← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي". قوله: كان قِرام، بكسر القاف وتخفيف الراء، ستر رقيق من صوف ذو ألوان، أو رقم ونقوش. وقوله: أميطي، أمر من أماط أي: أزيلي وزنًا ومعنى، فإنه لا تزال تصاوير، أي بغير ضمير، والهاء في فإنه ضمير الشأن، وفي رواية "تصاويره" بإضافته إلى الضمير، فضمير "إنه" للثوب. وقوله: تَعْرِض، بفتح أوله وكسر الراء، أي تلوح، وللإِسماعيليّ "تَعَرّض" بفتح العين وتشديد الراء، وأصله تَتَعَرَّض، ودل الحديث على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه ﵊ لم يقطعها، ولم يعدها، لكن تكره الصلاة حينئذ، لما فيه من سبب اشتغال القلب المفوت للخشوع. وظاهر الحديث لا يوفي بجميع ما تضمنته الترجمة إلَّا بعد التأمل؛ لأن الثوب، وإن كان ذا تصاوير، لكنه لم يلبسه، ولم يكن مصلبًا، ولا نهى عن الصلاة فيه صريحًا. والجواب أمّا أولًا فإن منع لبسه بطريق الأوْلى، وأما ثانيًا فبإلحاق المصلب بالمصوّر، لاشتراكهما في أن كلًا منهما قد عُبِد من دون الله تعالى، أو أشار إلى الحديث المذكور فيه التصليب كما مرّ، وأما ثالثًا فإن الأمر بالإِزالة مستلزم للنهي عن الاستعمال، وتمسك الشافعية بما وقع فيه النهي عن القِرام الذي فيه التصاوير، بأن التصاوير كلها محرمة. وقد قال النوويّ منهم: قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر متوعد عليه بالوعيد

стр. 2942

الشديد، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره، فصنعه حرام بكل حال، وسواء كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فَلْس أو إناء أو حائط أو غيرها، فأما تصوير ما ليس فيه صورة حيوان، فليس بحرام. ونقل إمام الحرمين وجهًا: أن الذي يرخص فيه مما لا ظل له، ما كان على ستر أو وسادة، وأما ما على الجدار والسقف فيمنع، والمعنى فيه أنه بذلك يصير مرتفعًا فيخرج عن هيأة الامتهان، بخلاف الثوب، فإنه بصدد أن يمتهن، وتساعده عبارة مختصر المزني "صورة ذات روح إن كانت منتصبة" ونقل الرافعيّ عن الجمهور أن الصورة إذا قطع رأسها ارتفع المانع، وقال المتولي في "التتمة" لا فرق، وقال النوويّ جواز اتخاذ الصور إذا كانت لا ظل لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس، أو يمتهن بالاستعمال، كالمخاد والوسائد، هو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين. وقول الثّوري ومالك وأبي حنيفة والشافعيّ: ولا فرق في ذلك بين ما له ظل وما لا ظل له، فإنْ كان معلقًا على حائط أو ملبوسًا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنًا، فهو حرام. وقال في الفتح: ويستفاد من الحديث، أي حديث عائشة المذكور في الباب، أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، ولا بين أن تكون مدهونة أو منقوشة ومنقورة أو منسوجة. وحكى أبو محمد الجُوَينيّ أن نسج الصورة في الثوب لا يمتنع؛ لأنه قد يلبس. وطروه المتولّي في التصوير على الأرض ونحوها. وصحح النوويُّ تحريم جميع ذلك، قال: ويستثنى من جواز تصوير ما له ظل ومن اتخاذه لعبُ البنات، لما ورد من الرخصة في ذلك، هذا حاصل كلام الشافعية في المسألة. وحاصل مذهب المالكية فيها هو أن تمثال ما له روح إن كان له ظل وهو يدوم، كالرصاص والنحاس، حرام اتفاقًا، وإن كان لا يدوم، كالفخار، ففيه قولان، والمشهور المنع، وهذا إذا لم يكن للعب البنات، وإلاّ فهو جائز. وهل يلتحق ما يصنع من الحلوى بالفخار أو بلعب البنات؟ محل تأمل، وإن كان لا ظل له بأن كان في ثوب ونحوه، فإنْ كان ممتهنًا بالتوسد والوطء والفراش، كان

стр. 2943

خلاف الأَوْلى، وإن كان غير ممتهن، بأن كان معلقًا مثلًا، كان مكروهًا كراهة تنزيه، وهذا كله إذا كان تام الصورة. وإن كان ناقص عضو فهو جائز. كما إذا كان جمادًا أو شجرًا أو غيره، فإنه جائز ولا فرق في نقص العضو بين الرأس وغيره، مما لا يحدث به على مشهور. وصحح ابن العربيّ أن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيأتها تحرم، سواء كانت مما يمتهن أم لا وإن قطع رأسها أو فرقت هيأتها جاز، وهذا المذهب منقول عن الزُّهريّ، وقواه النوويّ، وقد يشهد له حديث القِرام المارّ، وحديث النَّمرقة الآتي في اللباس. وقيد مجاهد جواز تصوير الشجر بما لا يثمر، وأما ما يثمر فالحقه بما له روح. قال عياض: لم يقله أحد غير مجاهد، ورده الطحاويّ بأن الصورة لمّا أبيحت بعد قطع رأسها، التي لو قطعت من ذي الروح لما عاش، دل ذلك على إباحة ما لا روح له أصلًا. قال في الفتح: وأظن مجاهدًا سمع حديث أبى هريرة المخرج في اللباس "فليخلقوا حبَّة، وليخلقوا ذرة" فإنّ في ذكر الذرة إشارة إلى ما له روح. وفي ذكر الحبة إشارة إلى ما ينبت مما يؤكل، وأما ما لا روح فيه ولا يثمر، فلم تقع الإشارة إليه. وقال ابن العربيّ: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حَرُم بالإجماع، وإن كانت رَقْمًا فأربعة أقوال: الأول: يجوز مطلقًا على ظاهر قوله في حديث زيد بن خالد "إلا رَقمًا في ثوب". الثاني: المنع مطلقًا حتى الرقم، قلت: لظاهر حديث القِرام المتقدم. الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيأة قائمة الشكل، حَرُم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز. قال: وهذا هو أصح الأقوال. قلت: وحديث أبي هريرة الآتي قريبًا شاهد له. الرابع: إن كان مما يمتهن جاز، وإن كان معلقًا لم يجز، قلت: وحديث عائشة الآتي شاهد له.

стр. 2944

واستدلت المالكية لمذهبها بحديث أبي هريرة في السنن وصححه التِّرمذيّ وابن حبّان، ولفظه "أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلتُ إلَّا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قِرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فَمُر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطئان، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله ﷺ " وفي رواية النَّسائيّ "إما أن تقطع رؤوسها أو تُجعل بسطًا توطأ" ففي هذا الحديث بيان أن الصورة التي تمتنع الملائكة من الدخول في المكان الذي تكون فيه باقية على هيأتها، مرتفعة غير ممتهنة، فأما لو كانت ممتهنة أو غير ممتهنة، لكنها غيرت عن هيأتها، إما بقطعها من نصفها، أو بقطع رأسها فلا امتناع. وقد قال الخطابيّ: الصور التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه، أو لم يمتهن. واستدلوا أيضًا بحديث عائشة المخرج عند المصنف في اللباس "فجعلناه وسادة أو وسادتين" وفي رواية "فاتخذت منه نُمْرُقَتين، فكانتا في البيت يجلس عليها" ولفظه عند مسلم "فجعلته مِرْفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت". وعورض حديث عائشة هذا بحديثها الذي مرّ في القِرام، وحديثها المخرج في اللباس، حيث قالت فيه "إن هذه النمرقة لتجلس عليها وتوسدها، فامتنع من الدخول حتى أزالتها" فظاهر الأول يدل على أنه ﵊ استعمل الستر الذي فيه الصورة بعد أن قطع وعملت منه الوسادة، وهذا يدل على أنه لم يستعمله أصلًا، ويمكن الجمع بينهما بأنه لا يلزم من جواز اتخاذ ما يوطأ من الصور جوازُ القعود على الصورة، فيجوز أن يكون استعمل من الوسادة ما لا صورة فيه، ويجوز أن يكون رأى التفرقة بين القعود والاتكاء، وهذا بعيد جدًا، أو يجمع بأنها لما قطعت الستر، وقع القطع في وسط الصورة مثلًا، فخرجت عن هيأتها، فلهذا صار يرتفق بها، ويؤيد هذا الجمع حديثُ أبي هريرة المتقدم. وقال الداوديّ: إن حديث النمرقة فاسخ لجميع الأحاديث لدالة على

стр. 2945

الرخصة، واحتج بأنه خبر، والخبر لا يدخله النسخ، فيكون هو الناسخ، ورُدَّ هذا بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد أمكن الجمع فلا يلتفت لدعوى النسخ، وكون الخبر لا يدخله النسخ رده ابن التين، بأن الخبر إذا قارنه الأمر، جاز دخول النسخ فيه. ويمكن الجمع أيضًا بأن الثاني كانت تصاويره من ذوات الأرواح، والأول كانت من غير الحيوان. وأما الحنفية فقد قالوا إن الصور التي تكون فيما تبسط وتفرش وتمتهن خارجة عن النهي الوارد في التصاوير، لحديث زيد بن خالد "إلا رقمًا في ثوب" وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، ونقل عن الحنفية أنه لا تكره الصلاة إلى جهة فيها صورة إذا كانت صغيرة أو مقطوعة الرأس، وأما الحنابلة فمذهبهم جواز الصورة في الثوب، ولو كان معلقًا، على ما في خبر أبي طلحة، لكن إنْ ستر به الجدار منع عندهم، وكذا إن لُبس أو عُلق على ما هو الراجح عندهم، ويجوز إن افترش أو جعل مخدة، والذي يحرم صورة الحيوان، فإن أُزيل منها ما لا تبقى معه حياة لم تكره. ولم يحضرني الآن تفصيل مذهبهم، وهو قريب من مذهب المالكية. وقد قال الرافعيّ: في دخول البيت الذي فيه الصور وجهان، قال الأكثر يكره، وقال أبو محمد يحرم، فلو كانت الصورة في ممر الدار لا داخلها، كما في ظاهر الحمام، أو دهليزها، يمتنع الدخول. قال: وكان السبب فيه أن الصورة في الممر ممتهنة، وفي المجلس مكرمة. قال في الفتح: وقصة إطلاق نص المختصر، وكلام الماوردي وابن الصّبّاغ وغيرهما: لا فرق. قلت مذهب المالكية حرمة الدخول في محل فيه صورة محرمة مطلقًا. وذهب بعض السلف إلى أن الممنوع ما كان له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتخاذه. قال النوويّ هذا مذهب باطل وما قاله مردود، فإن هذا المذهب أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن القاسم بن محمد الذي هو أحد فقهاء المدينة السبعة، وكان من أفضل أهل زمانه، وهو الذي روى حديث النمرقة عن عائشة،

