← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥هـ - ١٩٩٥م مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع مؤَسَّسَة الرّسَالة بيروت - شارع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان

стр. 3012

أبواب استقبال القبلة وما يتبعها من آداب المساجد لما فرغ المؤلف من بيان أحكام ستر العورة شرع في بيان استقبال القبلة، لأن الذي يريد الشروع في الصلاة يحتاج أولًا إلى ستر العورة ثم إلى استقبال القبلة وما يتبعها من أحكام المساجد. ثم قال باب فضل استقبال القبلة ثم قال: يستقبل بأطراف رجليه القبلة، قاله أبو حميد عن النبي ﷺ ، ولأبي ذَرٍّ عن الكشميهنيّ "يستقبل القبلة بأطراف رجليه" أي برؤوس أصابعهما، وأراد بذكره هنا بيان فضل الاستقبال بجميع ما يمكن من الأعضاء، وهذا التعليق أخرجه البخاريّ مسندًا فيما بعد في باب "سنة الجلوس في التشهد". وأبو حميد الساعديّ هو عبد الرحمن بن سعد، ويقال عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، وقيل: اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، وقيل: عمرو بن سعد بن المنذر بن سعد بن خالد بن ثعلبة بن عمرو، ويقال: إنه عم عباس بن سهل بن سعد، وأمه أُمامة بنت ثعلبة بن جبل بن أُمية بن عمرو بن حارثة بن عمرو بن الخزرج، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد. له ستة وعشرون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد كل منهما بحديث، روى عنه ولد ولده سعيد بن المنذر بن أبي حميد، وجابر الصحابيّ، وعباس بن سهل بن سعد، وعبد الملك بن سعيد بن سُويد وغيرهم. توفي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد، وليس في الصحابة أبو حميد سواه إلا أبو حميدة على الشك.

стр. 3013

الحديث الأول حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمَهْدِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ سِيَاهٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ". قوله: مَنْ صلى صلاة كصلاتنا المتضمنة للإقرار بالشهادتين. وقوله: واستقبل قبلتنا، أي المخصوصة بنا. وقوله: وأكل ذبيحتنا، انما أفرد ذكر القبلة تعظيمًا لشانها، وإلاّ فهو داخل في الصلاة لكونه من شروطها أو عطفه على الصلاة؛ لأن اليهود لما تحولت القبلة شنعوا بقولهم: ما وَلاَّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ وهم الذين يمتنعون من أكل ذبيحتنا، أي: صلى صلاتنا وترك المنازعة في أمر القبلة والامتناع عن أكل الذبيحة، فهو من عطف الخاص على العام، فلما ذكر الصلاة عطف ما كان الكلام فيه، وما هو مهتم بشانه عليها. وقوله: فذلك المسلم، مبتدأ وخبر، وقوله: له ذمة الله، خبر ومبتدأ أيضًا، بتقديم الخبر الذي هو "له"، والموصول صفة المسلم، والجملة صلته، والذمة بكسر الذال المعجمة: الأمان والعهد، أي له أمان الله وضمانه. وقيل: الذمة الحرمة، وقوله: فلا تخفروا الله في ذمته، أي ولا رسوله، وحذف لدلالة السياق عليه، أو لاستلزام المذكور المحذوف. "وتُخْفَرُوا" بضم أوله من الرباعيّ: أي لا تغدروا. يقال: خفرت الرجل إذا حميته، وأخفرته إذا نقضت عهده، والهمزة فيه للسلب، أي أزلت خَفَارته، كأشكيته إذا أزلت شكواه. وقال الخطابيّ: المعنى لا تخونوا الله في تضييع حق من هذا سبيله، وقد

стр. 3014

أخذ بمفهومه من قال بقتل تارك الصلاة، وقد مرّ استيفاء الكلام عليه في كتاب الإيمان، في باب "فإن تابوا" .. الخ. وأخذ منه أن أمور الناس محمولة على الظاهر، فمن أظهر شعار الدين أجريت عليه أحكام أهله، ما لم يظهر منه خلاف ذلك، وأخذ منه اشتراط استقبال عين الكعبة لمن كان بمكة من قادر عليه، فلا تصح الصلاة بدونه اجماعًا، بخلاف العاجز عنه، كمريض لا يجد من يوجهه إلى القبلة، ومربوط على خشبة فيصلي على حاله. وقالت الشافعية: إنه يعيد، والمعتبر استقبالها بجميع البدن، بحيث لو خرجت منه جارحة عنها بطلت صلاته. ومن ليس بمكة ممن لا يمكنه استقبال عين الكعبة، يجب عليه استقبال جهتها لا عينها عند غير الشافعية من الأئمة الثلاثة، وعند الشافعية يجب استقبال عين الكعبة ظنًا لمن بغير مكة، ويقينًا لمن بمكة، ووافقهم من الحنفية الجرجانيّ شيخ القُدُوريّ، ولا يشترط الاستقبال في شدة الخوف ونفل السفر. رجاله خمسة: الأول: عمرو بن عباس الباهليّ، أبو عثمان البصريّ، الأهوازيّ الرُّزيّ، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: ربما خالف. وفي الزُّهرة روى عنه البخاري أربعة عشر حديثًا، روى عن ابن عُيينة وغندر وابن مهدي ويزيد بن هارون وغيرهم. وروى عنه البخاريّ ومحمد بن عمرو بن جبلة، ومات قبله، وعباس العنبريّ وحرب الكرمانيّ وغيرهم. مات في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومئتين، والرُّزيّ في نسبه، بضم الراء وتشديد الزاي، لعله نسبة إلى بيع الرّز، لغة في الأَرُزّ، وهو الحب المعروف، كما ينسب إليه ثابت بن محمد الأَرُزيّ، ويقال له الرُّزِّيُّ أيضًا، محدث، والأهوازيّ نسبة إلى الأهواز، وهي سبع أو تسع كور بين البصرة وفارس، لكل كورة منها اسم، وتجمعها الأهواز، ولا تفرد واحدة منها بهوز، افتتحها أبو موسى الأشعري في زمن عمر، رضي الله تعالى عنهما، وهي رامهرمز، وعسكر مكرم، وتستر، وجَند نَيْسابُور، ونسوس وسرق كسكر ونهرتيري، بالكسر، وإيذج ومُناذر. الثاني: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبريّ، وقيل

стр. 3015

الأَزدي، مولاهم، أبو سعيد البصريّ اللؤلؤيّ الحافظ الإِمام العَلَم. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع وتفقه، وصنف وحدث، وأبى الرواية إلا عن الثقات. وقال الخليليّ: هو إمام بلا مدافعة، ومات الثوريّ في داره. وقال الشافعي: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا. وقال علي بن المَدينيّ: إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أُحَدِّث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن؛ لأنه أقصدهما، وكان في يد يحيى تشدُّد. وقال أيضًا: كان عبد الرحمن بن مهدي أعلم الناس، قالها مرارا. وقال أيضًا: لو حلفت بين الركن والمقام، لحلفت بالله أني لم أر أحدًا قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي. وقال أيضًا: كان يحيى بن سعيد أعلم بالرجال، وكان عبد الرحمن أعلم بالحديث، وما شبهت عِلم عبد الرحمن بالحديث إلا بالسِّحر. وقال أيضًا: أعلم الناس بالحديث عبد الرحمن بن مهدي. قال: وكان يعرف حديثه من حديث غيره، وكان يذكر له الحديث عن الرجل فيقول خطأ، ثم يقول: ينبغي أن يكون أتى هذا الشيخ عن حديث كذا من وجه كذا، فيوجد كما قال. وقال أيضًا: كان وِرده كل ليلة نصف القرآن. وقال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب حماد بن زيد، وهو إمام ثقة أثبت من يحيى بن سعيد، وأتقن من وكيع، وكان يعرض حديثه على الثوريّ، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال محمد بن عثمان بن أبي صفوان عن ابن مهدي: كتب عني الحديث وأنا في حلقة مالك، وسأل صدقةُ بن المفضل يحيى بن سعيد عن حديث فقال له: الزم عبد الرحمن بن مهدي. وقال أبو الربيع الزّهرانيّ: ما رأيت مثل عبد الرحمن، وأوصف منه بصيرًا بالحديث. وقال العجليّ: قال له رجل: أيما أحب إليك: يغفر الله لك ذنبًا أو تحفظ حديثًا؟ قال أحفظ حديثًا، وسُئل عنه أحمد بن حنبل أكان كثير الحديث؟ فقال: قد سمع ولم يكن بذلك الكثير جدًا، لكن الغالب عليه حديث سفيان، وكان يشتهي أن يسال عن غيره من كثرة ما يسأل عنه، فقيل له: كان يتفقه. قال: كال أوسع فيه من يحيى بن سعيد، كان يميل إلى قول الكوفيين، وكان عبد الرحمن

