Полный текст (6 753 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
اشتركا في أن الصلاة عليهما صلاة على غير الأرض، لئلا يتخيل متخيل أن مباشرة الأرض شرط، لقوله ﵊ في حديث معاذ المشهور، الذي أخرجه أبو داود "عفّر وجهك في التراب" وقد مرّ أثر عمر بن عبد العزيز في ذلك في آخر حديث من الحيض، وأشار البخاريّ إلى خلاف أبي حنيفة في تجويزه الصلاة في السفينة قاعدًا مع القدرة على القيام. وقال أبو يوسف ومحمد: لا تجوز قاعدًا إلَّا بعذر؛ لأن القيام ركن، فلا يترك إلَّا من عذر، والخلاف في غير المربوطة والمربوطة لم تجز عنده فيها قعودًا، وقيل: يجوز القعود عنده في حالة الإِجراء والإرساء، وعند المالكية يصلي الفرض في السفينة ويدور إن أمكن، وإن لم يمكن يصلي حيث توجهت به، وإن اتسع الوقت كما هو ظاهر المدونة، وقيدت بالضيق، ولعله للندب.
وفي هذا الأثر جواز ركوب البحر، وهذا التعليق وصله أيضًا أبو بكر بن أبي شيبة بإسناد صحيح، والنسائيّ باللفظ الذي قدمنا، والحسن المراد به البصريّ، وقد مرّ في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان.
стр. 2977
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ ابْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا فَلأُصَلِّي لَكُمْ". قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أنَا وَالْيَتِيمَ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ.
قوله: عن إسحاق بن أبي طلحة، هو للكشميهني والحموي، وللباقين إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وقوله: إنَّ جدّته مليكة، قيل الضمير في جدته يعود على إسحاق، وقيل يعود على أنس، أي جدته أم أمه أم سليم، وهذا هو الصحيح، لحديث أنس عند أبي الشيخ في فوائد العراقيين "أرسلتني جدتي واسمها مليكة" ... إلخ، وكونها جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق؛ لأن إسحاق جدته أم سليم، أم أبيه عبد الله، ومليكة أم جدته، فهي جدته الثانية.
وقوله: الطعام صنعته له، أي لأجل طعام، وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك، لا ليصلي بهم ليتخذوا مكان صلاته مصلى لهم، كما في قصة عتبان بن مالك الآتية، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصته عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله.
وقوله: ثم قال "قوموا" استدل به على ترك الوضوء مما مست النار، لكونه صلى بعد الطعام، وتعقب بما رواه الدارقطنيّ في غرائب مالك عن أنس بلفظ "صنعت مليكة للنبي ﷺ طعامًا، فأكل منه وأنا معه، ثم دعا بوضوء فتوضأ ... " الحديث. وقوله: فلأِصليَ، أي بكسر اللام وفتح الياء. وفي رواية الأصيلي
стр. 2978
بحذف الياء، قال ابن مالك: روي بحذف الياء وثبوتها ساكنة ومفتوحة، ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام كي، والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف تقديره: قوموا فقيامكم لأُصلي لكم. ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بقوموا. وعند سكون الياء يحتمل أن تكون اللام أيضًا لام كي، وسكنت الياء تخفيفًا، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كقراءة قُنْبل ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] وعند حذف الياء، اللامُ لام الأمر، وأمْرُ المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، قليل في الاستعمال، ومنه قوله تعالى ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]. ويجوز فتح اللام، ولم ترد به الرواية، كما قال في الفتح.
وقال القسطلاني: إن فتح اللام مع سكون الياء رواية الأربعة، وتوجيهه أن اللام لام ابتداء للتأكيد، أو لام الأمر فتحت على لغة بني سليم، وثبتت الياء في الجزم إجراء للمعتل .. إلخ ما مر، أو اللام جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، أي إنْ قمتم فوالله لأصلي لكم، وتُعُقب بأنْ لا وجه للقسم، ولو أريد ذلك لقال الأصلين بالنون، وقيل: إن في رواية الكشميهني "فأصل" بحذف اللام، وليس من النسخ الصحيحة، كما قال في الفتح. وحكى ابن قرقول عن بعض الروايات "فلِنصلِّ" بالنون وكسر اللام والجزم، واللام على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة. وقوله: لكم، أي لأجلكم. قال السهيليّ: الأمر هنا بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ويحتمل أن يكون أمرًا لهم بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله.
وقوله: من طول ما لُبِس، أي بضم اللام وكسر الموحدة، وقد استدل به، كما مرّ في باب من صلى في فَرّوج حرير، على منع افتراش الحرير، لعموم النهي عن لباس الحرير، ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حيرًا لا يحنث بالافتراش؛ لأن الإِيمان مبناها على العُرف. وقوله: فنضحته، يحتمل أن يكون
стр. 2979
النضح لتليين الحصير أو لتنظيفه أو لتطهيره، والأخير أوْلَى، وهو المتبادر؛ لأنه في التوجه للصلاة، والحصير متطرق فيه الشك في النجاسة، لاسوداده من طول اللبس، فهو جار على مذهب مالك من وجوب النضح عند الشك في النجاسة. وأما التليين والنظافة فلا يحصلان بالنضح بتاتًا، وإنما يحصلان بالغسل، فقول صاحب الفتح: ولا يصح الجزم بالأخير الذي هو التطهير؟ غيرُ ظاهر، بل اللازم الجزم به فتأمل منصفًا.
وقوله: وصففت أنا واليتيم، كذا للأكثر، وللحمويّ والمستملي "فصففت واليتيم" بغير تأكيد، والأول أفصح، ويجوز في اليتيم الرفع على العطف، والنصب على المفعول معه، ويأتي في السند قريبًا الكلامُ على اليتيم، وعلى العجوز التي هي مليكة. وقوله: ثم انصرف، أي إلى بيته أو مِن الصلاة، وفي الحديث إِجابة الدعوة ولو لم تكن عُرسًا، ولوكان الداعي امرأة، لكن حيث تؤمن الفتنة، والأكل من طعام الدعوة، وصلاة النافلة جماعة في البيوت، وكأنه ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة، لأجل المرأة، فإنها قد يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقعها.
وفيه تنظيف مكان المصلي أو تطهيره على ما مرّ، وقيام الصبي مع الرجل صفًا، وتأخير النساء عن صفوف الرجال، وقيام المرأة صفًا وحدها إذا لم تكن معها امرأة غيرها، واستدل به على جواز صلاة المنفرد خلف الصف، ولا حجة فيه لذلك؛ لأن المنفرد امرأة. وفيه الاقتصار في صلاة النهار على ركعتين خلافًا لمن اشترط أربعًا، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. وفيه صحة صلاة الصبي المميز ووضوئه، وأن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردًا، حيث لا تكون هناك مصلحة كالتعليم، بل يمكن إن يقال: هو إِذ ذاك أفضل، ولاسيما في حقه ﷺ .
وقد أورد مالك هذا الحديث في ترجمة صلاة الضحى، وتعقب بما رواه أنس بن سيرين عن أنس بن مالك "أنه لم ير النبي ﷺ يصلي الضحى إِلا مرة واحدة في دار الأنصاري الضخم الذي دعاه ليصلي له في بيته" أخرجه المصنف
стр. 2980
في ما يأتي؛ وأجاب ابن العربيّ في القبس بأن مالكًا نظر إلى كون الوقت الذي وقعت فيه تلك الصلاة، هو وقت صلاة الضحى، فحمله عليه، وأن أنسًا لم يطّلع على أنه ﵊ نوى بتلك الصلاة صلاة الضحى.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يوسف.
والثاني: مالك بن أنس، وقد مرا في الثاني من بدء الوحي، ومرّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من كتاب العلم، ومرّ أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان. وفيه ذكر جدة أنس مليكة بنت مالك بن عَديّ بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.
