← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

مالك: إنما لم يُرَ سبحانه في الدنيا، لأنه باقٍ، والباقي لا يُرى بالفاني، فإذا كان في الآخرة، ورزقوا أبصارًا باقية، رأوا الباقي بالباقي. قال عياض: وليس في هذا الكلام استحالة الرؤية إلَّا من حيث القدرة، فإذا أقدر الله من شاء من عباده عليها، لم تمتنع، ووقع عند مسلم عن أبي أمامة، رفعه، ما يؤيد هذه التفرقة "اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" وأخرجه ابن خُزيمة من حديث ابن أبي أُمامة وعبادة بن الصامت، فإن جازت الرؤية في الدنيا عقلًا، فقد امتنعت سمعًا، لكن من أثبتها للنبي ﵊، له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه، وله أن يقول أيضًا: إن رؤيته ﵊ لربه تعالى في العالم العلويّ، ليست من الرؤية الدنيوية. ويمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب، ثم المراد برؤية الفؤاد رؤية القلب لا مجرد حصول العلم، لأنه ﵊ كان عالمًا به على الدوام، بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خُلقت في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره. والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلًا، ولو جرت العادة بخلقها في العين. ولهذا كان ﵊ يرى من خلفه كما يرى من أمامه. وأما ابن مسعود فقد أخرج البخاريّ عنه في قوله تعالى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] وقوله ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] قال: إنه رأى جبريل له ست مئة جناح، وزاد عاصم في هذا الحديث كما أخرجه النسائي وابن مردويه "يتناثر من ريشه التهاويل من الدر والياقوت". والتهاويل الألوان المختلفة وزينة التصاوير والنقوش والحلي. والحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي ﷺ هو جبريل، كما ذهبت إلى ذلك عائشة، والتقدير على رأيه فأوحى، أي جبريل إلى عبده، أي عبد الله محمد، لأنه يرى أن الذي دنا فتدلى جبريلُ، وأنه هو الذي أوحى إلى محمد، وكلام

стр. 2837

المفسرين من السلف يدل على أن الذي أوحى هو الله، أوحى إلى محمد عبده. ومنهم من قال: إلى جبريل. وقاب قوسين، أي قدر قوسين عربيتين. وقال قتادة: القاب من طرف العود إلى طرفه الآخر. وقال الحسن ومجاهد: من الوتر إلى العود في وسط القوس عند المَقْبض. وقيل: هو ما بين المقبض والطرف، ولكل قوس قابان، فاصل الكلام: فكان قابي قوسٍ، فهو على القلب. وأما أبو ذر، فعند مسلم من حديثه أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: نورٌ أنّى أَراه، بفتح، الهمزة بمعنى كيف، وهمزة أراه وفي رواية: نعد أنّى أُراه، بفتح النون وضم همزة أراه، وعند أحمد عنه قال: رأيت نورًا، وعند ابن خزيمة عنه قال: رآه بقلبه، ولم يره بعينه، وبهذا يتبين مراد أبي ذرٍّ بذكره النور، أي أن النور حال بين رؤيته له ببصره، لا أن الله تعالى نور، حاشاه من ذلك؛ لأنّ النور عرض من الأعراض. ورجح القرطبي في "المفهم" قول الوقف في هذه المسألة، وعزاه لجماعة من المحققين، وقوّاه بأنه ليس في الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به للطائفتين ظواهر متعارضة قابلة للتأويل. قال: وليست المسألة من العمليات، فيكتفى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هي من المعتقدات، فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعيّ، وجنح ابن خُزيمة في كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات، وأطنب في الاستدلال له، يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤيا وقعت مرتين: مرة بعينه، ومرة بقلبه. وفيما أوردناه من ذلك مقنع. وممن أثبت الرؤية لنبينا ﷺ الإِمام أحمد، فروى الخلال في كتاب السنة له عن المروزيّ قال: قلت لأحمد: إنهم يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفِرية، فبأي شيء يدفع قولها؟ قال: بقول النبي ﷺ : رأيت ربي، قول النبي ﵊ أكبر من قولها. وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس "بعينه رآه" رآه حتى انقطع نفسه، يعني نفس أحمد بن حنبل، وقد أنكر صاحب الهدى على من زعم أن أحمد قال رأى ربه بعيني رأسه، وهذا من تصرف الحاكي، فإن

стр. 2838

نصوصه موجودة، قلت: ما قاله صاحب الهدى يرده ما مرَّ عن المروزيّ من إنكاره قول عائشة، فإن عائشة نافية لرؤيته ﵊ لربه بعيني رأسه، وإنكار أحمد عليها صريح في أنه قائل بأنه رآه بعيني رأسه. وقوله: إن نصوصه موجودة، أي نص له أقوى من نقل الخلال عن المروزيّ، فلا اعتداد بإنكار صاحب الهدى، هذا ملخص ما حرروه في الإسراء والمعراج.

стр. 2839

الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ: "فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاَةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ". قوله: ركعتين ركعتين، كررت لفظ ركعتين لتفيد عموم التثنية لكل صلاة، وزاد ابن إسحاق عن صالح بن كيسان: إلَّا المغرب، فإنها كانت ثلاثًا. أخرجه أحمد من طريقه، وللمصنف في كتاب الهجرة عن الزُّهري عن عُروة عنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ، ففرضت أربعًا. فعين في هذه الرواية أن الزيادة في قوله هنا، وزيد في صلاة الحضر وقعت بالمدينة، وأخذ الحنفية بظاهر هذا الحديث، وبنوا عليه أن القصر في السفر عزيمة لا رخصة، فلا يجوز الإتمام، إذ ظاهر قولها "أقرت" يقتضيه، واحتج مخالفوهم بقوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأن نفي الجُناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه، وبحديث "صدقة تصدق الله بها عليكم" رواه مسلم. وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، وبانها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وبأنه لو كان ثابتًا لنقل متواترًا، وفي هذا كله نظر، أما أولًا فإنه مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع. وأما ثانيًا فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرك القصة يكون مرسل صحابيّ، وهو حجة، لأنه يحتمل أن تكون أخذته عن النبي ﷺ أو عن صحابيّ آخر أدرك ذلك. وأما ثالثًا فإن التواتر في مثل هذا غير لازم، وأجابوا أيضًا بأن حديثها يعارضه حديث ابن عباس.

стр. 2840

أخرجه مسلم "فرضت الصلاة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين" واستدلت الحنفية بهذا الحديث كما يأتي قريبًا. وألزموا الحنفية على قاعدتهم فيما إذا عارض رأي الصحابيّ روايته، بأنهم يقولون العبرة بما رأى لا بما رَوى. وخالفوا ذلك هنا، فقد ثبت عن عائشة أنها كانت تتم في السفر، فدل ذلك على أن المروي عنها غير ثابت، أو تؤول الزيادة في قولها "وزيد في صلاة الحضر" في عدد الصلوات حتى بلغت خمسًا لا في عدد الركعات، ويكون قولها: فرضت الصلاة ركعتين، قبل الإسراء، فإنها كانت قبل الإسراء صلاة قبل المغرب، وصلاة قبل طلوع الشمس. ويشهد له قوله تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار﴾ [غافر: ٥٥]. ويأتي قريبًا في فرض شيء قبل الإسراء، وقد مرَّ بعض من ذلك في حديث الإسراء. والجواب عن الحنفية في الإلزام المذكور أن عروة الراوي عنها قال، لما سئل عن إتمامها في السفر: إنها تأولت كما تأول عثمان، فعلى هذا لا تعارض بين روايتها ورأيها، وروايتها صحيحة، ورأيها مَبْنيّ على ما تأولت. واحتج الحنفية أيضًا بما رواه مسلم عن ابن عباس قال "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" وتظهر فائدة الخلاف فيما أتم المسافر يكون الشفع الثاني فرضًا عند غير الحنفية، لأنّ الوقت سبب للأربع، والسفر سبب للقصر، فيختار أيها شاء، ويكون عندهم نقلًا. ويمكن الجمع بين الأدلة بأن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلَّا المغرب، ثم زيدت بعد الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح، كما روى ابن خُزيمة وابن حبّان والبَيْهقيّ عن عائشة قالت: "فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم ﷺ المدينةَ، واطمأنَّ زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار". ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول الآية السابقة، وهي قوله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. ويؤيد ذلك ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة

