← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

له تسعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بطرف حديث، ومسلم بحديثين. روى عنه ولداه عبد الله ومحمد، وقيس بن حازم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو قيس مولى عمرو، وعبد الرحمن بن شماسة، وأبو عثمان النهديّ وقُبيصة بن ذُؤيب، وآخرون.

стр. 2767

الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: إِذَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ لاَ تُصَلِّي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا يَعْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى. قَالَ قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ؟ قَالَ إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. قوله: هو غندر، لم يقل الأصيليّ هو غندر، فكأنها من مقول من دون البخاريّ. وقوله: عن شُعبة، للأصيليّ: حدثنا شعبة، وقوله: إذا لم تجد الماء لا تصلي، بتاء الخطاب فيهما، ويؤيده رواية الإسماعيليّ "فقال عبد الله: نعم، إن لم أجد الماء لا أصلي" ولكريمة بالياء التحتانية في الموضعين أي إن لم يجد الجنب. وقوله: قال عبد الله زاد ابن عساكر نعم. وقوله: أحدهم، كذا للأكثر، وللحموي "أحدكم". وقوله: قال: هكذا، فيه إطلاق القول على العمل، وقوله: يعني تيمم وصلى، الظاهر أنه مقول أبي موسى، شرح به قول عبد الله "هكذا". وقوله: فأين قول عمار لعمر، يعني السابق "كنا في سفر فأجنبتُ فتمعّكتُ ... الخ". وفي رواية حفص الآتية، ورواية أبي معاوية الضرير بيان ذلك بالتمام. وقوله: لم أر عمر قَنِع بقول عمار، قَنِع بكسر النون، وإنما لم يقنع عمر بقول عمار لأنه كان حاضرًا معه في تلك السفرة، ولم يذكر القصة، فارتاب لذلك. رجاله سبعة:

стр. 2768

الأول: بشر بن خالد العسكريّ، مرَّ بشر هذا ومحمد بن جعفر وسليمان ابن مِهران الأعمش في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ هناك بشر ويُسر، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو وائل وعمار بن ياسر في الحادي والأربعين، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع مرتين، والعنعنة في ثلاثة مواضع.

стр. 2769

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ، مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لاَ يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "كَانَ يَكْفِيكَ؟ " قَالَ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ؟. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ. فَقَالَ: إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ. فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ: فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا؟ قَالَ نَعَمْ. قوله: حدثنا الأعمش، في رواية أبوي ذَرٍّ والوقت، عن الأعمش، وأفادت رواية حفص هذه التصريحَ بسماع الأَعْمش من شقيق. وقوله: أرأيت، أي: أخبرني، وأبو عبد الرحمن كنية ابن مسعود. وقوله: فلم يجد ماء، ولابن عساكر "فلم يجد الماء" وفي رواية "إذا أجنبتَ فلم تجد الماء كيف تصنع؟ " بتاء الخطاب في الثلاثة. وقوله: حتى يجد الماء، وللأصيلي "حتى تجد" بتاء الخطاب، وسقط عنده وعند ابن عساكر لفظة "الماء" فاقتصروا على "تجد". وقوله: كان يكفيك، أي مسح الوجه والكفين. وقوله: لم يقنع بذلك، في رواية أبي ذَرٍّ والمستملي والأصيلي "لم يقنع منه" أي من عمار. وقوله: فدعنا من قول عمار. كيف تصنع بالأية؟ يعني قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [المائدة: ٦] وسيأتي التصريح بها في الباب الذي بعده. وفيه جواز الانتقال من دليل إلى دليل أوضح منه، ومما فيه الاختلاف إلى ما فيه الاتفاق، تعجيلًا لقطع خصمه وإفحامه، كما في محاجّة إبراهيم عليه

стр. 2770

الصلاة والسلام مع النَّمرود الملعون، فإن إبراهيم ﵇ لما قال: ربي الذي يحي ويميت، وقال النمرود: أنا أحي وأُميت، لم يحتج إلى أن يوقفه على كيفية إحيائه وإماتته، بلى انتقل إلى قوله: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب، فأُفحم نمروذ عند ذلك. وقوله: فما درى عبدُ الله ما يقول: أي في توجيه الآية على فتواه. والظاهر أن مجلس المناظرة بين ابن مسعود وأبي موسى ما كان يقتضي تطويل المناظرة، وإلا لكان لابن مسعود أن يجيب بأن المُلامسة في الآية المرادُ بها تلاقي البَشرتين بلا جماع، وقد لتشكل ما ذهب إليه عمر وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهما، من إبطال هذه الرخصة، مع ما فيها من إسقاط الصلاة عمن خوطب بها وهو مأمور بها. وأجيب بانها إنما دَلّ الملامسة في قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] على مماسة البشرتين من غير جماع، إذ لو أراد الجماع لكان فيه مخالفة صريحة لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أي اغتسلوا، ثم ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ بعد قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] فجعل التيمم بدلًا عن الوضوء فلا يدل على جواز التيمم للجنب، والحاصل أن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما لا يريان تيمم الجنب الآية ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وآية ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وقد مرَّ في أول الكتاب أنّ ابن مسعود قيل برجوعه عن ذلك. وقوله: إذا بَرِدَ على أحدهم الماء، بفتح الراء في برد وضمها، والفتح أشهر، قال ابن بطال: في الحديث جواز التيمم للخائف من البرد. وقال العينى: التيمم للجُنُب المقيم إذا خاف البرد ويجوز عند أبي حنيفة، خلافًا لصاحبيه. رجاله سبعة: الأول: عمر بن حفص بن غياث. والثاني: أبوه. وقد مرَّ في الثاني من كتاب الغُسل، ومرَّ في الحديث الذي قبله ذكر مجال بقيتهم

стр. 2771

باب التيمم ضربة رواية الأكثر بتنوين باب، والتيمم ضربة بالرفع مبتدأ وخبر، وفي رواية الكشميهنيّ بغير تنوين، وضربة بالنصب على الحال، فإن قيل: ليس هذا من الصور الثلاث التي يقع فيها الحال من المضاف إليه، وهي أن يكون المضاف جزءًا من المضاف إليه، أو كجزئه، أو عاملًا في الحال -أجيب بأن المعني باب شرح التيمم، فالتيمم بحسب الأصل مضاف إِلى ما يصلح عَمل في الحال، فهو من الصور الثلاث.

стр. 2772

الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا". فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. قوله: محمد، للأصيليّ هو "ابن سلام"، وقوله: ما كان يتيمم ويصلي، ولكريمة والأصيليّ "أما كان" بزيادة همزة الاستفهام، ولمسلم: كيف يصنع بالصلاة؟ قال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرًا، ونحوه لأبي داود قال: فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية؟ وعلى رواية "أما" بالاستفهام، ما نافية على أصلها، والهمزة إما للتقرير المخرج عن معنى الاستفهام الذي هو المانع من وقوعه جزاء للشرط، وإما معجمة، فوجودها كالعدم، وإما للاستفهام فهو جواب لو، لكن مقدر في الأُولين القول قبل "لو" أي فقال أبو موسى: تقول: لو أن رجلًا، ويقدر في الثالث قبل "ما كان" أي: لو أن رجلًا أجنب، يقال في حقه: أما يتيمم؟ ويجوز على هذا أن يكون جواب "لو" هو قوله: فكيف تصنعون

стр. 2773

بهذه الآية؟ أي مع قولكم لا يتيمم. وقوله: في سورة المائدة، وللكشميهنيّ: بهذه الآية في سورة المائدة. وقوله: فلم تجدوا ماءًا، بيان للمراد من الآية. وللأصيليّ: فإن لم تجدوا، وهو مغاير للتلاوة، وإنما عين سورة المائدة لكونها أظهر في مشروعية تيمم الجنب من آية النساء، لتقدم حكم الوضوء في المائدة. قال الخطابيّ وغيره: فيه دليل على أن عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة الجماع، فلهذا لم يدفع دليل أبي موسى، وإلا لكان يقول له: المراد من الملامسة التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم بدلًا عن الوضوء لا يستلزم جعله بدلًا عن الغسل. قلت: قد مرَّ قريبًا نقلًا عن العينيّ والقسطلانيّ أن ابن مسعود وعمر يريان حمل الملامسة على ما دون الجماع، وهذا مخالف لما ذكره في الفتح، هنا، نقلًا عن الخطابيّ من أن ابن مسعود يرى حمل الملامسة على الجماع، وهذا أظهر وجهًا في انقطاعه في المناظرة مما مرَّ، فإنه غير ظاهر. وقوله: قلت: وإنما كرهتم هذا لنا، أي التيمم لأجل تيمم صاحب البرد، والقائل هو الأعمش. والمقول له شقيق، كما صرح بذلك في رواية حفص التي قبل هذه، فقول الكرمانيّ: إن القائل هو شقيق، غير صحيح. وقوله: فقال أبو موسى: ألم تسمع ظاهره، إن ذكر أبي موسى لقصة عمار متأخر عن احتجاجه بالأية، وفي رواية حفص الماضية احتجاجه بالآية متأخر عن احتجاجه بقصة عمار، ورواية حفص أرجح؛ لأن فيها زيادة تدل على ضبط ذلك، وهي قوله: فدعنا من قول عمار، فكيف تصنع بهذه الآية. وقوله: كما تَمرَّغُ الدابة، بفتح المثناة وضم الغين المعجمة، وأصله تتمرغ، فحذفت إحدى التاءين، كما في تَلَظّى. والكاف للتشبيه، وموضعه مع مجروره نصب على الحال، وأعربها أبو البقاء في قوله: كما آمن الناس نعتاً لمصدر محذوف، فيقدر تمرغًا كتمرغ الدابة، ومذهب سيبويه في هذا كله النصب علي الحال من المصدر المفهوم من الفعل المتقدم المحذوف بعد الإضمار، على طريق الاتساع، فيكون التقدير: فتمرغت على هذه الحالة، ولا