стр. 2946

فلولا أنه فهم الرخصة في مثل الحَجَلة ما استجاز استعمالها، فلعله تمسك في ذلك بعموم قوله "إلَّا رقمًا في ثوب" فإنه أعم من أن يكون معلقًا أو مفروشًا. وكأنه جعل إنكار النبي ﷺ على عائشة تعليق الستر المذكور مركبًا من كونه مصورًا، ومن كونه ساترًا للجدار، ويؤيده ما في بعض طرقه عند مسلم عن زيد بن خالد قال: دخلت على عائشة فذكر نحو الحديث، لكن قال: "فجذبه حتى هتكه" وقال إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين. قال: فقطعنا منه وسادتين ... الحديث، فهذا يدل على أنه كره ستر الجدار بالثوب المصور، فلا يساويه الثوب الممتهن، ولو كانت فيه صورة، وكذلك الثوب الذي لا يستر به الجدار، فهذا لا يقال له مذهب باطل. لكن الجمع بين الأحاديث الواردة في ذلك يدل على أنه مذهب مرجوح، وأن الذي رُخِّص فيه من ذلك، ما يُمتهن، لا ما كان منصوبًا. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: كانوا يقولون؛ في التصاوير في البسط والوسائد التي توطأ ذُلّ لها. وأخرجٍ عنه أيضًا أنه قال: كانوا يكرهون ما نصب من التماثيل نصبًا، ولا يرون بأساً بما وطئته الأقدام. وأخرج أيضًا عن ابن سيرين وسالم بن عبد الله وعكرمة بن خالد وسعيد بن جبير أنهم قالوا: لا بأس بالصورة إذا كانت تُوطأ، وأخرج أيضًا عن عُروة "أنه كان يتكىء على المرافق فيها التماثيل الطير والرجال". واعلم أن التحريم والوعيد الحاصلين لصانع الصورة حاصلان لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلَّا لتستعمل، فالصانع مسبب، والمستعمل مباشر، فيكون أولى بالوعيد. ولم يبق من مباحث هذا المحل إلا الكلام على عذاب المصورين يوم القيمة، ويأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه عند أول ذكره. رجاله أربعة: الأول: أبو معمر عبد الله بن عمرو، وقد مرّ هو وعبد الوارث في السابع عشر من كتاب العلم، ومرّ عبد العزيز بن صهيب في الثامن من كتاب الإِيمان، ومرّ

стр. 2947

أنس بن مالك في السادس منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، ورجاله كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس والنَّسائيّ بألفاظ مختلفة. ثم قال المصنف باب من صلى في فروج حرير ثم نزعه الفَرُّوج، بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وآخره جيم، وهو القَبَاء المُفَرَّج من خلف، وهو من لبوس الأعاجم، وحُكي ضم أوله وتخفيف الراء على وزن خُرُوخ.

стр. 2948

الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: "لاَ يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ". قوله: أُهدِي، بضم أوله من الإهداء، والذي أهداه هو أُكَيدر بن عبد الملك، صاحب دومة الجندل. وقوله: كالكاره له، وفي حديث جابر عند مسلم "صلى في قَباء ديباج، ثم نزعه وقال: نهاني عنه جبريل" فالنهي سبب نزعه له، وذلك ابتداء تحريمه. وقوله: لا ينبغي هذا، يحتمل أن تكون الإشارة اللبس وتحتمل أن تكون للحرير، فيتناول غير اللبس من الاستعمال كالافتراش، ويأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله تعالى. ورجَّح عياض أن المنع فيه لكونه حريرًا، واستدل لذلك بحديث جابر المار قريبًا. وقوله: للمتقين، يحتمل أن يكون نزعه لكونه كان حريرًا صرفًا، ويمكن أن يكون نزعه لكونه من جنس الأعاجم، فقد أخرج أبو داود بسند حسن عن أبي عمر، رفعه "من تشبه بقوم فهو منهم" والتردد مبني على تفسير المراد بالمتقين، فإن كان المراد مطلق المؤمن حُمِل على الأول، وإنْ كان المراد به قدرًا زائدًا على ذلك، حمل على الثاني. وقد قال القرطبي في "المفهم": المراد بالمتقين المؤمنون الذين خافوا الله تعالى، واتقوه بإيمانهم وطاعتهم له. وقال غيره: لعل هذا من باب التهيج للمكلف على الأخذ بذلك؛ لأن من سمع أنَّ مَن فعل ذلك كان غير متقٍ، فهم منه لا يفعله إلا المستحق، فيأنف من فعل ذلك، لئلا يوصف بأنه غير متقٍ. وقد استوفينا الكلام على التقوى ومراتبها في آخر حديث من كتاب الإِيمان استيفاء لا مزيد عليه.

стр. 2949

واستدل به على تحريم الحرير للرجال دون النساء؛ لأن اللفظ لا يتناولهن على الراجح ودخولهن بطريق التغليب مجاز يمنع منه ورودُ الأدلة الصريحة على إباحته لهن، فقد أخرج أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن حبّان والحاكم، عن عليّ "أن النبي ﷺ أخذ حريرًا وذهبًا وقال: هذان حرامان على ذكور أمتي، حلٌّ لإناثهم". وأخرج أحمد والطحاويّ، وصححه عن مسلمة بن مَخْلَد أنه قال لعُقْبة بن عامر: قم فحدث بما سمعت من رسول الله ﷺ ، فقال: سمعته يقول: "الذهب والحرير حرامٌ على ذكور أمتي، حِلٌّ لإِناثهم" فتحريمه على الرجال وحله للنساء هو الذي انعقد عليه الإِجماع بعد ابن الزبير ومن وافقه، وقد نقل عن علي وابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وحذيفة، وعن الحسن وابن سيرين حرمتُه حتى على النساء، وقال قوم: يجوز لبسه مطلقًا، وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خُيَلاء أو على التنزيه، وهذا الثاني ساقط كثبوت الوعيد على لبسه. وقد أخرج البخاريّ عن ابن الزبير عن عمر رفعه "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" زاد ابن الزبير "ومن لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة" قال الله تعالى ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. وأخرج النَّسائي مثله عن ابن عمر، وأخرج النَّسائيّ وأحمد، وصححه الحاكم عن أبي سعيد "وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو" وأعدل الأقوال أن الفعل المذكور مقتض للعقوبة المذكورة، وقد يتخلف ذلك لمانع، كالتوبة والحسنات التي توازن، والمصائب التي تكفر، وكدعاء الولد بشرائط، وكذا إشفاعه من يأذن له في الشفاعة، وأعم من ذلك كله عفو أرحم الراحمين. وفيه حجة لمن أجاز لبس العَلَم من الحرير إذا كان في الثوب، وخصه بالقدر المذكور، وهو أربع أصابع، وهذا هو الأصح عند الشافعية، وفيه حجة على من أجاز العَلَم مطلقًا، ولو زاد على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكية، وفيه حجة على منع العلم في الثوب مطلقًا، وهو ثابت عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، لكن يحتمل أن يكونوا منعوه ورعًا، وإلّا فالحديث حجة عليهم، فلعله لم يبلغهم.

стр. 2950

قال النووي: وقد نقل عن مالك، وهو قول مردود، وكذا مذهب من أجاز بغير تقدير، واستدل به على جواز لبس الثوب المطرز بالحرير، وهو ما جعل عليه طراز حرير مركب، وكذلك المُطرَّف وهو ما سُجّفت أطرافه بسجف من حرير بالتقدير المذكور، وقد يكون التطريز في نفس الثوب بعد النسج، وفيه احتمال، واستدل به أيضًا على جواز لبس الثوب الذي يخالطه من الحرير مقدار العلم، سواء كان ذلك القدر مجموعًا أو مفرقًا وهو قوي. واختلف في علة تحريم الحرير على الرجال على رأيين مشهورين: أحدهما الفخر والخيلاء، والثاني لكونه ثوب رفاهية وزينة، فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال، ويحتمل علة ثالثة، وهي التشبه بالمشركين، وهذا قد رجع إلى الأول لأنه من سمة المشركين، وقد يكون المعنيان معتبرين، إلَّا أن المعنى الثاني لا يقتضي التحريم؛ لأن الشافعي قال في الأم: ولا أكره لباس اللؤلؤ إلّا للأدب، فإنه زيُّ النساء، واستشكل بثبوت اللعن للمتشبهين من الرجال بالنساء، فإنه يقتضي منع ما كان مخصوصًا بالنساء في جنسه وهيأته. وذكر بعضهم علة أخرى، وهي السَّرَف قال ابن أبي جمرة: إن قلنا إن تخصيص النهي للرجال لحكمة، فالذي يظهر أنه علم قلة صبرهن عن التزين، فلطف بهن في إباحته، ولأن تزيينهن غالبًا إنما هو للأزواج. وقد ورد أن حُسْن التَّبَعُّل من الإيمان. قال: ويستنبط من هذا أن الفحل لا يصلح له أن يبالغ في استعمال الملذوذات لكون ذلك من صفات الإناث، ودل الحديث على أن الصبيان لا يحرم عليهم لبسه؛ لأنهم لا يوصفون بالتقوى، وقد قال الجمهور بجواز إلباسهم ذلك في نحو العيد، وأما في غيره فكذلك في الأصح عند الشافعية، وعكسه عند الحنابلة. وفي وجه ثالث يمنع بعد التمييز، وعند المالكية المذهبُ أنه يكره كراهة تنزيه، للوليّ أن يلبسه الذهب والحرير، ويجوز له إلباسه الفضة. وقسمت المالكية الحرير إلى ثلاثة أقسام: قسم يجوز باتفاق، وهو الراية في الجهاد، وقسم حرام إجماعًا وهو الخالص منه للرجل البالغ، وقسم مختلف

