← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وكان لعبد الله شعر، فمن شعره: قَد يَفتحُ المرءُ حَانُوتًا لمتجَرهِ ... وَقَدْ فتحت لَك الحَانُوتَ بالدِّين بَينَ الأسَاطينِ حَانوتٌ بلَا غَلَقٍ ... تَبتَاعُ بالدِّين أموالَ المساكينِ صَيَّرت دِينكَ شَاهينًا تَصيدُ به ... ولَيسَ يُفلحُ أصحابُ الشَّواهينِ ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا، فدلنا على ترك الدنيا، وسئل ابن المبارك: أيُّما أفضل معاوية بن أبي سفيان أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله ﷺ ، فقال: سَمعَ الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد، فما بعد هذا؟. ويقال: إنَّ عبد الله نمت عليه بركة أبيه، فإنه كان في غاية الورع، وقد حُكي عن أبيه أنه كان يعمل في بستان لمولاه، وأقام فيه زمانًا، ثم إن مولاه جاءه يومًا، وقال له: أريد رُمّانًا حُلوًا، فمضى إلى بعض الشجر وأحضر منها رمانًا، فكسره فوجده حامِضًا، فَحَرَدَ عليه، وقال: أَطْلُبُ الحلوَ فتُحضر لي الحامِض؟ هات حلوًا، فمضى، وقطع من شجرة أخرى، فلما كسره وجده أيضًا حامضًا، فاشتد حَرَدُهُ عليه، وفعل ذلك دفعة ثالثة، فقال له بعد ذلك: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟ فقال: لا. فقال له: كيف ذلك؟ فقال: لأني ما أكلت منه حتى أعرف الحلو من الحامض. فقال: ولمَ لم تأكل؟ فقال: لأنك ما أَذنت لي. فكشف عن ذلك فوجده حقًا، فَعَظُم في عينه، فزوجه ابنته، فرزقه منها الله عبد الله، فنمت عليه بركة أبيه. وقيل: إن هذه القصة منسوبة إلى إبراهيم بن أَدْهَم، وذكرها الطُّرْطُوشيُّ في أول "سراج الملوك" منسوبةً له. روى عبد الله عن: سليمان التَّيْمي، وحُميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعِكْرمة بن عمار، والأَعْمش، وهشام بن عُروة، والثَّوري، وشُعبة، والأوْزاعي، وابن

стр. 317

جُريج، ومالك، والليث، وابن أبي ذِئْب، وموسى بن عُقْبَة، وإبراهيم ابن عُقبة، وخلق كثير. وروى عنه الثَّوْري، ومَعْمر بن راشد، وأبو إسحاق الفَزَاري، وبَقِيَّة ابن الوليد، وابن عُيَيْنة، وأبو الأَحْوص، وفُضَيْل بن عياض، ومُعْتَمَر بن سُليمان، والوليد بن مُسلم، وغيرهم من شيوخه وأقرانه، وأبو سلمة التَّبُوذَكيّ، ونُعَيْم بن حَمّاد، وابن مَهْدي، والقَطَّان، وخلق كثير. قال الخطيب: حدث عن معمر بن راشد، والحسن بن داود البَلْخِيّ، وبين وفاتيهما مئة واثنتان وثلاثون سنة، وقيل: مئة وثلاثون سنة، وقيل: مئة وتسع وعشرون سنة. ولد سنة ثماني عشرة ومئة، ومات في رمضان سنة إحدى وثمانين ومئة بهِيتْ بكسر الهاء في آخره تاء منصرفًا من الغزو، وهي قرية على شاطىء الفُرات، فوق الأنْبار، من أَعمال العراق، لكنها في بر الشام، والأَنْبار في بر بغداد، والفُرات يفصل بينهما، ودِجْلة تفصل بين الأنبار وبغداد، وقبره بها ظاهر يزار. وقد جمع ابن خَلَّكان في أخباره جزأين، وليس في الكتب الستة من اسمه عبد الله بن المبارك سواه، فهو من أفرادها، لكن في رواة غيرها خمسةٌ: أحدهم بغدادي حدث عن هَمّام، والثاني: خُراساني وليس بالمعروف، والثالث: شيخ روى عنه الأثْرم، والرابع: جوهري روى عن أبي الوليد الطَّيالِسِي، والخامس: بَزّار روى عنه سَهْلٌ البُخَاري. والتَّميميُّ في نَسَبه نسبةً إلى تميم كأمير بن أُدّ بن طانِجةَ أبو قبيلة من مُضَر مشهورة، والحَنْظَلِيُّ نسبة إلى حَنْظَلَة بطن من تميم، والمَرْوَزِي تقدم الكلام عليه في الذي قبله. فائدة: ذكر الشيخ زَكَرِيّا في آخر فصل "المتَّفِق والمفترق" عن ابن الصلاح أنه حكى عن سَلَمَة بن سليمان أنه قال: إذا قيل في السند:

стр. 318

عبد الله بمكة فهو ابن الزبير، أو بالمدينة: فابن عمر، أو بالكوفة: فابن مسعود، أو بالبصرة: فابن عباس، أبو بخراسان: فابن المبارك. وقال ابن حَجَر: إذا أطلق بمصر: فابن عمرو بن العاص. الثالث: بشر بن محمَّد أبو محمَّد المَرْوَزِي السِّخْتِياني. روى عن ابن المُبارك، والفَضْل بن موسى، وأبي ثُمَيْلة. وروى عنه البخاريُّ، وأحمد بن سَيّار، وإسحاق بن الفَيْض الأَصْبهاني وكناه، وجعفر الفِرْياني. ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان مُرْجِئًا. وذكر ابن أبي حاتم بشر بن محمَّد الكِنْدِيّ، عن عبد العزيز بن أبي رِزْمة. وعنه علي بن خشرم، ذكره مفردًا عن السِّخْتِياني، ويحتمل أن يكونا واحدًا. مات السِّخْتِياني سنة أربع وعشرين ومئتين. وانفرد البخاري به عن باقي الستة، روى عنه هنا، وفي التوحيد، والصلاة، وغيرها. وكل ما جاء مِن بِشْر فهو بكسر الباء وسكون الشين المعجمة إلا أربعة، فبضم الباء وسكون السين المهملة، وهم بُسْر والد عبد الله بن بُسْر الصّحابي المَازِني ولم يذكره ابن الصلاح لأنه لا ذكر له فيٍ شيء من الكتب الثلاثة أعني: "البخاري" و"مسلمًا" و"الموطأ". وإن رَقَّمَ له المِزِّيُّ علامة مسلمٍ، وبُسْر بن سعيد، وبُسْر بن عبيد الله الحَضْرَمِيّ، وبُسْر بنَ مِحْجَن الدِّيْلي، وحديثه في "الموطأ" دون "الصحيحين"، وفيه خُلْفٌ، فقال الجمهور: إنه بالمهملة، وقال غيرهم: بالمعجمة، وقد تشبه هذه الترجمة بأبي اليسر كَعْب بن عمر، وهو بتحتية ثم مهملة مفتوحتين، وحديثه في صحيح مسلم، لكنه ملازم لأداة التعريف غالبًا بخلاف القسمين الأولين ونظم العراقي الأربعة فقال:

стр. 319

وابنُ سَعيدٍ بُسْر مِثْلُ المازِنِ ... وابنُ عُبَيْدِ اللهِ وابنُ مِحْجَن وَفيهِ خلْفٌ وَيَشِيرٌ أَعْجَمُ ... .................. الرابع: عُبيد الله -بالتصغير- ابن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود الهُذَلي، أبو عبد الله. قال الواقِدِيّ: كان عالمًا، وكان ثقة، فقيهًا، كثير الحديث والعلم، شاعرًا، وقد عَمِيَ. وقال العِجْلِيّ: كان أَعمى، وكان أحد فقهاء المدينة السبعة، تابعي ثقة، رجل صالح جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز. وقال أبو زُرْعَة: ثقة مأمون إمام. وقال مَعْمر، عن الزُّهْري: كان أبو سَلَمَة يسأل ابن عباس، وكان يَخْزُن عنه، وكان عبيد الله يلطفه، فكان يُعِزُّهُ عِزًّا. وعن الزُّهري قال: ما جالست أحدًا من العلماء إلا وأرى أني قد انتهيت على ما عنده، وقد كنت اختلفت إلى عروة حتى ما كنت أسمع منه إلا معُادًا ما خلا عُبَيْد الله بن عُتْبة فإني لم آته إلا وجدت عنده طريفًا، وقال الزُّهري أيضًا: أدركت أربعة بحورٍ فذكر فيهم عُبَيْد الله، وقال: سمعت من العلم شيئًا كثيرًا فظننت أني قد اكتفيت حتى لَقِيتُ عبيد الله، فإذا كأني ليس في يدي شيء. وقال عمر بن عبد العزيز: لأن يكون لي مجلس من عُبَيْد الله أحب إلى من الدنيا وما فيها، وقال: والله إني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع تَحَرِّيكَ وشدةِ تحفُّظِكَ، قال: أين يُذْهَبُ بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصيحته وبهدايته على بيت المال بألوف وألوف، إن في المحادثة تلقيحًا للعقل، وترويحًا للقلب، وتسريحًا للهم، وتنقيحًا للأدب. وقال أبو جَعْفر الطَّبري: كان مقدمًا في العلم والمعرفة بالأحكام

стр. 320

والحلال والحرام، وكان مع ذلك شاعرًا مُجيدًا. وقال ابن عَبْد البَرّ: كان أحد الفقهاء العشرة، ثم السبعة، الذين يدور عليهم الفتوى، وكان فاضِلًا مقدّمًا في الفقه، تقيًّا شاعرًا محسنًا لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا هذا فيما علمت فقيه أشعر منه، ولا شاعر أفقه منه. وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان عبيد الله حيًا ما صدرت إلا عن رأيه. وروي عن عُبيد الله أنه قال: ما سمعت حديثًا قطُّ ما شاء الله أن أعيه إلا وعيته. وقيل لابن معين: أيُّما أحب إليك عكرمة أو عُبَيْد الله؟ قال: كلاهما ولم يُخَيِّر. ومن شعره: شَقَقْتِ القَلْبَ ثُمَّ ذَرَرْتِ فيه ... هَواكِ فليم فَالْتَأَمَ الفُطُورُ تَغَلْغَلَ حُبُّ عُثْمَةَ في فُؤَادي ... فباديه مَعَ الخافي يَسِيْرُ تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ ... وَلاَ حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرورُ ولما قال هذا الشعر قيل له: أتقول مثل هذا؟ قال: إن في الِّلدودِ راحةَ المفؤود، وهو القائل: لا بُدَّ لِلْمَصْدُورِ من أَنْ يَنْفُثَ. روى عن أبيه، وأرسل عن عمه عبد الله بن مسعود، وروى عن عمار، وعمر، وعن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعثمان بن حُنَيْف، وسَهْل بن حُنَيْف، وأبي سعيد الخُدري، وأبي طَلْحة الأنصاري، وجماعة. وروى عنه: أخوه عَوْنٌ، والزُّهري، وسَعْدُ بن إبراهيم، وأبو الزِّناد، وصالح بن كَيْسان، وعراك بن مالك، وموسى بن أبي عائشة، وغيرهم. مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس وتسعين، وقيل: سنة تسعين، وقيل: سنة ثمانين، وقيل: سنة تسع وتسعين، وعُبَيْد الله في الكتب الستة غيره أحد عشر.