стр. 2774

يكون عنده نعتًا لمصدر محذوف؛ لأنه يؤدي إلى حذف الموصوف في غير المواضع المستثناة. وقوله: إنما كان يكفيك، فيه أن الكيفية المذكورة مجزئة، فيحمل ما ورد زائدًا عليها على الأكمل. وقوله: فضرب بكفه ضربة، بالفاء والإفراد، وللأربعة: وضرب، بالواو. وللأصيليّ: بكفيه، بالتثنية. وقوله: ثم مسح بها، أي بالضربة. وقوله: ظهرَ كفه، أي اليمنى بشماله. وقوله: أو ظهر شماله بكفه، أي اليمنى بالشك في جميع الروايات. وقوله: ثم مسح بهما وجهه، أي بكفيه. ولابن عساكر "بها" أي بالضربة. وفي رواية أبي داود من طريق أبي معاوية تحرير ذلك من غير شك، ولفظه "ثم ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه". وفي هذا الحديث الاكتفاء بضربه واحدة، وتقديم مسح الكف على الوجه، والاكتفاء بظهر كف واحدة، وعدم مسح الذراعين. ونقل ابن المنذر عن جمهور العلماء الاكتفاء بضربة واحدة في التيمم، واختاره. وقد روى أصحاب السنن أنه ﵊ تيمم فمسح وجهه وذراعيه، والذراع اسم للساعد إلى المرفق، والترتيب عند المالكية والحنفية غير واجب، بل هو عند المالكية سُنَّةٌ حملًا لما ورد فيه على ذلك، لقوله في هذا الحديث "يكفيك". والحديث مشتمل على عدم الترتيب، وعند الشافعية الترتيب واجب. وقد قال النوويّ: الأصح وجوب ضربتين. قال في الفتح: مراده ما يتعلق بنقل المذهب. ونقل القسطلانيّ كيفية التيمم المستحبة عندهم، فقال: إذا مسح اليمنى وضع بطون أصابع يساره غير الإبهام، على ظهور أصابع يمينه غير الإبهام، بحيث لا تخرج أنامل اليمنى عن مسبحة اليسرى، ولا تحاذي مسبحة اليمنى أطراف أنامل اليسرى، ويمرها على ظهر الكف، فإذا بلغ الكوع ضم أطراف أصابعه على حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع، ويمرها عليه وإبهامه مرفوعة، فإذا بلغ الكوع أمرها على إبهام

стр. 2775

اليمنى، ثم يمسح اليسار باليمنى كذلك، ثم يمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخللهما. وهذه إحدى كيفيتين عندنا معاشر المالكية، والأخرى مثلها، إلَّا أنه إذا مسح باطن ذراع اليمنى إلى الكوع، يقدم مسح راحتها وتخليل أصابعها على اليسرى، ثم يفعل باليسرى كذلك. والتخليل عندنا مندوب لا غير. وقوله: فقال عبد الله، أي بالفاء، ولأبويّ ذَرٍّ والوقت "قال" بدون فاء. وقوله: ألم تر عمر، في رواية الأصيليّ وكريمة "أفلم" بزيادة فاء. وعند مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى: إن عمر قال لعمار: اتَّقِ اللهَ يا عمّار. قال: إن شئت لم أحدّث به. فقال عمر: نوليك ما توليت. ومعنى قول عمر: اتق الله، أي فيما ترويه، وتثبت فيه، فلعلك نسيت واشتبه عليك، فإني كنت معك، ولا أتذكر شيئًا من هذا. ومعنى قول عمار: إن كنت رأيت المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحةً على التحديث به، وافقتُكَ وأمسكت، فإني قد بلَّغته، فلم يبق عليّ فيه حرج. فقال له عمر: نوليك ما توليت، فإنه لا يلزم من كوني لا أتذكره أن لا يكون حقًا في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به. رجاله ستة ، وفيه ذكر عمار: الأول: محمد بن سلام، وقد مرَّ في الثالث عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو معاوية في الثالث منه، ومرَّ عمار بن ياسر في الحادي والأربعين منه، وذكر محال الباقين قبل هذا بحديث. ثم قال: زاد يعلى عن الأعمش عن شقيق قال: كنت مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لعمر: إن رسول الله ﷺ بعثني أنا وأنت فاجنبتُ فتمعكتُ بالصعيد، فأتينا رسول الله ﷺ : فأخبرناه فقال: إنما كان يكفيك هكذا، ومسح وجهه وكفيه واحدة. قوله: بعثني أنا وأنت لا يقال، كان الوجه أن يقال بعثني إياي وإياك، لأن أنا ضمير رفع، فكيف يقع تأكيدًا للضمير المنصوب؟ والمعطوف في حكم

стр. 2776

المعطوف عليه، لأنا نقول: إن الضمائر تتقارض، فيحمل بعضها على بعض، وتجري بينها المناولة. وقوله: وكفيه واحدة أي مسحة واحدة أو ضربة واحدة، وهذا الأخير هو المناسب، لقول المؤلف "باب التيمم ضربة" والذي زاده يعلى في هذه القصة قولُ عمار لعمر "بعثني أنا وأنت" وبه يتضح عذر عمر كما مرَّ. وأما ابن مسعود فلا عذر له في التوقف عن قبول حديث عمار، فلهذا جاء عنه أنه رجع عن الفُتيا بذلك، كما أخرجه ابن أبي شيبة عنه، بإسناد فيه انقطاع، وهذا التعليق وصله أحمد في مسنده، والإسماعيليّ عن ابن زيدان. رجاله خمسة: الأول: يَعلي بن عَبيد بفتح الياء واللام وسكون العين، ابن عبيد بن أبي أمية الإياديّ، ويقال الحنفيّ، مولاهم، أبو يوسف الطَّنافسيّ الكوفيّ، مولى إياد. روى عن إسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وزكريا بن أبي زائدة وغيرهم. وروى عنه ابن أخته علي بن محمد الطنافسيّ، وأخوه محمد بن عبيد، ومحمد بن مقاتل المَرْوَزِيّ، ومحمد بن يحيى الذُّهليّ وآخرون. قال صالح بن أحمد عن أبيه: كان صحيح الحديث، وكان صالحًا في نفسه. وقال علي بن الحسين عن أحمد: يعلى أصح حديثًا من محمد بن عبيد وأحفظ. وقال عثمان الدارميّ عَن ابن مُعين: ضعيف في سفيان، ثقة في غيره. وقال إسحاق بن منصور عنه: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق، وهو أثبت أولاد أبيه في الحديث. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال أحمد بن يونس: ما رأيت أحدًا يريد بعلمه الله تعالى إلَّا يَعلي بن عبيد، ما رأيت أفضل منه. وقال أبو مسعود الرازيّ: كان يعلى ومحمد ابنا عبيد من أهل بيت بركة، ما رأيت يعلى ضاحكًا قط. وكان يعلى أكثر مجلسًا وأحسن خُلُقًا. وقال ابن سَعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال الدارقطنيّ: بنو عبيد كلهم ثقات. وقال ابن عمار: أولاد عبيد كلهم ثَبْت، وأحفظهم يعلى، وأبصرهم بالحديث محمد.

стр. 2777

وقال سعيد بن أيوب البخاريّ: كان يعلى يحفظ عامةَ حديثه أو جميعه. مات فى رمضان سنة سبع، وقيل تسع ومئتين، وكان مولده سنة سبع عشرة ومئة. والإِياديّ نسبة إلى إياد، وهما إيادان: إياد بن نِزار، وإياد بين أسود بن الحجر بن عمار بن عمر. والباقون الأعمش وشقيق وأبو موسي وعبد الله بن مسعود مرَّ ذكر محالهم قبل هذا باثنين. ثم قال المصنف "باب" كذا للأكثر بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصيليّ أصلًا، فعلى روايته هو من جملة الترجمة الماضية، وعلى الأَوّلَة بمنزلة الفصل من الباب كنظائره.

