذتها وبللتها، قال: وطلبت في غُرارة لنا فوجدت كف شعير، فدققته بين ثم ألقيته في قدر، ثم وَدَجْتُ بعيرًا لنا فطبخته، فأكلت أطيب طعام أكلته في الجاهلية. قلت: يا أبا رجاء، ما طعم الدم؟ قال: حلو. وقال أبو الحارث الكرمانيّ، وكان ثقة: سمعت أبا رجاء يقول: أدركت النبي ﷺ وأنا شاب أمرد. قال: ولم أر ناسًا كانوا أضل من العرب، كانوا يجيئون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيجيء الذئب فيذهب بها فيأخذون أخرى مكانها فيعبدونها. وإذا رأوا صخرة حسنة جاءوا بها وصلوا إليها، فإذا رأوا صخرة أحسن من تلك رموها، وجاءوا بتلك يعبدونها. وكان أبو رجاء يقول: بعث النبي ﷺ وأنا أرعى الإبل على أهلي وأريش وأبري، فلما سمعنا بخروجه لحقنا بمُسَيلمة. كان أبو رجاء رجلًا عاقلًا فيه غَفلة، وكانت له عبادة، وعُمِّر طويلًا، أزيد من مئة وعشرين سنة. مات سنة خمس ومئة في خلافة هشام بن عبد الملك. قال أبو بكر بن عيّاش: اجتمع في جنازة أبي رجاء العطاردي الحسنُ البصري والفَرزدق الشاعر. فقال الفرزدق للحسن: يا أبا سعيد، تقول الناس: اجتمع في هذه الجنازة خير الناس وشر الناس، فقال الحسن: لست بخيرهم، ولست بشرهم، لكن ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم انصرف الفرزدق فقال: ألم ترَ أن الناس مات كبيرُهم ... وقد كان قبل البعث بعثِ محمدِ ولم يغنِ عنه عيش سبعين حجةً ... وستين لمامات غير مُوَسِّدِ إلى حفرة غبراء يكره وِردها ... سوى أنها مثوى وضيعٍ وسيّدِ

стр. 2757

ولو كان طول العمر يخلد واحدًا ... منه ويدفع عنه عمر ممدد لكان الذي راحوا به يحملونه .... مقيمًا ولكن ليس حي بمخلد نروح ونغدوا والحتوفُ أمامنا ... يَضَعْنَ لنا حتف الردى كل مرصدِ وقد قال لي: ماذا تعد لما ترى ... وفيه إذا ما قال غير مفندِ فقلت له: أعددت للبعث، والذي ... أراد به أني شهدت بأحمد وأن لا إله غير ربي هو الذي ... يميت ويحيي يوم بعث وموعد وهذا الذي أعددت لا شيء غيره ... وإن قلتَ لي أكثر من الخير وازدد فقال لقد أعصمت بالخير كله ... تمسك بهذا يا فرزدق ترشد والعُطارديّ نسبة إلى عطارد بن عوف أبي حيٍّ من بني تميم. الخامس: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن نَهم بن حُذيفة بن جُهْمة بن غاضِرة بن حُبْشَة بن كعب بن عمر الخُزاعيّ، يكنى أبا نجيد، بنون وجيم مصغرًا. كان إسلامه عام خيبر، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خُزاعة يوم الفتح. وقال الطبرانيّ: أسلم قديمًا هو وأبوه وأخته، وكان ينزل ببلاد قومه، ثم تحول إلى البصرة إلى أن مات بها. قال أبو الأسود الدّؤلي: قدمت البصرة وبها عمران بن حصين، وكان عمر بعثه ليفقه أهلها. وقال خليفة: استقضى عبد الله بن عامر عمران بن الحصين على البصرة، فأقام أيامًا ثم استعفاه. وقال ابن سعد: استقضاه زياد ثم استعفاه، فأعفاه. وأخرج الطبرانيّ بسند صحيح عن ابن سيرين قال: لم يكن تقدم على عمران أحد من الصحابة ممن نزل البصرة. وقال أبو عمران: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة: إنه كان يرى الحفظة، وكانت تكلمه حتى اكتوى، وروى الحسن عن عِمران أنه شق بطنه فلبث زمانًا طويلًا، فدخل عليه رجل، فذكر قصته، فقال: إن أحب ذلك إليّ أحبه إلى الله. قال: حتى اكتوى قبل وفاته بسنتين، وكان يسلم عليه حتى اكتوى، ففقده ثم عاد إليه. وقال ابن سيرين: أفضل من نزل البصرة من الصحابة عمران بن حصين وأبو بكرة. وكان يحلف أنه ما قدم البصرة والسرور خير لهم من عمران، كان قد اعتزل الفتنة فلم يقاتل