стр. 321

والهُذَليّ بضم الهاء وفتح الذال المعجمة في نسبه نسبةً إلى جده هُذَيْل بن مُدْرِكةَ بن إلياس، والنسبة إليه هُذَلي على غير قياس، وهُذَيْلي على القياس، والنادر فيه أكثر على ألسنتهم، وهي قبيلة كبيرة، وهم أكثر أهل وادي نَخْلَةَ المجاور لمكة حرسها الله تعالى وأَعْرَقَتْ هذه القبيلة في الشعر. والأربعة الباقية: ابن عباس مرَّ في الخامس، والزُّهْري في الثالث، ويونُس ومَعْمر في المتابعة بعد الرابع. وهذا الحديث أخرجه البخاري في خمسة مواضع هنا كما ترى، وفي صفة النبي ﵊ عن عَبْدان، وفي الصوم عن موسى بن إبراهيم، وفي فضائل القرآن عن يحيى بن قَزَعة، وفي بدء الخلق عن ابن مُقَاتل، ومسلم في فضائل النبي ﵊ عن ابن أبي مُزَاحم وغيره. لطائف إسناده: منها أنه اجتمع فيه عدة مَراوِزَة بن المُبارك، وراوياه. ومنها أن البخاري حدث هذا الحديث عن شيخين عَبْدان وبِشْر كليهما عن عبد الله بن المُبارك، والشيخ الأول ذكر لعبد الله شيخًا واحدًا وهو يونس، والثاني ذكر له شيخين يونُس ومَعْمَرًا، أشار إليه بقوله: ومعمر نحوه، أي نحو حديث يونس باللفظ، وعن معمر بالمعنى، ولأجل هذا زاد فيه لفظ "نحوه"، ومنها زيادة الواوٍ في قوله: وحَدَّثنا بشْر، وهذا يسمى واو التحويل من إسناد إلى آخر، ويُعَبَّر عنها غالبًا بصورة "ح" مهمله مفردة وهكذا وقع في بعض النسخ، قال النووي: وهذه الحاء كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري. وعادة المحدثين أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ح مهملة مُفردة، واختلفوا هل هي مأخوذة من الحائل، أو من الحديث، أو من التحويل، أو من صح؟ وهل يُنْطَق بها حاء، أو بما رُمِزَ بها له عند المرور بها في القراءة أو لا؟ فاختار الحافظ أبو

стр. 322

محمَّد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي -بضم الراء- الحَنْبَلي أنها من حائل تَحُول بين الشيئين لأنها حالت بين الإِسنادَيْن، وأنها لا تُقْرأ، واختار ابن الصَّلاح أن المارَّ بها يَنْطِقُ بها كما كُتِبَتْ، واختار بعضُ علماء الغَرْب أنها من الحديث وأن المارَّ بها يقول مكانها الحديث، واختار النوويَ أنها من التحويل من سند إلى آخر، وقال ابن الصَّلاح: إنها مختصرة من صح لأنها كتبت مكانها، فهي رمز، قال: وحسن إثبات صح هنا لئلا يُتَوَهَّمَ أن حديث هذا الإِسناد سَقَطَ، ولئلا يُرَكَّبَ الإِسناد الثاني على الأول فَيُجْعَلا إسنادًا واحدًا، وقيل: لا يُرْمَزُ عند، المرور بها بشيىء، وزَعَمَ بعضهم أنها معجمة أي: إسناد آخر، وإلى هذا أشار العراقي بقوله: وَكَتَبُوا عِنْدَ انْتِقالٍ من سَنَدْ ... لِغَيْرِهِ (ح) وانْطِقَنْ بها وَقَدْ رَأَى الرُّهَاوِيُّ بِأَنْ لَا تُقْرآ ... وَأَنَّها مِنْ حَائِلٍ وَقَدْ رَأَى بَعْضُ أُولي الغَرْب بِأَنْ يَقُولا ... مَكَانَها الحَدِيثَ قطّ وَقِيْلَ بَلْ حَاءُ تَحْويِلٍ وَقَاَلَ قَدْ كُتِبْ ... مَكَانَها صَحَّ فَحا مِنْها انْتُخِبْ الحَديث السابع ٦ - باب * ٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لاَ قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ:

стр. 323

أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لاَ وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ. وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ. وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ:

стр. 324

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ. فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا. فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ، فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ -صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ- سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِى النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِى النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلاَّ الْيَهُودُ، فَلاَ يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لاَ؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوا أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِى الْعِلْمِ. وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ. فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِى دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِى الْفَلاَحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا

стр. 325

حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ. وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ. [الحديث ٧ - أطرافه في: ٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١] هِرَقْل هو بكسر الهاء وفتح الراء كدمشق، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، وحُكِيَ فيه هِرْقِل بكسر الهاء والقاف وسكون الراء كخِنْدِف، قال دِعْبِل الخُزَاعي: أَوْلى الأُمور بَضَيْعَةٍ وَهَوَانِ ... أَمْرٌ يُدَبِّرُهُ أبو عَبّادِ وَكَأنَّهُ مِنْ دير هِرْقِلَ مُفْلتٌ ... حَرِدٌ يَجُرُّ سَلاسِلَ الأَقْيادِ وقيل: إنه ضرورة، وأبو عبّاد وزير المأمون، ولقبه قَيْصَر، كما يلقب ملك الفرس كسرى، مَلَكَ الروم إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو أول من ضَرَبَ الدنانير، وأحدث البيعة، ومعنى قيصر: التَّبْقيْر، والقاف على لغتهم غير صافية، وذلك أن أمه لما أتاها الطَّلْقُ به ماتت فَبُقِر بطنها عنه، فخرج حيًّا، وكان يَفْتَخِرُ بذلك لأنه لم يخرج من فَرْج، واسم قيصر في لغتهم مشتق من القطع، لأن أحشاء أمه قطعت حتى أُخْرِج منها حيًّا، وكان شجاعًا جَبّارًا مِقْدامًا في الحروب، وكل من ملك التُّرْكَ يقال له: خَاقَان، والحبشة: النَّجاشي، والقِبْط: فرعون، ومصر: العزيز، وحِمْيَر: تُبَّع، والهند: بهمن، والصين: فنفور، والزَّنْج: غانة، واليونان: بَطْليموس، واليَهود: قيطون أو ماتح، والبَرْبر: جَالُوت، والصَّابئَة: نمرود، واليمن: تبع، وفرغانة: إخشيد، والعرب من قبل العجم: النُّعمان، وإفريقيَّة: جرجير، وخُلاط: شَهْرمان، والسِّنْد: فور، والخزر: تبيل، والنّوبة: كابل، والصَّقالبة: ماجدًا، والأَرْمَن: تقفور، والاجات: خدواندكار، واشروشنة: افشين، وخوارزم: خوارزم شاه، وجرجان: صول، وأذربيجان: اصبهبند،

стр. 326

وطبرستان: سالار، ونيابة ملك الروم: مشتق، وإسكندرية: ملك مقوقس. فإن قلت: ما معنى الحديث: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده"؟ قلت: معناه لا قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق، قاله الشافعي في المختصر، وسبب الحديث أن قريشًا كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارة في الجاهلية، فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإِسلام، فقال ﵊: لا قيصر ولا كسرى أي بعدهما في هذين الإِقليمين، ولا ضرر عليكم، فلم يكن قيصر بعده بالشام، ولا كسرى بعده بالعراق، ولا يكون. وقوله: "أرسل إليه" أي: إلى أبي سُفيان في ركب من قُرَيْش، أي حال كونه في ركب، وإنما خصه بالذكر لأنه كان رئيسهم، والرَّكْبُ جمع راكب كصَحْب وصاحب، وهم أولو الإِبل العشرة فما فوقها، "ومن قريش" صفة لركب، وحرف الجر لبيان الجنس أو للتبعيض، وكان عدد الركب ثلالين رجلًا، كما عند الحاكم في "الإِكليل" وعن ابن السَّكَنْ: نحو من عشرين، وعند ابن أبي شَيْبَة بإسناد صحيح إلى سعيد بن المُسَيِّب أن المغيرة بن شُعبة منهم، واعترضه البَلْقِيني بسبق إسلام المغيرة، فإنه أسلم عام الخندق فيبعد أن يكون حاضرًا ويسكت مع كونه مسلمًا. قلت: لا بعد في هذا فإن الحديث لم يقع فيه ما يحتاج إلى الكلام، مع أن هِرَقْل لم يأذن بالكلام إلا لمن سأله، ووجه السؤال إلى أبي سفيان خاصَّة، وقد مر في أنساب الحديث الأول الكلام على قريش مستوفىً. وقوله: "كانوا تُجّارًا بالشام" جملة حالية، وتُجارًا بضم التاء وتشديد الجيم، وبكسر التاء وتخفيف الجيم وزن كلاب، جمع تاجر، والشام بالهمز وتركها، وهو متعلق بتجارًا أو بكانوا، قيل: سمي بذلك لشامات هناك حمر وسود، وقيل: سمي بذلك لكثرة قراه وتداني بعضها ببعض

стр. 327

فشبهت بالشامات، وقيل: مأخوذ من الشُّؤمَى وهي اليُسرى، لأنه عبارة عن يسار الكعبة، وحَدُّه طولًا من العريش إلى الفرات، وقيل: إلى بالِس، وحدُّه عرضًا فمن جبل طَيِّىءْ من نحو القبلة إلى بحر الروم، وما يسامت ذلك من البلاد. وقوله: "في المدة التي كانَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مادّ فيها أبا سفيانَ وكفار قريش" مادَّ بتشديد الدال، أصله، مادد، فأدغم الأول في الثاني من المثلين، وهي مدة صُلح الحِّدَيْبِية سنة ست، وكفار بالنصب مفعول معه، أو عطف على المفعول به وهو: أبا سفيان، ومدة الهُدنة عشر سنين كما عند أبي داود من حديث ابن عمر، وقيل: أربع سنين كما عند أبي نُعَيْم، والحاكم في "المستدرك". وقوله: "فأتوه" الفاء فصيحة، تقدير المحذوف: أرسل إليهم في طلب إتيان الركب، فجاء الرسول يطلب إتيانهم، فأتوه، كقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ أي: فضرب، فانفجرت، وفي "الدلاَئل" لأبي نُعَيْم تعيين الموضع، وهو غَزَّة، وكانت وجه متجرهم. وقوله: "وهم بإيْلِيَاءَ" يعني: هِرَقْل وجماعته، وفي رواية: "وهو بإيْلِيَاء" الباء بمعنى في، وإيْلياء -بكسر الهمزة، وياء ساكنة، ثم لام مكسورة، وياء مفتوحة ممدودة- بوزن كِبْرياء، وهو بيت المقدس، وإيْلِيَا بالقصر، وإلْيَاء بحذف الياء الأولى وسكون اللام بوزن إعطاء، وإيْلاء مثله لكن بتقديم الياء على اللام، وإيْلِيّا بتشديد الياء الثانية والقصر، والإِيْلِياء، وقيل: في معناه: بيت الله، وسبب كونه بإيلياء هو ما رواه الطَّبري، وابن عبد الحَكَمْ أن كسرى أَغْزى جيشَه بلاد هرقل، فخربوا كثيرًا من بلاده، ثم استبطأ كِسرى أميره، فأراد قتله وتولية غيره، فاطَّلَعَ أميره على ذلك، فباطن هِرَقْل، واصطلح معه على كسرى، وانهزم عنه بجنود فارس، فمشى هِرَقْل إلى بيت المقدس شكرًا لله على ذلك، وكانت تُبْسَطُ له البُسْطُ، وتوضع عليها الرَّياحين، فيمشي عليها.