стр. 2778

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ: "يَا فُلاَنُ! مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ فِي الْقَوْمِ؟. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ. قَالَ: "عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ". قوله: يا فلان، ما منعك، هو كناية عن علم المذكر، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ خاطبه باسمه، وكنى عنه الراوي لنسيانه لاسمه. وتحتمل غير ذلك. ولابن عساكر "ما يمنعك" وقوله: أن تصلي في القوم، مفعول ثان لمنعك، أو على إسقاط الخافض، أي من أن تصلي. ففي محله المذهبان المشهوران؛ هل هو نصب أو جر. وقوله: فإنه يكفيك، ليس فيه التصريح يكون الضربة في التيمم مرة واحدة، حتى يطابق الترجمة، فيحتمل أن يكون المصنف أخذه من عدم التقييد، لأن المدة الواحدة أقل ما يحصل به الامتثال، ووجوبها متيقن. وهذا الحديث مختصر من الحديث الطويل الماضي في باب الصعيد الطيب، وقد مرَّ الكلام عليه هناك مستوفى. رجاله خمسة: الأول: عبدان. والثاني: عبد الله بن المبارك، وقد مرا في السادس من بدء الوحي، ومرَّ عوف بن أبي جميلة في الأربعين من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو رجاء وعمران بن الحصين في الحادي عشر من هذا الكتاب. ومرَّ في ذلك الحديث الكلام علي الرجل الذي لم يُصَلِّ.

стр. 2779

لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك، والعنعنة في موضع واحد. وهذا الحديث مختصر من الحديث الطويل الذي مضى.

стр. 2780

خاتمة اشتمل كتاب التيمم من الأحاديث المرفوعة على سبعة عشر حديثًا، المكرر منها عشرة، منها اثنان معلقان، والخالص سبعة، منها واحد معلق، والبقية موصولة، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عمرو بن العاص المعلق، وفيه من المرفوعات على الصحابة والتابعين عشرة آثار، منها ثلاثة موصولة، وهي فتوى عمر وأبي موسى وابن مسعود. ومن براعة الختام الواقعة للمصنف في هذا الكتاب ختمه بقوله "فإنه يكفيك" إشارة إلى أن الكفاية، لما أورده، تحصل لمن تدبر وتفهم، والله أعلم. ثم قال المصنف:

стр. 2781

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الصلاة البسملة ساقطة عند ابن عساكر، لما فرغ المصنف من بيان الطهارة التي هي من شروط الصلاة، شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة، فلذلك أخرها عن الطهارات؛ لأن شرط الشيء يسبقه، وحكمه يعقبه، وقد مرَّ في الحديث الأول من الإيمان الكلامُ على اشتقاقها وحدها. وهي صلة بين العبد وربه، وجامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة، وستر العورة، وصرف المال فيها، والتوجه إلى الكعبة، والعكوف على العبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والنطق بالشهادتين، وكف النفس عن الأطيبين، وشرع المناجاة فيها سرًا وجهرًا، ليجمع للعبد فيها ذكر السر والعلانية. فالمصلي في صلاته يذكر الله في ملأ الملائكة ومن حضر من الموجودين السامعين. وهو ما يجهر به من القراءة، فقد قال الله تعالى في الحديث الصحيح "إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" وقد يريد بذلك الملائكة المقربين والكرويين خاصة الذين اختصهم لحضرته، وقد تكلمت على ما يتعلق بهذا الحديث في كتابي "متشابه الصفات" فلهذا الفضل شرع لهم الجهر بالقراءة، والسر في الصلاة. وقد مرَّ عند كتاب الإيمان وجه ترتيب البخاري لكتب أركان الإِسلام. وذكر ابن حجر هنا وجه ترتيبه، لما اشتمل عليه كتاب الصلاة من الأنواع، فقال: بدأ أولًا بالشروط السابقة على الدخول في الصلاة، وهي الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ودخول الوقت، ولما كانت الطهارة تشتمل على أنواع أفردها بكتاب، واستفتح كتاب الصلاة بذكر فرضيتها، لتعين وقته دون غيره من

стр. 2782

أركان الإِسلام، ولما كان ستر العورة لا يختص بالصلاة بدأ به لعمومه، ثم ثنى بالاستقبال للزومه في الفريضة والنافلة، إلَّا ما استثنى كشدة الخوف ونافلة السفر. ولما كان الاستقبال يستدعي مكاناً ذكر المساجد. ومن توابع الاستقبال سترة المصلي، فذكرها ثم ذكر الشرط الباقي، وهو دخول الوفت، وهو خاص بالفريضة. ولما كان الوقت يشرع الإعلام به، ذكر الأذان. وفيه إشارة إلى أن الأذان حق الوقت، ولما كان الأذان إعلامًا بالاجتماع إلى الصلاة، ذكر الجماعة، ولما كان أقلها إمام ومأموم ذكر الإمامة، ولما انفضت الشروط وتوايعها ذكر صفة الصلاة. ولما كانت الفرائض في الجماعة قد تختص بهيئة مخصوصة ذكر الجمعة والخوف، وقدم الجمعة لأكثريتها، ثم تلا ذلك بما تشرع فيه الجماعة من النوافل، فذكر العيدين والوتر والاستسقاء، والكسوف، وأخره لاختصاصه بهيئة مخصوصة، وهي زيادة الركوع، ثم تلاه بما فيه زيادة سجود، فذكر سجود التلاوة، لأنه قد يقع في الصلاة. وكان إذا وقع اشتملت الصلاة على زيادة مخصوصة، فتلاه بما يقع فيه نقص من عددها، وهو قصر الصلاة. ولما انقضى ما تشرع فيه الجماعة ذكر ما لا تستحب فيه، وهو سائر التطوعات. ثم للصلاة بعد الشروع فيها شروط ثلاثة، وهي: ترك الكلام، وترك الأفعال الزائدة، وترك المفطر، فترجم لذلك. ثم بطلانها يختص بما وقع من ذلك على وجه العمد، فاقتضى ذلك ذكر أحكام السهو، ثم جميع ما تقدم متعلقٌ بالصلاة ذات الركوع والسجود، فعقب ذلك بصلاة لا ركوع فيها ولا سجود، وهي الجنازة، وهي آخر كتاب الصلاة. ثم قال المصنف: باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء وللكشميهني والمستملي: كيف فرضت الصلوات في الإسراء، أي في ليلة الإسراء، وهذا مصير من المصنف إلى أن المعراج كان في ليلة الإسراء، لأنه قال: كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء. والصلاة إنما فرضت في المعراج، فدل

стр. 2783

على اتحادهما عنده. وإنما أفرد كلًا منهما بترجمة عند ذكر الحديث في السيرة النبوية قُبيل الهجرة بقليل؛ لأنّ كلًا منهما يشتمل على قصة مفردة، وإن كانا وقعا معاً في ليلة واحدة. وقد اختلف السلف بحسب اختلاف الأخبار الواردة، فمنهم من ذهب إلى أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة، في اليقظة، بجسد النبي ﷺ وروحه، بعد المبعث. وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عنه، إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل، ومما يؤيد وقوعهما في ليلة واحدة رواية ثابت عن أنس عند مسلم، ففي أوله "أتيتُ بالبراق، فركبتُ حتى أتيت بيت المقدس ... " فذكر القصة إلى أن قال: "ثم عُرج بنا إلى السماء الدنيا" وعند ابن إسحاق عن أبي سجد الخدريّ "فلما فرغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج ... الخ". ووقع في أول حديث مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ حدثهم عن ليلة أُسْريَ به، فذكر الحديث، فهو وإن لم يذكر فيه الإسراء إلى بيت المقدس صريحًا، فقد أشار إليه بالركوب على البُراق، ووصف سيره فهو المعتمد، وعلى هذا المعتمد. فالحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس ثم العُروج منه إلى السماء هي ما قد روى كعب الأحبار: أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة، يقابل بيت المقدس، فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العُروج ليحصل العروج مستويًا من غير تعويج. وفيه نظر، لوررد أن في كل سماء بيتًا معمورًا، وأن الذي في السماء الدنيا حيال الكعبة، وكان المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت المعمور من غير تعويج، لأنه صعد من سماء إلى سماء إلى البيت المعمور. وقيل: الحكمة في ذلك أن يجمع ﷺ في تلك الليلة بين رؤية القبلتين، أو لأنّ بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله، فحصل له الرحيل إليه في الجملة ليجمع بين أشتات الفضائل، أو لأنه محل الحشر، وغالب ما اتفق له

стр. 2784

في تلك الليلة يناسب الأحوال الأخروية، فكان المعراج أليق بذلك، أو للتفاؤل بحصول أنواع التقديس له حسًا ومعنى، أو ليجتمع بالأنبياء جملة كما يأتي بيانه. وقيل: إنه لما قُدّس ظاهرًا وباطنًا حين غسل بماء زمزم بالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الظهور -ناسب ذلك أن تفرض الصلاة في تلك الحالة، وليظهر شرفه في الملأ الأعلى، ويصلي بمن سكنه من الأنبياء وبالملائكة، وليناجي ربه، ومن ثَمَّ كان المصلي يناجي ربه . وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إرادة إظهار الحق، لمعاندة من يريد اخماده؛ لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلًا إلى البيان والإيضاح. فلما ذكر أنه أسري به إلى بيت المقدس، سألوه عن تعريفات جزئيات من بيت المقدس، كانوا رأوها وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق بصدقه فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس في ليلة، وإذا صح خبره في ذلك لزم تصديقه في بقية ما ذكره، فكان ذلك زيادة في إيمان المؤمن، وفي شقاء الجاحد والمعاند. وقيل: الحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه ﵊ لما عُرج له رأى في تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد بشرائطها، من الطمأنينة والإخلاص. قاله ابن أبي جمرة أيضًا، وقال: وفي اختصاص فرضيتها بليلة الإسراء، إشارة إلى عظيم بيانها، ولذلك اختص فرضها بكونها بمير واسطة، بل بمراجعة. تعددت على ما يأتي بيانه. القول الثاني: إن ذلك كله وقع مرتين، مرة في المتام توطئة وتمهيدًا، ومرة ثانية في اليقظة كما وقع نظير ذلك في ابتداء مجيء المَلَك بالوحي، وإلى هذا ذهب المهلب وأبو نصر بن القُشَيريّ وأبو سعيد في شرف المصطفى، وحكاه السُّهيليّ عن ابن العربىّ، واختاره. وجوز بعض قائلي ذلك أن تكون قصة