стр. 2758

فيها. وقال أبو نعيم: كان مُجاب الدعوة، وعن مطرف قال لي عمران بن حُصين: إني محدثك بحديث إنه كان يسلّم عليّ، وإن ابن زياد أمرني فاكتويت فاحتبس عني حتى ذهب أثر الكي. له مئة وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بتسعة. روى عنه ابنه نجيد وأبو الأسود الدؤلي وأبو رجاء العطارديّ ورِبْعيّ بن خِراش، ومطرف وأبو العلاء ابنا عبد الله بن الشَخير. مات سنة اثنين وخمسين. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، وفيه القول. ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ هنا، وفي علامات النبوءة عن أبي الوليد، ومسلم في الصلاة عن أحمد بن سعيد الدارميّ، وفي الحديث ذكر عمر وعلي، رضي الله تعالى عنهما، أما عمر فقد مرَّ في الأول من بدء الوحي، وأما عليّ فقد مرَّ في السابع والأربعين من كتاب العلم. وفيه: واستيقظ فلان ثم فلان، أما الأول، فقد صرح البخاريّ في علامات النبوءة، بأنه أبو بكر، وقد مرَّ في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد السبعين من كتاب الوضوء. قال في فتح الباري: ويمكن أن يكون الثاني عمران راوي القصة، وتعريفه هنا. قال أيضًا: ويشبه أن يكون الثالث من شارك عمران بن حصين في رواية هذه القصة، وهو ذو مِخبر بكسر الميم وبالباء الموحدة الحبشىّ، ويقال له ذو مِخْمر، بالميم، ابن أخي النجاشىّ، وفد على النبي ﷺ ، وخدمه، ثم نزل الشام. وله أحاديث أخرج منها أحمد وأبو داود وابن ماجه منها عند أبي داود من طريق جرير عن عثمان عن يزيد بن صُبيح عن ذي مخبر، وكان يخدم النبي ﷺ ، فذكر حديثًا في نومهم عن الصلاة. وروى أبو داود أيضًا من طريق خالد بن مقداد عن جُبير بن نُفير قال: انطلق بنا إلى ذي مِخْبر رجل من أصحاب النبي

стр. 2759

- ﷺ فأتيناه، فسأله جبير عن الهُدنة فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ستصالحون الرُّومَ ... الحديث". والحبشيّ في نسبه نسبة إلى الحَبَشة، بالتحريك، جنس من السودان، منهم أصْحمة ملك الحبشة، الذي أسلم. وفي الحديث أيضًا: إذا هو برجل، قال ابن حَجَر: لم أقف على تسميته، وقيل: هو خِلاد بن رافع بن مالك الخزرجىّ، أخو رفاعة. يكنى أبا يحيى، ذكرهما ابن إسحاق في البدريين. وفي الطبرانيّ عن رفاعة بن مالك قال: خرجتُ أنا وأخي خِلاد مع رسول الله ﷺ إلى بدر على بعير أَعْجَف، حتى إذا كنا خلف الروحاء برك بنا البعير، فذكر الحديث، وفيه دعاء النبي ﷺ لهما، وتفله على البعير. قيل: إنه هو المسيء لصلاته. قال ابن الكلبيّ: إنه قتل يوم بدر. وقال غيره: له رواية، وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي ﷺ . أما على قول ابن الكلبي فيستحيل أن يكون هو صاحب القصة، لتقدم وقعة بدر على هذه القصة بمدة طويلة، وأما على قول غيره، فيحتمل أن يكون هو، لكن لا يلزم من كونه له رواية، أن يكون عاش بعد النبي ﷺ ، لاحتمال أن تكون الرواية منقطعة أومتصلة، لكن نقلها عنه صحابي آخر، وعلى هذا فلا منافاة بين هذا، وبين من قال إنه قتل ببدر، إلا أن تجيء رواية غن غير مُخضرمٍ صرح فيها بسماعه منه، فحينئذ يلزم أن يكون عاش بعد النبي ﵊، لكن لا يلزم أن يكون هو صاحب هذه القصة إلَّا إن وردت رواية مخصوصة بذلك، ولم تثبت. وفي الحديث أيضًا فدعا فلانًا، والمراد عمران بن حصين، ويدل على ذلك ما في رواية مسلم من قوله: ثم عجلني النبي ﷺ في ركب بين يديه نطلب الماء، فدلت هذه الرواية على أنه هو وعلي فقط؛ لأنهما خوطبا بلفظ التثنية. ويحتمل أنه كان معهما غيرهما على سبيل التبعية لهما، فيتجه إطلاق لفظ "ركب" في رواية مسلم، وخُصا بالخطاب لأنهما المقصودان بالإرسال، وأما المرأة فلم أقف على تسميتها.

