← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

هل أُسري باجسادهم لملاقاته ﵊ تلك الليلة، أو أن أرواحهم مستقرة بالأماكن التي لقيهم النبي ﷺ فيها؟ وهي مشكلة بشكل أجسادهم، كما جزم به أبو الوفاء بن عقيل. واختار الأول بعض شيوخ ابو حَجَر، واحتج بما ثبت في مسلم عن أنس أن النبي ﷺ قال: "رأيت موسى ليلة أُسري بي، قائمًا يصلي في قبره، فدل على أنه أُسري به لما مرَّ به" قال في الفتح: وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن يكون في السماء. وقوله: فلما جئت إلى السماء الدنيا، في حديث أبي سعيد في ذكر الأنبياء عند البيهقي "إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحَفَظة، وعليه مَلَك يقال له إسماعيل، وتحت يده اثنا عشر ألف ملك". وقوله: قال جبريل لخازن السماء: افتح، وفي رواية "فاستفتح" وهذا يدل على أن الباب كان مغلقًا، وعلى أن للسماء أبوابًا حقيقة، وحفظة موكلين بها. قال ابن المنير: حكمته التحقيق أن السماء لم تفتح إلَّا من أجله بخلاف ما لو وجده مفتوحًا. وقوله: "قال: مَنْ هذا؟ قال: جبريل" فيه من أدب الاستئذان أن المستأذِن يسمي نفسه لئلا يلتبس بغيره. وقوله: "قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد" وفي رواية مالك بن صعصعة قيل: "ومن معك؟ قال: محمد" ورواية "من معك؟ " تشعر بأنهم أحسوا معه برفيق، وإلّا لكان السؤال بلفظ "أمَعَك أحد؟ " كما في الرواية الأولى، وذلك الإحساس إما بمشاهدة، لكون السماء شفّافة، وإما بأمر معنويّ، كزيادة أنوار ونحوها، تشعر بتجدد أمر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة. وقوله: أرسل إليه، وللكشميهنى "أو أرسل إليه" يحتمل أن يكون خفي عليه أصل ارساله لاشتغاله بعبادته، ويحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر لقوله "إليه" وليس المراد أصل البعث، لأنّ ذلك كان قد اشتهر في الملكوت الأعلى. وقيل: سألوه تعجبًا من نعمة الله عليه بذلك، واستبشارًا به. وقد علموا أن بشرًا لا يترقى إلَّا بإذن الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه. وقيل: الحكمة في سؤال الملائكة: وقد

стр. 2802

بعث إليه؟ أن الله تعالى أراد إطلاع نبيه ﵊ على أنه معروف عند الملأ الأعلى؛ لأنهم قالوا: أَوَبُعث إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، والاّ لكانوا يقولون: ومن محمد؟ مثلًا. ورواية شريك "أو قد بعث" تُؤيد الاحتمال الأول، لكنها من المواضع التي تعقبت عليه، ويأتي جميعها إن شاء الله تعالى. وفي قول جبريل: محمد، دليل على أن الاسم أولى في التعريف من الكنية، ويؤخذ منه أن رسول الله رجل يقوم مقام إذنه؛ لأن الخازن لم يتوقف عن الفتح له، على الوحي إليه بذلك، بل عمل بلازم الإِرسال إليه. وقد أخرج المصنف في الأدب المفرد، وأبو داود والبيهقيّ عن سعيد بن أبي عَروبة "إذا دُعِي أحدكم، فجاء مع الرسول، فهو إذنه" وفي رواية عن أبي هريرة بلفظ "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وفي رواية مالك بن صعصعة زيادة "قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء" أي أصاب رحبًا وسعة، وكنى بذلك عن الإنشراح. واستنبط من ابن المنير جواز رد السلام بغير لفظ السلام، وتعقب بأن قول المَلَك: مرحبًا به، ليس ردًا للسلام، فإنه كان قبل أن يفتح الباب. والسياق يرشد إليه. وقد نبه على ذلك ابن أبي جمرة، ووقع هنا أن جبريل قال له عند كل واحد منهم: سلّم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد عليّ السلام. وفيه إشارة إلى أنه رآهم قبل ذلك. وقوله: فإذا رجل قاعد عن يمينه أسْوِدة، وعن يساره أسْوِدة، بوزن أزمنة، وهي الأشخاص من كل شيء. وقوله: فقال مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قيل: اقتصر الأنبياء على وصفه بهذه الصفة، وتواردوا عليها، لأن الصلاح صفة تشتمل خلال الخير، ولذلك كررها كل منهم عند كل صفة، والصالح هو الذي يقوم بما يلزم من حقوق الله وحقوق العباد، فمن ثمّ كانت كلمة جامعة لمعاني الخير. وفي قول آدم "الابن الصالح" إشارة إلى افتخاره بأُبُوّة النبي ﷺ . وقوله: قلت لجبريل: من هذا؟ ظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم: مرحبًا، ورواية مالك بن صعصعة عكس ذلك، وهي المعتمدة، فتحمل

стр. 2803

هذه عليها، اذ ليس في هذه أداة ترتيب. وقوله: هذا آدم، وفي رواية "هذا أبوك آدم". وقوله: نَسَم بنيه، بالتحريك جمع نسمة، وهي الروح. وحكى ابن التين أنه رواه بكسر الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف بعدها ميم، وهو تصحيف، وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل. قال القاضي عياض: قد جاء أن أرواح الكفار في سجّين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة. فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟ وأجاب بأنه يحتمل أن تعرض على آدم أوقاتًا، فصادف وقت عرضها مرور النبي ﷺ ، ويدل على أن كونهم في النار إنما هو في أوقات قوله تعالى ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن. والجواب عنه ما أبداه هو احتمالًا من أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار في جهة شماله. وكان يكشف له عنها. قلت: كيف يصح هذا الاحتمال، مع ما هو الثابت في الأحاديث من أن الجنة فوق السموات، وأن سقفها عرش الرحمن، ومع ما هو في حديث شداد بن أوس "فإذا جهنم تكشف عن مثل الزّرابيّ، ووجدتها مثل الحَمّة السخنة". وزاد فيه أنه رآها في وادي بيت المقدس. ويحتمل أن يقال: إن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون اليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر الى من عن يمينه، ويحزن إذا نظر الى من عن يساره، بخلاف التي في الأجساد، فليست مرادة قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد الى مستقرها من جنة أو نار، فليست مُرادة فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله "نسم بنيه" عامٌ مخصوص، أو أريد به الخصوص. ويحتمل أن يكون المراد بها مَن خرجت من الأجساد حين خروجها، قبل أن تكون مستقرة، ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء الدنيا، أن تفتح لها أبواب السماء، ولا تلجها.

стр. 2804

وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيّ ما يؤيده، ولفظه "فإذا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عِلِّيين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجّين". وفي حديث أبي هريرة عند الطبرانيّ والبزار "فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن يساره باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر وإذا نظر عن يساره خزِن" فظهر من الحديثين عدم اللزوم المذكور، وهذا أوْلَى من الجمع السابق، ولو صح الحديثان لوجب المصير إليه، لكن سندهما ضعيف، وقوله: قال أنس، فذكر أنه وجد في السموات آدم الخ، هذه الرواية عن الزّهريّ من كون أبي ذَرٍّ لم يثبت منازلهم، وأن إبراهيم في السماء السادسة مخالفة لرواية أنس عن مالك بن صعصعة عند المؤلف، ولرواية ثابت عن أنس عند مسلم أن في الأولى آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم. ووقع في رواية شريك عن أنس أن إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة. وآخر في الخامسة وساقه، يدل على أنه لم يضبط منازلهم أيضًا، كما صرح به الزّهريّ، ورواية من ضبط أَوْلى، ولاسيما مع اتفاق قتادة وثابت، وقد وافقهما يزيد بن أبي مالك عن أنس، إلَّا أنه خالف في إدريس وهارون، فقال: هارون في الرابعة وإدريس في الخامسة. ووافقهم أبو سعيد، إلاّ أن في روايته: يوسف في الثانية وعيسى ويحيى في الثالثة، والأول أثبت، والثابت في الروايات غير رواية الزُّهريّ هذه، ورواية شريك في التوحيد أن إبراهيم في السابعة. فإن قلنا بتعدد المعراج، فلا تعارض. وإلاّ فالأرجح رواية الجماعة، لقوله فيها: إنه رآه مسندًا ظهره إلى البيت المعمور وهو في السابعة على الراجح. وأما ما جاء عن علي من أنه في السادسة عند شجرة طوبي، فإن ثبت حمل على أنه البيت الذي في السادسة بجانب شجرة طوبي، لأنه جاء عنه أن في كل سماء بيتًا يحاذي الكعبة، وكل منها معمور بالملانكة، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره، إن البيت المعمور في السماء الدنيا، فإنه محمول على أول بيت يحاذي الكعبة من بيوت السموات، وقد جاء عن أنس مرفوعًا "أنه في

