Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
الضحى، ونوم على وتر". وقوله: صلاة الضحى، زاد أحمد في روايته "كل يوم" وفي رواية أبي التّيّاح عند المؤلف في الصوم بلفظ "وركعتي الضحى".
قال ابن دقيق العيد: لعله ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبي ﷺ على فعلها لا ينافي استحبابها، لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي ﷺ على فعله مرجّح على ما لم يواظب عليه، ومن فوائد ركعتي الضحى أنها تجزىء عن الصَّدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم، وهي ثلاث مئة وستون مفصلًا كما أخرجه مسلم عن أبي ذر وفيه "ويجزىء عن ذلك ركعتا الضحى" وحكى الحافظ أبو الفضل بن الحسين في شرح التّرمذيّ أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثيرٌ من الناس يتركونها أصلًا لذلك، وليس مما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام، ليحرمهم الخير الكثير، لاسيما ما وقع في حديث أبي ذر المار قريبًا. هذا ملخص ما قيل في صلاة الضحى.
رجاله خمسة:
وفيه قولها "زعم ابن أمي أنه قاتلُ رجلًا قد أجرته فلان بن هبيرة".
الأول: إسماعيل بن أبي أويس، وقد مرَّ في الخامس عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ مالك بن أنس في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو النضر سالم بن أبي أمية في السابع والستين من كتاب الوضوء ومرت أم هانىء في الثلاثين من كتاب الغُسل، ومرَّ أبو مُرَّة في الثامن من كتاب العلم، والمراد بابن أمي علي ابن أبي طالب، وقد مرَّ في السابع والأربعين منه أيضًا. واختلف في المراد بفلان بن هبيرة على أقوال وتأويلات قد مرت قريبًا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع،
стр. 2872
والعنعنة في موضع، والإخبار بصيغة الإفراد، وفيه السماع، وفيه القول، ورواته مدنيون. أخرجه البخاريّ هنا وفي الطهارة والأدب عن القعنبيّ، ومسلم في الصلاة والطهارة عن يحيى بن يحيى، وفي الطهارة عن محمد بن رُمح، وفي الصلاة أيضًا عن حجاج بن الشاعر، والتِّرمذيّ في الاستئذان عن إسحاق بن موسى، وفي السير عن أبي الوليد الدمشقيّ، والنَّسَائيّ في الطهارة عن يعقوب بن إبراهيم، وفي السير عن إسماعيل بن مسعود، وابن ماجه في الطهارة عن محمد بن رمح.
стр. 2873
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ".
وقوله: إن سائلًا قال في الفتح: لم أقف على اسمه، لكن ذكر شمس الأئمة السّرخسيّ الحنفيّ في كتابه "المبسوط" أن السائل ثَوبان مولى النبي ﷺ ، وقد عرفناه في الأول من كتاب الشهادات. وقوله: أو لكلكم ثوبان، قال الخطابيّ لفظه استخبار، ومعناه الإخبار عما هم عليه من قلة الثياب، ووقع في ضمنه الفتوى من طريق الفحوى كأنه يقول: إذا علمتم أن سَتر العورة فرض والصلاة لازمة، وليس لكل واحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ أي مع مراعاة ستر العورة به.
وقال الطحاوي: معناه لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلَّا ثوبًا واحدًا. وهذه الملازمة في مقام المنع، للفرق بين القادر وغيره. والسؤال وإنما كان عن الحواز وعدمه، لا عن الكراهة. وقد روى ابن حبان هذا الحديث عن ابن شهاب، لكن قال في الجواب: ليتوشح به ثم ليصل فيه، فيحتمل أن يكونا حديثين أو حديثًا واحدًا فرقه الرواة، وهو الأظهر، وكأَنَّ المصنف أشار إلى هذا لذكره "التوشح" في الترجمة، وعامة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على جواز الصلاة في الثوب الواحد الساتر للعورة. ومرت مخالفة ابن مسعود في ذلك.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي،
стр. 2874
ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه أيضًا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع. أخرجه البخاري هنا، ومسلم عن يحيى بن يحيى وغيره، وأبو داو عن القعنبيّ ومسدد، والنَّسائيّ عن قتيبة بن سعيد، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار والطّحاويّ من ستة طرق، وأحمد والدارميّ والبيهقيّ. ثم قال المصنف:
باب إذا صلى في الثوب الواحد فليجعل على عاتقيه
قوله: باب بالتنوين. وقوله: فليجعل على عاتقيه، أي بعض الثوب. وفي رواية "عاتقه" بالإفراد، والعاتق هو ما بين المنكبين إلى أصل العنق، وهو مذكرٌ وحكي تأنيثه.
стр. 2875
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ يُصَلِّى أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ شَيْءٌ".
قوله: لا يصلي، قال ابن الأثير كذا هو بإثبات الياء في الصحيحين، ووجهه أن لا نافية، وهو خبر بمعنى النهي، ورواه الدارقطني في غرائب مالك، عن الشافعي عن مالك، بلفظ "لا يصل" بغير ياء، وعن عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ "لا يصليَّن" بزيادة نون التوكيد، ورواه الإسماعيلي عن أبي الزناد بلفظ "نهى رسول الله ﷺ ". وقوله: ليس على عاتقيه شيء، بالتثنية، ولأبىِ ذَرٍّ وابن عساكر والأصيلى "ليس على عاتقه" بالإفراد، وزاد مسلم عن أبي الزناد "منه شيء" والمراد أنه لا يتَّزر في وسطه، ويشد طرفي الثوب في حقْويه، بل يتوشح بهما على عاتقه، ليحصل الستر لجزء من أعالي البدن، وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة.
وقد حمل الجمهور النهي على التنزيه، وقال الكرماني: ظاهر النهي يقتضي التحريم، لكن الإجماع منعقد على جواز تركه، وفي ما قاله من الإجماع نظر، فقد نقل عن أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه، جعله من الشرائط. وعنه تصح. وياثم جعله واجبًا مستقلًا، ونقل تقي الدين السبكيّ وجوب ذلك عن نص الشافعي، واختاره. لكن المعروف في كتب الشافعبة خلافه. ونقل ابن المنذر عن محمد بن عليّ عدم الجواز، وكلام التِّرمذيّ يدل على ثبوت الخلاف أيضًا. وعقد الطّحاويّ له بابًا في شرح المعنى، ونقل المنع عن ابن عمر وعن طاووس والنخعي، ونقله غيره عن ابن وهب وابن جرير.
стр. 2876
وجمع الطحاويّ بين أحاديث الباب بأن الأصل أن يصلي مشتملًا، فإن ضاق أتَّزر.
واستدل الخطابيّ على عدم الوجوب بأنه ﷺ ، صلى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض نسائه وهي نائمة، قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لا يؤتزر به، ويفضل منه ما يكون على عاتقه. وفيه نظر لا يخفى. قال في الفتح. ولم أعرف وجه النظر من أي جهة، أمن ضعف الحديث أو غير ذلك. ثم قال: الظاهر من تصرف المصنف، التفصيل بين ما إذا كان الثوب واسعًا، فيجب، وبين ما إذا كان ضيقًا فلا يجب وضع شيء منه على العاتق، وهو اختيار ابن المنذر، وبذلك تظهر مناسبة تعقيبه بباب "إذا كان الثوب ضيقًا" قلت: مذهب المالكية أن الصلاة في الثوب الذي ليس على أكتافه منه شيء مكروهةٌ كراهة تنزيه.
رجاله خمسة:
الأول: أبو عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلَد. وقد مرَّ في التعاليق المذكورة بعد الرابع من كتاب العلم، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد وعبد الرحمن الأعرج في السابع من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه أيضًا.
لطائف إسناده:
منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والعنعنة في أربعة مواضع، وهو خماسيّ السند، ورجاله كلهم مدنيون ما عدا أبا عاصم، فإنه بصري.
стр. 2877
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ سَمِعْتُهُ أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ".
قوله: سمعته أي قال يحيى: سمعت عكرمة، ثم تردد هل سمعه ابتداءًا أو جواب سؤال منه؟ هذا ظاهر هذه الرواية، وأخرجه الإسماعيليّ عن أبي نعيم بلفظ "سمعته أو كتب به إليّ" فحصل التردد بين السماع والكتابة. قال الإسماعيلي: لا أعلم أحدًا ذكر فيه سماع يحيى عن عكرمة بالجزم، وقد رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، عن شيبان، نحو رواية البخاريّ قال: سمعته أو كنت سألته فسمعته، أخرجه أبو نعيم في المستخرج.
