Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
أن المراد تبليغ براءة كلها، وليس الأمر كذلك على الصحيح. فإن المأمور بتبليغه منها أوائلها فقط، كلما يأتي قريبًا، ويأتي حديث جابر أنه قرأها حتى ختمها.
والجمع بين ذلك وقوله "أن يُؤذِن ببراءة" يجوز فيه التنوين بالرفع على الحكاية وبالجر، ويجوز أن يكون علامة على الجر فتحة، على أنها علم للسورة، وهو الثابت في الروايات. وقوله: فأذن معنا عليّ .. الخ. قال الكرماني: فيه إشكال؛ لأن عليًا كان مأمورًا بأن يُؤِذن ببراءة، فكيف يُؤذن بأنْ لا يحج بعد العام مشرك؟ ثم أجاب بأنه أذنَ براءة، ومن جملة ما اشتملت عليه، أن لا يحج بعد العام مشرك، من قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، ويحتمل أن يكون أمران يُؤذِن ببراءة، وبما أُمر أبو بكر أن يُؤذِن به أيضًا، وقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان: منعُ حج المشركين، ومنع طواف العريان، وأن عليًا أيضًا كان ينادي بهما وكان يزيد "من كان له عهد فعهده إلى مدته، وأن لا يدخل الجنة إلَّا مسلم" وكان هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج البيت مشرك. وأما التي قبلها، فهي التي اختُصَّ عليّ بتبليغها.
وفي قوله: يؤذن ببراءة، تجوّز؛ لأنه أمران يُؤذِن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] فروى الطبري عن محمد بن كعب وغيره قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرًا على الحج سنة تسع، وبعث عليًا بثلاثين أو أربعين آية من براءة. وروى الطبريّ أيضًا عن أبي الصّهباء قال: سألت عليًا عن يوم الحج الأكبر فقال: إن رسول الله ﷺ ، بعث أبا بكر يقيم الحج للناس، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب، ثم التفت إليّ فقال: يا عليّ، قم فأدِّ رسالة رسول الله ﷺ ، فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صدرنا حتى رميتُ الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة.
стр. 2907
وأما ما وقع في حديث جابر فيما أخرجه الطبريّ وإسحاق في مسنده والنّسائيّ والدارميّ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن أبي الزبير عن جابر "أن النبي ﷺ حين رجع من عُمرة الجُعْرانة، بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه، حتى إذا كنّا بالعرج ثوّب بالصُّبح، فسمع رُغوة ناقة النبي ﷺ ، فإذا عليٌّ عليها فقال: أميرٌ أو رسول؟ فقال: بل أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرؤها على الناس. فقدمنا مكة، فلما كان قَبْل يوم التروية بيوم، قام أبو بكر فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر كذلك، فيجمع بينه وبين ما مرَّ بأن عليًا قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يُؤذِن بالأمور المذكورة؛ أنْ لا يحج بعد العام مشرك ... الخ، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك.
وعند التِّرمذيّ عن مِقْسَم عن ابن عباس "أن النبي ﷺ بعث أبا بكر ... " الحديث، وفيه "فقام عليّ أيام التشريق، فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلَّا مؤمن". فكان عليّ ينادي بها، فإذا مُجَّ قام أبو هريرة فنادى بها، وروى صعيد بن منصور والتِّرمذيّ والنَّسائيّ والطَّبريّ عن زيد بن بتيع قال: سألت عليًا: بأي شيء بُعثت؟ قال: بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر.
وروى أحمد والنَّسائيّ عن مُحْرز بن أبي هُريرة عن أبيه قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة ببراءة، فكنا ننادي أن لا يدخل الجنة إلَّا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فأَجَله أربعة أشهر، فهذا مضت فإنّ الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك. فكنت أنادي حتى صَحِل صوتي. وقد قال حميد بن عبد الرحمن كما رواه البخاريّ في تفسير سورة براءة: إن يوم الحج الأكبر يوم النحر،
стр. 2908
واستنبطه من قوله تعالى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، كما في رواية شُعيب عند المصنف في الجزية، فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر.
وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر، وفي حديث ابن عمر عند أبي داود، وأصله في الصحيح، رفعه "أيّ يوم هذا؟ قالوا: هذا يوم النحر، قال: هذا يوم الحج الأكبر" واختلف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وصل ذلك عبد الرزاق عن عبد الله بن شداد، أحد كبار التابعين، ووصله الطبريّ عن جماعة منهم عطاء والشعبى، وعن مجاهد: الحج الأكبر القِران، والأصغر الإفراد، وقيل: يوم الحج الأصغر عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك. وعن الثّوريّ أيام الحج تسمى يوم الحج الأكبر، كما يقال: يوم الفتح. وأيده السهيلى بأن عليًا أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل: لأن أهل الجاهلية كانوا يقفون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فهذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له الأكبر لاجتماع الكل فيه.
وعن الحسن، سمي بذلك لاتفاق حج جميع الملل فيه وروى الطبريّ عن أبي جحيفة وغيره أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وعن سعيد بن جُبير أنه يوم النحر، واحتج بأن اليوم التاسع وهو يوم عرفة، إذا انسلخ قبل الوقوف لم يفت الحج، بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات. وعند التِّرمذيّ من حديث عليّ مرفوعًا وموقوفًا "يوم الحج الأكبر يوم النحر" ورجح الموقوف، وقد مرَّ في أوّل الحديث أن حجة أبي بكر كانت سنة تسع، واتفقت على ذلك الروايات، وعند عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال؛ لمّا كان زمن الفتح اعتمر رسول الله ﷺ من الجُعْرانة، ثم أمَّرَ أبا بكر الصديق على تلك الحجة، قال الزّهريّ: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمَره أن يُؤذن ببراءة، ثم أَتْبَعَ النبي ﷺ عليًا ... الحديث.
قال عماد الدين بن كثير: هذا فيه غرابة، من جهة أن الأمير في سنة عمرة
стр. 2909
الجُعرانة كان عتاب بن أَسيد، وأما حجة أبي بكر فكانت سنة تسع. قال في الفتح: يرفع الإشكال بأن المراد بقوله: ثم أمّر أبا بكر، يعني بعد أن رجع إلى المدينة، وطوى ذكر من ولي الحج سنة ثمان، فإن النبي ﷺ لما رجع من العمرة إلى الجُعرانة، فأصبح بها، توجه هو ومن معه إلى المدينة، إلى أن جاء أوان الحج، فأمر أبا بكر وذلك سنة تسع وليس المراد أنه أمر أبا بكر أن يحج في السنة التي كانت فيها عمرة الجُعرانة.
وقوله: على تلك الحجة، يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة. واستدل بقول أبي هُريرة: بعثني أبو بكر في تلك الحجة يوم النحر، على أن حجّة أبي بكر كانت في ذي الحجة ولم يخالف في ذلك إلَّا مجاهد وعكرمة بن خالد فإنهما قالا انها كانت في ذي القعدة. أخرجه ابن سعد عن مجاهد بإسناد صحيح، والحاكم في الإكليل عن عكرمة. وقول أبي هُريرة هذا دليلٌ عليهما، وأُجيب. بأنه إن ثبت قولهما، يكون المراد بيوم النحر صبيحة يوم الوقوف، سواء كان الوقوف وقع في ذي القعدة، أو في ذي الحجة. نعم، روى ابن مردويه عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده قال: كانوا يجعلون عامًا شهرًا وعامًا شهرين، يعني يحجون في شهر واحد مرتين في سنتين، ثم يحجون في الثالث في شهر آخر غيره. قال: فلا يقع الحج في أيام الحج إلَّا في كل خمس وعشرين سنة، فلما كان حج أبي بكر وافق ذلك العام شهر الحج، فسماه الله تعالى الحج الأكبر.
ولم يبق من مباحث هذا المحل إلَّا بيان ما قيل في قوله تعالى ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] وقد مرّ لك حديث سعيد بن منصور وغيره، عن عليّ أن من كان له عهد فعهده إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر، واستدل بهذا الحديث على أن قوله تعالى ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت، أو لم يكن له عهد أصلًا، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته. وروى الطبريّ عن ابن إسحاق قال: هم صنفان، صنف كان له عهدٌ دون أربعة أشهر، فأُمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنف كانت له مدة عهده بغير أجل، فقصرت على أربعة أشهر. وروي أيضًا عن ابن عباس
стр. 2910
أن الأربعة الأشهر أَجَلُ مَن كان له عهد مؤقت، بقدرها أو يزيد عليها، وأما من ليس له عهد، فانقضاؤه إلى سلخ المحرم لقوله تعالى ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] من طريق عُبيدة بن سلمان، سمعت الضحاك "أن رسول الله ﷺ عاهد ناسًا من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت براءة فنبذ إلى كل أحد عهده وأجَّلهم أربعة أشهر، ومن لا عهد له فأَجَلُه انقضاء الأشهر الحرم".
ومن طريق معمر عن الزّهريّ: كان أول أربعة أشهر عند نزول براءة في شوّال، فكان آخرها المحرم، فبذلك تجمع بين ذكر الأربعة الأشهر وبين قوله ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ واستبعد الطبريّ ذلك من حيثُ إن بلوغهم الخبر إنما كان عندما وقع النداء به في ذي الحجة، فكيف يقال لهم سيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولم يبق منها إلا دون الشهرين؟ ثم أسند عن السُّديّ وغير واحد التصريح بأنّ تمام الأربعة الأشهر في ربيع الآخر.
رجاله ستة:
وفَيه ذكر علي وأبي بكر.
الأول: إسحاق بن إبراهيم، والمراد به ابن راهويه، وقيل المراد به إسحاق بن منصور، وقد مرا في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر منه أيضًا، ومرّ ابن أخي الزهريّ في التاسع عشر من كتاب الإيمان، ومرّ ابن شهاب الزهريّ في الثالث من بدء الوحي، ومرّ حميد بن عبد الرحمن في الثلانين من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني من كتاب الإيمان أيضًا، ومرّ عليّ في السابع والأربعين من العلم، وأبو بكر بعد الحديث السبعين من الوضوء فى باب من لم يتوضأ من لحم الشاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد، وفيه أربعة زُهْرِيّون، وهم يعقوب إلى أبي هريرة. أخرجه البخاريّ هنا وفي الجزية عن أبي اليَمان، وفي المغازي عن أبي الربيع
стр. 2911
الزّهرانيّ، وفي الحج عن يحيى بن بكير، وفي التفسير عن سعيد بن عُفير وغيره، ومسلم في الحج، وأبو داود فيه والنَّسائيّ. ثم قال المصنف:
باب الصلاة بغير رداء
стр. 2912
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُلْتَحِفًا بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، تُصَلِّي وَرِدَاؤُكَ مَوْضُوعٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ، رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي هَكَذَا.