стр. 2785

المنام وقعت قبل المبعث، لقول شريك في روايته عن أنس "وذلك قبل أن يوحى إليه". وعلى ظاهر رواية شريك هذه من كون المعراج وقع منامًا، ينتظم من ذلك أن الإِسراء وقع مرتين، مرة على انفراده، ومرة مضمومًا إليه المعراج. وكلاهما في اليقظة، والمعراج وقع مرتين: مرة في المنام، على انفراده توطئة وتمهيدًا، ومرة في اليقظة مضمومًا إليه الإِسراء. الثالث: كانت قصة الإسراء في ليلة، والمعراج في ليلة، متمسكًا بما ورد في حديث أنس من رواية شريك من ترك ذكر الإسراء، وكذا في ظاهر حديث مالك بن صعصعة، ولكن ذلك لا يستلزم التعدد، بل هو محمول على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر. واحتج أيضًا من زعم أن الإِسراء وقع مفردًا بما أخرجه البزّار والطبرانيّ، وصححه البيهقيّ في الدلائل عن شدّاد بن أوس قال: قلنا يا رسول الله، كيف أُسري بك؟ قال: "صليت صلاة العتمة بمكة، فأتاني جبريل بدابة ... فذكر الحديث في مجيئه بيت المقدس، وما وقع له فيه. قال: ثم انصرف بي فمررنا بعِيْرٍ لقريش في مكان كذا، فذكره قال: ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة. الرابع: كان الإسراء إلى بيت المقدس خاصة في اليقظة، وكان المعراج منامًا، إما في تلك الليلة أو في غيرها، والذي ينبغي أن الاختلاف في كونه يقظة أو منامًا خاص بالمعراج لا بالإسراء، ولذلك، لما أخبر به قريشًا، كذبوه في الإِسراء، واستبعدوا وقوعه، ولم يتعرضوا للمعراج. وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] فلو وقع المعراج في اليقظة لكان ذلك أبلغ في الذكر، فلما لم يقع ذكره في هذا الموضع مع كون شأنه أعجب، وأمره أغرب من الإسراء بكثير دلّ على أنه كان منامًا، وأما الإسراء فلو كان منامًا لما كذبوه، ولا استنكروه، لجواز وقوع مثل ذلك، وأبعد منه لآحاد الناس. الخامس: كان الإسراء مرتين في اليقظة، فالأُولى رجع من بيت المقدس

стр. 2786

وفي صبيحته أخبر قريشًا بما وقع، وفي الثانية أُسريَ به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به من ليلته إلى السماء، إلى آخر ما وقع. ولم يقع لقريش في ذلك اعتراض، لأنّ ذلك عندهم من جنس قوله "إن المَلَكَ يأتيه من السماء في أسرع من طَرْفة عين" وكانوا يعتقدون استحالة ذلك، مع قيام الحجة على صدقه بالمعجزات الباهرة، لكونهم عاندوا في ذلك، واستمروا على تكذيبه فيه، بخلاف إخباره أنه جاء بيت المقدس في ليلة واحدة ورجع، فإنهم صرحوا بتكذيبه فيه، فطلبوا منه نعت بيت المقدس لمعرفتهم به، وعلمهم بأنه ما كان رآه قبل ذلك، فامكنهم استعلام صِدْقه في ذلك، بخلاف المعراج. السادس: جنح الإِمام أبو شامة إلى وقوع المعراج مرارًا، واستند إلى ما أخرجه البَزّار وسعيد بن منصور عن أبي عمران الجونيّ عن أنس، مرفوعًا، قال: "بينا أنا جالس إذ جاء جبريل، فوكز بين كتفيَّ، فقمنا إلى شجرة فيها مثل وَكْري الطائر، فقعدت في أحدهما. وقعد جبريل في الآخر، فارتفعت حتى سدت الخافقين، وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أن أمس السماء لمسستُ، فالتفتُّ إلى جبريل كأنه جلس لأجلي، وفتح لي بابًا من السماء، ورأيت النور الأعظم، وإذا دونه حجابٌ رفرف الدر والياقوت، فأوحى إلى عبده ما أوحى. ورجاله لا بأس بهم، إلَّا أن الدارقطني ذكر له علة تقتضي إرساله، وعلى كل حال فهي قصة أخرى الظاهر أنها وقعت بالمدينة، ولا بعد في وقوع أمثالها، وإنما المستبعد وقوع التعدد في قصة المعراج التي وقع فيها سؤاله عن كل نبي، وسؤال أهل كل باب هل بعث إليه، وفرض الصلوات الخمس وغير ذلك في اليقظة، لا يتجه، فيتعين رد بعض الروايات المختلفة إلى بعض، أو الترجيح. إلَّا أنه لا بُعد في وقوع جميع ذلك في المنام توطئة، ثم وقوعه في اليقظة على وفقه، كما مرَّ. ومن المستغرب قول ابن عبد البر في تفسيره: كان الإسراء في النوم واليقظة، ووقع بمكة والمدينة، فإن كان يريد تخصيص المدينة بالنوم، ويكون كلامه على طريق اللف والنشر غير المرتب، فيحتمل. ويكون الإسراء الذي اتصل به المعراج، وفرضت فيه الصلوات في اليقظة بمكة، والآخر في

стр. 2787

المنام بالمدينة. وينبغي أن يزاد فيه أن الإسراء في المنام تكرر في المدينة المنورة، كما في أحاديث الصحيح، كحديث سمرة الطويل الآتي في الجنائز، وحديث ابن عباس في رؤياه، وحديث ابن عمر في ذلك، وغير ذلك. وبين قولهم كان الإسراء منامًا، وقولهم كان بروحه دون جسده فرقٌ، فإن الذي يراه النائم قد يكون حقيقة، بأن تصعد الروح مثلًا إلى السماء، وقد يكون من ضرب الأمثال أن يرى النائم ذلك، وروحه لم تصعد أصلًا، فيحتمل أن من قال: أُسري بروحه ولم يصعد جسده، أراد أن روحه عُرج بها حقيقة، فصعدت ثم رجعت، وجسده باقٍ في مكانه خرقاً للعادة، كما أنه في تلك الليلة شُقّ صدره والتأم، وهو حي يقظان لا يجد لذلك ألمًا واختلف في وقت المعراج، فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذٌ، إلَّا ان حمل على أنه وقع حينئذ في المنام كما مرَّ، وذهب أكثر إلى أنه كان بعد المبعث، ثم اختلفوا؛ فقيل: قبل الهجرة بسنة، قاله ابن سعد، وبه جزم النوويُّ وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه، وهو مردود بما فيه من الخلاف الكثير، فحكى ابن الجوزيّ أنه كان قبلها بثمانية أشهر، وحكى ابن حزم مقتضاه، لأنه قال: كان في رجب سنة اثنتي عشرة من النبوءة، وقيل: قبلها بستة أشهر، حكاه أبو الربيع بن سالم. وقيل: بأحد عشر شهرًا، جزم به إبراهيم الحربيّ، حيث قال: كان في ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، ورجحه ابن المنير. وقيل: قبلها بسنة وشهرين، حكاه ابن عبد البر. وقيل: قبلها بسنة وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس. وقيل: بسنة وخمسة أشهر قاله السدّيّ. وأخرجه من طريق الطبريّ والبيهقيّ فعلى هذا كان في شوال وفي رمضاد على إلغاء الكسرين منه ومن ربيع الأول، وبه جزم الواقديّ، وعلى ظاهره ينطبق ما حكاه ابن قتيبة وابن عبد البر أنه كان قبلها بثمانية عشر شهرًا. وكذا قال ابن سعد إنة في رمضان قبلها بثمانية عشر شهرًا وما مرَّ عن ابن حزم من أنه كان في رجب، حكاه ابن عبد البر، وجزم به النّوويّ في الروضة. وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، حكاه ابن الأثير. وحكى عياض، وتبعه القرطبيّ والنوويّ عن الزهريّ أنه كان قبلها بخمس