стр. 2805

السماء الرابعة" وبه جزم المجد في "القاموس" وقيل: هو تحت العرش، وجاء عن الحسن ومحمد بن عباد بن جعفر أن البيت المعمور هو الكعبة، وقيل انه بناه آدم لما أُهبط إلى الأرض، أي بنته له الملائكة، ثم رفع زمن الطوفان، وكان هذا شبهة من قال إنه الكعبة، وأخرج الطبريّ عن قتادة قال: ذُكِر لنا أن رسول الله ﷺ قال:"البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة، لو خر لخر عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم، إذا خرجوا منه لم يعودوا". وقد روى إسحاق في مسنده، والطبري عن عليّ أنه سُئِل عن السقف المرفوع، فقال: السماء، وعن البيت المعمور، فقال: بيت في السماء بحيال البيت، حرمته في السماء كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه. وعند مسلم عن أنس "ثم لا يعودون إليه أبدًا". وعند ابن إسحاق عن أبي سعيد "إلى يوم القيامة". وعند البزار عن أبي هريرة أنه رأى هناك أقوامًا بيض الوجوه، وأقوامًا في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرًا فاغتسلوا، فخرجوا وقد خلصت ألوانهم. فقال له جبريل: هؤلاء من أمتك خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وعند الأُمويّ والبيهقيّ من رواية أبي سعيد: أنهم دخلوا معه البيت المعمور، وصلوا فيه جميعًا. واستدل به على أن الملائكة أكثر الخلق، إذ لا يعرف من جميع العوالم من يتجدد من جنسه كل يوم سبعون ألفًا غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر، ولابن مردويه عن ابن عباس نحوه، وزاد "وفي السماء نهر يقال له نهر الحَيَوان، يدخله جبريل كل يوم، فينغمس ثم يخرج، فينتفض فيخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكًا، فهم الذي يصلون فيه، ثم لا يعودون إليه" وإسناده ضعيف. وقد روى ابن المنذر نحوه بدون ذكر النهر، من طريق صحيحة عن أبي هريرة، موقوفًا. ويسمى البيت الضّريح والضُّراج بضم المعجمة وتخفيف الراء، ويقال بل هو اسم سماء الدنيا. وفي رواية مالك بن صعصعة "فلما خلصتُ إذا يوسف" زاد مسلم في رواية ثابت عن أنس "فإذا هو قد أعطي شطر الحُسن" وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيّ وأبي هُريرة عند أبي عائذ والطبرانيّ فإذا أنا برجل أحسن

стр. 2806

ما خلق الله تعالى، قد فَضَل الناس بالحسن، كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب" وهدا ظاهره أن يوسف ﵇ كان أحسن من جميع الناس، لكن روى التِّرمذيّ من حديث أنس "ما بعث الله نبيًا إلاّ حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا" فعلى هذا فيحمل حديث المعراج على أن المراد غير النبي ﷺ ، ويؤيده قول من قال إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه. وحمل ابن المنير حديث الباب على أن المراد أن يوسف أُعطي شطر الحسن الذي أُوتيه نبينا ﵊. وقد اختلف في الحكمة في اختصاص كل منهم بالسماء التي التقاه بها فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أُمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زيّفه السهيليّ وأصاب. وقال السهيليّ وابن أبي جمرة: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين الإشارة إلى ما سيقع له ﵊ مع قومه، من نظير ما وقع لكل منهم، فأما آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض بما سيقع للنبي ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان مآل كل منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أُخرج منه. وكان في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء، وهو أصل، فكان أولًا في الأُولي، ولتأنيس النبوة بالأُبوة. ونبه بعيسى ويحيى على ما وقع له في أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغى عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه، كما فعلوا مع عيسى من إرادة قتله، ومع يحيى. ذبحوه، وكان عيسى بالثانية أيضًا لأنه أقرب الأنبياء عهدًا من محمد. ونبه بيوسف ما وقع له من إخوته من قريش، في نصبهم الحرب له، وإرادتهم هلاكه، وكائت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح "أقول كما قال يوسف: لا تثريب عليكم". وكان في الثانية لأنّ أمة محمد تدخل

стр. 2807

الجنة على صورته. ونبه بإدريس عدى رفع منزلته عند الله تعالى، وكان في الرابعة لقوله تعالى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] والرابعة من السبع وسط معتدل. ونبه بهرون على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه، فكانوا يؤثرونه على موسى، فكذلك نبينا ﵊، حتى صار محببًا عند سائر الخلق، وكان في الخامسة لقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع منه لفضل كلام الله. ونبه بموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك بقوله "لقد أُوذي موسى بأكثر من هذا فصبر" وعلى ما آل إليه أمره من قهر الجبابرة، وإخراجهم من أرضهم، فكذلك نبينا ﵊ حاله مثل ذلك حيث فتح مكة، وقهر المتجبرين المستهزئين من قريش. وكان في السادسة لتفضيله بكلام الله تعالى. ونبه بإيراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم له ﷺ في آخر عمره، من إقامة مَنْسك الحج، وتعظيم البيت، ولأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبي ﷺ أنس بلقيه، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وأيضًا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته، فلذلك ارتفع النبي ﷺ عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى، وأبدى ابن المنير في مناسبة لقاء إبراهيم في السماء السابعة معنى لطيفًا، وهو ما اتفق له ﷺ من دخول مكة في السنة السابعة، وطوافه بالبيت، ولم يتفق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه السنة، بل قصدها في السنة السادسة، فصدوه عن ذلك كما يأتي بسطه، إن شاء الله تعالى، في كتاب الشروط. ثم قال: فلما مرَّ جبريل بالنبي ﷺ بإدريس الباء الأولى للمصاحبة والثانية للإلصاق، أو بمعنى علي، وقوله: ثم مررت بموسى، في رواية مالك بن صعصعة "فلما تجاوزت بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي" وفي رواية شريك عن

стр. 2808

أنس "لم أظن أحدًا يرفع عليّ" وفي حديث أبي سعيد "يزعم بنو إسرائيل أنه أكرم على الله، وهذا أكرم على الله مني" زاد الأموي في روايته "ولو كان هذا وحده هان عليّ، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله" وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أنه مرَّ بموسى ﵇، وهو يرفع صوته فيقول: أكرمته وفضلته. فقال جبريل: هذا موسى، فقلت: ومن يعاتب؟ فقال: يعاتب ربه فيك. قلت: ويرفع صوته على ربه؟ فقال: إنه قد عرف له حدته". وفي حديث ابن مسعود عند الحارث وأبي يعلى والبزار "وسمعت صوتًا وتَذَمُّرًا، فسألت جبريل فقال: هذا موسى. قلت: على من تَذَمُّره؟ قال: على ربه، قلت: على ربه؟ قال: إنه يعرف ذلك منه". قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حَسَدًا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى؟ بل كان أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة، بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة، المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون من أَتبع نبينا ﵊، مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة. وأما قوله: غلام، فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه، إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحدًا قبله ممن هو أسنّ منه. قال الخطابيّ: العرب تسمي الرجل المستجمع السن غلامًا، ما دامت فيه بقية القوة، ويظهر أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا، ﵊، من استمرار القوة في الكهولية، وإلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعترى قوله نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، من حديث أنس، لما رأوه مُردفًا أبا بكر أطلقوا عليه اسم الشاب، وعلى أبي بكر اسم الشيخ مع كونه في العمر أسن من أبي بكر. وقوله: مررت بعيسى ليست "ثم" على بابها في الترتيب، إلَّا إن قيل بتعدد

стр. 2809

المعراج، إذ الروايات متفقة على أن المرور به كان قبل المرور بموسى. وقوله: ثم مررت بإبراهيم، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، كل الأنبياء قالوا: بالأخ الصالح حتى إدريس، إلَّا آدم وإبراهيم. وفي هذا دليل قويّ على أن إدريس ليس من أجداد النبي ﷺ ، فلا يكون نوحًا ﵇ خارجًا منه. وقال ابن أبي الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه فيها بالابن الصالح، وفي حديث أبي سعيد: "فإذا أنا بإبراهيم، خليل الرحمن مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال". وفي حديث أبي هريرة عند الطبريّ "فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسيّ" وللمؤلف من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لما كذبني قريش قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا انظر إليه". قوله: لما كذبني قريش، في رواية الكشميهنى "كذبتني" بزيادة مثناة، وكلاهما جائز، وقد وقع بيان ذلك في طرق أخرى، فروى البيهقيّ في الدلائل عن أبي سلمة قال: افتُتن ناس كثير عقب الإسراء، فجاء ناس إلى أبي بكر، فذكروا له، فقال: أشهد أنه صادق. فقالما: وتصدقه بأنه أتى الشام في ليلة واحدة، ثم رجع إلى مكة؟ قال: نعم، إني أُصدقه بأبعد من هذا، أُصدقه بخبر السماء، فسمي بذلك الصِّدِّيق. قال: سمعت جابرًا يقول: فذكر الحديث، وعند أحمد والبزار بإسناد حسن عن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ "لما كان ليلة أُسري بي، وأصبحت بمكة، مرَّ بي عدو الله أبو جهل فقال: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : "إني أُسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحتَ بين أظهرنا؟ قال: نعم. قال: فإن دعوتُ قومكَ أتحدثهم بذلك؟ قال: نعم. قال: يا معشر بني كعب بن لؤي، قال: فانفضت إليه المجالس حتى جاءوا إليهما، فقال: حدث قومك بما حدثتني، فحدثتهم. قال: فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه متعجبًا. قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ ... الحديث.

стр. 2810

وقوله: فجلى الله لي بيت المقدس، قيل: معناه كشف الله الحجب بيني وبينه حتى رأيته. وعند مسلم عن أم سلمة قال: فسألوني عن أشياء لم أُثبتها، فكُربت كربًا لم أكرب مثله قط، فرفع الله لي بيت المقدس انظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلَّا نبأتهم به. ويحتمل أنه حمل إلى أن وضع بحيث يراه، ثم أعيد. وفي حديث ابن عباس المذكور "فجيء بالمسجد وأنا انظر إليه، حتى وضع عند دار عقيل، فنعتُّهُ وأنا انظر إليه، وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أُحضر عرش بلقيس في طَرْفة عَيْن لسليمان، وهو يقتضي أنه أزيل من مكانه حتى أحضر إليه، وما ذلك في قدرة الله بعزيز. وفي حديث أم هانىء عند ابن سعد "فخيّل لي بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته"، فإن لم يكن مغيرًا من قوله "فجلى" وكان ثابتًا احتمل أن يكون المراد أنه مثل قريبًا منه، كما مرَّ نظيره في حديث "أريت الجنة والنار" ويؤول قوله: فجيء بالمسجد، أي جيء بمثاله. وفي حديث شداد بن أوس عند البزار والطبرانيّ ما يؤيد الاحتمال الأول، ففيه: ثم مررت بعيرٍ لقريش، فذكر القصة، ثم أتيت أصحابي قبل الصبح، فأتاني أبو بكر فقال: أين كنت الليلة؟ فقلت: إني أتيت بيت المقدس، فقال: إنه مسيرة شهر، فصفه لي. قال: ففتح لي شِراك كأني أنظر إليه، لا يسألني عن شيء إلَّا أنبأته عنه". وفي حديث أم هانىء أيضًا أنهم قالوا له: "كم للمسجد بابٌ؟ قال: ولم أكن عددتها، فجعلت انظر إليه وأعدها بابًا بابًا". وفيه عند أبي يعلى أنه الذي سأله عن صفة بيت المقدس هو المُطْعِم بن عديّ، ولد جبير بن مطعم. وفيه من الزيادة "فقال رجل من القوم: هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم والله قد وجدتهم قد أضلوا بعيرًا لهم، فهم في طلبه، ومررت بإبل بني فلان، انكسرت لهم ناقة حمراء. قالوا: فأخبرنا عن عدتها وما فيها من الرعاة؟ قال: كنت عن عدتها مشغولًا، فقامَ فأتى الإبل فعدها، وعلم ما فيها من الرعاة، ثم أتى قريشًا فقال: هي كذا وكذا، وفيها من الرعاة فلان وفلان، فكان كما قال". وقد مرَّ في بحث الترجمة ما ذكره ابن أبي جمرة من الحكمة في تقديم