قوله: ملتحفًا، بالنصب على الحال، وروي بالرفع خبر مبتدأ محذوف، وبالجر على الجوار، أو صفة للثوب. وقوله: رداؤه موضوع، أي على الأرض، أو على المِشْجَب، كما مرّ التصريح به، وهي جملة حالية اسمية. وقوله: مثلكم، بالرفع صفة للجُهّال، وهي، وإن كانت لا تتعرف بالإضافة، فالموصوف، وهو الجهّال، له حكم النكرة لأنه معرف بلام الجنس، وكون "مثل" مفردًا وُصف به جمع. والتطابق بين الصفة والموصوف في الإفراد والجمع شرط، فلأنه بمعنى المثيل على وزن فعيل، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والإفراد والجمع. ويقال إنه اكتسب الجمعية من المضاف إليه، وهو جنس يطلق على المفرد والمثنى والجمع، ويجوز النصب على الحال. وقوله: يصلي كذا، للكشميهنيّ: يصلي هكذا، وقد استوفي الكلام على هذا الحديث في باب عقد الإِزار على القفا.
رجاله أربعة:
الأول: عبد العزيز بن عبد الله الأُوَيسيّ، وقد مرّ في الأربعين من كتاب العلم، ومرّ عبد الرحمن بن أبي الموالي في الخامس من كتاب الصلاة هذا، ومرّ محمد بن المنكدر في التاسع والخمسين من كتاب الوضوء، ومرّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. ثم قال المصنف
стр. 2913
باب ما يذكر في الفخد
أي في حكم الفخذ، وللكشميهني: من الفخذ، ثم قال: ويروى عن ابن عباس وجَرْهَد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ "الفخذ عَوْرة" ولفظ ابن جحش. قال: "مرّ النبي ﷺ ، وأنا معه، على معمر وفخذاه مكشوفتان، فقال: يا معمر غطّ عليك فخذيك، فإن الفخذين عورة". ومعمر المشار إليه هو معمر بن عبد الله بن فضيلة العَدَويّ القرشيّ. وأَخرج ابن قانع حديثه هذا مسلسلًا بالمحمدين من ابتدائه إلى انتهائه.
الأول: تعليق ابن عباس، وقد أخرجه التِّرمذي موصولًا وقال: هذا حديث حسن غريب، والثاني عن جرهد، وقد أخرجه مالك في الموطأ، أي موطأ ابن بكير وابن وهب ومعن وعبد الله بن يوسف، وهو عند القعنبيّ في الزيادات عن مالك خارج الموطأ، ولم يذكره كثير من أصحاب الموطأ، وأخرجه ابن حبّان في صحيحه، والتِّرمذيّ مرتين، قال مرة: هذا حديث حسن ما أرى إسناده بمتصل، وقال مرة: هذا حديث حسن صحح. والثالث عن محمد بن جحش، وقد رواه الطبرانيّ وذكر البخاريّ في تاريخه، وأحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه.
ورجال التعاليق ثلاثة: الأول: عبد الله بن عباس، وقد مرّ في الخامس من بدء الوحي.
والثاني: جَرْهَد، بفتح الجيم والهاء بينهما راء سكنة وآخره قال مهملة، بن خويلد بن بُجْرَة بن عبد ياليل بن زرعة بن رَزاح بن عدِيّ بن سَهْم بن تميم بن مازن بن الحارث بن سَلَامان بن أسْلَم بن أقصى الأسلَميّ، يكنى أبا عبد الرحمن، كان من أهل الصفة، وكان شريفًا رويت عنه أحاديث منها حديثه المشهور في أن الفخذ عورة. قال ابن حبّان: عداده في أهل البصرة وقال غيره: في أهل المدينة، وهو الصحيح. ومن حديثه ما روي عنه "أنه أكل بيده الشمال فقال له النبي ﷺ : كل باليمين، فقال: إنها مصابة، فنفث عليها، فما شكى حتى مات". قال الواقديّ: كانت له دار بالمدينة، ومات بها سنة إحدى وستين، في آخر خلافة يزيد. وقال أبو عمر: جعل ابن أبي حاتم جرهد بن خويلد غير
стр. 2914
جرهد بن رَزاح، ثم قال: هذا وهم، وهو رجل واحد مِن أسْلَم، لا تكاد تثبت له صحبة.
الثالث: محمد بن عبد الله بن جحش الأسديّ، يكنى أبا عبد الله، وهو ابن أخي زينب أم المؤمنين لأمه فاطمة بنت حبيش صحبة، وذكر الواقديّ أنه ولد قبل الهجرة بخمس سنين. قُتل أبوه بأُحُد، فأوصى به النبي ﷺ ، فاشترى له مالًا بخيبر، وأقطعه دارًا بالمدينة بسوق الرقيق. وأخرج البغويّ عن سعيد بن المسيَّب أن عمر كتب أبناء المهاجرين ممن شهد بدرًا في أربعة آلاف، منهم محمد بن عبد الله بن جحش. وقال ابن عبد البر: هاجر مع أبيه وعمَّيْه إلى أرض الحبشة، ثم هاجر من مكة إلى المدينة مع أبيه، له صحبة ورواية، روى عنه مولاه أبو كثير حديثًا حسنًا في أن "المؤمن لا يدخل الجنة وإن رزق الشهادة حتى يُقضى دينُه".
وأخرج الزبير بن بكّار من طريق أبي كثير، مولى محمد بن عبد الله بن جحش: سمعتُ محمد بن عبد الله بن جحش، وكانت له صحبة، فذكر الحديث في التشديد في الدَّين، وفي فضل الجهاد. وأخرجه أحمد وابن أبي خَيثمة والبغويّ وغيرهم. روى عن النبي ﷺ ، وعن عمتيه حَسْنَة وزَينب، وعن عائشة، وروى عنه ابنه إبراهيم، ومولاه أبو كثير، والمعلّى بن عرفان ومحمد بن عبد الله كثير في الستة، وفي الصحابة محمد بن عبد الله سواه خمسة.
ثم ذكر البخاريّ فقال. وقال أنس: حَسَر النبي ﷺ عن فخذه. قوله؛ حَسَرَ، بمهملات مفتوحات، أي كشف، وهذا التعليق وصله البخاريّ، قريبًا، وأنس بن مالك قد مرّ في السادس من كتاب الإِيمان. ثم قال المصنف: وحديث أنس أَسْنَد، وحديث جرهد أَحْوَط حتى يخرج اختلافهم، يعني أن حديث أنس أصح إسنادًا، كأنه يقول: حديث جرهد، ولو قلنا بصحته، فهو مرجوح بالنسبة إلى حديث أنس، وحديث جرهد وما معه أحوط للدَّين، وهو يحتمل أن يريد بالاحتياط الوجوب أو الورع، وهو أظهر لقوله "حتى يَخْرُج من اختلافهم" ويخرج بفتح الياء وضم الراء، وروي بالعكس. وفي رواية بفتح
стр. 2915
النون وضم الراء.
والجمهور من التابعين وأبو حنيفة، ومالك أصح أقواله، والشافعيّ، وأحمد في إحدى روايتيه، وأبو يوسف ومحمد على أن الفخذ عورة، وابن أبي ذيب وداود، وأحمد في إحدى روايتيه، والإصطخريّ من الشافعية، وابن حزم على أنه ليس بعورة. قال في المحلّى: لو كان عورة ما كشفها الله تعالى من رسوله المطهر المعصوم من الناس في حال النبوءة والرسالة، ولا رآها أنس وغيره. وعند المالكية قول بأن نظر الفخذ مكروه كراهة تنزيه فقط، وشهده في المدخل، وعندهم قول بالتفرقة كامل الصداقة، فيجوز كشف الفخذ بحضرته، وبين من هو دون ذلك فلا يجوز، أخذًا من حديث عائشة وحفصة الآتيتين. وقال الأوزاعيّ: الفخذ عورة إلَّا في الحمام. ثم قال المصنف: وقال أبو موسى: غَطّى النبي ﷺ ركبتيه حين دخل عثمان. قوله: ركبتيه، بالتثنية، وفي رواية بالإفراد. وقوله: حين دخل عثمان رضي الله تعالى عنه، أدبًا معه واستحياء، ولهذا قال، كما في مسلم والبيهقيّ "ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة؟ " وقد كان ﷺ يفعل مع كل واحد من أصحابه ما هو الغالب عليه، فلما كان الغالب على عثمان الحياء عامله بذلك جزاءًا وفاقًا، فكشف ركبته ﵊ قبل دخول عثمان، وهذا جواب عن قول الكرمانيّ: الركبة لا تخلو إمّا أن تكون عَورة أم لا، فإن كانت عورة، فَلِمَ كشفها قبل دخول عثمان؟ وإن لم تكن، فَلِم غطاها عنه؟ والشق الثاني هو المختار، والجواب عن التغطية هو ما مرَّ.
ووجه مطابقة التعليق للترجمة، هو أن الركبة إذا كانت عورة، فالفخذ بالطريق الأُولى لأنه أقرب إلى الفرج الذي هو عورة إجماعًا، والتعليق المذكور طرف من حديث أبي موسى في قصة أوردها المصنف في المناقب، من رواية عاصم الأحول، وفيه أنّ النبي ﷺ كان قاعدًا في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها، وزعم الداوديّ الشارحُ أن هذه الرواية المعلقة عن أبي موسى وهْم، وأنه دخل لروايتها حديث في حديث،
стр. 2916
مشيرًا بذلك إلى ما رواه مسلم عن عائشه، قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له، هو على تلك الحالة، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ ، وسوّى ثيابه. قال محمد، يعني ابن أبي حَرْملة: ولا أقول ذلك في يومٍ واحد فتحدث. فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تَهَشّ له، ثم دخل عمر فلم تَهَشّ له ولم تباله، فلما دخل عثمان جلست وسويت ثيابك، فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ وهو عند أحمد بلفظ "كاشفًا عن فخذه" من غير تردد.