لطائف إسناده:
فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإِخبار كذلك والعنعنة في موضعين. أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة أيضًا عن إسماعيل بن أبي أُوَيس، ومسلم والتِّرمذيّ والنَّسائيّ في الصلاة أيضًا.
وفيه لفظ "واليتيم وراءه" واليتيم هو ضُميرة بن أبي ضَمرة، وأبو ضمرة مولى رسول الله ﷺ له ولأبيه صحبة. قال الذهبيّ: كان من حمير، واسمه سَعد، وكذا قال البخاريّ: إن اسمه سعد الحميريّ من آل ذي يَزن. وقال أبو حاتم: سعيد الحميريّ هو جد حسين بن عبد الله بن ضمير بن أبي ضمرة، ويقال: اسم أبي ضمرة رُوح بن سَنَد، وقيل روح بن شيرزاد، وضُميرة بضم الضاد والمعجمة مصغرًا. ثم قال المصنف:
باب الصلاة على الخمرة
стр. 2981
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْخُمْرَةِ.
الخمرة المذكورة في الترجمة والحديث، قد مرّ الكلام عليها مستوفى عند ذكر هذا الحديث آخر كتاب الحيض.
رجاله خمسة:
الأول: أبو الوليد الطَّيالسيّ، وقد مرّ في العاشر من كتاب الإِيمان، ومرّ شعبة بن الحجاج في الثالث منه أيضًا، ومرّ سليمان الشيبانيّ في السابع من كتاب الحيض، ومرّ عبد الله بن شداد في الثامن منه أيضًا، ومرت ميمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من كتاب العلم. ثم قال المصنف
باب الصلاة على الفراش
أي سواء كان ينام عليه مع امرأته أم لا، وكأنه يشير إلى تضعيف الحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة، قالت "كان النبي ﷺ لا يصلي في لحفنا" فكأنه لم يثبت عنده أو رآه شاذًا مردودًا، وقد بين أبو داود علته.
ثم قال: وصلى أنس على فراشه، وهذا التعليق وصله ابن أبي شَيبة وسعيد بن منصور، وأنس قد مرّ في السادس من كتاب الإيمان.
ثم قال: وقال أنس: كنا نصلي مع النبي ﷺ ، فيسجد أحدنا على ثوبه. وسقط لفظ "أنس" من رواية الأصيليّ، فأوهم أنه بقية من الذي قبله، وليس كذلك، بل حديث آخر، وسيأتي موصولًا في الباب الذي بعده بمعناه، ورواه
стр. 2982
مسلم من الوجه المذكور، وفيه اللفظ المعلق هنا، وسياقه أتم. وأشار المصنف بالترجمة إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إبراهيم النخعيّ عن الأسود وأصحابه "أنهم كانوا يكرهون أن يصلوا على الطنافس والفِراء والمُسُوح" وأخرج عن جمع من الصحابة والتابعين جواز ذلك، وقال مالك: لا أرى بأسًا بالقيام عليها، إذا كان يضع جبهته ويديه على الأرض، وعند أبي حنيفة والشافعي يصلي على البساط والطِّنْفسه.
стр. 2983
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.
قوله: ورِجلاي في قبلته، أي في مكان سجوده، ويتبين بقولها في الرواية التي بعدها "وهي بينه وبين القبلة" وقوله: فقبضتُ رجليّ، كذا بالتثنية للأكثر، وكذا في قولها "بسطتهما" وللحمويّ والمستملي "رجلي" بالإِفراد، وكذا "بسطتها" وقوله: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، قالته كأنها مريدة به الاعتذار عن نومها على تلك الصفة، إذ لو كانت لقبضت رجليها عند إرادة السجود، ولما أحوجته للغمز. وفيه إشعار بأنهم صاروا بعد ذلك يستصبحون.
ومناسبة الحديث للترجمة من قولها "كنت أنام" وقد صرحت في الحديث الذي يليه بأن ذلك على فراش أهله، واستنبط منه عدم نقض الوضوء بلمس المرأة، وهو مذهب المالكية والحنابلة، إلاّ لقصد الشهوة جمعًا بين الأدلة، ومذهب الحنفية من غير تفصيل، وأجاب عنه الشافعية ومن قال بقولهم "بالنقض باللمس مطلقًا" باحتمال أن يكون بينهما حائل من ثوب أو غيره، أو بالخصوصية، ورُد هذا بأن الأصل عدم الحائل في الرجل واليد عُرفًا، وبأن دعوى الخصوصية بلا دليل، وبأنه عليه الصلاة في مقام التشريع لا الخصوصية، وفي قولها هذا "والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" الإِشارة إلى عدم الاشتغال بها، ولا يعكر على ذلك كونه يغمزها عند السجود، وليسجد مكان رجليها، كما وقع صريحًا في رواية لأبي داود، ولأن الشغل بها مأمون في حقه
стр. 2984
- ﷺ ، فمن أمِن ذلك لم يكره في حقه.
وفي الحديث جواز الصلاة إلى النائم، وقد ورد فيه حديث ابن عباس "أنه ﷺ قال: لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث". أخرجه أبو داود وابن ماجه. وقال أبو داود: طرقه كلها واهية، وفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن عديّ، وعن أبي هريرة أخرجه الطبرانيّ في الأوسط، وهما واهيان أيضًا، وكره مجاهد وطاوس ومالك الصلاةَ إلى النائم خشية أن يبدو منه ما يُلهي المصلي عن صلاته. وفيه جواز الصلاة إلى المرأة وأنها لا تقطع صلاته، وكرهه بعضهم لغير الشارع لخوف الفتنة بها، واشتغال القلب بالنظر إليها، وأما النبي ﷺ فمنزه عن هذا كله، مع أنه كان في الليل ولا مصابيح فيه.
وفيه أن المرأة لا تبطل صلاة من صلى إليها، ولا من مرت بين يديه، وهو قول جمهور الفقهاء سلفًا وخلفًا، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعيّ، ومعلوم أن اعتراضها بين يديه أشد من مرورها، وذهب بعضهم إلى أنه يقطع مرور الحمار والكلب والمرأة، لحديث أبي ذَرٍّ بذلك عند مسلم، وقال أحمد يقطع الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء، ووجّهه ابن دقيق العيد بأنه لم يجد في الكلب الأسود ما يعارضه، ووجد في الحمار حديث ابن عباس الآتي عند المصنف "أنه مرّ وهو راكب على أتان بين يدي بعض الصف"، ووجد في المرأة حديث عائشة المذكور في الباب، وحديثها الآتي "شبهتمونا بالكلاب والحمر .. إلخ".
والجواب عن حديث قطع الصلاة بهؤلاء أحد أمرين:
أحدهما أن المراد من القطع نقص الخشوع لا إبطالها، وذلك لأن المرأة تغير الفكر فيها، والحمار تنهق، والكلب يهوش، فلما كانت هذه الأشياء آئلة إلى القطع أطلق عليها القطع، ويؤيد هذا التأويل أن الصحابيّ راوي الحديث لما سُئل عن التقييد بالكلب الأسود أجاب بأنه شيطان، وقد علم أن الشيطان لو مرّ بين يدي المصلي لم تفسد صلاته، كما يأتي عند المصنف "إذا ثَوَّب
стр. 2985
بالصلاة أدبر الشيطان، فإذا قضى التثوثيب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه" وسيأتي أيضًا حديث "إن الشيطان عرض لي فشد عليَّ ... " الحديث، وللنسائي عن عائشة "فأَخَذْتُه فصرعته فخنقته" ولا يقال قد ذكر في هذا الحديث أنه جاء ليقطع صلاته؛ لأنا نقول قد بين في رواية مسلم سبب القطع، وهو أنه جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهه، وأما مجرد المرور فحصل، ولم تفسد به.