стр. 3016

يذهب إلى بعض مذاهب أهل الحديث، وإلى رأي المدنيين. وذكر له عن إنسان أنه يُحكى عن ابن مهدي القدر، قال: أو يحل له أن يقول هذا هو سمع هذا منه، ثم قال يحيى إلى إمام من أئمة المسلمين يتكلم فيه. وقيل له: كان عبد الرحمن حافظًا؟ فقال: كان حافظًا يتوقى كثيرًا، كان يحب أن يحدث باللفظ. وقال أيضًا: ما رأيت بالبصرة مثل يحيى بن سعيد، وبعده عبد الرحمن، أفقه الرجلين. وقال أيضًا: إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن فعبد الرحمن أثبت، لأنه أقرب عهدًا بالكتاب. وقال أيضًا: كان عبد الرحمن أكثر عددًا لشيوخ سفيان من وكيع، وروى وكيع عن خمسين شيخًا لم يرو عنهم عبد الرحمن. قيل له: فأبو نعيم؟ قال: أين يقع من هؤلاء؟ وقال أيضًا: إذا حدّث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة. روى عن أيمن بن نابل، ومالك وشعبة، والسفيانين والحمادين، وهمام بن يحيى وخلق. وروى اعن ابن المبارك، وهو من شيوخه، وابن وهب، وهو أكبر منه، وأحمد وعليّ ويحيى بن معين، ويحيى بن يحيى وبندار وغيرهم. مات في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومئة، وليس في الستة عبد الرحمن بن مهدي سواه. وإما عبد الرحمن فكثير. الثالث: منصور بن سعد البصريّ، صاحب اللؤلؤ، قال ابن مَعين: شيخ. وقال ابن المدينيّ: شيخ بصريّ صاحب لؤلؤ، لم يكن به بأس. وقال النَّسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. له في الكتابين حديثه عن ميمون عن أنس "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا ... " الحديث. روى عن ميمون ابن سِيَاه، وبديل بن ميسرة، وثابت البُنَانيّ، وعبّاد بن كثير وغيرهم. وروى عنه ابن مهدي، ومُعَلّى بن منصور الرازيّ، وأبو سلمة موسى بن إسماعيل وغيرهم. ولبس في الستة منصور بن سعد سواه، وأما منصور فكثير. الرابع: ميمون بن سِياه، بكسر السين وتخفيف الياء ثم ألف ثم هاء ساكنة، ومعناه بالفارسية الأسود، البصريّ كنيته أبو بحر. قال يحيى بن مَعين: ضعيف. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال أبو داود: ليس بذاك، وقال سلام بن

стр. 3017

مسكين: ميمون بن سياه، سيد القراء. وقال الحسن بن سفيان: يقال: إنه سيد القراء. وقال حزم القَلْعِيّ: كان لا يغتاب أحدًا ولا يدع أحدًا يغتاب عنده، وذكره ابن حِبَّان في الثقات، وقال: يخطىء ويخالف، ثم أعاد ذكره في الضعفاء فقال: ينفرد بالمناكير من المشاهير، لا يحتج به إذا انفرد. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف. وقال الدارقطني: يحتج به. قال ابن حجر في مقدمته: ما له في البخاريّ سوى حديثه عن أنس "من صلى صلاتنا ... " الحديث بمتابعة حُمَيد الطويل، وروى له النَّسائيّ روى عن جُنْدُب بن عبد الله البجليّ، وأنس بن مالك والحسن البصريّ وشهْر بن حَوْشَب، وروى عنه منصور بن سعد، وحميد الطويل، وسلام بن مسكين وغيرهم. وليس في الستة ميمون بن سِياه سواه، وأما ميمون فجماعة. الخامس: أنس بن مالك، وقد مرّ في السادس من كتاب الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ هنا والنَّسائيّ في الإيمان.

стр. 3018

الحديث الثاني حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَإِذَا قَالُوهَا وَصَلَّوْا صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". قوله: حدثنا نعيم، ولأبوي ذَرٍّ والوقت "وحدثنا" بالواو. وقوله: حدثنا ابن المبارك، فهو موصول، ولأبوي ذَرٍّ والوقت "حدثنا نعيم؛ قال ابن المبارك" وفي رواية حماد بن شاكر عن المؤلف "قال نعيم بن حماد" فيكون المؤلف علّقه عنه، وفي رواية كريمة والأصيليّ "قال ابن المبارك" بغير ذكر نعيم، وجزم بذلك أبو نعيم في المستخرج، ووصله الدارقطني في السنن "نعيم عن ابن المبارك" وتابعه حماد بن موسى وسعيد بن يعقوب وغيرهما. وقوله: أُمرتُ، بضم الهمزة وكسر الميم، أي أمرني الله، إذ لا آمر له سواه. وقوله: حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، أي ومحمد رسول الله. واقتصر عليها ولم يذكر الرسالة. وهي مرادة، كما تقول: قرأت الحمد، وتريد السورة كلها. وقيل: أول الحديث ورد في حق من جحد التوحيد، فإذا أقر به صار كالموحِّد من أهل الكتاب، يحتاج إلى إيمان بما جاء به الرسول، فلهذا عطف الأفعال المذكورة عليها فقال "وصلوا صلاتنا" إلخ. والصلاة الشرعية متضمنة للشهادة بالرسالة. وقوله: دخول التاء فيه؛ لأنه إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، فلا تدخله التاء، وأجيب بأنه لما زال عنه معنى الوصفية، وغلبت عليه الاسمية، دخلت التاء، وإنما يستوي الأمران فيه عند ذكر الموصوف، وحكمه الاقتصار على ما ذكر من الأفعال أنّ من يقر بالتوحيد من أهل الكتاب، وإن صلوا

стр. 3019

واستقبلوا وذبحوا، لكنهم لا يصلون بصلاتنا، ولا يستقبلون قبلتنا، ومنهم من يذبح لغير الله، ومنهم لا يأكل ذبيحتنا، ولهذا قال في الرواية الأخرى "وأكل ذبيحتنا"، وأيضًا خصت الثلاثة بالذكر من بين الأركان وواجبات الدين؛ لأنها أظهر وأعظم وأسرع علمًا؛ لأن في اليوم تعرف صلاة الشخص وطعامه غالبًا، بخلاف الصوم والحج كما لا يخفى. وقوله: فقد حَرُمت، بفتح الحاء وضم الراء وجوّز البرماويّ ضم الأول وتشديد الراء مكسورًا، لكن قال في الفتح: لم أر في شيء من الروايات تشديد الراء. وقوله: إلا بحقها، أي الدماء والأموال، وفي حديث ابن عمر السابق، في كتاب الإيمان "إلا بحق الإِسلام، وحسابهم على الله" هو على سبيل التشبيه، أي كالواجب على الله تعالى في تحقق الوقوع، وإلا فلا يجب على الله تعالى شيء، وقد استنبط ابن المنير من قوله "فإذا قالوها وصلَّوا صلاتنا حرمت دماؤهم" قتل تارك الصلاة؛ لأن مفهوم الشرط إذا قالوها وامتنعوا من الصلاة، لم تحرم دماؤهم، منكرين للصلاة كانوا أو مقرين؛ لأنه رتب استصحاب سقوط العصمة على ترك الصلاة لا على ترك الإقرار بها، يقال الذبيحة لا يقتل تاركها لأنا نقول إذا أخرج الإجماع بعضًا لم يخرج الكل. وقد تقدمت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب "فإن تابوا وأقاموا الصلاة" من كتاب الإيمان. رجاله أربعة: الأول: نعيم بن حماد، وقد مر في الحادي عشر والمئة من كتاب الوضوء، ومرّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي، ومرّ حميد الطويل في الثالث والأربعين من كتاب الإيمان، ومرّ أنس بن مالك في السادس منه. وهذا الحديث أخرجه البخاريّ من ثلاثة أوجه في هذا الباب، وأخرجه أبو داود في الجهاد، والتِّرمذيّ في الإيمان والنَّسائيّ في المحاربة. ثم قال: وقال علي بن عبد الله: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا حميد