وله من حديث حفصة مثله، وأخرجه الطحاويّ والبيهقيّ عن عبد الله بن مسعود المدنيّ قال: حدثتني حفصة بنت عمر قالت: "كان رسول الله ﷺ عندي يومًا، وقد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن، فأذن له ﷺ على هيئته، ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه، والنبي ﷺ على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه، فأذن له، ثم أخذ رسول الله ﷺ ثوبه فجلله، فتحدثوا ثم خرجوا، فقلت: يا رسول الله، جاء أبو بكر وعمر وعليّ وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان جللت بثوبك، فقال: أو لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟
وهذا الذي قاله الداودي لا يلزم منه تغليط رواية عاصم، إذ لا مانع أن يتفق للنبي ﵊ أن يغطي ذلك مرتين حين دخل عثمان، وأن يقع ذلك في موطنين، ولاسيما مع اختلاف مخرج الحديثين، وإنما يقال ما قاله الداوديّ، حيث تتفق المخارج، فيمكن أن يدخل حديث في حديث، لا مانع افتراق المخارج كما هنا، فلم يدخل على البخاريّ حديث في حديث، بل هما قصتان متغايرتان، في إحداهما كشف الركبة، وفي الأخرى كشف الفخذ، والأولى من رواية أبي موسى، وهي المعلقة هنا، والأخرى من رواية عائشة، ووافقتها حفصة، ولم يذكرهما البخايّ.
وأخرج مسلم عن عائشة وعثمان قريبًا من الحديثين السابقين، إلا أنه ليس
стр. 2917
فيه التصريح بكشف الفخذين، وهو عن سعيد بن العاص أن عائشة زوج النبي ﷺ ، وعثمان، حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ ، وهو مضطجع على فراشه، لابسٌ مَرْط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر رضي الله تعالى عنه، فأذن له وهو على تلك الحالة، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس. وقال لعائشة: اجمعي ثيابك، فقُضيت إليّ حاجتي فانصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لم أرك فَزِعت لأبي بكر وعمر، كلما فزعت لعثمان؟ فقال رسول الله ﷺ : إنّ عثمان رجل حَيِيّ وإنّي خشيتُ إنْ أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إليّ في حاجته. وقد مر أبو موسى في الرابع من كتاب الإيمان.
ثم قال: وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسوله ﷺ ، وفخذه على فخذي فثقلت عليّ حتى خفتُ أن تُرَضَّ فخذي. وقوله: أنْ تُرَضَّ، أي تكسر، وهو بضم التاء وفتح الراء على صيغة المجهول، ويجوز العكس. واعترض الإسماعيليّ استدلال المصنف بهذا على أن الفخذ ليس بعورة؛ لأنه ليس فيه التصريح بعد الحائل. قال: ولا يظن ظانٌّ أن الأصل عدم الحائل؛ لأنّا نقول: العضو الذي يقع عليه الاعتماد يُخْبَر عنه بأنه معروف الموضع، بخلاف الثوب. قال في "الفتح": والظاهر أن المصنف تمسك بالأصل. قلت: ظاهره أن الأصل عدم الحائل، وهو غير ظاهر، بل الظاهر أن الأصل هو الحائل، فيكون القول ما قاله الإسماعيليّ. وهذا التعليق طرف من حديث وصله المصنف في تفسير سورة النساء، في قوله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] وأخرجه أيضًا في الجهاد عن عبد العزيز بن عبد الله، والتِّرمذيّ في التفسير، وقال: حسن صحيح، والنَّسائيّ في الجهاد.
وزيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو سعيد، أو أبو ثابت، أو أبو عبد الرحمن، أبو خارجة بابنه خارجة، وأمه النَّوَار بنت مالك بن معاوية بن عديّ، استصغر يوم بدر، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد. قيل: أول مشاهده
стр. 2918
الخندق، وكان ينقل التراب يومئذ مع المسلمين، فقال رسول الله: "أَمَا إنّه نِعْمَ الغلامُ" ونعس يومئذ، فجاء عمارة بن حزم، فأخذ سلاحه وهو لا يشعر، فقال النبي: يا أبا رُقاد، ومن يومئذ نهى أن يُرَوَّع المؤمن، ولا يؤخذ متاعه جادًا ولا لاعبًا.
وكانت راية بني مالك بن النجار يوم تبوك مع عمارة بن حزم، فأخذها رسول الله ﷺ ، ودفعها إلى زيد بن ثابت، فقال عمارة: يا رسول الله، أبلغك عنّي شيء؟ قال: ولكن القرآن مقدم، وزيد أكثر منك أخذًا للقرآن. قال ابن عبد البر: وهذا عندي خبر لا يصح. وأما حديث أنس من أن زيد بن ثابت أحد الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ من الأنصار فصحيح، وقد عارضه قوم بحديث ابن شهاب عن عبيد بن السبّاق عن زيد بن ثابت أن أبا بكر أمره في حين مقتل القُراء باليمامة بجمع القرآن، قال: فجعلت أجمع القرآن من العُسُب والرّقاع وصدور الرجال، حتى وجدت آخر آية من التوبة مع رجل يقال له خُزيمة أو أبو خزيمة. قالوا: لو كان زيد قد جمع القرآن على عهد رسول الله مَلاّه من حفظه، وما احتاج إلى ما ذكر.
قالوا: وأما خبر جمع عثمان للمصحف، فإنما جمعه من الصحف التي كانت عند حفصة من جمع أبي بكر. يقال: إنه كان في حين قدوم النبي ﷺ المدينة ابن إحدى عشر سنة، وكان يوم بُعاث ابن ست سنين، وفيها قتل أبوه، وكان هو الذي تولى قَسم الغنائم يوم اليرموك، وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر، ثبت ذلك في الصحيح. وقال له أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك. ولما اختلف الناس في القرآن زمن عثمان، واتفق رأيه ورأيُ الصحابة على أن يرد القرآن إلى حرف واحد، وقع اختياره على حرف زَيد، فأمره أن يُمْلِي المصحفَ على قوم من قريش، جمعهم إليه فكتبوه على ما هو عليه اليومَ بأيدي الناس، والأخبار في ذلك متواترة المعنى، وإن اختلفت ألفاظها.
وكانوا يقولون: غلب زيد بن ثابت الناسَ على اثنتين: القرآن والفرائض. وروى البغوي وأبو يَعلى موصولًا، عن زيد بن ثابت قال: أتى بي النبي صلى
стр. 2919
الله عليه وسلم مَقْدَمه المدينة، فقيل: هذا من بني النجار، وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه ذلك، فقال: تعَلّم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي، ففعلت، فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له.
وروى من طريق ثابت بن عبيد أنه قال: قال لي النبي ﷺ : إني أكتب إلى قوم، فأخاف أن يزيدوا عليّ أو ينقصوا، فتعلم السريانية، فتعلمتها في سبعة عشر يومًا. وكتب بعده لأبي بكر وعمر وكتب لهما مُعَيْقيب الدَّوسيّ معه أيضًا، واستخلف عمر بن الخطاب زيدًا على المدينة ثلاث مرات في حجتين، وفي خروجه إلى الشام، وكتب إليه من الشام إلى زيد بن ثابت، من عمر بن الخطاب، وروى البغوي بإسناد صحيح: كان عمر يستخلف زيد بن ثابت إذا سافر، فقلما رجع إلَّا أقطعه حديقة من نخْل. وقال نافع عن ابن عمر: كان يستخلف زيدًا إذا حج، وكان عثمان يستخلفه أيضًا إذا حج، ورُمي يوم اليمامة فلم يضره، وروي عن الشعبيّ بإسناد جيد قال: ذهب زيد بن ثابت ليركب، فأمسكَ ابن عباس بالركاب فقال: تنح يا ابن عم رسول الله، قال: هكذا نفعل بالعلماء والكبراء. وروى يعقوب من طريق ابن سيرين: حج بنا أبو الوليد، فدخل بنا على زيد بن ثابت فقال: هذا لام، وهذا لام، وهذا لام في أخطاء.
وقال ثابت بن عبيد: ما رأيت رجلًا أفكه في بيته ولا أوقر في مجلسه من زيد بن ثابت. وعن أنس، قال النبي ﷺ : أفرضكم زيدٌ. رواه أحمد بإسناد صحيح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح قال: كان زيد بن ثابت أحد أصحاب الفتوى، وهم ستة: عمر وعليّ وابن مسعود وأبو موسى وزيد بن ثابت. ورُوي بسند فيه الواقديّ من طريق قبيصة قال: كان زيد رأسًا في المدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض. ومن طريق ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم. وقال مسروق: قدمت المدينة فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم.
وروي عن مالك بن أنس قال: كان إمام الناس عندنا بعد عمر بن الخطاب
стр. 2920
زيدُ بن ثابت بالمدينة، وكان إمامَ الناس عندنا بعده عَبْدُ الله بن عمر. وروى عن يوسف بن سعد عن وهيب عبدٍ كانَ لزيد بن ثابت، وكان زيد على بيت المال في خلافة عثمان، فدخل عثمان، فأبصر وهيبًا يعينهم في بيت المال، فقال: من هذا؟ فقال زيد: مملوك لي. فقال عثمان: أراه يعينُ المسلمينَ وله حق، وإنّا نفرض له، نفرض لهُ ألفين، فقال زيد: والله لا تفرض لعبد ألفين، ففرض له ألفًا.