والثاني أن حديث القطع منسوخ بحديث "لا يقطع الصلاة شيء" رواه مالك في الموطأ وأبو داود والدارقطنيّ وغيرهم، وبصلاة الشارح ﵊، وبينه وبين القبلة عائشة، رضي الله تعالى عنها، وبكون الأتان ترتع بين يديه، ولم ينكره أحد، لكن تُعُقب هذا بأنّ النَّسخ لا يصار إليه إلَّا إذا علم التاريخ وتعذر الجمع، والتاريخ هنا لم يتحقق، والجمع لم يتعذر كما مرّ، وذهب ابن عباس وعطاء إلى أن المرأة التي تقطع الصلاة هي الحائض، وَرُدَّ بأنه جاء في حديث عائشة هذا قال شعبة "وأحسبها قالت: وأنا حائض".
ونازع بعضهم في الاستدلال بحديث عائشة من أوجه:
أحدها أن العلة في قطع الصلاة بها ما يحصل من التشويش، وقد قالت إن البيوت يومئذ ليس فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء علته.
ثانيها أن المرأة في حديث أبي ذَرٍّ مُطلقة، وفي حديث عائشة مقيدة بكونها زوجته، فيحمل المطْلق على المقيد، ويقال بتقيد القطع بالأجنبية لخشية الافتتان بها؛ بخلاف الزوجة، فإنها حاصلة.
ثالثها أن حديث عائشة واقعة عين يتطرق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذَرٍّ، فإنه مَسوقٌ مساق التشريع العام. وأشار ابن بطال إلى أن ذلك كان من خصائصه ﷺ ، لأنه يقدر من مَلْكِ إرْبه ما لا يقدر عليه غيره.
وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذرٍّ وما وافقه أحاديثُ صحيحة غير صريحة، وأحاديث صريحة غير صحيحة، فلا يترك العمل بحديث أبي ذر
стр. 2986
الصريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه، والفرق بين المار وبين النائم في القبلة، أن المرور حرام بخلاف الاستقرار، نائمًا كان أم غيره، فكذلك المرأة، يقطع مرورها دون لبثها قلت: هذا الفرق إنما هو من جهة تعلق الحرمة بالمار دون النائم، ولا تعرض فيه للفرق بين ذات المرأة وغيرها من الذوات، بحيث يتعلق البطلان بمرورها دون غيرها.
رجاله خمسة:
الأول: إسماعيل بن أبي أُوَيس، وقد مرّ في الخامس عشر من كتاب الإيمان، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحم، وكذلك عائشة، ومرّ أبو سلمة في الرابع منه، ومرّ أبو النضر سالم بن أبي أمية في السابع والستين من كتاب الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبالإِفراد في آخر، والعنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول. ورواته مدنيون، أخرجه البخاريّ أيضًا عن القعنبيّ وعبد الله بن يوسف، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ في الصلاة.
стр. 2987
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهْىَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ، اعْتِرَاضَ الْجَنَازَةِ.
قوله: اعتراض الجنازة، منصوب على أنه مفعول مطلق بعامل مقدر، أي معترضة اعتراضًا كاعتراض الجنازة، والمراد أنها تكون نائمة بين يديه، من جهة يمينه إلى جهة شماله، كما تكون الجنازة بين يدي المصلي عليها.
رجاله ستة:
الأول يحيى بن بكير، وقد مرّ هو والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عُروة وعائشة في الثاني منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، وبصيغة الماضي في موضع، والعنعنة في موضعين، ورواية تابعي عن تابعي عن الصحابية، ورواته ما بين مصريّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم وأبو داود وابن ماجه في الصلاة.
стр. 2988
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ.
صورة سياق هذا الحديث بالإرسال، لكنه محمول على أن عُروة سمع ذلك من عائشة، بدليل الرواية التي قبلها، والنكتة في إيراده أن فيه تقييد الفراش بكونه الذي ينامان عليه، بخلاف التي قبلها، فإن قولها "فراش أهله" أعم من أن يكون هو الذي ناما عليه أو غيره.
رجاله ستة:
الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرّ في الثاني من بدء الوحي، ومرّ الليث في الثالث منه، وعروة وعائشة في الثاني منه أيضًا، ويزيد بن أبي حبيب في الخامس من كتاب الإِيمان.
السادس من السند عِراك بن مالك الغِفاريّ الكِنانيّ المدنيّ. قال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، من خيار عباد الله تعالى. وقال أبو زُرعة وأبو حاتم: ثقة، وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: ما كان أبي يعدل بعراك بن مالك أحدًا. وقال أبو الغصن: رأيته يصوم الدهر. وقال الزبير بن بكار عن محمد بن الضحّاك عن المنذر بن عبد الله: إن عراك بن مالك كان من أشد أصحاب عمر بن عبد العزيز علي بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، فلما ولي يزيد بن عبد الملك ولّى عبد الواحد البصريّ على المدينة، فقرّب عراكًا، وقال: صاحبِ الرجلَ الصالح، وكان يجلس معه على سريره، فبينما هو يومًا معه إذ
стр. 2989
أتاه كتابُ يزيد أن أبعث مع عراك حرسيًا حتى ينزله دَهْلَك، كجعفر، جزيرة بين بر اليمن والحبشة، وخذ من عراك حمولته، فقال عبد الواحد لحرسيّ: خذ بيد عراك فابتع من ماله راحلة، ثم توجه به إلى دهلك حتى تقره بها، ففعل الحرسي ذلك، وما تركه يصل إلى أمه. قال: وكان أبو بكر بن حزم قد نفى الأحوص الشاعر إلى دهلك، فلما ولي يزيد بن عبد الملك، أرسل إلى الأحوص فأقدمه عليه، فمدحه الأحوص فأكرمه.
وقال عقيل بن خالد: كنت بالمدينة في الحرس، فلما صليت العصر، إذا برجل يتخطى الناس حتى دنا من عِراك بن مالك، فلطمه حتى وقع، وكان شيخًا كبيرًا، ثم جر برجله، ثم انطلق به حتى حصل في مركب في البحر إلى دهلك، فكان أهل دهلك يقولون: جزى الله عنا يزيد خيرًا، أخرج إلينا رجلًا علمنا الله الخير على يديه.
وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال موسى بن هارون: لا نعلم لعراك سماعًا من عائشة. روى عن ابن عمر وأبي هريرة، وزينب بنت سلمة، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن وخلق. وروى عنه ابناه ختيم وعبد الله وسليمان بن يسار، وهو من أقرانه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ ومكحول، وعقيل بن خالد وغيرهم. قال ابن سعد: مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بالمدينة، ولم يصرح غير ابن سعد بكونه مات بالمدينة، وليس في الستة عراك سواه إلا واحد، وهو عراك بن خالد.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه ثلاثة من التابعين، وهم يزيد وعراك وعروة، ورواته ما بين مصريّ ومدنيّ، ومرّ قريبًا الكلام على مواضع إخراجه. ثم قال المصنف:
باب السجود على الثوب في شدة الحر
أي والبرد، والتقييد بشدة الحر للمحافظة على لفظ الحديث، وإلاّ فهو في
стр. 2990
البرد كذلك، بل القائل بالجواز لا يقيده بالجاجة.
ثم قال: وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقَلَنْسُوة ويداه في كمه. قوله: كان القوم، أي الصحابة كما يأتي في الأثر. وقوله: والقَلَنْسُوة، هي بفتح القاف واللام وسكون النون وضم السين المهملة وفتح الواو بعدها هاء تأنيث، وقد تبدل ياء مثناة من ثمت، وقد تبدل ألفًا وتفتح السين فيقال قلنساة، وقد تحذف النون من هذه، وهي غشاء مبطَّن يستر به الرأس، وقيل: هي التي يقال لها العمامة الشاشيّة، وفي المحكم: هي من ملابس الرأس، معروفة. وقيل: هي التي تغطَّى بها العمائم، وتستر من الشمس والمطر، كأنها، على هذا، هي رأس البُرْنُس.