стр. 2841

كان في السنة الرابعة من الهجرة، وهو مأخوذ مما ذكره غيره من أن نزول آية الخوف كان فيها، وقيل كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية، ذكره الدولابيّ، وأورده السهيلي بلفظ "بعد الهجرة بعام ونحوه" وقيل بعد الهجرة بأربعين يومًا. فعلى هذا المرادُ بقول عائشة "فأقرت صلاة السفر" أي باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت، فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة، وأما ما وقع في حديث ابن عباس "والخوف ركعة" فالبحث فيه يجيء إن شاء الله تعالى في صلاة الخوف. وقد ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة، إلَّا ما كان وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وذهب الحربيّ إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشيّ. وذكر الشافعيّ عن بعض أهل العلم أن صلاة الليل كانت مفروضة، ثم نسخت بقوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] فصار الفرض قيام بعض الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس. واستنكر محمد بن نصر المروزيّ ذلك، وقال: الآية تدل على أن قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] إنما نزلت بالمدينة، لقوله تعالى فيها ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والقتال إنما وقع بالمدينة لا بمكة، والإسراء كان بمكة قبل ذلك، وما استدل به غير واضح؛ لأن قوله تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠] ظاهر في الاستقبال، فكأنه امتَنَّ عليهم بتعجيل التخفيف، قبل وجود المشقة التي علم أنها ستقع لهم. رجاله خمسة: قد مروا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك وعروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ صالح بن كيسان في السابع منه آخر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار في موضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين مصريّ ومدنيّ، وهذا الحديث من

стр. 2842

مراسيل عائشة، لأنها لم تدرك القصة، ويحتمل أن تكون أخذت ذلك عن النبي ﷺ ، أو من صحابيّ آخر، ومرَّ الكلام على مرسَل الصحابي في الثاني من بدء الوحي. أخرجه البخاريّ هنا وفي الهجرة عن مسدد، ومسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيها عن القعنبيّ، والنَّسائيّ فيها عن قُتيبة، ثم قال المصنف: باب وجوب الصلاة في الثياب أي بالجمع على حد قولهم: فلان يركب الخيول ويلبس البرود، ويحتمل أن الجمع على التوزيع بالنسبة لكل مصل، والمراد ستر العورة، ويأتي قريبًا استيفاؤه. ثم قال: وقول الله تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي وفي بيان قول الله تعالى. وللأصيلىّ وابن عساكر: وقول الله وقوله: زينتكم، أي ثيابكم. لمواراةِ عوراتكم. وقوله: عند كل مسجد، أي صلاة أو طواف، فأراد بالزينة ما يواري العورة، وبالمسجد الصلاة، ففي الأول إطلاق اسم الحالِّ على المحل، وفي الثاني: إطلاق اسم المحل على الحالّ لوجود الاتصال الذاتي بين الحالّ والمحلّ. وهذا الآن أخذ الزينة نفسها، وهي عرض محال، فأريد محلها، وهو الثوب مجازًا، وكانوا يطوفون عُراة ويقولون: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، فنزلت الآية. لا يقال نزول الآية في الطواف، فكيف يثبت الحكم في الصلاة؟ لأنا نقول العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وهذا اللفظ عام، لأنه قال: عند كل مسجد، ولم يقل: عند المسجد الحرام، فنعمل بعمومه. وقيل: خذوا زينتكم، من قبيل إطلاق المسبب على السبب، لأنّ الثوب سبب الزينة، ومحل الزينة الشخص. وقيل: الزينة ما يتزين به من ثوب وغيره، كما في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] فالستر لم يجب لعين المسجد، وإنما وجب للصلاة، لا لأجل الناس حتى لو صلى وحده، ولم يستر عورته لم تجز صلاته، وإن لم يكن عنده أحد.

стр. 2843

وقال في الفتح: أشار بالأية إلى ما أخرجه مسلم عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تطوفُ بالبيت عُريانة فتقول: من يعيرني تطوافًا، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله، فنزلت ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ وفي تفسير طاوس في قوله تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] قال: الثياب. وصله البيهقيّ، ونحوه عن مجاهد، وقال ابن حزم: الاتفاق على أن المراد ستر العورة. وقال ابن بطال: أجمع أهل التأويل على أن نزولها في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة. ثم قال: ومن صلى ملتحفًا في ثوب واحد، هكذا ثبت للمستملي وحده هنا، وسيأتي قريبًا في باب مفرد، وعلى تقدير ثبوته هنا، فله تعلق بحديث سلمة المعلق بعده، كما سيظهر من سياقه. ثم قال: ويذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ قال: يزره ولو بشوكة، في إسناده نظر. قوله: يَزُرّه بضم الزاي وتشديد الراء المضمومة، أي يشد إزاره، وتجمع بين طرفيه، لئلا تبدو عورته، ولو لم يمكنه ذلك إلَّا بان يغرز في طرفيه شوكة يستمسك بها. وأشار المؤلف بحديث سلمة إلى أن المراد بأخذ الزينة في الآية السابقة لُبْس الثياب لا تحسينها، وقد بين المصنف السبب في ترك جزمه به، وذكره له بصيغة التحريض بقوله: في إسناده نظر، وبيان ذلك هو أن هذا الحديث وصله المؤلف في تاريخه، وأبو داود وابنا خريمة وحبّان من طريق الدراوَرْديّ عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة عن سَلَمة بن الأكوع "قلت: يا رسول الله إني رجل أتصيد، أفأصلي في القميص الواحد؟ قال نعم، زُرَّه ولو بشوكة" هذا لفظ ابن حبّان. ورواه البخاريّ أيضًا عن إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة، فزاد في السند رجلًا، ورواه أيضًا عن مالك بن إسماعيل عن عطّاف بن خالد قال: حدثنا موسى بن إبراهيم قال: حدثنا سلمة، فصرح بالتحديث بين موسى وسلمة، فاحتمل أن تكون رواية أبي أُويس من المزيد في متصل الإِسناد، أو يكون التصريح في رواية عطّاف وهمًا، فهذا وجه النظر في إسناده الذي حمل البخاري على تحريضه، وأما من صححه فقد اعتمد رواية الدراورديّ، وجعل رواية عطّاف شاهدة لاتصالها، ويحتمل أن يكون وجه النظر ما قال ابن القطان، من أن موسى هو ابن محمد بن إبراهيم

стр. 2844

التيميّ المضعَّف، لكن رد ابن حَجَر بأنه غير صحيح، لأنه نسب في رواية البخاري مخزوميًا، وهو غير التيمي بلا تردد. نعم، وقع عند الطحاويّ موسى بن محمد بن إبراهيم، فإن كان محفوظًا فيحتمل على بُعْدٍ أن يكونا جميعًا رويا الحديث، وحمله عنهما، وإلا فذكر محمد فيه شاذ. وسلمة بن الأكوع مرَّ في الخمسين من العلم. ثم قال: ومن صلى في الثوب الذي يجامع فيه، ما لم ير فيه أذى، أي "وباب في بيان من صلى ... الخ". وقوله: ما لم ير أذى: أي نجاسة، وللحمويّ والمستمليّ: ما لم ير أذى، بإسقاط "فيه" وأشار المصنف إلى ما رواه أبو داود والنَّسائي، وصححه ابن خُزيمة وابن حبان عن معاوية بن أبي سفيان، أنه سأل أخته أم حبيبة: هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي كان يجامع فيه؟ قالت: نعم، إذا لم ير فيه أذى. وهذا من الأحاديث التي تضمنتها تراجم هذا الكتاب بغير صيغة رواية، بل ولا التعليق. ثم قال: وأمر النبي ﷺ أن لا يطوف بالبيت عريان، أشار بذلك إلى حديث أبي هريرة في بعث علي في حجة أبي بكر بذلك، وقد وصله بعد قليل، لكن ليس فيه التصريح بالأمر. قلت: في الحديث الآتي أن النبي ﷺ أمر عليًا بذلك. والبخاري لم يقل إلَّا أن النبي، ﵊، أمر به، فصح التصريح، كما قال البخاريّ. وروى أحمد بإسناد حسن عن أبي بكر الصديق نفسه، أن النبي ﷺ بعثه "لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" ووجه الاستدلال به للباب هو أن الطواف إذا منع فيه التعرّي، فالصلاة أولى إذ يشترط فيها ما يشترط في الطواف وزيادة. وقد ذهب الجمهور إلى أن ستر العورة من شروط الصلاة مطلقًا، إلَّا أن الحنفية لا يشترطون الستر عن نفسه، فلو كان محلول الجيب، فنظر إلى عورته لا تبطل صلاته، والمشهور عند المالكية أنه شرط في صحة الصلاة مع الذكر، والقدرة غير شرط مع العجز والنسيان، وقيل: عندهم أنه واجب غير شرط في الصحة، وهذا مشهور أيضًا، لكن دون الأول، وعليه بعيد في الوقت مع

стр. 2845

العصيان إن كان ذاكرًا قادرًا، ومنهم من أطلق كونه سنة لا يُبْطِل تركُها الصلاة. وقيل بندبيته، واحتج القائلون بالوحوب مع الشرطية بما مرَّ عن مسلم من حديث ابن عباس، وبما في صحيح ابن خُزَيمة عن عائشة، ترفعه "لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلَّا بخمار" وفي مسلم من حديث أبي سعيد، مرفوعًا "لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة". واستدل من حمله على الندب أو السُّنيّة بأن المراد بالزينة الزينةُ الظاهرة من الرداء وغير الملابس التي هي زينة، مستدلًا بما في الحديث من أنه كان رجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدي أزرهم على أعناقهم، كهيئة الصبيان. واستدل أيضًا بأنه لو كان شرطًا في الصلاة لاختص بها، ولا افتقر إلى النية، ولكان العاجز العريان ينتقل إلى بدل كالعاجز عن القيام ينتقل إلى القعود. والجواب عن الأول النقض بالإيمان، فهو شرط في الصلاة، ولا يختص بها، وعن الثاني باستقبال القبلة، فإنه لا يفتقر للنية، وعن الثالث على ما فيه بالعاجز عن القراءة، ثم عن التسبيح، فإنه يصلي ساكتًا. وما مرَّ عن الحنفية من اشتراط الستر عن نفسه هو مشهور مذهب مالك وكذلك إذا نظر عورة أمامه عامدًا أو ساهيًا لم تبطل على المعتمد.