قال أبو عمر: كان عثمان يحب زيد بن ثابت، وكان زيد عثمانيًا، ولم يكن فيمن شهد شيئًا من مشاهد عليّ مع الأنصار، مع ذلك يفضل عليًا ويظهر حبه، وكان فقيهًا. وقال سعيد بن المسيب: شهدت جنازة زيد بن ثابت، فلما وُلَّي في قبره قال ابن عباس: من سرّه أن يعلم كيف ذهاب العلم، فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دفن اليوم علم كثير. وقال أبو هريرة يوم مات زيد: مات اليوم حَبر الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس خَلَفًا. له اثنان وتسعون حديثًا اتفقا على خمسة، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بواحد. روى عنه جماعة من الصحابة، منهم أبو هُريرة وأبو سعيد وابن عمر وأنس وسهل بن سعد، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وولداه خارجة وسليمان، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار وآخرون. مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين، وقيل سنة إحدى أو خمس وخمسين، وفي خمس وأربعين قول الأكثر، ولما مات رثاه حسان بقوله:
فمنْ للقوافي بعد حَسَّان وابنه ... ومن للمعاني بعد زيد بن ثابت
стр. 2921
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلاَةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ، فَرَكِبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ فَخِذِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ". قَالَهَا ثَلاَثًا. قَالَ: وَخَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالْخَمِيسُ. يَعْنِي الْجَيْشَ، قَالَ فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً، فَجُمِعَ السَّبْيُ، فَجَاءَ دِحْيَةُ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنَ السَّبْي. قَالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً". فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لَكَ. قَالَ: "ادْعُوهُ بِهَا". فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا". قَالَ فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا أَصْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفْسَهَا، أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا فَقَالَ "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِيء بِهِ". وَبَسَطَ نِطَعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ. قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ السَّوِيقَ، قَالَ فَحَاسُوا حَيْسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: غزا خيبر، أي غزا بلدة تسمى خيبر، وهي بلغة اليهود حِصن، وقيل: أول ما سكن فيها رجل من بني إسرائيل يسمى خيبر، فسميت به، وهي بلدة في
стр. 2922
جهة الشمال والشرق من المدينة النبوية، على ستة مراحل، وكانت لها نخيل كثير، وكانت في صدر الإِسلام دارًا لبني قريظة والنضير، وكانت غزوتها سنة سبع من الهجرة، قاله ابن سعد. وقال ابن إسحاق: أقام رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الحديبية، ذا الحجة وبعض المحرم، وخرج في بقيته غازيًا إلي خيبر. وقوله: بغَلَسٍ، بفتح الغين واللام، وهو ظلمة آخر الليل. وقوله: فركب نبي الله، أي ركب مركوبه، وأخرج التِّرمذيّ والبيهقيّ عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يوم قريظة والنضير على حمار، ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف، وتحته إكاف من ليف.
وقال ابن كثير: والذي ثبت في الصحيح عند البخاريّ عن أنس، أن رسول الله ﷺ جرى في زقاق خيبر حتى انحسر الإزار عن فخذه، فالظاهر أنه كان يومئذ على فرس لا حمار، ولعل هذا الحديث، ان كان صحيحًا، محمول على أنه ركبه في بعض الأيام وهو محاصرها. وقوله: في زقاق خيبر، بضم الزاي وبالقافين، وهي السكة، يذكر ويؤنث، والجمع أزقة. وقوله ﷺ : ثم حسر الإزار عن فخذه حتى أني انظر، وفي رواية الكشميهنيّ "لأنظر" والصواب أنّ حَسَرَ، بفتح المهملتين، ويدل على ذلك تعليقه الماضي في أول الباب، فإنه قال: وقال أنس حَسَر النبي ﷺ ، وضبطه بعضهم بضم أوله على المبناء للمفعول، بدليل رواية مسلم "فانحسر"، وليس ذلك بمستقيم، إذ لا يلزم من وقوعه كذلك في رواية مسلم أن لا يقع عند البخاريّ على خلافه، وقد رواه بلفظ "فانحسر" أحمد والطبرانيّ، ورواية "فانحسر" لا دلالة فيها على أن الفخذ ليس بعورة، لدلالتها على أنه وقع بغير اختياره، لضرورة الإجراء.
وأما رواية حَسَر، بفتحتين، ففيها دلالة على أن ذلك كان باختياره، فتدل على أن الفخذ ليس بعورة، ولكن قال بعض العلماء: إن اللائق بحاله، ﵊، أن لا ينسب إليه كشف فخذه قصدًا، مع ثبوت قوله ﵊ "الفخذ عورة" ولعل أنسًا لمّا رأى فخذه ﵊ مكشوفًا، وكان ﵊ تسبب في ذلك بالإجراء، أسند الفعل إليه.
стр. 2923
وقال القرطبيّ: حديث أنس وما معه إنما ورد في قضايا معينة في أوقات مخصوصة يتطرق إليها من احتمال الخصوصية، أو البقاء على أصل الإباحة، ما لا يتطرق إلى حديث جرهد وما معه؛ لأنه يتضمن إعطاء حكم كليّ، وإظهار شرع عام، فكان العمل به أَوْلى، ولعل هذا هو مراد المؤلف بقوله: وحديث جرهد أحوط.
وأجابوا عن حديثَيْ عائشة وحفصة السابقين بما قاله أبو عمر: الحديث الذي رووه عن حفصة فيه اضطراب، وقال البيهقيّ: قال الشافعيّ: والذي روي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه؛ لأن الراوي قال "فخذيه" أو "ساقيه" كما في بعض الروايات، وقال الطَّبريّ في "تهذيب الآثار" الأخبار التي رويت عن النبي ﷺ أنه دخل عليه أبو بكر وعمر، وهو كاشف فخذه، واهية الإِسناد، لا تثبت بها حجة في الدِّين، والأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ والنهي عن كشفها، أخبار صحاح. ومما احتج به القائلون بأنه ليس بعورة قول أنس في هذا الحديث "وإن ركبتي لَتَمسُّ فخذ نبي الله ﷺ " إذ ظاهره أن المس كان بدون حائل، ومس العورة بدون حائل لا يجوز، وقالوا: إنّ رواية مسلم، ومن وافقه، في أن الإزار لم ينكشف بقصد منه ﵊، يمكن الاستدلال بها على أن الفخذ ليس بعورة من جهة استمراره على ذلك؛ لأنه، وإن جاز وقوعه من غير قصد، لكن لو كان عورة، لم يقر على ذلك، لمكان عصمته ﷺ ، ولو فُرض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار، لكان ممكنًا، لكن فيه نظر من جهة أنه كان يتعين حينئذ البيانُ عقبه، كما وقع في قصة السهو في الصلاة، وسياقه عند أبي عُوانة والجَوزقي عند عبد العزيز، ظاهر في استمرار ذلك، ولفظه "فأجرى رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ، وإني لأرى بياض فخذيه".
هذا ما قيل في أوله: الفخذ من الطرفين، وقد مر عند قول المصنف: وحديث أنس أسند، بيان مَن قال إنه عورة، ومن قال إنه غير عَورة، وحقيقة العورة من الرجل والأَمة قُنة أو ذات سائبة ما بين سُرَّة وركبة، وكذلك من الحرة
стр. 2924
مع الحرة ومع المحرم عند الشافعية، وعند المالكية يجوز للرجل من الحرة المحرم، نظر أطرافها، وهي القدمان والذراعان وما فوق المنحر، وقد شهد بعض علماء المالكية أن الأولى للمحرم المالكي تقليد الشافعية، فقد روى الحارث بن أبي أسامة "عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته" وقيس بالرجل الأمة، بجامع أن رأس كل منهما ليس بعورة. وفي السنن أن عورتها ما بين مَعْقِد إزارها إلى ركبتها، وعند المالكية أن السُّرَّة والركبة خارجتان من العورة في المشهور. وقال القسطلانيّ: يجب ستر بعض السرة والركبة ليحصل الستر. وقيل: هما عورة، وقيل: الركبة عورة دون السرة، لحديث الدارقطني "عورة الرجل ما دون سرته حتى يجاوز ركبتيه". وصحيح مذهب أبي حنيفة وأحمد أنهما ليسا بعورة أيضًا.
وقيل: إنهما عورة عند أبي حنيفة، وقيل: الستر عورة دون الركبة، وقيل بالعكس، وعورة الحرة في الصلاة وعند الأجنبي جميع بدنها إلَّا الوجه والكفين، أي اليدين ظاهرًا وباطنًا إلى الكوعين، كما فسر به ابن عباس قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] وأصح الروايتين عند أبي حنيفة أن قدم المرأة ليس بعورة، لأنها مبتلاة بإبداء قدميها عند المشي؛ لأنها ربما لا تجد الخف. وقال الشافعي: إن الخلوة يجب فيها ستر العورة الكبرى، وهي السوأتان، ويكره له نظرهما من نفسه. وعند المالكية يندب ستر السوأتين وما والاهما في الخلوة، ويباح للأجنبية أن ترى من الأجنبي ما يراه من محرمه، وترى المحرم من محرمها ما يراه من الرجل. وقال القسطلانيّ: والخنثى كالأنثى، فلو استتر كالرجل بأن اقتصر على ما ستر ما بين سرته وركبتيه، وصلى، لم تصح صلاته على الأصح، للشك في الستر. وصحح في التحقيق صحتها، ونصت المالكية أيضًا على أن حكمه في الستر حكم الأنثى.
وقوله: فلما دخل القرية، مشعر بأن الزقاق كان خارج القرية. وقوله: خَرِبت خيبر، أي صارت خرابًا، قاله على سبيل الإخبار، فيكون من الأنباء بالمغيبات أو على جهة الدعاء عليهم، أو التفاؤل لما رآهم خرجوا بمساحيهم
стр. 2925
ومكاتلهم التي هي من آلات الهدم. وقوله: وخرج القوم إلى أعمالهم، أي إلى مواضع أعمالهم، أو "إلى" بمعنى اللام، أي خرجوا لأعمالهم التي كانوا يعملونها. وقوله: وقال بعض أصحابنا، البعض هو محمد بن سيرين، كما أخرجه المؤلف من طريقه، أو ثابت البنانيّ، كما أخرجه مسلم من طريقه، والأوَّل مرّ في الأربعين من الإيمان، ومرّ الثاني في تعليق بعد الخامس من كتاب العلم.
وقوله: والخميسُ، بالرفع عطفًا على محمد، أو بالنصب على أن الواو بمعنى مع. وقوله: يعني الجيش، تفسير من عبد العزيز أو ممن هو دونه، والمعنى أن عبد العزيز لم يسمع لفظة الخميس من أنس، بل إنما سمع منه "قالوا: جاء محمد" فقط، وسمع من بعض أصحابه "والخميس" وسُميّ الجيش بالخميس لأنه خمسة أقسام: مقدمةٌ وساقَةٌ وقَلْب وجناحان. وقيل: من تخميس الغنيمة، وتعقبه الأزهريّ بأن التخميس إنما ثبت بالشرع، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الجيش خميسًا، فالتفسير الأول أوْلى، والتفسير مدرج.