стр. 2951

فيه، والمشهور فيه المنع وهو أربعة أشياء: لبسه في الجهاد لإرهاب العدو، أو للاتكاء عليه، والارتفاق، أو للافتراش أو للحكة، وقد أخرج البخاري أنه ﵊ رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة بهما. وقال الطبري: فيه دلالة على أن النهي عن لبس الحرير لا يدخل فيه من كانت به علة يخففها لبسُ الحرير، ويلتحق بذلك ما يقي من الحر والبرد، حيث لا يوجد غيره، وخص بعض الشافعية الجوازَ بالسفر دون الحضر، واختاره ابن الصلاح، وخصه النوويّ في "الروضة" مع ذلك بالحكة، ونقله الرافعي في القمل أيضًا. وفي وجه للشافعية أن الرخصة خاصة بالزبير وعبد الرحمن، وأما الافتراش فقد أخرج فيه البخاريّ عن حذيفة "نهانا النبي ﷺ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه" وأخرج ابن وهب في جامعه عن سعد بن أبي وقاص "لأن أجلس على جمر الغَضا أحبُّ إليّ من أن أقعد على مجلس من حرير" والحديث حجة قوية لمن قال يمنع الجلوس على الحرير. وهو قول الجمهور خلافًا لابن الماجشون والكوفيين وبعض الشافعية. وبه قال الحنفية، وأجاب الحنفية عن الحديث بأن لفظ "نهى" ليس صريحًا في التحريم، وبعضهم باحتمال أن يكون النهي ورد عن مجموع اللبس والجلوس، لا عن الجلوس بمفرده. واستدل الجمهور بحديث أنس "فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس، ولأن ليس كل شيء بحسبه" واستدل بالحديث المذكور على منع افتراش النساء للحرير، وهو ضعيف؛ لأن خطاب الذكور لا يتناول المؤنث على الراجح، ولعل الذي قال بالمنع تمسك فيه بالقياس على منع استعمالهن آنية الذهب، مع جواز لبسهن الحلي منه، فكذلك يجوز لبسهن الحرير، ويمنعن من استعماله، وهذا الوجه صححه الرافعيّ، وصحح النوويُّ الجواز، واستدل به أيضًا على منع افتراش الرجل الحرير مع امرأته في فراشها، ووجهه المجيز لذلك من المالكية بأن المرأة فراش الرجل، فلَما جاز له أن يفترشها وعليها

стр. 2952

الحلي من الذهب والحرير، فكذلك يجوز له أن يجلس وينام معها على فراشها المباح لها. والذي يمنع الجلوس عليه منه هو ما منع لبسه، وهو ما صنع من حرير صرف، أو كان الحرير فيه أزيد من غيره، وأما المخلوط بحيث لا يسمى حريرًا ولا يتناوله الاسم، ولا تشتمله علة التحريم، فهو جائز خارج عن المنع. وليس في حديث الباب حجة لمن أجاز الصلاة في ثياب الحرير، لكونه ﵊ لم يعد تلك الصلاة؛ لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده فعند الجمهور تجزىء، لكن مع التحريم، وقال الحنفية: تكره، أي كراهة تحريم، وتصح. وقال المالكية: تحرم ويعيد في الوقت إن وجد ثوبًا غيره. ولو تعمد الصلاة فيه واجدًا غيره. وقال ابن حبيب: يعيد في هذه الحالة أبدًا. وقال أصْبَغ: لا إعادة عليه إذا صلى غير واجد غيره. وفي الحديث أن لا كراهة في لبس الثياب الضيقة والمفرجة لمن اعتادها، أو احتاج إليها، وفيه جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرّ في الثاني من بدء الوحي، ومرّ الليث بن سعد في الثالث منه، ومرّ يزيد بن حبيب وأبو الخير مرثد في الخامس من كتاب الإيمان. والخامس: عقبة بن عامر بن عَبْس بن عمرو بن عَدِيّ بن عمرو بن رَفاغة بن مودعة بن عَدِي بن غنم بن الرَّبُعة بن رشدان بن قيس بن جُهينة الجُهَنيّ الصحابيّ المشهور. قال أبو سعيد بن يونس: كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرًا كاتبًا، وهو أحد من جمع القرآن. قال: ورأيت مصحفه بمصر على غير تأليف مصحف عثمان، وفي آخره "كتبه عقبة بن عامر بيده". وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال: قدم النبي ﷺ المدينةَ وأنا في غَنَم لي أرعاها، فتركتها ثم ذهبت إليه، فقلت: بايعني فبايعني على

стр. 2953

الهجرة ... الحديث. أخرجه أبو داود والنَّسائي. وشهد ابن عامر الفتوحَ، وكان هو البريد إلى عمر بفتح دمشق، وشهد صفّين مع معاوية، وأمَّره بعد ذلك على مصر، جمع له في إمْرَة مصر بين الخراج والصلاة، ولما أراد عزله كتب إليه أن تغزو رُوْدُس، فلما توجه سائرًا استولى مَسْلَمة، فبلغ ذلك عقبة فقال: أغربة وعزلًا. له خمسة وخمسون حديثًا اتفقا على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بتسعة، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، منهم ابن عباس وأبو أمامة وجُبير بن نُفير، وبعجة بن عبد الله الجُهَني، وأبو إدريس الخَوْلاني، وخلق من أهل البصرة. مات في خلافة معاوية على الصحيح، وحكى عن عبادة بن نُسى قال: رأيت رجلًا في خلافة عبد الملك فقلت: من هذا؟ قالوا: عقبة بن عامر الجهني، قال أحمد بن صالح: هذا غلط، وأما قول خليفة بن خياط: قتل في النَّهروان من أصحاب علي عُقبة بن عامر الجُهَني، فهو آخر، وفي الصحابة عقبة بن عامر سواه اثنان. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثه مواضع، والقول. ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس عن قتيبة، ومسلم والنَّسائي في الصلاة. ثم قال المصنف: باب الصلاة في الثوب الأحمر قال في الفتح: يشير إلى الجواز والخلاف في ذلك مع الحنفية فإنهم قالوا: يكره، وتأوّلوا حديث الباب بأنها كانت حُلَّة من برود فيها خطوط حمر. واعترض العينيّ بأحد اعتراضاته على الفتح، بأن الحنفية لم يقولوا بحرمة لبس الأحمر حتى يتأوّلوا، وإنما قالوا إنه مكروه، والاعتراض كما نرى، فإنّ صاحب الفتح لم يقل إنهم قالوا: إلا أنه مكروه، فما عزا لهم الحرمة مع أن نفي العيني للحرمة، مع أنهم قالوا: إنه مكروه فيه ما فيه؛ لأن الكراهة عندهم إذا اُطلقت

стр. 2954

تنصرف إلى كراهة التحريم، وهو لم يبين أنها عندهم كراهة تنزيه، وقد استوفيت الكلام على ما قيل في لباس الثوب الأحمر عند ذكر حديث الباب في باب "استعمال فضل وضوء الناس".

стр. 2955

الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلاَلاً أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلاَلاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَي الْعَنَزَةِ. قوله: بين يدي العنزة، فيه استعمال المجاز، وإلاّ فالعنزة لا يد لها، وقد استوفيت مباحث هذا الحديث استيفاءً تامًا عند ذكره في المحل السابق قريبًا. رجاله أربعة: وفيه ذكر بلال. الأول: محمد بن عُرْعُرة وقد مرّ في الحادي والأربعين من كتاب الإِيمان. الثاني: عُمَر بن أبي زائدة، بفتح الميم، الهمدانيّ الكوفيّ، مولى عمرو بن عبد الله الوادِعيّ، أخو زكرياء بن أبي زائدة. وكان الأكبر. قال ابن مهدي: كان كيّس الحفظ. وقال أحمد: صالح، وقال ابن مُعين: ثقة، وقال أبو حاتم والنَّسائيّ: ليس به بأس. وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: عمر لا بأس به، وزكرياء ثقة. وقال أبو داود: يرى القدر، وقال في موضع آخر: زكرياء أعلى من أخيه عمر بكثير، وقال العقيلي: كان يرى القدر، وهو في الحديث مستقيم. قال ابن حجر في مقدمته: له في البخاريّ حديثان