стр. 2788

سنين، ورجحه عياض ومن تبعه، واحتج بأنه لا خلاف أن خديجة صلّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة، إما بثلاث أو نحوها، وإما بخمسٍ، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. وفي جميع ما نفاه من الخلاف نظر، أما أولًا، فإن العسكريّ حكى أنها ماتت قبل الهجرة بسبع سنين وقيل بأربع، وحكى العسكريّ عن الزهريّ أنها ماتت لسبع مضين من البعثة، وظاهره أن ذلك، قبل الهجرة بست سنين، وفرعه العسكري على قول من قال: إن المدة بين البعثة والهجرة كانت عشرًا، أو عن ابن الأعرابيّ أنها ماتت عام الهجرة. وإمّا ثانيًا، فإنّ فرض الصلاة اختلف فيه، فقيل: كان من أول البعثة، وكان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وإنما الذي فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس. قلت: ويؤيد هذا ما مرَّ عن شداد بن أوس "صليت صلاة العتمة" فإنه يدل على أن الصلاة كانت قبل الإسراء، وإما ثالثًا، ففي حديث عائة الجزم بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة، فالمعتمد أن مراد من قال، بعد أن فرضت الصلاة، ما فرض قبل الصلوات الخمس، إن ثبت ذلك. ومراد عائشة بقولها: ماتت قبل أن تفرض الصلاة "أي الخمس" فيجمع بين القولين بذلك، ويلزم منه أنها ماتت قبل الإسراء. والعروج إلى السماء. قيل: إنه كان على البراق كما كان الإسراء. وقيل: إنه لم يكن على البراق، بل رقى في المعراج، وهو السُّلّم، كما جاء مصرحاً به في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق والبيهقيّ في الدلائل، ولفظه "فإذا أنا بدابة كالبغل ... الأذنين، يقال له البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي فركبته، فذكر الحديث. قال: ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصليت ثم أُتيت بالمعراج. وفي رواية ابن إسحاق: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" لما فرغت مما كان في بيت المقدس أُتي بالمعراج، فلم أرَ قطُّ شيئًا كان أحسن منه، وهو الذي يمد إليه الحيت عينيه إذا حضر، فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء ... الحديث" وفي رواية "فوضعت له مَرقاة من فضة، ومرقاة

стр. 2789

من ذهب، حتى عرج هو وجبريل" وفي رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى أنه أُتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه مُنَضَّد باللؤلؤ، وعن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة. ثم قال المصنف: وقال ابن عباس: حدثني أبو سفيان في حديث هرقل فقال: يأمرنا، يعني النبي ﷺ بالصلاة والصدق والعفاف. ومناسبة التعليق للترجمة هي أن فيه إشارة إلى أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة، لأنّ أبا سفيان لم يلق النبي ﷺ بعد الهجرة، إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون آمرًا له بطريق الحقيقة، والإسراء كان قبل الهجرة بلا خلاف، وبيان الوقت، وان لم يكن من الكيفية حقيقة، لكنه من جملة مقدماته، كما وقع نظير ذلك في أول الكتاب في قوله "كيف كان بدء الوحي؟ " وساق فيه ما يتعلق بالمتعلق بذلك، فظهرت المناسبة. وهذا التعليق قطعة من حديث طويل ذكره البخاريّ في أول الكتاب مسندًا، وعبد الله بن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ أبو سفيان وهرقل في السابعة منه.

стр. 2790

الحديث الأول حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِىء حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ ﷺ . فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ. وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ. فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ، فَفَتَحَ. قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِى السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ؟ هَذَا إِدْرِيسُ. ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ:

стр. 2791

مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا عِيسَى. ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ . وهذا الحديث رواه عن النبي ﷺ جماعةٌ من الصحابة، لكن طرقه في الصحيحين تدور على أنس، مع اختلاف أصحابه عنه، فرواه الزُّهريَّ عنه عن أبي ذَرٍّ كما في هذا الباب، ورواه قتادة عنه عن مالك بن صعصعة في السيرة النبوية قبل الهجرة بقليل، ورواه شريك بن أبي غُر وثابت البناني عنه، عن النبي ﷺ بلا واسطة، وفي سياق كل منهم عنه ما ليس عند الآخر، والغرض من إيراده هنا ذكر فرض الصلاة، ونذكر الكلام على اختلاف طرقه، وتغاير ألفاظها، وكيفية الجمع بينها. وقوله: فُرِج سقف بيتي وأنا بمكة، أي بضم الفاء والجيم أي: فُتح، والحكمة في أن المَلَك انصب إليه من السماء انصبابة واحدة، ولم يعرج على شيء سواه مبالغة في المناجاة، وتنبيهًا على أن الطلب وقع على غير ميعاد. ويحتمل أن يكون السر في ذلك التمهيد لما وقع من شَقّ صدره، فكأن المَلَكَ أراه بانفراج السقف، والتئامه في الحال، كيفية ما سيصنع به لُطفًا به وتثبيتًا به. وقيل: الحكمة في نزوله عليه من السقف، الإشارة إلى المبالغة في مفاجأته بذلك، والتنبيه على أن المراد منه أن يعرج إلى جهة العلوّ. وفي رواية مالك بن صعصعة أنه ﷺ قال: "بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحِجر، مضطجعًا" والشك من قتادة، كما بينه أحمد عن عفّان عن همّام ولفظه "بينا أنا نائم في الحطيم" وربما قال قتادة في الحِجر والمراد بالحطيم هنا الحِجر، وأبعد من قال المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحجر، وهو إن كان مُخْتَلَفًا فيه، هل هو الحجر أم لا، كما يأتي، إن شاء الله تعالى، في بنيان الكعبة، لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع ذلك فيها، ومعلوم أنها لم تتعدد، لأن القصة متحدة، لاتحاد مخرجها.

стр. 2792

وفي أول بدء الخلق "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان" وهو أعم. وفي رواية الواقديّ بأسانيده "أنه أُسري به من شِعْب أبي طالب". وفي حديث أم هانىء عند الطبرانيّ أنه بات في بيتها، قالت: ففقدته من الليل، فقال: "إن جبريل أتاني" والجمع بين هذه الأقوال أنه بات في بيت أم هانىء، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه، لأنه كان سكنه منزل المَلَك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعًا، وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد، فأركبه البراق. ووقع في مرسل الحسن عند أبي إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد فأركبه البراق. وهو يؤيد هذا الجمع. وقوله في الرواية السابقة: بين النائم واليقظان، محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج الي باب المسجد فأركبه البراق استمر في يقظته، وأما ما وقع في رواية شريك في كتاب التوحيد "واستيقظ وهو في المسجد الحرام" فإنْ قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلاّ فإنْ حمل على ظاهره جاز أن يكون نام بعد أن هبط من السماء، فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام. وجاز أن يؤول قوله استيقظ أي فاق مما كان فيه، فإنه كان إذا أُوحي إليه يستغرق بمشاهدة الملكوت، فإذا انتهى رجع إلى حالته الأولى في العالم الدنيويّ، فكنى عنه بالاستيقاظ. وقال ابن أبي جمرة: قال ﷺ : إنه كان يقظان لأخبر بالحق، لأنّ قلبه في النوم واليقظة سواء، وعينه أيضًا لم يكن النوم تمكن منها لكنه تحرّى ﷺ الصدقَ في الإخبار بالواقع له، فيؤخذ منه أنه لا يُعدل عن حقيقة اللفظ للمجاز إلاّ لضرورة. وقوله: ففَرَجَ صدري، بفتح الفاء وبالجيم، أي شقه. ورجح عياض أنّ شق الصدر كان وهو صغير عند مرضعته في بني سعد، وتعقبه السهيليّ وغيره بأن الروايات تواردت به، وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولكل منهما حكمة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس "فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك" وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على كمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق

стр. 2793

الصدر عند المبعث، زيادة في إكرامه، ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قويّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة. ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرر في شرعه ﷺ . وقد رُوي الشق أيضًا وهو ابن عشر أو نحوها، في قصة له مع عبد المطلب أخرجها أبو نعيم في الدلائل، ورُوي مرة أخرى خامسة، ولا تثبت. قال القرطبيُّ في المُفهم: لا يلتفت لإِنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير، وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له دون التعريض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شي من ذلك. واختلف هل كان شق قلبه وغسله مختصًا به أو وقع لغيره من الأنبياء؟ وقد وقع عند الطبرانيّ في قصة تابوت بني إسرائيل أنه كان فيه الطَّسْت التي تغسل فيها قلوبُ الأنبياء، وهذا مشعر بالمشاركة. وقوله: ثم غسله بماء زمزم، أي برجوع الضمير إلى الصدر، وفي رواية مالك بن صعصعة "فغسل قلبي". وفي رواية مسلم "فاستخرج قلبي فغُسل بماء زمزم". وفيه فضيلة ماء زمزم على جميع المياه. قال ابن أبي جمرة: وإنما لم يغسل بماء الجنة، لما اجتمع في ماء زمزم من كون أصل مائها من ماء الجنة، ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبي ﷺ في الأرض. وقال السهيليّ: لما كانت زمزم هَزْمَةَ جبريل رُوح القدس، لأم إسماعيل جد النبي عليهما الصلاة والسلام، ناسب أن يغسل بمائها عند دخول حضرة القدوس ومناجاته. وقوله: ثم جاءَ بطَست من ذهب، الطَست بفتح أوله وكسره وبمثناة، وقد تحذف، وهو الأكثر، وإثباتها لغة طيء، وأخطأ من أنكرها، إناء معروف خص بذلك لأنه أشهر آلات الغسل عُرفًا، وإنما كان من ذهب لأنه أعلى أنواع الأواني الحسية وأصفاها، ولأن فيه خواص ليست لغيره، وتظهر لها هنا مناسبات منها أنه من أواني الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب، ولا يلحقه الصدأ،