قوله: أشهد، ذكره تأكيدًا لحفظه واستحضاره. وقوله: مَنْ صلى في ثوب، زاد الكشميهنيّ "واحد"، ودلالته على الترجمة من جهة أن المخالفة بين الطرفين لا تتيسر إلا بجعل شيء من الثوب على العاتق، أو من جهة أن في بعض طرق هذا الحديث التصريح بالمراد، فأشار إليه المصنف كعادته، فعند أحمد عن يحيى فيه "فليخالف بين طرفيه على عاتقيه" وكذا للإسماعيلى وأبي نعيم عن شيبان، وقد حمل الجمهور هذا الأمر على الاستحباب، كما حملوا النهي في الذي قبله على التنزيه.
رجاله خمسة:
الأول: أبو نعيم الفضل بن دُكَين، وقد مرَّ في الخامس والأربعين من كتاب الإيمان، ومرَّ شيبان بن عبد الرحمن ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين
стр. 2878
من كتاب العلم، ومرَّ عكرمة مولى ابن عباس في السابع عشر منه أيضًا، ومرَّ أبو هريرة في الثالث من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه الشك بين السماع والسؤال. ثم قال المصنف:
باب إذا كان الثوب ضيقًا أي كيف يفعل المصلي
стр. 2879
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "مَا السُّرَي يَا جَابِرُ؟ ". فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: "مَا هَذَا الاِشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ؟ ". قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ. يَعْنِي ضَاقَ. قَالَ: "فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ".
قوله: في بعض أسفاره، عند مسلم أنها غزوة بُواط، وهي بضم الباء وتخفيف الواو، وهي من أوائل مغازيه ﵊. وقوله: لبعض أمري، أي لأجل بعض جوائحي، وفي رواية مسلم أنه ﵊ كان أرسله هو وجبار بن صخر لتهيئة الماء في المنزل. وقوله: ما السُّري؟ أي ما سبب سُراك أي سيرك بالليل، وهو بضم السين والقصر، وإنما سأله لعلمه بأن الحامل له على المجيء بالليل أمر أكيد.
وقوله: ما هذا الاشتمال، كأنه استفهام إنكار. قال الخطابي: الاشتمال الذي أنكره أن يدير الثوب على بدنه كله، حتى لا يخرج يده إلا من أسفله، لئلا تبدو عورته، وكأنه أخذه من تفسير الصماء على أحد الأوجه، لكن بين مسلم في روايته أن الإنكار كان بسبب أن الثوب كان ضيقًا، وأنه خالف بين طرفيه، وتواقص، أي انحنى عليه، كأنه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يكن ساترًا، فانحنى ليستتر، فأعلمه ﷺ بأن محل ذلك ما إذا كان الثوب واسعًا، فأما إذا كان ضيقًا فإنه يجزئه أن يتزر به؛ لأنّ القصد الأصليّ ستر العورة، وهو يحصل
стр. 2880
بالائتزار، ولا يحتاج إلى التواقص المغاير للاعتدال المأمور به.
وقوله: كان ثوب، كذا لأبي ذَرٍّ وكريمة بالرفع على أن كان تامة، ولغيرهما بالنصب، أي كان المشتمل به ثويًا زاد الإسماعيليّ "ضيقًا" واعترض الدمامينيّ كونها تامة، بأن الاقتصار على ذلك لا يظهر، وأيّ معنى لإخباره بوجود ثوب في الجملة؟ فينبغي أن يقدر ما يناسب المقام. وقوله: فالتحف به، أي ارتدى به، بان يأتزر بأحد طرفيه، ويرتدي بالطرف الآخر منه. وقوله: فاتزر به، بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء، وهو يرد على التصريفين، حيث جعلوه خطأ.
رجاله أربعة:
الأول: يحيى بن صالح الوحاظي، أبو زكرياء. ويقال: أبو صالح الشاميّ. ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال أبو اليمان: قدم علينا الحسن بن موسى الأشيب قاضيًا بحمص، فقال: دلني على رجل ثقة موسرٍ أستعين به على أمري، فقلت: ما أعرف أحدًا أوثق من يحيى بن صالح. وقال الساجيّ: هو عندهم من أهل الصدق والأمانة. وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن عديّ في جماعة من ثقات أهل الشام. وقال أبو زرعة الدِّمشقيّ: لم يقل أحمد فيه إلا خيرًا. قال: وسألت يحيى بن مُعين عنه، فقال: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: لم أكتب عنه؛ لأني رأيته في مسجد الجامع يسيء الصلاة. وقال مهنا: سألت أحمد عنه فقال: رأيته في جنازة المغيرة، فجعل أبي يضغفه، قال: أخبرني إنسان من أصحاب الحديث قال: قال يحيى بن صالح: لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث يعني هذه التي في الرؤية. قال أبي كأنه نزع إلى رأي جَهْم. وقال أبو عُوانة الأَسفرائينيّ: كان حسن الحديث، ولكنه صاحب رأي، وهو عديل محمد بن الحسن إلى مكة. وقال يزيد بن عبد ربه: سمعت وكيعًا يقول ليحى بن صالح: يا أبا زكرياء، احذر الرأي، فإني سمعت أبا حنيفة يقول: البول في المسجد أحسن من بعض قياسهم.
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم. وقال أحمد بن صالح: حدثنا يحيى بن صالح بثلاثة عشر حديثًا عن مالك، ما وجدناها عند غيره. وقال
стр. 2881
الخليلىّ: ثقة، روى عن الأئمة، وروى عن مالك حديثًا لا يتابع عليه، وهو عن مالك عن الزهري عن سالم عن أبيه "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة". قال الخليليّ: هذا منكر من حديث مالك، أخرجه الدارقطني في غرائب مالك من حديث عُبيد الله بن عوف الخزاز وغيره، عن مالك، وقال: وصله هؤلاء الثلاثة، وهو في الموطأ مرسل، وإنما روي عنه البخاري حديثين أو ثلاثة، وروى عن رجل عنه من روايته عن معاوية بن سلام، وفليح بن سليم خاصة. وروى له الباقون سوى النسائى.
قلت: انظر قوله: روى له البخاري حديثين أو ثلانة، مع قوله في تهذيب التهذيب وفي الزّهرة: روى له البخاري ثمانية أحاديث. روى عن الحسن بن أيوب الحضرميّ ومعاوية بن سلام وسليمان بن بلال ومالك بن أنس وابن أبي الزناد وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وروى هو والباقون له سوى النَّسَائيّ بواسطة، ويحيى بن معين وأحمد بن صالح المصريّ وخلق. ولد سنة سبع وأربعين ومئة. ومات سنة اثنتين وعشرين ومئتين، وليس في الستة يحيى بن صالح سواه، وفي الرواة يحيى بن صالح اثنان: الأيليّ والبلْخيّ. والوُحاظي في نسبه نسبة إلى وُحاظة بضم الواو وتخفيف الحاء، ويقال أُحاظة بهمزة، بلد أو أرض باليمن ينسب إليها مخلاف وحاظة.
الثاني: فُليح بن سليمان، وقد مرَّ في الحديث الأول من كتاب العلم، والثالث سعيد بن الحارث بن أبي سعيد بن المُعلّى، بضم الميم وتشديد اللام، ويقال ابن أبي المُعلّى، وقيل سعيد بن أبى الحارث بن أوس بن المُعلّي، وصوَّبه أحمد الدمياطي، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال ابن مُعين: مشهور. وقال يعقوب بن سفيان: هو ثقة، روى عن أبي سعيد وأبى هُريرة وابن عمر وجابر بن عبد الله.
وروى عنه محمد بن عمرو بن علقمة وعمرو بن الحارث وعمارة بن غُزَبة. وليس في الستة سعيد بن الحارث.
الرابع: جابر بن عبد الله، ومرَّ في الرابع من بدء الوحي.
стр. 2882
لطائف اسناده:
فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع، وبصيغة الجمع في موضع، والعنعنة في موضع، والسؤال في موضع. ورواته ما بين حُمصيّ ومدنيّ. وهذا الحديث من أفراد البخاريّ من طريق سعيد بن الحارث، وأخرجه مسلم من حديث عبادة عن جابر مطولًا وأبو داود كذلك.