стр. 2956

أحدهما حديثه هذا، عن ابن عَوْن عن أبي جحيفة بمتابعة أبي عُميس والثَّوري وغيرهما، والثاني حديثه عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون من طرق. وروى له مسلم والنَّسائيّ، وروى عن قيس بن أبي حازم وعبد الله بن أبي السَّفْر وعون بن أبي جحيفة والشعبيّ وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه يحيى بن زكرياء وبَهْز بن أَسَد، والنضر بن شُميل وهُشَيم والأصمعي وغيرهم. مات سنة تسع وخمسين ومئة وليس في الستة عمر بن أبي زائدة سواه. الثالث: عون بن أبي جُحيفة وهب بن عبد الله السّوائيّ الكوفيّ. قال ابن مُعين وأبو حاتم والنَّسائيّ: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، روى عن أبيه ومسلم بن رباع الثقفيّ، وله صحبة، والمنذر بن جرير البَجْليّ وغيرهم. وروى عنه شُعبَة والثَّوريّ وقيس بن الربيع، وحجاج بن أرطأة وعمر بن أبي زائدة وآخرون. مات في آخر خلافة خالد على العراق سنة ست عشرة ومئة. وعون في الستة سواه ستة. الرابع: أبو جحيفة، وقد مرّ في الثاني والخمسين من كتاب العلم، ومرّ بلال بن حمامة في التاسع والثلاثين من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، والقول. ورواته ما بين كوفيّ وبصريّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس عن محمد بن عُرعرة وإسحاق، وفي باب سترة الإِمام سترة من خلفه، ومسلم وأبو داود والتِّرمذيّ في الصلاة، وكذلك ابن ماجه في الزينة. ثم قال المصنف: باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب يشير بذلك إلى الجواز والخلاف في ذلك عن بعض التابعين، وعن المالكية في المكان المرتفع لمن كان إمامًا، والمنبر، بكسر الميم وفتح

стр. 2957

الموحدة، والخشب بفتحتين أو بضمتين، ثم قال: قال أبو عبد الله: ولم ير الحسن بأسًا أن يصلَّى على الجَمْد والقناطر، وإن جرى تحتها بول أو فوقها أو أمامها إذا كان بينهما سترة. قوله: يُصلَّى، بضم الياء وفتح اللام المشددة، والجمد بفتح الجيم وسكون الميم بعدها قال مهملة، وذكر ابن قرقول فتحها، هو الماء إذا جمد من البرد، وهو مناسب لأثر ابن عمر الآتي "أنه صلى على الثلج". وحكى ابن التين "الجُمُد" بضمتين، وبضم وسكون مثل عُسُر وعُسْر: المكان الصلب المرتفع، لكن هذا ليس مرادًا هنا، بل المراد ما مرّ؛ لأنه المناسب للقناطر، لاشتراكهما في أن كلاًّ منهما قد يكون تحته ما ذكر من البول وغيره. وقوله: والقناطر، بدون ياء، وللحموي والمستملي "والقناطير" بالياء، وهي ما ارتفع من البنيان. وقوله: أو أمامها، أيْ القناطر، بفتح الهمزة، أي قدامها. وقوله: إذا كان بينهما، أي بين المصلي وأمام القناطر. وقوله: سُترة، بضم السين، أي مانعة من ملاقاة النجاسة، والغرض أن إزالة النجاسة تختص بما لاقى المصلي أما مع الحائل فلا. وأبو عبد الله المراد به البخاريّ، والحسن المراد به البصريّ، وقد مر في الرابع والعشرين من كتاب الإيمان، ولم أَرَ مَنْ وصل أثره هذا. ثم قال: وصلى أبو هريرة على ظهر المسجد بصلاة الإِمام، وللمستملي "على سقف"، وأبو هريرة مرّ في الثاني من كتاب الإيمان، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة من طريق صالح مولى التوءمة، وفيه ضعف، لكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة، فاعتضد. ثم قال: وصلى ابن عمر على الثلج. وابن عمر قد مرّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، وأثره هذا لم أر من وصله.

стр. 2958

الحديث التاسع والعشرون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ قَالَ: سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلاَنٌ مَوْلَى فُلاَنَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ عُمِلَ، وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ، فَهَذَا شَأْنُهُ. قوله: ما بقي بالناس، وللكشميهني "في الناس" وقوله: أعلم مني، أي بذلك، ولأبي داود "أن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعديّ، وقد امتروا في المنبر من عوده" وقوله: من أَثْل الغابة، بفتح الهمزة وسكون المثلثة، شجر معروف كالطّرْفاء لا شوك له، وخشبه جيد يعمل منه القصاع والأواني، وورقه أُشنان يغسِل به القَصّارون. وقوله: عمله فلان مولى فلانة، يأتي ما فيهما من الخلاف عند ذكر السند، والغرض من إيراد هذا الحديث في هذا الباب جواز الصلاة على المنبر. وفيه جواز اختلاف موقف الإِمام والمأموم في العلو والسفل، وهو مذهب الحنفية والشافعية وأحمد والليث، لكن مع الكراهة إلا لحاجة، لتعليم الإِمام المأمومين صفة الصلاة، وكتبليغ المأمومين تكبير الإِمام، فيستحب ارتفاعهما لذلك. قال القسطلاني: وعن مالك المنع، وإليه ذهب الأوزاعيّ. وحاصل مذهب مالك هو أن علو الإِمام جائز ولو فوق سطح، وقيل: إن كان بسطح كره كراهة تنزيه، وعلو الإِمام المشهور فيه الكراهة، وقيل: ممنوع، والنهي عنه مقيد بقيود ثلاث أن لا يكون لتعليم، وأن يكون الإِمام دخل على

стр. 2959

ذلك، وأن لا تكون ضرورة، فإن كان لتعليم، كصلاته ﵊ على المنبر، أو لم يدخل على ذلك بأن كان ابتدأ الصلاة وحده على مكان مرتفع، فجاء من صلى أسفل منه، أو دخل عليه لضرورة كضيق ونحوه، جاز. وفي الحديث أن العمل اليسير غير مبطل للصلاة. قال الخطابيّ: وكان المنبر ثلاث مراقٍ، فلعله إنما قام على الثانية منها، فليس في نزوله وصعوده إلَّا خطوتان. وفيه جواز الصلاة على الخشب، وكرهه الحسن وابن سيرين، كما رواه ابن أبي شيبة عنهما، وأخرج أيضًا عن ابن مسعود وابن عمر نحوه، وعن مسروق "أنه كان يحمل لبنة ليسجد عليها إذا ركب السفينة" وعن ابن سيرين نحوه. والقول بالجواز هو المعتمد. رجاله أربعة: الأول: علي بن عبد الله المَدينيّ، وقد مرّ في الرابع عشر من كتاب العلم. والثاني: سفيان بن عيينة، وقد مرّ في الأول من بدء الوحي، ومرّ أبو حازم وسهل بن سعد في الثامن والمئة من كتاب الوضوء. وفي المتن عمله فلان مولى فلانة، قال ابن حجر: اختلفوا في اسم فلان الذي هو نجّار منبره ﷺ ، فقيل: قُبيصة المخزوميّ، وقيل: صلاح غلام العباس بن عبد المطلب، وقيل ابن شكوال، وقيل مينا، وقيل إبراهيم، وقيل باقوم، بالميم في آخره، وقيل: رومي غلامٌ لسعيد بن العاص، مات في حياة النبي ﷺ . ورُوي عن عباس بن سهل عن أبيه قال: كان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون، فذكر قصة المنبر، وقيل غلام لسعد بن عبادة. وفلانة، قال ابن حجر: لم يعرف اسمها، ولكنها أنصارية، وقيل اسمها عَلاثة، وقيل اسمها عائشة الأنصارية. لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الجمع

стр. 2960

أيضًا في موضع، وفيه السؤال، ورواته ما بين بصريّ ومكيّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة عن قتيبة، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ في الصلاة، ابن ماجه أيضًا فيها. ثم قال البخاريّ: قال أبو عبد الله: قال علي بن المدينيّ: سألني أحمد بن حنبل ﵀ عن هذا الحديث قال: فإنما أردت أن النبيّ ﷺ كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإِمام أعلى من الناس بهذا الحديث. قال: فقلت: إن سفيان بن عُيينة كان يُسأل عن هذا كثيرًا، فلم تسمعه منه؟ قال: لا. قوله: قال فإنما، في رواية "فقال" ولابن عساكر "وإنما" وقوله: فقلتُ أي قال علي بن المديني: فقلت لابن حنبل. وفي رواية "قلت"، وقوله كان يُسأل بالبناء للمفعول، وقوله: قال لا في أن أحمد بن حنبل لم يسمع هذا الحديث من سفيان بن عُيينة، والمراد أنه لم يسمع منه جميعه لا بعضه؛ لأنه قد أخرج في مسنده عن ابن عُيينة بهذا الإسناد من هذا الحديث قول سهل "كان المنبر من أَثْل الغابة فقط" والغرض من هنا وهو صلاته ﷺ على المنبر داخل في ذلك لبعض، فلذلك سأل عنه عَليّ بن المدينيّ، وقد صرح البخاريّ في حكايته عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حَنبل جواز اختلاف موقف الإِمام والمأموم في العلو والسفل. وقد قال ابن دقيق العيد: في ذلك بحث، فإنه قال من أراد أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم؛ لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة اعتباره، فلابد منه. وأبو عبد الله المراد به البخاريّ، وعلي بن عبد الله مرّ في الحديث الرابع عشر من كتاب العلم، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي. والإمام أحمد بن حنبل هو أحمد بن محمد بن هلال بن أسد الشّيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ ثم البغداديّ، خرجت به أُمُّه من مرو وهي حامل فولدته ببغداد، وبها طلب العلم، ثم طاف البلاد. قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت فيها أفقه ولا أزهد ولا أورع من أحمد بن حنبل. وقال يحيى بن