стр. 2794

ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب ثقل الوحي. وقال السهيليُّ وغيره: إن نُظِر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرجس عنه، ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإنْ نُظر إلى معناه فلوضاءَته ونقائه وصفائه، ولثقله ورسوبته، والوحي ثقيل، قال الله تعالى ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] والقول هو القرآن. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢]، ولأنه أعز الأشياء في الدنيا، ولعل هذا كان قبل أن يحرّم استعمال الذهب في هذه الشريعة، لا تحريمه كان في المدينة المنورة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في اللباس. ولا يكفي أن يقال إن المستعمل له كان ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه لو كان قد حرم عليه استعماله لنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم، ويمكن أن يقال إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان من أحوال الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة. وقد أبعد من استدل به على جواز تحلية المصحف بالذهب؛ لأن المستعمل له الملك، فيحتاج إلى ثبوت كونهم مكلفين بما كلفنا به، وأيضًا فإن ذلك وقع على أصل الإباحة كما مرَّ. ومن المناسبات المستبعدة قول بعضهم: إن الطست يناسب (طس تلك) آية القرآن، وقوله: ممتلىء حكمةً وإيمانًا، كذا وقع هنا بالتذكر على معنى الإناء، لا على لفظ الطست، لأنها مؤنثة. وفي رواية مالك بن صعصعة "مملوءة" بالتأنيث مراعاةً للفظ الطست. وفي رواية له "ملآن" وفي رواية "ملأى" وفي خط الدّمياطيّ "مُلىء" بضم الميم على لفظ الفعل الماضي، وحكمة وإيمانًا نصبا على التمييز، والمعنى أن الطست جعل فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسمى حكمة وإيمانًا مجازًا، وهذا الملء يحتمل أن يبهون على حققته، وتجسُّد المعاني جائز كما ورد أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظُلَّة، والموت في صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال ونحو ذلك من أحوال الغيب. وقال البيضاويّ: لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا

стр. 2795

كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته كشف المعنويّ بالمحسوس. وقال النوويّ: في تفسير الحكمة أقوالٌ مضطربة، صفا لنا منها أن الحكمة العلم المشتمل على المعرفة بالله، مع نفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق للعمل به، والكف عن ضده، والحكيم من حاز ذلك. وقد تطلق. الحكمة على القرآن، وهو مشتمل على ذلك كله، وعلى النبوة كذلك، وقد تطلق على العلم فقط، وعلى المعرفة فقط، وقال بعضهم: أصح ما قيل في الحكمة أنها وضع الشيء في محله، أو الفهم في كتاب الله. فعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان، وقد لا توجد. وعلى الأول فقد يتلازمان، لأن الإيمان يدل على الحكمة. وقال ابن أبي جمرة فيه: إن الحكمة ليس بعد الإيمان أجل منها، ولذلك قرنت معه، ويؤيده قوله تعالى ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقوله: فأفرغه في صدوى ثم أطبقه، وفي رواية مالك بن صعصعة "ثم حشي ثم أعيد" وزاد مسلم في روايته مكانه "ثم حشي إيمانًا وحكمة" وفي رواية شريك "فحشي به صدره ولغاديده" بلام وغين معجمة، أي عروق حلقه قال ابن أبي جمرة: الحكمة في شق قلبه مع القدرة على أن يمتلىء قلبه إيمانًا وحكمة بغير شق الزيادة في قوة اليقين، لأنه أُعطي برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وصف بقوله تعالى ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]. وقد اشتملت هذه القصة من خوارق العادة على ما يدهش سامعه فضلًا عمن شاهده، فقد جرت العادة بأن من شق بطنه وأخرج قلبه يموت لا محالة، ومع ذلك فلم يوثر فيه ذلك ضررًا ولا وجعًا، فضلًا عن غير ذلك. وقوله: ثم أخذ بيدي فعَرج بي إلى السماء الدنيا، استدل بعضهم على أن المعراج وقع غير مرة، لكون الإسراء إلى بيت المقدس لم يذكر هنا، ويمكن أن يقال هو من اختصار الراوي، والإتيان بثم المقتضية للتراخي، لا ينافي وقوع أمر الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما الإطباق والعروج، بل يشير إِليه،

стр. 2796

وحاصله أَن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، وهذه الرواية المذكورة هنا مثل رواية شريك الآتية في التوحيد، فإن كانت القصة متعددة فلا إشكال، وإن كانت متحدة ففي هذا السياق حذفٌ تقديره: ثم أركبه البراقَ إلى بيت المقدس، ثم أتي بالمعراج كما في حديث مالك بن صعصعة "فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أُتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض، وهو البراق فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا" وفي سياقه أيضًا حذف تقديره: حتى أتى بي بيت المقدس، ثم أتى بالمعراج، كما في رواية ثابت عن أنس رفعه: أُتيتُ بالبراق فركبته حتى أتى بي بيت المقدس، فربطته، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم عُرج بي إلى السماء". والحكمة في الإسراء به راكبًا مع القدرة على طي الأرض، إشارةٌ إلى أن ذلك وقع ثانيًا له بالعادة في مقام خرق العادة، لأن العادة جرت بان المَلَك إذا استدعى من يختص به يبعث إليه بما يركبه. وقال ابن أبي جمرة خص البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به، لأنه لم ينقل أن أحدًا ملكه بخلاف غير جنسه من الدواب، والقدرة كانت صالحة لأن يصعد بنفسه من غير براق، لكن ركوب البراق كان زيادة في تشريفه، لأنه لو صعد بنفسه لكان في صورة ماشٍ، والراكب أعز من الماشي. والحكمة في كون البراق بهذه الصفة الإشارةُ إلى أن الركوب كان في سلْم وأمْن، لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد من دابة لا توصف بذلك في العادة، وقد وصفه بقوله "يضع خطوه عند أقصى طَرْفه" أي بسكون الراء وبالفاء، نظره، أي يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره. وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى والبزار "إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه" وفي رواية للواقديّ "له جناحان ولم تر لغيره" وفي رواية عند الثعلبيّ بسند ضعيف عن ابن عباس في صفة البراق "له خد كخد الإنسان، وعرف كعرف الفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف وذنبٍ كالبقر، وكأنّ صدره ياقوتة حمراء" قيل: يؤخذ من ترك تسمية سير البراق طيرانًا أن الله إذا أكرم عبدًا بتسهيل

стр. 2797

الطريق له حتى قطع المسافة الطويلة في الزمن اليسير أن لا يخرج بذلك عن اسم السفر، وتجري عليه أحكامه. والبراق بضم الموحدة وتخفيف الراء مشتق من البَريق، فقد جاء في لونه أنه أبيض، أو من البَرق لأنه وصفه بسرعة السير، أو من قولهم شاة برقاء، إذا كان خلال صوفها الأبيض طافات سود، ولا فيافيه وصفه في الحديث بأنه أبيض، لأنّ البرقاء من الغنم معدودة في البياض، ويحتمل أن لا يكون مشتقًا. وقوله السابق: فحملت عليه، في رواية لأبي سعيد في شرف المصطفى "فكان الذي أمسك بركابه جبريل، وبزمام البراق ميكائيل" وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ ليلة أُسري به اتي بالبراق مسرجًا ملجمًا، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حملك على هذا، فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله تعالى منه، فارفضَّ عرقًا. أخرجه الترمذيّ وقال: حسن غريب، وصححه ابن حبّان. وذكر ابن إسحاق عن قتادة أنه لما شَمَس وضع جبريل يده على معرقته، فقال: أما تستحي، فذكر نحوه مرسلًا لم يذكر أنسًا. وفي رواية وثيمة عن ابن إسحاق "فارتعشتُ حتى لصقت بالأرض، فاستويت عليها" وللنّسائيّ وابن مردويه عن يزيد بن أبي مالك عن أنس نحو موصولًا، وزاد "وكانت تسخر للأنبياء قبله". ونحوه في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق. وفيه دلالة على أن البراق كان معدًا لركوب الأنبياء خلافًا لمن نفى ذلك، كابن دحية. وأُوَّل قول جبريل "فما ركبك أكرم على الله منه" أي ما ركبك أحد قط، فكيف يركبك أكرم منه، وقد جزم السهيليّ بأنّ البراق إنما استصعب عليه لبعد عهده بركوب الأنبياء قبله، قال النووي: قال الزبيديّ في "مختصر العين" وتبعه صاحب "التحرير": كان الأنبياء يركبون البراق. قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. قال في "الفتح": والنقل هو ما مرَّ، ويؤيده ظاهر قوله في حديث ثابت عن أنس "فربطته بالحلقة التي تريط بها الأنبياء" ووقع في "المبتدأ" لابن إسحاق من رواية وثيمة في ذكر الإسراء "فاستصعبت البراق، وكانت الأنبياء تركبها قبلي، وكانت بعيدة العهد