стр. 2846

الحديث الثالث حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ. قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ. قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا". قوله: أُمرنا، بضم الهمزة، ولمسلم قالت: أمرنا رسول الله ﷺ . وقوله: يوم العيدين، وفي رواية الكشميهنى والمستملي: يوم العيد، بالإفراد. وقوله: عن مُصَلاّهُنَّ، أي عن مصلى النساء اللاتي لسن بحُيَّض، وللمستملي "عن مصلاَّهم" على التغليب، وللكشميهنيّ "عن المصلى"، والمراد به موضع الصلاة، ودلالته على الترجمة من جهة تأكيد الأمر بالُّلبس حتى بالعارية للخروج إلى صلاة العيد. فلصلاة الفرض أولى، وإذا وجب على النساء الستر فعلى الرجال كذلك، وقد مرَّ هذا الحديث بأتم من هذا السياق في باب شهود الحائض العيدين، ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى. رجاله أربعة: الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ محمد بن سيرين في الأربعين من كتاب الإيمان، ومرت أم عطية في الثاني والثلاثين من كتاب الوضوء. الرابع: يزيد بن إبراهيم التُّسْتُريّ، أبو سعيد البصريّ التميمىّ، مولاهم، وثّقه أحمد بن حنبل وأحمد بن صالح وعمرو بن عليّ وابن خير والنَّسائيّ. وقال

стр. 2847

عليّ بن أشكاب: حدثنا أبو قطن حدثنا يزيد بن إبراهيم التُّستَريّ الذهب المصفى. وقال عثمان الدارميّ عن أبي الوليد "ما رأيت أكيس منه، كان يحدث عن الحسن فيغرب، ويحدث عن ابن سيرين فيلحن، يعني أنه كان يحدث كما سمع. وقال عثمان أيضًا: سمعت أبا الوليد يقول: يزيد أثبت عندنا من هشام. وقال ابن سعد: كان عفّان يرفع أمره، وقال الدوريّ عن ابن مُعين: يزيد بن إبراهيم أثبت من جرير بن حازم. وقال ابن أبي خَيْثمة: سئل ابن مُعين عن يزيد بن إبراهيم والسّريّ بن يحيى، أيهما أثبت؟ فقال: يزيد لا شك فيه، والسريّ ثقة. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: هشام بن حسّان أحب إليك في ابن سيرين أو يزيد بن إبراهيم؟ فقال: ثقتان، فقلت: فيزيد أو جعفر بن حَيّان؟ قال: يزيد. وقال يزيد بن زريع: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحسن أثبت من يزيد بن إبراهيم. وقال عبد الرحمن بن الحكم: أنس في أصحاب الحسن أثبت منه، وذُكر يزيد بن إبراهيم عند وكيع فقال: ثقة ثقة. وقال ابن المَدِينيّ: ثبت في الحسن وابن سيرين. وقال أبو حاتم: ثقة من أوسط أصحاب الحسن وابن سيرين. وقال سعيد بن عامر: حدثنا يزيد بن إبراهيم الصدوق المسلم، وقال يحيى بن سعيد: يزيد بن إبراهيم عن قتادة ليس بذلك، وقال عديّ: وليزيد أحاديث مستقيمة عن كل من يروي عنه، وإنما انكرت أحاديث رواها عن قتادة عن أنس، وهو ممن يكتب حديثه، ولا بأس به، وأرجو أن يكون صدوقًا. وذكره ابن حبّان في الثقات، وفرق أبو محمد بن حزم في كتاب الحج من "المحلّى" بين يزيد بن إبراهيم التستريّ ويزيد بن إبراهيم الراوي عن قتادة، فقال: إن التستري ثقة ثبت، والراوي عن قتادة ضعيف، وهو تفريق مردود، وغلط فاحش واضح، ولا أدري من هو سلفه في جعله اثنين. قاله ابن حجر في المقدمة، وقال: أخرج له البخاريّ ثلاثة أحاديث فقط، اثنان في متابعة والآخر احتجاجًا، الأول في الصلاة من روايته عن قتادة عن أنس، وقد توبع عليه من حديث شعبة عن قتادة الثاني في سجود السهو عن ابن سيرين عن أبي هريرة

стр. 2848

في قصة ذي اليدين، بمتابعة ابن عون وغيره، عن ابن سيرين. وأخرج له في آل عمران عن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة في قوله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]. قال التِّرمذيّ رواه غير واحد عن ابن أبي مليكة عن عائشة، ليس فيه القاسم، وإنما ذكر القاسم يزيد بن إبراهيم وحده. قال ابن حجر: كذاك رواه أيوب وأبو عامر الخَزّاز عن ابن أبي مليكة، لكن رجح البخاريّ رواية يزيد بن إبراهيم، لما تضمنه من زيادة القاسم، وتبعه مسلم على ذلك، ولم يخرجا رواية أيوب، والله تعالى أعلم. قلت: انظر قول ابن حَجَر: إن يزيد بن إبراهيم روى له البخاريّ ثلاثة أحاديث، وإن الذي في الصلاة من روايته عن قتادة عن أنس، وهذا الحديث في الصلاة، وهو من روايته عن محمد كما هو الواقع في سجود السهو، لأنّ هذا الحديث إما أن يكون هو مراده بحديث الصلاة، وهذا ليست فيه رواية عن قتادة، وإما أن يكون ليس هو المراد عنده، فيكون هذا باقيًا عليه، لم يَعُدَّه. انتهى، والله تعالى أعلم. روى عن الحسن وابن سيرين وابن أبي مليكة وعطاء وقتادة وأيوب وعمرو بن دينار وغيرهم، وروى عنه وكيع وبَهْز بن أسد وعبد الرحمن بن مهديّ وابن المبارك وأبو داود وأبو الوليد الطَّيالسيّان، وخلق. مات سنة إحدى وستين ومئتين، وقيل سنة اثنتين، وقيل سنة ثلاث وليس في الستة يزيد بن إبراهيم سواه. والتُّستَريّ في نسبه نسبة إلى تُسْتَر، بضم التاء الأولى وفتح الثانية، وبينهما سين ساكنة، أعظم مدينة بخوزستان، وهو تعريب شُوشْتَر، ومعناه النَّزِه والحَسَن والطيِّب، واللطيف، فبأي الأسماء وسمتها من هذه جاز، وفيها نهر هو أعظم أنهار خوزستان، وفيها "شاذروان" من عجائب الدنيا، وكانت تعمل فيها ثياب وعمائم فائقة، ولبس يومًا الصاحب بن عباد عمامة من عمائمها، فجعل بعض جلسائه يتأملها، ويطيل النظر إليها من حسنها، فقال ابن عباد: ما عملت بتَستر لتُستَر. ويقال: إن سورها أول سور وضع بعد الطُّوفان على وجه الأرض، وفتحها أبو موسى الأشعري في خلافة عمر، واستشهد بها البراء بن مالك، وإليها تنسب

стр. 2849

جماعة من العلماء، منهم سهل بن عبد الله شيخ الصوفية، ورشيد بن سعيد المهريّ، وأحمد بن عيسى وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة والقول، وهو من رباعيات البخاريّ. وقد مر الكلام على مواضع إخراجه. ثم قال: وقال عبد الله بن رجاء: حدثنا عِمران قال: حدثنا محمد بن سيرين قال: حدثتنا أم عطية "سمعت النبي ﷺ بهذا" هكذا في أكثر الروايات، وهو الذي اعتمده أصحاب الأطراف، والكلام على رجال هذا الكتاب، ووقع عن الأصيلي في عرضه على أبي زيد بمكة "حدثنا عبد الله بن رجاء" وهذا التعليق وصله الطبرانيّ في الكبير، وفائدته تصريح محمد بن سيرين بتحديث أم عطية له، فبطل ما تخيله بعضهم من أن محمدًا إنما سمعه من أخته حفصة عن أم عطية. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن رجاء بن عمر، ويقال المثنى أبو عمرو، ويقال أبو عمر الغُدَانِيّ البَصريّ. قال أبو حاتم: كان ثقةً رِضىً، وقال ابن المَدِينيّ: أجمع أهل البصرة على عدالة رجلين أبي عمر الحوضي، وعبد الله بن رجاء، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال عمرو بن عليّ: صدوق كثير الغلط والتصحيف، ليس بحجة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه، فجعل يثني عليه، وقال: حسن الحديث عن إسرائيل. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، وقال النَّسائي: عبد الله بن رجاء المكيّ والبصريُّ ليس بهما بأس، وقال عثمان الدارميّ عن ابن مُعين: كان شيخًا صدوقًا لا بأس به، وقال هاشم بن مرفد عن ابن مُعين: كثير التصحيف، وليس به بأس، وقال الدوريّ عنه: ليس من أصحاب الحديث. وفي الزّهرة روى عنه البخاريّ خمسة عشر حديثًا.