وقوله: عَنْوة، بفتح العين وسكون النون، أي قهرًا في عنف، أو صلحًا في رفق، ضد. ومن ثَمّ اختُلف هل كانت صلحًا أو عَنوة أو إجلاءًا، وصحح المنذريّ أن بعضها أُخذ صلحًا وبعضها عنوة وبعضها إجلاءًا، وبهذا يندفع التضاد بين الآثار. وقوله: فجُمع السبي بضم الجيم مبنيًا للمجهول. وقوله: فخذ جارية إنما أذِن ﷺ لدَحْيَة في أخذ الجارية قبل القسمة؛ لأن له ﵊ صَفِيّ المَغْنَم، يعطيه لمن يشاء، أو تنفيلًا له من أصل الغنيمة، أو من خُمس الخُمس بعد أن يتميز، أو قبل، على أن تحسب منه إذا يتميز، أو أذن له في أخذها لتقوم عليه بعد ذلك، وتحسب من سهمه.
وقوله: فجاء رجل، قال في الفتح: لم أعرف اسمه. وقوله: قريظة، بضم القاف وفتح الراء والظاء المعجمة المُشالة. وقوله: والنضير، بفتح النون وكسر الضاد المعجمة الساقطة، قبيلتان من يهود خيبر. وقوله: خذ جارية من السبي غيرها، يعني وارتجعها منه؛ لأنه إنما كان أذن له في جارية من حشد السبي،
стр. 2926
لا في أخذ أفضلهن؛ لأنها كانت من بيت النبوءة من ولد هارون ﵇، وبيت الرياسة لأنها بنت سيد قريظة والنضير، مع الجمال، فلما رآه أخذ أنفس السبي نسبًا وشرفًا وجمالًا استرجعها منه، لئلا يتميز دَحْيَة على سائر الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه، وأيضًا لما فيه من انتهاك حرمتها مع علو مرتبتها، وربما ترتب على ذلك شقاق أو غيره مما لا يخفى، فكان اصطفاؤه ﵊ لها قاطعًا لهذه المفاسد؛ لأنه ﵊ هو أكمل الخلق في هذه الأوصاف، بل في سائر الأخلاق الحميدة.
وذكر الشافعيّ في الأم، عن سِيرة الواقديّ، أنه ﵊ أعطى دحية أخت كِنانة بن الربيع بن أبي الحَقيق، وكان زوج صفية، فكأنه ﵊ طيّب خاطره لمّا استرجع منه صفية، بأن أعطاه أخت زوجها وفي سيرة ابن سيد الناس أنه أعطاه ابنتَيْ عم صفية. وفي رواية لمسلم أن النبي ﷺ اشترى صفية منه بسبعة أرؤس، وإطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز، وليس في قوله "سبعة أرؤس" ما ينافي قوله هنا "خذ جارية" إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة.
وقوله: أعتقها وتزوجها، أَخذ بظاهره من القدماء سعيدُ بن المسيب وإبراهيم النخعيّ وطاوس والزُّهريّ، ومن فقهاء الأمصار الثَّوريّ وأبو يوسف وأحمد وإسحاق. قالوا: إذا أَعتقَ أَمَتَه على أن يجعل عتقها صداقها، صح العقد والعتق والمهر. وذهب الجمهور كمالك وأبي حنيفة والشافعيّ ومحمد وزُفَر واللَّيث وابن شُبْرُمة إلى أنه ليس لأحد أن يفعل هذا، فيتمَّ له النكاح بدون صداق، غير النبي ﷺ . لأن الله تعالى لما جعل له أن يتزوج بغير صداق، كان له أن يتزوج على العِتاق الذي ليس بصَدَاق. ثم إن فعل هذا وقع العتاق، ولها عليه مهر المِثل، فإن أبت أن تتزوجه تسعى له في قيمتها عند أبي حنيفة ومحمد، وقال مالك وزفر: ولا شيء له عليها. وفي الأحكام لابن بُزيزة، وقال الشافعيّ وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: ان كرهت نكاحه غرمت له قيمتها، فإنْ كانت مُعْسِرة استسعت في ذلك، وقال مالك وزفر: وإن كرهت فهي حرة، ولا
стр. 2927
شيء له عليها، إلا أنْ يقول: لا أعتق إلَّا على هذا الشرط، فإن كرهت لم تعتق؛ لأنه من باب الشرط والمشروط. وأغرب التِّرمذيّ فقال: إن الشافعيّ قائل بقول أحمد، والمعروف عند الشافعية أن ذلك لا يصح، ونص الشافعيّ على أن من أعتق أمته على أن يتزوجها، فقبلت، عتقت ولم يلزمها أن تتزوج به، لكن يلزمها له قيمتها، لأنه لم يرض بعتقها مجانًا، فصار كسائر الشروط الفاسدة، فإن رضيت وتزوجته على مهر يتفقان عليه، كان لها ذلك المسمى، وعليها له قيمتها، فإن اتحدا تقاصّا.
وممن قال بقول أحمد من الشافعية ابن حبان، صرح بذلك في صحيحه. وقال ابن دقيق العيد: الظاهرُ مع أحمد ومن وافقه، والقياس مع الآخرين، فيتردد الحال بين ظن نشأ عن قياس، وبين ظن نشأ عن ظاهر الخبر، مع ما تحتمله الواقعة من الخصوصية، وهي، وإن كانت على خلاف الأصل، لكن يتقوى ذلك بكثرة خصائص النبي ﷺ في النكاح، وخصوصًا خصوصيته بتزويج الواهبة من قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ... الآية، وممن جزم بأن ذلك من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقيّ قال: وكذا نقله المزنيّ عن الشافعيّ. قال: وموضع الخصوصية أنه أعتقها مطلقًا، وتزوجها بغير مهر ولا ولي ولا شهود، وهذا بخلاف غيره.
وقال القرطبيّ: منع من ذلك مالك وأبو حنيفة لاستحالته، وتقرر استحالته من وجهين: أحدهما أن عقدها على نفسها إما أن يقع قبل عَتقها، وهو محال، لتناقض الحكمين: الحرية والرق، فإن الحرية حكمها الاستقلال، والرق ضده. وإما بعد العَتق، فلزوال حكم الجبر عنها بالعتق، فيجوز أن لا ترضى وحينئذ لا نكاح إلا برضاها. الوجه الثاني: أنّا إذا جعلنا العتق صَداقًا فإما أن يتقرر العتق حالة الرق، وهو محال لتناقضهما، أو حالة الحرية فيلزم أسبقيته على العقد، فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه، وهو محال لأن الصَّداق لابد أن يتقدم تقرره على الزوج إما نصًا وإما حكمًا، حتى تملك الزوجة طلبه، فإن اعتلوا بنكاح التفويض، فقد تحرزنا منه بقولنا "حكمًا" فإنها، وإن لم يتعين لها
стр. 2928
حالة العقد شيء، لكنها تملك المطالبة، فثبت أنه يثبت لها حالة العقد شيء تطالب به الزوج، ولا يتأتّى مثل ذلك في العتق، فاستحال أن يكون صداقًا.
قال في الفتح: وتُعُقب ما ادعاه من الاستحالة بجواز تعليق الصّداق على شرط إذا وُجد استحقته المرأة، كأنْ يقول: تزوجتك على ما سيستحق لي عند فلان، وهو كذا، فإذا حل المال الذي وقع العقد عليه استحقته. قلت: القرطبيّ مالكيّ، وما ذكر أنه متعقب عليه به فاسد في مذهبه، لا يجوز عنده هذا الشرط، فإذا كان جائزًا في مذهب صاحب الفتح لا يعترض عليه به، إذ لا يصح الاعتراض على مذهب بمذهب، وأجاب القائلون بعدم صحته، ذلك عن ظاهر الحديث، بأجوبة أقربها إلى لفظ الحديث أنه إنْ أعتقها بشرط أن يتزوجها فوجبت له عليها قيمتها، وكانت معلومة فتزوجها بها، ويؤيده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسًا قال: سبى النبي ﷺ صفيةَ فأعتقها وتزوجها. فقال ثابت لأنس: ما أصدقها؟ قال: نفسها فأعتقها. هكذا أخرجه المصنف في المغازي، وفي رواية ثابت وعبد العزيز عن أنس قال: وصارت صفية لرسول الله ﷺ ، ثم تزوجها، وجعل عتقها صداقها، فقال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد، أنت سألت أنسًا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. وهذا ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق، وهو الذي أوَّلَ به بعضهم فقال: إنه جعل نفس العتق مهرًا أو أنه من خصائصه، وجزم بذلك الماورديّ.
قال في الفتح: والتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد، حتى لو كانت مجهولة، فإن في صحة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعية. وقال آخرون: قوله "أعتقها وتزوجها". معنا أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقًا قال: أصدقها نفسها، أي لم يصدقها شيئًا فيما أعلم، لم ينف أصل الصَّداق ومن ثُمّ قال أبو الطيّب الطَّبريّ من الشافعية وابن المرابط من المالكية، ومن تبعهما: إن قول أنس قاله ظنًا من نفسه، ولم يرفعه، وربما تأيد ذلك عندهم بما أخرجه البيهقي عن أُميمة، ويقال أَمة الله بنت رزينة عن أمها أن النبي ﷺ أعتق صفية، وخطبها وتزوجها وأمهرها رزينة، وكان أتى بها
стр. 2929
مسبية من قريظة والنضير. وهذا لا تقوم به حجة، لضعف إسناده، ويعارضه ما أخرجه الطبرانيّ وأبو الشيخ عن صفية نفسها قالت: أعتقتي النبي ﷺ ، وجعل عتقي صداقي، وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنسًا قال ذلك بناء على ما ظنه.
وقد خالف هذا الحديث أيضًا ما عليه كافة أهل السير، من أن صفية من سبي خيبر، قلت: يمكن أن يكون قوله "مسبية" راجع إلى رزينة لا إلى صفية، إذا لم يثبت أن رزينة من غير قريظة والنضير، ولم أرهم توخوا لنسبها في تعريف الصحابة، ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكها بغير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبي ﷺ دون غيره. ويحتمل أنه أعتقها بغير عوض، وتزوجها بغير مهر في الحال، ولا في المال. قال ابن الصلاح: معناه أن العتق يحل محل الصداق، وان لم يكن صداقًا. قال: وهذا كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له. قال: وهذا الوجه أصح الأوجه، وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النوويّ في الروضة، وهو من خصائصه ﵊.