стр. 2883
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ لِلنِّسَاءِ: لاَ تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِىَ الرِّجَالُ جُلُوسًا.
قوله: كان رجال، التنكير فيه للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك، وهو كذلك، وفي رواية أبي داود "رأيت الرجال" واللام فيه للجنس، فهو في حكم النكرة. وقوله: عاقدي أَزرهم على أعناقهم، بإسقاط النون للإضافة، رفي رواية أبي داود "عاقدي أَزرهم في أعناقهم" من ضيق الأَزر، ويؤخذ منه أن الثوب إذا أمكن الالتحاف به كان أولى من الائتزار؛ لأنه أبلغ في التستر. وقوله: وقال للنساء، فاعل قال هو النبي ﷺ ، كما جزم به الكرمانيّ، وفي رواية الكشميهنيّ "ويقال للنساء" وفي رواية وكيع "فقال قائل: يا معشر النساء" فكأنّ النبي ﷺ أمر من يقول لهن ذلك، ويغلب على الظن أنه بلال، وإنما نهى النساء عن ذلك لئلا يَلْمَحْنَ عند رفع رؤوسهن من السجود شيئًا من عورات الرجال، بسبب ذلك عند نهوضهم. وعند أحمد وأبى داود والتصريج بذلك عن أسماء بنت أبي بكر ولفظه "فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم، كراهية أن يرين عورات الرجال" ويؤخذ منه أنه لا يجب التستر من أسفل، وإنما يجب من الأعلى، واستنبط منه النهي عن فعل مستحب خشية ارتكاب محذور؛ لأنّ متابعة الإِمام من غير تأخير مستحبة، منهي عنها لما ذكر.
رجاله خمسة:
الأول: مسدد.
стр. 2884
والثاني: يحيى القطّان، وقد مرا في السادس من كتاب الإيمان، وسفيان المراد به الثّوريّ، لقول المزيّ في الأطراف: إنه هو لا ابنُ عُيينة، كما قال الكرمانيّ باحتماله. والثَّوريّ مرَّ في الثامن والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ أبو حازم سلمة بن دينار وسهل بن سعد في الثامن والمئة من كتاب الوضوء.
وهذا الحديث أخرجه البخاريّ معلقًا، كما مرَّ، وأخرجه هنا وأَخرجه عن محمد بن كثير، ومسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو داود فيها عن محمد بن سليمان الأنباريّ والنسائيّ فيها عن عبيد الله بن سعيد. ثم قال المصنف:
باب الصلاة في الجبة الشامية
هذه الترجمة معقودة لجواز الصلاة في ثياب الكفار، ما لم يتحقق نجاستها، وإنما عبر بالشامية مراعاة للفظ الحديث، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر. ومرَّ في باب المسح على الخفين، في بعض طرق حديث المغيرة أن الجُبّة كانت صوفًا، وكانت من ثياب الروم، ووجه الدلالة منه أنه ﷺ لبسها ولم يستفصل، وروي عن أبي حنيفة كراهية الصلاة فيها إلَّا بعد الغسل، وكره ذلك أيضًا ابن سيرين كما رواه ابن أبي شيبة، وأجازه الشافعيّ، وعند المالكية التحريم، ويعيد في الوقت.
ثم قال: وقال الحسن في الثياب ينسُجها المجوسيّ: لم ير بها بأسًا، أي بضم سين ينسجها، من باب نصر ينصر، ويكسرها من باب ضرب، والمجوسيّ بالياء بلفظ المفرد في رواية الحمويّ والكشميهنيّ، والمراد الجنس، ولغيرهما المجوس بصيغة الجمع، والجملة صفة للثياب، لأنّ الجملة، وإن كانت نكرة، لكن المعرفة بلام الجنس كالنكرة. ومنه قوله:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبني ... فمضيتُ ثمت قلت لا يعنيني
وقوله: لم ير به باساً أي الحسن، وهو من باب التجريد، أو هو مقول
стр. 2885
الراوي، أي قبل ان تغسل، والحسن المراد به الحسن البصري، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من كتاب الإيمان، وأثره وصله أبو نعيم بن حماد عن معتمر في نسخته المشهورة بلفظ "لا بأس بالصلاة في الثوب الذي ينسِجُه المجوسيّ قبل أن يغسل" ولأبي نعيم في كتاب الصلاة عنه "لا بأس بالصلاة في رداء اليهوديّ والنصراني".
ثم قال: وقال معمر: رأيت الزهري يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول، قوله: بالبول، إن كان للجنس فمحمول على أنه كان يغسله قبل لُبسه، وإن كان للعهد فالمراد بول ما يؤكل لحمه، لأنه كان يقول بطهارته، ومعمر مرَّ في المتابعة الكائنة بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، وهذا الأثر وصله عبد الرزاق في مصنفه عنه.
ثم قال: وصلى عليّ في ثوب غير مَقْصُور، أي خام جديد لم يغسل، وعليّ مرَّ في السابع والأربعين من كتاب العلم، وهذا الأثر رواه ابن سعد من طريق عطاء أبي محمد، قال: رأيت عليًا صلى وعليه قميص كَرَابيس غير مغسول.
стр. 2886
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فَقَالَ: "يَا مُغِيرَةُ، خُذِ الإِدَاوَةَ". فَأَخَذْتُهَا فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ صَلَّى.
قوله في سفر، أي في غزوة تبوك، سنة تسع. وقوله: "جُبة شامية" أي من نسج الكفار الفارين بالشام؛ لأنها إذا ذاك كانت دارهم. وقوله: "فضاقت" أي الجبة، لأن الثياب الشامية كانت حينئذ ضيقة الأكمام، وقد استوفي الكلامُ على مباحث هذا الحديث في باب المسح على الخفين.
رجاله ستة:
الأول: يحيى بن موسى البلخيّ، ويحتمل أنه يحيى بن جَعفر بن أَعْيُن، وقد مرَّ كل منهما في التاسع عشر من كتاب الحيض.
والثاني: أبو معاوية محمد بن خازم، وقد مرَّ في الثالث من كتاب الإيمان، ومرَّ الأَعمش، وهو سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومسروق بن الأَجدع في السابع والعشرين منه أيضًا، ومرَّ المغيرة بن شعبة في الحادي والخمسين، آخر حديث منه.
السادس: مسلم بن صُبَيح، بالتصغير، أبو الضُّحى الهَمْدانيّ الكوفيّ العطار، وقيل: مولى آل سعيد بن العاص، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال ابن
стр. 2887
سعيد: كان ثقة كثير الحديث، وقال ابن مُعين وأبو زرعة والنَّسَائيّ: ثقة. وقال العجليّ: تابعي ثقة، وقال أبو حُصين: رأيت الشعبيّ وإلى جنبه مسلم بن صُبيح، فهذا جاء شيء قال: ما ترى يا ابن صبيح؟ روى عن النعمان بن بشير وابن عباس وابن عمر ومسروق بن الأجدع وغيرهم. وأرسل عن عليّ بن أبي طالب، روى عنه الأعمش ومنصور بن المعتمر، وسعيد بن مسروق بن الأجدع وغيرهم. وأرسل عن علي بن أبي طالب، روى عنه الأعمش ومنصور بن المعتمر، وسعيد بن مسروق وعمرو بن مرة وعاصم بن بَهْدلة وغيرهم. قال ابن سعد: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال زَبْر: مات سنة مئة. وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون المراد بمسلم هنا مسلم بن عمران، ويقالُ ابن أبي البُطين أبو عبد الله الكوفيّ، ذكره ابن حبَّان في الثقات. وقال أحمد وابن مُعين وأبو حاتم والنَّسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: لم يدركه شُعبة. روى عن عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعليّ بن الحسين والشّيبانيّ وغيرهم. وروى عنه ابنه شَبة بن مسلم وسلمة بن كُهَيل والأعمش وأبو إسحاق السَّبيعيّ وغيرهم. وليس في الستة مسلم بن صبيح، ولا مسلم بن عمران، سوى هذين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين بلخيّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ هنا، وأخرجه أيضًا في الجهاد عن موسي بن إسماعيل، وفي اللباس عن قيس بن حفص مختصرًا، ومسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شَيبة وغيره. والنَّسائيّ فيها عن عليّ بن خَشْرم، وفي الزينة عن أحمد بن حَرْب، وابن ماجه في الطهارة عن هشام بن عمّار. ثم قال المصنف
باب كراهية التعري في الصلاة
روى الكشميهنيّ والحمويّ "وغيرها" أي الصلاة.
