← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

الحديث السابع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْيَهُودُ: مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَمَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ. فَتَحَرَّفَ الْقَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ. قوله: وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، جاء بيان ذلك فيما أخرجه الطَّبريّ عن ابن عباس قال: لما هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة، واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهرًا، وكان النبي ﷺ يحب أن يستقبل قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر السماء، فنزلت. وقوله في الحديث "أمره الله" يرد على من قال إنه صلى إلى بيت المقدس باجتهاد. وأخرجه الطبريّ عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، وعن أبي العالية "أنه ﷺ صلّى إلى بيت المقدس يتألَّفُ اليهود" وهذا لا ينافي أن يكون بتوقيف، ومن طريق مجاهد عنه قال: إنما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة، لأن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا؟ فنزلت. وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد

стр. 3047

الهجرة إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس "كان النبي ﷺ يصلي بمكة نحو بيت المقدس، والكعبة بين يديه" والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر ﵊ لما هاجر أن يستمر على الصلاة إلى بيت المقدس. وأخرج الطبرانيّ عن ابن جريج قال: "صلى النبي ﷺ أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة، فصلى ثلاث حجج، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة". وقوله ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي تردد وجهك في جهة السماء تطلعًا للوحي، وكان ﵊ يقع في رَوْعه، ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل. قاله البيضاويّ. قلت: سؤال الله تعالى ليس فيه نقصان أدب، بل فيه كمال الأدب لأمر الله به ومحبته له. وفي حديث ابن عباس السابق أنه كان يدعو وينظر السماء. فنظر السماء غير مناف للدعاء. والقبلة في الأصل الحال التي عليها الإنسان، ثم صارت عُرفًا للمكان المتوجه إليه في الصلاة وقوله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي لا يختص مكان دون مكان بخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان. وقوله ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو ما ترضاه الحكمة، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة، وإلى الكعبة أخرى. وقوله: فصلى مع النبي ﷺ رجل، للمستملي والحموي "رجال" وهذه تحتاج إلى تقدير محذوف في قوله "ثم خرج" أي بعض أولئك الرجال، والرجل قيل إنه عبّاد بن بشر، وقيل عباد بن نَهيك، ويأتي تعريفهما قريبًا. وقوله: ثم خرج بعدما صلى، أي بعد صلاته، أو بعد الذي صَلّى. وقوله: في صلاة العصر نحو بيت المقدس، وللكشميهنيّ "في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس" وفيها إفصاح بالمراد. وقوله: فقال هو يشهد، عني بذلك نفسه على طريق التجريد، بأن جرد من نفسه شخصًا، أو على طريق الالتفات،

стр. 3048

أو نقل الراوي كلامه بالمعنى، ويؤيد هذه الرواية المارة في الإيمان بلفظ أشهر. وفي تفسير ابن أبي حاتم عن ثويلة بنت أسلم قالت: "صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، أي ركعتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن النبي ﷺ قد استقبل البيت الحرام". واختلفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة فيها، وكذا المسجد، قال في الفتح: وظاهر حديث البراء هذا أنها الظهر. قلت: ظاهر حديث البراء هنا أنها العصر، لقوله فيه "ثم خرج بعدما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر" فالرجل لما صلّى معه ﵊ خرج ووجد الناس في صلاة العصر، فيعلم منه أن الصلاة التي صليت صلاة العصر، وقد صرح بذلك البراء في روايته في الإيمان. فقال: لأنه أول صلاة صلاها العصر، فهذا صريح فيما قلنا. وعند ابن سعد في الطبقات يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أُمر ان يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، واستدار معه المسلمون. ويقال: زار النبي ﷺ أُمَّ بِشر بن البراء بن معرور في بني سلِمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى رسول الله ﷺ بأصحابه ركعتين، ثم أُمر فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسُمّي مسجد القبلتين. قال ابن سعد: قال الواقديّ: هذا أثبت. وأخرج ابن أبي داود بسند ضعيف عن عمارة بن رُوَيبة قال: "كنا مع النبي ﷺ في إحدى صلاتي العَشِيّ حين صرفت القبلة، فدار ودرنا معه في ركعتين" وأخرج البزّار عن أنس "انصرف رسول الله ﷺ عن بيت المقدس وهو يصلي، بوجهه إلى الكعبة" وللطبراني نحوه من وجه آخر عن أنس. وفي كل منهما ضعف. وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة غاية الاستيفاء عند ذكره في باب "الصلاة من الإيمان" من كتاب الإيمان. رجاله أربعة: وفيه لفظ رجل مبهم. الأول: عبد الله بن رجاء، مرّ في التعليق الكائن بعد الحديث الثالث من