стр. 2961

مُعين: لو جلسنا مجلسًا بالثناء ما ذكرنا فضائله بكمالها. وقال أيضًا: ما رأيت خيرًا من أحمد ما افتخر علينا بالعربية قط. وقال عارم: قلت له يومًا: يا أبا عبد الله، بلغني أنك من العرب فقال: يا أبا النعمان نحن قوم مساكين. وقال وكيع وحفص بن غياث: ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى؛ يعنيان أحمد. وقال القطّان: ما قدم عليّ مثل أحمد، وقال فيه مرة حبر من أحبار هذه الأمة. وقال أحمد بن سنان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل. وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع. وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثَمَّةَ أحد غيره يحسن الفقه. وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا. وقال عبد الله الخُريبيّ: كان أفضل زمانه، وقال أبو الوليد: ما بالمصرين أحب إليّ منه، ولا أرفع قدرًا في نفسي منه. وقال العباس: العَنْبَريّ حجة. وقال ابن المدينيّ: ليس في أصحابنا أحفظ منه. وقال قُتيبة: أحمد إمام الدنيا. وقال أبو عُبيد: لست أعلم في الإِسلام مثله. وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، نزه النفس، فقيه في الحديث، متبع الآثار صاحب سنة وخير. وقال أبو ثور: أحمد إمامنا وشيخنا. وقال العباس بن الوليد: قلت لأبي مسهر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد. وقال بشر بن الحارث: أدخل الكبير فخرج ذهبًا أحمر، وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل. وقال أحمد الدورقيّ: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتهموه على الإِسلام. وقال أبو زرعة الرازيّ: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: أخذت عليه الأبواب. وقال نوح بن حبيب: رأيت أحمد في مسجد الخِيف مستندًا إلى المنارة، فجاءه أصحاب الحديث، فجعل يعلمهم الفقه والحديث، ويفتي الناس. وقال عبد الله: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة. وقال هلال بن العلاء: مَنّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم: بالشافعي تفقه بحديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس، وبيحيى بن معين،

стр. 2962

نفى الكذب عن حديث رسول الله ﷺ . وبأبي عُبَيد فسَّر الغَريب. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه فقال: هو إمام وحجة. وقال النَّسائيّ: الثقة المأمون أحد الأئمة. وقال ابن ماكولاء: كان أعلم الناس بمذاهب الصحابة والتابعين. وقال الخليليّ: كان أفقه أقرانه وأروعهم، وأكفهم عن الكلام في المحدثين إلَّا في الاضطرار، وقد كان أمسك عن الرواية من وقت الامتحان، فما كان يروي إلَّا لبنيه في بيته. وقال ابن حبّان في الثقات: كان حافظًا متقنًا فقيهًا ملازمًا للورع الخفي، مواظبًا على العبادة الدائمة، أغاث الله به أمة محمد ﷺ ، وذاك أنه ثبت في المحنة، وبذل نفسه لله حتى ضرب بالسياط للقتل، فعصمه الله تعالى عن الكفر، وجعله علمًا يقتدى به، وملجأً يُلجأ إليه. وقال سفيان بن حرب لرجل سأله عن مسألة: سل عنها أحمد فإنه إمام. وقال محمد بن إبراهيم البوشنجيّ: ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد، ولا أعقل، وهو عندي أفضل وأفقه من الثوري. وقال ابن سعد: ثقة ثبت صدوق كثير الحديث، وقال أبو الحسن ابن الزاغوني: كُشف قبر أحمد حين دفن الشريف أبو جعفر بن أبي موسى إلى جانبه، فوجد كفنه صحيحًا لم يبل، وجنبه لم يتغير، وذلك بعد موته بمئتين وثلاثين سنة. وقال إبراهيم الحريّ: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام كأنه خارج من باب مسجد الرصافة، وفي كُمه شيء يتحرك، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأكرمني، فقلت: ما هذا الذي في كمك؟ قال: قدم علينا البارحة روح أحمد بن حنبل فنُثر عليه الدر والياقوت، فهذا مما التقطتُّ. قلت: فما فعل يحيى بن معين وأحمد بن حنبل؟ قال: تركتهما وقد زارا رب العالمين، ووضعت لهما الموائد. قلت: فلِمَ لمْ تأكل أنت معهما؟ قال: قد عرف هو أن الطعام صَبّنٌ عليّ، فأباحني النظر إلى وجهه الكريم. روى عن الشافعي ﵀، وكان من خواصّه، وعن بشر بن المفضل، واسماعيل بن علية، وسفيان بن عُيينة، وأبي داود الطَّيالسيّ، ويحيى القطّان،

стр. 2963

وغندر، وخلق. وروى عنه البخاريّ ومسلم وأبو داود، والباقون مع البخاريّ بواسطة، وابن مهدي والشافعي وأبو الوليد وعبد الرزاق ووكيع ويحيى بن آدم ويزيد بن هارون، وهم من شيوخه، وكثير من أقرانه، وابناه صالح وعبد الله، وتلامذته أبو بكر الأثرم وحرب الكرمانيّ. رُوي أنه قال: حججت خمس حجج، منها ثلاث حجج راجلًا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا، وفي تلك السنة مات فضيل، ورأيت بن وهب ولم أكتب عنه. ولد سنة أربع وستين ومئة في أولها، في ربيع الأول. وقال: سمعت من عليّ بن هاشم بن البريد سنة تسع وسبعين ومئة وهي أول سنة طلبت، وفيها مات مالك، مات ضحوة نهار الجمعة، لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وقيل لثلاث عشرة بقيت من الشهر المذكور، سنة إحدى وأربعين ومئتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب، وقبره مشهور بها يزار، ومرّ زمن حضر جنازته من الرجال فكانوا ثمان مئة ألف، ومن النساء فكانوا ستين ألفًا وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون ألفًا من النصارى واليهود والمجوس. وقال عبد الله: كان أبي يقول لأهل البِدَع: بيننا وبينكم الجنائز. وليس في الستة أحمد بن حنبل سواه، وأما أحمد بن محمد فكثير. والشيباني في نسبه نسبة إلى شيبان بن ذُهل بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل، وقيل إنه من بني مازن بن ذُهل بن شيبان. وذهل بن ثعلبة المذكور هو عم ذهل بن شيبان، فليُعْلم ذلك. قاله ابن خلكان.

стр. 2964

الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَجُحِشَتْ سَاقُهُ أَوْ كَتِفُهُ، وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا، وَهُمْ قِيَامٌ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا". وَنَزَلَ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْرًا، فَقَالَ: "إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ". قوله: عن أنس بن مالك، في رواية سعيد بن منصور عن حميد "حدثنا أنس" وقوله: سقط عن فرس، في رواية "عن فرسه" وأفاد ابن حبّان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة، وقوله: فجُحِشت ساقه، بضم الجيم وكسر الحاء المهملة وبالشين المعجمة، أي خُدشت، والخدش قشر الجلد، أو أشد منه قليلًا. أو كتفه، شك من الراوي، وعند الإسماعيليّ من رواية بشر بن المفضل عن حميد "انفكت قدمه" وفي رواية الزُّهريّ من أنس في الصحيحين "فجحش شِقُّه الأيمن" وهي أشمل مما قبلها، وعند المصنف في باب "يهوي بالتكبير" قال سفيان: سمعت من الزُّهري "شقه الأيمن، فلما خرجنا، قال ابن جُريج: ساقه الأيمن". وأخرج عبد الرزاق رواية ابن جريج وهي مفسرة لمحل الخدش من الشق الأيمن؛ لأن الخدش لم يستوعبه. وقوله: وآلى من نسائه شهرًا، أي حلف أن لا يدخل عليهن شهرًا، وليس المراد به الإيلاء المتعارف بين الفقهاء، وهو الحلف على أن لا يقرب زوجته

стр. 2965

أربعة أشهر فصاعدًا. ومن اللطائف أن الحكمة في الشهر مع أن مشروعية الهجر ثلاثة أيام أن عدتهن كانت تسعة، فإذا ضربت في تسعة كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية لأنها كانت أَمَة، فنقصت عن الحرائر. قلت: إنما يتم هذا لو هجر واحدة بعد واحدة، إما في حال اجتماعهن في الهجر شهرًا فلا يتم؛ لأن كل واحدة منهن شهرًا. وقوله: فجلس في مَشْرُبة له، بفتح أوله وسكون المعجمة وبضم الراء، ويجوز فتحها، وهي الغرفة المرتفعة. وقوله: دُرجتها من جذوع الدُّرجة، بالضم وبالتحريك وكهمزة وتشدد جيم هذه، وكأَسْكُفَّة: المَرقاة، وجذوع بالتنوين من غير إضافة وللكشميهني "من جذوع النخل". والغرض من هذا الحديث هنا صلاته ﷺ في المَشْرُبة، وهي معمولة من الخشب. قاله ابن بطال: وتعقب بأنه لا يلزم من كون درجها من خشب أن تكون كلها خشبًا، فيحتمل أن يكون الغرض منه بيان جواز الصلاة على السطح، إذ هي سقف في الجملة. وقوله: وهم قيام، جملة اسمية حالية، وقوله: إنما جعل الإِمام ليُؤَم به، الائتمام الاقتداء والإِتباع، أي جعل الإِمام إمامًا ليقتدى به ويتبع، ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال، فمتابعته واجبة في كل شيء، وليست شرطًا إلّا في تكبيرة الإحرام والسلام؛ لأن الفاء في قوله "فإذا كبّرَ فكَبّروا" للتعقب المقتضي مشروعية متابعته في الأقوال. وخالف أبو حنيفة فقال: إن المقتدي يكبر مقارنًا لتكبير الإِمام لا يتقدم ولا يتأخر عنه؛ لأن الفاء للحال. وقال أبو يوسف ومحمد: الأفضل أن يكون بعد فراغ الإِمام من التكبير؛ لأن الفاء للتعقب، وإنْ كبّر مع الإِمام أجزاه عند محمد، وقد أساء، وكذا في أصح الروايتين عند أبي يوسف، وفي رواية لا يضير شارعًا ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله، كاقتران حركة الخاتم والأصبع. والبعدية على قولهما أَن يوصل ألف الله براء أكبر.