стр. 328

وقوله: "فَدَعاهُم في مجلسه" أي: في حال كونه في مجلسه، وللمؤلف في الجهاد: "فَدَخَلْنا عليه فإذا هو جالس في مجلس ملكه، وعليه التَّاج. وقوله: "وحوله" بالنصب ظرف مكان، وحول الشيء: المحيط به من جوانبه، وفيه أربع لغات: حول كما هنا، وحَوَالي كحديث "اللهم حوالينا" وأحْوال كقوله: وأَنْتَ تَرَى السُّمَّار أَحْوالي. وحَوالَ كقوله: أَهَدَموا بَيْتَكَ لا أبَا لَكَا ... وأَنا أَمْشِي الدَّأَلَى حَوالَكا وقوله: "عظماء الروم" جمع عظيم، وفي رواية وعنده بطارِقَتهُ، والقِسِّيسون والرُّهْبان، والروم من ولد عِيْص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉، ودخل فيهم قبائل من العرب من تَنوخ وبهراء وشليخ وغيرهم من غَسَّان، كانوا سُكّانًا بالشام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم، فاستوطنوها، فاختلطت أنسابهم. وقوله: "ثم دعاهم" عطف على قوله: "فدعاهم" وليس بتكرار، فالمعنى: إن أمر بإحضارهم، فلما أُحْضروا وقعت مهلة، ثم اسْتَدناهم كما أشعر بذلك الأداة الدالة عليه. وقوله: "ودعا تَرْجُمانه" بالنصب على المفعولية، وفي رواية: "بِتَرْجُمانه"، وفي رواية: "بالتَّرْجُمان" وفيه لغات بضم التاء والجيم، وبفتحهما، وبفتح التاء وضم الجيم، وبالعكس، وهو المفسر لغة بلغة، يعني: أرسل إليه رسولًا أحضره بصحبته، أو كان حاضرًا واقفًا في المجلس كما جرت به عادة ملوك الأعاجم، ثم أمره بالجلوس إلى جَنْبِ أبي سفيان ليعبر عنه بما أراد، ولم يسم هذا الترجمان. وقوله: "فقال: أَيُّكُم أَقْرَبُ نَسَبًا بهذا الرجل" قال: أي الترجمان على

стр. 329

لسان هِرَقْل، زاد ابن السَّكَن: "الذي خرج في أرض العرب يَزْعُم أنه نبي"، وعَدَّى أقرب بالباء لأنه ضمنه معنى أقعد، وفي رواية للمؤلف في آل عمران، ومسلم: "مِنْ هذا الرَّجُل" على الأصل، وفي رواية للمؤلف في الجهاد: "إلى هذا الرجل" فإن أقرب تتعدى بإلى كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ والمفضل عليه محذوف، أي: من غيره. وقوله: "الذي يَزْعُمُ" عند ابن إسحاق: "الذي يَدَّعي" والزعم بمعنى القول كما قال الجَوْهَريُّ. وقوله: "فقال أبو سُفْيان: قلت: أنا أقربُهم نَسَبًا" وفي رواية: "أنا أقربُهم به نسبًا" وأقربية أبي سفيان لكونه من بني عبد مَناف، وهو الأبُ الرابع للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأبي سفيان، وخَصَّ هِرَقْلُ الأقرب، لكونه أحْرى بالاطِّلاع على ظاهره وباطنه، أكثر من غيره، ولأن الأِبعد لا يُؤمَنُ أن يقْدَحَ في نسبه بخلاف القريب، وما يُقال من أنَّ القريب مُتَّهمٌ في الإِخبار عن نسب قريبه بما يَقْتضي شرفًا وفخرًا ولو كان عدوًّا لدخوله في شرف النسب الجامع لهما غير وارد، لأن عداوة الكفر تمنع ذلك، ولحضور جماعته معه. وقوله: "فقال: أدْنُوهُ منّي" قال، أي هِرَقْل، وأدنوه بهمزة قطع، وإنما أمر بإدناء أبي سفيان لِيُمْعِنَ في السؤال، ويَشْفِيَ غليله. وقوله: "وقَرِّبُوا أصحابه واجعلوهُمْ من وراء ظهره" أي: لئلا يَسْتَحْيُوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، كما في رواية الواقِدِيِّ تصريحًا. وقوله: "ثم قالَ التَرْجُمان: قُل لهم إني سائلٌ هذا" يعني أبا سفيان "عن هذا الرَّجل " يعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأشار إليه إشارة القرب لقرب العهد بذكره، أو لأنه معهودٌ في أذهانهم. وقوله: "فإن كَذَبَنِي" بتخفيف الذال أي: نقل إلى الكذب. وقوله: "فكذَّبوه" بتشديد الذال، وكذب بالتخفيف يتعدى إلى

стр. 330

مفعولين كصدق، ويقال: كذبته الحديث، وصدقته الحديث، وبالتشديد يتعدى إلى مفعول واحد، وهما من الغرائب، لأن الغالب أن الزيادة تناسب الزيادة، والأمر هنا بالعكس. وقوله: "قال: فواللهِ لولا الحياءُ من أن يَأْثُروا عليَّ كذبًا لكذبت عنه" قال، أي: أبو سفيان، والحياء لغة تغير وانكسار يَعْتَري الإِنسان من خوف ما يُعاب به ويُذَمّ، ويَأْثُروا بضم المثلثة وكسرها أي يَنْقُلوا أو يرووا، وعلي بمعنى عني، والكذب هو عدم موافقة الخبر للواقع، أي: الخارج، هو ما في نفس الأمر، والصدق هو موافقة الخبر للواقع هذا هو الصحيح في تعريفهما. وقوله: "لكَذَبْت عنه"، أي أخبرت عن حاله بكذب لبُغْضي إياه، وفي رواية: "لكذبت عليه" وإنما قال: أن يَأْثُروا، دون أن يقول: يكذبوني لأنه كان واثقًا بأنهم لا يكذبونه لو كذب لاشتراكهم معه في عداوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لكنه ترك ذلك استحياء وأنَفَةً من أن يَتَحَدَّثوا بذلك بعد أن يَرْجِعوا فيصير عند سامعي ذلك كِذّابًا، وفي "ابن إسحاق" التصريح لذلك، قال أبو سفيان: فوالله ما رأيت من رجل قَطُّ كان أدهى من ذلك الأقلف، أي هِرقْلَ. وقوله: "ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيفَ نسبُهُ فيكم؟ " أول بالنصب خبر كان، واسمها ضمير الشأن، "وأن قال" بدل من قوله: "ما سألني ويجوز أن يكون أن قال اسم كان، وخبرها أول ما سألني، والتقدير ثم كان قوله كيف نسبه فيكم أول ما سألني عنه؟ ويجوز رفعه اسمًا لكان، وذكر العَيْني وروده رواية، وقال في الفتح: جاءت الرواية بالنصب، ويجوز رفعه على الاسمية، لكن قال الدّمامِيْني: إن جواز النصب والرفع لا يَصِحُّ على إطلاقه، والصواب التفصيل، فإن جعلنا ما نكرة بمعنى شيء تعين نصبه على الخبرية، وذلك لأن أن قال مؤول بمصدر معرفة، بل قال ابن هشام: إنهم حكموا له بحكم الضمير، فتعين إذًا أن يكون هو اسم كان، وأول ما سألني هو الخبر ضرورة لأنه متى اختلف الاسمان

стр. 331

تعريفًا وتنكيرًا فالمعرف الاسم، والمنكر الخبر، ولا يعكس إلا في الضرورة، وإن جعلناها موصولة جاز الأمران لكن المختار جعل "أن قال" هو الاسم لكونه أعرف، وقوله: "كيف نسبه فيكم" أي: ما حال نسبه فيكم، أهو من أشرافكم أم لا؟. وقوله: "قلت: هُو فينا ذُو نسب" أي صاحب نسب عظيم، فالتنوين للتعظيم على حد قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]. وقوله: "قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قطُّ؟ " قال، أي: هِرَقْل، وقَطُّ: ظرف مستغرق لماضي الزمان، وقد مر ما فيه من اللغات في الحديث الثالث، ومر هناك أنها لا تستعمل غالبًا إلا بعد النفي، وهنا جاءت بعد الاستفهام، وله حكم النفي، فكأنه قال: هل قال هذا القول أحد منكم أم لم يقله أحد قط؟ وقوله: "منكم" أي من قومه، يعني: قُرَيْشًا أو العرب، ويستفاد منه أن الشفاهي يعم لأنه لم يرد المخاطبين فقط، وكذا قوله: فهل قاتلتموه؟ وقوله: بماذا يأمركم؟. وقوله: "قبلة" بالنصب على الظرفية، وفي رواية: "مثله" بدل قوله: قبله، وحينئذ يكون بدلًا من قوله: "هذا القول". وقوله: "فهل كان من آبائه من ملك؟ " بزيادة من الجارة، وفي رواية: "ملك" بحذفها، وفي رواية: "مَنْ مَلَكَ" بفتح ميم من موصولة، وملك فعل ماض، والمعنى في الثلاثة واحد. وقوله: "قال: فأشراف الناس اتَّبَعوهُ أم ضعفاؤهم؟. قلت: بل ضعفاؤهم" فيه إسقاط همزة الاستفهام من قوله: "فأشراف الناس" وهو قليل، وقد ثبتت للمصنف في التفسير، ولفظه "أيَتَّبِعُه أشراف الناس" والشرف علو الحَسَبِ، والمجد، والمكان العالي، وقد شَرُف بالضم فهو شريف، وقومٌ شرفاءُ وأشراف. قلت: أجاب أبو سفيان هنا بأن الذين اتّبعوا النبي صلى الله تعالى