стр. 2811

الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء، وما ذكره غيره. ووقع في غير هذه الرواية التي عند المؤلف بيان ما رآه ليلة الإسراء، فمن ذلك ما وقع عند النَّسائيّ من رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "أُتيتُ بدابة فوق الحمار، ودون البغل ... الحديث" وفيه: "فركبت ومعي جبريل، فسرت فقال: أنزل فصَلِّ ففعلتُ. فقال: أتدري أين صليت؟ صليتَ بطيبة". واليها المهاجَرة، بفتح الجيم. وفي حديث شداد بن أوس عند البزار والطبرانيّ أنه أول ما أُسري به مر بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: إنزل فصلِّ فنزلَ فصلى فقال: صليتَ بيثرب. ثم قال في روايته "ثم قال: أنزل فصلِّ" مثل الأول، قال: صليتَ بطُور سيناء حيث كلّم الله موسى. ثم قال: أنزل فذكر مثله. قال: صليت ببيت لحم، حيث ولد عيسى. وقال في رواية شداد بعد قوله يثرب: ثم مرَّ بأرض بيضاء فقال: أنزل فصل، فقال: صليت بمَدْيَن وفيه أنه دخل المدينة من بابها اليمانيّ فصلى في المسجد. وفيه أنه مر في رجوعه بعِيرٍ لقريش، فسلّم عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد. وفيه أنه أعلمهم بذلك، وأن عِيرهم تَقْدُم في يوم كذا، فقدمت الظهر يقدمهم الجمل الذي وصفه. وعند البيهقيّ في الدلائل عن أنس أنه مرَّ بشيء يدعوه متنحيًا عن الطريق، فقال له جبريل: سر، وإنه مرَّ بعجوز فقال: ما هذه؟ فقال: سر، وإنه مرَّ بجماعة فسلموا، فقال جبريل: اردد عليهم. وفي آخره فقال له: الذي دعاك إبليس، والعجوز الدنيا، والذين سلموا إبراهيم وموسى وعيسى. وعند الطبرانيّ والبزار عن أبي هريرة أنه مرَّ بقوم يزرعون ويحصدون، كلما حصدوا عاد كما كان، قال جبريل: هؤلاء المجاهدون. ومرَّ بقوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت، قال: هؤلاء الذين تثاقل رؤوسهم عن الصلاة. ومرَّ بقوم على عوراتهم رقاع يسرحون كالأنعام، قال هؤلاء الذين لا يؤدون الزكاة، ومرَّ بقوم يأكلون لحمًا نِيًا خبيثًا، ويدعون لحمًا نضيجًا طيبًا قال: هؤلاء الزُّناة. ومر برجل جمع حزمة حطب لا يستطيع حملها، ثم هو يضم إليها غيرها، قال: هذا الذي عنده الأمانة

стр. 2812

لا يؤديها، وهو بطلب أخرى. ومرَّ بقوم تقرض ألسنتهم وشفاههم، كلما قرضت عادت. قال: هؤلاء خطباء الفتنة. ومرَّ بثور عظيم يخرج من ثقب صغير، يريد أن يرجع فلا يستطيع. قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة فيندم، فيريد أن يردها فلا يستطيع. وفي حديث أبي أُمامة عند الطبراني في الأوسط أنه مرَّ بقوم مشافرهم كالإبل، يلتقمون حجرًا فيخرج من أسافلهم، وأن جبريل قال له: هؤلاء أكلة أموال اليتامى، وأنه مرَّ بقوم بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خَرَّ، وأنّ جبريل قال له هم آكلوا الرّبا. رجاله ستة: مروا جميعًا، مرَّ يحيى بن بكير والليث بن سعد وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ يونس بن يزيد في الرابع منه، ومرَّ أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو ذر في الثالث والعشرين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول. ورواته ما بين مصريّ ومدنيّ، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي الحج مختصرًا عن عبدان، وفي بدء الخلق عن هُدْبة بن خالد، وفي الأنبياء عن عبدان أيضًا، وفي باب قوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ في أواخر الكتاب عن عبد العزيز بن عبد الله، ومسلم في الإِيمان عن حَرْمُلة وغيره، والتِّرمذيّ في التفسير عن محمد بن بشار، والنَّسائيّ في الصلاة عن يعقوب بن إبراهيم الدورقيّ، وقد روى هذا الحديث جماعة من الصحابة، لكن طرقه في الصحيحين دائرة على أنس مع اختلاف أصحابه عنه. قال المصنف: قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا هبة الأنصاريّ كانا يقولان: قال النبي ﷺ "ثم عُرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام". قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي ﷺ : "ففرض الله

стр. 2813

على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى فقال: ما فرض الله لك على أمّتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال موسى: فأرجع إلى ربك فإنّ أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها. قال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمّتك لا تطيق ذلك، فراجعته فقال: هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لديّ، فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك، فقلت: استحيت من ربيّ ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أُدخلت الجنة فإذا فيها حبايل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك". قوله: حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، ظهرت أي ارتفعت، والمستوى أي المصعد، وصريف الأقلام، بفتح الصاد المهملة، تصويتها حالة الكتابة، والمراد ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى. وقوله: قال ابن حزم وأنس بن مالك: يعني ابن حزم عن شيخه، وأنسًا عن أبي ذَرٍّ كما جزم به أصحاب الاصراف. ويحتمل أن يكون مرسلًا من جهة ابن حزم، ومن رواية أنس بلا واسطة. وقوله: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، في رواية ثابت عن أنس عند مسلم: ففرض الله في خمسين صلاة كل يوم وليلة، ونحوه في رواية مالك بن صعصعة عند المصنف، فيحتمل أن يقال في كل من رواية الباب والرواية الأخرى اختصارًا، ويقال ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة وبالعكس، إلَّا ما استثني من خصائصه. وقوله: فراجعني، وللكشميهنيّ "فراجعت" والمعنى واحد. وقوله: فوضع شطرها، في رواية مالك بن صعصعة: فوضع عني عشرًا، ومثله لشريك، وفي رواية ثابت "فحط عني خمسًا" قال ابن المنير: ذكر الشطر أعم، كونه وقع دفعة واحدة، وكذا العَشر، فكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس دفعات، أو المراد بالشطر في حديث الباب البعض، وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسًا خمسًا. وهي زيادة معتمدة، يتعين

стр. 2814

حمل باقي الروايات عليها. وأما قول الكرمانيّ: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر، أي نصف الخمسة والعشرين بجبر الكسر، وفي الثانية سبعًا، كذا قال. وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكرُ وضع شيء إلَّا أنْ يقال: حَذَف ذلك اختصارًا، فيتجه. لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم. وقوله: هن خمس وهن خمسون، وفي رواية غير أبي ذرٍّ هي خمس، بدل هنّ في الموضعين، والمراد هنّ خمس عددًا باعتبار الفعل، وخمسون اعتدادًا بالثواب. وفي رواية ثابت عن أنس عند مسلم "حتى قال: يا محمد، هن خمس صلوات في كل يوم وليلة، كل صلاة عشرة، فتلك خمسون صلاة، "ومن هَمّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ... " الحديث المار الكلام عليه في الإِيمان. وعند النَّسائي من رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس: وأتيت سِدرة المنتهى فغشيتني ضبابة فخررت ساجدًا، فقيل لي: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، فذكر مراجعته مع موسى، وفيه فإنه فرض علي بني إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما، وقال في آخره: فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. قال: فعرفت أنها عزمة من الله، فرجعت إلى موسى فقال لي: ارجع فلم أرجع. واستدل به على عدم فرضيته ما زاد على الصلوات الخمس كالوتر، وعلى دخول النسخ في الإِنشاآت ولو كانت مؤكدة خلافًا لقوم فيما آكد، وعلى جواز النسخ قبل الفعل. قال ابن بطال: ألا ترى أنه نسخ الخمسين بالخمس؟ قيل: إن تُصلى ثم تفضل عليهم بان أكمل لهم الثواب. وتعقبه ابن المنير فقال: هذا ذَكره طوائف من الأصوليين والشراح، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة، لكؤلهم اتفقوا جميعًا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ، وحديث الإِسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، وهو مشكل عليهم جميعًا. قال في الفتح: إنْ أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ للأمة فَمُسَلّم، لكن قد يقال: ليس هو بالنسبة إليهم نسخًا، لكنه نسخ بالنسبة إلى النبي ﷺ ، لأنه كُلِّف بذلك قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه، فالمسألة صحيحة