стр. 2966

وقال خواهر زاده: قول أبي حنيفة أدق وأجود، وقولهما أحوط وأرفق. وقول الشافعيّ كقولهما. قال النووي وغيره: متابعة الإِمام واجبة في الأفعال الظاهرة، وقد نبه عليها في الحديث، فذكر الركوع وغيره، بخلاف النية .. إلخ ما يأتي. وقال الماورديّ في تكبيرة الإِحرام قبل فراغ الإِمام منها: لم تنعقد صلاته، فإن قارنه أو سابقه فقد أساء، ولا تبطل صلاته، فإن سلم قبل إمامه بطلت صلاته، إلَّا أن ينوي المفارقة، ففيه خلاف مشهور، وقول النووي السابق "بخلاف النية" يريد به ما ذهب إليه الشافعيّ وطائفة، من اختلاف النية مع الإِمام يضر، وجعل الحديث مخصوصًا بالأفعال الظاهرة. قال النوويّ: لأن النية لم تذكر، وقد خرجت بدليل آخر، وكأنه يعني قصة معاذ الآتية في أبواب الإمامة. قال في الفتح: يمكن أن يستدل من هذا الحديث على عدم دخولها؛ لأنه يقتضي الحصر في الاقتداء به في أفعاله لا في جميع أحواله، كما لو كان مُحْدِثًا أو حامل نجاسة، فإن الصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الأصح عند العلماء. وقال مالك وأبو حنيفة: يضر اختلافهما. وجعلا اختلاف النية تحت الحصر في الحديث، وقال مالك: لا يضر الاختلاف بالهيأة بالتقدم في الموقف. وجعل الحديث عامًا فيما عدا ذلك. وقوله: وإن صلّى قائمًا فصلوا قيامًا، مفهومه وإن صلّى قاعدًا فصلوا قعودًا، وقد صرح بهذا المفهوم في رواية ابن شهاب عن أنس عند المؤلف في الإمامة، ففيها "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" وقد احتج بهذه الرواية أحمد وإسحاق وابن حزم والأوزاعيّ ونفر من أهل الحديث، على أن الإِمام إذا صلى قاعدًا يصلي من خلفه قعودًا. وقال أبو حنيفة والشافعي والثَّوريّ وأبو ثور وجمهور السلف: لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلَّا قائمًا. وقال المرغانيّ: الفرض والنفل سواء. وقال مالك: لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف القاعد لا قائمًا ولا قاعدًا. وأجابت المالكية عن حديثي أنس الذي في الباب، والذي في الإمامة، وعن حديث عائشة بأن هذا كله خاص بالنبي ﷺ ، واحتجوا بما أخرجه

стр. 2967

الدارَقُطنيّ والبيهقيّ في سننيهما، عن جابر عن الشعبيّ مرفوعًا "لا يُؤمَّنَّ أحد بعدي جالسًا" واعترضه الشافعي فقال: قد علم من احتج به أن لا حجة فيه، لأنه مرسل، ومن رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه، يعني جابر الجعفيّ. قلت: الجواب عن هذا هو أن مالكًا يحتج بالمراسيل، وجابر وثقه كثير من العلماء، بل من وثقه أكثر ممن جرحه. وحكى عياض عن بعض مشائخهم أن الحديث المذكور يدل على نسخ أمره المتقدم لهم بالجلوس، لمّا صلوا خلفه قيامًا، ويتقوى ذلك بأن الخلفاء الراشدين لم يفعله أحد منهم. قال: والنسخ لا يثبت بعد النبي ﷺ لكنّ مواظبتهم على ترك ذلك تدل على صحة الحديث المذكور، واحتج أيضًا بأنه ﷺ إنما صلى بهم قاعدًا لأنه لا يصح التقدم بين يديه، نهى الله عن ذلك، ولأن الأئمة شفعاء، ولا يكون أحد شافعًا له، ورُدّ هذا بصلاته ﵊ خلف عبد الرحمن بن عوف الثابت بلا خلاف. قلت: والجواب عن هذا أنه وقع من غير دخول عليه، أي من غير أن نقدمه إلى الإمامة، بل وجده إمامًا وصلّى به، فهي واقعة عين لا توجب الاطراد، ويدل على أنها واقعة عين ما في الحديث الصحيح من امتناع أبي بكر رضي الله تعالى عنه من الصلاة به ﵊، وقوله: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم أمام رسول الله ﷺ . واستدلوا أيضًا بقول ربيعة أن النبي ﷺ كان في تلك الصلاة مأمومًا خلف أبي بكر. وأنكر أن يكون النبي ﵊ أمَّ في مرض موته قاعدًا، كما حكاه عنه الشافعيّ في الأم، ويأتي ذلك في الحديث. وقال ابن العربيّ مؤيدًا لمذهبه: سمعت بعض الأشياخ يقول: الحال أحد وجوه التخصيص، وحال النبي ﷺ ، والتبرك به، وعدم العوض عنه، يقتضي الصلاة معه على أي حال كان عليها، وليس ذلك لغيره. وأيضًا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصور في حقه، ويتصور في حق غيره. وأجاب القائلون بأن العاجز عن القيام لا يُصلي القادر عليه خلفَه إلَّا قائمًا عن قوله في حديث الزهريّ عن أنس "فإن صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون"

стр. 2968

بأن هذا منسوخ. كلما قال البخاريّ عن شيخه الحميدي: قوله: إذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا هو في مرضه القديم، ثم صلى بعد ذلك النبي ﷺ جالسًا والناس خلفه قيام، لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي ﷺ ، فإقراره للصحابة على القيام خلفه وهو قاعد كافٍ في النسخ، وقد قرره الشافعي بهذا، لكن هذا على ما في حديث عائشة من أنه "﵊ كان إمامًا وأبو بكر مأمومًا" وقد ورد العكس، كما أخرجه الترمذي والنّسائيّ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، عن مسروق عن عائشة قالت "صلى النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه خلف أبي بكر قاعدًا" وأخرجه النَّسائيّ أيضًا عن أنس قال "آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ مع القوم صلى في ثوب واحد متوشحًا خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه" ولكن ما في الصحيح أقوى. وقد جمع العلماء بينهما، فقال البيهقيّ في المعرفة: ولا تعارض بين الحديثين، فإن الصلاة التي كان فيها النبي ﵊ إمامًا هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد، والتي كان فيها مأمومًا هي صلاة الصبح من يوم الإثنين، وهي آخر صلاة صلاها ﵊ حتى خرج من الدنيا. قال: وهذا لا يخالف ما ثبت عن أنس في صلاتهم يوم الإثنين، وكشفه ﷺ الستر ثم إرخائه، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه ﵊ وجد خفة في نفسه، فخرج فأدرك معه الركعة الثانية. قلت: وهذا الجمع يرجح أن آخر صلاة له كان مأمومًا لا إمامًا، وأجابوا أيضًا بأن المراد بقوله "وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" الأمر بالاقتداء به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين؛ لأنه ذكر ذلك عقب الركوع والرفع منه والسجود، فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيمًا له، فأمرهم بالجلوس تواضعًا، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر عند مسلم "إنْ كدتم أنْ تفعلوا فعل فارس والروم؛ يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا" وتعقبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد، وبأن سياق طرق الحديث تأباه، وبأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الركن لقال "وإذا جلس فاجلسوا" ليناسب قوله "وإذا سجد

стр. 2969

فاسجدوا" فلما عدل عن ذلك إلى قوله "وإذا صلى جالسًا" كان كقوله "وإذا صلى قائمًا" فالمراد بذلك جميع الصلاة. ويؤيد ذلك قول أنس "فصلينا وراءه قعودًا" وأنكر أحمد القائل بجواز صلاة القادر جالسًا خلف المصلي جالسًا عجزًا، ومن حقه نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمعوا بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين؛ إحداهما: إذا ابتدأ الإِمام الراتبُ الصلاةَ قاعدًا لمرضٍ يرجى برؤه، فحينئذ يصلون خلفه قعودًا. ثانيهما: إذا ابتدأ الإِمام الراتبُ قائمًا لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قيامًا، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعدًا أم لا، كما في الأحاديث التي في مرض موته ﷺ ، فإن تصديره لهم على القيام، دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائمًا، وصلوا معه قيامًا، بخلاف الحالة الأولى، فإنه ﷺ ابتدأ الصلاة جالسًا، فلما صلوا خلفه قيامًا أنكر عليهم. ويقوي هذا الجمعَ أن الأصل عدم النسخ، لاسيما وهو في هذه الحالة يستدعي دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصل قاعدًا، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد. وقد قال بقول أحمد جماعةٌ من محدِّثي الشافعية، كابن خُزيمة وابن المنذر وابن حبّان، وأجابوا عما ورد عن عائشة وأنس، من الأمر بالجلوس، بأجوبة منها قول ابن خزيمة: إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدًا تبعًا لإِمامه، لم يُختلف في صحتها ولا في سياقها، وأما صلاته ﷺ قاعدًا، فاختُلف فيها هل كان إمامًا أو مأمومًا. قال: وما لم يُختلف فيه لا ينبغي تركه لمختَلَف فيه. وأُجيبَ بدفع الاختلاف، والحمل على أنه كان إمامًا مرة ومأمومًا أخرى. ومنها أن بعضهم جمع بين القضيتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب، وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز، فعلى هذا مَن أمّ قاعدًا لعذر، تخيّر من صلّى خلفه بين القعود والقيام، والقعود أَوْلى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع، وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك. وأجاب ابن خزيمة عن استبعاد من استبعد