стр. 3049

كتاب الصلاة، ومرّ إسرائيل بن يونس في السابع والستين من كتاب العلم، ومرّ أبو إسحاق السَّبيعيّ والبراء بن عازب في الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان، والرجل المبهم قيل إنه عباد بن بشر، وقيل عباد بن نَهيك، وأذكر تعريف الاثنين هنا. الأول: عباد بن بشر بن قَيْظيّ الأنصاريّ الأوسيّ، من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، وروى ابن مَنْدَه عن ثُويلة بنت أسْلَم، وكانت من المبايعات، قالت: جاء رجل من بني حارثة يقال له عباد بن بشر بن قيظيّ فقال: إن النبي ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحولوا إليه. ووقع لابن منده أنه من بني النَّبيت، ثم من بني عبد الأشهل، وهو وهَمْ. وعباد بن بشر هذا يلتبس بعباد بن بشر بن وقش الأشهليّ، ويأتي تعريف هذا إن شاء الله تعالى عند ذكره. الثاني: عباد بن نَهيك، بفتح النون وكسر الهاء، الأنصاريّ الخطميّ ذكر ابن عبد البَر أنه هو الذي أخبر قومه بأن القبلة قد حولت. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ في باب الصلاة من الإيمان. وقد مرّ ذكر مواضع إخراجه هناك.

стр. 3050

الحديث الثامن حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذَا أَرَادَ الْفَرِيضَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. قوله: حدثنا مسلم، زاد الأصيلي "ابن إبراهيم" وقوله: حدثنا هشام، زاد الأصيلي "ابن أبي عبد الله" وقوله: على راحلته، أي ناقته التي تصلح لأن تُرْحَل. وقوله: حيث توجهت، زاد ابن عساكر وأبو ذَرٍّ عن الكشميهنيّ "به" والمراد توجه صاحب الراحلة؛ لأنها متابعة لقصد توجهه، وفي حديث ابن عمر عند مسلم وأبي داود والنَّسائيّ "رأيت رسول الله ﷺ يصلي على حمار وهو متوجه لخيبر" وعند أبي داود، والترمذيّ وقال حسن صحيح، من حديث جابر "بعثني النبي ﷺ في حاجة، فجئت وهو يصلّي على راحلته نحو المشرق، السجود أخفض". وقوله: فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة، أي: وصلّى، وهذا يدل على عدم ترك استقبال القبلة في الفريضة، وهو إجماع. نعم رخص في شدة الخوف، كما يأتي محله، وعند المالكية يشترط أن يكون السفر المتنفل فيه على الدابة سفر قصر، ويحكى أيضًا عن بعض الشافعية ولا يشترط الافتتاح إلى القبلة خلافًا لبعض الشافعية، واستحبه ابن حنبل وأبو ثَور، وجوّز أبو يوسف التنفل على الدابة في الحضر. رجاله خمسة: الأول: مسلم بن إبراهيم.

стр. 3051

والثاني: هشام الدّستوائيّ، وقد مرا في السابع والثلاثين من كتاب الإيمان، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من كتاب العلم، ومرّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامريّ، مولاهم أبو عبد الله المدني، ذكره ابن حبّان في الثقات. وقال: إنه مولى الأخنس بن شَرِيق. قال أبو حاتم: هو من التابعين لا يُسأل عن مثله. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ووثقه أبو زرعة والنَّسائيّ. وفي تهذيب التهذيب قال ابن حَزم في الأضاحي: من المحلى خبر محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان والنعمان بن أبي فاطمة بكبش أقرن ضعيف ومرسل، كذا قال. فإن كان ضعف الحديث لإرساله ففي العطف نظر، وإن كان ضعف محمد فليس له في ذلك سلف. قلت: ولأجل هذا لم يذكره ابن حَجَر في مقدمته فيمن طعن عليه من رجال البخاري. روى عن جابر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وزيد بن ثابت وغيرهم. وروى عنه أخوه سليمان ويحيى بن أبي كثير والزُّهريّ ويحيى بن سعيد الأنصاريّ وغيرهم. وليس له في البخاريّ عن جابر غير هذا الحديث، ويشتبه محمد بن عبد الرحمن هذا بمحمد بن عبد الرحمن بن نوفل، لكن هذا لم يخرج له البخاريّ عن جابر شيئًا، بل لم يرو عن أحد من الصحابة. وقد مرّ تعريفه في الثامن والثلاثين من كتاب الغُسل. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين بصريّ ويمانيّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي تقصير الصلاة عن مُعاذ بن فَضالة، وفي المغازي عن آدم، ومسلم وأبو داود، والتِّرمذيّ وقال حسن صحيح، والنَّسائيّ في الصلاة.