стр. 3020

قال: سأل ميمون بن سياه أنس بن مالك قال: يا أبا حمزة، وما يحرم دم العهد وماله؟ فقال: من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم. قوله: عن أنس بن مالك قال، ولأبوي ذَرٍّ والوقت "فقال" وسقطت هذه الكلمة عند الأصيليّ. وقوله: يا أبا حمزة، بالحاء والزاي، كنية أنس. وقوله: وما يحرم، بواو العطف معطوف على شيء محذوف، كأنه سأل عن شيء غير هذا. وعن هذا، وفي رواية كريمة والأصيلي: ما يحرم. وقوله: له ما للمسلم، أي من النفع، وعليه ما عليه من الضر. وفائدة إيراد هذا الإسناد تقوية رواية ميمون بن سياه لمتابعة حميد له، ووجه مطابقة جواب أنس للسؤال عما يحصل به التحريم أنه يتضمنه؛ لأنه لما ذكر الشهادة وما عطفه عليها، عُلِم أن الذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمُه وماله إلا بحقه، فهو مطابق له وزيادة. رجاله خمسة: الأول: علي بن عبد الله المَدِينيّ، وقد مرّ في الرابع عشر من كتاب العلم. الثاني: خالد بن الحارث بن عبيد بن سليمان، ويقال: ابن الحارث سليمٍ بن عبيد بن سفيان الهُجيميّ أبو عثمان البصريّ. قال القطّان: ما رأيت خيرا من سفيان وخالد بن الحارث. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال أيضًا: كان خالد يجيء بالحديث كما يسمع وقال أبو زرعة: كان يقال له خالد الصدق. وقال ابن سعد: ثقة، وقال أبو حاتم: إمامٌ ثقة. وقال النَّسائيّ: ثقة ثَبْت، وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال: كان من عقلاء الناس ودهاتها. وقيل ليحيى بن مَعين: من أثبت شيوخ البصريين؟ قال: خالد بن الحارث مع جماعة سماهم. وقال التِّرمذيّ: ثقة مأمون، سمعتُ ابن مثنى يقول: ما رأيت بالبصرة مثله. وقال حماد بن زيد: ذاك الصدوق. وسئل أبو داود عن خالد ومُعاذ فقال: معاذ

стр. 3021

صاحب حديث، وخالد كثير الشكوك. وذكر من فضله. وقال الدارقطنيّ: أحد الأثبات. روى عن حميد الطويل وأيوب وابن عون وهشام بن عروة وشعبة والثوريّ وغيرهم، وروى عنه أحمد وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومسدد وعارم والفلاس وشعبة، وهم من شيوخه، وجماعة. ولد سنة عشرين ومئة، ومات سنة ست وثمانين ومئة، وليس في الستة خالد بن الحارث سواه، وأما خالد فكثير. والهُجَيميّ في نسبه نسبة إِلى هُجَيم، بضم الهاء مصغر كزبير، وهو بطنان من العرب، أحدهما الهُجَيم بن عمرو بن تميم، والثاني ابن علي بن سود، من الأزد، وهو منسوب للأول. الثالث: حميد الطويل، وقد مرّ في الثالث والأربعين من كتاب الإيمان، ومرّ ميمون بن سياه في الذي قبل هذا، ومرّ أنس بن مالك في السادس من بدء الوحي. ثم قال: وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى قال: حدثنا حميد قال: حدثنا عن النبي ﷺ . قوله: أخبرنا يحيى، للأربعة ابن أيوب الغافقي، ولابن عساكر "وقال محمد" أي المؤلف "قال ابن أبي مريم: حدثني" بالإفراد، وهذا التعليق وصله أبو نعيم ومحمد بن نصر ابن منده في الإيمان عن ابن أبي مريم، ولما لم يكن في قول حميد: سأل ميمون أنسًا بالتصريح بكونه حضر ذلك، عقبه بطريق يحيى بن أيوب، التي فيها تصريح حميد بأن أنسًا حدثهم لئلا يظن أنه دلّسه، ولتصريحه أيضًا بالرفع، وإن كان للأخرى مزية. وأعلى الإسماعيليّ طريق حميد المذكورة، فقال: الحديث حديث ميمون، وإنما سمعه حميد منه، واستدل على ذلك برواية معاذ بن معاذ عن حميد عن ميمون قال: سألت أنسًا. وقال: وحديث يحيى لا يحتج به في التصريح بالتحديث؛ لأن عادة المصريين والشاميين ذكر الخبر فيما يروُونه. قال في الفتح: وهذا الإعلال مردود، ولو فتح هذا الباب لم يوثق برواية

стр. 3022

مدلس أصلًا، ولو صرح بالسماع والعمل على خلافه. ورواية معاذ لا دليل فيها على أن حُميدًا لم يسمع من أنس؛ لأنه لا مانع أن يسمعه من أنس ثم يستثبت فيه من ميمون، لعلمه بأنه كان السائل عن ذلك، فكان حقيقًا بضبطه، فكان حميد تارة يحدث به عن أنس لأجل العلو، وتارة عن ميمون لكونه ثبته فيه. وقد جرت عادة حميد بهذا، يقول: حدثني أنس وثبتني فيه ثابت، ووقع هذا لغير حميد. رجاله أربعة: الأول: سعيد بن أبي مريم، وقد مرّ في الرابع والأربعين من كتاب العلم. والثاني: يحيى بن أيوب المقابريّ أبو زكرياء البغداديّ العابد. قال أحمد: رجل صالح يعرف به، صاحب سكوت ودعة. وقال علي بن المدينيّ وأبو حاتم: صدوق. وقال أبو شعيب الحرانيّ: يحيى بن أيوب كان من خيار عباد الله تعالى. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال الحسن بن فهم ينزل عسكر المهديّ: وكان ثقة ورعًا مسلمًا يقول بالسنة ويعيب على من يقول بقول جَهْم. وقال ابن قانع: ثقة مأمون، روى عن إسماعيل بن جعفر وعبد الله بن المبارك وهُشيم وإسماعيل بن علية، وابن وهب ووكيع وغيرهم. وروى عنه مسلم وأبو داود. وروى البخاريّ في خلق أفعال العباد عن محمد بن عبد العزيز بن المبارك المخرميّ، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وأبو يعلى وآخرون. مات في شهر ربيع الأول سنة أربع وثلاثين ومئتين. وفي الستة يحيى بن أيوب سواه ثلاثة: الغافقي والبجليّ والخولاني. ثم قال المصنف: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق أي وأهل المغرب والمشرق، بالجر عطفًا على المجرور قبله. المراد بالمشرق مشرق الأرض كلها: المدينة والشام وغيرهما، ولم يذكر المؤلف المغرب اكتفاء بذكر المشرق إذ العلة مشتركة، كما في ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] أي والبرد، ولأن المشرق أكثر الأرض المعمورة، ولأن بلاد

стр. 3023

الإِسلام في جهة مغرب الشمس قليلة، ونقل عياض أن رواية أكثر ضم القاف في المشرق، وعليه يكون معطوفًا على باب، أي: وباب حكم المشرق، ثم حذف من الثاني "باب وحكم" وأقيم المشرق مقام الأول، ووجه السهيلي رواية الضم بأن الحامل ذلك كون المشرق فيه القبلة، مخالفًا لحكم المدينة، بخلاف الشام، فإنه موافق، وصوّبها الزركشيّ قال: لما في الكسر من إشكال، وهو إثبات قبلة لأهل المشرق، وأجاب ابن رشيد بأن المراد بيان حكم القبلة هو توافقت البلاد أو اختلفت. وقال الدمامينيّ: إثبات قبلة لأهل المشرق في الجملة لا إشكال فيه؛ لأنهم لابد لهم من أن يصلوا إلى الكعبة، فلهم قبلة يستقبلونها قطعًا، إنما الإشكال لو جعل المشرق نفسه قبلة مع استدبار الكعبة، وليس في جر المشرق ما يقتضي أن يكون المشرق نفسه قبلة، وكيف يتوهم هذا والمؤلف قد ألصق بهذا الكلام قوله: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة؟ ثم قال: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة لقول النبي ﷺ "لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن شرقوا أو غربوا". هذه جملة مُسْتَأْنَفَة من ثقة المصنف، ومراده بذلك لأهل الشام والمدينة، فالخطاب في قوله: شرقوا أو غربوا مخصوص بالمخاطبين، وهم أهل المدينة، ويلحق بهم من كان على مثل سَمْتِهم مَن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها. أما من كان في المشرق فقبلته في جهة المغرب، وكذلك عكسه. وفي رواية الأربعة إسقاط "قبلة" وعليه يكون "باب" التنوين أي هذا باب، وقبلة أهل المدينة مبتدأ خبره ليس في المشرق ولا في المغرب، ولكن على هذا لابد من تأويل قِبلة بمستقبل، ليطابق المبتدأ الخبر في التذكير، لوجوب التطابق بينهما في التذكير والتأنيث. ويؤول المشرق بالتشريق والمغرب بالتغريب، أي مستقبل أهل المدينة ليس في التشريق ولا في التغريب. قلت: ركن يرد على هذه الرواية، وما أولت به أن المشرق المذكور في الترجمة قبلته في التغريب كما مرّ قريبًا. وقوله: لقول النبي ﷺ ... إلخ، وهذا

стр. 3024

وصله النَّسائيّ، ووصله المؤلف في الباب بتغيير يسير، وظاهره التسوية بين الصّحاري والأبنية، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في رواية عنه. وقال مالك والشافعيّ: يحرم في الصحراء لا في البنيان، إلى آخر ما مرّ تحريره مستوفى عند ذكر حديث أبي أيوب في أوائل كتاب الوضوء.