стр. 2798

بركوبهم، لم تكن ركبت في الفترة". وفي مغازى ابن عائذ عن سعيد بن المسيب قال: البراق هي الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل. وفي كتاب مكة للفاكهيّ والأزرقيّ أن إبراهيم كان يحج على البراق. وفي أوائل الرّوض للسهيليّ أن إبراهيم حمل هاجر على البُراق لما سار إلى مكة بها ويولدها، فهذه آثار يشدّ بعضها بعضًا، دالة على كون البراق كان مركوبًا للأنبياء. وقال ابن المنير: إنما استصعب البراق تيهًا وزهوًا بركوب النبي ﷺ ، وأراد جبريل استنطاقه، فلذلك خجل وارفضَّ عرقاً من ذلك، وقريب من ذلك رجفةُ الجبل به حتى قال له اثبت، فإنما عليك نبي وصدّيق وشهيد، فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب. ورُوي أن البراق لما عاتبه جبريل قال له معتذرًا: إنه مس الصفراء اليوم، وإن الصفراء صنم من الذهب كان عند الكعبة، وأن النبي ﷺ نهى زيد بن حارثة أن يمسه بعد ذلك، وكسره يوم فتح مكة. ومن الأخبار الواهية في صفة البراق ما ذكره الماورديّ عن مُقاتِل، وأورده القرطبيّ في التذكرة، ومن قبله الثعلبى عن ابن عباس قال: الموت والحياة جسمان، فالموت كبش لا يجد ريحه شي إلَّا مات، والحياة فرس بَلْقاء أنثى، وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها، لا تمر بشيء، ولا يجد شيء ريحها إلَّا حَيّ. واختلف هل جبريل كان راكبًا مع النبي، عليهما الصلاة والسلام، على البراق أم لا؟ والصحيح أنهما كانا رديفين عليه، ففي الطبرانيّ عند عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن جبريل أتى النبيّ ﷺ بالبراق فحمله بين يديه، وعند أبي يعلي والحاكم عن ابن مسعود، رفعه "أُتيتُ بالبراق فركبت خلف جبريل". وفي صحيح ابن حبان عن ابن مسعود أن جبريل حمله على البراق رَديفًا. وفي رواية الحارث في مسنده "أُتي بالبراق فركب خلف جبريل، فسار بهما" فهذا كله صريح في ركويه معه. وعند التِّرمذيّ والنَّسائيّ من حديث حذيفة "فما زايلا ظهر البراق". وعنه أيضًا عند أحمد قال: "أُتي رَسول الله ﷺ بالبراق، فلم يزايل ظهره هو وجبريل

стр. 2799

حتى انتهيا إلى بيت المقدس" وهذا لم يسنده حذيفة عن النبي ﷺ ، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاده، ويحتمل أن يكون قوله: هو وجبريل، يتعلق بمرافقته في السير لا في الركوب. قال ابن دَحية وغيره: معناه وجبريل قائدًا وسائقًا ودليلًا. قال: وإنما جزمنا بذلك لأنّ قصة المعراج كانت كرامة للنبي ﷺ ، فلا مدخل لغيره فيها، والتأويل المذكور يرده ما مرَّ صريحًا من ركوبه معه، وظاهر حديث حذيفة أن المعراج وقع للنبي ﷺ على ظهر البُراق إلى أن صعد السموات كلها، ووصل إلى ما وصل، ورجع وهو على حاله، وفيه نظر، لما مرَّ من صعوده على المعراج، ولعل حذيفة إنما أشار إلى ما وقع في ليلة الإسراء المجردة، التي لم يقع فيها معراج، على ما مرَّ من تقرير وقوع الإسراء مرتين. وظاهر قوله المار "حتى أتى السماء الدنيا" يشعر بأنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء، وتمسك به أيضًا من زعم أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، وقد أنكر حذيفة ما مرَّ من رواية ثابت عن أنس "فربطته بالحلقة" فروى أحمد والتِّرمذيّ عن حُذيفة قال: تحدثون أنه ربطه، أخافَ أن يفر منه وقد سخره له عالم الغيب والشهادة؟ قال البيهقيّ: المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت ربط البراق والصلاة في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى ذلك، فهو أولى بالقبول. وفي رواية بُريدة عند البزار "لما كان ليلة أُسري به، فأتى جبريلُ الصخرةَ التي ببيت المقدس، فوضع أصبعه فيها، فخرقها فشد بها البراق" ونحوه للتِّرمذيّ، ويجاب عما قاله حذيفة بأن الربط كان للتشريع بتعاطي الأسباب، وتعليمًا للأمة بذلك، لا للخوف من فراره. وأنكر حذيفة أيضًا أنه ﷺ صلى في بيت المقدس، واحتج بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه، كما كتب عليكم الصلاة في البيت العتيق. والجواب عنه منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ الفرضَ، وإن أراد التشريع فتلتزمه. وقد شرع النبي ﷺ في بيت المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شد الرحال، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث. وعند البيهقيّ عن أبي سعيد "حتى أتيت

стр. 2800

بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها" وفيه "فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين" وفي رواية أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود نحوه، وزاد "ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، ثم أُقيمت الصلاة فأممتهم". وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند ابن أبي حاتم "فلم ألبث إلاَّ يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن، فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل فقدمني، فصليت بهم". وفي حديث ابن مسعود عند مسلم "وحانت الصلاة فاممتهم" وفي حديث عند أحمد "فلما أتى النبي ﷺ المسجدَ الأقصى، قام يصلي، فإذا النبيون أجمعون يصلون معه" وفي حديث عمر عند أحمد أيضًا، أنه لما دخل بيت المقدس قال: أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ ، فتقدم إلى القبلة وصلى. وأخرج الطبرانيّ عن عبد الرحمن بن هاشم عن أنس "ثم بُعث له آدم فمن دونه، فأمَّهم تلك اليلة" وفي الطبرانيّ في الأوسط عن أبي أمامة "ثم أُقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدًا" وعند البزار والحاكم عن أبي هريرة "أنه صلى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أُتي هناك بأرواح الأنبياء، فأثنوا على الله تعالى" وفيه قول إبراهيم "لقد فضلكم محمد" قال عياض: يحتمل أن يكون صلى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس، ثم صعد منهم إلى السموات مَنْ ذَكَر صلى تعالى عليه وسلم أنه رآه، ويحتمل أن تكون صلاته بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا أيضًا. وقال غيره: رؤيته إياهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم، إلَّا عيسى لما ثبت أنه رُفع بجسده. وقد قيل ذلك في إدريس أيضًا، وأمّا الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل الأجساد بأرواحها. قلت: ويؤيد الاحتمال الأول ما مرَّ قريبًا عن الحاكم والبزار، أنه أُتي هناك بأرواح الأنبياء، والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العروج. وقال بعض العلماء: اختلف في حال الأنبياء عند لقي النبي ﷺ إياهم ليلة الإسراء،

стр. 2801

هل أُسري باجسادهم لملاقاته ﵊ تلك الليلة، أو أن أرواحهم مستقرة بالأماكن التي لقيهم النبي ﷺ فيها؟ وهي مشكلة بشكل أجسادهم، كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل. واختار الأول بعض شيوخ ابو حَجَر، واحتج بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي ﷺ قال: "رأيت موسى ليلة أُسري بي، قائمًا يصلي في قبره، فدل على أنه أُسري به لما مرَّ به" قال في الفتح: وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون في السماء. وقوله: فلما جئت إلى السماء الدنيا، في حديث أبي سعيد في ذكر الأنبياء عند البيهقي "إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحَفَظة، وعليه مَلَك يقال له إسماعيل، وتحت يده اثنا عشر ألف ملك". وقوله: قال جبريل لخازن السماء: افتح، وفي رواية "فاستفتح" وهذا يدل على أن الباب كان مغلقًا، وعلى أن للسماء أبوابًا حقيقة، وحفظة موكلين بها. قال ابن المنير: حكمته التحقيق أن السماء لم تفتح إلَّا من أجله بخلاف ما لو وجده مفتوحًا. وقوله: "قال: مَنْ هذا؟ قال: جبريل" فيه من أدب الاستئذان أن المستأذِن يسمي نفسه لئلا يلتبس بغيره. وقوله: "قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد" وفي رواية مالك بن صعصعة قيل: "ومن معك؟ قال: محمد" ورواية "من معك؟ " تشعر بأنهم أحسوا معه برفيق، وإلّا لكان السؤال بلفظ "أمَعَك أحد؟ " كما في الرواية الأولى، وذلك الإحساس إما بمشاهدة، لكون السماء شفّافة، وإما بأمر معنويّ، كزيادة أنوار ونحوها، تشعر بتجدد أمر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة. وقوله: أرسل إليه، وللكشميهنى "أو أرسل إليه" يحتمل أن يكون خفي عليه أصل ارساله لاشتغاله بعبادته، ويحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر لقوله "إليه" وليس المراد أصل البعث، لأنّ ذلك كان قد اشتهر في الملكوت الأعلى. وقيل: سألوه تعجبًا من نعمة الله عليه بذلك، واستبشارًا به. وقد علموا أن بشرًا لا يترقى إلَّا بإذن الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه. وقيل: الحكمة في سؤال الملائكة: وقد