стр. 332

عليه وسلم ضعفاء قريش، وما أجاب به خلاف الواقع، لأن أول من تَبِعَ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من قريش العشرة المبشرون بالجنة، وخديجة بنت خُوَيْلد، والجميع أشراف، لأن الشرف إما بالنسب والحسب، أو بالمال، وكلهم ذو نسب وحسب، ومنهم من هو من أهل المال، كخديجة وأبي بكر، وعثمان، ولكن الله تعالى أنطق أبا سفيان بخلاف الواقع لنبينا ﵊ دَسِيسَةً منه كالآتية، أو من غير قصد ليوافق ما هو العادة الجارية في بني إسرائيل المقررة عند هِرَقْل، فيستدل بذلك على نبوته لموافقته لما هو الواقع لأنبيائه، فلا يُنْكِرُ نبوته، ونبينا ﵊ أعطاه الله خلاف ما أعطى لأنبياء بني إسرائيل من اتِّباع الأشراف له، ولما رأى ابن حَجَر هذا الإِيراد الواقع على أبي سفيان، قال: المراد بالأشراف هنا أهل النَّخْوة والتَّكَبُّر منهم، لا كل شريف، حتى لا يرد مثل أبي بكر وعمر وأمثالهما ممن أسلم قبل ذلك، وما قاله مُعْتَرَض من وجهين: أحدهما رواية ابن اسحاق عن أبي سفيان: "تبعه منا الضعفاء والمساكين، فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد" فإنه صرح في هذه الرواية بالمراد عنده بالضعفاء والأشراف، وهو خلاف الواقع. والثاني هو أن من أسلموا فيهم أهل النخوة والتكبر كالعمرين، وحمزة، وعثمان، وأبو سفيان في رواية ابن إسحاق نفى أن يكون أحد من الأشراف تبعه ﵊، وقول صاحب "الفتح" إن ذلك محمول على الغالب غير مستقيم، لأن الغالب في الذين أسلموا الأشراف أهل النسب والنخوة، فلا يصح في الجواب إلا ما ذكرته، ولعلك لا تجده في غير هذا المحل. وقوله: "قالَ: أيزيدون أم يَنْقُصُونَ" بثبوت همزة الاستفهام، وروى بإسقاطها في آل عمران، وجزم ابن مالك بجوازه مطلقًا، وخصه بعض بالشعر. وقوله: "فَهَلْ يَرْتَدُّ أحدٌ منهم سَخْطةً لدينه" سخطة بفتح السين وضمها مفعول لأجله أو حال، أي ساخطًا أي كراهة له وعدم الرضا، والسّخط

стр. 333

بلا تاء يجوز فيه الضم مع ضم الخاء وسكونه، والفتح مع تحريك الخاء، وهو أحد الأسماء العشرة التي يجوز فيها الفعل بضم الفاء وسكون العين، وبالتحريك، ونظمها بعض أصدقائنا، فقال: عشرَةُ أسما عَن الإِعراب جيءَ على ... وزنَينِ في ضَبطِهنَّ الفُعل والفَعلِ العُربُ والعُجمُ مع سُخطٍ ومعْ حَزَن ... رُشدٌ فَلَا تك عَن ذا الضَّبط في شُغُلِ بالوُلد مع سقمٍ فربَّما شَغلا ... واشدُد عليه يَدي ذي العُدمِ والبخلِ وقوله: "بعد أن يَدْخُلَ فيه" أخرج بهذا من ارتد مكرهًا، أو ارتد لا سَخَطًا لدين الإِسلام، بل لرغبة في غيره لحظٍّ نفساني، كما وقع لعبيد الله ابن جحش، فإن قيل: لِمَ لَمْ يكتف هِرَقْل بقوله: هل يزيدون؟ عن قوله: هل يرتد أحد منهم إلخ؟ أجيب بأنه لا ملازمة بين الازدياد والنقص، فقد يرتد بعضهم، ولا يظهر فيهم النقص لكثرة من يدخل، وقلة من يرتد، وإنما سأله عن الارتداد لأن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه، بخلاف من دخل في أباطيل. وقوله: "فهل كنتم تَتَهِّمونه بالكذب؟ " إلخ إنما عدل عن السؤال عن نفس الكذب إلى السؤال عن التُّهمة تقريرًا لهم على صدقه، لأن التُّهمة إذا انتفت انتفى الكذب بالأوْلى، ولذا عَقَّبَهُ بالسؤال عن الغدر وهو نقض العهد. وقوله: "ونحن منه في مدة" أي: مدة صلح الحديبية، أو غيبة، أو انقطاع أخباره عنا. وقوله: "لا ندري ما هو فاعلٌ فيها" فيه إشارةٌ إلى عدم الجزم بغدره. وقوله: "ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة" قال في "الفتح": التنقيص هنا أمر نسبي، لأن من يُقْطَع بعدم عذره أرفع رتبة ممن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، وقد كان ﵊ معروفًا

стр. 334

بالاستقراء، من عادته أنه لا يَغْدِر، ولكن لما كان الأمر مغيَّبًا لأنه مستقبل، أمن أبو سفيان من أن يُنْسَبَ في ذلك إلى الكذب، ولهذا أورده على التردد، ومن ثمَّ لم يُعَرِّجْ هِرَقْل على هذا القدر منه، وقد صرح بذلك في رواية ابن إسحاق عنه، فقال: "والله ما التَفَتَ إليها مني" و"غير" يحتمل فيها الرفع نعتًا لكلمة، والنصب نعتًا لشيء، وإنما ساغ نعتها للنكرة مع أنها مضافة إلى المعرفة، لأنها لا تتعرف بالإضافة، لتوغلها في الإِبهام، إلَّا إذا كانت بين متغايرين بالتضاد، ونحوه، كقوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وليس "غير" هنا كذلك. وقوله: "فَهَلْ قاتَلْتُموه؟ " نَسَبَ ابتداء القتال إليهم، ولم ينسِبهُ إليه ﵊، لما اطلع عليه من أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يبدأ قومه بالقتال. وقوله: "فكيفَ كان قِتَالُكُم إياه" فيه فصل ثاني الضميرين، وهو جائز الفصل والوصل كما قال ابن مالك: وَصِلْ أو افْصِل هاء سَلنيهِ وما ... أشبهه ............ إلخ وقوله: "الحرب بيننا وبينه سِجال" بكسر السين، أي نُوَبٌ. أي: نوبة لنا، ونوبة له، والسَّجْلُ: الدلو، شبه المحاربَين بالمستَقِيَيْن إذا كان بينهما دلو يستقي أحدهما دلوًا والآخر دلوًا، والحرب اسم جنس مبتدأ، خبره سِجال، وهو اسم جمع أو جمع، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى مُسَاجَلَة، وفي هذا القول تشبيه بليغٌ، شبه الحرب بالسجال، مع حذف أداة التشبيه، لقصد المبالغة، كقولك: زيد أسد إذا أردت المبالغة في شجاعته، فكأنه صار عين الأسد. وقوله: "يَنَالُ منا، وننال منه" جملة مفسرة لقوله: "سِجال"، والمفسرة لا محل لها من الإِعراب، وقيل محلها محل المفسر، وهو هنا الخبر، فيقدر لها حينئذ رابط يربطها بالمبتدأ، أي: ينال منا فيها، وننال منه فيها.

стр. 335

وقوله: "قال: ماذا يأمُرُكُم"؟ فيه حذف العائد، وفي بعض النسخ: "بما" وفي بعضها "فما" وفي اللفظ دلالة على أن الرسول من شأنه أن يأمر قومه. وقوله: "يقول: اعبدُوا اللهَ وَحْدَهُ ولا تُشْرِكوا به شيئًا" الجملة الأخيرة عطف على اعبدوا الله، وهو من عطف المنفي على المثبت، وعطف العام على الخاص، على حد: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] فإن عبادته تعالى أعم من عدم الإِشراك به، وفي رواية إسقاط الواو من "ولا تشركوا" وعليه يكون تأكيدًا لقوله: "وحده"، وفي الحديث دلالة على أن للأمر صيغة معروفة، لأنه أتى بقوله: اعبدوا الله في جواب ما يأمركم، وهو من أحسن الأدلة في هذه المسألة لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوي عن ابن عباس، بل هو من أفصحهم، وقد رواه عنه مقرًّا له. وقوله: "واتْرُكوا ما يَقُول آباؤُكم" يعني من عبادة الأوثان، وغيرها مما كانوا عليه في الجاهلية، وإنما ذكر الآباء تنبيهًا على عُذْرهم في مخالفتهم له، لأن الآباء قدوة عند الفريقين، عبدة الأوثان، والنصارى. وقوله: "ويأمُرُنا بالصَّلاة" يعني: المعهودة، المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، وفي رواية بزيادة: "والزكاة". وقوله: "والصدق" قد مر أنه مطابقة للخبر الواقع، وفي رواية: "والصدقة" بدل الصدق، ورجحها البلقيني، ويقويها رواية المؤلف في التفسير والزكاة، واعتياد اقتران الزكاة بالصلاة في الشرع، وما مر من كونهم كانوا يستقبحون الكذب، فَذِكْرُ ما لم يألفوه أولى، ولكن لا يَبْعُد أمره لهم بما هو من مألوفات كما في أمره لهم بوفاء العهد والأمانة، وقد كان من مألوفات عقلائهم، وقد ثبت في رواية اللفظان: الصدق والصدقة، وفي قوله: يأمرنا، بعد قوله: يقول: اعبدوا الله، إشارة إلى المغايرة بين الأمرين، لما يترتب على مخالفهما، إذ مخالف الأول كافر،

стр. 336

ومخالف الثاني ممن قبل الأول عاص. وقوله: "والعَفَاف" هو بفتح العين، ومعناه الكف عن المحارم وخَوَارم المروءة. وقوله: "والصلة" يعني للأرحام، وهي كل ذي رحم لا تَحِلُّ مناكَحَتُهُ، لو فرضت الأنوثة مع الذكورة، أو كل ذي قرابة، والصحيح عمومُهُ في كل ما أمر الله أن يوصل، كالصَدقة، والبر، والإِنعام. قال في "التوضيح" من تأمل ما استقرأه هِرَقْل من هذه الأوصاف، تبين له حسن ما استوصف من أمره، واستبرأ من حاله، ولله دره من رجل ما كان أعقله من رجل لو ساعدته المقادير بالاتِّباع وتخليد ملكه. وقوله: "وكذلك الرسل تُبْعث في نسب قومها" رُوي بالواو في "وكذلك" والفاء، وإنما جزم هِرَقْل بذلك لتقرره عنده من الكتب السالفة. وقوله: "لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَأَتسي بقَوْلٍ قيلَ قَبْلَهُ" ويَأْتَسي: أي يقتدي، ويَتَّبِع، وفيه روايتان بالياء المثناة من تحت ثم مثناة فوقية ثم همزة مفتوحة وسين مهملة، وبالياء المثناة من تحت وهمزة ساكنة، وإنما قال في هذه والتي بعدها: "فقلت" لأن هذين المُقَامَيْن مُقَامَا فكرٍ ونظرٍ، بخلاف غيرهما من الأسئلة، فإنها مقام نقل. وقوله: "رجلٌ يطلُبُ مُلْكَ أبيه" أفرد الأب في هذه الرواية ليكون أعذر في طلب الملك، بخلاف ما لو قال: "آبائه" أو المراد بالأب ما هو أعم من حقيقته ومجازه، ويدل على هذا روايته في آل عمران: "آبائه" بالجمع. وقوله: "إنَّه لَمْ يَكُن لِيَذَرَ الكذب على الناس إلخ": اللام فيه لام الجحود لملازمتها النفي، وفائدتها تأكيد النفي، نحو ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٨] أي: لم يكن ليدع. وقوله: "وهُم أتباعُ الرُّسُلِ" يعني غالبًا، لأنهم أهل الاستكانة،