стр. 2815

التصوير في حقه ﵊. وقوله: لا يبدل القول لديّ، أي بمساواة ثواب الخمس الخمسين، أو لا يبدل القضاء المبرم، لا المعلن، الذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت. وقوله: فقلت استحيتُ من ربي، في رواية مالك بيع صعصعة زيادة، ولكن أرضى وأُسَلّم. وفي رواية الكشميهنيّ "ولكني أرضى وأُسَلّم" وفيه حذف تقديره: سألت ربي حتى استحيت، فلا أرجع، فإني إن رجعت صرتُ غير راض ولا مُسَلّم، ولكني راض وأُسَلّم. وقد وقع من موسى من العناية بهذه الأمة ما لم يقع لغيره، ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة عند الطبرانيّ والبزار، قال ﵊: كان موسى أشدهم على حين مررت به، وخيرهم لي حين رجعت إليه. وفي حديث أبي سعيد "فأقبلت راجعًا فمررت بموسى، ونعم الصاحب كان لكم، وقد سألني كم فرَض عليك ربك ... الحديث". وقال ابن أبي جمرة: إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل في قلوب غيرهم، فلذلك بكى رحمة لأمته. وقال القرطبي: الحكمة في تخصيص موسى بمراجعة النبي ﵊ في أمر الصلاة، لعلها لكون أمة موسى كلفت من الصلوات بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد من مثل ذلك. ويشير إليه قوله: إنّي جرّبت الناس قبلك، وفي رواية: إني بلوت بني إسرائيل. وقال غيره: لعلها من جهة أنه ليس في الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له كتاب أكبر، ولا أجمع للأحكام من كتابه، فكان من هذه الجهة مضاهيًا للنبي ﷺ ، فناسب أنْ يتمنى أن يكون له مثل ما أنعم الله به عليه، من غير أن يريد زواله عنه، وناسب أن يطلعه على ما وقع له، وينصحه فيما يتعلق به. ويحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه الأسف في الابتداء على نقص حظ أمته، بالنسبة لأمة محمد ﵊، حتى تمنى ما تمنى، استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم، والشفقة عليهم، ليزيل ما عساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه في الابتداء. وذكر السهيليّ أن الحكمة في ذلك أنه كان رأى في مناجاته

стр. 2816

صفة أمة محمد ﷺ ، فدعا الله أن يجعله منهم، فكان إشفاقه عليهم كعناية مَنْ هو منهم، وقد وقع من موسى ﵇ في هذه القصة، من مراعاة جانب النبي ﵊ أنه أمسك عن جميع ما وقع له حتى فارقه النبي ﷺ ، أدبًا معه وحسن عِشرة. فلما فارقه بكى وقال ما قال. وأما قول من قال: إنه أوّل من لاقاه بعد الهبوط، فليس بصحيح؛ لأن حديث مالك بن صعصعة فيه أنه لقيه في السماء السادسة، وهو الأقوى، وإبراهيم قبله في السابعة، وإذا جمعنا بينهما بأنه لقيه في السادسة عند الصعود، وصعد موسى إلى السابعة فلقيه فيها بعد الهبوط، ارتفع الإِشكال وبطل الرد المذكور. وأبدى بعض الشيوخ حكمة لاختيار موسى تكرير ترداد النبي ﷺ ، فقال: لما كان موسى قد سأل الرؤية فمنع، وعرف أنها حصلت لمحمد ﵊، قَصَد بتكرير رجوعه تكرير رؤيته، ليرى من رأى، كما قيل لعلي أراهم، أو أرى من رآهم، لكن هذا يحتاج إلى ثبوت تجدد الرؤية في كل مرة. وأبدى ابن المنير حكمة لطيفة في قوله ﷺ ، لموسى ﵇، لما أمره أن يرجع بعد أن صارت خمسًا فقال: استحييت من ربي، قال ابن المنير: يحتمل أنه ﷺ تفرّس من كون التخفيف وقع خمسًا خمسًا أنه لو سأل التخفيف بعد أن صارت خمسًا لكان سائلًا في رفعها، فلذلك استحيا، ودلت مراجعته ﵊ لربه، في طلب التخفيف تلك المرات كلها، أنه علم أن الأمر في كل مرة لم يكن على سبيل الإلزام، بخلاف المرة الأخيرة، ففيها ما يشعر بذلك، لقوله ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩]. ويحتمل أن يكون سبب الاستحياء هو أن العَشْرة، يعني من السؤال، آخر جمع القلة، وأول جمع الكثرة، فخشي إذا وصلها أن يدخل في الإلحاح في السؤال، لكن الإِلحاح في الطلب من الله مطلوبٌ، فكأنه خشي من عدم القيام بالشكر. وقوله: ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا

стр. 2817

أدري ما هي، وفي حديث ابن مسعود عند مسلم زيادة: قال الله تعالى ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، قال فَراش: من ذهب ففسر المبهم في قوله "ما يغشى" بالفَراش. وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس: جراد من ذهب. قال البيضاويّ: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأنّ من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب لصفاء لونها، وإضاءتها في نفسها. ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة، وتخلق فيه الطيران والقدرة صالحة لذلك. وفي حديث أبي سعيد وابن عباس "يغشاها الملائكة" وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي "على كل ورقة منها مَلَك" وعند مسلم من رواية ثابت عن أنس "فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها". وعند ابن مردويه من رواية حميد عن أنس نحوه، لكن قال "تغيرت ياقوتًا ونحو ذلك" وفي رواية مالك بن صعصعة "ثم رُفعتُ إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قِلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" وقوله: رُفعت، بضم الراء وسكون العين وضم التاء ضمير المتكلم، وبعده حرف جر. وللكشميهني: رُفِعَتْ لي بسكون التاء، أي السدرة، لي باللام، أي من أجلي، ويجمع بين الروايتين بان المراد أنه رفع إليها ارْتُقِيَ به، وظهرت له. والرفع إلى الشيء يطلق على التقريب منه. وقد قيل في قوله تعالى ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] تقرب إليهم. ووقع بيان تسميتها سدرة المنتهى في حديث ابن مسعود عند مسلم، ولفظه "لما أسري برسول الله ﷺ قال: انتهي بي إلى سدرة المُنتهى، وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط، فيقبض منها". وقال النوويّ: سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلَّا رسول الله ﷺ ، وهذا لا يعارض حديث ابن مسعود المتقدم، وحديث ابن مسعود مرفوع صحيح ثابت في الصحيح، فهو أولى بالاعتماد. وأورده النوويّ بصيغة التمريض، فقال: وحكي عن ابن مسعود أنها سميت

стр. 2818

بذلك ... الخ، فأشعر بضعفه عنده، ولاسيما ولم يصرح برفعه، وهذا متعقَّب عليه. وقال القرطبيُّ في المُفهم: ظاهر حديث أنس أنها في السابعة، لقوله بعد ذكر السماء السابعة "ثم ذهب بي إلى السدرة" وفي حديث ابن مسعود أنها في السادسة، وهذا تعارضٌ لا شك فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو الذي يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل، وكل ملك مقرب، على ما قال كعب، قال: وما خلفها غيبٌ لا يعلمه إلَّا الله، ومن أعلمه به. وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد وقال غيره: إليها منتهى أرواح الشهداء. قال: ويترجح حديث أنس بأنه مرفوعٌ، وحديث ابن مسعود موقوف. كذا قال. وقد مرَّ لك قريبًا أن حديث ابن مسعود مرفوع أيضًا، ويمكن الجمع بينهما بأن قول ابن مسعود إنها في السادسة لا يعارض ما دلت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة، لأنه يحمل على أن أصلها في السماء السادسة وأغصانها وفروعها في السابعة، وليس في السادسة منها إلَّا أصل ساقها. وقوله: فإذا نَبْقها، بفتح النون وكسر الموحدة ويجوز سكونها، والأول هو الثابت في الرواية، والنبق معروف وهو ثمر السدر. وقوله: مثل قِلال هجر، القلال بالكسر، جمع قُلة بالضم، وهي الجرار. يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال. وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها، وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله "إذا وقع الماء قُلَّتين" وهَجَر، بفتح الهاء والجيم، بلدة لا تنصرف للعلمية والتأنيث، وتجوز الصرف، وهي قرية قرب المدينة، إليها تنسب القلال، أو تنسب إلى هَجَر اليمن. وقوله: مثل آذان الفيلة، بكسر الفاء وفتح التحتانية بعدها لام، جمع فيل، ووقع في بدء الخلق مثل آذان الفُيُول، وهو جمع فيل أيضًا. قال ابن دَحية: اختيرت السدرة دون غيرها فيها ثلاثة أصناف: ظل ممدود، وطعام لذيذ، ورائحة ذكية، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنية، والظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة بمنزلة القول. وفي

стр. 2819

رواية مالك بن صعصعة: "وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات"، وفي بدء الخلق: فإذا في أصلها، أي في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار. ولمسلم: يخرج من أصلها، وفي مسلم أيضًا عن أبي هريرة: أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات وسَيْحان وجَيْحان. وقوله: فنهران في الجنة، قال ابن أبي جمرة فيه: إن الباطن أجلّ من الظاهر، لأن الباطن جعل في دار البقاء، والظاهر جعل في دار الفناء. ومن ثَمّ كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال عليه. الصلاة والسلام "إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم". وقوله: فالنيل والفرات، أي بالمثناة في الخط في حالتي الوصل والوقف في القراآت المشهورة، وجاء في قراءة شاذة إنها هاء تأنيث، وشبهها أبو المظفر بن الليث بالتابوت والتابوه. وفي رواية شريك الآتية في التوحيد، أنه رأى في السماء الدنيا نهرين يطَّردان، فقال جبريل: هما النيل والفرات، عنصرهما. والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعُنصر عنصر امتيازهما بسماء الدنيا، كذا قيل. وفي حديث شريك أيضًا. ومضى به يرقى السماء، فإذا هو بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزَبَرجد، فضرب بيده فإذا هو مِسْكٌ أَذْفَر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خَبّأ لك ربك. وفي رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس عند ابن أبي حاتم: أنه بعد أن رأى إبراهيم قال: ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، وعليه طير خُضْر أنعم طيرٍ رأيت. قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري على رَضْرَاض من الياقوت والزُّمرد، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، فأخذت من آنية، فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك. وفي حديث أبي سعيد: فإذا فيها عينٌ تجري، يقالَ لها السَّلْسبيل،