стр. 3025

الحديث الثالث حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا". قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. وهذا الحديث قد مرّ الكلام عليه مستوفى في المحل المذكور آنفًا، إلا قوله "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض" .. إلخ، فإنه لم يذكر في الحديث السابق، والمراحيض جمع مِرحاض، بكسر الميم، وهو الكَنِيف. وقوله: قبلَ القبلة، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي مقابل القبلة. وقوله: فننحرف أي عن جهة القبلة، من الانحراف، ويروى فتنحرف من التَّحَرُّف، وقوله: ونستغفر الله، قيل: نستغفر الله لمن بناها، فإن الاستغفار للمذنبين سُنّة، وقيل: نستغفر الله من الاستقبال، وقيل: نستغفر الله من ذنوبنا، ويقال: لعل أبا أيوب لم يبلغه حديث ابن عمر المار في أول كتاب الوضوء، أو لم يره مخصصًا، وحمل ما رواه على العموم، فإن قيل: الغالط والساهي لم يفعل إثمًا، فلا حاجة إلى الاستغفار. والجواب أن أهل الورع والمناصب العالية في التقوى قد يفعلون مثل هذا بناءً على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في التحفظ ابتداءًا. رجاله خمسة: الأول: علي بن عبد الله، وقد مرّ في الرابع عشر من كتاب العلم، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرّ الزهريّ في الثالث منه، ومرّ

стр. 3026

عطاء بن يزيد وأبو أيوب في العاشر من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بصريّ ومكيّ ومدنيّ، أخرجه هنا وفي الطهارة عن آدم بن أبي إياس ومسلم وأبو داود والتِّرمذيّ والنسائيّ وابن ماجه في الطهارة أيضًا. ثم قال: وعن الزُّهريّ عن عطاء: سمعت أبا أيوب عن النبي ﷺ مثله، يعني بالإِسناد المذكور على الظاهر، والمراد أن سفيان حدث به عليًا مرتين؛ مرة صرح بتحديث الزُّهريّ له، وفيه عنعنة عطاء، ومرة أتى بالعنعنة عن الزُّهريّ وبتصريح عطاء بالسماع. وجزم الكرمانيّ بأن الرواية الثانية معلقة، وحمله على ما قلته أَوْلى، وقد وصله إسحاق بن راهويه في مسنده، والزُّهريُّ ومن معه مرّ قريبًا ذكر محلهم. ثم قال المصنف: باب قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [ البقرة: ١٢٥] قوله: واتخذوا، بكسر الخاء على الأمر أو بفتحه على الخبر فعل ماض. والأُولى قراءة الجمهور، والثانية قراءة نافع وابن عامر. وتوجيه الأُولى هو أنه معطوف على ما تضمنه قوله ﴿مثابة﴾ كأنه قال: ثوبوا واتخذوا، أو معمول المحذوف، أي: وقلنا اتخذوا، ويحتمل أن يكون الواو للاستئناف وتوجيه الثانية هو أنه معطوف على "جعلنا" فالكلام جملة واحدة، وقيل: عطف على "وإذ جعلنا" فيحتاج إلى تقدير إذ، ويكون الكلام جملتين، وقيل على محذوف تقديره فثابوا، أي: رجعوا واتخذوا، والأمر دال على الوجوب، لكن انعقد الإجماع على جواز الصلاة إلى جميع جهات الكعبة، فدل على عدم التخصيص، وهذا بناء على أن المراد بمقام إبراهيم الحَجَر الذي فيه أثر قدمه، وهو موجود إلى الآن. وقال مجاهد: المراد بمقام إبراهيم الحرم كله. والأول أصح، وقد ثبت دليله عند مسلم من حديث جابر. ويأتي قريبًا عند المصنف من حديث عمر.

стр. 3027

وقوله: مصلّى، أي قبلة. قاله الحسن وغيره، وبه يتم الاستدلال. وقال مجاهد: أي مَدْعى يُدْعى عنده، ولا يصح حمله على مكان الصلاة؛ لأنه لا يصلى فيه، بل عنده، ويترجح قول الحسن بأنه جارٍ على المعنى الشرعيّ، واستدل المصنف على عدم التخصيص أيضًا، بصلاته ﷺ داخل الكعبة، فلو تعيّن استقبال المقام لما صحت هناك؛ لأنه كان حينئذ غير مستقبله، وهذا هو السر في إيراد حديث ابن عمر عن بلال في هذا الباب. وقد روى الأزرقيُّ في أخبار مكة، بأسانيد صحيحة، أن المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله، حتى وجد بأسفل مكة، فأُتي به فَرُبط بأستار الكعبة حتى قدم عمر، فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول، فأعاده إليه، وبنى حوله فاستقر. ثمَّ إلى الآن. وما قاله الأزرقي مروي خلافه، فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء ومجاهد وغيرهما: كان المقام من عهد إبراهيم لِزْق البيت، إلى أن آخره عمر رضي الله تعالى عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن. وأخرج البيهقيّ عن عائشة بسند قويّ مثله، ولفظه "إنّ المقام كان في زمن النبي ﷺ وفي زمن أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخّره عمر". وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد "أن النبي ﵊ هو الذي حَوّله" والأَول أصح. وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عُيينة قال: كان المقام في سُقْع البيت في عهد النبي ﷺ ، فحوله عمر، فجاء سيل فذهب به، فرد عمر إليه، قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بالبيت أم لا، ولم تنكر الصحابة، ولا من جاء بعدهم، فعل عمر، فصار إجماعًا، وكأنَّ عمر رأى أن ابقاءه هناك يلزم منه التضييق على الطائفين، أو على المصلين، فوضعه في مكان يرتفع به الحرج، وتهيأ له ذلك؛ لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلَّى، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن، ولم تزل آثار قَدَمَي إبراهيم ﵊ حاضرة في المقام، معروفة عند أهل الحرم، حتى قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:

стр. 3028

وَمَوْطىء إبراهيم في الصخر رَطْبَةٌ ... على قدميه حافيًا غير ناعلِ وفي موطأ ابن وهب عن أنس قال: رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم. وأخرج الطبريّ في تفسيره عن قتادة في هذه الآية "إنما أُمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه" قال: ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها، فما زالوا يمسحونه حتى اخْلَوْلَق وانمحى.

стр. 3029

الحديث الرابع حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالْبَيْتِ الْعُمْرَةَ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: لاَ يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قوله: طاف بالبيت للعمرة، كذا للأكثر بلام الجر، وللمستملي والحمويّ "طاف بالبيت العمرة" بحذف لام الجر، ولابد من تقديرها ليصح الكلام، ويمكن أن يقدر طواف العمرة، ثم حذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه. وقوله: يأتي امرأته، أي هل حل من إحرامه حتى يجوز له الجماع وغيره من محرمات الإِحرام؟ وخص إتيان المرأة بالذكر لأنه أعظم الحرمات في الإحرام وأجابهم ابن عمر بالإشارة إلى وجوب اتباع النبي ﷺ ، لاسيما في أمر المناسك لقوله ﵊ "خذوا عني مناسككم". وأجابهم جابر بصريح النهي، وعليه أكثر الفقهاء، وخالف ابن عباس فأجاز للمعتمر التحلل بعد الطواف وقبل السعي. قال ابن بطال: لا أعلم خلافًا بين أئمة الفتوى أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى، إلا ما شذ به ابن عباس فقال: يحل من العمرة بالطواف، ووافقه إسحاق بن راهويه. ونقل عياض أن بعض أهل العلم ذهب إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حل، وان لم يطف ولم يسع، وله أن يفعل كل ما حرم على

стр. 3030

المحرم، ويكون الطواف والسعي في حقه كالرمي والمبيت في حق الحاج، وهذا من شذوذ المذاهب وغرائبها، وغفل القطب الحلبيّ فقال فيمن استلم الركن في ابتداء الطواف وأحل حينئذ: انه لا يحصل له التحلل بالإجماع. والمناسب للترجمة من هذا الحديث قوله "وصلى خلف المقام ركعتين" وقد يشعر يحمل الأمر في قوله "واتخذوا" على تخصيص ذلك بركعتي الطواف، وقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك خلف المقام، ونقل ابن المنذر الاتفاق على جوازهما في أي موضع شاء الطائف، إلا أن مالكًا كرههما في الحِجْر. وقال: إن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يعيدهما. ونقل بعض الشافعية عن الثَّوريّ أنه كان يعينهما خلف المقام، واختلف في ركعتي الطواف، فقيل سنة، وقيل واجبة، وقيل متابعة للطواف؛ إن كان الطواف سنة فالصلاة سنة، وإن كان واجبًا فالصلاة واجبة. وهذا هو مشهور مذهب مالك. وفي الفتح قال بعض الشافعية: إن قلنا إن ركعتي الطواف واجبتان، كقول أبي حنيفة والمالكية، فلابد من ركعتين لكل طواف. وقال الرافعي: ركعتا الطواف، وإن قلنا بوجوبهما، فليستا بشرط في صحة الطواف، لكن في تعليل بعض أصحابنا ما يقتضي اشتراطهما. وإذا قلنا بوجوبهما هل يجوز فعلهما بقعود مع القدرة؟ وفيه وجهان أصحهما الأول، ولا تسقط بفعل فريضة كالظهر إذا قلنا بالوجوب، والأصح أنهما سنة كقول الجمهور. رجاله خمسة: الأول: الحميديّ، والثاني ابن عُيينة، وقد مرا في الأول من بدء الوحي، ومرّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من كتاب العلم، ومرّ ابن عمر في الأثر الرابع من كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه، وفيه ذكر جابر بن عبد الله، وقد مرّ في الرابع من بدء الوحي. لطائف إسناده:

стр. 3031

فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والسؤال في موضعين، ورواته كلهم مكيون. أخرجه البخاريّ هنا وفي الحج عن الحميدي وقتيبة وعلي بن عبد الله، ومسلم والنَّسائيّ وابن ماجه في الحج.