стр. 2760

ثم قال: قال أبو عبد الله: صبأ خرج من دين إلى غيره، وهذه في رواية المستملي وحده، ووقع في نسخة الصغانيّ: صبأ فلان انخلع، وكذلك أصبأ، والمراد بأبي عبد الله البخاريُّ نفسه. ثم قال: وقال أبو العالية: الصابئين فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزبور، وهذا أيضًا في رواية المستملي وحده، ووقع في نسخة الصغاني: أصبُ أمِل، وقيل: هم منسوبون إلى صابىء بن متوشلح عم نوح ﵇. وروى ابن مردويه بإسناد حسن عن ابن عباس قال: الصابؤن ليس لهم كتاب. وقال البيضاويّ: الصابئين قوم بين النصارى والمجوس. وقيل: أصل دينهم دين نوح. وقيل لهم عبدة الملائكة، وقيل: عَبَدة الكواكب. وإنما أورد المصنف هذا هنا ليبين الفرق بين الصابي المروي في الحديث، والصابىء المنسوب لهذه الطائفة المذكورة. قلت: يحتمل عندي، وهو الظاهر، أنّ البخاريّ أتى بهذا قاصدًا تفسير اللفظ المذكور في الحديث، لما تدل عليه نسخة الصغانيّ. وهذا التعليق وصله ابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس عنه. وأبو العالية المراد به الرَّيَّاحيّ، وقد مرَّ في تعاليق الثاني من كتاب العلم. ثم قال باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت أو خاف العطش تيمم قوله: المرض، أي المتلف وغيره، كزيادته ونحو ذلك، كشين في عضو. وقوله: أو خاف العطش، أي لحيوان محترم من نفسه أو رقبته، ولو في المستقبل، أو غير ذلك من كل محترم. وقوله: تيمم، وللأصيليّ وابن عساكر يتيمم، أي مع وجود الماء. ثم قال: ويذكر أن عمرو بن العاص أجنب في ليلة باردة، وتلا ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فذكر للنبي ﷺ ، فلم يعنف. هذا التعليق رواه أبو داود والحاكم عن يحيى من أيوب موصولًا بلفظ "احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذاتِ السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت فصليت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت ... " فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ

стр. 2761

بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فضحك النبي ﷺ ، ولم يقل شيئاً، وروياه عن عمرو بن الحارث وقال في القصة "فغسل مغابنه وتوضأ" ولم يقل "وتيمم" وقال فيه "لو اغتسلت مت". وذكر أبو داود أنّ الأوزاعيّ روى عن حسّان بن عطية هذه القصة، فقال فيها: فتيمم، ورواها عبد الرزاق من وجه آخر ولم يذكر التيمم، والسياق الأول أليق بمراد المؤلف، وإسناده قويّ، لكنه علقه بصيغة التمريض لكونه اختصره. وقال البيهقيّ: يمكن الجمع بين الروايات بأنه توضأ ثم تيمم عن الباقي. قال النوويّ هو متعين، ووجه استدلاله بالآية ظاهر من سياق اللفظ الذي ذكرناه، وقد أوهم ظاهر سياقه أن عمرو بن العاص تلا الآية لأصحابه وهو جنب، وليس كذلك، وإنما تلاها بعد أن رجع للنبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد أمّره على غزوة ذات السلاسل، كما يأتي في المغازي إن شاء الله تعالى. وقوله: فلم يعنف، بحذف المفعول للعلم به، أي لم يَلُم رسول الله ﷺ عمرًا، فكان ذلك تقريرًا دالًا على الجواز. وفي رواية الكشميهنيّ: فلم يعنفه، بزيادة هاء الضمير. وفي هذا الحديث جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاكَ، سواء كان لأجل بردٍ أو غيره. وجواز صلاة المتيمم بالمتوضئين، وجواز الاجتهاد في زمنه ﷺ . وعمرو هو عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي القرشيّ السَّهميّ، يكنى أبا عبد الله، ويقال أبو محمد. وأمه النابغة بنت حَرْمُلة، سُبيتْ من بني جلان بن عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وأخوه لأمه عمرو بن أُثاثَة العَدَويّ. كان من مهاجرة الحبشة، وعقبة بن نافع بن عبد القيس، وزينب بنت عفيف بن أبي العاص أُم هؤلاء وأُم عمرو واحدة، وهي بنت حَرْمُلة المذكورة. ذكروا أنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرًا عن أمه، وهو على المنبر، قال: فسأله، فقال: أمي سلمى بنت حرملة، تلقب النابغة من بني عنزة، ثم أحد بني جلان، أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ، اشتراها الفاكِه بن المغيرة، ثم اشتراها منه عبد الله بن جُدَعان، ثم صارت إلى العاص بن وائل، فولدت له فأنجبت، فإن كان جعل لك شيء فخذه.