وقوله: ويداه في كمه، جملة حالية، أي يد كل واحد في كمه، وكأنه أراد بتغيير الأسلوب بيان كل واحد منهم، ما كان يجمع بين السجود على العمامة والقلنسوة معًا، لكن في كل حالة كان يسجد ويداه في كمه، وللكشميهني "ويديه في كمه" بالنصب بفعل مقدر، أي ويجعل يديه. واستنبط منه أبو حنيفة جواز السجود على كَوْر العمامة، وكرهه مالك، ومنعه الشافعية محتجين بأنه لمّا لم يقم المسح عليها مقام الرأس، وجب أن يكون السجود كذلك، ولأن القصد من السجود التذلل، وتمامه بكشف الجبهة.
والحسن المراد به البصريّ، وقد مرّ في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان، وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما، ولفظه عنه "أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على قَلَنْسُوته وعمامته".
стр. 2991
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ.
قوله: حدثنا، غالب للأكثر حدثني، بالإِفراد. وقوله: طرف الثوب، ولمسلم "بسط ثوبه" وللمصنف في أبواب العمل في الصلاة "سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر" والثوب في الأصل يطلق على غير المَخِيط، وقد يطلق على المخيط مجازًا، وفي الحديث جواز استعمال الثياب، وكذا غيرها، في الحيلولة بين المصلي وبين الأرض، لاتقاء حرها أو بردها، وفيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هو الأصل. لأنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة، وعند ابن أبي شيبة، يعني عن أنس "كنا نصلي مع النبي ﷺ في شدة الحر والبرد، فيسجد على ثوبه"، واحتج بذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق على جواز السجود على الثوب في شدة الحر والبرد، وبه قال عمر بن الخطاب وغيره، وأوَّله الشافعية بالمنفصل أو المتصل الذي لا يتحرك بحركته، فلو سجد على متحرك بحركته، عامدًا عالمًا بتحريمه، بطلت صلاته؛ لأنه كالجزء منه، أو جاهلًا أو ناسيًا لم تبطل صلاته، وتجب إعادة السجود.
واستثنى في "المهمات" ما لو كان بيده عود ونحوه فسجد عليه، فإنه يجوز، وأيد البيهقي ما ذهب إليه الشافعيّ بما رواه الإِسماعيليّ بلفظ "فيأخذ أحدنا الحصى في يده، فإذا برد وضعه وسجد عليه" قال: فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه، وتعقب باحتمال
стр. 2992
أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها، مع بقاء سترته له. وقال ابن دقيق العيد: يحتاج من استدل به على الجواز إلى أمرين: أحدهما أن لفظ "ثوبه" دال على المتصل به، إمّا من حيث اللفظ، وهو تعقيب السجود بالبسط، كما في رواية مسلم. وإما من خارج اللفظ، وهو قلة الثياب عندهم، وعلى تقدير أن يكون كذلك، يحتاج إلى ثبوت كونه متناولًا لمحل النزاع، وهو أن يكون مما يتحرك بحركة المصلي، وليس في الحديث ما يدل عليه.
وفيه جواز العمل القليل في الصلاة، ومراعاة الخشوع فيها؛ لأن الظاهر أن صنيعهم ذلك لإِزالة التشويش العارض من حرارة الأرض، وفيه تقديم الظهر في أول الوقت، وظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإِبراد، والآتية في المواقيت، يعارضه. فمن قال: الإبراد رخصة، فلا إشكال، ومن قال سنة، فإما أن يقول التقديم المذكور رخصة، وإما أن يقول منسوخ بالأمر بالإبراد، وأحسن منهما أن يقال إن شدة الحر قد توجَد مع الإبراد، فيحتاج إلى السجود على الثوب، أو إلى تبريد الحصى؛ لأنه قد يستمر حره بعد الإِبراد، ويكون فائدة الإبراد وجودُ ظلٍّ يمشي فيه إلى المسجد، أو يصلي فيه في المسجد، وهذا الجمع ذكره القرطبيّ، وهو أَوْلى من دعوى تعارض الحديثين.
وفيه أن قول الصحابي "كنا نفعل كذا" من قبيل المرفوع، لاتفاق الشيخين على تخريج هذا الحديث في صحيحيهما، لكن قد يقال: إن في هذا زيادة على مجرد الصيغة، لكونه في الصلاة خلق النبي ﷺ ، وقد كان يرى فيها مَنْ خلفه كما يرى من أمامه، فيكون تقريره فيه مأخوذًا من هذه الطريق، لا من مجرد صيغة "كنا نفعل".
رجاله خمسة:
الأول: أبو الوليد، وقد مرّ في العاشر من كتاب الإيمان، ومرّ أنس بن مالك في السادس منه، ومرّ بشر بن المفضل في التاسع من كتاب العلم، ومرّ بكر بن
стр. 2993
عبد الله في الثالث والثلاثين من كتاب الغسل.
الخامس: غالب بن خُطّاف، بتشديد الطاء وفتح الخاء وضمها، ابن أبي غَيلان القطّان، أبو سُليمان البصريّ، مولى ابن بكر، وقيل: مولى بني تميم، وقيل غير ذلك. قال أحمد بن حنبل: ثقة ثقة، وقال ابن مُعين والنَّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، وقال عمر بن المختار: حدثنا غالب القطّان، وكان والله من خيار الناس. وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال ابن سعد، بعد أن ساق له أحاديث: الضَّعف على أحاديثه بَيِّن، وفي حديثه النُّكْرَة، ثم أورد له أحاديث منكر العمل فيه على الراوي عنه عمر بن المختار.
قال الذهبي: لعل الذي ضعفه ابن عديّ آخر، قال ابن حجر في مقدمته: وهو من عجيب ما وقع لابن عدي، والكمال لله تعالى، وقد احتج به الجماعة، وليس له في الصحيحين سوى حديثه عن بكر بن عبد الله المزنيّ عن أنس في السجود على الثوب، وله عند البخاريّ موضع آخر معلق عن ابن سيرين. روى عن أنس فيما قيل، ومحمد بن سيرين والحسن وبكر بن عبد الله المزنيّ، وسعيد بن جبير، والأعمش وغيرهم. وروى عنه شُعبة وابن علية، وسلام بن أبي مُطيع، وخالد بن عبد الرحمن السلميّ، وبِشر بن المفضل وغيرهم. وفي الستة غالب سواه ستة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإِفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، وحكاية قول الصحابيّ عما يفعله. والنبي ﷺ يشاهده ولا ينكره، ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ في الصلاة أيضًا عن مسدد ومحمد بن مقاتل، ومسلم وأبو داود والتِّرمِذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف:
стр. 2994
باب الصلاة في النعال
أي بكسر النون، جمع نعل، وهي معروفة، ومناسبة لما قبله من جهة جوازِ تغطيته بعض أعضاء السجود. وقوله: في النعال، أي عليها، أو بها؛ لأن الظرفية غير صحيحة.
стр. 2995
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ الأَزْدِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قوله: يصلي في نعليه، قال ابن بطال: هو محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة، ثم هي من الرخص، كما قال ابن دقيق العيد، لا من المستحبات؛ لأن ذلك لا يدخل في المعنى المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة، إلَّا أن ملامسته الأرض التي تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة، وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة، قدمت الثانية؛ لأنها من باب دفع المفاسد، والأُخرى من باب جلب المصالح، إلا أن يرِد دليل بإلحاقه بما يتحمل به، فرجع إليه ويترك هذا النظر، وقد أخرج أبو داود والحاكم عن شداد بن أوس مرفوعًا: "خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم"، فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة. وورد في كون الصلاة في النعال من الزينة المأمور بأخذها في الآية حديث ضعيف، قد أورده ابن عدي في "الكامل"، وابن مردويه في "تفسيره" عن أبي هريرة، والعقيلي عن أنس.