стр. 2850

قال ابن حجر في مقدمته: لقيه البخاريّ وحدّث عنه بأحاديث يسيرة، وروى أيضًا عن محمد عنه أحاديث أخرى، وروى له النَّسائيّ وابن ماجه، روى عن عكرمة بن عمار وإسرائيل وحرب بن شدّاد وشُعبة وعِمران القطّان وحمّاد بن سَلَمة وهشام الدَّسْتوائِيّ وجماعة. وروى عنه البخاريّ، وروى له في الصحيح أيضًا، وفي الأدب المفرد، وأبو داود في الناسخ والمنسوخ، والنَّسائِي وابن ماجه بواسطة، وأبو حاتم السجستانيّ وأبو حاتم الرازيّ، وخلق. مات سنة تسع عشرة ومئتين، وقيل سنة عشرين. وليس في الستة عبد الله بن رجاء سواه، إلَّا المكيّ أبو عمران البصريّ، سكن مكة، روى عن مالك وغيره. وفي الرواة عبد الله بن رجاء اثنان: الشيبانى الشاميّ، والقيسىّ. والغُدَانِيّ في نسبه نسبة إلى غُدانة بضم الغين وتخفيف الدال، وهو أشرس بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، منهم أحمد بن عبد الله بن شميل بن صخر الغُدَانيّ، بصريٌّ ثقة، روى عنه البخاريّ. الثاني: عِمران بن داوَر، بفتح الواو، العمي أبو العَوّام، القطان، البصري، قال عمرو بن علي: كان ابن مهدي يحدث عنه، وكان يحيى لا يحدث عنه، وقد ذكره يحيى يومًا فأحسن الثناء عليه، وقال أحمد أرجو أن يكون صالح الحديث، وقال ابن مُعين مرة: ليس بالقويّ، وقال مرة: ليس بشيء، لم يرو عنه يحيى بن سعيد. وقال أبو داود: هو من أصحاب الحسن، وما سمعت إلَّا خيرًا. وقال مُرة: ضعيف أفتى في أيام إبراهيم بن عبد الله بن حسن بفتوى شديدةٍ، فيها سفكُ، وقدم أبو داود الراسبيَّ عليه تقديمًا شديدًا. وقال النَّسائيّ: ضعيف، وقال ابن عديّ هو بمن يكتب حديثه. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: يزيد بن زريع: كان حروريًا، كان يرى السيف على أهل القبلة. وفي قوله حروريًا نظر، فقد ذكر أبو يعلى القصة فقال: قال يزيد كان إبراهيم، يعني ابن عبد الله بن حسن، لما خرج بطلب الخلافة استفتاه عن شيء فافتاه بفُتيا قُتل بها رجالٌ مع إبراهيم، وكان إبراهيم ومحمد خرجا على المنصور في طلب الخلافة، لأنّ المنصور كان في زمن بني أمية.

стр. 2851

بايع محمدًا بالخلافة، فلما زالت دولة بني أمية وولي المنصور الخلافة، تطلَّب محمدًا ففر، فألحّ في طلبه، فظهر بالمدينة بايعه قوم، وأرسل أخاه إبراهيم إلى البصرة وملكها، وبايعه قوم، فقدر أنهما قتلا وقتل معهما جماعة كثيرة. وليس هؤلاء من الحرورية في شيء. وقال الساجي: صدوق، وثّقه عفّان، وقال العقيليّ من طريق ابن مُعين: كان يرى رأي الخوارج، ولم يكن داعية. وقال البخاريّ: صدوق يهم، وقال ابن شاهين في الثقات: كان من أخص الناس بقتادة. وقال الدارقطني: كان كثير المخالفة والوهم. وقال العجليّ: بصريّ ثقة، وقال الحاكم: صدوق، وأورد له العقيلي عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن أبي هُريرة حديث "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" قال: لا يتابع عليه بهذا اللفظ، ولا يعرف إلَّا به. روى عن قتادة ومحمد بن سيرين وأبي جمرة الضَّبَعِيّ وسليمان التيمي ويحيى بن أبي كثير ومعمر بن راشد وغيرهم، وروى عنه ابن مهدي وأبو داود الطيالسيّ ومحمد بن بلال وعبد الله بن رجاء الغُدَانيّ وأبو عاصم الضَّحَاك وآخرون. وليس في الستة عمران بن داود سواه، وأما عِمران فكثير. والثالث محمد بن سيرين، وقد مرَّ في الأربعين من كتاب الإيمان، ومرت أم عطية في الثاني والثلاثين من كتاب الوضوء. ثم قال المصنف: باب عقد الأُزر على القفا في الصلاة القفا بالقصر، أي إزاره على قفاه، وهو مؤخر عنقه، وهو داخل في الصلاة، ثم قال: وقال أبو حازم عن سهل: صلَوْا مع النبي ﷺ عاقدي أُزُرهم على عواتقهم. قوله: صلوا، بلفظ الماضي، أي الصحابة. وقوله: عاقدي، جمع عاقد، حذفت النون للإضافة، وهو في موضع الحال. وللكشميهني: عاقدوا، وهو خبر مبتدأ محذوف أي وهم عاقدوا، وإنما كانوا يفعلون ذلك لأنهم لم تكن لهم سراويلات، فكان أحدهم يعقد إزاره في قفاه ليكون مستورًا إذا ركع

стр. 2852

وسجد، وهذه صفة أهل الصفة كما سيأتي في باب "نوم الرجال في المسجد". وهذا التعليق وصله البخاري في الباب الثالث، وهو باب "إذا كان الثوب صيقًا" وسنده اثنان: الأول أبو حازم سَلَمة بن دينار، والثاني سهل بن سعد، وقد مرا في الثامن والمئة من كتاب الوضوء.

стр. 2853

الحديث الرابع حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ. قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . قوله: مِن قِبَل، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي من جهة قفاه، والمِشْجَب، بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الجيم بعدها موحدة، هو عيدانٌ تُضم رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، توضع عليها الثياب وغيرها. وقال ابن سيده: المشجب والشِّجاب: خَشَبات ثلاث يعلِّق عليها الراوي دلوَه وسقاءَه، ويقال في المثل: فلان كالمشجب، من حيث قصدته وجدته، وقوله: فقال قائل، في رواية مسلم أنه عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وقد عرّفناه في الثامن والخمسين من كتاب الأحكام، ويأتي قريبًا في الحديث الثالث عشر أن سعيد بن الحارث سأله عن مثل هذه المسألة، ويأتي تعريفه هناك فلعلهما جميعًا سألاه عن ذلك، وسيأتي عند المصنف في باب "الصلاة بغير رداء" عن ابن المنكدر أيضًا "فقلنا يا أبا عبد الله" فلعل السؤال تعدد، وقال في جواب ابن المنكدر: فأحببت أن يراني الجهال مثلكم. وقوله: إنما صنعت ذلك، باللام قبل الكاف، وللحموي والكشميهني "ذاك" بإسقاطها، وللمستملي بدلها "هذا الذي فعله من صلاته، وإزاره معقود على قفاه، وثيابه موضوعة على المِشجب" وقوله: ليراني أحمقٌ بالرفع: أي: جاهل، والحُمْق وضع الشيء في غير محله مع العلم بقبحه، وقوله: مثلُك،

стр. 2854

بالرفع صفة أحمق؛ لأنها وإن أضيفت إلى المعرفة لا تتعرف، لتوغلها في الإبهام، إلَّا إذا أضيفت لما اشتهر بالمماثلة، وها هنا ليس كذلك، فلذا وقعت صفة للنكرة، وهي أحمق. والغرض بيان جواز الصلاة في الثوب الواحد، وإن كانت الصلاة في الثوبين أفضل، فكأنه قال: صنعته عمدًا لبيان الجواز، إمّا ليقتدي بي الجاهل ابتداء، أو ينكر عليّ فأعلّمه أن ذلك جائز، وإنما أغلظ لهم في الخطاب زجرًا عن الإنكار على العلماء، وليحثهم على البحث عن الأمور الشرعية. وقوله: وأيّنا كان له ثوبان؟ أي كان أكثرنا في عهده ﷺ لا يملك إلَّا الثوب الواحد، ومع ذلك لم يكلَّف تحصيل ثوب ثانٍ ليصلي فيه، فدل على الجواز، وحينئذ فلا ينكر، وقد كان الخلاف في منع جواز الصلاة في الثوب الواحد قديمًا. روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تصلين في ثوب واحد وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض، ونسب ابن بطال ذلك لابن عمر، ثم قال: لم يتابع عليه، ثم استقر الأمر على الجواز. رجاله خمسة: الأول: أحمد بن يونس، وقد مرَّ في التاسع عشر من كتاب الإِيمان، ومرَّ واقد بن محمد في الثامن عشر منه أيضًا، ومرَّ محمد بن المنكدر في التاسع والخمسين من كتاب الوضوء، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي، والثاني من السند عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمريّ المدنيّ. قال أحمد وابنُ مُعين وأبو داود: ثقة. وقال أبو حاتم ثقة لا بأس به، وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث. وقال البزار: صالح الحديث، روى عن أبيه وإخوته: واقد وزيد، وعمرو بن عم أبيه القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وعنه أبو إسحاق الفزاريّ، وابن عيينة ويزيد بن هارون ووكيع، وأبو الوليد الطَّيَالسيّ، وأحمد بن يونس. وليس في الستة عاصم بن محمد سواه، وأما عاصم فكثير.