стр. 2820

فينشقّ منها نهران: أحدهما الكوثر والآخر يقال له نهر الرحمة، فيمكن أن يفسر بها النهران الباطنان المذكوران في حديث مالك بن صعصعة، وكذا روي عن مقاتل، قال: الباطنان السلسبيل والكوثر. وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ "سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة" فلا يغاير هذا، لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار أصلها من الجنة، وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان المذكوران في الحديث، فهما غير سيحون وجيحون. قال النووي: في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الخبر، فليعتمد. وأما قول عياض: إن الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لكونه قال: إن النيل والفرات يخرجان من أصلها، وهما بالمشاهدة يخرجان من الأرض، فيلزم منه أن يكون أصل السدرة في الأرض، وهذا متعقَّب، فإنَّ المراد بكونهما يخرجان من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض، كما مرَّ قريبًا، ولو كان الأمر كذلك لَرُئيَتِ السدرةُ عند محل خروجهما، والحاصل أن أصلها في الجنة، وهما يخرجان أولاً من أصلها ثم يسيران إلى أن يستقرا في الأرض، ثم ينبعان. واستدل به على فضيلة ماء النيل والفرات، لكون منبعهما من الجنة، وكذا سيحان وجيحان. قال القرطبيّ لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء لكونهما ليسا أصلًا برأسهما، وإنما يتفرعان عن النيل والفرات. قال: وقيل إنما أُطلق على هذه الأنهار أنها من الجنة تشبيهًا لها بأنهار الجنة، لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة. والأول هو المعتمد. وفي رواية مالك بن صعصعة "ثم رُفع لي البيتُ المعمور" وقد مرَّ الكلام عليه مستوفى عند ذكر ترتيب الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، في السموات. وفي رواية مالك المذكورة "ثم أُتيتُ بإناء من

стр. 2821

خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها" أي دين الإِسلام. قال القرطبيّ: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة، لأنه أول شيء يدخل بطن المولود ويشق أمعاءه. والسر في ميل النبي ﷺ إليه دون غيره، كونه كان مالوفأ له، ولأنه لا ينشأ من جنسه مَفْسدة. ووقع في هذه الرواية أن إتيانه بالآنية كان بعد وصوله إلى سدرة المنتهى. وسيأتي في الأشربة عن شُعبة عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ "رُفِعت لي سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهار ... ، فذكره، قال: "وأُتيتُ بثلاثة أقداح" وهذا موافق للحديث المذكور، إلَّا أن شعبة لم يذكر مالك بن صعصعة في الإسناد، وعند ابن عائذ عن أبي هريرة في حديث المعراج بعد ذكر إبراهيم قال: "ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال جريل: يا محمد ألا تشرب مما سقاك ربك؟ فتناولت إحداها، فهذا هو عسَل فشربت منه قليلًا، ثم تناولت الآخر، فهذا هو لبن فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رويت. قال: وفقك الله". وفي رواية البزار من هذا الوجه الثالث كان خمرًا، لكن وقع عنده أن ذلك كان ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل، وعند أحمد عن ابن عباس "فلما أتى المسجد الأقصى قام يصلي، فلما انصرف جيء بقدحين في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن ... الحديث". وعند مسلم عن ثابت عن أنس أيضًا أنّ إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ولفظه "ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاء جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، ثم أخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة، ثم عَرج إلى السماء". وفي حديث شدّاد بن أوس "فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخدني من العطش أشد ما أخذني، فأُتيتُ بإناءين أحدهما لبن والآخر عسل، فعدلت بينهما، ثم هداني الله فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يديّ لجبريل: أخذ صاحبك الفِطرة.

стр. 2822

وفي حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق "فصلى بهم، يعني الأنبياء، ثم أُتي بثلاثه آنية، إناء فيه لبن واناء فيه خمر وإناء فيه ماء، فأخذت اللبن ... الحديث". وفي مرسل الحسن عنده، لكن لم يذكر إناء الماء، ووقع بيان عرض الآنية في رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عند المصنف، كما يأتي في أول الأشربة، ولفظه "أُتي رسول الله ﷺ ليلة أُسري به بإيلياء، بإناء فيه خمر وإناء فيه لبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غَوَت أمتك" وهو عند مسلم عن أنس وعند البيهقي "فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغوت أمتك". ويجمع بين هذا الاختلاف إما يحمل "ثم" على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس، وسببه ما وقع له من العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة. وأما الاختلاف في عدد الأنية وما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء، ومن الأنهار الأربعة التي رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى. وفي حديث أبي هريرة عند الطبريّ لما ذكر سدرة المنتهى "يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسنٍ، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى. فلعله عرض عليه من كل نهر إناء. وجاء عن كعب أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جيحان، ونهر الخمر نهر الفرات ونهر الماء سيحان. وقوله: ثم دخلت الجنة، فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، كذا وقع لجميع الرواة في هذا الموضع بالحاء المهملة ثم الموحدة وبعد الألف تحتانية ثم لام، وذكر كثير من الأئمة أنه تصحيف، وإنما هو جنابذ، بالجيم والنون وبعد الألف موحدة ثم ذال معجمة، كما عند المصنف في أحاديث الأنبياء، وعند غيره من الأئمة. وفي نسخة معتمدة من رواية أبي ذرٍّ في هذا الموضع "جنابذ" على الصواب، ولعلها

стр. 2823

من إصلاح بعض الرواة. وقال ابن حزم في أجوبته على مواضع من البخاريّ: فتشت على هاتين اللفظتين، فلم أجدهما ولا واحدًا منهما، ولا وقفت على معناهما. وذكر غيره أن الجنابذ شبه القباب واحدها جُنْبُذَةٌ بالضم، وهو ما ارتفع من البناء، فهو فارسي معرب، وأصله بلسانهم "كُنْبَذَهْ" بوزنه، لكن الموحدة مفتوحة، والكاف ليست خالصة، ويؤيده ما رواه المصنف في التفسير عن أنس قال: لما عرج بالنبي ﷺ قال:" أتيت على نهر حافتاه قِباب اللؤلؤ". وقال صاحب المطالع في الحبائل: قيل: هي القلائد والعقود، أوهي من حبال الرمل، أي فيها اللؤلؤ مثل حبال الرمل، جمع حَبْل، وهو ما استطال من الرمل. وتعقب بأن الحبائل لا تكون إلَّا جمع حِبالة أو حَبيلة بوزن عَظيمة. وقال البعض: الحبائل جمع حِبالة، والحِبالة جمع حَبل على غير قياس، والمراد أن فيها عقودًا وقلائد من اللؤلؤ. رجاله أربعة: الأول: ابن شهاب، وقد مرَّ الآن محله، ومرَّ أيضًا محل ابن عباس. والثالث: ابن حزم، والمراد به أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ لأن ابن شهاب لم يسمع من أبيه محمد لتقدم موته، ورواية أبي بكر عن أبي حبّة منقطعة، لأنه استشهد بأحد قبل مولد أبي بكر بدهر، وقبل مولد أبيه محمد أيضًا، وأبو بكر هذا مرَّ في باب "كيف يقبض العلم" بعد الأربعين من كتاب العلم. والرابع: أبو حبّة البدريّ الأنصاريّ، قيل: اسمه عامر بن عبد عمرو بن عُمير بن ثابت. وقيل اسمه مالك، وقع ذكره في الصحيح هنا من رواية الزُّهريّ، وروى عنه أيضًا عمار بن أبي عمار، وحديثه عنه في مسند ابن أبي شيبة وأحمد، وصححه الحاكم وصرح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق أنه استُشهد بأحد، وله في الطبراني حديث آخر، من رواية عبد الله بن عمرو بن

стр. 2824

عثمان عنه، وسنده قويّ، إلا أن عبد الله بن عَمرو لم يدركه. وقال ابن عبد البر: يقال بالياء والنون، والصواب بالموحدة، وفيه كلام كثير. ووقع في غير هذه الرواية زيادات رآها ﷺ بعد سدرة المنتهى لم تذكر في هذه الرواية، منها في رواية شريك الآتية في التوحيد "حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبّار رب العزة ﵎، فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده خمسين صلاة ... الحديث" وقد استشكلت هذه الزيادة، ويأتي الكلام عليها وعلى جميع ما قيل من النقد في رواية شريك قريبًا إن شاء الله مستوفى. ومنها عند ابن أبي حاتم وابن عائذ عن أنس "ثم انطلق حتى أُتي بي إلى الشجرة، فغشيني من كل سحابة فيها من كل لون، فتأخر جبريل وخررت ساجدًا" وعند مسلم عن ابن مسعود "وأُعطي رسول الله ﷺ الصلواتِ الخمس، وخواتم البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته المقحِمات" يعني الكبائر. وفي هذه الرواية من الزيادة "ثم انجلت عني السحابة، وأخذ بيدي جبريل، فانصرفت سريعًا، فأتيت على إبراهيم، فلم يقل شيئًا، ثم أتيت على موسى فقال: ما صنعت ... الحديث" وفيه أيضًا "فقال رسول الله ﷺ لجبريل: ما لي لم آتِ سماء إلاّ رحبوا وضحكوا لي غير رجل واحد فسلمت عليه فرد علي السلام ورحّب ولم يضحك إليّ؟ فقال: يا محمد، ذلك مالِك خازن النار، لم يضحك منذ خلق، ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك. وعند التِّرمذيّ وأحمد عن حذيفة "حتى فتحت لهما أبواب السماء، فرأيا الجنة والنار، ووعدا الآخرة أجمع" وفي حديث أبي سعيد "أنه عرض عليه الجنة، وأن رمّانها كأنه الدِّلاء، وإذا طيرها كأنها البُخْت، وأنه عرضت عليه النار، فإذا هي لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها". وفي حديث شداد بن أوس "فإذا جهنم تَكَشَّفُ عن مِثل الزرابيّ ... " إلى آخر ما مرَّ في ذكر آدم. وعند ابن أبي حاتم عن أنس "أن جبريل قال: يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: نعم، قال: انطلق إلى أولئك النسوة، فسلّم عليهن، قال: فأتيتُ فسلمتُ عليهنّ، فرددن، فقلت: من أنتن؟ فقلن: خيراتٌ