واختلف فيما إذا كان فيهما نجاسة، فعند مالك: إن كانت من أرواث الدواب وأبوالها، اكتُفِي فيها بالحكِّ الذي يبقى بعده ما يخرجه الغسل، رطبةً كانت أو يابسة، حملًا للأذى فيما أخرجه أبو داود من قوله ﷺ : "إذا وطىء أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهور" على ما إذا كان من أرواث الدواب وأبوالها؛ لأنه هو الغالب في الطرق، الشاق الاحتراز منه، وأما ما كان من غير
стр. 2996
ذلك، فلابد من غسله رطبًا كان أو يابسًا. وعند أبي حنيفة: إن كانت يابسةً مطلقًا أجزأ حكُّها، وإن كانت رطبةً تعين الماءُ، وعند الشافعية: لا يطهرها إلَّا الماء مطلقًا. والحكم عند الحنابلة كالحكم عند الشافعية.
رجاله أربعة:
الأول: آدم بن أبي اياس، وقد مرّ هو وشعبة بن الحجاج في الثالث من كتاب الإيمان، ومرّ أنس بن مالك في السادس منه أيضًا.
الرابع: سعيد بن يزيد بن مسلمة الطاحي أبو مسلمة البصريّ القصير، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه ابن معين والنَّسائي والعجلي والبزار.
روى عن: أنس، وأبي نضرة، وعكرمة، ومطرِّف، والحسن البصري، وغيرهم.
وروى عنه: شعبة، وإبراهيم، وحمّاد بن زيد، وبشر بن المفضَّل، وابن عُلية، وغيرهم.
وفي الستة سعيد بن يزيد سواه ثلاثةٌ.
والطاحي في نسبه: نسبة إلى طاحية، بطن من الأزد، وهو طاحية بن سَوْد بن الحِجْر بن عمران، والنسبة إليه: الطاحي والطحاوي. وطاحية: محلَّة بالبصرة، نزلها هذا البطن.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه السؤال. ورواته ما بين عسقلاني وكوفي وبصري.
أخرجه البخاري هنا، وفي اللباس عن سليمان بن حرب، ومسلم والنَّسائي والترمذي في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب الصلاة في الخفاف
يحتمل أنه أراد الإشارة بهذه الترجمة إلى حديثِ شدَّاد بنِ أوس المذكورِ لجمعه بين الأمرين.
стр. 2997
الحديثُ التاسع والثلاثون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ صَنَعَ مِثْلَ هَذَا.
قال إبراهيمُ: فكان يُعجبهم؛ لأن جريرًا كان مِن آخر مَنْ أسلم.
قوله: ثم قام فصلَّى: ظاهر في أنه صلى في خُفيه؛ لأنه لو نزعهما بعدَ المسحِ، لوجب غسلُ رجليه، ولو غسلهما لنُقِلَ.
وقوله: فَسُئِلَ، وللطبراني: أن السائلَ له عن ذلك هو همامُ بن الحارث المذكور، وله عن الأعمش أيضًا: فعاب عليهم ذلك رجلٌ مِن القوم.
وقوله: فكان يُعجبهم، زاد مسلم: فكان يعجبهم هذا الحديثُ، وفي رواية؛ فكان أصحابُ عبد الله يُعجبهم.
وقوله: لأن جريرًا كان مِن آخر مَنْ أسلم، ولمسلم: لأن إسلامَ جريرٍ كان بعدَ نزول المائدة، ولأبي داود والترمذي عن جرير: ما أسلمتُ إلَّا بعدَ نزول المائدة.
ووجهُ إعجابهم بقاءُ الحكم بلا نسخ بآية المائدة، خلافًا لما ذهب إليه بعضُهم؛ لأنه لما كان إسلامُه في السنة التي تُوفي فيها الرسولُ ﵊، وذلك سنة حجةِ الوداع لما أخرجه الطبراني عن جرير، علمنا أنَّ حديثه معمول به، وهو مبين أن المرادَ بآية المائدة غيرُ صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية، وقد تقدمت مباحثُ المسح على الخف مستوفاةً في باب المسح على الخفين، وفي آية الوضوء في كتاب الوضوء.
стр. 2998
رجاله ستة:
الأول: آدمُ بن أبي إياس، وقد مرَّ هو وشعبه في الثالث من كتاب الإِيمان، ومرَّ الأعمش وإبراهيم بن يزيد النخعيّ في الخامس والعشرين منه أيضًا، ومرَّ جرير بن عبد الله في الخمسين منه أيضًا.
السادس: همام بن الحارث بن قيس، النخعيّ الكوفي، العابد. قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان من العُبّاد، وكان لا ينام إلَّا قاعدًا. وقال ابن مُعين: ثقة، وذكره أبو الحسن المدائنيّ في عُبّاد أهل الكوفة، روى عن عمرو وحذيفة وعمار بن يسار وجرير وعائشة وغيرهم. وروى عنه إبراهيم النخعيّ، ووبرة بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار وغيرهم. مات في ولاية الحجاج، وقيل في إمارة يزيد بن معاوية. وفي الستة همام سواه ثلاثة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإِفراد من المضارع والسماع في موضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول والرواية، ورواته ما بين بغداديّ وكوفيّ، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، أخرجه البخاريّ هنا. ومسلم وابن ماجه في الطهارة، والترمذيّ فيها والنَّسائيّ فيها وفي الصلاة، وأبو داود.
стр. 2999
الحديث الأربعون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى.
وحديث المغيرة هذا قد استوفي الكلام عليه حيث أورده المصنف تامًا في كتاب الوضوء.
رجاله ستة:
الأول: إسحاق بن نصر، وقد مرّ هو وأبو أسامة في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان، ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، والمغيرة في الحادي والخمسين منه، وأما مسلم، فيحتمل أن يكون ابن صُبيح، وأن يكون ابن عِمران، وقد مرا في الخامس عشر من كتاب الصلاة هذا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع، والقول والحكاية عن الفعل، وإسناده كلهم كوفيون، وفيه ثلاثه من التابعين. أخرجه البخايّ هنا وفي الجهاد أيضًا عن موسى بن إسماعيل، وفي اللباس عن قيس بن حفص، وفي الصلاة عن يحيى، ومسلم وابن ماجه في الطهارة، والنَّسائيّ فيها وفي الزينة. ثم قال المصنف:
باب إذا لم يتم السجود
بابٌ بالتنوين، يعني أنه يحرم علية عدم إتمامه لترتب الوعيد الشديد عليه.
стр. 3000
الحديث الحادي والأربعون
أَخْبَرَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا مَهْدِيٌّ عَنْ وَاصِلٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلاً لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلاَ سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ. قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ: لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قوله: إنه رأى رجلًا لم يعرف اسمه. وقوله: لا يتم ركوعه ولا سجوده، جملة صفة لرجلًا، وقوله: فلما قضى صلاته، أي أداها، وقوله: ما صليت، نفى عنه الصلاة؛ لأن الكل ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء تمام الركوع يلزم انتفاء الركوع المستلزم لانتفاء الصلاة، وكذلك السجود. وقوله: لو مُتَّ، بضم الميم، من مات يموت، وبكسرها من مات يَمَات، وفي رواية "ولو مِت". وقوله: على غير سنة محمد ﷺ ، أي طريقته المتناولة للفرض والنفل. وعند الطبريّ عن أنس مرفوعًا "من لم يتم خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها خرجت وهي سوداء مظلمة تقول: ضيعك الله كما ضيعتني، حتى إذا كانت حيث شاء الله لُفَّت كلما يلف الثوب الخلق، ثم ضرب بها وجهه". ورؤي ابن خُثَيْم ساجدًا كخرقة ملقاة، وعليه العصافير لا يشعر بها. وعند المصنف في أبواب صفة الصلاة طى غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ .
واستدل به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وعلى أن الإخلال بها مبطل للصلاة، وعلى تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإِسلام عمن أخل ببعض أركانها، فيكون نفيه عمن أحل بها كلها أولى، وهذا بناء على أن المراد بالفطرة الدين، وقد أطلق الكفر على من لم يصل، كما رواه مسلم، وهو إما على حقيقته عند قوم، أو على المبالغة في الزجر عند آخرين. قال الخطابيّ: الفطرة الملة أو الدين، ويحتمل أن يكون المراد بها هنا السنة، كما
стр. 3001
جاء "خمس من الفطرة ... الحديث" ويكون حذيفة قد أراد توبيخ الرجل ليرتدع في المستقبل، ويؤيده وروده هنا بلفظ "محمد" وفي هذا مصير من البخاريّ إلى أن الصحابيّ إذا قال: سنة محمد، أو فطرته، كان حديثًا مرفوعًا، وقد خالف فيه قوم، والراجح الأول.
وقوله السابق لا يتم ركوعه ولا سجوده، في رواية عبد الرزاق: فجعل ينقر ولا يتم ركوعه، وزاد أحمد عن شعبة فقال: منذ كم صليت؟ فقال: منذ أربعين سنة. وللنَّسائيّ عن زيد بن وهب مثله، وفي حمله على ظاهره نظر، وأظن ذلك هو السبب في كون البخاريّ لم يذكر ذلك، وذلك لأن حذيفة مات سنة ست وثلاثين، فعلى هذا يكون ابتداء صلاة المذكور قبل الهجرة بأربع سنين أو أكثر، ولعل الصلاة لم تكن فرضت بعد، فلعله أطلق وأراد المبالغة، أو لعله ممن كان يصلي قبل إسلامه، ثم أسلم فحصلت المدة المذكورة من الأمرين.
رجاله خمسة:
الأول: الصَّلْت بن محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة البصريّ أبو هَمّام الخاركيّ. قال أبو حاتم: صالح الحديث، أتيته أيام الإِبصار فلم يتفق لي أن أسمع منه. وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال البزار: كان ثقة. وقال الدارقطنيّ، وصح له في الإبراد حديث تفرد به. روى عن مهدي بن ميمون وحماد بن زيد بن زريع وأبي عَوانة وغيرهم، وروى عنه البخاريّ، وروى له النسائي بواسطة، وأبو غسان روح بن حاتم البصريّ، وعباس العنبريّ وغيرهم. وليس في الستة الصلت بن محمد سواه. وأما الصلت سواه فنحو ستة، والخاركيّ في نسبه، بالخاء والراء المهملة، وقيل بالزاي، نسبة إلى خارك، جزيرة في وسط البحر الفارسيّ، وهي جبل عال في وسط البحر، إذا خرجت المركب من عبادان تريد عُمان وطابت بها الريح وصلت في يوم وليلة، وهي من أعمال فارس، وإليها ينسب أيضًا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الخاركيّ.
الثاني: مهدي بن ميمون، الأزدي، المِعْوَلي، مولاهم أبو يحيى البصري.
стр. 3002
قال العجليّ: ثقة، وقال شعبة والنَّسائيّ وابن خِراش: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سعد: كان كرديًا، وكان ثقة. وقال أحمد بن حنبل: ثقة، وهو أحب إليّ من سلام بن مسكين أبي الأشهب وحَوْشب بن عقيل. روى عن أبي رجاء العطارديّ، وواصل مولى أبي عُيينة، وواصل الأحدب، ومحمد بن سيرين، وهشام بن عُروة، وعمرو بن مالك النُّكْريّ وجماعة. وروى عنه هشام بن حسّان، وهو أكبر، وابن مهدي ووكيع ومسدد وعارم وغيرهم. مات سنة إحدى أو اثنتين ومئة وليس في الستة مهدي بن ميمون سواه، وأما ميمون سواه ثلاثة، والمعولي في نسبه، بكسر الميم وسكون العين، نسبة إلى مِعْول أحد المعاول، وصَوّب ابن السمعاني فتح الميم، والمعاول قبائل من الأزْد هم: بنو قَعُولة بن شَمس بن عمرو بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهير بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد، منهم غيلان بن جرير المِعْوَليّ البصريّ، تابعي عن أنس، وعنه قتادة وشعبة.
الثالث: واصل بن حَبّان، وقد مرَّ في الثالث والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو وائل في الحادي والأربعين من كتاب الإيمان أيضًا، ومرَّ حذيفة بن اليمان في التعاليق الكائنة بعد الثاني من كتاب العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ ثم قال المصنف
باب يُبْدِي ضَبْعَيْهِ ويُجَافي في السجود
باب بالتنوين، يُبدي بضم الياء، أي يُظهر. وقوله: ضَبْعَيه، تثنية ضبع، بفتح الضاد المعجمة وسكون الموحدة: وسط العضد أو ما تحت الإِبط، أي لا يلصق عضديه بجنبيه. وقوله: ويجافي، أي يباعد عضديه ويرفعهما عن جنبيه في السجود، وليست المفاعلة في يجافي على بابها.
стр. 3003
الحديث الثاني والأربعون
أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، ابْنِ بُحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
قوله: ابن بحينة، صفة أخرى لعبد الله لا مالك، وحينئذ تحذف الألف من السابقة لمالك خطأً؛ لأنها وقعت بين علمين من غير فأصل، فينون مالك، وتثبت الألف من ابن بحينة؛ لأنه وإن كان صفة لعبد الله، لكن وقع الفاصل. وقوله: إذا صلَّى، أي سجد، من إطلاق الكل على الجزء. وقوله: فرَّج بين يديه، بفتح الفاء وتشديد الراء، والمعروف في اللغة التخفيف، أي نحّى كل يدٍ عن الجنب الذي يليها. وقوله: حتى يبدو بياض إبطيه، بفتح واو يبدو، أي يظهر، وفي رواية الليث "فرج يديه عن إبطيه حتى أني لأرى بياض إبطيه". وأخرج التِّرمِذيّ، وحسَّنه، عن عبد الله بن أرقم "صليت مع النبي ﷺ ، فكنت انظر إلى عُفْرَتي إبطيه إذا سجد" والعُفرة بياض ليس بالناصع، ويجب أن يعتقد أنه ﵊ لم يكن لإبطيه رائحة كريهة، بل كان عطر الرائحة كما ثبت في الصحيحين. وللحاكم عن ابن عباس نحو حديث عبد الله بن أرقم، وعنه عند الحاكم أيضًا "كان النبي ﷺ إذا سجد يُرى وَضَحُ إبطيه" وعند مسلم عن ميمونة "كان النبي ﷺ يجافي يديه، فلو أن بهيمة أرادت أن تمر لمرت" وروى الطبرانيّ وغيره عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه قال: "لا تفترش السَّبْع، وادَّعم على راحتيك وأَبْدِ ضَبْعَيك، فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك".
وعند مسلم عن عائشة "نهى النبي ﷺ أن يفترش الرجل افتراش السبع"، ولابن خُزيمة عن أبي هريرة، رفعه "إذا سجد أحدكم فلا يفترش ذراعيه افتراش
стр. 3004
الكلب، وليضم ذراعيه" ولمسلم عن البراء، رفعه "إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك" قال القرطبيّ: الحكمة في استحباب هذه الهيئة في السجود أنه يخف بها اعتماده عن وجهه، ولا يتأثر أنفه ولا جبهته، ولا يتأذّى بملاقاة الأرض. وقال غيره: هو أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. وقال ابن المنير: الحكمة فيه أن يظهر كل عضو بنفسه، ويتميز حتى يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يستقل كل عضو بنفسه، ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض في سجوده، وهذا ضد ما ورد في الصفوف من التصاق بعضهم ببعض؛ لأن المقصود هناك إظهار الاتحاد بين المصلين، حتى كأنهم جسد واحد، وهذا كله في حق الرجل.