стр. 2855

لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، والقول في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين كوفى ومدني، وفيه رواية الأخ عن الأخ، وهما عاصم وواقد، وفيه رواية تابعى عن تابعى من طبقة واحدة، وهما واقد ومحمد بن المنكدر، وهذا الطريق انفرد به البخاري.

стр. 2856

الحديث الخامس حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ. عقّب المؤلف الحديث الأول بهذه الرواية الأخرى، المصرِّحة بأن ذلك وقع من فعل النبي ﷺ ، ليكون بيان الجواز أوقع في النفس، لكونه أصرح في الرفع من الذي قبله، وخفي ذلك على الكرمانيّ فقال: دلالة الحديث الأخير على الترجمة وهي عقد الإزار على القفا، اما لأنه مخروم من الحديث السابق، فهو طرف من الذي قبله، وإما لأنه يدل عليه بحسب الغالب، إذ لولا عقده على القفا لما ستر العورة غالباً، ولو تأمل لفظه وسياقه بعد ثمانية أبواب، لعرف اندفاع احتماليه، فإنه طرف من الحديث المذكور هناك، لا من السابق، ولا ضرورة إلى ما ادعاه من الغلبة، فإن لفظه "وهو يصلي في ثوب ملتحفًا" وهي قصة أخرى فيما يظهر، كان الثوب فيها واسعًا فالتحف به، وكان في الأولى ضيقًا فعقده، وسيأتي قريبًا في الباب الثالث التصريح بهذا التفصيل. رجاله أربعة: الأول: مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار اليَسَاريّ الهلاليّ، أبو مصعب المدنيّ، مولى ميمونة، وأمه أخت مالك، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة، وبه صمم. وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: مضطرب الحديث، صدوق، قلت لأبي: من أحب إليك: مطرف أو إسماعيل بن أبي أُويس؟ فقال: مطرف. ذكره ابن عَدِيّ في الكامل، وقال: يأتي بمناكير، ثم ساق أحاديث بواطيل من رواية أحمد بن

стр. 2857

داود بن أبي صالح الحرانيّ عنه، وأحمد كذبه الدارقطني، والذنب له فيها لا لمطرف، قال ابن حنبل: كانوا يقدمونه على أصحاب مالك، صحبه سبع عشر سنة. قال ابن حَجَر في مقدمته: ليس له في البخاري سوى حديثين أحدهما حديث الاستخارة، وتابعه عليه قتيبة وغيره، وعنده، والآخر في الصلاة بمتابعة أيضًا. روى له التِّرمذِيّ وابن ماجه، روى عن مالك بن أنس وابن أبي ذيب وعبدالله بن عمر العمري وعبد الرحمن بن أبي الزناد وغيرهم. وروي عنه البخاريّ وروى التِّرمذيّ وابن ماجه عنه بواسطة، وروى منه مَعن بن عيسى القَزَّاز، وهو أكبر منه، وهارون الحمال، وأبو زرعة الدمشقيّ، والرازى وغيرهم. ولد سنة سبع وثلاثين ومئة، ومات سنة أربع عشرة ومئتين، وقيل سنة عشرين. وفي الستة مطرف بن عبد الله سواه ثلاثة: المُجاشعيّ والكَعْبيّ والعامريّ. وقد شارك أبا مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهريّ في صحبته مالك وفي روايته الموطأ عنه، وفي كنيته. لكن أحمد مشهور بكنيته أكثر من اسمه، ومطرف بالعكس. الثاني: عبد الرحمن بن أبي الموالي، واسمه زيد، وقيل: عبد الرحمن زيد بن أبي الوالي، كالجواري، أبو محمد، مولى عمّال عليّ. قال أبو طالب عن أحمد: لا بأس به، وقال إسحاق بن منصور عن ابن مُعين: صالح. وقال التِّرمذيّ والنَّسائيّ: ثقة، وكذا قال الدُّوريّ عن ابن مُعين. وقال أبو زرعة: لا بأس به، صدوق. وقال أبو حاتم: لا بأس به، هو أحب إلىّ من أبى مَعْشَر. وقال ابن خِراش: صدوق، وقال ابن حِبّان في الثقات: يخطىء، وقال أبو طالب عن أحمد: كان يروي حديثًا منكرًا عن ابن المنكدر عن جابر في الاستخارة ليس أحد يرويه غيره. قال: وأهل المدينة يقولون: كان حديث علط ابن المنكدر عن جابر، وأهل البصرة يقولون: ثابت عن أنس، يحملون عليهما. قال ابن عديّ: ولعبد الرحمن غير ما ذكرت، وهو مستقيم الحديث، والذي أنكر عليه حديث الاستخارة، وقد روي حديث الاستخارة غير واحد من الصحابة

стр. 2858

كما رواه ابن أبي الموالي، فقد جاء من رواية أبي أيوب، ولم يقيده بركعتين، ولا بقوله "من غير الفريضة". وقال ابن حجر: الأمر سهل في حديث الاستخارة. روى عن محمد بن كعب القُرَظيّ، ومحمد بن المنكدر، والزُّهريّ والحسين بن عليّ بن الحسين، وعبدالله بن الحسن بن الحسن، والحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب وغيرهم. وروى عنه الثّوري، وهو من أقرانه، وخالد بن مَخْلد، وابن المبارك، وابن وهب والقعنبيّ. ومطرف بن عبد الله وغيرهم. مات سنة ثلاث وسبعين ومئة. وليس في الستة عبد الرحمن بن أبي الموالي سواه، وفيهم عبد الرحمن بن زيد اثنان: ابن زيد بن أسلم العدويّ، مولاهم، وابن زيد بن الخطاب العدويّ أيضًا. الثالث: محمد بن المنكدر، وقد مرَّ في التاسع والخمسين من كتاب الوضوء، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضع، والقول في موضع، وهو رباعيّ الإسناد، ورواته كلهم مدنيون. باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به لما كانت الأحاديث الماضية في الاقتصار على الثوب الواحد مطلقة، أردفها بما يدل على أن ذلك يختص بحال الضيق، أو بحال بيان الجواز. ثم قال: قال الزهري في حديثه: الملتحِف المتوشِّح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال عليه منكبيه. قوله: على منكبيه، أي منكبي المتوشح. قال ابن السكيت: هو أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ الذي ألقاه على منكبه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره.

стр. 2859

والزهري قد مرّ في الثالث من بدء الوحي، والمراد إما حديثه عن سالم أبيه، وقد وصله الطحاوي وابن أبي شَيبة في مصنفه، أو عن سعيد عن أبي هُريرة، وهو عند أحمد. والذي يظهر أن قوله "وهو المخالف ... إلى آخره" من كلام المؤلف. ثم قال: قال وقالت أم هانىء: التحف النبي ﷺ بثوب وخالف بين طرفيه على عاتقيه. قوله: قال، أي المؤلف، وهي ساقطة عند أبوي ذَرٍّ والوقت، والأصيليّ وابن عساكر. وقوله: قالت، وللأربعة "وقالت". وقوله: وخالف بين طرفيه على عاتقيه، فائدة هذه المخالفة في الثوب، على ما قال ابن بطال، أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع أو أن لا يسقط عند الركوع والسجود. وهذا التعليق رواه البخاريّ موصولًا في هذا الباب، لكنه لم يقل فيه "وخالف"، وثبت في مسلم من وجه آخر عنها، ورواه أحمد من ذلك الوجه بلفظ المعلق، وأم هانىء قد مرت في الحديث الثلاثين من كتاب الغُسل.