стр. 337

بخلاف أهل الاستكبار المُصِرِّين على الشِّقاق بَغْيًا وحسدًا، كأبي جَهْل وأشباهه، إلى أن أهْلَكَهم الله تعالى، وأَنْقَذَ بعد حين من أراد سعادته منهم، ويُسْتَشْهَدُ لما قاله بقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، المفسر بأنهم الضعفاء على الصحيح. وقوله: "وكذلك الإِيمان حتى يَتِمَّ" أي: أمر الإِيمان، لأنه يظهر نورًا، ثم لا يزال في زيادة حتى يتم بالأمور المعتبرة فيه، من صلاة وزكاة وصوم، ولهذا نزلت في آخر سِنيّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] ومنه: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ التوبة: ٣٢] وكذلك جرى لأتباع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لم يزالوا في زيادة حتى كَمَل بهم ما أراد الله من إظهار دينه، وتمام نعمته. وقوله: "يُخَالِطُ بشاشَة القلوبَ" بإضافة بشاشة للقلوب منصوب على المفعولية، وفي رواية بشاشته بالرفع على الفاعلية، والقلوب منصوب على المفعولية، وتخالط بالتاء الفوقية، وبشاشَةُ القلوب هي انْشِراح الصدور، والفرح، والسرور بالإِيمان. وقوله: "وكذلك الرُّسُل لا تَعْذِر" أي: لأنها لا تَطْلُبُ حَظَّ الدنيا الذي لا يبالي طالبه بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة، ولم يُعَرِّجْ هِرَقْل على الدَّسِيسة التي دسها أبو سفيان، وسقط من هذه الرواية إيراد تقرير السؤال العاشر، والذي بعده، وجوابه، وقد ثَبَتَ الجميعُ في رواية المؤلف التي في الجهاد، ويأتي الكلام عليه ثَمَّ إنْ شاء الله تعالى قاله في "الفتح". قلت: لم أَرَ في الرواية الآتية زيادة تقرير إلا في كيفية القتال، فإنه قال هناك: وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل وأن حربكم وحربه يكون دُوَلًا يُدال عليكم المرة وتُدالون عليه الأخرى، وكذلك الرسل تُبْتَلى وتَكُون لهم العاقبة. وقوله: "وَسَأَلْتُكَ بما يأمُركُم" فيه إثبات الألف بعد ما الاستفهامية،

стр. 338

وهو قليل، وأجيب عنه بأن ما موصولة، والباء بمعنى عن متعلق بسألت، نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٩] والعائد محذوف، ويقدر حينئذ منصوبًا لا مجرورًا، لئلا يلزم على ذلك حذف العائد المجرور بغير ما جر به الموصول، أي: معنى، لأن الباء الأولى معناها عن، وذلك ممنوع فيقدر يأمركم إياه أو يأمركموه، وحذف حرف الجر من مفعول أمر الثاني، نحو: أمرتك الخير، جائز. وقوله: "فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تُشرْكوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان" جمع وثن وهو الصنم. وقوله: "ذَكَرْتَ أنه يأمركم" قاله هِرَقْل بالاقتضاء، لأنه ليس في كلام أبي سفيان ذكر الأمر، بل صيغة، وذكره النهي عن عبادة الأوثان مستفاد من قوله: "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا واترُكوا ما يقولُ آباؤكم" لأنه مقولهم الأمر بعبادة الأوثان، وقد قال ابن بَطّالٍ: إن هذه الأشياء التي سأل عنها هِرَقْل ليست قاطعة على النبوة، إلا أنه يُحْتَمل أنه كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه، لأنه قال بعدَ ذلك: "قَدْ كُنْت أعلم أنه خارجٌ وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أنه منكم". وقوله: "فإن كان ما تقول حقًّا" أي: صدقًا، لأنه خبر، وهو يحتمل الصدق والكذب. وقوله: "مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هاتين" يريد به أرض بيت المَقْدس، أو أرض ملكه جميعًا. وقوله: "كُنْتُ أعلم أنه خارجٌ" وفي رواية: "فإنه نبي" وفي رواية: "وهذه صفةُ نبي" وإنما قال ما قال لما عنده من علامات نبوته ﵊، الثابتة في الكتب القديمة. وفي "أمالي" المَحَامِليّ عن أبي سفيان أن صاحب بُصْرى أخذه هو وناسًا معه في تجارة، فقال له: أخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها، قلت: نعم،

стр. 339

قال: فَأُدْخِلْتُ كنيسةً لهم فيها الصور، فلم أره، ثم أُدْخلت أخرى، فإذا أنا بصورة محمَّد وأبي بكر. وقوله: "فَلَوْ أني أعلم أني أَخْلُصُ إليه" في رواية إسقاط "أني" الأولى، وأَخْلُصُ بضم اللام، أي: أصل إليه. وقوله: "لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ" بالجيم والشين المعجمة، أي: تكلفته على ما فيه من المشقة، قال ابن بَطّال: وهذا التَّجَشُّمُ هو الهجرة، لأنها كانت فرضًا على كل مسلم قبل الفتح. وفي مُرْسَل ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم أن هِرَقْل قال: ويْحكَ، واللهِ إني لأعلم أنه نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، ونحوه عند الطبراني بسند ضعيف فقد خاف على نفسه، ولو تَفَطَّن لقوله ﵊ في الكتاب الذي أرسله إليه: "أَسْلِمْ تَسْلَم" وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا والآخرة، لسلم لو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله تعالى. وقوله: "لَغَسَلْتُ عن قدميه" وفي رواية قدمه بالإِفراد، ضَمَّن غسل معنى زال، أي لأَزَلْت عن قدميه ما لعله يكون عليهما، مبالغةً في خدمته، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] ضَمَّنَ يخالفون معنى يصدون، وفي رواية عن عبد الله بن شَدّاد: "لو عَلِمْتُ أنه هو لمَشَيْتُ إليه حتى أقبل رأسه وأغْسِل قدميه" وفي آخرها: "ولَقَدْ رأيت جبهته تَتَحادَرُ عَرَقًا من كَرْبِ الصَّحيفة لما قرىء عليه كتاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" وفي اقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة إلى أنه إذا وصل إليه سالمًا لا يطلب منه ولاية ولا منصبًا، وإنما يطلب منه ما يحصل له من بركته. وقوله: "ثُمَّ دعا بكتابِ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" أي: دعا مَنْ وكله بالكتاب، فمفعول دعا محذوف، ولهذا عُدِّيَ إلى الكتاب بالباء.

стр. 340

وقوله: "بَعَثَ به دِحْية" بالرفع على الفاعلية، وهو بفتح الدال وكسرها، ويأتي تعريفه في تعريف رجال الحديث، وفي رواية: "بعث به مع دِحْية" أي: بعثه ﵊ مع دِحْية، وكان ذلك سنة ست بعد رجوعه من الحديبية. وقوله: "إلى عظيم بُصرى" بضم الباء مقصور، مدينة حَوْرَان، أي: أميرها، وهُو الحارِثُ بنُ أبي شَمّر الغَسّاني. وقوله: "فَدَفَعَهُ إلى هِرَقْل" فيه مجاز، لأنه أرسل به إليه صحبة عَدِيّ بن حاتِم، وكان إذ ذاك نصرانيًا، فوصل به هو ودِحْية معًا إلى هِرَقْل، كما في رواية ابن السَّكَن في الصحابة، وكان وصوله إليه سنة سبع على الصحيح. وقوله: "فَقَرَأَهُ" يحتمل أنه قرأه بنفسه، ويحتمل أن الترجمان قرأه بأمره، وهذا الأخير هو الذي في رواية الواقِديّ، فإنه قال: دعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية، فقرأه. وقوله: "فإذا فيه بِسمِ اللهِ الرّحْمن الرحيم" فيه استحباب تصدير الكتاب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فإن المبتدأ به البسملة، ومن سليمان عنوان الكتاب، فعرفت بِلْقِيس كونه من سليمان بقراءة عنوانه، فلذلك قالت: إنه من سليمان فالتقديم واقعٌ في حكايته الحال. وقوله: "من محمَّد عبد الله ورسوله" وصف نفسه الشريفة بالعبودية تعريضًا ببطلان قول النصارى في المسيح: إنه ابن الله، لأن الرسل مستوون في أنهم عباد الله، وفي رواية: "محمَّد بن عبد الله ورسول الله" وفي الحديث أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو قول الجمهور. وقوله: "إلى هِرَقْل عظيم الروم"، بجر عظيم بدل من سابقه، ويجوز الرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، أي: المعظم عندهم،

стр. 341

فعدل عن ذكره بالملك أو الإِمرة لأنه معزولٌ بحكم الإِسلام، لكنه لم يخلِهِ من إكرام لمصلحة التألف، وذكر المَدَائِنيُّ أن القارىء لما قرأ من محمد رسول الله غضب أخو هرقل، واجتذب الكتاب، فقال له هِرَقْل: مالك؟ فقال: لأنه بَدَأ بنفسه، وسمّاك صاحب الروم، قال: إنك لضعيف الرّأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله إنَّه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقًد صدق أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه. وقوله: "سلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى" سلامٌ بالتنكير، وعند المؤلف في الاستئذان بالتعريف، والهدى: الرشاد، وهذا كقول موسى وهارون لفرعون ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] والظاهر أنه من جملة ما أُمر به، أي: يقولاه، وليس فيه ابتداء الكافر بالسلام، لأن معناه سلم من عذاب الله من أسلم، وهو لم يسلم، فليس ممن اتَّبع الهُدى، فاللفظ ليس مرادًا به التحية إلَّا على من اتَّبع الهُدى، فهو خارج منه. وقوله: "أما بَعْدُ" مبني على الضم لقطعه عن الإِضافة المنوية، وأما فيها معنى الشرط، وتستعمل لتفصيل ما يذكر بعدها غالبًا، وتأتي مستأنفة لا لتفصيل كما هنا، وللتفصيل والتقرير، وهي هنا للفصل بين كلامين، واختلف في أول من قالها، فقيل: داود، وإنها هي المراد بقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] وقيل: يَعْرُب بن قَحْطان، وقيل: كَعْب بن لُؤَيّ، وقيل: قُسُّ بن سَاعِدَة، وقيل: سحبان، وفي غرائب الدَّارَقُطني لمالك: إن أول من قالها يعقوب ﵇، فإن ثبت، وقلنا: إن قَحْطان من ذرية إسماعيل فيَعْقُوب أول من قالها مطلقًا، وإن قُلنا: إن قحطان قبلَ إبراهيم فَيَعْرب أول من قالها. وقوله: "فإني أدْعُوك بِدِعايةِ الإِسلام" بكسر الدال، ولمسلم والمؤلف في الجهاد: "بداعية الإِسلام" أي: بالكلمة الداعية إلى الإِسلام، وهي: الشهادتان، والباء بمعنى إلى.