стр. 2825

حِسان ... الحديث". وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه "أن إبراهيم ﵇ قال للنبي ﷺ : يا بني إنك لاقٍ ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جُلُّها في أمتك فافعل". وعند الواقديّ بأسانيده في أول حديث الإسراء "كان النبي ﵊ يسأل ربه أن يريه الجنة والنار، فلما كانت ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وهو نائم في بيته ظهرًا، أتاه جبريل وميكائيل، فقال: انطلق إلى ما سألت، فانطلقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأُتي بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظرًا، فعرجا به إلى السموات، فلقي الأنبياء، وانتهى إلى سدرة المنتهى، ورأى الجنة والنار، وفرض عليه الخمس" فلو ثبت هذا لكان ظاهرًا في أنه معراج آخر، لقوله إنه كان ظهرًا، وأن المعراج كان من مكة، وهو مخالف لما في الروايات الصحيحة في الأمرين معًا، ويعكر على التعدد قوله: إن الصلوات فرضت حينئذ، إلَّا إنْ حُمل على أنه أعيد ذكره تأكيدًا، أو فرع على أن الأول كان منامًا وهذا يقظة، أو بالعكس. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم إثبات الاستئذان، وأنه ينبغي لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان، ولا يقتصر على أنا، لأنه ينافي مطلوب الاستفهام، وأنّ المار يسلم على القاعد، وإنْ كان المار أفضل من القاعد. وفيه استحباب تَلَقِّي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء، وجواز مدح الإنسان المأمون عليه الافتتان في وجهه. وفيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره، مأخوذ من استناد إبراهيم إلى البيت المعمور، وهو كالكعبة في أنه قبلة من كل جهة. وفيه فضل السير بالليل على السير بالنهار، لما وقع من الإسراء بالليل، ولذلك كانت أكثر عبادته ﵊ بالليل، وأكثر سفره فيه. وقال ﵊: عليكم بالدُّلْجة فإن الأرض تطوى بالليل". وأيضًا اختص الإسراء بالليل لأنه وقت الخلوة والاختصاص، ومجالسة الملوك، وهو أشرف من مجالستهم نهارًا، وهو وقت مناجاة الأحبة، وكان بالليل أيضًا يزداد الذين آمنوا إيمانًا بالغيب، وليفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، إذ الليل أخفى حالًا من

стр. 2826

النهار، ولأنه لو عرج نهارًا لفات المؤمن فضيلة الإيمان بالغيب، ولم يحصل ما وقع من الفتنة على من شقي وجحد. وأيضًا فإن الله تعالى أكرم جماعة من أنبيائه بأنواع الكرامات ليلًا. قال تعالى في قصة إبراهيم ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]. وفي قصة لوط ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [الحجر: ٦٥]. وفي قصة يعقوب ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] وكان آخر دعائه إلى وقت السحر من ليلة الجمعة، وقرب موسى نجيًا ليلًا، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [النمل: ٧]. وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]. وقال لما أمره بخروجه من مصر ببني إسرائيل ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ [الدخان: ٢٣]. وأكرم نبينا أيضًا ليلًا بأمور منها: انشقاقُ القمر، وإيمان الجن به، ورؤية الصحابة آثار بزاهم كما ثبت في صحيح مسلم، وخروجه إلى الغار ليلًا، وأيضًا فإن النبي ﷺ سراجٌ، والسراج لا يوقد إلَّا ليلًا، وبدرٌ والبدر لا يرى إلَّا ليلًا. قال الشاعر: وعد الحب بالزيارة ليلًا ... فإذا ما وفي قضيت نذوري قلت: يا سيدي وَلِمْ تؤثر الليلَ ... على بهجةِ النهار المنيرِ؟ قال: لا أستطيع تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدور إنما زرت في الظلام لكيما ... يشرق الليل من أشعة نوري ولله در الإِمام البوصيريّ حيث يقول: سريت من حرم ليلًا إلى حرم ... كما سرى البدر في داجٍ من الظلم وفي الحديث أيضًا أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى ﵇ للنبي ﷺ أنه عالج الناس قبله وجربهم. ويستفاد منه تحكيم العادة والتنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى أبدانًا من هذه الأمة، وقد قال موسى إنه عالمهم على أقل من ذلك، فما وافقوه. ويستفاد أن مقام الخلة مقام الرضى والتسليم، ومقام

стр. 2827

التكليم مقام الإدلال والانبساط، ومن ثَمّ استبد موسى ﵇ بأمر النبي ﵊ بطلب التخفيف دون إبراهيم ﵇، مع أن للنبي ﵊ من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له بموسى، لمقام الأبوة، ورفعة المنزلة، والاتباع في الملة. وقيل: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى ﵇ في نفس الحديث، من سبقه إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه وعصوه. وفيه أن الجنة والنار قد خلقتا، لقوله في بعض الطرق التي مرت "عرضت عليّ الجنة والنار" وفيه استحباب الإكثار من سؤال الله تعالى، وتكثير الشفاعة عنده، لما وقع منه في إجابته مشورة موسى في سؤال التخفيف. وفيه فضيلة الاستحياء، وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها، وإن لم يستشر الناصح في ذلك. وفيه صعوده ﵊ ببدنه الشريف. وكيف يتصور الصعود إلى السموات بالجسم الإنساني الكثيف؟ والجواب أن الأرواح أربعة أقسام: الأول الأرواح الكدرة بالصفات البشرية، وهي أرواح العوام، غلبت عليها القوى الحيوانية، فلا تقبل العروج أصلًا. والثاني الأرواح التي لها كمال القوة النظرية للبدن، باكتساب العلوم، وهذه أرواح العلماء. والثالث الأرواح التي لها كمال القوة المدرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة، وهذه أرواح المرتاضين، إذ كسروا قُوى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة. والرابع الأرواح التي حصل لها كمال القوتين، فهذه غاية الأرواح البشرية، وهي أرواح الأنبياء والصديقين، فكما ازداد قوة أرواحهم ازداد ارتفاع أبدانهم من الأرض، ولهذا لما كان الأنبياء، صلوات الله عليهم، كملت فيهم هذه الأرواح عرج بهم إلى السماء، وأكملهم قوةً نبينا ﵊، فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى. قلت: الجواب الحسن عندي هو ما تقدمت الإشارة إليه في أول بدء الوحي، من أن الأنبياء متصفون بالروحانية جِبلَّة، فيحصل لهم من الصعود بسبب ذلك ما يحصل للملائكة بدون إشكال، وأيضًا لا سبب للإشكال، فإنَّ

стр. 2828

كون الأجسام البشرية لا يمكنها الصعود، إنما هو بحسب العادة التي أجراها الله تعالى، وإذا أراد الله خرمها انخرمت. وقد واعدت بالإتيان بما قيل في رواية شريك من الانتقاد، فرواية شريك أخرجها المؤلف في كتاب التوحيد، وقد تكلم فيها كثير من العلماء: الخطابيُّ وعبد الحق في الجمع بين الصحيحين، وابن حزم ومسلم في صحيحه، وغيرهم. وقد اختلف العلماء في توثيقه، وقد مرَّ تعريفه في كتاب العلم. أما الخطابيّ فقد قال: ليس في كتاب البخاريّ أضغ ظاهرًا ولا أشنع فداقاً من هذا الفصل، يعني قوله "ودنا الجبار رب العزة، فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدني" فإنه يقتضي تحديد المسافة بين أحد المذكورين وبين الآخر، وتمييز مكان كل واحد منهما، هذا إلى ما في التدلي من التشبيه والتمثيل له بالشيء الذي تعلق من فوق إلى أسفل. قال: فمن لم يبلغه من هذا الحديث إلاّ هذا القدر مقطوعًا عن غيره، ولم يعتبره بأول القصة وآخرها.، اشتبه عليه وجهه ومعناه، وكان قصاراه إما رد الحديث من أصله، وإما الوقوع في التشبيه، وهما خطتان مرغوب عنهما. وأما من اعتبر أول الحديث بآخره، فإنه يزول عنه الإشكال، فإنه مصرح فيهما بأنه كان رؤيا لقوله في أوله "وهو نائم" وفي آخره "استيقظ" وبعض الرؤيا مَثَلٌ يضرب ليتناول على الوجه الذي يجب أن يعرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعض الرؤيا لا يحتاج إلى ذلك، بل يأتي كالمشاهدة، وهو كما قال، ولا التفات لمن تعقب كلامه بما في الحديث الصحيح من "أتى رؤيا الأنبياء وحي" فلا تحتاج إلى تعبير، لأنه كلام مَنْ لم يمعن النظر في هذا المحل، فقد يأتي في كتاب التعبير أن بعض مرائي الأنبياء تحتاج إلى التعبير، ومن أمثلة ذلك قول الصحابة له ﷺ ، في رؤية القميص: ما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين. وفي رؤية اللبن، قال: العلم، إلى غير ذلك. لكن جزم الخطابيّ بان كونه في المنام متعقّبٌ بما مرَّ تقريره في الكلام على الترجمة. ثم قال الخطابيّ مشيرًا إلى رفع الحديث من أصله بان القصة بطولها إنما

стр. 2829

هي حكاية يحكيها أنس من تلقاء نفسه، لم يعزُها إلى النبي ﷺ ، ولا نقلها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في النقل أنها من جهة الراوي، إما من أنس، واما من شريك، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائر الرواة. قال في الفتح: وما نفاه من أن أنسًا لم يسند هذه القصة إلى النبي ﷺ لا تأثير له، فأدنى أمره فيها أن يكون مرسل صحابيّ، فإما أن يكون تلقاها عن النبي ﵊ أو عن صحابيّ تلقاها عنه، ومثل ما اشتملت عليه لا يقال بالرأي، فيكون لها حكم الرفع، ولو كان لما ذكره تأثير لم يحمل حديث أحد روى مثل ذلك على الرفع أصلًا، وهو خلاف عمل المحدثين قاطبة، فالتعليل بذلك مردود، وأما عبد الحق فقد قال: زاد فيه شريك زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بحافظ. وأما ابن حزم فقد قال: لم نجد للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئًا لا يحمل مخرجًا إلَّا حديثين، ثم عليه الوهم في تخريجه مع إتقانهما، وصحة معرفتهما، فذكر هذا الحديث وقال: فيه ألفاظ معجمة، والآفة من شريك، من ذلك قوله "قبل أن يوحى إليه" "وأنه حينئذ فرض عليه الصلاة" وقوله "إن الجبار دنا فتدلى" ... الخ، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى الكلام على هاتين. قال أبو الفضل بن طاهر تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يسبق إليه، فإنّ شريكًا قبله أئمة "الجرح والتعديل" ووثقوه، وهذا الحديث رواه عنه ثقة، وهو سليمان بن بلال، وعلى تقدير تعزو بقوله "قبل أن يوحى إليه" لا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، ولاسيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو ترك حديث من وهم في موضع، لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين، وأما مسلم، فإنه قال بعد أن ساق سنده وبعض المتن: قدَّم وأخر وزاد ونقص. والأوْلي في أمره التزام ورود المواضع التي خالف فيها غيره، والجواب عنها إما