وأما المرة فتضم بعضها إلى بعض؛ لأنه أستر لها وأحوط، وكذا الخنثى، وظاهر الأحاديث المذكورة وجوب التفريج، لكن أخرج أبو داود ما يدل على أنه للاستحباب، وهو حديث أبي هريرة "شكا أصحاب النبي ﷺ له مشقة السجود عليهم، إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب" وترجم له الرخصة في ترك التفريج، قال ابن عَجْلان، أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا طال السجود واعيًا، وأخرج التَّرمذيّ الحديث المذكور ولم يقع في روايته "إذا انفرجوا" فترجم له باب ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود، فجعل محل الاستعانة بالركب لمن يرفع من السجود طالبًا للقيام، واللفظ محتمل ما قال، لكن الزيادة التي أخرجها أبو داود تعين المراد.
وقال ابن التين: فيه دليل على أنه لم يكن عليه قميص، لانكشاف إبطيه وتعقب باحتمال أن يكون القميص واسع الأكمام، وقد روى التِّرمذيّ في الشمائل عن أم سلمة قالت: "كان أحب الثياب إلى النبي ﷺ القميص" أو أراد الراوي أن موضع بياضهما لو لم يكن عليه ثوب لرؤي. قال القرطبيّ: واستدل به على أنّ إبطيه ﵊ لم يكن عليهما شعر، وفيه نظر، فقد حكى المحب الطبريّ أن من خصائصه ﵊ أن الإبط من جميع الناس
стр. 3005
متغير اللون غيره، وقد مرّ قريبًا ما يجب أن يعتقد في حقه، واستدل بإطلاقه على استحباب التفريج في الركوع أيضًا، وفيه نظر؛ لأن في رواية قتيبة عن بكر بن مضر التقييد بالسجود، وأخرجه المصنف في المناقب، والمطلق إذا استعمل في صورة اكتفى بها.
قال في الفتح: وقع عند أكثر الرواة ذكر هذه الترجمة، وحديث ابن بحينة المذكور فيها، وذكر الترجمة التي قبلها، وحديث حذيفة المذكور فيها أيضًا ولم يقع عند المستملي شيء من ذلك، وهو الصواب، لا جميع ذلك، وسيأتي في مكانه اللائق به، وهو أبواب صفة الصلاة، ولولا أنه ليس من عادة المصنف اعادة الترجمة وحديثها معًا، لكان يمكن أن يقال: مناسبة الترجمة الأولى لأبواب ستر العورة الإشارة إلى أن من ترك شرطًا لا تصح صلاته، كمن ترك ركنًا، ومناسبة الترجمة الثانية الإشارةُ إلى أن المجافاة في السجود لا تستلزم عدم ستر العورة، فلا تكون مبطلة للصلاة، وبالجملة إعادة هاتين الترجمتين هنا، وفي أبواب السجود، العمل فيه عندي على النُّساخ، بدليل سلامة رواية المستملي من ذلك، وهو أحفظهم. وقد استوفيت الكلام على الحديثين هنا فرارًا من التكرار.
رجاله خمسة:
الأول: يحيى بن بكر، وقد مرّ في الثالث من بدء الوحي، ومرّ جعفر بن ربيعة في الرابع من كتاب التيمم، ومرّ ابن هُرمز في السابع من كتاب الإيمان.
الرابع: بكر بن مُضر بن محمد بن حكيم بن سليمان أبو محمد أو أبو عبد الملك المصري، مولى ربيعة بن شُرحبيل، قال أحمد: ثقة ليس به بأس، وقال أيضًا: كان رجلًا صالحًا. وقال ابن مَعين: ثقة وكذا قال النَّسائيّ وأبو حاتم، وزاد: وهو أحب إليّ من المفضل بن فَضالة، وبكر بن مضر ونافع بن يزيد متقاربان، وذكره ابن حبّان في الثقات وقال: كان عابدًا. وقال الخليليّ: هو وابنه عثمان ثقتان. وقال البخاريّ: كنّاه قُتيبة وأثنى عليه خيرًا. وقال العجليّ: مصريّ ثقة. روى عن جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث وابن عجلان وغيرهم. وروى
стр. 3006
عنه ابنه إسحاق وابن وهب وقتيبة وابن عبد الحكم الأكبر ويحيى بن بكير وغيرهم. مات يوم الثلاثاء سنة أربع وسبعين ومئة، وقيل سنة ثلاث ومولده سنة اثنتين ومئة، وليس في الستة بكر بن مضر سواه، وأما بكر فكثير.
الخامس: عبد الله بن مالك بن القِشْب، بكسر القاف وسكون الشين المعجمة، واسمه جُنْدُب بن نَضْلَة بن عبد الله بن رافع بن صعب بن دَهمان بن نصر بن زَهران بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن عبد الله بن نصر بن الأزد، أبو محمد الأزديّ، ويقال له أيضًا الأسديّ، بالسين، أمه بُحينَة بنت الحارث بن عبد المطلب حالف مالك بن القشب المطلب بن عبد مناف، وتزوج بحينة بنت الحارث بن عبد المطلب، فولدت له عبد الله، وهي بالموحدة والمهملة ثم النون مصغر، وقيل إنها أم أبيه مالك، والأول أصوب.
لعبد الله صحبة، قال ابن سعد: أسلم قديمًا، وكان ناسكًا فاضلًا يصوم الدهر، وكان ينزل ببطن ريم على ثلاثين ميلًا من المدينة. ومات به في إمارة مروان الأخيرة على المدينة، وأرخه ابن زبر سنة ست وخمسين، له سبعة وعشرون حديثًا اتفقا على أربعة. روى عنه علي بن عبد الله، وحفص بن عاصم والأعرج. ويكتب ابن بُحَينة بالألف؛ لأن ابن بُحَينة ليس صفة لمالك، بل صفة لعبد الله، اسم أمه كما مرّ، فليس الاسم واقعاً بين علمين متناسبين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين مصريّ ومدني، أخرجه البخاريّ هنا وفي صفة النبي ﷺ عن قتيبة، ومسلم والنَّسائيّ في الصلاة.
ثم قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة نحوه. والليث قد مرّ في الثالث من بدء الوحي، ومرّ جعفر في الرابع من كتاب التيمم، وهذا التعليق وصله مسلم في صحيحه، ولفظه "كان إذا سجد فرج يديه عن إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه".
стр. 3007
خَاتِمَة
قال ابن حجر: اشتملت أبواب سترة المصلّي وما قبلها، من ذكر ابتداء فرض الصلاة، من الأحاديث المرفوعة على تسعة وثلاثين حديثًا، فإنْ أضفتَ إليها حديثَيْ الترجمتين صارت واحدًا وأربعين حديثًا، المكرر منها فيها وفيما تقدم خمسةَ عشر حديثًا، وفيها من المعلقات أربعة عشر حديثًا، وإن أضفت إليها المعلق في الترجمة الثانية صارت خمسة عشر حديثًا، عشرةٌ منها أو أحد عشر مكررة، وأربعة لا توجد فيه إلا معلقة، وهي حديث سلمة بن الأكوع "يَزُرُّه ولو بشوكة" وأحاديث ابن عباس وجرهد وابن جحش في الفخذ، وافقه مسلم على جميعها سوى هذه الأربعة، وسوى حديث أنس في قوام لعائشة، وحديث عكرمة عن أبي هريرة في الأمر بمخالفة طرفي الثوب، وفيه من الآثار الموقوفة أحد عشر أثرًا كلها معلقة إلا أثر ابن عمر "إذا وسع الله عليكم فوسعوا على أنفسكم" فإنه موصول. ثم قال المصنف:
стр. 3008
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
تأليف
الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي
(المتوفى سنة ١٣٥٤هـ)
الجزء السابع
مؤسسة الرسالة
стр. 3009
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3010
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
стр. 3011
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤَسَّسَة الرّسَالة بيروت - شارع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة
هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان
стр. 3012
أبواب استقبال القبلة وما يتبعها من آداب المساجد
لما فرغ المؤلف من بيان أحكام ستر العورة شرع في بيان استقبال القبلة، لأن الذي يريد الشروع في الصلاة يحتاج أولًا إلى ستر العورة ثم إلى استقبال القبلة وما يتبعها من أحكام المساجد. ثم قال
باب فضل استقبال القبلة
ثم قال: يستقبل بأطراف رجليه القبلة، قاله أبو حميد عن النبي ﷺ ، ولأبي ذَرٍّ عن الكشميهنيّ "يستقبل القبلة بأطراف رجليه" أي برؤوس أصابعهما، وأراد بذكره هنا بيان فضل الاستقبال بجميع ما يمكن من الأعضاء، وهذا التعليق أخرجه البخاريّ مسندًا فيما بعد في باب "سنة الجلوس في التشهد".