стр. 2762

والصحيح أن إسلامه كان في صفر سنة ثمان، قدم هو وخالد بن الوليد وطلحة بن عثمان مسلمين، فلما دخلوا على رسول الله ﷺ نظر إليهم قال: "قد رمتكم مكة بأفلاذ كبدها" وكان قدومهم على رسول الله ﷺ مهاجرين بين الحُديبية وخيبر. قيل: إنه لم يأت من أرض النجاشيّ إلَّا معتقد الإِسلام، وذلك أنّ النجاشيّ قال له: يا عمرو كيف يَعْزُب عندك أمر ابن عمك؟ فوالله إنه لرسول الله حقًا. قال: أنت نقول ذلك؟ قال: إيْ والله، فأظعن فخرج من عنده مهاجرًا إلى النبي ﷺ . وذكر الزبير بن بكار أن رجلًا قال لعمرو: ما أبطاكَ عن الإِسلام وأنت أنت في عقلك؟ قال: إنّا كنا مع قوم لهم علينا تقدم، وكانوا ممن يوازي خلوبهم الخبال، فلما بعث النبي ﷺ أنكروا عليه، فلذنا بهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا، فإذا هو حق بَيِّن، فوقع في قلبي الإِسلام، فعرفت ذلك قريش مني من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه، فبعثوا إليّ رجلًا منهم، فناظرني في ذلك، فقلت: أنشدك ربك ورب من قبلك ومن بعدك، أنحن أهدى أم فارس والروم؟ قال: نحن أهدى. قلت: فنحن أوسع عيشًا أم هم؟ قال: هم، قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضل إلَّا في الدنيا، وهم أعظم منا فيها أمرًا في كل شيء؟ وقد وقع في نفسي أنّ الذي يقوله محمد من أن البعث بعد الموت ليُجزي المحسن بإحسانه، والمُسيء بإساءته حق، ولا خير في التمادي في الباطل. وروي عن عمرو بن إسحاق قال: استأذن جعفر بن أبي طالب النبي ﷺ . في التوجه إلى الحبشة، فأذن له. قال عُمير: فحدثني عمرو بن العاص قال: لما رأيت مكانه قلت: والله لأستقلنَّ لهذا وأصحابه، فذكر قصتهم مع النجاشيّ قال: فلقيت جعفر، فذهب معي خاليًا فاسلمت قال: وبلغ ذلك أصحابي فغنموني وسلبوني كل شيء، فذهبت إلى جعفر، فذهب معي إلى النجاشيّ، فردوا عليّ بكل شيء أخذوه. ولما أسلم، كان النبي ﷺ يقربه ويدنيه، لمعرفته وشجاعته، وأمَّره على