стр. 342

وقوله: "أسلِم تَسْلَم" الأول فعل أمر من الإِسلام، والثاني بفتح اللام مُضارع من السلامة، مجزوم، جواب للأمر، وفيه غاية الاختصار والبلاغة، مع ما فيه من البديع وهو الجناس الاشتِقاقي، وهو أن يرجِعَ اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد. وقوله: "يُؤْتِكَ الله أَجرَكَ مرتين" هو بحذف حرف العلة، مجزوم جواب ثان، وإعطاء الأجر مرتين لكونه آمن بنبيه، ثم آمن بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، أو من جهة أن إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه، وللمؤلف في الجهاد: "أسلم تَسلَم وأسلِم يُؤْتِكَ الله" بتكرار أسلم مع زيادة الواو قبل الثانية، فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن يكون الأمر الأول للدخول في الإِسلام، والثاني للدوام عليه، نحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] والحديث موافق لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] واستنبط منه أن كل من دان بدين أهل الكتاب يكون في حكمهم في المناكحة والذبائح، لأن هِرَقْل وقومه ليسوا من بني إِسرائيل، وهم ممن دخل في النَّصرانية بعد التبديل، وقد قال له ولقومه: يا أهل الكتاب، فدل على أن لهم حكم أهل الكتاب، خلافًا لمن خَصَّ ذلك بالإِسرائيليين، أو بمَنْ علم أن سَلَفَه ممن دخل في اليهودية أو النَّصرانية قبل التبديل. وقوله: "فإن تَوَلَّيت" أي: أعرضت عن الإِجابة في الدخول في الإِسلام، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه، ثم استُعْمل مجازًا في الإِعراض عن الشيء، وهي استعارة تبعية. وقوله: "إثم الأرِيسيين" فيه أربع روايات بهمزة أوله مفتوحة جمع أريس ككريم، وبالياء بدل الهمزة، وبالهمزة والياء أيضًا مع زيادة ياء مشددة مكسورة بعد السين ممدودة بأخرى، والأريسون: الأكّارُون أي: الفلاحون الزراعون، أي: عليك إثم رعاياك، أي الذين يَتَّبِعونك ويَنْقادون لأَمْرك، أي وإذا كان عليه إثم الأتباع بسبب اتّباعهم له على استمرار الكفر فَلَأنْ

стр. 343

يكونَ عليه إثم نفسه أولى، ونبه بالأَريسينَ على جميع الرعايا لأنهم الأغلب في رعاياه، وأسرع انقيادًا فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا، وقال أبو عُبيدة: المراد بالفلاحين أهل مملكته، لأن كل من كان يزرع فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلي ذلك بنفسه أم بغيره، وقيل: هم الأجراء، وقيل: الخدم والخَوَل لصده إياهم عن الدين، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ الآية [الأحزاب: ٦٧] وقيل: العَشّارون، يعني: أَهْل المَكْس، وقيل: كان أهل السواد أهل فِلاحة، وكانوا مجوسًا، وكان الروم أهل صناعة، فَأُعلموا بأنهم وإن كانوا أهل كتاب، فإن عليهم من الإِثم إن لم يؤمنوا مثل إثم المجوس الذين لا كتاب لهم، وكونه عليه إثم أتباعه لا يُعارض قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لأن الفاعل المتسبب والمتلبس بالسيِّئات يتحمل من جهتين، جهة فعله، وجهة تسببه، كما قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]. وقوله: و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ في أكثر النسخ إثبات الواو، وفي بعضها كما قال عِيَاض: إسقاطها، فعلى الإِسقاط يكون بيانًا لقوله: "دعاية الإِسلام"، وعلى الإِثبات تكون الواو عاطفة على قوله: "أدعُوك" أي: أدعوك "بدعاية الإِسلام"، وأدعوك بقوله تعالى، أو أتلو عليك، أو أقرأ عليك: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] وعلى هذا لا تكون الواو زائدة في التلاوة، لأنها إنما دخلت على محذوف، ولا محذور في ذلك، وحذف المعطوف مع بقاء معموله جائز، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر:٩] أي: وأخلصوا الإِيمان، أو ألفوه وقول الشاعر: وَزَجَّجْنَ الحَوَاجِبَ والعُيونا أي: وكَحَّلْنَ، وقيل: إنه ﵊ كتب ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظه لفظها لمّا نزَلت، لأنها نزلت في وفد نَجْران سنة الوُفود سنة تسع، وقصة أبي سفيان قبل ذلك سنة ست، وقيل: نزلت في

стр. 344

اليهود، وقيل: نزلت مرتين، وقد قيل: إن في هذه القصة دليلًا على جواز قراءة الجُنُب للآية والآيتين، وإرسال بعض القرآن إلى أرض العدو، والمأخذ صحيح إذا وقع احتياج إلى ذلك كالإِبلاغ والإِنذار كما في هذه القصة، أو الاستدلال، أو التعوذ، وأما الجواز مطلقًا حيث لا ضرورة فلا يتجه، وقد اشتملت هذه الجمل القليلة التي تضمنها هذا الكتاب على الأمر بقوله: "أَسْلِمْ" والترغيب بقوله: "تَسْلَمْ" "وَيُؤتِك" والزجر بقوله "فإن توليت" والترهيب بقوله: "فإنَّ عليك" والدلالة بقوله: "يا أهل الكتاب" وفي هذا من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا وهو كلام من أُوتي جوامع الكلم؟. وقد ذكر السُّهَيْلِي أنه بلغه أن هِرَقْل وضع الكتاب في قصبةٍ من ذهب تعظيمًا له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طُلَيْطُلَة، ثم كان عند سبطه، وكان عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين، اجتمع بذلك الملك، فأخرج له الكتاب، فلما رآه استعبر، وسأله أن يمكِّنَهُ من تقبيله، فامتنع، وحُكِي أن ملك الفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصالحي أخرج لسيف الدين قِلجْ صندوقا مصفّحا بالذهب، واستخرج منه مقلمة من ذهب، فأخرج منها كتابًا زالت أكثر حروفه، وقد التصقت عليه قطعة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غايةَ الحفظ، ونُعَظِّمه ونكتمُه عن النصارى ليدوم الملك فينا. ويؤيد هذا ما في المسند من حديث سعيد بن أبي راشد التَّنُوخي رسول هِرَقْل، أن النبي ﷺ عرض عليه الإِسلام فامتنع، فقال له: يا أخا تَنُوخ، إني كتبت إلى ملككم بصحيفة، فأمسِكْهَا، فلن يزال الناس يجدون منه بأسًا ما دام في العيش خير، وكذا ما أخرجه أبو عبيد، عن عُمَير بن إسحاق، قال: كتب النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، أما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه، ثم رفعه، فقال رسول الله ﷺ : أما هؤلاء فَيُمَزَّقُون، وأما هؤلاء

стр. 345

فستكون لهم بقية. وقوله: "فَلَما قالَ ما قال" أي الذي قاله، يحتمل أن يُشيرَ بذلك إلى الأسئلة والأجوبة، ويُحتمل أن يشير بذلك إلى القصة التي ذكرها ابن النَّاطور بعدُ، والضّمائر كلُّها تعود على هِرَقْل. وقوله "كثر عنده الصَّخَب" هو بالصاد المهملة، والخاء المعجمة مفتوحتين أي: اللَّغَطُ، وهو اختلاط الأصوات في المخاصمة، زاد في الجهاد: "فلا أدري ما قالوا". وقوله: "فَقُلْتُ لأصحابي زاد في الجهاد": "حِينَ خَلَوْتُ بهم". وقوله: "لقد أَمِرَ" بفتح الهمزة وكسر الميم، أي كبُر وعظُم. وقوله: "أَمْر ابن أبي كَبْشة" هو بسكون الميم أي شأنه، وكَبْشة بفتح الكاف، وسكون الباء اسم مُرْتَجَل ليس مؤنث الكبش، لأن مؤنثه من غير لفظه، يريد به النبي ﷺ ، قيل إنه كنية جد جده وَهَب، لأن أمه آمنة بنت وَهَب، وأم جد وَهَب قيلة بنت أبي كَبْشة، وعادة العرب إذا تَنَقَّصَت نسبت إلى جد غامض، وقيل: هو أبوه من الرَّضاعة، واسمه الحارث بن عبد العُزَّى، وعند ابن بُكَيْر أنه أسلم، وكانت له بنتٌ تسمى كَبْشَة، يُكْنَى بها، وقيل: هو رجل من خُزاعة اسمه وَخْز بن عامِر بن غالِب -بفتح الواو وسكون الخاء-، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة، وذكر ابن حبيب في "المُجْتَبى" جماعة من أجداده ﵊ من قِبَلِ أبيه، ومن قِبَل أمه كل واحد منهم يُكنى أبا كبشة. وقوله: "إنه يَخَافُه" بكسر الهمزة استئنافٌ تعليليٌّ، وجوز العَيْنِيُّ فتحها على ضعف على أنه مفعول لأجله، أي عظم أمره ﵊ لأجل أنه. وقوله: "يخافُه ملك بني الأصفر"، وهم الروم، لأن جدهم رُوم بن عيْصى بن إسحاق تزوج بنت ملك الحبشة، فجاء ولده بين البياض

стр. 346

والسواد، فقيل له: الأصفر. أو لأن جدته سارة حلته بالذهب: وقيل غير ذلك. وقوله: "وكان ابن النّاطور" بالمهملة، وفي رواية: "ابن ناطورا" بزيادة ألف في آخره، والناطور حافظ البستان لفظ أعجمي تكلمت به العرب، وفي رواية الناظور بالمعجمة، والواو عاطفة، فالقصة الآتية موصولة إلى ابن الناطور مروية عن الزُّهريَ، والزُّهري رواها منه، لأنه لقيه بالشام في زمن عبد الملك بن مروان، وتحمل ذلك منه بعد أن أسلم، والتقدير عن الزُّهريَ أخبرني عبيد الله، وذكر الحديث، ثم قال الزُّهريُّ: وكان ابن الناطور يحدث فذكر هذه القصة، ووهِم من زعم أنها معلقة أو مروية بالسند المذكور عن أبي سفيان. وقوله: "صاحب إيلياء" أي أميرها، وصاحب منصوب على الاختصاص أو الحال لا خبر كان، لأن خبرها إما أسْقُفًا، أو يحدث، وجوزه الدَّماميني على أنه من تعدد الخبر، وفي رواية: "صاحب" بالرفع نعت لابن الناطور، واسم الفاعل إذا أريد تعريفه لم يعمل في محل المجرور به نصبًا، بل نقدره كأنه جامد. وقوله: "وهِرَقْلَ" بفتح اللام عطف على إيلياء، أي صاحب إيلياء، وصاحب هِرَقْل، وأطلقت عليه الصحبة إما بمعنى التَّبع، وإما بمعنى الصداقة، فوقع استعمال صاحب في المجاز بالنسبة لإِمرة إيلياء، وفي الحقيقة بالنسبة إلى هرقل. وقوله: "أُسْقفَ" مبني للمجهول من الرباعي ورُوي "سُقفَ" مبنيًا للمجهول أيضًا من التسقيف، ورُوي "سُقِفَ" مبنيا للمفعول بالتخفيف ثلاثيًا، وروي "أُسْقُفًا" منصوبا بضم الهمزة وسكون السين، وضم القاف، وتخفيف الفاء، وروي: "أُسْقُفًّا" كذلك إلا أنه بتشديد الفاء، وهذا هو الأشهر من الروايات، ولا نظير له في وزنه إلا الأُسْهُبّ وهو الرصاص، والأُسْكُفّ وهو الصانع، وأما الأُتْرُجّ فهو جمع، والكلام إنما