стр. 2802

بعث إليه؟ أن الله تعالى أراد إطلاع نبيه ﵊ على أنه معروف عند الملأ الأعلى؛ لأنهم قالوا: أَوَبُعث إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، والاّ لكانوا يقولون: ومن محمد؟ مثلًا. ورواية شريك "أو قد بعث" تُؤيد الاحتمال الأول، لكنها من المواضع التي تعقبت عليه، ويأتي جميعها إن شاء الله تعالى. وفي قول جبريل: محمد، دليل على أن الاسم أولى في التعريف من الكنية، ويؤخذ منه أن رسول الله رجل يقوم مقام إذنه؛ لأن الخازن لم يتوقف عن الفتح له، على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإِرسال إليه. وقد أخرج المصنف في الأدب المفرد، وأبو داود والبيهقيّ عن سعيد بن أبي عَروبة "إذا دُعِي أحدكم، فجاء مع الرسول، فهو إذنه" وفي رواية عن أبي هريرة بلفظ "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وفي رواية مالك بن صعصعة زيادة "قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء" أي أصاب رحبًا وسعة، وكنى بذلك عن الإنشراح. واستنبط من ابن المنير جواز رد السلام بغير لفظ السلام، وتعقب بأن قول المَلَك: مرحبًا به، ليس ردًا للسلام، فإنه كان قبل أن يفتح الباب. والسياق يرشد إليه. وقد نبه على ذلك ابن أبي جمرة، ووقع هنا أن جبريل قال له عند كل واحد منهم: سلّم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد عليّ السلام. وفيه إشارة إلى أنه رآهم قبل ذلك. وقوله: فإذا رجل قاعد عن يمينه أسْوِدة، وعن يساره أسْوِدة، بوزن أزمنة، وهي الأشخاص من كل شيء. وقوله: فقال مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قيل: اقتصر الأنبياء على وصفه بهذه الصفة، وتواردوا عليها، لأن الصلاح صفة تشتمل خلال الخير، ولذلك كررها كل منهم عند كل صفة، والصالح هو الذي يقوم بما يلزم من حقوق الله وحقوق العباد، فمن ثمّ كانت كلمة جامعة لمعاني الخير. وفي قول آدم "الابن الصالح" إشارة إلى افتخاره بأُبُوّة النبي ﷺ . وقوله: قلت لجبريل: من هذا؟ ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم: مرحبًا، ورواية مالك بن صعصعة عكس ذلك، وهي المعتمدة، فتحمل

стр. 2803

هذه عليها، اذ ليس في هذه أداة ترتيب. وقوله: هذا آدم، وفي رواية "هذا أبوك آدم". وقوله: نَسَم بنيه، بالتحريك جمع نسمة، وهي الروح. وحكى ابن التين أنه رواه بكسر الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف بعدها ميم، وهو تصحيف، وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل. قال القاضي عياض: قد جاء أن أرواح الكفار في سجّين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة. فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟ وأجاب بأنه يحتمل أن تعرض على آدم أوقاتًا، فصادف وقت عرضها مرور النبي ﷺ ، ويدل على أن كونهم في النار إنما هو في أوقات قوله تعالى ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن. والجواب عنه ما أبداه هو احتمالًا من أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله. وكان يكشف له عنها. قلت: كيف يصح هذا الاحتمال، مع ما هو الثابت في الأحاديث من أن الجنة فوق السموات، وأن سقفها عرش الرحمن، ومع ما هو في حديث شداد بن أوس "فإذا جهنم تكشف عن مثل الزّرابيّ، ووجدتها مثل الحَمّة السخنة". وزاد فيه أنه رآها في وادي بيت المقدس. ويحتمل أن يقال: إن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون اليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر الى من عن يمينه، ويحزن إذا نظر الى من عن يساره، بخلاف التي في الأجساد، فليست مرادة قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد الى مستقرها من جنة أو نار، فليست مُرادة فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله "نسم بنيه" عامٌ مخصوص، أو أريد به الخصوص. ويحتمل أن يكون المراد بها مَن خرجت من الأجساد حين خروجها، قبل أن تكون مستقرة، ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء الدنيا، أن تفتح لها أبواب السماء، ولا تلجها.

стр. 2804

وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيّ ما يؤيده، ولفظه "فإذا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عِلِّيين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجّين". وفي حديث أبي هريرة عند الطبرانيّ والبزار "فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن يساره باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر وإذا نظر عن يساره خزِن" فظهر من الحديثين عدم اللزوم المذكور، وهذا أوْلَى من الجمع السابق، ولو صح الحديثان لوجب المصير إليه، لكن سندهما ضعيف، وقوله: قال أنس، فذكر أنه وجد في السموات آدم الخ، هذه الرواية عن الزّهريّ من كون أبي ذَرٍّ لم يثبت منازلهم، وأن إبراهيم في السماء السادسة مخالفة لرواية أنس عن مالك بن صعصعة عند المؤلف، ولرواية ثابت عن أنس عند مسلم أن في الأولى آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم. ووقع في رواية شريك عن أنس أن إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة. وآخر في الخامسة وساقه، يدل على أنه لم يضبط منازلهم أيضًا، كما صرح به الزّهريّ، ورواية من ضبط أَوْلى، ولاسيما مع اتفاق قتادة وثابت، وقد وافقهما يزيد بن أبي مالك عن أنس، إلَّا أنه خالف في إدريس وهارون، فقال: هارون في الرابعة وإدريس في الخامسة. ووافقهم أبو سعيد، إلاّ أن في روايته: يوسف في الثانية وعيسى ويحيى في الثالثة، والأول أثبت، والثابت في الروايات غير رواية الزُّهريّ هذه، ورواية شريك في التوحيد أن إبراهيم في السابعة. فإن قلنا بتعدد المعراج، فلا تعارض. وإلاّ فالأرجح رواية الجماعة، لقوله فيها: إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وهو في السابعة على الراجح. وأما ما جاء عن علي من أنه في السادسة عند شجرة طوبي، فإن ثبت حمل على أنه البيت الذي في السادسة بجانب شجرة طوبي، لأنه جاء عنه أن في كل سماء بيتًا يحاذي الكعبة، وكل منها معمور بالملانكة، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره، إن البيت المعمور في السماء الدنيا، فإنه محمول على أول بيت يحاذي الكعبة من بيوت السموات، وقد جاء عن أنس مرفوعًا "أنه في

стр. 2805

السماء الرابعة" وبه جزم المجد في "القاموس" وقيل: هو تحت العرش، وجاء عن الحسن ومحمد بن عباد بن جعفر أن البيت المعمور هو الكعبة، وقيل انه بناه آدم لما أُهبط إلى الأرض، أي بنته له الملائكة، ثم رفع زمن الطوفان، وكان هذا شبهة من قال إنه الكعبة، وأخرج الطبريّ عن قتادة قال: ذُكِر لنا أن رسول الله ﷺ قال:"البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة، لو خر لخر عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم، إذا خرجوا منه لم يعودوا". وقد روى إسحاق في مسنده، والطبري عن عليّ أنه سُئِل عن السقف المرفوع، فقال: السماء، وعن البيت المعمور، فقال: بيت في السماء بحيال البيت، حرمته في السماء كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه. وعند مسلم عن أنس "ثم لا يعودون إليه أبدًا". وعند ابن إسحاق عن أبي سعيد "إلى يوم القيامة". وعند البزار عن أبي هريرة أنه رأى هناك أقوامًا بيض الوجوه، وأقوامًا في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرًا فاغتسلوا، فخرجوا وقد خلصت ألوانهم. فقال له جبريل: هؤلاء من أمتك خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وعند الأُمويّ والبيهقيّ من رواية أبي سعيد: أنهم دخلوا معه البيت المعمور، وصلوا فيه جميعًا. واستدل به على أن الملائكة أكثر الخلق، إذ لا يعرف من جميع العوالم من يتجدد من جنسه كل يوم سبعون ألفًا غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر، ولابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وزاد "وفي السماء نهر يقال له نهر الحَيَوان، يدخله جبريل كل يوم، فينغمس ثم يخرج، فينتفض فيخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكًا، فهم الذي يصلون فيه، ثم لا يعودون إليه" وإسناده ضعيف. وقد روى ابن المنذر نحوه بدون ذكر النهر، من طريق صحيحة عن أبي هريرة، موقوفًا. ويسمى البيت الضّريح والضُّراج بضم المعجمة وتخفيف الراء، ويقال بل هو اسم سماء الدنيا. وفي رواية مالك بن صعصعة "فلما خلصتُ إذا يوسف" زاد مسلم في رواية ثابت عن أنس "فإذا هو قد أعطي شطر الحُسن" وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيّ وأبي هُريرة عند أبي عائذ والطبرانيّ فإذا أنا برجل أحسن
следующие страницы →