стр. 2888
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ. قَالَ فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُؤِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا ﷺ .
قوله: ينقل معهم أي مع قريش، وقوله: الكعبة، أي لبنائها، وكان ذلك قبل البعثة. قيل: كان عمره ﵊ إِذ ذاك خمسًا وثلاثين سنة. وقيل: كان قبل المبعث بخمس عشرة سنة. وقيل: كان عمره خمس عشرة سنة. ورواية جابر لذلك من مراسيل الصحابة، فإما أن يكون سمع ذلك من رسول الله ﷺ ، بعد ذلك، أو من بعض مَن حضر ذلك من الصحابة. والذي يظهر أنه العباس وفي سياق الحديث ما يستأنس به لأخذه من العباس، فلا يكون مرسلًا.
ويدل لأخذه منه ﵊ ما رواه الطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن أبي الزبير قال: سألت جابرًا هل يقوم الرجل عريانًا؟ فقال: أخبرني النبي ﷺ ، أنه لما انهدمت الكعبة، نقل كل بطنٍ من قريش، وأنه ﵊ نقل مع العباس، وكانوا يضعون ثيابهم على العواتق، يتقوون بها على حمل الحجارة. فقال النبيُّ ﷺ فاعتقلت رجلي، فخررت وسقط ثوبي، فقلت للعباس: هلمّ ثوبي، فلبست أتعرّى بعدها إِلاّ إِلى الغسل.
وفي إسناده ابن لُهيعة، وهو ضعيف، لكن تابعه عبد العزير بن سليمان عن أبي الزبير عند أبي نعيم، وقد حدث به عن العباس ابنُه عبد الله، وسياقه أتم.
стр. 2889
أخرجه الطبرانيّ والبيهقيّ في الدلائل، والطبريّ في التهذيب، وأبو نعيم في المعرفة والدلائل عن ابن عباس. قال: حدثني أبي العباس بن عبد المطلب قال: لما بنت قريش الكعبة انفردتْ رَجُلبن رَجُلين ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخْي، فجعلنا نأخذ أُزرنا فنضعها على مناكبنا، ونجعل عليها الحجارة، فإذا دنونا من الناس لبسنا أُزرنا، فبينا هو أمامي، إذ صرع، فسعيت وهو شاخص ببصره إلى السماء، فقلت لابن أخي: ما شأنك؟ قال: نهيت أن أمشي عُريانًا. قال: فكتمته حتى أظهر الله نبوّته.
وأخرج الحاكم والطبرانيّ عن عبد الرزاق قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرَّضَم، ليس فيها مَدَر، وكانت قدر ما يقتحمها العناق، وكانت ثيابها توضع عليها، تسدل سدلًا، وكانت ذات ركنين كهيئة هذه الحلقة، فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريبًا من جُدّة، انكسرت فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيِها نجارًا، فقدموا به والخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حية فاتحة فاها، فبعث الله عليها طيرًا أعظم من النَّسر فغرز مخالبه فيها، فالقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبي ﷺ يحمل الحجارة من أجياد، وعليه نَمِرَة، فضاقت عليه النمرة، فذهب بعضها على عاتقه، فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمد، خمِّر عورتك، فلم ير عُريانًا بعد ذلك. وكان بين ذلك وبين المبعث خمس سنين.
قال معمر: وأما الزُّهري فقال: لما بلغ رسول الله ﷺ الحُلم أجمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة، فاحترقت فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد إن الله لا يهلك من يريد الإصلاح، فارتقى على ظهر البيت ومعه العباس، فقال: اللهم لا نريد إلَّا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأوه سالمًا تابعوه. والرَّضْمَ بالسكون ويحرك، وككتاب، صخور عظام يرضَم بعضُها فوق بعض في الأبنية. وعند الطبرانيّ عن أبي الطُّفيل أن اسم النجار المذكور "باقوم".وللفاكهيّ عن ابن جُريج قال: وكان يتجر إلى بَنْدرٍ وراء
стр. 2890
ساحل عَدَن، فانكسرت سفينته بالشُّعَيبة، فقال لقريش: ان أجريتم عِيري مع عيركم إلى الشام أعطيتكم الخشب، ففعلوا.
وروى الأزرقيّ كان طولها سبعة وعشرين ذِراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا أذرع من عرضها أدخلوها في الحِجر، وروى ابن إسحاق أن السيل كان يأتي فيصيب الكعبة، فيتساقط من بنائها. وكان رَضَمًا فوق القامة، فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة، فذكر القصة مطولة في بنائهم الكمعبة، وفي اختلافهم فيمن يضع الحجر الأسود، حتى رضوا بأول داخل، فدخل النبي ﷺ ، فحكموه في ذلك، فوضعه بيده. وكانت الكعبة على عهد النبي ﷺ ثمانية عشر ذراعًا.
وروى ابن إسحاق في السيرة عن أبيه عمّن حدثه عن النبي ﷺ قال: إني لمعَ غلمان هم أسناني، قد جعلنا أُزرنا على أعناقنا لحجارة ننقلها، إذ لكمني لاكم لكمةٌ شديدة ثم قال: اشدد عليك إزارك، فلم يعد يتعرّى بعد ذلك. وكان هذا في مدته عند حليمة، وهذا ان ثبت حمل على نفي التعرّي بغير ضرورة عادية، والذي في حديث الباب على الضرورة العادية، والنفي فيها على الإطلاق أو يتقيد بالضرورة الشرعية، كحال النوم مع الأهل أحيانًا.
وقوله: وعليه إزاره، ولابن عساكر "وعليه إزار" بغير ضمير، والجملة حالية بالواو، وفي بعض الأصول بغير واو. وقوله: لو حللت ازارك، جواب "لو" محذوف إن كانت شرطية، أي لكان أسهل عليك، وإن كانت للتمنى فلا حذف، وقوله: "فجعلت" للكشميهنيّ "فجعلته" بالضمير، أي الإزار. وقوله: قال "فحلِّه" يحتمل أن يكون مقول جابر أو مقول من حدثه به. وقوله: فسقط مَغشيًا عليه، بفتح الميم وسكرن الغين المعجمة، أي مُغمى عليه لانكشاف عورته، لأنه ﵊ كان مجبولًا على أحسن الأخلاق من الحياء الكامل، حتى كان أشد حياءًا من العذراء في خِدرها، فلذلك غشي عليه.
وروي، مما هو غير الصحيحين، أن المَلَك نزل عليه فشد عليه إزاره.
стр. 2891
وقوله: فما رُؤي بعد ذلك، أَي بضم الراء بعدها همزة مكسورة، وتجوز فيه كسر الراء بعدها مدة ثم همزة مفتوحة، وفي رواية الإسماعيلي: فلم يتعرَّ بعد ذلك.
ومطابقة الحديث للترجمة من هذه الجملة الأخيرة، لأنها تتناول ما بعد النبوءة، فيتم بذلك الاستدلال. وفيه أنه ﷺ كان مصونًا عما يستقبح، قبل البعثة وبعدها، وفيه النهي عن التعرّي بحضرة الناس إلَّا ما رخص من رؤية الزوجات لأزواجهن عراة.
رجاله خمسة:
الأول: مطر بن الفضل المروزيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: مستقيم الحديث، روى عن وكيع، وروح بن عبادة وشبابة ويحيى بن بكير وغيرهم. وروى عنه البخاري وعبيد الله بن واصل، ومحمد بن علي الحكيم التِّرمذيّ. مات بعَزْبر بعد الخمسين ومئتين.
الثاني: روح بن عُبادة، وقد مرَّ في الأربعين من كتاب الإيمان، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من كتاب العلم، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي.
الخامس: زكرياء بن إسحاق المكيّ. قال أحمد وابن مُعين: ثقة، وقال أبو زرعة والنَّسائي: لا بأس به، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال وكيع حدثنا زكرياء، وكان ثقة. وقال البرقيّ والحاكم: كان ثقة وقال الآجريّ: قلت لأبي داود: زكرياء بن إسحاق قَدَريٌّ؟ قال: نخاف عليه، قلت: هو ثقة؟ قال: ثقة. وقال عبد الرزاق: قال لي أبي: الزم زكرياء بن إسحاق، فإني قد رأيته عند ابن أبي نجيح بمكان. فقال: فأتيته، فإذا هو قد نسي، وأتاه ابن المبارك فأخرج له كتابه.