стр. 2860

الحديث السادس حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. رجاله أربعة: الأول: عُبيد الله بن موسى بن باذام، وقد مرَّ في الأول من كتاب الإيمان، ومرَّ هشام بن عروة وأبوه عروة في الثاني من بدء الوحي. والثاني: عمر بن أبي سلمة بضم عين عمر، واسم أبي سَلَمة عبد الله بن عبد الأَسَد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزوميّ القرشىّ، أبو حفص المدني، ربيب النبي ﷺ ، أمه أم سلمة، أم المؤمنين، ولد في الحبشة في السنة الثانية، وقيل قبل ذلك وقبل الهجرة إلى المدينة، ويدل عليه قول عبد الله بن الزبير "كان أكبر مني بسنتين"، وكان يوم الخندق هو وابن الزبير في أُطُم حَسّان بن ثابت، له اثنا عشر حديثًا، اتفقا على حديثين منها، ومن حديثه ما رواه عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد عن عبد الله بن كعب الحِميريّ، عن عمر بن أبي سلمة قال "سألت النبي ﷺ عن قُبلة الصائم قال: سل هذه لأم سلمة، فقلت: غفر الله لك، قال: إني أخشاكم لله، وأتقاكم ... " أخرجه مسلم. وفي الصحيحين من رواية وهب بن كيسان عنه، أن النبي ﷺ قال له: "أُدْنُ لي يا بني، فسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك". قال ابن الزبير: ولي البحرين زمن عليّ، وكان قد شهد معه الجمل، ووهم من قال انه قتل فيها، بل مات بالمدينة سنة ثلاث وثمانين، في خلافة عبد الملك بن مروان. روى عن النبي ﷺ عن أُمّه أُم سلمة، وروى عنه محمد وأبو

стр. 2861

أُسامة بن سهل بن حُنَيف، وسعيد بن المُسَيِّب وعُروة بن الزبير وغيرهم. وفي الستة عمر بن أبي سلمة سواه واحد، وهو عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهري، وليس في الصحابة عمر بن أبي سلمة. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين أيضًا، ورواته ما بين كوفي ومدنيّ، وفيه رواية تابعىّ عن تابعيّ عن الصحابيّ، وسنده عالٍ لأنه رباعيّ يشبه سند الثّلاثيات، لأن أحد الراويين التابعيّيْن لو روى عن الصحابي كان ثلاثياً. أخرجه البخاري في الصلاة هنا من ثلاثة طرق، ومسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وغيره، والترمذيّ فيها أيضًا عن قتيبة، والنَّسائيّ عن قتيبة أيضًا، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة.

стр. 2862

الحديث السابع حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. أورد المؤلف الحديث هنا بنزوله درجة من رواية يحيى القطان عن هشام بن عروة، وفائدته ما وقع فيه من التصريح بأن الصحابيّ شاهد النبيّ ﷺ يفعل ما نقل عنه أولًا، بالصورة المحتملة، وفيه تعيين المكان، وهو بيت أم سلمة، والدة الصحابي المذكورة، وفيه زيادة كون طرفي الثوب على عاتقي النبي ﷺ ، على أن الإسماعيليّ أخرج الحديث المذكور عن عُبيد الله بن موسى، وفيه جميع الزيادة، فكأنَّ عُبيد الله حدث به البخاري مختصرًا. رجاله خمسة وفيه ذكر أم سلمة: الأول: محمد بن المثنى، وقد مرَّ في التاسع من كتاب الإيمان، ومرَّ يحيى بن سعيد القطّان في السادس منه، ومرَّ هشام بن عروة وأبوه في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عمر بن أبي سلمة في الذي قبله، ومرت أم سلمة في السادس والخمسين من كتاب العلم.

стр. 2863

الحديث الثامن حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. قوله: مشتملًا به، بالنصب على الحال للأكثر، ولأبي ذَرٍّ "مشتملٌ" بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، وللحموي والمستملي بالجر على المجاورة، وتعقبه الدمامينيّ فقال: الأَوْلى أن يجعل صفة لثوب، وأجاب عما لعله أن يقال من أنه لو كان صفة لبرز الضمير، لجريان الصفة على غير من هي له، بأن الكوفيين قاطبةً لا يوجبون إبرازه عند أَمْن الَّلْبس، ووافقهم ابن مالك، ومذهبهم في المسألة أقوى، واللَّبس في الحديث منتفٍ، وفائدة إيراد المصنف الحديث المذكورَ ثالثًا بالنزول أيضًا من رواته أبي أسامة عن هشام تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره، وفي الروايتين الماضيتين بالعنعنة، وفيه أيضًا ذكر الاشتمال، وهو مطابق لما مرَّ من التفسير. وقوله: في بيت، ظرف ليصلي أو للاشتمال أولهما. رجاله خمسة: وفيه ذكر أم سلمة أيضًا، الأول عبيد بن إسماعيل، وقد مرَّ في الثاني والعشرين من كتاب الحيض، ومرَّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرَّ هشام بن عُروة وأبوه عروة في الثاني من بَدء الوحي، ومرَّ عمر بن أبي سلمة في الذي قبل هذا بحديث، ومرت أم سلمة في السادس والخمسين من كتاب العلم.

стр. 2864

الحديث التاسع حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِىء بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِىء بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ قَالَتْ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ ". فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِىء بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِىء". فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ، قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ ابْنُ أُمِّي أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ، فُلاَنَ بْنَ هُبَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِىء". قَالَتْ أُمُّ هَانِىء وَذَاكَ ضُحًى. قوله: مرحبًا بأم هانىء، أي بباء الجر، ولابن عساكر "يا أم هانىء" بياء النداء، أي: لقيت رحبًا وسعة يا أم هانىء. وقولها هنا في الحديث "ذهبت فوجدته يغتسل" ظاهر في أن الاغتسال لم يقع في بيتها، وكذلك ما في الموطأ عنها، من أنها ذهبت إلى النبي ﷺ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل. وللمؤلف في باب "صلاة الضحى في السفر" قال: "دخل بيتها يوم الفتح، فاغتسل" وهذا ظاهر في أن الاغتسال وقع في بيتها، ويجمع بينهما بأن ذلك تكرر منه، ويؤيده ما رواه ابن خزيمة عن مجاهد عن أم هانىء، وفيه أن أبا ذرٍّ ستره لما اغتسل، وأن في رواية أبي مُرة هنا عنها، أن فاطمة ابنته هي التي سترته، ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكة، وكانت هي في بيت الحر بمكة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل، فيصح القولان. وأما الستر فيحتمل أن يكون أحدهما ستره في ابتداء الغسل والآخر في

стр. 2865

أثنائه. وقوله: قام فصلى ثمان ركعات، زاد كريب عن أم هانىء "فسلم من كل ركعتين" أخرجه ابن خزيمة، وفيه رد على من تمسك به في صلاتها موصولة، سواء صلى ثمان ركعات أو أقل. وفي الطبراني عن ابن أوفى أنه صلى الضحى ركعتين، فسألته امرأته فقال: إن النبي ﷺ صلى يوم الفتح ركعتين، وهو محمول على أنه رأى من صلاة النبي ﷺ ركعتين، ورأت أم هانىء بقية الثمان، وهذا يقوي أنه صلاها مفصولة، وقوله: ملتحفًا في ثوب، هو موضع الحاجة من هذا الحديث، وقد مرَّ في الرواية المعلقة تفسيره بأنه المخالفة بين طرفي الثوب على العاتقين. وقوله: زعم ابن أُمّي هو علي بن أبي طالب، وفي رواية الحموي ابن أبي، وهو صحيح في المعنى، فإنه شقيقها، وإنما خصت الأم في الرواية الأولي لكونها آكد في القرابة، ولأنها بصدد الشكاية في إخفار ذمتها، فذكرت ما بعثها على الشكاية حيث أُصيبت من محل يقتضي أنها لا تصاب منه، لما جرت العادة أن الأُخُوة من جهة الأم أشد في اقتضاء الحنان والرعاية من غيرها. وقوله: انه قاتلٌ رجلًا أي عازم على مقاتلة رجل، وفيه إطلاق اسم الفاعل على من عزم على التلبس بالفعل. وقوله: فلان بن هبيرة، بالرفع بتقدير هو، أو بالنصب بدلًا من "رجلًا"، أو من الضمير المنصوب. وهُبيرة، بضم الهاء وفتح الموحدة، ابن أبي وهب بن عمرو المخزوميّ، زوج أم هانىء؛ ولدت منه أولادًا منهم هانىء الذي كنيت به، هرب من مكة عام الفتح لما أسلمت هي، ولم يزل مشركًا حتى مات، وترك عندها ولدها منه جَعْدَة، وهو ممن له رؤية، ولم تصح له صحبة، وابنه المذكور هنا يحتمل أن يكون جَعْدة هذا، ويحتمل أن يكون من غير أم هانىء، ونسي الراوي اسمه، لكن نقل ابن عبد البر عن أهل النّسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولداً من غير أم هانىء. وقال ابن الجوزيّ: إنْ كان المراد بفلان ابنها، فهو جَعْدة. ورده ابن عبد البر وغيره، لصغر سنه، لأنه معدود فيمن له رؤية، ولم تصبح له صحبة، فكيفَ يتهيأ القتال لمن هذه سبيله؟ وحينئذ فلا يحتاج إلى الأمان، وأيضًا فإن عليًا لا