стр. 347

هو في المفرد، وفي رواية: "سُقفًّا" بضم السين والقاف وتشديد الفاء، والأُسْقُف والسُّقُفّ لفظ أعجمي، ومعناه رئيس دين النّصارى، أو عالمهم، أو قيّم شريعتهم، وهو دون القاضي، أو فوق القِسِّيس ودون المُطران، وقيل: عربي ومعناه الطويل في انحناء، وقيل ذلك للرئيس لأنه يتخاشع في مشيته، جمعه أساقِفة وأساقِف. وقوله: "على نصارى الشام" متعلق بـ "أُسْقُفًا". وقوله: "يحدث" هو خبر كان كما مر، أو خبرها "أسقفًا" وهو حال منه. وقوله "حين قدم إيلياء" يعني عندما غلبت جنوده جنود فارس، وأخرجوهم كما مر، وكان ذلك في سنة عمرته ﷺ في الحديبية، وبلغ المسلمين نصرة الروم على فارس، وفرحوا، وسبب فرحهم أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون بمكة، وقالوا للمسلمين: ظَهَر إخواننا، ونحن سنظهر عليكم إن قاتلتمونا، فأنزل الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] ففرح المَسلمون، وكثر التشاجر بينهم، وبين المشركين، حتى راهن أبو بكر أُبيَّ بن خلف على مئة قَلُوص إن لم يَغْلِبِ الروم فارس في تسع سنين، فلما دخلت السنة السابعة من الالتقاء الأول غلبت الروم، وجاء الخبر بذلك إلى رسول الله ﷺ بالمدينة، وكان أبيّ قُتِلَ بأحد، فأخذ أبو بكر القَلائِص من ورثته، وكان ذلك قبل تحريم القمار، لأن آية الميسر في "المائدة" وهي من آخر القرآن نزولًا. وقوله: "أصبح خبيث النفس" أي: رديئها، غير طيبها، أي مهموما، وقد تستعمل في كسل النفس، وعبر بالنفس عن جملة الإِنسان روحه وجسده، اتساعًا، لغلبة أوصاف الروح على الجسد، وفي "الصحيح": "لَا يَقُلْ أحَدُكُم خَبُثَثْ نفسي" كأنه كره اللفظ، والخطاب للمسلمين، وأما هِرَقْل فغير ممتنع في حقه.

стр. 348

وقوله: "بعض بَطارقته" هو بفتح الباء جمع بِطريق بكسرها، أي: قواده، وخواص دولته، وأهل الرأي والشورى منهم. وقوله: "هَيْئَتُك" أي: سمتك وحالتك التي أنت عليها، لكونها مخالفة لسائر الأيام. وقوله: "قال ابن النّاطور: وكان هِرَقْل حَزَّاءً" هو بفتح المهملة، وتشديد الزاي، آخره همزة منونة، أي: كاهن، يقال: حَزَا بالتخفيف يَحْزُو حَزْوًا إذا تكهن. وقوله: "ينظُر في النجوم" خبر ثان لكان إن قلنا إنه ينظر في الأمرين، أو تفسير لحزّاء لأن الكَهَانة تُؤخذ تارة من إلقاء الشياطين، وتارة من أحكام النُّجوم، وكان كل من الأمرين في الجاهلية شائعًا ذائعًا، إلى أن أظهر الله الإِسلام، فانكسرت شوكتهم، وأنكر الشرع الاعتماد عليهم، وقيل إن الحزّاء هو الذي ينظر في الأعضاء، وفي خيلان الوجه، فيحكم على صاحبها بطريق الفراسة، وهذا إن ثبت لا يلزم حَصره في ذلك، بل اللائق في حق هرقل ما تقدم، وكان ما اطلع عليه هِرَقْل من ذلك بمقتضى حساب المنجمين أنهم زعموا أن المولد النبوي كان بقرانِ العُلويَّين ببرج العقرب، وهما يقترنان في كل عشرين سنة مرة، إلى أن تستوفي المثلثة بروجها في ستين سنة، وكان ابتداء العشرين الأولى المولد النبوي في القران المذكور، وعند تمام العشرين الثانية مجيء جِبريل بالوحي، وعند تمام الثالثة فتح خيبر، وعُمرة القضية التي جرَّت فتح مكة وظهور الإِسلام، وفي تلك الأيام رأى هِرَقل ما رأى، ومن جملة ما ذكروه أيضًا أن برج العَقْرب مائي، وهو دليل ملك القوم الذين يختَتِنون، وكان ذلك دليلًا على انتقال الملك إلى العرب، وأما اليهود فليسوا مُرادًا هنا، لأن هذا لمن يُنْقَل إليه الملك، لا لمن انقضى ملكه. وليس المراد بذكر البخاري لهذا قصد الاعتماد على المنجمين، بل قصده أن يبين أن الإِشارات بالنبي ﷺ جاءت من كل طريق، وعلى لسان كل فريق، من كاهن، أو منجم مُحِقٍّ

стр. 349

أو مبطل، إنْسيٍّ أو جِني، وهذا من أبدع ما يشير إليه عالم، أو يَجْنَح إليه محتَجّ. ومن قوله: "وقال ابن النّاطور" معترض بين سؤال بعض البَطارِقَة، وجواب هِرَقل لهم، بقوله: "إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الخِتان قد ظهر" وملك فيه ضم الميم وسكون اللام، وفتح الميم وكسر اللام، وظَهَرَ: غَلَبَ، وهو كما قال، لأن في تلك الأيام كان ابتداء صلح الحديبية، وأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وفتح مكة كان سببه نقض قريش العهد الذي وقع في الحُدَيبِية، ومقدمة الظهور ظُهور. وقوله: "من هذه الأمة" أي من أهل هذا العصر، وإطلاق الأمة على أهل العصر كلهم تَجَوُّزٌ، وفي رواية "فمن يَخْتَتِنُ من هذه الأُمم". وقوله: "ليس يَخْتَتِنُ إلا اليهود" أجابوا فيه بمقتضى علمهم، لأن اليهود كانوا ببيت المقدس كثيرين تحت الذِّلة، بخلاف العرب فإنهم وإن كان منهم من هو تحت طاعة ملك الروم كآل غسان، لكنهم كانوا ملوكًا برأسهم. وقوله: "فلا يُهِمَّنَّكَ" بضم أوله من أَهَمَّ الرباعي، أي أثار الهم. وقوله: "شأنهم" أي أمرهم. وقوله: "مدائن" جمع مدينة، فمن جعله فعيلة من قولك: مَدَنَ بالمكان أي أقام به هَمَزَهُ كقبائل، لزيادة المد، ومن جعله مفعلة من قولك: دان، أي مَلَكَ، لم يهمِزْ كمعايش لعدم زيادة المد، وقد أشار ابن مالك إلى هذه القاعدة بمنطوقه ومفهومه في قوله: والمَدُّ زِيدَ ثَالثًا في الواحِدِ ... هَمْزا يُرَى في مِثْلِ كَالقَلَائِدِ وقوله: "فبينما هم على أمرهم" وفي رواية "بيناهم" بحذف الميم، وهي كما مر ظرف زمان للماضي، أشبعت فيها الفتحة بألف، وهم مبتدأ

стр. 350

خبره: "على أمرهم". وقوله: "أُتِيَ هِرَقْل برجل أرسله ملك غسان" لم يذكر من أحضره، وملك غسان هو صاحب بُصْرى كما مر، والرجل لم يسم أيضًا، وغسان اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد فنسبوا إليه، أو ماء بالمشلل. وقوله: "يُخبر عن خبر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" فسر ابن إسحاق الخبر الذي أخبر به، فقال إنه قال: خرج بين أظْهُرِنَا رجل يزعُم أنه نبيٌّ، فقد اتبعه ناس، وخالفه ناس، فكانت بينهم ملاحم في مواطن، فتركتهم وهم على ذلك. فَبَيَّن ما أجمل في حديث الباب. وقوله: "أمختَتِنٌ هُو" بهمزة الاستفهام، وفتح التاء الأولى، وكسر الثانية. وقوله: "هم يَخْتَتِنُون" في رواية "مختتنون" بالميم. وقوله: "فقال هرقل: هذا ملك هذه الأمة قد ظهر" أكثر الرواة بضم الميم ثم السكون، وللقابِسِّي بفتح الميم وكسر اللام، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وحده: يَمْلِك فعل مضارع، وللسرخسىِّ بملك بباء موحدة، فعلى الأولى معنى هذا، أي الذي نضرته في النجوم، وعلى الثانية هذا إشارة للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا في كلا الحالين مبتدأ خبره مُلْكُ أو مَلِكُ، "وقد ظهر" حال، وعلى الثالثة: هذا مبتدأ، ويملك خبره، أو يملِك نعت أي: هذا رجل يملك هذه الأمة، وقد ظهر حال، وعلى الرابعة الإِشارة بهذا إلى ما ذكره من نظره في حكم النجوم، والباء متعلقة بظَهَرَ، أي: هذا الحكم ظَهَرَ بملك هذه الأمة التي تختتن. وقوله: "إلى صاحب له" وذلك الصاحب يسمى ضغاطر الأُسْقُف. وقوله: "بِروُمِيَةَ" أي فيها، وهي بتخفيف الياء، مدينة معروفة للروم، قيل: إن دَوْرَ سورها أربعة وعشرون ميلًا.