وقال ابن المدينيّ عن سفيان: لم يجالس عطاء، قيل لسفيان: إنهم حكوا عنك أن زكرياء قال: أخرج إلينا عطاء صحيفة فقال سفيان: لا، إنما أراني صحيفة عنده، ما هي بالكبيرة مقال: هذه أعطانيها يعقوب بن عطاء، قال:
стр. 2892
هذه التي سمع أبي من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال ابن مُعين: كان يرى القَدَر. وقال روح بن عبادة: سمعت منادياً بمكة يقول: إن الأمير أمر أن لا يجالَس زكرياء بن إسحاق، لموضع القَدَر.
قال ابن حجر في مقدمته: احتج به الجماعة، وله في البخاريّ عن يحيى بن عبد الله بن صَيْفيّ حديث واحد، وأحاديث يسيرة عن عمرو بن دينار. روى عن عمرو بن دينار وأبي الزبير وإبراهيم بن مَيْسرة ويحيى بن عبد الله بن صيفيّ وغيرهم. وروى عنه أزهر بن القاسم وروح بن عبادة وابن المبارك ووكيع وعبد الرزاق وغيرهم. وليس في الستة زكرياء بن إسحاق سواه، وأما زكرياء فكثير.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وبصيغة الإفراد والمضارع، وفيه السماع، ورواته ما بين تَنِيسيّ ومروزيّ ومكيّ. وهو من مراسيل الصحابي، لأنّ جابراً لم يحضر القضية، وقد مرَّ الكلام على ذلك. أخرجه البخاريّ هنا، وأخرجه أيضًا في بنيان الكبة، ومسلم في الطهارة عن زهير بن حرب. ثم قال المصنف
باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء
قال ابن سيده: السراويل فارسيّ مُعَرّب، يذكر ويؤنث، ولم يعرف أبو حاتم السَّجستانيّ التذكير، والأشهر عدم صرفه، والتّبان، بضم المثناة وتشديد الموحدة، وهو سروال صغير ليس له رجلان، وإنما يستر العورة المغلظة فقط، وقد يتخذ من جلد، والقَبَاء، بالمد كسحاب، وبالقصر، قيل: هو فارسي معرّب، وقيل: عربي مشتق من قَبَوْتُ الشيء إذا ضممتَ أصابعك عليه، سمي بذلك لانضمام أطرافه، وروي عن كعب أن أول من لبسه سليمان بن داود ﵉. وقد قال القائل:
ثوب قَبَاءٍ كسحاب درع ... مضيق جدًا حكاه الجمع
تَلْبِسه الروم أَوَانَ الطرب ... وربما وصل بعض العرب
стр. 2893
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ: "أَوَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ ". ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ: إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، صَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ، فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ.
قوله: قام رجل، تقدّم أنه لم يسمّ، وأنه قيل: انه ثوبان، ومرَّ هناك محل تعريف ثوبان، فقال: أوكلكم يجد ثوبين، بهمزة الاستفهام الإنكاريّ الإبطاليّ وواو العطف. والمعنى ليس كلكم يجد ثوبين. فلذا تصح الصلاة في الثوب الواحد، وأصل الكلام: وأَكلكم، لكن قدم الاستفهام لأن له صدر الكلام، والواو عاطفة على محذوف دل عليه المعطوف، ولا تقديم ولا تأخير. وقد مرَّ تحرير هذا في بدء الوحي عند قوله "أو مخرجي هم" وقوله: ثم سأل رجل عمر، أي عن ذلك، ولم بسم، ويحتمل أن يكون ابن مسعود أو أُبيّ بن كعب، لأنهما اختلفا في ذلك، فقال أُبيّ: الصلاة في الثوب الواحد لا تكره، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك وفي الثياب قلة، فقام عمر على المنبر فقال: القول ما قال أُبيّ، ولم يألُ ابن مسعود، أي لم يقصّر. أخرجه عبد الرزاق.
وقوله: إذا وسّع الله فأوسعوا فيه، دليل على الثوب الواحد كافٍ، وأن الزيادة ستحسان، وقوله: جمع رجل عليه ثيابه صلى رجل، هو بقية قول عمر، وأورده بصيغة الخبر، ومراده: الأمر، أي ليجمع وليصل على حد قولهم: اتقى الله امرؤ فعل خيرًا ثبت عليه. أي: ليتق الله وليفعل. وقال ابن المنير: الصحيح أنه كلام
стр. 2894
فى معنى الشرط، كأنّه قال: ان جمع رجل عليه ثيابه فحسن، ثم فصل الجمع بصور على معنى البدلية، فقال: صلى رجل فى ازار ورداء إلخ، ومجموع ما ذكر عمر من الملابس ستة، ثلاثة للوسط وثلاثة لغيره. وقدم ملابس الوسط لأنها محل ستر العورة وقدم أسترها أو أكثرها استعمالًا لهم، وضم إلى كل واحد واحدًا، فخرج من ذلك تسع صور، من ضرب ثلاثة الوسط فى ثلاثة غيره، ولم يقصد الحصر في ذلك، بل يلحق به ما يقوم مقامه.
وقوله: قال: وأحسبه، قال ذلك أبو هريرة، والضمير في أحسبه راجع إلى عمر، وإنما لم يحصل الجزم بذلك لإمكان أنَّ عمر أهل ذلك، لأن التّبّان لا يستر العورة كلها، بناء على أن الفخذ من العورة فالستر به حاصل مع القباء ومع القميص، وأما مع الرداء فقد لا يحصل، ورأى أبو هريرة أن انحصار القسمة يقتضي ذكر هذه الصورة وأن الستر قد يحصل بها إذا كان الرداء سابقًا. وقال ابن مالك: تضمن هذا الحديث فائدتين: إحداهما ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر، وهو قوله: جمع وصلى ... الخ ما مرَّ، والثانية حذف حرف العطف، فإن الأصل "صلى رجل فى إزار ورداء" وفي "إزار وقميص" ومثله قوله ﷺ "تصدق رجل من ديناره من درهمه من صاع تمره" وعورض هذا بأنه لا يتعين أن يكون المحذوف حرف العطف، بل يحتمل أن يكون المحذوف فعلًا، أي صلى فى إزار وقميص، صلى فى إزار ورداء، وكذا الباقي، والحمل على هذا أَوْلى لثبوته إجماعًا، وحذف حرف العطف قيل: بابه الشعر فقط، وعند بعض وقوعه في الشعر مختلف فيه.
وقد روى ابن حبان حديث الباب عن إسماعيل بن علية عن أيوب، فأدرج الموقوف في المرفوع، ولم يذكر عمر. ورواية حماد بن زيد، هذه المفصَّلة، أصح. ووافقه عليها حماد بن سلمة، فرواه عن أيوب وهشام وحبيب عن ابن سيرين، كما أخرجه ابن حبّان أيضًا، وأخرج مسلم حديث ابن علية، فاقتصر على المتفق على رفعه، وحذف الباقى، وذلك من حسن تصرفه. وفي الحديث دلالة على أن الصلاة في الثوبين أفضل من الثوب الواحد، وصرح القاضي
стр. 2895
عياض بنفي الخلاف في ذلك، لكن عبارة ابن المنذر قد تفهم إثباته، لأنه لما حكى عن الأئمة جواز الصلاة في الثوب الواحد قال: وقد استحب بعضهم الصلاة في ثوبين، وعن أشهب فيمن اقتصر على الصلاة فى السراويل مع القدرة يعيد فى الوقت، إلَّا إن كان صفيقًا، وعن بعض الحنفية يكره.
رجاله خمسة:
الأول: سليمان بن حرب، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أيوب بن أبي تميمة في التاسع منه، ومرَّ محمد بن سيرين في الحادي والأربعين منه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه.
стр. 2896
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لاَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلاَ السَّرَاوِيلَ وَلاَ الْبُرْنُسَ وَلاَ ثَوْبًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلاَ وَرْسٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ".
قوله: سأل رجل، تقدم في آخر كتاب العلم أنه لم يسمّ، ومرَّ الكلام على الحديث هناك. وقوله: حتى يكونا، أي بالتثنية، وفي رواية الحمويّ والمستملي "حتى يكون" بالإفراد، أي كل واحد منهما، وموضع الحاجة من الحديث هنا أن الصلاة تجوز بدون السراويل والقميص، وغيرهما من المخيط، لأمر المحرم باجتناب ذلك، وهو مأمور بالصلاة.