стр. 3032

الحديث الخامس حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سَيْفٍ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ خَرَجَ، وَأَجِدُ بِلاَلاً قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ، فَسَأَلْتُ بِلاَلاً فَقُلْتُ أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِى الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ. قوله: أُتي ابن عمر، بالبناء للمجهول، لم يعرف اسم الذي أخبره بذلك. قوله: وأجد بلالًا كان المناسب للسياق أن يقول "ووجدت" لإتيانه بعد قوله فأقبلت، وكأنه عداه عن الماضي إلى المضارع استحضارًا لتلك الصورة، حتى كان المخاطبَ يشاهدها. وقوله: قائمًا بين البابين، أي المصراعين، وحمله الكرمانيّ تجويزًا على حقيقة التثنية، وقال: أراد بالباب الثاني الذي لم تفتحه قريش حين بنت الكعبة، باعتبار ما كان. أو كان إخبار الراوي بذلك بعد أن فتحه ابن الزبير، وهذا يلزمه منه أن يكون ابن عمر وجد بلالًا في وسط الكعبة، وفيه بُعد. قاله في الفتح، وهو ظاهر، واعتراض العينيّ ساقط. وفي رواية الحمويّ "بين الناس" بنون وسين مهملة، وهي أوضح. وقوله: قال نعم ركعتين، أي صَلّى ركعتين، وقد استشكل الإِسماعيليّ وغيره هذا، بأن المشهور عن ابن عمر من طريق نافع وغيره عنه، أنه قال: ونسيت أن أسأله كم صلّى قال: فدل على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله عنها، والجواب عن ذلك أن يقال: يحتمل أن ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية ركعتين، على القدر المتحقق له، وذلك أن بلالًا أثبت له أنه صَلّى، ولم ينقل أن النبي ﷺ -

стр. 3033

تنفل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققًا وقوعهما، لما عرف بالاستقراء من عادته، فعلى هذا فقوله "ركعتين" من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال؛ وقد وجد ما يؤيد هذا. ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة عن نافع عن ابن عمر في هذا الحديث "فاستقبلني بلال فقلت: ما صنع رسول الله ﷺ هنا؟ فأشار بيده السّبّابة والوُسطى "أي صلى ركعتين" فعلى هذا يحمل قوله "نسيت أن أسأله كم صلّى" على أنه لم يسأله لفظًا، ولم يجبه لفظًا، إنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه. أو يحمل على أن مراده بهذه الكلمة، أنه لم يتحقق هل زاد على ركعتين أو لا، وأما قول بعض المتأخرين: يجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى فسأله، ففيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الذي يظهر أن القصة وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة لم تتعدد؛ لأنه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معًا، فقال في هذه: فأقبلت. ثم قال: فسألت بلالًا، وقال في الأخرى: فبدرت فسألت بلالًا، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحدًا في وقت واحد. ثانيهما: أن راوي قول ابن عمر "ونسيت" هو نافع مولاه، ويبعد، مع طول ملازمته له إلى وقت موته، أن يستمر على حكاية النسيان، ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلًا، وأما ما نقله عياض من أن قوله "ركعتين" غلط من يحيى بن سعيد القطَّان؛ لأن ابن عمر قال: نسيت أن أسأله كم صلّى، فهو كلام مردود، والعجب من تغليط جبل من جبال الحفظ بقول من خَفِي عليه وجه الجمع بين الحديثين. ولم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يغلط، فقد تابعه أبو نعيم عند البخاريّ والنَّسائيّ، وأبو عاصم عند ابن خُزيمة، وعمر بن عليّ عند الإِسماعيليّ، وعبد الله بن نمير عند أحمد، كلهم عن سَيف، ولم ينفرد سيف أيضًا، فقد تابعه خُصَيف عن مجاهد عند أحمد، ولم ينفرد مجاهد عن ابن عمر، فقد تابعه عليه ابن أبي مليكة عند أحمد والنَّسائيّ، وعمرو بن دينار عند أحمد.

стр. 3034

وورد من حديث عثمان بن أبي طلحة عند أحمد والطبرانيّ بإسناد قويّ، ومن حديث أبي هريرة عند البزار، ومن حديث عثمان بن صفوان قال: فلما خرج سألت من كان معه، فقالوا: صلّى ركعتين عند السَّارية الوُسطى. أخرجه الطبرانيّ بإسناد صحيح. ومن حديث شيبة بن عثمان قال: لقد صلّى ركعتين عند العمودين. أخرجه الطبرانيّ بإسناد جيد. وقوله: بين الساريتين، تثنية سارية، وهي الأُسطوانة. وقوله: اللتين على يساره، أي الداخل، أو يسار البيت، أو هو من الالتفات. ولأبي ذَرٍّ عن الكشميهنيّ "يسارك" بالكاف وهي أنسب لما بعدها، وفي رواية سالم في الحج "بين العمودين اليمانيين" وفي رواية جُوَيرية "بين العمودين المقدمين" وفي رواية الكشميهنيّ "المتقدمين". وفي رواية فُليح في المغازي "بين ذينك العمودين المقدمين" وكان البيت على ستة أعمدة سطرين، صلى بين العمودين من السطر المقدم، وجعل باب البيت خلف ظهره. وقال في آخر روايته: وعند المكان الذي صلى فيه مرمرةٌ حمراء. وفي رواية مالك "جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة" وكل هذا إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يهدم ويُبنى في زمن ابن الزبير. وليس بين رواية مالك والتي قبلها مخالفة إلَّا أن قول مالك: وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، مُشكلٌ لأنه يُشعر بكون ما عن يمينه أو يساره كان اثنين، ولذا عقبه البخاريّ في باب "الصلاة بين السواري" برواية إسماعيل عن مالك التي فيها "عمودين عن يمينه" وجزم البيهقيّ بترجيح رواية إسماعيل، ووافقه في قوله "عمودين عن يمينه" ابنُ القاسم والقعنبيُّ وأبو مصعب ومحمد بن الحسن، وكذا الشافعي وابن مهدي في إحدى الروايتين عنهما. وقال يحيى بن يحيى النيسابوريّ فيما رواه عنه مسلم: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، عكس رواية إسماعيل. وكذا قال الشافعيّ وبشر بن عمر في إحدى الروايتين عنهما، وجمع بعض المتأخرين بين هاتين الروايتين بتعدد الواقعة، وهو بعيد لاتحاد مخرج الحديث. وفيه اختلاف رابع، قال

стр. 3035

عثمان بن عمر عن مالك: جعل عمودين عن يمينه وعمودين عن يساره، ويمكن توجيهه بأن يكون هناك أربعة أعمدة: اثنان مجتمعان، واثنان منفردان، فوقف عند المجتمعين، لكن يعكر عليه قوله "وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة" بعد قوله "وثلاثة أعمدة وراءه" وقد قال الدارقطني: لم يتابع عثمان بن عمر على ذلك. ويمكن الجمع بين رواية إسماعيل والرواية قبلها، وهي من عبد الله بن يوسف، بأنه حيثُ ثنى أشار إلى ما كان عليه البيت في زمن النبي ﷺ ، وحيث أفرد أشار إلى ما صار إليه بعد ذلك، ويُرشد إلى ذلك قوله "وكان البيت يومئذ"، لأن فيه إشعارًا بأنه تغير عن هيأته. وقال الكرماني: لفظ العمود جنس يحتمل الواحد والاثنين، فهو مجملٌ بَيِّنَتْه رواية "وعمودين" ويحتمل أن يقال: لم تكن الأعمدة الثلاثة على سمت واحد، بل اثنان على سمت والثالث على غير سمتهما. ولفظ المقدمين في الحديث السابق مشعر به، ويؤيد هذا رواية مجاهد المذكورة هنا "بين الساريتين اللتين على يسار الداخل" فإنها صريحة في أنه كان هناك عمودان على اليسار، وأنه صلى بينهما، فيحتمل أنه كان ثم عمود آخر عن اليمين، لكنه بعيد أو على غير سمت العمودين، فيصبح قول من قال "جعل عن يمينه عمودين" وقول من قال "جعل عمودًا عن يمينه" وجوز الكرمانيّ احتمالًا آخر، وهو أن يكون هناك ثلاثة أعمدة مصطفة، فصلى إلى جنب الأوسط، فمن قال جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره لم يعتبر الذي صلى إلى جنبه، ومن قال عمودين اعتبره، وهو مسبوق إلى هذا الاحتمال. وأبعد منه قولُ من قال: انتقل في الركعتين من مكان إلى مكان، ولا تبطل الصلاة بذلك لقلته. وقد مر لك أن هذا كله إخبار عما كان عليه البيت قبل أن يُهدم ويُبنى في زمن ابن الزبير، وأما الآن فقد بين موسى بن عقبة في روايته عن نافع عند المؤلف أن بين موقفه ﵊ والجدار الذي استقبله قريبًا من ثلاثة أذرع، وجزم برفع هذه الزيادة مالك عن نافع فيما أخرجه أبو داود والدارقطنيّ