وأخرج الطحاويّ عن ابن عمر في قصة جُوَيرية بنت الحارث أن النبي ﷺ جعل عتقها صداقها، وهو مما يتأيد به حديث أنس، لكن أخرج أبو داود عن عائشة في قصة جُويرية أن النبي ﷺ قال لما جاءت تستعين به في كتابتها: "هل لك أن أقضي عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: نعم، قال: قد فعلت". واستشكله ابن حزم بأنه يلزمه منه إن كان أدى عنها كتابتها أن يكون ولاؤها لمكاتبها.، وأجيب بأنه ليس في الحديث التصريح بذلك؛ لأن معنى قوله "قد فعلت" رضيت، فيحتمل أن يكون ﷺ عوَّض ثابت بن قيس عنها، فصارت له، فأعتقها وتزوجها، كما صنع في قصة صفية، أو يكون ثابت، لما بلغه رغبة النبي ﷺ ، وهبها له.
وقوله: حتى إذا كان بالطريق، يعني سد الصهباء، وهي على بَريد من خيبر، غلط من قال سد الروحاء؛ لأنها على نيف وثلاثين ميلًا من المدينة من جهة مكة. وقوله: فأهدتها له من الليل، بالهمز، وفي بعض الروايات "فهدتها" بغير همزة. وصُوِّبِ لقول الجوهريّ: الهداءُ مصدر هديت أنا المرأة إلى زوجها.
стр. 2930
وقوله: عروسًا، على وزن فعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في أعراسهما، وجمعه عُرُس، بضمتين للرجل، وعرائس للأنثى.
وقوله: وبسط نطعًا، أي بكسر النون وفتح الطاء المهملة، وعليها اقتصر ثعلب، وتجوز فتح النون وسكون الطاء وفتحهما، وكسر النون وسكون الطاء، وهو بساط من أديم، ويجمع على أنطاع ونُطوع. وقوله: وأحسبه قد ذكر السويق، وفي رواية عبد الوارث الجزم بذكر السويق. وقوله: فحاسوا حَيْسًا، أي خلطوا وتَخِذوا، والحَيْس بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية: السمن والتمر والأقط. قال الشاعر:
التمرُ والسمنُ جميعًا والأقط ... الحيسُ إلَّا أنه لم يختلط
وقد يخلط مع هذه الثلاثة غيرها كالسويق، وربما عوض الدقيق عن الأقط. وقوله: فكانت وليمة رسول الله ﷺ ، أي طعام عُرْسه من الوَلْم، وهو الجمع، سمي به لاجتماع الزوجين.
وفي الحديث أن للسيد أن يتزوج أَمَتَه إذا أعتقها من نفسه، ولا يحتاج إلى وليّ ولا إلى حاكم، وقد اختلف السلف في ذلك، فقال مالك، وأبو حنيفة وأكثر أصحابه، والأوزاعيّ والثَّوريّ واللَّيث: يزوج الولي نفسه، ووافقهم أبو ثَور. وعن مالك: لو قالت الثَّيِّب لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوجها من نفسه، أو ممن اختار، لزمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجها السلطان أو ولي آخر مثله، أو أقعد سنة. ووافقه زُفَر وداود، وحجتهم أن الولاية شرطٌ في العقد، فلا يكون الناكح منكحًا، كما لا يبيع من نفسه.
وقال ابن الجوزي: فإن قيل: ثواب العتق عظيم، فكيف فوته حيث جعله مهرًا، وكان يمكن جعل المهر غيره؟ فالجواب أن صفية بنت ملك، ومثلها لا يقنع إلَّا بالمهر الكثير، ولم يكن صداقها نفسها وذلك عندها أشرف من المال الكثير. واستنبط منه مطلويية الوليمة للعرس، وأنها بعد الدخول، وجوز النوويّ كونها قبله أيضًا، وعند المالكية أنها مندوبة، وكونها بعد الدخول ندب آخر.
стр. 2931
وعند المالكية والشافعية والحنفية قول بأنها واجبة، واستنبط أن السنة تحصل بغير اللحم، ومساعدة الأصحاب بطعام من عندهم، وإجابة الدعوة عند المالكية والشافعية واجبة في الوليمة مستحبة في غيرها، وعند الحنفية والحنابلة سنةٌ مطلقًا، سواءًا كانت وليمة أو غيرها.
وفيه الزفاف في الليل، وقد جاء أنه ﵊ دخل عليها نهارًا، ففيه جواز الأمرين.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر أبي طلحة ودَحْية وصفية بنت حُيَيّ بن أخْطَب، أم المؤمنين، وأم سليم، وثابت. وفيه لفظ رجل مبهم.
الأول: يعقوب بن إبراهيم الدورقيّ، وقد مرّ هو وإسماعيل بن علية وعبد العزيز بن صهيب في الثامن من كتاب الإيمان، ومرّ أنس بن مالك في السادس منه، ومرَّ أبو طلحة في السادس والثلاثين من كتاب الوضوء، ومرت أم سليم في السبعين من كتاب العلم، ومر دَحية في السابع من بدء الوحي، وثابت المراد به البنانيّ، وقد مرّ في الخامس من كتاب العلم، وأبو حمزة المراد به أنس بن مالك، ومرت صفية في الثالث والثلاثين من كتاب الحيض، والرجل المبهم قال ابن حجر: لم أقف على اسمه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي النكاح عن قُتيبة ومسدد، ومسلم في النكاح والمغازي، وأبو داود في الخراج والنكاح والوليمة والتفسير.
ثم قال المصنف:
باب في كم تصلي المرأة من الثياب
ولغير الأربعة في الثياب، وباب بالتنوين، وكم محذوفة المميز، أي كم
стр. 2932
ثوبًا، وهي لها صدر الكلام. ولا يقدح في ذلك تأخُّرُها عن في الجارة؛ لأن الجار والمجرور ككلمة واحدة. قال ابن المنذر، بعد أن حكى عن الجمهور أن الواجب على المرأة أن تصلي في درع وخمار: المراد بذلك تغطية بدنها ورأسها، فلو كان الثوب واسعًا فغطت بفضله رأسها جاز. قال: وما رويناه عن عطاء أنه قال: تصلي في درع وخمار وإزار، وعن ابن سيرين مثله، وزاد "وملحفة"، فإني أظنه محمولًا على الاستحباب.
ثم قال: وقال عكرمة: لو وارت جسدها في ثوب جاز. وفي رواية الكشميهني: لأَجَزْتُه، أي بفتح الجيم وسكون الزاي وضمير المتكلم. وهذا التعليق وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة، ولفظه "لو أخذت المرأة ثوبًا فتقنعت به حتى لا يرى من شعرها شيء أجزأ عنها" وعكرمة قد مر في السابع عشر من كتاب العلم.
стр. 2933
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ مُتَلَفِّعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ.
قوله: لقد كان، اللام في "لقد" جواب قسم محذوف، وقوله: فيشهد معه نساء من المؤمنات، وفي روايته في المواقيت "كن نساء المؤمنات يشهدن". ورواية الباب واضحة المعنى، والأخيرة قوله فيها: كُنّ، هو مثل قولهم: "أكلوني البراغيث" لأن قياسه الإفراد، وقد جمع، ونساء جمع امرأة لا واحد له من لفظه. وقوله: نساء المؤمنات، أي نساء هنا بمعنى الفاضلات، أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي فضلاؤهم. وقوله: يشهدن، أي يحضرن. وقوله: متلفِّعات في مُرُوطهن، بعين مهملة بعد الفاء المكسورة المشددة منصوب على الحال، وللأصيلي: متلفعات، بالرفع صفة للنساء، وفي رواية متلففات، بفائين. قال الأصمعي: التلفع أن تشتمل بالثوب حتى تجلل به جسدك، وفي شرح الموطأ لابن حبيب: التلفع لا يكون إلا بتغطية الرأس. والتلفف يكون بتغطية الرأس وكشفه. والمروط جمع مِرط بكسر الميم، وهو كساء مُعْلَم من خَزّ أو صوف أو غير ذلك. وقيل: لا يسمى مِرطًا إلا إذا كان أخضر، ولا يلبسه إلا النساء، وهو مردود بقوله: مرط من شعر أسود.
وقوله: ما يعرفهنّ أحد، زاد في المواقيت "منَ الغَلَس" وهو يعين أحد الاحتمالين: هل عدم المعرفة بهن لبقاء الظلمة، أولمبالغتهن في التغطية؟ قال الداوديّ: معنى لا يعرفهن أحد أنساء أم رجال: أي لا يظهر للرائي إلَّا الأشباح خاصة. وقيل: لا يعرف أعيانهن، فلا يفرق بين خديجة وزينب، وضعّفه النوويّ
стр. 2934
بأن المتلفعة في النهار لا تعرف عينها، فلا تبقى في الكلام فائدة، وتعقب بأن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر؛ لأن لكل امرأة هيأة غير هيأة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مغطى. وقال الباجيّ: هذا يدل على أنهن كن سافرات، إذ لو كن متنقبات لمنع تغطيةُ الوجه من معرفتهن لا الغَلَسُ، وفيه ما فيه؛ لأنه مبنيّ على الأشباه الذي أشار إليه النووي.
وأما إذا قلنا إن لكل واحدة هيأة غالبًا، فلا يلزم ما ذكر، ولا معارضة بين عدم المعرفة هنا وبين حديث أبي برزة الآتي في المواقيت "أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه" لأن هذا إخبار عن رؤيته المتلفعة على بُعد، وذلك إخبار عن رؤية الجليس، واعترض استدلال المصنف بهذا الحديث على جواز صلاة المرأة في الثوب الواحد، بأن الالتفاع المذكور يحتمل أن يكون فوق ثياب أُخرى، والجواب عنه أنه تمسك بأن الأصل عدم الزيادة على ما ذكر، على أنه لم يصرح بشيء، إلا أن اختياره يؤخذ في العام؛ من الآثار التي يودعها في الترجمة.
وفي الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصبح في أول الوقت، وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل، ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى؛ لأن الليل مِظَنة الرِّيبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أو بهن فتنة. واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة، وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيأة الانصراف.
رجاله خمسة:
الأول: أبو اليمان.
والثاني: شعيب بن أبي حمزة، وقد مرا في السابع من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ عُروة وعائشة في الثاني منه.
стр. 2935
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعَين، والعنعنة في موضع واحد، والإخبار كذلك. وفيه القول، ورواته ما بين حُمصيّ ومدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن الصحابيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة عن عبد الله بن يوسف والقعنبيّ، ومسلم وأبو داود والتِّرمذِيّ، والنَّسائيّ فيها أيضًا، وابن ماجه.
ثم قال المصنف:
باب إذ صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها
وأنث بالنظر إلى الخميصة الآتية قريبًا، وفي رواية ونظر إلى علمه.