رجاله خمسة:
الأول: عاصم بن علي بن صُهَيب الواسطيّ أبو الحسين، ويقال أبو الحسن التيميّ مولاهم، مولى قريبة بنت محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أخو الحسن بن عليّ وابن أخي عثمان بن عاصم، وابن عمر بن عفان بن عاصم. قال أبو عبد الله الجعفيّ الكوفيّ: سمعت يحيى بن مُعين بقوله: عاصم بن عليّ سيد من سادات المسلمين. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الحسن ابن المناوي: حدّث ببغداد في مسجد الرُّصافة، وكان مجلسه يحرز بأكثر من مئة ألف إنسان، ووثقه ابن سعد وابن مانع. وقال العجليّ: شهدت مجلس عاصمٍ بن عليّ فحرزوا من شهده ذلك اليوم ستين ومئة ألف. وكان رجلًا مسودًا، وكان ثقة في الحديث. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ما أقل خطأه،
стр. 2897
قد عرض عليّ بعض حديثه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قد عرض عليّ حديثه وهو أصح حديثًا من أبيه.
وقال الميمونيّ عن أحمد: صحيح الحديث، قليل الخطأ، ما كان أصح حديثه، وكان إن شاء صدوقًا. وقال أبو داود عن أحمد: حديثه حديث مقارب أهل الصدق، ما أقل الخطأ فيه، ولكن أبوه كان يهم في الشيء. وقال المروزيّ: قلت لأحمد: إن ابن مُعين قال: كان عاصم في الدنيا ضعيفًا. قال: ما أعلى في عاصم بن عليّ إلَّا خيرًا. كان حديثه صحيحاً حديث شعبة والمسعودي ما كان أصحهما. وقال ابن مُعين: كان ضعيفًا، وفي رواية "ليس بشيء" وفي رواية "ليس بثقة" وفي رواية "واهية كذّاب بن كذاب".
وقال الحسن بن فهم: ثلاثة أبيات كانت عند يحيى بن مُعين من شر قوم: المحبر بن قحدم، وولده، وعاصم بن علي، ووالده، وآل أبي أُويس، كانوا عنده ضعافًا جدًا. وقال النسائي: ضعيف، وأورد له ابن عديّ ثلاثة أحاديث عن شعبة، فقال: لا أعلم شيئًا منكرًا إلَّا هذه الأحاديث، ولم أر بحديثه بأسًا. والثلاثة لا يزني الزاني حين يزني ... الحديث، والثاني في الصلاة قبل الأضحية، وحديث جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة.
قال ابن حجر في مقدمته: روى عنه البخاريّ قليلًا عن عاصم بن محمد بن زيد، وروى في كتاب الحدود عن رجل عنه عن ابن أبي ذيب حدبثًا واحدًا، وروى له الترمذي وابن ماجه روى عن أبيه، وعكرمة بن عمار، وابن أبى ذيب، والليث بن سعد، وعاصم بن محمد بن زيد العُمَريّ، وعبد الرحمن بن زيد المسعوديّ وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وروى هو والتِّرمذي وابن ماجه له بواسطة، وأبو حاتم وأحمد بن حنبل وعمرو بن علي الفلاس وغيرهم. مات بواسط يوم الاثنين نصف سنة إحدى وعشرين ومئتين، وليس في الستة عاصم بن علي سواه.
الثاني: ابن أبي ذيب، وقد مرَّ في الستين من كتاب العلم، ومرَّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ سالم بن عبد الله بن عمر في السابع عشر من
стр. 2898
كتاب الإيمان، ومرَّ أبوه عبد الله في الأثر الرابع في كتاب الإيمان، قبل ذكر حديث منه.
أخرج البخاريّ هذا الحديث هنا، وأخرجه في اللباس عن آدم، وفي الحج عن أحمد بن عبد الله بن يونس. ثم قال: وعن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ مثله. وهو معطوف على قوله: عن الزهريّ، وذلك بيَّنّ في الرواية الماضية في آخر كتاب العلم، فإنه أخرجه هناك عن آدم عن ابن أبي ذيب، فقدم طريق نافع وعطف عليها طريق الزّهريّ عكس ما هنا. وزعم الكرمانيّ أن قوله: وعن نافع، تعليق من البخاريّ، وقد قدمنا أن التجوزات العقلية لا يليق استعمالها في الأمور النقلية. قال في الفتح، وانتصر العينيّ للكرمانيّ بما يعلم بطلانه، بالوقوف عليه. وقد رده المؤلف في انتقاض الاعتراض بما يكفي ويشفي، ونافع قد مرَّ في السابع والسبعين من كتاب العلم ومرَّ ابن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
ثم قال المؤلف:
باب ما يستر من العورة
أي خارج الصلاة، ويُسْتَر، بضم المثناة التحتية وفتح الفوقية، ويجوز الفتح والضم، وما مصدرية أو موصولة، ومن بيانية، والعورة السوأة وكل ما يستحى منه. وظاهر تصرف المصنف أنه يرى أن الواجب خارج الصلاة ستر السوأتين فقط، وأما في الصلاة فعلى ما مرَّ من التفصيل. وأول أحاديث الباب يشهد له، فإنه قيد النهي بما إذا لم يكن على الفرج شيء يستزه، ومقتضاه أن الفرج إذا كان مستورًا فلا نهي.
стр. 2899
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ.
وهذا الحديث رواه المصنف، عن ابن شهاب عن ثلاثة مشايخ هنا، عن عبيد الله. وفي اللباس عن عامر بن سعد، وفي الاستئذان عن عطاء بن يزيد، كلهم عن أبي سعيد، فحدث به ابن شهاب عن كل واحد منهم بمفرده. وقوله: عن اشتمال الصّمّاء، هو بالصاد المهملة والمد، وهي عند أهل اللغة أن يجلَّلَ جسده بالثوب، لا يرفع منه جانبًا، ولايبقي ما يُخرج منه يده، سميت صماءَ لأنه يسد المنافذ كلها، فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق، وعند الفقهاء أنْ يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه، وظاهر رواية المصنف فىٍ اللباس أن التفسير المذكور فيها عن الفقهاء مرفوعٌ، وعلى تقدير أن يكون موقوفًا فهو حجة على الصحيح، لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر، فعلى تفسير أهل اللغة مكروه لئلا تعرض له حاجة، فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر. وعلى تفسير الفقهاء يحرم إنْ انكشف منه بضع العورة وإلا فيكره.
وقوله: وأنْ يَحتبي الرجلُ، أي: وعن احتباء الرجل، وهو أن يقعد على أليتيه، وينصب ساقيه، ويلف عليه ثوبًا. ويقال له الحبوة، وكانت من شأن العرب. وقوله ليس على فرجه منه شيء، يعني أنه لو كان مستور العورة لم يحرم.
стр. 2900
رجاله خمسة:
الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ الليث بن سعد وابن شهاب الزُّهريّ في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عُبيد الله بن عبد الله في السادس من بدء الوحي أيضًا، ومرَّ أبو سعيد الخدريّ في الثاني عشر من كتاب الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بَلخيّ وبصريّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس عن محمد ويحيى بن بكير، وفي البيوع عن سعيد بن عُفير، وفي البيوع عن عباس، وفي الاستئذان عن عليّ بن عبد الله، ومسلم في البيوع عن سعيد بن عفير، وفي اللباس عن يحيى بن بكير، وأبو داود في البيوع عن أحمد بن صالح، والنَّسائيّ في البيوع عن يونس بن عبد الأعلى، وفي الزينة عن قُتيبة، وفي البيوع أيضًا عن محمد بن رُمْح، وابن ماجه في التجارات.