стр. 2763

غزوة ذات السلاسل، وقال له: "يا عمرو، إني أريد أن أبعثك في جيش يُسلمك الله ويُغْنمك، وأرغب لك من المال رغبة صالحة، فقلت: يا رسول الله، ما أسلمت من أجل المال، بل أسلمت رغبة في الإِسلام. قال: يا عمرو، نعم المال الصالح للرجل الصالح" فبعثه إلى أخوال أبيه العاص بن وائل من بَلِيّ يدعوهم إلى الإِسلام في ثلاث مئة، فسار حتى إذا كان بماء بأرض جُذام يقال له السلاسل، وبذلك سميت تلك الغزوة ذات السلاسل، خاف، فكتب إلى رسول الله ﷺ يستمده، فأمده بمئتي فارس من المهاجرين والأنصار وأهل الشرف، فيهم أبو بكر وعمر ﵄، وأمَّر عليهم أبا عُبيدة، فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، وإنما أنتم حدوي. وقال أبو عبيدة: بل أنت أمير من معك، وأنا أمير من معي، فأبى عمرو، فقال أبو عبيدة: يا عمرو، إن رسول الله ﷺ عَهِدَ إليّ إذا قدمتَ إلى عمرو فتطاوعا ولا تختلفا، فإن خالفتني أطعتك. قال عمرو: فإني أخالفك، فسلّم له أبو عبيدة، وصلى خلفه في الجيش كله، وكانوا خمس مئة. وكان عمرو أحد الدهاة المقومين في المكر والرأي والدهاء، وكان عمر بن الخطاب، ﵁، إذا استضعف رجلًا في رأيه وعقله يقول: أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد، يريد خالق الأضداد، وكان عمر ﵁ إذا نظر إلى عمرو يمشي قال: ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلَّا أميرًا. وقال قُبيصة بن جابر: صحبت عمرو بن العاص فما وجدت رجلًا أبْينَ قرآنًا، ولا أكرم خُلُقًا، ولا أشبه سريرة بعلانية منه. وأخرج عن طلحة، أحد العَشْرة، رفعه: "عمرو بن العاص من صالحي قريش". ورجال سنده ثقات، وأخرج أحمد أيضًا والنَّسائيّ بسند حسن عن عمرو بن العاص قال: فزع أهل المدينة فزعًا فتفرقوا فنظرت إلى سالم مولى أبي حُذيفة في المسجد، عليه سيف مختفيًا ففعلت مثل فعله، فخطب النبي ﷺ فقال: "لا يكون فزعكم إلى الله ورسوله إلا فعلتم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان". وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات، إلى ابن أبي مليكة مرفوعًا "نعم أهل البيت

стр. 2764

عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله، وكان عمرو بن العاص من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية، مذكور بذلك فيهم، وكان شاعرًا حسن الشعر، ومن شعره في أبيات له يخاطب عمارة بن الوليد عند النجاشيّ: إذا المرءُ لم يترك طعامًا يحبه ... ولم ينه قلبًا غاويًا حيث يمما قضى وطرًا منه وغادر سبةً ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما ولاه رسول الله ﷺ على عُمان، ولم يزل عليها حتى قُبض رسول الله ﷺ . وولاه عمر بن الخطاب بعد موت يزيد بن أبي سفيان فلسطينَ والأُردن، وولى معاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وولى سعيد بن عامر بن خزيم حمص، ثم جمع الشام كلها إلى معاوية، وكتب إلى عمرو بن العاص فسار إلى مصر فافتتحها، فقتل المقاتلة، وسبي الذرية، ولم يزل عليها واليًا حتى مات عمر، فأقره عثمان عليها أربع سنين أو نحوها، ثم عزله عنها وولاها عبد الله بن سعد العامري. وفي سنة خمس وعشرين انتفضت الإسكندربة، فافتتحها عمرو بن العاص، فقتل المقاتلة وسبي الذرية، فأمر عثمان برد السبي الذين سَبُوا من القرى إلى مواضعهم، للعهد الذي كان لهم، ولم يصح عنده نقضهم، وعزل عمرو بن العاص، وولى سعيد بن أبي سرح العامريّ، وكان ذلك بدء الشّرّ بين عمرو وعثمان، فاعتزل عمرو في ناحية فلسطين، وكان يأتي المدينة أحيانًا، ويطعن في خلال ذلك على عثمان، فلما قُتل عثمان سار إلى معاوية باستجلاب معاوية له، وشهد صفين معه، وكان منه بصفين وفي التحكيم ما هو عند أهل العلم بأيام الناس معلوم، ثم ولاه مصر، فلم يزل أميرًا عليها إلى أن مات بها، يوم الفطر سنة ثلاث وأربعين، وقيل سنة ست، وقيل سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، والأول أصح. وكان له يوم مات تسعون سنة، وقيل: تسعة وتسعون. ويقال: عاش بعد عمر عشرين سنة. وكان يقول: أذكر ليلة ولد عمر، كان عمره لما ولد عمر سبع سنين. ولما حضرته الوفاة قال: اللهم إنك أمرتني فلم أأْتمر، وزجرتني فلم أنزجر، ووضع يده في موضع الغُل وقال: اللهم لا قويّ فانتصر، ولا بريء فأعتذر، ولا