стр. 351

وقوله: "وكان نظيرَه" في رواية: "وكان هِرَقْل نظيره". وقوله: "وسار هِرَقل إلى حمص" أي: لأنها دار مملكته، وهي ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وجوز بعضهم فيها الصرف وعدمه كَهِنْد وغيره من الثلاثي الساكن الوسط. وقوله: "وأنه نبي" هو بفتح الهمزة عطف على خروج، وهذا يدُلُّ على أن هِرَقل وصاحبه أقَرَّا بنبوة النبي ﷺ ، لكن هِرَقل لم يستمر على ذلك، ولم يعمل بمُقْتضاه، بل شحَّ بملكه، ورَغِبَ في الرياسة، فآثَرَهما على الإِسلام، بخلاف صاحبه ضغاطر، فإنه أظهر إسلامه، وألْقَى ثيابه التي كانت عليه، ولبس ثيابًا بيضًا، وخرج على الروم، فدعاهم إلى الإِسلام، وشهد شهادة الحق، فقاموا إليه، فضربوه حتى قتلوه. وقوله: "فآذن هِرَقل" فيه القصر من الإِذن، وفيه المد، أي: الإِعلام. وقوله: "في دَسْكَرَةٍ له بحمص" بدال مفتوحة، وسين ساكنة مهملتين، وكاف وراء مفتوحتين، وهي القصر الذي حوله بيوت، وكأنه دخل القصر ثم أغلقه، وفتح أبواب البيوت التي حوله، وأذِنَ للروم في دخولها، ثم أغلَقها، ثم اطَّلع عليهم، فخاطبهم، وإنما فعل ذلك خَشْية أن يَثِبُوا به كما وَثَبوا بضغاطر، وكانت حمص في زمانه أعظم من دمشق، وهي دار ملكه، وكان فتحها على يد أبي عُبَيْدة بن الجرّاح سنة ستَّ عشرة بعد هذه القصة بعشر سنين. وقوله: "والرُّشْد" بضم فسكون، أو بفتحتين، وهو ضد الغَيِّ. وقوله: "وأن يَثْبُتَ" بفتح همزة أن مصدرية، عطفًا على قوله: "في الفلاح" أي: وهل لكم في ثبوت؟ وقوله: "فتُبايعوا" بمثناة فوقية مضمومة، ثم موحدة، وبعد الألف مثناة تحتية، منصوب بأن مقدرة في جواب الاستفهام، وفي نسخة: "فبَايعُوا"

стр. 352

بإسقاط التاء قبل الموحدة، وفي نسخة: "نُبايِع" بنون الجمع، وفي أخرى: "نتابع" بنون الجمع ثم مثناة فوقية، وفي أخرى: "فَتُتابعوا" بمثناتين فوقيتين، وبعد الألف موحدة، فالثلاثة الأُوَل من البيعة، والتي بعدها من الاتِّباع كما في نسخة: "فَنَتَّبِعَ". وقوله: "هذا النبي" وفي رواية: "لهذا النبي" وإنما قال هذا لِمَا عرفه من الكتب السالفة، أي: التمادي على الكفر سببٌ لذهاب الملك. ونُقِلَ أن في "التوراة": "ونبيًّا مثلك أرسِلُه، أيُّ إنسان لم يقبل كلامي الذي يؤديه عني، فإني أُهْلِكه". وقوله: "فحاصُوا حَيْصَةَ الحُمُر" حاصوا بمهملتين أي: نَفَروا، وشبه نَفْرَتَهم وجَفَلَهم مما قال لهم من اتّباع الرسول ﵊ بنفرة حُمُر الوحش، لأنها أشدُّ نَفْرَةً من سائر الحيوانات. وقوله: "قد غُلِّقَت" بضم الغين المعجمة وكسر اللام مشددة. وقوله: "وأَيِسَ" جملة حالية، بتقدير قد، وهي بهمزة ثم مثناة تحتية، وفي روايَة "يَئِس" بتقديم الياء على الهمزة، وهما بمعنى، والأول مقلوب من الثاني، أي: قَنِط. وقوله: "من الإِيمان" أي: من إيمانهم لما أظهروه، ومن إيمانه لكونه شح بملكه، وكان يحب أن يطيعوه، فيستمر ملكه، فَيُسْلم ويُسلمون. وقوله: "إني قلت مقالتي آنِفًا" بالمد مع كسر النون، وبالقصر ككتف، أي: الساعة، أو مبتدئًا منصوب على الظرف أو الحال من الضمير في قال، أي: مقالتي هذه الساعة، أو مُبْتَدئًا أي: مؤتَنِفًا ما قلته لكم، والمستعمل من فعله ائْتَنَفْتُ. وقوله: "شِدّتكم" أي: رسوخكم. وقوله: "فقد رأيت" أي: شدتكم، فحذف المفعول للعلم به، وللمؤلف في التفسير: "فقد رأيت منكم الذي أحببت".

стр. 353

وقوله: "فسجدوا له إما حقيقة على عادتهم لملوكهم، أو قبلوا الأرض بين يديه، لأن ذلك ربما كان كهيئة السجود. وقوله: "فكان ذلك آخر شَأن هِرَقل" بنصب آخر خبر كان، وكون هذا آخر شأنه، يريد: فيما يتعلق بهذه القصة المتعلقة بدعائه إلى الإِيمان خاصة، أو أنه أطلق الآخِرِيَّة بالنسبة إلى ما في علمه، وهذا أوجه، لأن هِرَقْل وقعت له قصص بعد ذلك، من تجهيزه الجيوش إلى مُؤْتَةَ وتجهيزه الجيوش إلى تَبُوكَ، ومكاتبة النبي ﷺ ثانيًا، وإرساله إلى النبي ﷺ بذهب فقسمه بين أصحابه. وروى ابن إسحاق أن هِرَقل لما أراد الخروج من الشام إلى القُسْطَنْطِينيَّة عَرَضَ على الروم أمورًا: إما الإِسلام، وإما الجِزْية، وإما أن يصالح النبيَّ ﷺ ويبْقي لهم ما دون الدَّرْب، فانطلق حتى إذا أشرف على الدَّرْب، استقبل أرْض الشّام، ثم قال: السلام عليك أرضَ سورية، -يعني: الشام- تسليم المودِّع ثم ركض، حتى دخل القُسْطَنطينيّة. واختلف الأخْباريون هل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعُمر أو ابنه؟ والأظهر أنه هو، وهذا كله يَدُلُّ ظاهره على استمراره على الكفر، لكن يُحْتَمَل مع ذلك أنه كان يُضْمِر الإِيمان، ويفعل هذه المعاصي مراعاة لمملكته، وخوفًا من أن يقتله قومه، إلا أن في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ : إني مُسْلمٌ فقال ﵊: "بَلْ هوَ على نَصْرَانِيَّتِه". ولما كان أمر هِرَقل في شأن الإِيمان فيه إبهام، ختم البخاري هذا الباب الذي استفتحه بحديث الأعمال بالنيات بحديثه، كأنه قال: إن صدقت نيته انتفع بها في الجملة، وإلا فقد خاب وخسر، فظهرت مناسبة إيراد قصة ابن النَّاطور في بدء الوحي، لمناسبتها لحديث الأعمال المُصَدَّر الباب به، وفي آخر لفظ من هذه القصة براعة الاختتام. ومناسبة حديث أبي سفيان في قصة هِرَقل لبدء الوحي هي أنها

стр. 354

تضمنت كيفية حال الناس مع النبي ﷺ في ذلك الابتداء، ولأن الآية المكتوبة إلى هِرَقل للدعاء إلى الإِسلام ملتئمة مع الآية التي في الترجمة، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء:١٦٣] الآية، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] فَبَان أنه أوحى إليهم كلهم أَن أقيموا الدين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾. وفي الحديث أن السنة في المكاتبات أن يبدأ بنفسه، فيقول: من فلان إلى فلان، وهو قول الأكثرين، وكذا في العنوان أيضًا يكتب كذلك، واحتجوا بهذا الحديث، وبما أخرجه أبو داوود، عن العلاء بن الحَضْرَمي، وكان عامل النبي ﷺ على البَحْرَيْن، وكان إذا كتب إليه بَدَأ بنفسه، وفي لفظ: بدأ باسمه. وقال حَمّاد بن زَيْد: كان الناس يكتبون من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، أما بعد. قال بعضهم: وهو إجماع الصحابة. وقال أبو جَعْفَرِ النَّحّاس: وهذا هو الصحيح، وقال غيره: وكره جماعة من السَّلف خلافَه، وهو أن يكتب أولًا باسم المكتوب إليه، ورخص فيه بعضُهم، وقال: يبدأ باسم المكتوب إليه. رُوِي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية، وعن محمد بن الحَنَفِيَّة، وأيوب السَّخْتِيَانِي أنهما قالا: لا بأس بذلك، وقيل: يقدم الأب، ولا يبدأ ولد باسمه على والده، والكبير السن كذلك، وهذا يَرُدُّهُ حديث العلاء لكتابته إلى أفْضَلِ البشر، وحقه أعظم من حق الوالد، وغيره. وفيه التَّوقّي في المكاتبة، واستعمال عدم الإِفراط. وفيه دَليل لمن قال بجواز معاملة الكفّار بالدراهم المنقوش فيها اسم الله تعالى للضّرورة، وإن كان عن مالك الكراهة، لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش من ذكر الله تعالى. وفيه الوجوب بالعمل بخبر الواحد، وإلا لم يكن لبعثه مع دِحْيَةَ فائدة مع غيره من الأحاديث الدالة عليه.

стр. 355

وفيه حُجّة لمن مَنَعَ ابتداء الكافر بالسلام، ويأتي استيفاء الكلام عليه في باب: إطعام الطعام. وفيه استحباب: "أمّا بعد" وقد مر الكلام عليها، وعلى أول من نَطَقَ بها. وفيه أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا ﵊ فآمن به فله أجران. وفيه أن النَّهي عن المُسافَرة بالقرآن إلى أرض العدو إنما هو في حمل المصحف والسور الكثيرة، دون الآية والآيتين، وقال ابن بَطّال: إنما فَعَلَه ﵊ لأنه كان في أول الإِسلام، ولم يكن بُدٌّ من الدعوة العامة، وقد نهى ﵊، وقال: "لا تُسَافِروا بِالقُرآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ" والحديث محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار. وفيه دعاء الكفار إلى الإِسلام قبل قتالهم، وهو واجب، والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم الدعوة، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب، هذا مذهب الشّافعيَ، والثاني: يجب الإِنذار مطلقًا قاله مالك، حكاه المازَرِيُّ وعِيَاضٌ، والثالث: لا يجب مطلقًا، والرابع: يجب إن لم تَبْلُغهم الدعوة، وإن بلغتهم فيُستحب، وبه قال نَافِعٌ، والحسن، والثَّوريُّ واللَّيْثُ، والشّافِعي وابن المُنذر، قال النَّوَوِيُّ: وهو قول أكثر العلماء، وهو الصحيح، ومذهب أبي حَنِيفة أنه يُسْتَحب أن يدعو الإِمام من بلغته مبالَغَة في الإنذار، ولا يجب ذلك كمذهب الجمهور. وفيه دليل على أن ذا الحسب أولى بالتقديم في أمور المسلمين، ومهمات الدين والدنيا، ولذلك كانت الخلفاء من قريش، لأنّه أحوط من أن يُدَنِّسوا أحلامهم. وفيه دليل لجمهور الأصوليين أن للأمر صيغة معروفة، لأنّه أتى بقوله: "اعبُدوا الله" في جواب: "ما يأمركم"؟ وهو من أحسن الأدلة، لأن أبا
следующие страницы →