стр. 2936
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي الجَهْمٍ وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي الجَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي".
قوله: في خميصة أي بفتح المعجمة وكسر الميم وبالصاد المهملة، كساء مربع له عَلَمان. وقوله: بأنبجانيَّة أبي جهم، وهي بفتح الهمزة، وحكى كسرها، وسكون النون، وكسر الموحدة، وتخفيف الجيم، وبعد النون ياء النسبة، كساء غليظ لا عَلَم له، يقال كبش أنبجانيّ إذا كان ملتفًا كثير الصوف، وكساء أنبجانيّ كذلك، والصواب أن هذه النسبة إلى موضع يقال له أنبجان، وقيل: منسوب إلى منبج؛ البلد المعروف بالشام، وإذا نسب إليه فتمت الباء فقيل كساء منبجانيّ، أخرجوه مَخْرج منظراني. وخطَّأ أبو موسى المدينيّ من زعم أن النسبة هنا إلى منبج.
وقوله: إلى أبي جهم، إنما خصه ﷺ بإرسال الخميصة إليه؛ لأنه كان أهداها للنبي ﷺ ، كما رواه مالك في الموطأ، ووقع عند الزبير بن بكّار ما يخالف ذلك، فأخرج من وجه مرسل "أن النبي ﷺ أتى بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم". ولأبي داود من طريق أُخرى. "وأخذ كرديًا لأبي جهم، فقيل: يا رسول الله، الخميصة كانت خيرًا من الكرديّ". قال ابن بطال: إنما طلب منه ثوبًا غيرها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافًا به. قال: وفيه أن الواهب إذا ردت عليه هديته من غير أن يكون هو الراجع فيها، فله أن يقبلها من غير كراهة، وهذا مبنيّ على أنها واحدة. ورواية
стр. 2937
الزبير، والتي بعدها، تصرح بالتعدد.
وقوله: فإنها ألهتني، أي شغلتني من "لَهِيَ" بالكسر، إذا غفل، لا من لها يلهو لهوًا إذا لعب. وقوله: آنفًا، أي قريبًا، وهو مأخوذ من ائناف الشيء، أي ابتدائه. وقوله: عن صلاتي، أي عن كمال الحضور فيها، ولكن الرواية المعلقة الآتية تدل على أنه لم يقع له شيء من ذلك، وإنما خشي أن يقع لقوله "فأخاف" وفي رواية مالك في الموطأ "فإني نظرت إلى عَلَمها في الصلاة فكاد يفتنني" والجمع بين الروايتين يحمل قوله "ألهتني" على قوله "كادت" فيكون إطلاق الأولى للمبالغة في القرب لا لتحقق وقوع الإلهاء. وقد يقال: إن له ﵊ حالتين: حالة بشرية وحالة يختص بها خارجة عن ذلك، فبالنظر إلى الحالة البشرية قال ألهتني، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به، بل قال أخاف، ولا يلزم من ذلك الوقوع.
قال ابن دقيق العيد: فيه مبادرة الرسول ﵊ إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لَعَلَّه يخدش فيها، ونزع الخميصة ليستن به في ترك كل شاغل، وليس المراد ببعثها إلى أبي جهم أن يستعملها في الصلاة؛ لأنه ﵊ لم يكن ليبعث إلى غيره بما يكرهه لنفسه، فهو كإهداء حالة عطّار وإلى عمر مع تحريم لبسها، لينتفع بها ببيع أو غيره. ويحتمل أن يكون ذلك من جنس قوله "كلْ فإني أُناجي من لا يناجي" ويستنبط منه كراهية كل ما يشغل عن الصلاة من الأصباغ والنقوش ونحوها، والحض على حضور القلب، وقد شهد القرآن بالفلاح للمصلين الخاشعين، والفلاح أجمع اسم لسعادة الأخرى، وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح، فالمصلي يناجي ربه، فعظم في نفسك قدر من تناجيه، وانظر مَن تناجي وكيف تناجي، وبماذا تناجي، فاعلم واعمل تسلم. وفيه قبول الهدية من الأصحاب، والإرسال إليهم، والطلب منهم.
واستدل به الباجيّ على صحة المعاطاة لعدم ذكر الصيغة، وقال الطيبيّ فيه إيذان بأن للضرر والأشياء الظاهرة تاثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية،
стр. 2938
فضلًا عمن دونها، وفيه أن اشتغال الفكر اليسير في الصلاة غير قادح فيها، وهو مجمع عليه، وفيه أن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر بما ليس متعلقًا بالصلاة. والذي حُكِي عن السلف أنه مما يضر غير معتد به.
رجاله خمسة:
الأول: أحمد بن يونس، وقد مرّ في التاسع عشر من كتاب الإيمان، ومرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه، ومرّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرّ عُروة وعائشة في الثاني منه أيضًا.
وفيه ذكر أبي جهم، واسمه عامر بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عَبيد بن عُوَيج بن عَدِيّ بن كعب القُرشيّ العَدَويّ، وقيل اسمه عُبيد الله، أسلم عام الفتح، وصحب النبي ﷺ ، وكان مقدمًا في قريش معظمًا، وكانت فيه وفي بنيه شدة وعرامة. قال الزبير: كان أبو الجهم بن حذيفة من مشيخة قريش، عالمًا بالنسب، وهو أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب، وكان من المعمَّرين، حضر بناء الكعبة مرتين: حين بنتها قُريش، وحين بناها ابن الزبير، وعمل فيها، وقال: عملت في الكعبة مرة في الجاهلية بقوة غلام يَفاع، وفي الإِسلام بقوة شيخ فانٍ.
وهو أحد الأربعة الذين تولّوا دفن عثمان، وأخرج البغويّ من طريق عُروة قال: لما أُصيب عثمان أرادوا الصلاة عليه، فمُنعوا، فقال أبو الجهم: دعوه فقد صلى الله عليه ورسوله، وأخرج ابن أبي عاصم عن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي الجهم قال: سمعت أبا الجهم يقول: لقد تركت الخمر في الجاهلية، وما تركتها إلَّا خشية على عقلي، وما فيها من الفساد. وثبت ذكره في هذا الحديث في الصحيحين، وروى الزُّبير بن بكّار من وجه آخر مرسل "أن النبي ﷺ أتى بخميصتين سوداوين، فلبس إحداهما، وبعث الأخرى إلى أبي جهم، ثم أنه أرسل إلى أبي جهم في تلك الخميصة، وبعث إليه التي لبسها هو، وليس هي التي كانت عند أبي جهم بعد أن لبسها أبو جهم لبسات.
стр. 2939
وثبت ذكره في حديث فاطمة بنت قيس لما قالت "إن معاوية وأبا جهم خطباني، أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وقالوا: لأنه ضرّاب للنساء. وقال ابن سعد: كان شديد العارضة، وكان عمر يمنعه حتى كف من لسانه، وروى الزبير بن بكار أن النبي ﷺ استعمله على النفل يوم حنين، فجاء خالد بن البرصاء فتناول رمامًا من شَعْر فمنعه أبو جهم، فقال: إن نصيبي فيه أكثر، فتدافعا، فعلاه أبو جهم فشجه منقلة، فقضى فيها النبي ﷺ بخمس عشرة فريضة. وأخرج ابن المبارك في الزهد أن أبا جهم بن حذيفة قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمي، ومعي شَنّة من ماء، فذكر القصة.
قال ابن سعد: إنه مات في خلافة معاوية، وما مرّ من أنه حضر بناء ابن الزبير الكعبة ينافي هذا، فيدل على أنه تأخر إلى خلافة ابن الزبير، ويؤيده ما رواه ابن أخي الأصمعي، عن عمه في النوادر، عن عيسى بن عمر قال: وفد أبو جهم على معاوية، ثم على يزيد، ثم ذكر قصة له مع ابن الزبير.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين مدنيّ وكوفيّ. وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس عن موسى بن إسماعيل وأبو داود فيه أيضًا، وكذلك ابن ماجه ومسلم والنَّسائي في الصلاة.
ثم قال: وقال هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: "قال النبي ﷺ : كنت انظر إلى عَلَمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني" قوله: فأخاف أن تفتنني، من الثلاثيّ. وسنده الثلاثة مروا في الثاني من بدء الوحي، وهذا التعليق أخرجه مسلم في صحيحه موصولًا، وأبو داود وأحمد وابن أبي شيبة.
باب إن صلّى في ثوب مصلَّب أو تصاوير، هل تفسد صلاته؟ وما ينهى من ذلك ؟
قوله: مصلب، بفتح اللام المشددة، أي فيه صُلبان منسوجة أو منقوشة، ويمكن أن يكون أشار بقوله "مصلب" إلى ما ورد في بعض طرق هذا الحديث كعادته، وذلك فيما أخرجه في اللباس عن عائشة قالت: "لم يكن رسول الله ﷺ -
стр. 2940
يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلَّا نقضه" وللإسماعيليّ "سترًا أو ثوبًا" بدل شيئاً. وقوله: أو تصاوير، أي في ثوب وفي تصاوير، كأنه حذف المضاف لدلالة المعنى؛ لأن الصلاة فيه. وقال الكرمانيّ: هو عطف على ثوب لا على مصلب، والتقدير: أو صلى في تصاوير.
وعند الإِسماعيليّ "أو بتصاوير" وهو يرجح الاحتمال الأول. قاله في الفتح. ولم يظهر لي وجه الترجيع، وعند أبي نعيم "في ثوب مصلب أو مصور".
وقوله: هل تفسد صلاته، جرى فيه المصنف على قاعدته في ترك الجزم فيما فيه اختلاف، وهذا من المختلف فيه، وهذا مبنيٌّ على أن النهي هل يقتضي الفساد أم لا؟ والجمهور إن كان المعنى في نفسه واقتضاه، وإلّا فلا. وقوله: وما يُنهى من ذلك، أي وما ينهى عنه من ذلك، وفي رواية "وما يُنهى عن ذلك" وفي رواية أبي الوقت والأصيليّ "وما ينهى عنه".
стр. 2941
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي".