стр. 2765

مستكبر بل مستغفِر، لا إله إلَّا أنت، فلم يزل يرددها حتى مات. وروي عن الشافعيّ قال: دخل عبد الله بن عباس على عمرو بن العاص في مرضه الذي مات فيه، فسلم عليه وقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت وقد أصلحتُ دنيايَ قليلًا وأفسدت من ديني كثيرًا، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت، والذي أفسدت هو الذي أصلحت، لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبتُ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض، لا أرقى بيدين، ولا أهبط برجلين، ففطني بفطنة أنتفع بها يا ابن أخي. فقال ابن عباس: هيهاتَ يا أبا عبد الله، صار ابن أخيك أخاك، ولا تشاء أن تبكي إلَّا بكيت، كيف يوم يرحل من هو مقيم؟ فقال عمرو: وعلى حبها من حين ابن بضع وثمانين سنة، تقنطني من رحمة ربي، اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى. فقال ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله، أخذت جديدًا، وتعطي خَلَقًا، فقال عمرو: وما لي ولك يا ابن عباس؟ ما أرسل كلمةً إلا أرسلت نقيضها. وعن عبد الرحمن بن شَمّاسة قال: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاةُ بكى، فقال ابنه عبد الله: لم تبكي أجزعًا من الموت؟ فقال: لا ولكن لما بعده. فقال له: قد كنت على خير، فجعل يذكره صحبة رسول الله ﷺ ، وفتوحه الشام. فقال له عمرو: تركت أفضل من ذلك، شهادة أن لا إله إلا الله، إني كنت على ثلاث أطباق ليس منها طبق إلَّا عرفت نفسي فيه، كنت أول شيء كافرًا، فكنت أشد الناس على رسول الله ﷺ ، فلو مت يومئذ وجبت لي النار، فلما بايعتُ رسول الله ﷺ -كنت أشد الناس حياءًا منه، فما ملأت عيني من رسول الله ﷺ حياءًا منه، فلو مت يومئذ قال الناسُ: هنيئًا لعمرو، أسلم وكان على خير، ومات على خير، وأحواله فترجى له الجنة، ثم بليت بعد ذلك بالسلطان وأشياء، فلا أدري أعَليّ أم لي، فإذا مت فلا تبكي عليّ باكية، ولا يتبعني مادح ولا نار، وشدوا عليّ إزاري، فإني مخاصم، وشنوا عليّ الترابَ شنًّا، فإن جنبي الأيمن ليس باحق بالتراب من جنبي الأيسر، ولا تجعلن في قبري خشبة ولا حجرًا، وإذا واريتموني فاقعدوا عندي قدرَ نحر جَزور، أستأنس بكم.

стр. 2766

له تسعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بطرف حديث، ومسلم بحديثين. روى عنه ولداه عبد الله ومحمد، وقيس بن حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو قيس مولى عمرو، وعبد الرحمن بن شماسة، وأبو عثمان النهديّ وقُبيصة بن ذُؤيب، وآخرون.

стр. 2767

الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ لاَ تُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى. قَالَ قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ قَالَ إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. قوله: هو غندر، لم يقل الأصيليّ هو غندر، فكأنها من مقول من دون البخاريّ. وقوله: عن شُعبة، للأصيليّ: حدثنا شعبة، وقوله: إذا لم تجد الماء لا تصلي، بتاء الخطاب فيهما، ويؤيده رواية الإسماعيليّ "فقال عبد الله: نعم، إن لم أجد الماء لا أصلي" ولكريمة بالياء التحتانية في الموضعين أي إن لم يجد الجنب. وقوله: قال عبد الله زاد ابن عساكر نعم. وقوله: أحدهم، كذا للأكثر، وللحموي "أحدكم". وقوله: قال: هكذا، فيه إطلاق القول على العمل، وقوله: يعني تيمم وصلى، الظاهر أنه مقول أبي موسى، شرح به قول عبد الله "هكذا". وقوله: فأين قول عمار لعمر، يعني السابق "كنا في سفر فأجنبتُ فتمعّكتُ ... الخ". وفي رواية حفص الآتية، ورواية أبي معاوية الضرير بيان ذلك بالتمام. وقوله: لم أر عمر قَنِع بقول عمار، قَنِع بكسر النون، وإنما لم يقنع عمر بقول عمار لأنه كان حاضرًا معه في تلك السفرة، ولم يذكر القصة، فارتاب لذلك. رجاله سبعة:

стр. 2768

الأول: بشر بن خالد العسكريّ، مرَّ بشر هذا ومحمد بن جعفر وسليمان ابن مِهران الأعمش في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ هناك بشر ويُسر، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو وائل وعمار بن ياسر في الحادي والأربعين، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع مرتين، والعنعنة في ثلاثة مواضع.

стр. 2769

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ، مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "كَانَ يَكْفِيكَ؟ " قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ؟. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ. فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ. فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قوله: حدثنا الأعمش، في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت، عن الأعمش، وأفادت رواية حفص هذه التصريحَ بسماع الأَعْمش من شقيق. وقوله: أرأيت، أي: أخبرني، وأبو عبد الرحمن كنية ابن مسعود. وقوله: فلم يجد ماء، ولابن عساكر "فلم يجد الماء" وفي رواية "إذا أجنبتَ فلم تجد الماء كيف تصنع؟ " بتاء الخطاب في الثلاثة. وقوله: حتى يجد الماء، وللأصيلي "حتى تجد" بتاء الخطاب، وسقط عنده وعند ابن عساكر لفظة "الماء" فاقتصروا على "تجد". وقوله: كان يكفيك، أي مسح الوجه والكفين. وقوله: لم يقنع بذلك، في رواية أبي ذَرٍّ والمستملي والأصيلي "لم يقنع منه" أي من عمار. وقوله: فدعنا من قول عمار. كيف تصنع بالأية؟ يعني قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦] وسيأتي التصريح بها في الباب الذي بعده. وفيه جواز الانتقال من دليل إلى دليل أوضح منه، ومما فيه الاختلاف إلى ما فيه الاتفاق، تعجيلًا لقطع خصمه وإفحامه، كما في محاجّة إبراهيم عليه

стр. 2770

الصلاة والسلام مع النَّمرود الملعون، فإن إبراهيم ﵇ لما قال: ربي الذي يحي ويميت، وقال النمرود: أنا أحي وأُميت، لم يحتج إلى أن يوقفه على كيفية إحيائه وإماتته، بلى انتقل إلى قوله: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، فأُفحم نمروذ عند ذلك. وقوله: فما درى عبدُ الله ما يقول: أي في توجيه الآية على فتواه. والظاهر أن مجلس المناظرة بين ابن مسعود وأبي موسى ما كان يقتضي تطويل المناظرة، وإلا لكان لابن مسعود أن يجيب بأن المُلامسة في الآية المرادُ بها تلاقي البَشرتين بلا جماع، وقد لتشكل ما ذهب إليه عمر وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهما، من إبطال هذه الرخصة، مع ما فيها من إسقاط الصلاة عمن خوطب بها وهو مأمور بها. وأجيب بانها إنما دَلّ الملامسة في قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] على مماسة البشرتين من غير جماع، إذ لو أراد الجماع لكان فيه مخالفة صريحة لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أي اغتسلوا، ثم ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ بعد قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] فجعل التيمم بدلًا عن الوضوء فلا يدل على جواز التيمم للجنب، والحاصل أن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما لا يريان تيمم الجنب الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وآية ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وقد مرَّ في أول الكتاب أنّ ابن مسعود قيل برجوعه عن ذلك. وقوله: إذا بَرِدَ على أحدهم الماء، بفتح الراء في برد وضمها، والفتح أشهر، قال ابن بطال: في الحديث جواز التيمم للخائف من البرد. وقال العينى: التيمم للجُنُب المقيم إذا خاف البرد ويجوز عند أبي حنيفة، خلافًا لصاحبيه. رجاله سبعة: الأول: عمر بن حفص بن غياث. والثاني: أبوه. وقد مرَّ في الثاني من كتاب الغُسل، ومرَّ في الحديث الذي قبله ذكر مجال بقيتهم
следующие страницы →