стр. 2901
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ عَنِ اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
قوله عن بَيعتين، بفتح الموحدة، ويجوز كسرها على إرادة الهيأة كالجلسة، وهو الأحسن، والأول هو المشهور على الألسنة. وقوله: عن اللِّماس، بكسر اللام، وهو أن يلمس ثوبًا مطويًا، أو في ظلمة يشتريه، على أن لا خيار له إذا رآه أيضًا اكتفاء بلمسه عن رؤيته، أو يقول: إذا لمسته فقد بعتكه اكتفاه بلمسه عن الصيغة، أو يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه لزم البيع، وانقطع خيار المجلس. وقوله: والنِّباذ أي: وعن النباذ، بكسر النون والمعجمة آخره، وهو أن يجعلا النبذ بيعًا، اكتفاءًا به عن الصيغة، فيقول أحدهما: أُنْبذ إليك ثوبي، فيأخذه الآخر، أو يقول: بعتك هذا بكذا، على أني إنْ نبذتُه إليك لزم البيع، وانقطع الخيار والبطلان فيهما لعدم الرؤية، أو عدم الصيغة، أو للشرط الفاسد. والصماء تقدم تفسيرها في الذي قبله. وقوله: وأنْ يحتج الرجلُ، الاحتباء مرَّ أيضًا تفسيره، والمطلق هنا في الاحتباء محمولٌ على المقيد في الحديث السابق بقوله "ليس على فرجه منه شيء".
رجاله خمسة:
الأول: قُبيصة بن عُقبة.
والثانى: سفيان الثَّوريّ، وقد مرا في الثامن والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو الزِّناد وعبد الرحمن بن هُرْمز الأعرج في السابع منه أيضًا، ومرَّ أبو هُريرة
стр. 2902
في الثاني منه أيضًا.
لطائف إسناده:
فيه التَّحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول بالحكاية، ورواية تابعي عن تابعي عن صحابي، ورواته ما بين كوفيّ ومدنيّ، أخرجه البخاري هنا وفي الصلاة عن عبيد بن إسماعيل، وفي اللباس عن محمد بن بشار، ومسلم في البيوع والصلاة، والترمذيّ في البيوع، والنَّسائيّ فيها أيضًا، وابن ماجه في التجارات واللباس والصلاة.
стр. 2903
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمِنًى أَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ لاَ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
قوله: في تلك الحجة، أي التي حجها أبو بكر بالناس، قبل حجة الوداع بسنة. وقوله: في مؤذِنين، بكسر الذال والنون، أي رهط يُؤذِنون في الناس. وقوله: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، بإدغام "أنْ" في "لا"، فيحتمل أن تكون تفسيرية، ولا نافية، ويحج ويطوف رفع، ويحتمل أن تكون ناصبة فيحج ويطوف نصب، ويجوز أن تقرأ "يطَوَّف" بفتح الطاء وتشديد الواو، وعند المؤلف في التفسير من رواية صالح بن كيسان "أن لا يحجنَّ" وهو يعين ذلك للنهى، وللكشميهنيّ "ألا لا يحج" بتخفيف اللام للاستفتاح قبل حرف النهي.
وقوله: بعد العام، الظاهر أن المراد به بعد خروج هذا العام، لا بعد دخوله. وقال العيني: ينبغي أن يدخل هذا العام أيضًا بالنظر إلى التعليل، وهذا منتزع من قوله تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] والآية صريحة في منع دخولهم المسجد الحرام، ولو لم يقصدوا الحج، لكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم، صرّح لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءه
стр. 2904
أوْلى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحَرَم كله.
وقوله: لا يطوف بالبيت عُريان، فيه حجة لمن لايشترط ستر العورة في الطواف كما يشترط في الصلاة، والمخالف في ذلك الحنفية، قالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط، فمن طاف عريانًا أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم. وذكر ابن اسحاق في سبب هذا الحديث، أن قريشًا ابتدعت في الجاهلية، قبل الفيل أو بعده، أنْ لا يطوف بالبيت أحد ممن يقدم عليهم من غيرهم أول ما يطوف إلاّ في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن خالف وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ، ثم لم ينتفع بها. فجاء الإسلام فهدم ذلك كله.
والمراد بالتأذين في الحديث الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]، أي إعلام، وكون أبي بكر بعث أبا هُريرة في مؤذنين قال الطحاويّ في مشكل الآثار: إنه مشكل، لأن الأخبار في هذه القصة تدل على أن النبي ﷺ كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليًا، فأمره أن يؤذن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هُريرة، ومن معه بالتأذين مع صرف الأمر عنه بذلك إلى عليّ، ثم أجاب بأن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان علي هو المأمور بالتأذين بذلك، وكان عليًا لم يطق التأذين بذلك وحده، احتاج إلى من يعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره، ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع عليّ حين بعثه النبي ﷺ "ببراءة" الى أهل مكة، فكنت أنادي معه حتى يَصْحَلَ صوتي، وكان هو ينادي قبلي حتى يعيى. وأخرجه أحمد وغيره أيضًا من طريق محرز بن أبي هُريرة.
والحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يلقيه إليه عليّ، مما أُمر بتبليغه، وقد أشار البخاريّ إلي هذا الحديث في باب وجوب الصلاة في الثياب، ومرَّ بعض الكلام عليه واستيفاؤه إن شاء الله تعالى هنا. وقوله: قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف ... إلخ، وهذا القدر من الحديث مرسل، لأن حميدًا لم يدرك ذلك، ولا صرح بسماعه له من أبي هريرة.
стр. 2905
وقال بعضهم: كان حميد بن عبد الرحمن حمل قصة توجه عليّ من المدينة إلى أن لحق أبا بكر من غير أبي هُريرة، وحمل بقية القصة كلها من أبي هريرة، لكن قد ثبت إرسال عليّ من عدة طرق موصولًا، فروى الطبريّ عن أبي صالح عن عليّ قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة، وبعثه على الموسم، ثم بعثني في أثره فأدركته فأخذتها منه، فقال أبو بكر: ما لي؟ قال: خيرٌ، أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، غير أنه لا يبلغ عني غيري أو رجل مني. وعند الطبراني عن أبي رافع نحوه، لكن قال: فأتاه جبريل فقال: إنه لن يؤديها عنك إلَّا أنت أو رجل منك. وروى الترمذيّ، وحسنه، وأحمد عن أنس قال: بعث النبي ﷺ براءة مع أبي بكر، ثم دعا عليًا فأعطاها إياه وقال: لا ينبغي لأحد أن يبلّغ هذا إلَّا رجل من أهلي.
وهذا يوضح قوله في الحديث السابق "لا يبلّغ عني" ويعرف منه المراد خصوص القصة المذكورة لا مطلق التبليغ. وعند أحمد من حديث علىّ "لما نزلت عشر آيات من براءة، بعث بها النبي ﷺ مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: أدركْ أبا بكر، فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب، فرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله، أَنَزَل فيّ شيء؟ فقال: لا، إلَّا أنه لن يؤدي" أو "لكن جبريل قال: لن يؤدي إلّا أنت أو رجل منك" قال العماد بن كثير ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره، بل المراد رجع من حجته، وهذا مثل قوله السابق: فقال أبو بكر: ما لي ... إلخ.
وقال في "الفتح" لا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة، وأما قوله عشر آيات، فالمراد أولها؛ ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقد قال العلماء: إن الحكمة في ارسال عليّ بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن العهد لا ينقضه إلَّا من عقده أو من هو منه بسبيل، من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: لا يبلغ عني إلَّا أنا أو رجل من أهل بيتي. وقيل: انما لم يقتصر النبي ﷺ على تبليغ أبي بكر عنه ببراءة؛ لأنها تضمنت مدح أبي بكر، فأراد أن يسمعوها من غير أبي بكر، وهذا غفلة من قائله، حمله على ظنه
стр. 2906
أن المراد تبليغ براءة كلها، وليس الأمر كذلك على الصحيح. فإن المأمور بتبليغه منها أوائلها فقط، كلما يأتي قريبًا، ويأتي حديث جابر أنه قرأها حتى ختمها.
والجمع بين ذلك وقوله "أن يُؤذِن ببراءة" يجوز فيه التنوين بالرفع على الحكاية وبالجر، ويجوز أن يكون علامة على الجر فتحة، على أنها علم للسورة، وهو الثابت في الروايات. وقوله: فأذن معنا عليّ .. الخ. قال الكرماني: فيه إشكال؛ لأن عليًا كان مأمورًا بأن يُؤِذن ببراءة، فكيف يُؤذن بأنْ لا يحج بعد العام مشرك؟ ثم أجاب بأنه أذنَ براءة، ومن جملة ما اشتملت عليه، أن لا يحج بعد العام مشرك، من قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، ويحتمل أن يكون أمران يُؤذِن ببراءة، وبما أُمر أبو بكر أن يُؤذِن به أيضًا، وقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان: منعُ حج المشركين، ومنع طواف العريان، وأن عليًا أيضًا كان ينادي بهما وكان يزيد "من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلَّا مسلم" وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها، فهي التي اختُصَّ عليّ بتبليغها.