стр. 3036

في الغرائب عن عبد الله بن وهب، ولفظه "وصلى بينه وبين القبلة ثلاثة أذرع" وأخرجها أبو عُوانة عن نافع، وهذا فيه الجزم بثلاثة أذرع، لكن رواه النسائي عن ابن القاسم عن مالك بلفظ "نحو ثلاثة أذرع" وهي موافقة لرواية موسى بن عقبة. وفي رواية الأزرقي في كتاب مكة، والفاكهيّ، أن معاوية سأل ابن عمر أين صلّى النبي ﷺ ، فقال: اجعل بينك ويين الجدار ذراعين أو ثلاثة، فعلى هذا ينبغي لمن أراد إلاتباع في ذلك أن يجعل بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فإنه تقع قدماه في مكان قدميه ﷺ إنْ كانت ثلاثة أذرع سواء، وتقع ركبتاه أو يداه ووجهه إن كان أقل من ثلاثة. وأخذ من قوله: ركعتين بين الساريتين، جواز الصلاة بين السواري، واحتج به البخاريّ على أنه لا بأس بالصلاة بين السواري إذا لم يكن في جماعة لا في جماعة، لأن ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة، وعند المالكية الصلاة بينها مكروهة تنزيهًا، سواء المنفرد ومن في جماعة، لورود النهي الخاص عن الصلاة بينها، فيما أخرجه الحاكم بإسناد صحيح عن أنس، وهو في السنن الثلاثة وحسّنه التِّرمذيّ، وقال المحب الطبريّ: كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد عن ذلك، ومحل الكراهة عند عدم الضيق، والحكمة فيه إما لانقطاع الصف، أو لأنه موضع السراويل والنعال. وقال القرطبيّ: الحكمة في ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين. وقال الرافعي: الأَولى للمنفرد أن يصلي إلى السارية، ومع هذه الأولوية فلا كراهة في الوقوف بينهما للمنفرد، وأما في الجماعة فالوقوف بين الساريتين كالصلاة إلى السارية. قال في الفتح: وفيه نظر، لما مرّ من النهي الخاص عن ذلك. وفيه استحباب الصلاة في الكعبة، وهو ظاهر في النفل، وهو مشهور مذهب مالك: يجوز في الكعبة النفل بل يندب، وأما الفرض ففيه قولان بالمنع والكراهة، والمشهور الكراهة، وتندب إعادته في الوقت، والسنن والرغبة مكروهة فيها، ولا فرق في حالة الصلاة فيها بين جهة من الجهات، ولو إلى جهة بابها المفتوح. وقال المازريّ: المشهور في المذهب منعُ صلاة الفرض

стр. 3037

داخلها، ووجوب الإعادة. وعن ابن عبد الحكم وأشهب الإجزاءُ، وصححه ابن عبد البر وابن العربيّ، وعن ابن حبيب يعيد أبدًا، وعن أَصْبَغ ان كان متعمدًا. وأطلق التِّرمذيّ عن مالك جواز النوافل، وقيده بعض أصحابه بغير الرواتب وما تشرع فيه الجماعة. والصلاة على ظهر الكعبة باطلة إن كانت فرضًا على المشهور، ولو كان بين يديه قطعة من سطحها، واختلف في السنن والنوافل المؤكدة، كركعتي الفجر وركعتي الطواف الواجب على قولين مشهورين. وعند الحنفية والشافعية يجوز فيها الفرض والنفل، إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم، وهو قول الجمهور. قال في الفتح: ومن المشكل ما نقله النّوويّ في زوائد الروضة عن الأصحاب: أن صلاة الفرض داخل الكعبة إن لم يرج الجماعة أفضل منها خارجها، ووجه الإشكال أن الصلاة خارجها متفق عليها بين العلماء، بخلاف داخلها، فكيف يكون المختلف في صحته أفضل من المتفق عليه؟ وظاهر البخاريّ أنه يشترط للصلاة في جميع الجوانب اغلاق الباب، لئلا يصير مستقبلًا في حال الصلاة غير الفضاء، قال في الفتح: والمحكيُّ عن الحنفية الجوازُ مطلقًا، وعن الشافعية وجهٌ مثله، لكن يشترط أن يكون للباب عَتَبة بأي قدر كانت، ووجه يشترط أن تكون قدر قامة المصلي، ووجه يشترط أن تكون قدر مؤخرة الرحل، وهو المصحح عندهم. وفي الصلاة فوق ظهر الكعبة نظير هذا الخلاف. وعند الحنابلة لا يصح إلا في الكعبة والحجر منها، ولا على ظهرها إلا إذا لم يبق وراءه شيء منها. يصح النذر فيها وعليها إذا كان بين يديه منها شيء، وكذا النفل بل يُسَن فيها. وقال ابن عباس: لا تصح الصلاة داخل الكعبة مطلقًا، وعلله بأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها، فيحمل على استقبال جميعها، وقد قال به بعض المالكية كما مرّ، والظاهرية والطبريّ، ويأتي حديث ابن عباس بعد هذا الحديث، ويستوفى عليه الكلام إن شاء الله تعالى. وقوله: في وجه

стр. 3038

الكعبة، أي مواجه الكعبة عند مقام إبراهيم، وبذلك تحصل المطابقة للترجمة، وقد مر عن الفتح أن مطابقة الحديث للترجمة من غير هذه الحيثية، وهي أن استقبال المقام غير واجب، ومرّ تقريره عند الترجمة. وفي الحديث من الفوائد، غيرُ ما تقدم، روايةُ الصاحب عن الصاحب، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به، والحجة بخبر الواحد، ولا يقال هو أيضًا خبر واحد، فكيف يحتج للشيء بنفسه لأنا نقول هو فرد ينضم إلى نظائر مثله يوجب العلم بذلك، وفيه اختصاص السائق بالبقعة الفاضلة. وفيه السؤال عن العلم والحرص فيه، وفضيلة ابن عمر لشدة حرصه على تتبع آثار النبي ﷺ ليعمل بها، وفيه أن الفاضل من الصحابة يغيب عن النبي ﵊ في بعض المشاهد الفاصلة، ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع عليه؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من بلال ومن ذكر معه، لم يشاركوهم في ذلك، وفيه أن الصلاة إلى المقام غير واجبة، وجواز الصلاة بين السواري، وقد مرّ تحريره. وفيه أن السترة إنما تشرع حيث يُخشى المرور؛ لأنه ﵊ صلى بين العمودين ولم يصل إلى أحدهما، والذي يظهر أنه ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار، كما مرّ أنه كان بين مُصَلّاه والجدار نحو ثلاثة أذرع، وبذلك ترجم له النَّسائيّ على أنّ حد الدنو من السترة أن لا يكون بينهما أكثر من ثلاثة أذرع، وفيه أن قول العلماء تحية المسجد الحرام الطواف مخصوصٌ بغير داخل الكعبة، لكونه ﵊ جاء فأناخ عند البيت، فدخله فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل، أو هي تحية المسجد العام. وفيه استحباب دخول الكعبة، وقد روى ابن خُزيمة والبيهقيّ عن ابن عباس مرفوعًا "من دخل البيت دخل في حسنه وخرج مغفورًا له" قال البيهقيّ تفرد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدًا بدخوله. وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس أن دخول البيت ليس من الحج في