قوله: كان قِرام، بكسر القاف وتخفيف الراء، ستر رقيق من صوف ذو ألوان، أو رقم ونقوش. وقوله: أميطي، أمر من أماط أي: أزيلي وزنًا ومعنى، فإنه لا تزال تصاوير، أي بغير ضمير، والهاء في فإنه ضمير الشأن، وفي رواية "تصاويره" بإضافته إلى الضمير، فضمير "إنه" للثوب. وقوله: تَعْرِض، بفتح أوله وكسر الراء، أي تلوح، وللإِسماعيليّ "تَعَرّض" بفتح العين وتشديد الراء، وأصله تَتَعَرَّض، ودل الحديث على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه ﵊ لم يقطعها، ولم يعدها، لكن تكره الصلاة حينئذ، لما فيه من سبب اشتغال القلب المفوت للخشوع. وظاهر الحديث لا يوفي بجميع ما تضمنته الترجمة إلَّا بعد التأمل؛ لأن الثوب، وإن كان ذا تصاوير، لكنه لم يلبسه، ولم يكن مصلبًا، ولا نهى عن الصلاة فيه صريحًا.
والجواب أمّا أولًا فإن منع لبسه بطريق الأوْلى، وأما ثانيًا فبإلحاق المصلب بالمصوّر، لاشتراكهما في أن كلًا منهما قد عُبِد من دون الله تعالى، أو أشار إلى الحديث المذكور فيه التصليب كما مرّ، وأما ثالثًا فإن الأمر بالإِزالة مستلزم للنهي عن الاستعمال، وتمسك الشافعية بما وقع فيه النهي عن القِرام الذي فيه التصاوير، بأن التصاوير كلها محرمة. وقد قال النوويّ منهم: قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر متوعد عليه بالوعيد
стр. 2942
الشديد، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، فصنعه حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فَلْس أو إناء أو حائط أو غيرها، فأما تصوير ما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام.
ونقل إمام الحرمين وجهًا: أن الذي يرخص فيه مما لا ظل له، ما كان على ستر أو وسادة، وأما ما على الجدار والسقف فيمنع، والمعنى فيه أنه بذلك يصير مرتفعًا فيخرج عن هيأة الامتهان، بخلاف الثوب، فإنه بصدد أن يمتهن، وتساعده عبارة مختصر المزني "صورة ذات روح إن كانت منتصبة" ونقل الرافعيّ عن الجمهور أن الصورة إذا قطع رأسها ارتفع المانع، وقال المتولي في "التتمة" لا فرق، وقال النوويّ جواز اتخاذ الصور إذا كانت لا ظل لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس، أو يمتهن بالاستعمال، كالمخاد والوسائد، هو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين.
وقول الثّوري ومالك وأبي حنيفة والشافعيّ: ولا فرق في ذلك بين ما له ظل وما لا ظل له، فإنْ كان معلقًا على حائط أو ملبوسًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا، فهو حرام. وقال في الفتح: ويستفاد من الحديث، أي حديث عائشة المذكور في الباب، أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، ولا بين أن تكون مدهونة أو منقوشة ومنقورة أو منسوجة. وحكى أبو محمد الجُوَينيّ أن نسج الصورة في الثوب لا يمتنع؛ لأنه قد يلبس. وطروه المتولّي في التصوير على الأرض ونحوها. وصحح النوويُّ تحريم جميع ذلك، قال: ويستثنى من جواز تصوير ما له ظل ومن اتخاذه لعبُ البنات، لما ورد من الرخصة في ذلك، هذا حاصل كلام الشافعية في المسألة.
وحاصل مذهب المالكية فيها هو أن تمثال ما له روح إن كان له ظل وهو يدوم، كالرصاص والنحاس، حرام اتفاقًا، وإن كان لا يدوم، كالفخار، ففيه قولان، والمشهور المنع، وهذا إذا لم يكن للعب البنات، وإلاّ فهو جائز. وهل يلتحق ما يصنع من الحلوى بالفخار أو بلعب البنات؟ محل تأمل، وإن كان لا ظل له بأن كان في ثوب ونحوه، فإنْ كان ممتهنًا بالتوسد والوطء والفراش، كان
стр. 2943
خلاف الأَوْلى، وإن كان غير ممتهن، بأن كان معلقًا مثلًا، كان مكروهًا كراهة تنزيه، وهذا كله إذا كان تام الصورة. وإن كان ناقص عضو فهو جائز. كما إذا كان جمادًا أو شجرًا أو غيره، فإنه جائز ولا فرق في نقص العضو بين الرأس وغيره، مما لا يحدث به على مشهور.
وصحح ابن العربيّ أن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيأتها تحرم، سواء كانت مما يمتهن أم لا وإن قطع رأسها أو فرقت هيأتها جاز، وهذا المذهب منقول عن الزُّهريّ، وقواه النوويّ، وقد يشهد له حديث القِرام المارّ، وحديث النَّمرقة الآتي في اللباس. وقيد مجاهد جواز تصوير الشجر بما لا يثمر، وأما ما يثمر فالحقه بما له روح. قال عياض: لم يقله أحد غير مجاهد، ورده الطحاويّ بأن الصورة لمّا أبيحت بعد قطع رأسها، التي لو قطعت من ذي الروح لما عاش، دل ذلك على إباحة ما لا روح له أصلًا. قال في الفتح: وأظن مجاهدًا سمع حديث أبى هريرة المخرج في اللباس "فليخلقوا حبَّة، وليخلقوا ذرة" فإنّ في ذكر الذرة إشارة إلى ما له روح. وفي ذكر الحبة إشارة إلى ما ينبت مما يؤكل، وأما ما لا روح فيه ولا يثمر، فلم تقع الإشارة إليه.
وقال ابن العربيّ: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حَرُم بالإجماع، وإن كانت رَقْمًا فأربعة أقوال:
الأول: يجوز مطلقًا على ظاهر قوله في حديث زيد بن خالد "إلا رَقمًا في ثوب".
الثاني: المنع مطلقًا حتى الرقم، قلت: لظاهر حديث القِرام المتقدم.
الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيأة قائمة الشكل، حَرُم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز. قال: وهذا هو أصح الأقوال. قلت: وحديث أبي هريرة الآتي قريبًا شاهد له.
الرابع: إن كان مما يمتهن جاز، وإن كان معلقًا لم يجز، قلت: وحديث عائشة الآتي شاهد له.
стр. 2944
واستدلت المالكية لمذهبها بحديث أبي هريرة في السنن وصححه التِّرمذيّ وابن حبّان، ولفظه "أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلتُ إلَّا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قِرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطئان، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله ﷺ " وفي رواية النَّسائيّ "إما أن تقطع رؤوسها أو تُجعل بسطًا توطأ" ففي هذا الحديث بيان أن الصورة التي تمتنع الملائكة من الدخول في المكان الذي تكون فيه باقية على هيأتها، مرتفعة غير ممتهنة، فأما لو كانت ممتهنة أو غير ممتهنة، لكنها غيرت عن هيأتها، إما بقطعها من نصفها، أو بقطع رأسها فلا امتناع. وقد قال الخطابيّ: الصور التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه، أو لم يمتهن. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة المخرج عند المصنف في اللباس "فجعلناه وسادة أو وسادتين" وفي رواية "فاتخذت منه نُمْرُقَتين، فكانتا في البيت يجلس عليها" ولفظه عند مسلم "فجعلته مِرْفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت".
وعورض حديث عائشة هذا بحديثها الذي مرّ في القِرام، وحديثها المخرج في اللباس، حيث قالت فيه "إن هذه النمرقة لتجلس عليها وتوسدها، فامتنع من الدخول حتى أزالتها" فظاهر الأول يدل على أنه ﵊ استعمل الستر الذي فيه الصورة بعد أن قطع وعملت منه الوسادة، وهذا يدل على أنه لم يستعمله أصلًا، ويمكن الجمع بينهما بأنه لا يلزم من جواز اتخاذ ما يوطأ من الصور جوازُ القعود على الصورة، فيجوز أن يكون استعمل من الوسادة ما لا صورة فيه، ويجوز أن يكون رأى التفرقة بين القعود والاتكاء، وهذا بعيد جدًا، أو يجمع بأنها لما قطعت الستر، وقع القطع في وسط الصورة مثلًا، فخرجت عن هيأتها، فلهذا صار يرتفق بها، ويؤيد هذا الجمع حديثُ أبي هريرة المتقدم.
وقال الداوديّ: إن حديث النمرقة فاسخ لجميع الأحاديث لدالة على
стр. 2945
الرخصة، واحتج بأنه خبر، والخبر لا يدخله النسخ، فيكون هو الناسخ، ورُدَّ هذا بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد أمكن الجمع فلا يلتفت لدعوى النسخ، وكون الخبر لا يدخله النسخ رده ابن التين، بأن الخبر إذا قارنه الأمر، جاز دخول النسخ فيه. ويمكن الجمع أيضًا بأن الثاني كانت تصاويره من ذوات الأرواح، والأول كانت من غير الحيوان.
وأما الحنفية فقد قالوا إن الصور التي تكون فيما تبسط وتفرش وتمتهن خارجة عن النهي الوارد في التصاوير، لحديث زيد بن خالد "إلا رقمًا في ثوب" وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، ونقل عن الحنفية أنه لا تكره الصلاة إلى جهة فيها صورة إذا كانت صغيرة أو مقطوعة الرأس، وأما الحنابلة فمذهبهم جواز الصورة في الثوب، ولو كان معلقًا، على ما في خبر أبي طلحة، لكن إنْ ستر به الجدار منع عندهم، وكذا إن لُبس أو عُلق على ما هو الراجح عندهم، ويجوز إن افترش أو جعل مخدة، والذي يحرم صورة الحيوان، فإن أُزيل منها ما لا تبقى معه حياة لم تكره. ولم يحضرني الآن تفصيل مذهبهم، وهو قريب من مذهب المالكية.
وقد قال الرافعيّ: في دخول البيت الذي فيه الصور وجهان، قال الأكثر يكره، وقال أبو محمد يحرم، فلو كانت الصورة في ممر الدار لا داخلها، كما في ظاهر الحمام، أو دهليزها، يمتنع الدخول. قال: وكان السبب فيه أن الصورة في الممر ممتهنة، وفي المجلس مكرمة. قال في الفتح: وقصة إطلاق نص المختصر، وكلام الماوردي وابن الصّبّاغ وغيرهما: لا فرق. قلت مذهب المالكية حرمة الدخول في محل فيه صورة محرمة مطلقًا. وذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه.
قال النوويّ هذا مذهب باطل وما قاله مردود، فإن هذا المذهب أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن القاسم بن محمد الذي هو أحد فقهاء المدينة السبعة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الذي روى حديث النمرقة عن عائشة،
следующие страницы →