стр. 2830

بدفع تفرده أو بتأويلها على وفق الجماعة. ومجموع ما خالفت فيه رواية شريك غيره من المشهورين نحو اثني عشر موضعًا: الأول: وهو أشدها، قوله: ودنا الجبّار رب. العزة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، وقد مرَّ ما قاله الخطابيّ جوابًا عن هذا الموضع، ثم قال أيضًا: إن الذي وقع في هذه الرواية من نسبة التدلّي للجبار مخالفٌ لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير، من تقدم منهم ومن تأخر. قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها أنه دنا جبريل من محمد ﷺ ، فتدلى أي فتقرب منه، وقيل هو على التقديم والتأخير، أي تدلى فدنا لأنّ التدلي سبب الدنو. الثاني: تدلّى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع حتى رآه متدليًا مرتفعًا، وذلك من آيات الله حيث أقدره على أن يتدلّى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسك بشيء. الثالث: دنا جبريل فتدلى محمد ﷺ ساجدًا لربه تعالى، شكرًا على ما أعطاه. قال: وقد رُوي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك، ولم تذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوّي الظن أنها صادرة من شريك، لكنَّ جَزْمَه بأن روايته مخالفة للسلف والخلف يردُّه ما أخرجه الأُمويّ في مغازيه، ومن طريق البيهقيّ عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] قال: دنا منه ربه، وهذا سنده حسن، وهو شاهد قويّ لرواية شريك، ونقل القرطبيّ عن ابن عباس أنه قال: دنا الله ، والمعنى دنا أمره وحكمه. وقيل: تدلى الرفرف لمحمد ﵊، حتى دنا محمد من ربه، ويأتي قريبًا في بحث الرؤية، ان شاء الله تعالى، الكلامُ على قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ وقوله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] وقال القاضي عياض في "الشفاء" اضافة الدنو والقرب إلى الله تعالى، أو من الله، ليس دنو مكان، ولا قرب زمان، وإنما هو بالنسبة إلى النبي ﷺ ، إبانةُ تعظيم منزلته، وتشريف رتبته، وبالنسبة إلى الله ، تأنيسٌ لنبيه، وإكرام له. ويتأول فيه ما قالوه

стр. 2831

في حديث "ينزل ربنا إلى السماء" وحديث "من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا". وقال غيره: الدنو مجاز عن القرب المعنويّ، لإظهار عظيم منزلته عند ربه تعالى، والتدلي طلب زيادة القرب، وإيضاح المعرفة، وبالنسبة إلى الله إجابة سؤاله ورفع درجته. الثاني: وهو قريب من الأوّل فعلًا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يا ربِّ خفف عنا. قال الخطابيّ: تفرد شريك بهذا اللفظ، والمكان لا يضاف إلى الله تعالى، إنما هو مكان النبي ﵊ في مقامه الأول، الذي قام فيه قبل هبوطه، وهذا هو المتعين، وليس في السياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى. الثالث: كون المعراج قبل البعثة، وقد مرَّ الجواب عنه في تفسير، ويمكن الجواب عنه بأنه لعله أراد أن يقول: بعد أن أوحي إليه، فقال: قبل أن يوحى إليه، أو بان القَبلية هنا في أمر مخصوص وليست مطلقة، واحتمل أن يكون المعنى قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج مثلًا، أي أن ذلك وقع بغتة قبل أن ينذر به، ويؤيده قوله في حديث الزُّهري "فرج سقف بيتي". الرابع: أمكنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السموات، وقد أفصح بأنه لم يضبط منازلهم، وقد وافقه الزُّهري في بعض ما ذكر، كما مرَّ. الخامس: كونه منامًا، وقد سبق الجواب عنه. السادس: مخالفته في محل سدرة المنتهى، وأنها فوق السماء السابعة بما لا يعلمه إلَّا الله، والمشهور أنها في السابعة أو السادسة كما مرَّ. السابع: مخالفته في النهرين، وهما النيل والفرات، وأن عنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السماء السابعة، وأنهما من تحت سدرة المنتهى. الثامن: شق الصدر عند الإسراء، وقد وافقته رواية غيره كما مرَّ عن مالك بن صعصعة.

стр. 2832

التاسع: ذكر نهر الكوثر في السماء الدنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة كما مرَّ. العاشر: تصريحه بان امتناعه ﵊ من الرجوع إلى سؤال ربه التخفيف، كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التاسعة. الحادي عشر: رجوعه بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى، ﵇، أمره بالرجوع بعد أن انتهى التخفيف إلى الخمس، فقال له: استحييت من ربّي. الثاني عشر: ذكره أنه جيء بطَسْت من ذهب فيه تَور من ذهب، وهذا يقتضي أنه غرِ الطَّسْت، وأنه كان داخل الطست، فإن كانت هذه الزيادة محفوظة، احتمل أن يكون أحدهما فيه ماء زمزم، والآخر هو المحشو بالإِيمان، واحتمل أن يكون التَّوْر ظرف الماء وغيره. والطَّسْت لما يصب فيه عند الْغَسْل صيانة له عن التبدد في الأرض، وجريًا له على العادة في الطست، وما يوضع فيه الماء. هذا تحرير ما قيل في رواية شريك، ولم يبق من مباحث المعراج إلَّا بحث الرؤية، وقد أخرج المؤلف بعد حديث المعراج في السيرة النبوية، عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، في قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] قال: هي رؤيا عين أُرِيَها رسول الله ﷺ ليلة أُسري به إلى بيت المقدس. وقد تمسك بكلام ابن عباس هذا من قال إن الإسراء كان في المنام، ومن قال إنه كان في اليقظة، فالأول أخذ من لفظ الرؤيا قال: لأن هذا اللفظ مخصوص برؤيا المنام. قلت: هذا مردود بثبوت الرؤيا في كلام العرب لرؤية العين في اليقظة، كما في قول الراعي يصف صيادًا عند رؤيته للصيد. وكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر قلبًا كان جمًّا بلابله

стр. 2833

وقال الواحديّ: إنها رؤية اليقظة ليلًا فقط، ومن قال بالثاني، فمن قوله أُرِيها ليلة الإسراء، والإسراء إنما كان في اليقظة؛ لأنه لو كان منامًا ما كذبه الكفّار فيه، ولا فيما هو أبعد منه، كما مرَّ تقريره. وإذا كان ذلك في اليقظة، وكان المعراج في تلك الليلة، تعينَ أن يكون في اليقظة أيضًا إذ لم يقل أحد أنه نام لما وصل إلى بيت المقدس، ثم عرج به وهو نائم، وإذا كان في اليقظة فإضافة الرؤيا إلى العين للاحتراز عن رؤيا القلب، وقد أثبت الله تعالى رؤيا القلب في القرآن فقا ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]. ورؤيا العين فقال ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧، ١٨]. وروى الطبرانيّ في الأوسط بإسناد قوي عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه مرتين. وأخرج النَّسائيّ بإسناد صحيح، وصححه الحاكم من طريق عكرمة، عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد؟ وفي رواية "والنظر". وأخرجه ابن خُزيمة بلفظ "إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ... الحديث"، وأخرج ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي سلمة أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس "هل رأى محمد ربه؟ " فأرسل إليه "أن نعم". وأخرج مسلم عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١١، ١٣]. قال: رأى ربه بفؤاده مرتين، وله عن عطاء عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. وأصرح من هذا ما أخرجه ابن مردويه عن عطاء أيضًا عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله ﷺ بعينه، إنما رآه بقلبه، وإذا تقرر هذا ظهر أن مرادَ ابن عباس هنا برؤية العين المذكورة، جميعُ ما ذكره ﷺ في تلك الليلة من الأشياء التي مرَّ ذكرها. وفي هذا رد لمن قال المراد بالرؤيا في هذه الآية، رؤياه ﷺ ، أنه دخل المسجد الحرام المشار إليه بقوله تعالى ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]. قال: هذا القائل، والمراد بقوله "فتنة للناس" ما وقع من صد المشركين له في الحديبية عن دخوله المسجد

стр. 2834

الحرام، وهذا وإن كان يمكن أن يكون مراد الآية، لكن الاعتماد في تفسيرها على ترجمان القرآن أولى. قال في الفتح: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، يعني الأخبار المذكورة. وممن قال بإثبات الرؤية مع ابن عباس جميع أصحابه، ورواه عبد الرزاق عن الحسن أنه حلف أن محمدًا رأى ربه، وأخرج ابن خزيمة عن عُروة بن الزبير إثباتها، وأنه كان يشتد عليه إذا ذكر له إنكار عائشة، وجزم به كعب الأحبار والزُّهريّ وصاحبه معمر وآخرون، وهو قول الأشعري وغالب أتباعه. واختلفوا هل رآه بعينه أو بقلبه، وعن أحمد كالقولين كما يأتي، وروى ابن خزيمة بإسناد قوي عن أنس أن محمدًا رآى ربه، وذهبت عائشة وابن مسعود إلى إنكارها، واختلف عن أبي ذرٍّ، أما عائشة فقد أخرج البخاريّ عن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: يا أُمتاه هل رأى محمد ﷺ ربه؟ فقالت: لقد قَفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدًا ﷺ رأي ربه فقد كذب، ثم قرأت ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ... الخ﴾ [الشورى: ٥١]. استدلت عائشة علي ما ذهبت إليه من نفي الرؤية بدليلين: الأول هو نفي الإدراك لله تعالى المذكور في الآية، جاعلة الإدراك والرؤية بمعنى، والدليل الثاني الآية الثانية، وتقرير الاستدلال بها هو أنه حصر تكليمه لغيره في ثلاثة أوجه، وهي الوحي بان يلقي في رَوعه ما يشاء، أويكلمه بواسطة من وراء حجاب، أو يرسل إليه رسولًا فيبلغه عنه، فيستلزم ذلك انتفاء الرؤية عنه حالة التكلم. والجواب عن هذا أن ذلك لا يستلزم نفي الرؤية مطلقًا، قاله القرطبيّ. قال: وعامة ما يقتضي نفي تكليم الله تعالى على غير هذه الأحوال الثلاثة، فيجوز أن التكليم لم يقع حالة الرؤية، والدليل الأول قال فيه النوويّ، تبعًا لغيره: لم تنف عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع، ولو كان معها لذكرته، وإنما