стр. 3039

شيء، وحكى القرطبيُّ عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج، ورده بأنه ﵊ إنما دخله عام الفتح، ولم يكن حينئذ محرمًا، وأما ما رواه أبو داود والتِّرمِذيّ، وصححه هو وابن خزيمة والحاكم، عن عائشة "أنه ﵊ خرج من عندها وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب، فقال: دخلت الكعبة، فأخاف أن أكون شققت على أمتي" فقد يتمسك به لصاحب هذا القول المحكي، لكن عائشة لم تكن معه في الفتح ولا في عمرته. وقد جاء عن ابن عمر عند المصنف في الحج أنه لم يدخل الكعبة في عمرته، فتعين أن القصة كانت في حجته، وبذلك جزم البيهقيّ. ويحتمل أن يكون ﵊ قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، قاله في الفتح. قلت: بل فيه ما يمنعه، فإن قولها خرج من عندها قرير العين، ثم رجع كئيبًا، وقال: دخلت الكعبة، صريح في أن هذا وقع بمكة. وإنما لم يدخل الكعبة في عمرته لِما كان في البيت من الأصنام والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها؛ لأن المشركين لا يتركونه يغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصور ثم دخلها، ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشرط، فلو أراد دخوله لمنعوه، كما منعوه من الإقامة بمكة زيادة على الثلاث، فلم يقصد دخوله لئلا يمنعوه. وفي السيرة عن عليّ "أنه دخلها قبل الهجرة فازال شيئًا من الأصنام". وفي الطبقات عن عثمان بن طلحة نحو ذلك، فإن ثبت ذلك لم يشكل على الوجه الأول؛ لأن ذلك الدخول كان لإِزالة شيء من المنكرات، لا لقصد العبادة، والإزالة في الهدنة غير ممكنة بخلاف يوم الفتح، واستدل المحب الطبريّ بعدم دخوله البيت في العُمرة على أنه ﵊ دخل البيت في حجته وفي فتح مكة، ولا دلالة فيه على ذلك، إذ لا يلزم من نفي كونه دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره. رجاله خمسة: وفيه ذكر بلال، الأول مسدد، والثاني يحيى القطّان، وقد مرا في السادس من كتاب الإِيمان، ومرّ مجاهد وابن عمر فيه قبل ذكر حديث منه، ومرّ بلال بن

стр. 3040

حمامة في التاسع والثلاثين من كتاب العلم. والخامس: سَيْف بن سليمان، أو ابن أبي سليمان، المخزوميّ، مولاهم المكيّ أبو سليمان. قال أحمد والعجليّ وأبو بكر البَزّار: ثقة، وقال يحيى بن سعيد: كان عندنا ثبتًا ممن يصدق ويحفظ. وقال أبو زرعة: ثبت. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن عديّ: حديثه ليس بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال الساجيّ: أجمعوا على أنه صدوق ثقة، غير أنه اتهم بالقدر، وقيل لأبي داود: رُمي بالقدر؟ قال: ما أعلم. قال ابن حَجَر في مقدمته: له في البخاريّ أحاديث أحدها في الأطعمة حديثُ حذيفة في آنية الذهب بمتابعة الحكم وابن عون وغيرهما، عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عنه. ثانيها في الحج حديث عليّ في القيام على البُدْن بمتابعة ابن أبي نَجيح وغيره، عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عنه. ثالثها في الحج أيضًا، حديث كعب بن عُجْرة في الفِدية، بمتابعة حُميد بن قيس وغير واحد، عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عنه. رابعها في الصلاة وفي التهجد، عن ابن عمر عن بلال، في صلاة النبي ﷺ ، أخرجه من حديثه عن مجاهد عنه، وله متابع عنده عن سالم ونافع معًا، وهذه الأحاديث وقعت للبخاريّ عالية من حديث مجاهد، فإنه رواها عن أبي نعيم عن سيف هذا عن مجاهد، ولم أر له عنده من أفراده عن مجاهد غير الرابع، وقد ذكرت أنه أخرج شاهده. روى له الباقون إلا التِّرمذيّ، روى عن مجاهد وقيس بن سعد المكي وأبي أمية البصريّ وغيرهم. وروى عنه الثَّوريّ ويحيى القطّان ووكيع وابن المبارك وأبو نعيم ومعتمر بن سليمان وغيرهم. مات بمكة سنة خمس وخمسين ومئة، وقيل سنة ست، وليس في الستة سيف بن سليمان سواه، وأما سيف فيها فستة. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضع، وفيه

стр. 3041

السماع، ورواته ما بين بصريّ ومكيّ. أخرجه البخاريّ في مواضع عن مسدد وعن أبي نعيم، وفي الحج عن قتيبة، وفي الصلاة أيضًا عن إبراهيم بن المنذر، وأبي النعمان، وفي الجهاد عن يحيى بن بكير، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه في الحج.

стр. 3042

الحديث السادس حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: "هَذِهِ الْقِبْلَةُ". قوله: دعا في نواحيه كلها، جمع ناحية، وهي الجهة. وقوله: ولم يصل حتى خرج منه، مرّ في حديث ابن عمر أنه صلى ركعتين فيه، راويًا ذلك عن بلال، وإثبات بلال مقدم على نفي غيره لأمرين أحدهما: أن ابن عمر لم يكن مع النبي ﷺ يومئذ، وإنما أسند نفيه تارةً لأسامة، وتارة لأخيه الفضل، مع أنه لم يَثْبُت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة، وقد روى أحمد عن ابن عباس عن أخيه الفضل نفي الصلاة فيها، فيحتمل أن يكون تلقّاه عن أُسامة، فإنه كان معه، وقد روى ابن عباس نفي الصلاة فيها عن أُسامة كما في مسلم. وقد وقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر عنه عند أحمد وغيره، فتعارضت الرواية في ذلك عنه، فتترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت وغيره ناف، ومن جهة أنه لم يُختلف عليه في الإثبات، واختلف على من نفى. وقال النووي وغيره: يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بانهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبيَّ ﷺ يدعو، فاشتغل أسامة بالدعاء في ناحية، والنبي ﷺ في ناحية، ثم صلى النبي ﵊، فرآه بلال لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده منه واشتغاله، ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة، مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة، فنفاها عملًا بظنه. وقال المحب الطبريّ: يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله

стр. 3043

لحاجة، فلم يشهد صلاته، ويشهد لهذا ما رواه أبو داود الطَّيالسيّ في مسنده، عن عمير مولى ابن عباس عن أسامة قال: "دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة، فرأى صورًا فدعا بدلو من ماء، فأتيته به فضرب به الصور" فهذا الإسناد جيد. قال القرطبيّ: فلعله استصحب النفي لسرعة عوده، وهو مُفرَّع على أن هذه القصة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد روى عمر بن شبّة في كتاب مكة عن عليّ بن بَذِيمة، وهو تابعيّ، وبذيمة بموحدة ثم معجمة وزن عظيمة، قال: "دخل النبي ﷺ الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة قد احتبى فأخذ بحبوته فحلها ... " الحديث. فلعله احتبى فاستراح فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها مستصحبًا للنفي لقصر زمن احتبائه، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته لا ما في نفس الأمر. ومنهم من جمع بين الحديثين بغير ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك من أوجه: أحدها حمل الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة فرضًا ونفلًا، ويؤيد هذا الجمع ما أخرجه عمر بن شبّة في كتاب مكة عن أبي جمرة عن ابن عباس قال: "قلت له كيف أصلّي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة؛ تسبّح وتكبر ولا تركع ولا تسجد، ثم عند أركان البيت سبح وكبر وتضرع واستغفر، ولا تركع ولا تسجد" وسنده صحيح، لكن هذا العمل يرده ما مرّ في بعض طرقه من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد بها الشرعية، لا مجرد الدعاء. ثانيها: قال القرطبيّ: يمكن حمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك. ثالثها: قال المهلب: يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين، صلى في إحداهما، ولم يصل في الأخرى. وقال ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين، فيقال: لما دخل الكعبة في الفتح صلّى فيها على ما

стр. 3044

رواه ابن عمر عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثبتها وأسند إثباته إلى بلال وإلى أسامة، فهذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض، وهذا جمع حسن، لكن تعقبه النّوويّ بأنه لا خلاف أنه ﷺ دخل في يوم الفتح لا في حجة الوداع، ويشهد له ما رواه في كتاب مكة عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم، أنه ﷺ إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السفرة لا الدخول. وقد وقع عند الدارقطنيّ من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع. وقوله في قُبُل الكعبة، بضم القاف والموحدة، وقد تسكن، أي مقابلها، أو ما استقبلك منها، وهو وجهها، وهذا موافق لرواية ابن عمر السالفة. وقوله: هذه القبلة، الإشارة إلى الكعبة، قيل: المراد بذلك تقرير حكم الانتقال عن بيت المقدس. وقيل: المراد أن حكم من شاهد البيت وجوب مواجهة عينه جزمًا بخلاف الغائب. وقيل: المراد أن الذي أمرتم باستقباله ليس هو الحرم كله، ولا مكة، ولا المسجد الذي حول الكعبة، بل الكعبة نفسها. والإشارة إلى وجه الكعبة أي هذا موقف الإِمام، ويؤيده ما رواه البزار عن عبد الله بن حَبَشي الخثعميّ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى باب الكعبة وهو يقول "أيها الناس، إن الباب قبلة البيت" وهو محمول على الندب لقيام الإِجماع على جواز استقبال البيت من جميع جهاته، والسر في إيراد حديث ابن عباس في هذا الباب هو ما رواه الطبرانيّ وغيره عنه أنه قال: ما أحب أن أصلي في الكعبة، مَنْ صلى فيها فقد ترك شيئًا منها خلفه. رجاله خمسة: الأول: إسحاق بن نصر، وقد مرّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم. والثاني: عبد الرزاق بن همام، وقد مرّ في الخامس والثلاثين من كتاب