стр. 2866

يقصد قتل ابن أُخته، فكونه من غيرها أرجح، وجزم ابن هشام بان اللّذين أجارتهما أم هانىء هما: الحارث بن هشام وزهير بن أبي أُمية المخزوميان، وعند الأزرقيّ عبد الله بن أبي ربيعة بدل زُهير. قال في الفتح: والذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفًا، كأنه كان فيه فلان بن عم هبُيرة، فسقط لفظ "عم"، أو كان فيه فلان قريب ابن هبيرة، فتغير لفظ "قريب" بابن، وكل من الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية وعبد الله بن أبي ربيعة يصح وصفه بأنه ابن عم هُبيرة، وقريبه، لكون الجميع من بني مخزوم. وقوله: قد أجرنا من أجرت، أي أمَّنَّا من أمنت، وقوله: قالت أم هانىء، وذاك ضحى، أي صلاته الثمان ركعات وقت ضحى، أو صلاة ضحى. وقد مرَّ هذا الحديث في الغسل في باب التستر، ومرَّ هناك الكلام على أوائله، ويأتي في صلاة الضحى في "باب صلاة الضحى في السفر" من طريق أخرى. وها أنا أذكر ما يتعلق به هنا، فأقول: قد استدل به قوم على إثبات سنة الضحى، ونقل عياض عن قوم أنه ليس فيه دلالة على ذلك، قالوا: إنما هي سنة الفتح، وقد صلاها خالد بن الوليد لما فتح الحيرة، كما نقله الطبريّ. وقال عياض أيضًا: ليس حديث أم هانىء بظاهر في أنه ﵊ قصد بها سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، وقد قِيل إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيها، وتعقبه النوويّ بأن الصواب صحة الاستدلال به، لما رواه أبو داود عن أم هانىء أن النبي ﷺ صلى سَبْحة الضحى. ولمسلم في الطهارة عنها، في قصة اغتساله ﷺ يوم الفتح: ثم صلى ثمان ركعات سبحة الضحى. وروى ابن عبد البَرّ في "التمهيد" عنها أيضًا قالت: "قدم رسول الله ﷺ مكةَ، فصلى ثمان ركعات، فقلت: ما هذه؟ فقال: هذه صلاة الضحى" واستدل به أيضًا على أن كثر الضحى ثمان ركعات، واستبعده السبليّ، ووجه بأن الأصل في العبادة التوقف، وهذا أكثر ما ورد في ذلك من فعله ﷺ ، وقد ورد من فعله دون ذلك، كحديث ابن أبي أوفى "أنه ﵊ صلى الضحى ركعتين" أخرجه ابن عديّ.

стр. 2867

وأخرج البخاري مثله من حديث عَتبان، وحديث عائشة عند مسلم "كان يصلي الضحى أربعًا، وحديث جابر عند الطبرانيّ في الأوسط "أنه ﷺ ، صلى الضحى ست ركعات" وأما ما ورد من فعله ﵊، ففيه زيادة على ذلك، كحديث أنس مرفوعًا "من صلى الضحى ثنتي عشر ركعة بني الله له قصرًا في الجنة" أخرجه التِّرمذِيّ واستغربه. وليس في إسناده من أطلق عليه الضعف، وعند الطبرانيّ من حديث أبي الدرداء مرفوعًا "من صلى الضحى ركعتين لم يُكتب من الغافلين، ومن صلى أربعًا كتب من التائبين، ومن صلى ستًا كفى ذلك اليوم، ومن صلى ثمانيًا كُتب من العابدين، ومن صلى اثنتي عشر بني الله له بيتاً في الجنة" وفي إسناده ضعْف، وله شاهد من حديث أبي ذَرٍّ، رواه البزار. وفي إسناده ضعفٌ أيضًا. ومن ثَمّ قال الرويانىّ ومن تبعه: أكثرها ثنتا عشرة. وقال النووي في "شرح المهذب" فيه حديث ضعيف كأنه يشير إلى حديث أنس، لكنه إذا ضُم إليه حديث أبي ذَرٍّ وأبي الدرداء، قَوِيَ وصَلُح للاحتجاج. ونقل الترمذيّ عن أحمد أن أصح شيء ورد في الباب حديث أم هانىء، وهو كما قال. ولهذا قال النّووي في "الروضة" أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتي عشرة، ففرق بين الأفضل والأكثر، ولا يتصور ذلك إلا فيمن صلى الاثنتي عشرة بتسليمة واحدة، فإنها تقع نفلاً مطلقاً، عند من يقول إن أكثر سنة الضحى ثمان ركعات، فأما من فَصَل، فإنه يكون صلى الضحى، وما زاد على الثمان يكون له نفلًا مطلقًا، فتكون صلاته ثنتي عشرة في حقه أفضل من ثمان، لكونه أتي بالأفضل. وزاد: وقد ذهب قومٌ منهم أبو جعفر الطبريّ، وبه جزم الخليميّ والرويانيّ من الشافعية، إلى أنه لا حد لأكثرها. وروى عن إبراهيم النخعيّ قال: سأل رجل الأسود بن يزيد: كم أصلي الضحى؟ قال: كم شئت. وفي حديث عائشة عند مسلم "كان يصلي الضحى أربعًا ويزيد ما شاء" وهذا الإطلاق قد يحمل على التقييد، فيؤكد أن أكثرها ثنتي عشرة. وذهب آخرون إلى أن فضلها أربع ركعات، فحكى الحاكم في كتابه المفرد، في صلاة الضحى، عن جماعة من أئمة الحديث، أنهم كانوا يختارون

стр. 2868

أن تصلى الضحى أربعًا، لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك، كحديث أبي الدرداء، وأبي ذَرٍّ عند التِّرمذيّ، مرفوعًا عن الله تعالى "ابن آدم، اركعْ أربعَ ركَعات من أول النهار، أكفك آخره". وحديث نعيم بن حماد عند النَّسائيّ، وحديثْ أبي أُمامة وعبد الله بن عمرو والنَّواس بن سمعان، كلهم بنحوه، عندَ الطبرانيّ، وحديث عقبة بن عامر، وأبي مُرّة الطائفىّ، كلاهما عند أحمد بنحوه، وحديث عائشة عند مسلم كما مرَّ قريبًا، وحديث أي موسى، رفعه "من صلى الضحى أربعًا بني الله له بيتًا في الجنة" أخرجه الطبراني في الأوسط، وحديث أبي أمامة مرفوعًا "أتدرون قوله تعالى ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] قال: وفّي عمل يوم بأربع ركعات الضحى" أخرجه الحاكم. وجمع صاحب الهدى الأقوال في صلاة الضحى فبلغت ستًا: الأول: مستحبة، واختلف في عددها، فقيل أقلها ركعتان وأكثرها اثنتي عشرة. وقيل: أكثرها ثمان، وقيل كالأول، لكن تشرع ستًا ولا عشرًا، وقيل كالثاني، لكن لا تشرع ستًا، وقيل: ركعتان فقط، وقيل أربع فقط. وقيل: لا حد لأكثرها. والقول الثاني: لا تشرع إلاّ لسبب، واحتجوا بأنه ﵊ لم يفعلها إلا بسبب، واتفق وقوعها وقت الضحى، وتعددت الأسباب، فحديث أم هانىء يوم الفتح كان بسبب الفتح، وأن سنة الفتح أن يصلي ثمان ركعات، ؤنقله الطبريّ من فِعل خالد بن الوليد لما فتح الحيرة، وفي حديث عبد الله بن أبي أوفي، أنه ﷺ صلى الضحى حين بُشّر برأس أبي جهل، وهذه صلاة شكر، كصلاته يوم فتح مكة، وصلاته في بيت عتبان إجابةً لسؤاله أن يصلي في بيته مكاناً يتخذه مصلَّى، فاتفق أنه جاءه وقت الضحى، فاختصره الراوي، فقال: صلى في بيته الضحى. وخديث عائشة "لم يكن يصلي الضحى إلَّا أن يجيء من مَغْيَبه، لأنه كان ينهى عن الطروق ليلًا، فيقدُم في أول النهار، فيبدأ بالمسجد، فيصلي وقت الضحى". القول الثالث: لا تستحب أصلًا، وصح عن عبد الرحمن بن عوف أنه لم

стр. 2869

يصلّها، وكذلك ابن مسعود. القول الرابع: يستحب فعلها تارةً وتركها تارة، بحيث لا يواظب عليها، وهذه إحدى الروايتين عنده والحجة فيه حديث أبي سعيد "كان النبي ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها" أخرجه الحاكم. وعن عكرمة: كان ابن عباس يصليها عشرًا، ويدعها عشرًا. وقال الثَّوريّ عن منصور: كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوية، وعن سعيد بن جبير: إني لأدعها وأنا أحبها، مخافة أن أراها حتمًا عليّ. الخامس: تستحب صلاتها، والمواظبة عليها في البيوت، للأمن من الخشية المذكورة. السادس: أنها بدعة، صح ذلك من رواية عُروة عن ابن عمر، وسئل أنس عن صلاة الضحى فقال: الصلوات خمس. وعن أبي بكرة: أنه رأى ناسًا يصلون الضحى فقال: ما صلاها رسول الله ﷺ ، ولا عامّة أصحابه. وقد ذكر الحاكم الغالب هذه الأقوال مستندًا، وبلغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نَفسًا من الصحابة، وروى الحاكم عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي الضحى بسور منها ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، والضحى. ومناسبة ذلك ظاهرة جدًا. وأخرج البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها "ما رأيت رسول الله ﷺ سبَّح سبحة الضحى، وإني لأسبحها" وفي رواية "وإني لأستحبها" من الاستحباب، ولكل منهما وجه، لكن الأول يقتضي الفعل، والثاني لا يستلزمه. وجاء عن عائشة في ذلك أشياء مختلفة، أوردها مسلم، فعنده عن عبد الله بن شقيق قلت لعائشة: أكان النبي ﷺ يصلي الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من مغيبه" وعنده من طريق معاذة عنها "كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى أربعًا، ويزيد ما شاء الله" ففي الأول نفي رؤيتها لذلك مطلقًا، وفي الثاني تقييد النفي بغير المجيء من مغيبه. وفي الثالث الإثبات مطلقًا.