стр. 2835

اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته ما ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابيّ إذا قال قولًا وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجة اتفاقًا. والمراد بالإدراك في الآية الإحاطة، وذلك لا ينافي الرؤية. وتبع في جزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع ابن خزيمة، فإنه قال في كتاب التوحيد، من صحيحه: النفي لا يوجب علمًا، ولم تحك عائشة أن النبي ﷺ أخبرها أنه لم ير ربه، وإنما تأولت الآية، وهذا عجيب منها، فقد ثبت ذلك في صحيح مسلم عن مسروق في الطريق المذكورة، قال مسروق: وكنت متكئًا فجلست، وقلت: ألم يقل الله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: إنما هو جبريل، وأخرجه ابن مردويه عن داود بهذا الإسناد، فقالت: أنا أول من سأل رسول الله ﷺ عن هذا، فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطًا. نعم احتجاج عائشهَ بالآية المذكورة خالفها فيه ابن عباس، فقد أخرج الترمذيّ عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه؟ قلت: أليس الله يقول ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال: ويحك، ذلك إذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين، وحاصله أن المراد بالآية نفي الإحاطة به عند رؤياه، لا نفي أصل رؤياه، وإنما ساغ العدول عن ظاهر الآية، لصحة الأخبار بثبوت الرؤية. وقال القرطبي: الأبصار في الآية جمع على بالألف واللام، فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعًا في قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فيكون المراد الكفار، بدليل قوله في الآية الأخرى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]. قال: وإذا جازت في الآخرة جازت في الدنيا، لتساوي الوقتين بالنسبة إلى المرثي، وهو استدلال جيّد. وقال عياض: رؤية الله جائز عقلًا، وثبتت الأخبار الصحيحة المشهورة بوقوعها للمؤمنين في الآخرة، وأما في الدنيا فقال

стр. 2836

مالك: إنما لم يُرَ سبحانه في الدنيا، لأنه باقٍ، والباقي لا يُرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة، ورزقوا أبصارًا باقية، رأوا الباقي بالباقي. قال عياض: وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية إلَّا من حيث القدرة، فإذا أقدر الله من شاء من عباده عليها، لم تمتنع، ووقع عند مسلم عن أبي أمامة، رفعه، ما يؤيد هذه التفرقة "اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" وأخرجه ابن خُزيمة من حديث ابن أبي أُمامة وعبادة بن الصامت، فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلًا، فقد امتنعت سمعًا، لكن من أثبتها للنبي ﵊، له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، وله أن يقول أيضًا: إن رؤيته ﵊ لربه تعالى في العالم العلويّ، ليست من الرؤية الدنيوية. ويمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرد حصول العلم، لأنه ﵊ كان عالمًا به على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خُلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره. والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلًا، ولو جرت العادة بخلقها في العين. ولهذا كان ﵊ يرى من خلفه كما يرى من أمامه. وأما ابن مسعود فقد أخرج البخاريّ عنه في قوله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] وقوله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قال: إنه رأى جبريل له ست مئة جناح، وزاد عاصم في هذا الحديث كما أخرجه النسائي وابن مردويه "يتناثر من ريشه التهاويل من الدر والياقوت". والتهاويل الألوان المختلفة وزينة التصاوير والنقوش والحلي. والحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي ﷺ هو جبريل، كما ذهبت إلى ذلك عائشة، والتقدير على رأيه فأوحى، أي جبريل إلى عبده، أي عبد الله محمد، لأنه يرى أن الذي دنا فتدلى جبريلُ، وأنه هو الذي أوحى إلى محمد، وكلام

стр. 2837

المفسرين من السلف يدل على أن الذي أوحى هو الله، أوحى إلى محمد عبده. ومنهم من قال: إلى جبريل. وقاب قوسين، أي قدر قوسين عربيتين. وقال قتادة: القاب من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال الحسن ومجاهد: من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المَقْبض. وقيل: هو ما بين المقبض والطرف، ولكل قوس قابان، فاصل الكلام: فكان قابي قوسٍ، فهو على القلب. وأما أبو ذر، فعند مسلم من حديثه أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: نورٌ أنّى أَراه، بفتح، الهمزة بمعنى كيف، وهمزة أراه وفي رواية: نعد أنّى أُراه، بفتح النون وضم همزة أراه، وعند أحمد عنه قال: رأيت نورًا، وعند ابن خزيمة عنه قال: رآه بقلبه، ولم يره بعينه، وبهذا يتبين مراد أبي ذرٍّ بذكره النور، أي أن النور حال بين رؤيته له ببصره، لا أن الله تعالى نور، حاشاه من ذلك؛ لأنّ النور عرض من الأعراض. ورجح القرطبي في "المفهم" قول الوقف في هذه المسألة، وعزاه لجماعة من المحققين، وقوّاه بأنه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل. قال: وليست المسألة من العمليات، فيكتفى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات، فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعيّ، وجنح ابن خُزيمة في كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له، يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت مرتين: مرة بعينه، ومرة بقلبه. وفيما أوردناه من ذلك مقنع. وممن أثبت الرؤية لنبينا ﷺ الإِمام أحمد، فروى الخلال في كتاب السنة له عن المروزيّ قال: قلت لأحمد: إنهم يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفِرية، فبأي شيء يدفع قولها؟ قال: بقول النبي ﷺ : رأيت ربي، قول النبي ﵊ أكبر من قولها. وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس "بعينه رآه" رآه حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد بن حنبل، وقد أنكر صاحب الهدى على من زعم أن أحمد قال رأى ربه بعيني رأسه، وهذا من تصرف الحاكي، فإن

стр. 2838

نصوصه موجودة، قلت: ما قاله صاحب الهدى يرده ما مرَّ عن المروزيّ من إنكاره قول عائشة، فإن عائشة نافية لرؤيته ﵊ لربه بعيني رأسه، وإنكار أحمد عليها صريح في أنه قائل بأنه رآه بعيني رأسه. وقوله: إن نصوصه موجودة، أي نص له أقوى من نقل الخلال عن المروزيّ، فلا اعتداد بإنكار صاحب الهدى، هذا ملخص ما حرروه في الإسراء والمعراج.

стр. 2839

الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاَةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ". قوله: ركعتين ركعتين، كررت لفظ ركعتين لتفيد عموم التثنية لكل صلاة، وزاد ابن إسحاق عن صالح بن كيسان: إلَّا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا. أخرجه أحمد من طريقه، وللمصنف في كتاب الهجرة عن الزُّهري عن عُروة عنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ، ففرضت أربعًا. فعين في هذه الرواية أن الزيادة في قوله هنا، وزيد في صلاة الحضر وقعت بالمدينة، وأخذ الحنفية بظاهر هذا الحديث، وبنوا عليه أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، فلا يجوز الإتمام، إذ ظاهر قولها "أقرت" يقتضيه، واحتج مخالفوهم بقوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأن نفي الجُناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه، وبحديث "صدقة تصدق الله بها عليكم" رواه مسلم. وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، وبانها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وبأنه لو كان ثابتًا لنقل متواترًا، وفي هذا كله نظر، أما أولًا فإنه مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع. وأما ثانيًا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابيّ، وهو حجة، لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي ﷺ أو عن صحابيّ آخر أدرك ذلك. وأما ثالثًا فإن التواتر في مثل هذا غير لازم، وأجابوا أيضًا بأن حديثها يعارضه حديث ابن عباس.

стр. 2840

أخرجه مسلم "فرضت الصلاة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين" واستدلت الحنفية بهذا الحديث كما يأتي قريبًا. وألزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأي الصحابيّ روايته، بأنهم يقولون العبرة بما رأى لا بما رَوى. وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت عن عائشة أنها كانت تتم في السفر، فدل ذلك على أن المروي عنها غير ثابت، أو تؤول الزيادة في قولها "وزيد في صلاة الحضر" في عدد الصلوات حتى بلغت خمسًا لا في عدد الركعات، ويكون قولها: فرضت الصلاة ركعتين، قبل الإسراء، فإنها كانت قبل الإسراء صلاة قبل المغرب، وصلاة قبل طلوع الشمس. ويشهد له قوله تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار﴾ [غافر: ٥٥]. ويأتي قريبًا في فرض شيء قبل الإسراء، وقد مرَّ بعض من ذلك في حديث الإسراء. والجواب عن الحنفية في الإلزام المذكور أن عروة الراوي عنها قال، لما سئل عن إتمامها في السفر: إنها تأولت كما تأول عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها ورأيها، وروايتها صحيحة، ورأيها مَبْنيّ على ما تأولت. واحتج الحنفية أيضًا بما رواه مسلم عن ابن عباس قال "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" وتظهر فائدة الخلاف فيما أتم المسافر يكون الشفع الثاني فرضًا عند غير الحنفية، لأنّ الوقت سبب للأربع، والسفر سبب للقصر، فيختار أيها شاء، ويكون عندهم نقلًا. ويمكن الجمع بين الأدلة بأن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلَّا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح، كما روى ابن خُزيمة وابن حبّان والبَيْهقيّ عن عائشة قالت: "فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم ﷺ المدينةَ، واطمأنَّ زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار". ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة
следующие страницы →