стр. 3045

الإيمان، ومرّ عبد الملك بن جريج في الثالث من كتاب الحيض، ومرّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين من كتاب العلم، ومرّ عبد الله بن عباس في الخامس من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع واحد، وفيه السماع. ورواته ما بين مدنيّ وصنعانيّ ومكيّ. أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم في المناسك، والنَّسائيّ. ثم قال المصنف: باب التوجه نحو القبلة حيث كان أي حيث وجد الشخص في سفر أو حضر، والمراد بذلك في صلاة الفريضة، كما يتبين ذلك في حديث جابر الثاني في الباب. ثم قال: وقال أبو هريرة: قال النبي ﷺ "استقبل القبلة وكبِّر". قوله: استقبل وكبر بكسر الباء الموحدة فيهما على الأمر، وللأربعة فكَبِّر بالفاء، وفي رواية الأصيلي "قام النبي ﷺ استقبل فكَبَّر" بالفاء وفتح الموحدة نيهما، وأبو هريرة مرّ في الثاني من كتاب الإيمان، وهذا التعليق طرف من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، وصله المؤلف في كتاب الاستئذان.

стр. 3046

الحديث السابع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْيَهُودُ: مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ. فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ. قوله: وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، جاء بيان ذلك فيما أخرجه الطَّبريّ عن ابن عباس قال: لما هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة، واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرًا، وكان النبي ﷺ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر السماء، فنزلت. وقوله في الحديث "أمره الله" يرد على من قال إنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد. وأخرجه الطبريّ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، وعن أبي العالية "أنه ﷺ صلّى إلى بيت المقدس يتألَّفُ اليهود" وهذا لا ينافي أن يكون بتوقيف، ومن طريق مجاهد عنه قال: إنما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة، لأن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا؟ فنزلت. وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد

стр. 3047

الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس "كان النبي ﷺ يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه" والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر ﵊ لما هاجر أن يستمر على الصلاة إلى بيت المقدس. وأخرج الطبرانيّ عن ابن جريج قال: "صلى النبي ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة". وقوله ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي تردد وجهك في جهة السماء تطلعًا للوحي، وكان ﵊ يقع في رَوْعه، ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل. قاله البيضاويّ. قلت: سؤال الله تعالى ليس فيه نقصان أدب، بل فيه كمال الأدب لأمر الله به ومحبته له. وفي حديث ابن عباس السابق أنه كان يدعو وينظر السماء. فنظر السماء غير مناف للدعاء. والقبلة في الأصل الحال التي عليها الإنسان، ثم صارت عُرفًا للمكان المتوجه إليه في الصلاة وقوله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي لا يختص مكان دون مكان بخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان. وقوله ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو ما ترضاه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، وإلى الكعبة أخرى. وقوله: فصلى مع النبي ﷺ رجل، للمستملي والحموي "رجال" وهذه تحتاج إلى تقدير محذوف في قوله "ثم خرج" أي بعض أولئك الرجال، والرجل قيل إنه عبّاد بن بشر، وقيل عباد بن نَهيك، ويأتي تعريفهما قريبًا. وقوله: ثم خرج بعدما صلى، أي بعد صلاته، أو بعد الذي صَلّى. وقوله: في صلاة العصر نحو بيت المقدس، وللكشميهنيّ "في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس" وفيها إفصاح بالمراد. وقوله: فقال هو يشهد، عني بذلك نفسه على طريق التجريد، بأن جرد من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات،

стр. 3048

أو نقل الراوي كلامه بالمعنى، ويؤيد هذه الرواية المارة في الإيمان بلفظ أشهر. وفي تفسير ابن أبي حاتم عن ثويلة بنت أسلم قالت: "صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، أي ركعتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي ﷺ قد استقبل البيت الحرام". واختلفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة فيها، وكذا المسجد، قال في الفتح: وظاهر حديث البراء هذا أنها الظهر. قلت: ظاهر حديث البراء هنا أنها العصر، لقوله فيه "ثم خرج بعدما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر" فالرجل لما صلّى معه ﵊ خرج ووجد الناس في صلاة العصر، فيعلم منه أن الصلاة التي صليت صلاة العصر، وقد صرح بذلك البراء في روايته في الإيمان. فقال: لأنه أول صلاة صلاها العصر، فهذا صريح فيما قلنا. وعند ابن سعد في الطبقات يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أُمر ان يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، واستدار معه المسلمون. ويقال: زار النبي ﷺ أُمَّ بِشر بن البراء بن معرور في بني سلِمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه ركعتين، ثم أُمر فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسُمّي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقديّ: هذا أثبت. وأخرج ابن أبي داود بسند ضعيف عن عمارة بن رُوَيبة قال: "كنا مع النبي ﷺ في إحدى صلاتي العَشِيّ حين صرفت القبلة، فدار ودرنا معه في ركعتين" وأخرج البزّار عن أنس "انصرف رسول الله ﷺ عن بيت المقدس وهو يصلي، بوجهه إلى الكعبة" وللطبراني نحوه من وجه آخر عن أنس. وفي كل منهما ضعف. وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة غاية الاستيفاء عند ذكره في باب "الصلاة من الإيمان" من كتاب الإيمان. رجاله أربعة: وفيه لفظ رجل مبهم. الأول: عبد الله بن رجاء، مرّ في التعليق الكائن بعد الحديث الثالث من

стр. 3049

كتاب الصلاة، ومرّ إسرائيل بن يونس في السابع والستين من كتاب العلم، ومرّ أبو إسحاق السَّبيعيّ والبراء بن عازب في الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان، والرجل المبهم قيل إنه عباد بن بشر، وقيل عباد بن نَهيك، وأذكر تعريف الاثنين هنا. الأول: عباد بن بشر بن قَيْظيّ الأنصاريّ الأوسيّ، من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، وروى ابن مَنْدَه عن ثُويلة بنت أسْلَم، وكانت من المبايعات، قالت: جاء رجل من بني حارثة يقال له عباد بن بشر بن قيظيّ فقال: إن النبي ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحولوا إليه. ووقع لابن منده أنه من بني النَّبيت، ثم من بني عبد الأشهل، وهو وهَمْ. وعباد بن بشر هذا يلتبس بعباد بن بشر بن وقش الأشهليّ، ويأتي تعريف هذا إن شاء الله تعالى عند ذكره. الثاني: عباد بن نَهيك، بفتح النون وكسر الهاء، الأنصاريّ الخطميّ ذكر ابن عبد البَر أنه هو الذي أخبر قومه بأن القبلة قد حولت. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ في باب الصلاة من الإيمان. وقد مرّ ذكر مواضع إخراجه هناك.

стр. 3050

الحديث الثامن حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. قوله: حدثنا مسلم، زاد الأصيلي "ابن إبراهيم" وقوله: حدثنا هشام، زاد الأصيلي "ابن أبي عبد الله" وقوله: على راحلته، أي ناقته التي تصلح لأن تُرْحَل. وقوله: حيث توجهت، زاد ابن عساكر وأبو ذَرٍّ عن الكشميهنيّ "به" والمراد توجه صاحب الراحلة؛ لأنها متابعة لقصد توجهه، وفي حديث ابن عمر عند مسلم وأبي داود والنَّسائيّ "رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجه لخيبر" وعند أبي داود، والترمذيّ وقال حسن صحيح، من حديث جابر "بعثني النبي ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلّي على راحلته نحو المشرق، السجود أخفض". وقوله: فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة، أي: وصلّى، وهذا يدل على عدم ترك استقبال القبلة في الفريضة، وهو إجماع. نعم رخص في شدة الخوف، كما يأتي محله، وعند المالكية يشترط أن يكون السفر المتنفل فيه على الدابة سفر قصر، ويحكى أيضًا عن بعض الشافعية ولا يشترط الافتتاح إلى القبلة خلافًا لبعض الشافعية، واستحبه ابن حنبل وأبو ثَور، وجوّز أبو يوسف التنفل على الدابة في الحضر. رجاله خمسة: الأول: مسلم بن إبراهيم.
следующие страницы →