وأبو حميد الساعديّ هو عبد الرحمن بن سعد، ويقال عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، وقيل: اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، وقيل: عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد بن ثعلبة بن عمرو، ويقال: إنه عم عباس بن سهل بن سعد، وأمه أُمامة بنت ثعلبة بن جبل بن أُمية بن عمرو بن حارثة بن عمرو بن الخزرج، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد. له ستة وعشرون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد كل منهما بحديث، روى عنه ولد ولده سعيد بن المنذر بن أبي حميد، وجابر الصحابيّ، وعباس بن سهل بن سعد، وعبد الملك بن سعيد بن سُويد وغيرهم. توفي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد، وليس في الصحابة أبو حميد سواه إلا أبو حميدة على الشك.
стр. 3013
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَهْدِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ".
قوله: مَنْ صلى صلاة كصلاتنا المتضمنة للإقرار بالشهادتين. وقوله: واستقبل قبلتنا، أي المخصوصة بنا. وقوله: وأكل ذبيحتنا، انما أفرد ذكر القبلة تعظيمًا لشانها، وإلاّ فهو داخل في الصلاة لكونه من شروطها أو عطفه على الصلاة؛ لأن اليهود لما تحولت القبلة شنعوا بقولهم: ما وَلاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ وهم الذين يمتنعون من أكل ذبيحتنا، أي: صلى صلاتنا وترك المنازعة في أمر القبلة والامتناع عن أكل الذبيحة، فهو من عطف الخاص على العام، فلما ذكر الصلاة عطف ما كان الكلام فيه، وما هو مهتم بشانه عليها.
وقوله: فذلك المسلم، مبتدأ وخبر، وقوله: له ذمة الله، خبر ومبتدأ أيضًا، بتقديم الخبر الذي هو "له"، والموصول صفة المسلم، والجملة صلته، والذمة بكسر الذال المعجمة: الأمان والعهد، أي له أمان الله وضمانه. وقيل: الذمة الحرمة، وقوله: فلا تخفروا الله في ذمته، أي ولا رسوله، وحذف لدلالة السياق عليه، أو لاستلزام المذكور المحذوف. "وتُخْفَرُوا" بضم أوله من الرباعيّ: أي لا تغدروا. يقال: خفرت الرجل إذا حميته، وأخفرته إذا نقضت عهده، والهمزة فيه للسلب، أي أزلت خَفَارته، كأشكيته إذا أزلت شكواه.
وقال الخطابيّ: المعنى لا تخونوا الله في تضييع حق من هذا سبيله، وقد
стр. 3014
أخذ بمفهومه من قال بقتل تارك الصلاة، وقد مرّ استيفاء الكلام عليه في كتاب الإيمان، في باب "فإن تابوا" .. الخ. وأخذ منه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله، ما لم يظهر منه خلاف ذلك، وأخذ منه اشتراط استقبال عين الكعبة لمن كان بمكة من قادر عليه، فلا تصح الصلاة بدونه اجماعًا، بخلاف العاجز عنه، كمريض لا يجد من يوجهه إلى القبلة، ومربوط على خشبة فيصلي على حاله. وقالت الشافعية: إنه يعيد، والمعتبر استقبالها بجميع البدن، بحيث لو خرجت منه جارحة عنها بطلت صلاته. ومن ليس بمكة ممن لا يمكنه استقبال عين الكعبة، يجب عليه استقبال جهتها لا عينها عند غير الشافعية من الأئمة الثلاثة، وعند الشافعية يجب استقبال عين الكعبة ظنًا لمن بغير مكة، ويقينًا لمن بمكة، ووافقهم من الحنفية الجرجانيّ شيخ القُدُوريّ، ولا يشترط الاستقبال في شدة الخوف ونفل السفر.
رجاله خمسة:
الأول: عمرو بن عباس الباهليّ، أبو عثمان البصريّ، الأهوازيّ الرُّزيّ، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: ربما خالف. وفي الزُّهرة روى عنه البخاري أربعة عشر حديثًا، روى عن ابن عُيينة وغندر وابن مهدي ويزيد بن هارون وغيرهم. وروى عنه البخاريّ ومحمد بن عمرو بن جبلة، ومات قبله، وعباس العنبريّ وحرب الكرمانيّ وغيرهم. مات في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومئتين، والرُّزيّ في نسبه، بضم الراء وتشديد الزاي، لعله نسبة إلى بيع الرّز، لغة في الأَرُزّ، وهو الحب المعروف، كما ينسب إليه ثابت بن محمد الأَرُزيّ، ويقال له الرُّزِّيُّ أيضًا، محدث، والأهوازيّ نسبة إلى الأهواز، وهي سبع أو تسع كور بين البصرة وفارس، لكل كورة منها اسم، وتجمعها الأهواز، ولا تفرد واحدة منها بهوز، افتتحها أبو موسى الأشعري في زمن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وهي رامهرمز، وعسكر مكرم، وتستر، وجَند نَيْسابُور، ونسوس وسرق كسكر ونهرتيري، بالكسر، وإيذج ومُناذر.
الثاني: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبريّ، وقيل
стр. 3015
الأَزدي، مولاهم، أبو سعيد البصريّ اللؤلؤيّ الحافظ الإِمام العَلَم. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع وتفقه، وصنف وحدث، وأبى الرواية إلا عن الثقات. وقال الخليليّ: هو إمام بلا مدافعة، ومات الثوريّ في داره. وقال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا.
وقال علي بن المَدينيّ: إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أُحَدِّث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يد يحيى تشدُّد. وقال أيضًا: كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس، قالها مرارا. وقال أيضًا: لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي. وقال أيضًا: كان يحيى بن سعيد أعلم بالرجال، وكان عبد الرحمن أعلم بالحديث، وما شبهت عِلم عبد الرحمن بالحديث إلا بالسِّحر. وقال أيضًا: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي. قال: وكان يعرف حديثه من حديث غيره، وكان يذكر له الحديث عن الرجل فيقول خطأ، ثم يقول: ينبغي أن يكون أتى هذا الشيخ عن حديث كذا من وجه كذا، فيوجد كما قال. وقال أيضًا: كان وِرده كل ليلة نصف القرآن. وقال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب حماد بن زيد، وهو إمام ثقة أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان يعرض حديثه على الثوريّ، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال محمد بن عثمان بن أبي صفوان عن ابن مهدي: كتب عني الحديث وأنا في حلقة مالك، وسأل صدقةُ بن المفضل يحيى بن سعيد عن حديث فقال له: الزم عبد الرحمن بن مهدي. وقال أبو الربيع الزّهرانيّ: ما رأيت مثل عبد الرحمن، وأوصف منه بصيرًا بالحديث.
وقال العجليّ: قال له رجل: أيما أحب إليك: يغفر الله لك ذنبًا أو تحفظ حديثًا؟ قال أحفظ حديثًا، وسُئل عنه أحمد بن حنبل أكان كثير الحديث؟ فقال: قد سمع ولم يكن بذلك الكثير جدًا، لكن الغالب عليه حديث سفيان، وكان يشتهي أن يسال عن غيره من كثرة ما يسأل عنه، فقيل له: كان يتفقه. قال: كال أوسع فيه من يحيى بن سعيد، كان يميل إلى قول الكوفيين، وكان عبد الرحمن
следующие страницы →