وفي قوله: يؤذن ببراءة، تجوّز؛ لأنه أمران يُؤذِن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] فروى الطبري عن محمد بن كعب وغيره قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الحج سنة تسع، وبعث عليًا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبريّ أيضًا عن أبي الصّهباء قال: سألت عليًا عن يوم الحج الأكبر فقال: إن رسول الله ﷺ ، بعث أبا بكر يقيم الحج للناس، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب، ثم التفت إليّ فقال: يا عليّ، قم فأدِّ رسالة رسول الله ﷺ ، فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صدرنا حتى رميتُ الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
стр. 2907
وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبريّ وإسحاق في مسنده والنّسائيّ والدارميّ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن أبي الزبير عن جابر "أن النبي ﷺ حين رجع من عُمرة الجُعْرانة، بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنّا بالعرج ثوّب بالصُّبح، فسمع رُغوة ناقة النبي ﷺ ، فإذا عليٌّ عليها فقال: أميرٌ أو رسول؟ فقال: بل أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرؤها على الناس. فقدمنا مكة، فلما كان قَبْل يوم التروية بيوم، قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بينه وبين ما مرَّ بأن عليًا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يُؤذِن بالأمور المذكورة؛ أنْ لا يحج بعد العام مشرك ... الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
وعند التِّرمذيّ عن مِقْسَم عن ابن عباس "أن النبي ﷺ بعث أبا بكر ... " الحديث، وفيه "فقام عليّ أيام التشريق، فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلَّا مؤمن". فكان عليّ ينادي بها، فإذا مُجَّ قام أبو هريرة فنادى بها، وروى صعيد بن منصور والتِّرمذيّ والنَّسائيّ والطَّبريّ عن زيد بن بتيع قال: سألت عليًا: بأي شيء بُعثت؟ قال: بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر.
وروى أحمد والنَّسائيّ عن مُحْرز بن أبي هُريرة عن أبيه قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلَّا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأَجَله أربعة أشهر، فهذا مضت فإنّ الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي. وقد قال حميد بن عبد الرحمن كما رواه البخاريّ في تفسير سورة براءة: إن يوم الحج الأكبر يوم النحر،
стр. 2908
واستنبطه من قوله تعالى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، كما في رواية شُعيب عند المصنف في الجزية، فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر.
وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر، وفي حديث ابن عمر عند أبي داود، وأصله في الصحيح، رفعه "أيّ يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر" واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرزاق عن عبد الله بن شداد، أحد كبار التابعين، ووصله الطبريّ عن جماعة منهم عطاء والشعبى، وعن مجاهد: الحج الأكبر القِران، والأصغر الإفراد، وقيل: يوم الحج الأصغر عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك. وعن الثّوريّ أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال: يوم الفتح. وأيده السهيلى بأن عليًا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل: لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فهذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن، سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه وروى الطبريّ عن أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وعن سعيد بن جُبير أنه يوم النحر، واحتج بأن اليوم التاسع وهو يوم عرفة، إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج، بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات. وعند التِّرمذيّ من حديث عليّ مرفوعًا وموقوفًا "يوم الحج الأكبر يوم النحر" ورجح الموقوف، وقد مرَّ في أوّل الحديث أن حجة أبي بكر كانت سنة تسع، واتفقت على ذلك الروايات، وعند عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال؛ لمّا كان زمن الفتح اعتمر رسول الله ﷺ من الجُعْرانة، ثم أمَّرَ أبا بكر الصديق على تلك الحجة، قال الزّهريّ: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمَره أن يُؤذن ببراءة، ثم أَتْبَعَ النبي ﷺ عليًا ... الحديث.
قال عماد الدين بن كثير: هذا فيه غرابة، من جهة أن الأمير في سنة عمرة
стр. 2909
الجُعرانة كان عتاب بن أَسيد، وأما حجة أبي بكر فكانت سنة تسع. قال في الفتح: يرفع الإشكال بأن المراد بقوله: ثم أمّر أبا بكر، يعني بعد أن رجع إلى المدينة، وطوى ذكر من ولي الحج سنة ثمان، فإن النبي ﷺ لما رجع من العمرة إلى الجُعرانة، فأصبح بها، توجه هو ومن معه إلى المدينة، إلى أن جاء أوان الحج، فأمر أبا بكر وذلك سنة تسع وليس المراد أنه أمر أبا بكر أن يحج في السنة التي كانت فيها عمرة الجُعرانة.
وقوله: على تلك الحجة، يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة. واستدل بقول أبي هُريرة: بعثني أبو بكر في تلك الحجة يوم النحر، على أن حجّة أبي بكر كانت في ذي الحجة ولم يخالف في ذلك إلَّا مجاهد وعكرمة بن خالد فإنهما قالا انها كانت في ذي القعدة. أخرجه ابن سعد عن مجاهد بإسناد صحيح، والحاكم في الإكليل عن عكرمة. وقول أبي هُريرة هذا دليلٌ عليهما، وأُجيب. بأنه إن ثبت قولهما، يكون المراد بيوم النحر صبيحة يوم الوقوف، سواء كان الوقوف وقع في ذي القعدة، أو في ذي الحجة. نعم، روى ابن مردويه عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده قال: كانوا يجعلون عامًا شهرًا وعامًا شهرين، يعني يحجون في شهر واحد مرتين في سنتين، ثم يحجون في الثالث في شهر آخر غيره. قال: فلا يقع الحج في أيام الحج إلَّا في كل خمس وعشرين سنة، فلما كان حج أبي بكر وافق ذلك العام شهر الحج، فسماه الله تعالى الحج الأكبر.
ولم يبق من مباحث هذا المحل إلَّا بيان ما قيل في قوله تعالى ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] وقد مرّ لك حديث سعيد بن منصور وغيره، عن عليّ أن من كان له عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر، واستدل بهذا الحديث على أن قوله تعالى ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت، أو لم يكن له عهد أصلًا، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته. وروى الطبريّ عن ابن إسحاق قال: هم صنفان، صنف كان له عهدٌ دون أربعة أشهر، فأُمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنف كانت له مدة عهده بغير أجل، فقصرت على أربعة أشهر. وروي أيضًا عن ابن عباس
стр. 2910
أن الأربعة الأشهر أَجَلُ مَن كان له عهد مؤقت، بقدرها أو يزيد عليها، وأما من ليس له عهد، فانقضاؤه إلى سلخ المحرم لقوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] من طريق عُبيدة بن سلمان، سمعت الضحاك "أن رسول الله ﷺ عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت براءة فنبذ إلى كل أحد عهده وأجَّلهم أربعة أشهر، ومن لا عهد له فأَجَلُه انقضاء الأشهر الحرم".
ومن طريق معمر عن الزّهريّ: كان أول أربعة أشهر عند نزول براءة في شوّال، فكان آخرها المحرم، فبذلك تجمع بين ذكر الأربعة الأشهر وبين قوله ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ واستبعد الطبريّ ذلك من حيثُ إن بلوغهم الخبر إنما كان عندما وقع النداء به في ذي الحجة، فكيف يقال لهم سيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولم يبق منها إلا دون الشهرين؟ ثم أسند عن السُّديّ وغير واحد التصريح بأنّ تمام الأربعة الأشهر في ربيع الآخر.
رجاله ستة:
وفَيه ذكر علي وأبي بكر.
الأول: إسحاق بن إبراهيم، والمراد به ابن راهويه، وقيل المراد به إسحاق بن منصور، وقد مرا في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر منه أيضًا، ومرّ ابن أخي الزهريّ في التاسع عشر من كتاب الإيمان، ومرّ ابن شهاب الزهريّ في الثالث من بدء الوحي، ومرّ حميد بن عبد الرحمن في الثلانين من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني من كتاب الإيمان أيضًا، ومرّ عليّ في السابع والأربعين من العلم، وأبو بكر بعد الحديث السبعين من الوضوء فى باب من لم يتوضأ من لحم الشاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد، وفيه أربعة زُهْرِيّون، وهم يعقوب إلى أبي هريرة. أخرجه البخاريّ هنا وفي الجزية عن أبي اليَمان، وفي المغازي عن أبي الربيع
следующие страницы →