стр. 2870

وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب ابن عبد البر وجماعة إلى ترجيح ما اتفق عدم الوقوع، فيقدم من روى عنه الإثبات من الصحابة، وذهب آخرون إلى الجمع بينها، قال البَيهقيّ: عندي أن المراد بقولها "ما رأيته سبحها" أي داوم عليها، وقولها "وإنّي لأسبحها" أي أداوم عليها. وكذلك قولها "وما أحدث الناسَ شيئًا" تعني المداومة عليها.، قال: وفي بقية الحديث الذي تقدم من رواية مالك إشارة إلى ذلك، حيث قالت "وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمله، خشية أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم" وحكى المحُبّ الطبريّ أنه جمع بين قولها "ما كان يصلي إلَّا أن يجيء من مغيبه" وقولها "كان يصلي أربعاً، ويزيد ما شاء الله" بأن الأول محمول على صلاته اياها في المسجد، والثاني على البيت. قال: ويعكر عليه حديثها "ما رأيته سبح سبحة الضحى" ويجاب عنه بأن المنفي مخصوصة. وقال عياض وغيره: قولها ما صلاّها، معناه ما رأيته صلاها، والجمع بينه وبين قولها "كان يصليها" أنها أخبرت في الإنكار عن مشاهدتها، وفي الإثبات عن غيرها. وقيل في الجمع أيضًا: يحتمل أن تكون نفت صلاة الضحى المعهودة حينئذ، من هيئة مخصوصة بعدد مخصوص في وقت مخصوص، وأنه ﷺ إنما كان يصليها إذا قدم من سفر، لا بعدد مخصوص ولا بغيره، كما قالت "يصلي أربعًا ويزيد ما شاء الله". وحديث عائشة يدل على ضعف ما روي عن النبي ﷺ "أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه" وعدها لذلك جمع من العلماء من خصائصه، ولم يثبت ذلك في خبر صحيح. وقول الماورديّ في "الحاوي" إنه واظب عليها بعد يوم الفتح إلي أن مات، يعكر عليه ما رواه مسلم عن أم هانىء "أنه لم يصلها قبل ولا بعد" ولا يقال إن نفي أم هانىء لذلك بلزم منه العدم، لأنا نقول يحتاج من أثبته إلى دليل، ولو وجد لم يكن حجة، لأنّ عائشة ذكرت أنه كان إذا عمل عملًا أثبته، فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوب عليه. وأخرج البخاريّ عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة

стр. 2871

الضحى، ونوم على وتر". وقوله: صلاة الضحى، زاد أحمد في روايته "كل يوم" وفي رواية أبي التّيّاح عند المؤلف في الصوم بلفظ "وركعتي الضحى". قال ابن دقيق العيد: لعله ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبي ﷺ على فعلها لا ينافي استحبابها، لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي ﷺ على فعله مرجّح على ما لم يواظب عليه، ومن فوائد ركعتي الضحى أنها تجزىء عن الصَّدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم، وهي ثلاث مئة وستون مفصلًا كما أخرجه مسلم عن أبي ذر وفيه "ويجزىء عن ذلك ركعتا الضحى" وحكى الحافظ أبو الفضل بن الحسين في شرح التّرمذيّ أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثيرٌ من الناس يتركونها أصلًا لذلك، وليس مما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام، ليحرمهم الخير الكثير، لاسيما ما وقع في حديث أبي ذر المار قريبًا. هذا ملخص ما قيل في صلاة الضحى. رجاله خمسة: وفيه قولها "زعم ابن أمي أنه قاتلُ رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة". الأول: إسماعيل بن أبي أويس، وقد مرَّ في الخامس عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ مالك بن أنس في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو النضر سالم بن أبي أمية في السابع والستين من كتاب الوضوء ومرت أم هانىء في الثلاثين من كتاب الغُسل، ومرَّ أبو مُرَّة في الثامن من كتاب العلم، والمراد بابن أمي علي ابن أبي طالب، وقد مرَّ في السابع والأربعين منه أيضًا. واختلف في المراد بفلان بن هبيرة على أقوال وتأويلات قد مرت قريبًا. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع،

стр. 2872

والعنعنة في موضع، والإخبار بصيغة الإفراد، وفيه السماع، وفيه القول، ورواته مدنيون. أخرجه البخاريّ هنا وفي الطهارة والأدب عن القعنبيّ، ومسلم في الصلاة والطهارة عن يحيى بن يحيى، وفي الطهارة عن محمد بن رُمح، وفي الصلاة أيضًا عن حجاج بن الشاعر، والتِّرمذيّ في الاستئذان عن إسحاق بن موسى، وفي السير عن أبي الوليد الدمشقيّ، والنَّسَائيّ في الطهارة عن يعقوب بن إبراهيم، وفي السير عن إسماعيل بن مسعود، وابن ماجه في الطهارة عن محمد بن رمح.

стр. 2873

الحديث العاشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ". وقوله: إن سائلًا قال في الفتح: لم أقف على اسمه، لكن ذكر شمس الأئمة السّرخسيّ الحنفيّ في كتابه "المبسوط" أن السائل ثَوبان مولى النبي ﷺ ، وقد عرفناه في الأول من كتاب الشهادات. وقوله: أو لكلكم ثوبان، قال الخطابيّ لفظه استخبار، ومعناه الإخبار عما هم عليه من قلة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى كأنه يقول: إذا علمتم أن سَتر العورة فرض والصلاة لازمة، وليس لكل واحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ أي مع مراعاة ستر العورة به. وقال الطحاوي: معناه لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلَّا ثوبًا واحدًا. وهذه الملازمة في مقام المنع، للفرق بين القادر وغيره. والسؤال وإنما كان عن الحواز وعدمه، لا عن الكراهة. وقد روى ابن حبان هذا الحديث عن ابن شهاب، لكن قال في الجواب: ليتوشح به ثم ليصل فيه، فيحتمل أن يكونا حديثين أو حديثًا واحدًا فرقه الرواة، وهو الأظهر، وكأَنَّ المصنف أشار إلى هذا لذكره "التوشح" في الترجمة، وعامة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على جواز الصلاة في الثوب الواحد الساتر للعورة. ومرت مخالفة ابن مسعود في ذلك. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي،

стр. 2874

ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه أيضًا. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع. أخرجه البخاري هنا، ومسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، وأبو داو عن القعنبيّ ومسدد، والنَّسائيّ عن قتيبة بن سعيد، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار والطّحاويّ من ستة طرق، وأحمد والدارميّ والبيهقيّ. ثم قال المصنف: باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه قوله: باب بالتنوين. وقوله: فليجعل على عاتقيه، أي بعض الثوب. وفي رواية "عاتقه" بالإفراد، والعاتق هو ما بين المنكبين إلى أصل العنق، وهو مذكرٌ وحكي تأنيثه.

стр. 2875

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ يُصَلِّى أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ". قوله: لا يصلي، قال ابن الأثير كذا هو بإثبات الياء في الصحيحين، ووجهه أن لا نافية، وهو خبر بمعنى النهي، ورواه الدارقطني في غرائب مالك، عن الشافعي عن مالك، بلفظ "لا يصل" بغير ياء، وعن عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ "لا يصليَّن" بزيادة نون التوكيد، ورواه الإسماعيلي عن أبي الزناد بلفظ "نهى رسول الله ﷺ ". وقوله: ليس على عاتقيه شيء، بالتثنية، ولأبىِ ذَرٍّ وابن عساكر والأصيلى "ليس على عاتقه" بالإفراد، وزاد مسلم عن أبي الزناد "منه شيء" والمراد أنه لا يتَّزر في وسطه، ويشد طرفي الثوب في حقْويه، بل يتوشح بهما على عاتقه، ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن، وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة. وقد حمل الجمهور النهي على التنزيه، وقال الكرماني: ظاهر النهي يقتضي التحريم، لكن الإجماع منعقد على جواز تركه، وفي ما قاله من الإجماع نظر، فقد نقل عن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه، جعله من الشرائط. وعنه تصح. وياثم جعله واجبًا مستقلًا، ونقل تقي الدين السبكيّ وجوب ذلك عن نص الشافعي، واختاره. لكن المعروف في كتب الشافعبة خلافه. ونقل ابن المنذر عن محمد بن عليّ عدم الجواز، وكلام التِّرمذيّ يدل على ثبوت الخلاف أيضًا. وعقد الطّحاويّ له بابًا في شرح المعنى، ونقل المنع عن ابن عمر وعن طاووس والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير.
следующие страницы →