стр. 2970

ذلك، بأن الأمر قد صدر من النبي ﵊ بذلك، واستمر عليه عمل الصحابة في حياته وبعده، فروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قَهْد، بفتح القاف وسكون الهاء، الأنصاريّ أن إمامًا لهم اشتكى على عهد رسول الله ﷺ ، قال: فكان يؤمنا جالسًا ونحن جلوس. وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أُسَيد بن حُضَير أنه كان يؤم قومه، فاشتكى، فخرج إليهم بعد شكواه، فأمروه أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أُصلي قائمًا فاقعدوا، فصلى بهم قاعدًا وهم قُعود. وروى أبو داود من وجه آخر عن أُسيد بن حُضير أنه قال: يا رسول الله، إن إمامنا مريض. قال: "إذا صلّى قاعدًا فصلوا قعودًا" وفي إسناده وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى، فحضرت الصلاة، فصلى بهم جالسًا، وصلوا معه جلوسًا. وعن أبي هُريرة أنه أفتى بذلك، وإسناده صحيح أيضًا. وقد ألزم ابن المنذر من قال بأن الصحابيّ أعلم بتأويل ما روى، بأن يقول بذلك؛ لأن أبا هريرة وجابرًا رويا الأمر المذكور واستمرا على العمل به، والفتيا بعد النبي ﵊، ويلزم ذلك من قال إن الصحابيّ إذا روى وعمل بخلافه أن العبرة بما عمل من باب الأَوْلى؛ لأنه عمل يوافق ما روى، وقد ادعى ابن حِبان الإِجماع على العمل به، ولعله أراد السكوتيّ؛ لأنه حكاه عن الأربعة المار ذكرهم، وقال: إنه لا يُحفظ عن أحد من الصحابة غيرهم القول بخلافه، لا من طريق صحيح ولا ضعيف، وكذا قال ابن حزم مثله. والذي ادّعيا نفيه رواه الشافعي عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وصرح به عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جُريج؛ أخبرني عطاء فذكر الحديث، ولفظه "فصلى النبي ﷺ قاعدًا، وأبو بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلى الناس وراءه قيامًا" وهذا مرسل يعتضد بما مر عن الشافعي معلقًا، وهو الذي يقتضيه النظر، فإنهم ابتدأوا الصلاة مع أبي بكر قيامًا بلا نزاع، فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان، لكن استدل ابن حبّان على أنهم قعدوا بعد أن كانوا قيامًا، بما رواه

стр. 2971

عن أبي الزبير عن جابر قال "اشتكى رسول الله ﷺ ، فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناس تكبيره، قال: فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فلما سلم قال: إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم ... إلخ" الحديث المار، لكن هذا لم يكن في مرض موته، وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس. كما أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيح عن أبي سفيان عن جابر قال "ركب رسول الله ﷺ فرسًا بالمدينة، فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدمه ... " الحديث، وعلى هذا فلا حجة لما ادعاه، إلَّا أنه تمسك بقوله في رواية أبي الزبير "وأبو بكر يُسمع الناس التكبير" وقال: إن ذلك لم يكن إلَّا في مرض موته؛ لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشربة عائشة، ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يُسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته، فإنها كانت في المسجد، في جمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التكبير، ولا راحة له فيما تمسك به؛ لأن إسماع التكبير لم يتابِع أبا الزبير عليه أحدٌ، وعلى تقدير أنه حفظه، فلا مانع أن يُسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة؛ لأنه يحمل على أن صوته ﵊ كان خفيًا من الوجع، وكان من عادته الجهر بالتكبير، فكان أبو بكر يجهر عنه بالتكبير لذلك. قلت: وفي البيت من يصلي بصلاته ﷺ ، فيحتاج إلى الإِسماع، ووراء هذا كله أنه أمر محتمل، لا يترك لأجله الخبر الصريح أنهم صلوا قيامًا، كما تقدم في مرسل عطاء وغيره، بل في مرسل عطاء أنهم استمروا قيامًا إلى أن انقضت الصلاة، لكن في مرسل عطاء المذكور متصلًا به بعد قوله "وصلى الناس بعده قيامًا، فقال النبي ﷺ : لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت، ما صليتم إلَّا قعودًا، فصلوا صلاة إمامكم ما كان، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا" وهذه الزيادة تقوّي ما قال ابن حبّان: إن هذه القصة كانت في مرض موته ﵊. ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قُعودًا إذا صلى إمامهم قاعدًا؛ لأنه ﵊ لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإِعادة، لكن إذا نسخ الوجوب بقي الجواز،

стр. 2972

والجواز لا ينافي الاستحباب، فيحمل أمره الأخير بأن يصلوا قعودًا على الاستحباب؛ لأن الوجوب قد رفع بتقريره لهم، وتَرْك أمرهم بالإعادة، هذا مقتضى الجمع بين الأدلة، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: إذا ركع فاركعوا، قال ابن المنير: مقتضاه إن ركوع المأموم فيه بعد أن يشرع، وفي رواية هشام في الطب "وإذا رفع فارفعوا، وإذا سجد فاسجدوا" وهو يتناول الرفع من الركوع، والرفع من السجود، وجميع السجدات. وزاد مسلم عن أبي هريرة بعد قوله " ليؤتم به فلا يختلفوا عليه" وأفادت هذه الزيادة أن الأمر بالاتباع يعم جميع المأمومين، ولا يكفي في تحصيل الائتمام اتباع بعض دون بعض، ولمسلم عنه أيضًا "لا تبادر الإِمام، إذا كبر فكبروا" وهي زيادة حسنة تنفي احتمال إرادة المقارنة من قوله "إذا كبر فكبروا" المتقدم عن أبي حنيفة القولُ به، وقد مرّ أن الفاء في قوله "فكبروا" للتعقب. ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع عقب فعل الإِمام، لكن تعقب بأن الفاء التي للتعقب هي العاطفة، وأما التي هنا فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جوابًا، فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأمومين عن الإِمام إلَّا على القول بتقدم الشرط على الجزاء. وقد قال قوم: إن الجزاء يقع مع الشرط، وعليه لا تنتفي المقارنة، لكن الرواية المتقدمة صريحة في انتفاء التقدم والتأخر. وقوله: ونزل لتسع وعشرين، أي نزل من المشربة التي كان معتزلًا فيها. واختلف الحديث في سبب الاعتزال، فأخرج مسلم عن جابر قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ... الحديث في قوله ﷺ "هن حولي كما ترى يسألنني النفقة" يعني فساءه. وأخرج البخاريّ وغيره عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهراً من شدة موجِدَته عليهن ... إلخ، ويمكن الجمع بين الحديثين بأن القضيتين جميعًا سبب الاعتزال، فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة. ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين.

стр. 2973

وفي الحديث من الفوائد، غير ما تقدم، مشروعيةُ ركوب الخيل، والتدرب على أخلاقها، والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوه ما اتفق للنبي ﷺ في هذه الواقعة، وبه الأسوة الحسنة. وفيه أنه يجوز عليه ﷺ مما يجوز على البشر، من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك، بل ليزداد قدره رفعة، ومنصبه جلالة. وفيه مشروعية اليمين؛ لأنه ﵊ آلى أن لا يدخل على نسائه شهرًا. وفيه أن الشهر لا يأتي دائمًا كاملًا، وإن من حلف على فعل شيء أو تركه في شهر كذا، وجاء الشهر تسعة وعشرين يومًا يخرج من يمينه، فلو نذر صوم شهر بعينه فجاء الشهر تسعة وعشرين يومًا لم يلزمه أكثر من ذلك. وإذا قال: لله عليّ صوم شهر من غير تعيين، كان عليه إكمال عدد ثلاثين يومًا، وتأتي إن شاء الله تعالى بقية مباحثه في باب "حد المريض أن يشهد الجماعة". رجاله أربعة: الأول: محمد بن عبد الرحيم المعروف بصاعقة، وقد مرّ في السادس من كتاب الوضوء، ومرّ يزيد بن هارون في الخامس عشر منه، ومرّ حميد الطويل في الثاني والأربعين من كتاب الإِيمان، ومرّ أنس بن مالك في السادس منه أيضًا. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، وهو رباعيّ الإسناد، ورواته ما بين بغداديّ وواسطيّ وبصريّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي المظالم عن محمد بن سلام، وفي الصوم والنذور عن عبد العزير بن عبد الله، وفي النكاح عن خالد بن مَخْلَد، وفي الطلاق عن إسماعيل بن أُويس، ومسلم في الصلاة، وأبو داود والنَّسائِيّ وابن ماجه فيها أيضًا، ثم قال المصنف: باب إذا أصاب ثوب المصلّي امرأته إذا سجد أي هل تفسد صلاته أم لا، والحديث دال على الصحة.

стр. 2974

الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ. قَالَتْ وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ. قوله: وأنا حذاءه، بكسر المهملة وفتح المعجمة، منصوبًا على الظرفية. وفي رواية حذاؤه بالرفع على الخبرية، وقوله: وأنا حائض، جملة اسمية حالية، وقد مر الكلام على هذا الحديث عند ذكره آخر كتاب الحيض، واستدل به المصنف هناك على أن عين الحائض طاهرة، وهنا على أن ملاقاة بدن الطاهر وثيابه لا تُفسد الصلاة، ولو كان متلبسًا بنجاسة حكمية، وفيه إشارة إلى النجاسة إذا كانت عينية قد تضر، وفيه أن محاذاة المرأة لا تفسد الصلاة. رجاله خمسة: مر خالد بن عبد الله الواسطي الطحّان في السادس والخمسين من كتاب الوضوء، ومرّ مسدد في السادس من كتاب الإيمان، ومرّ سليمان الشيباني السابع من كتاب الحيض، ومرّ عبد الله بن شدّاد فيه أيضًا، في الثامن منه، ومرت ميمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من كتاب العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بصريّ وواسطيّ وكوفيّ ومدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن صحابية. أخرجه البخاريّ هنا وفي الطهارة عن الحسن بن مُدْرِك، وفي الصلاة عن عمرو بن زائدة، ومسلم وأبو داود وابن ماجَه في الصلاة. ثم قال المصنف

стр. 2975

باب الصلاة على الحصير قال ابن بطال: إن ما يصلّى عليه كبيرًا قدر طول الرجل فأكثر، قيل له حصير، ولا يقال له خمرة، وكل ذلك يصنع من سَعَف النخل وما أشبهه، والنكتة في هذه الترجمة الإشارة إلى ضعف ما رواه ابن أبي شيبة وغيره، عن شريح بن هانىء أنه سأل عائشة "أكان النبي ﷺ يصلي على الحصير، والله تعالى يقول ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]. فقالت: لم يكن يصلي على الحصير" فكأنه لم يثبت عند المصنف، أو رآه شاذًا مردودًا لمعارضته ما هو أقوى منه، كحديث الباب، وسيأتي عند المصنف، من طريق أبي سلمة عن عائشة، "أن النبي ﷺ وكان له حصير يبسطه ويصلي عليه" وفي مسلم من حديث أبي سعيد "أنه رأى النبي ﷺ يصلي على حصير". ثم قال: وصلى جابر بن عبد الله وأبو سعيد في السفينة قائمًا، ولفظ التعليق عن عبد الله بن أبي عُتبة مولى أنس قال: "سافرت مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخُدْريّ وجابر بن عبد الله، وأناس قد سمّاهم، قال: وكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائمًا، ونصلي خلفه قيامًا، ولو شئنا لأرفينا" أي لأرسينا، يقالى: أرسى السفينة، بالسين المهملة، وأرفى، بالفاء، إذا وقف بها على الشط. وهذا التعليق وصله أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح، وجابر بن عبد الله قد مر في الرابع من بدء الوحي، ومرّ أبو سعيد الخُدريّ في الثاني عشر من كتاب الإِيمان. ثم قال: وقال الحسن تصلي قائمًا ما لم تشق على أصحابك تدور معها، وإلاّ فقاعدًا" وقوله: تصلي وتشق، بالتاء، وكذلك تدور، وعلى أصحابك بضمير الخطاب. وللكشميهنيّ بالياء في الثلاثة، وعلى أصحابه، بضمير الغائب. والمعنى أن الحسن البصريّ لما سأله عاصم الأحول، هو وابن سيرين والشعبيّ، عن الصلاة في السفينة، فكلهم يقول: إن قدر على الخروج فليخرج، غير الحسن فإنه قال: تدور مع السفينة حيثما دارت، إن لم تشق على أصحابك، فإن كان يشق عليهم فصلِّ قاعدًا. ووجه إدخال الصلاة في السفينة في باب "الصلاة على الحصير" وهو أنهما

стр. 2976

اشتركا في أن الصلاة عليهما صلاة على غير الأرض، لئلا يتخيل متخيل أن مباشرة الأرض شرط، لقوله ﵊ في حديث معاذ المشهور، الذي أخرجه أبو داود "عفّر وجهك في التراب" وقد مرّ أثر عمر بن عبد العزيز في ذلك في آخر حديث من الحيض، وأشار البخاريّ إلى خلاف أبي حنيفة في تجويزه الصلاة في السفينة قاعدًا مع القدرة على القيام. وقال أبو يوسف ومحمد: لا تجوز قاعدًا إلَّا بعذر؛ لأن القيام ركن، فلا يترك إلَّا من عذر، والخلاف في غير المربوطة والمربوطة لم تجز عنده فيها قعودًا، وقيل: يجوز القعود عنده في حالة الإِجراء والإرساء، وعند المالكية يصلي الفرض في السفينة ويدور إن أمكن، وإن لم يمكن يصلي حيث توجهت به، وإن اتسع الوقت كما هو ظاهر المدونة، وقيدت بالضيق، ولعله للندب. وفي هذا الأثر جواز ركوب البحر، وهذا التعليق وصله أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح، والنسائيّ باللفظ الذي قدمنا، والحسن المراد به البصريّ، وقد مرّ في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان.

стр. 2977

الحديث الثاني والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلأُصَلِّي لَكُمْ". قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أنَا وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ. قوله: عن إسحاق بن أبي طلحة، هو للكشميهني والحموي، وللباقين إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وقوله: إنَّ جدّته مليكة، قيل الضمير في جدته يعود على إسحاق، وقيل يعود على أنس، أي جدته أم أمه أم سليم، وهذا هو الصحيح، لحديث أنس عند أبي الشيخ في فوائد العراقيين "أرسلتني جدتي واسمها مليكة" ... إلخ، وكونها جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق؛ لأن إسحاق جدته أم سليم، أم أبيه عبد الله، ومليكة أم جدته، فهي جدته الثانية. وقوله: الطعام صنعته له، أي لأجل طعام، وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك، لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم، كما في قصة عتبان بن مالك الآتية، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصته عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله. وقوله: ثم قال "قوموا" استدل به على ترك الوضوء مما مست النار، لكونه صلى بعد الطعام، وتعقب بما رواه الدارقطنيّ في غرائب مالك عن أنس بلفظ "صنعت مليكة للنبي ﷺ طعامًا، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ ... " الحديث. وقوله: فلأِصليَ، أي بكسر اللام وفتح الياء. وفي رواية الأصيلي

стр. 2978

بحذف الياء، قال ابن مالك: روي بحذف الياء وثبوتها ساكنة ومفتوحة، ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف تقديره: قوموا فقيامكم لأُصلي لكم. ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا. وعند سكون الياء يحتمل أن تكون اللام أيضًا لام كي، وسكنت الياء تخفيفًا، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قُنْبل ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] وعند حذف الياء، اللامُ لام الأمر، وأمْرُ المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، قليل في الاستعمال، ومنه قوله تعالى ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]. ويجوز فتح اللام، ولم ترد به الرواية، كما قال في الفتح. وقال القسطلاني: إن فتح اللام مع سكون الياء رواية الأربعة، وتوجيهه أن اللام لام ابتداء للتأكيد، أو لام الأمر فتحت على لغة بني سليم، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل .. إلخ ما مر، أو اللام جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، أي إنْ قمتم فوالله لأصلي لكم، وتُعُقب بأنْ لا وجه للقسم، ولو أريد ذلك لقال الأصلين بالنون، وقيل: إن في رواية الكشميهني "فأصل" بحذف اللام، وليس من النسخ الصحيحة، كما قال في الفتح. وحكى ابن قرقول عن بعض الروايات "فلِنصلِّ" بالنون وكسر اللام والجزم، واللام على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة. وقوله: لكم، أي لأجلكم. قال السهيليّ: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ويحتمل أن يكون أمرًا لهم بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله. وقوله: من طول ما لُبِس، أي بضم اللام وكسر الموحدة، وقد استدل به، كما مرّ في باب من صلى في فَرّوج حرير، على منع افتراش الحرير، لعموم النهي عن لباس الحرير، ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حيرًا لا يحنث بالافتراش؛ لأن الإِيمان مبناها على العُرف. وقوله: فنضحته، يحتمل أن يكون

стр. 2979

النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره، والأخير أوْلَى، وهو المتبادر؛ لأنه في التوجه للصلاة، والحصير متطرق فيه الشك في النجاسة، لاسوداده من طول اللبس، فهو جار على مذهب مالك من وجوب النضح عند الشك في النجاسة. وأما التليين والنظافة فلا يحصلان بالنضح بتاتًا، وإنما يحصلان بالغسل، فقول صاحب الفتح: ولا يصح الجزم بالأخير الذي هو التطهير؟ غيرُ ظاهر، بل اللازم الجزم به فتأمل منصفًا. وقوله: وصففت أنا واليتيم، كذا للأكثر، وللحمويّ والمستملي "فصففت واليتيم" بغير تأكيد، والأول أفصح، ويجوز في اليتيم الرفع على العطف، والنصب على المفعول معه، ويأتي في السند قريبًا الكلامُ على اليتيم، وعلى العجوز التي هي مليكة. وقوله: ثم انصرف، أي إلى بيته أو مِن الصلاة، وفي الحديث إِجابة الدعوة ولو لم تكن عُرسًا، ولوكان الداعي امرأة، لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وكأنه ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة، لأجل المرأة، فإنها قد يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقعها. وفيه تنظيف مكان المصلي أو تطهيره على ما مرّ، وقيام الصبي مع الرجل صفًا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفًا وحدها إذا لم تكن معها امرأة غيرها، واستدل به على جواز صلاة المنفرد خلف الصف، ولا حجة فيه لذلك؛ لأن المنفرد امرأة. وفيه الاقتصار في صلاة النهار على ركعتين خلافًا لمن اشترط أربعًا، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. وفيه صحة صلاة الصبي المميز ووضوئه، وأن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردًا، حيث لا تكون هناك مصلحة كالتعليم، بل يمكن إن يقال: هو إِذ ذاك أفضل، ولاسيما في حقه ﷺ . وقد أورد مالك هذا الحديث في ترجمة صلاة الضحى، وتعقب بما رواه أنس بن سيرين عن أنس بن مالك "أنه لم ير النبي ﷺ يصلي الضحى إِلا مرة واحدة في دار الأنصاري الضخم الذي دعاه ليصلي له في بيته" أخرجه المصنف

стр. 2980

في ما يأتي؛ وأجاب ابن العربيّ في القبس بأن مالكًا نظر إلى كون الوقت الذي وقعت فيه تلك الصلاة، هو وقت صلاة الضحى، فحمله عليه، وأن أنسًا لم يطّلع على أنه ﵊ نوى بتلك الصلاة صلاة الضحى. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف. والثاني: مالك بن أنس، وقد مرا في الثاني من بدء الوحي، ومرّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من كتاب العلم، ومرّ أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان. وفيه ذكر جدة أنس مليكة بنت مالك بن عَديّ بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار. لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإِخبار كذلك والعنعنة في موضعين. أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة أيضًا عن إسماعيل بن أبي أُوَيس، ومسلم والتِّرمذيّ والنَّسائيّ في الصلاة أيضًا. وفيه لفظ "واليتيم وراءه" واليتيم هو ضُميرة بن أبي ضَمرة، وأبو ضمرة مولى رسول الله ﷺ له ولأبيه صحبة. قال الذهبيّ: كان من حمير، واسمه سَعد، وكذا قال البخاريّ: إن اسمه سعد الحميريّ من آل ذي يَزن. وقال أبو حاتم: سعيد الحميريّ هو جد حسين بن عبد الله بن ضمير بن أبي ضمرة، ويقال: اسم أبي ضمرة رُوح بن سَنَد، وقيل روح بن شيرزاد، وضُميرة بضم الضاد والمعجمة مصغرًا. ثم قال المصنف: باب الصلاة على الخمرة
следующие страницы →