стр. 3052

الحديث التاسع حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لاَ أَدْرِي زَادَ أَوْ نَقَصَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا. فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّى الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ". قوله: لا أدري، زاد أو "نقص" أي النبي ﷺ في صلاته، ولابن عساكر "أزاد" بالهمزة، والمراد أن إبراهيم شك في سبب سجود السهو المذكور، هل كان لأجل الزيادة أو النقصان، لكن في الباب الذي بعده من رواة الحكم عن إبراهيم بإسناده هذا أنه صلى خمسًا، وهو يقتضي الجزم بالزيادة، فلعله شك لما حدّث منصورًا وتيقن لما حدّث الحكم، وقد تابع الحكم على ذلك حماد بن أبي سليمان وطلحة بن مصرف وغيرهما. وعين في رواية الحكم وحماد أيضًا أنها الظهر، ووقع للطبرانيّ من رواية طلحة بن مصرف أنها العصر، وما في الصحيح أصح. وقوله: أحَدَث بفتحات، ومعناه السؤال عن حدوث شيء من الوحي يوجب تغيير حكم الصلاة عما عهدوه، ودل استفهامهم عن ذلك على جواز النسخ عندهم، وأنهم كانوا يتوقعونه. وقوله: وما ذاك؟، فيه إشعار بأنه لم يكن عنده

стр. 3053

شعور بما وقع منه من الزيادة. وقوله: صليت كذا وكذا، كناية عمّا وقع إمّا زائد على المعهود أو ناقص عنه، وقوله: فثنى رجله، بتخفيف النون، أي عطف، وبإفراد رجله بأن جلس كهيئة قعود المتشهد، وللكشميهنيّ والأصيلي "رجليه" بالتثنية. وقوله: واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، ومناسبة الحديث للترجمة من قوله هذا "واستقبل القبلة" فدل على عدم ترك الاستقبال في كل حال من أحوال الصلاة، واستدل به على رجوع الإِمام إلى قول المأمومين، لكن يحتمل أن يكون تذكر إذ ذاك، أو علم بالوحي، أو أن سؤالهم أحدث عنده شكًا، فسجد لوجود الشك الذي طرأ، لا لمجرد قولهم. وبالرجوع إلى قول المأمومين قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، ولكن عند مالك لابد أن يكون رجوعه لقول مأمومَيْن عدلَين عند إخبارهما له بالزيادة. وأما النقص فيرجع فيه لكل مخبر، وعند الشافعية لا يرجع المصلي في قدر صلاته إلى قول غيره، إمامًا كان أو مأمومًا، ولا يعمل إلا على يقين نفسه. وأجابوا عن الحديث بما مرّ قريبًا من الاحتمالات، وقد قال الشافعي: معنى قوله: فذكِّروني أي لأتذكر، وقيد مالك وغيره رجوع الإِمام إلى قول المأمومين، بما إذا كان الإِمام مجوزًا لوقوع السهو منه، بخلاف ما إذا كان متحققًا لخلاف ذلك، أخذًا من ترك رجوعه ﵊ لذي اليدين، ورجوعه للصحابة. وفرق بعض المالكية والشافعية بين ما إذا كان المخبرون ممن يحصل العلم بخبرهم فيقبل، ويقدم على ظن الإِمام، أنه كمل الصلاة بخلاف غيرهم، ودل قوله "وسجد سجدتين" على أن سجود السهو سجدتان، وهو قول عامة الفقهاء، فلا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس، خلافًا للأوزاعيّ وابن أبي ليلى، وروى ابن أبي شيبة عن النخعيّ والشعبيّ أن لكل سهو سجدتين، وورد على وفقه حديث ثَوبان عند أحمد، وإسناده منقطع، وحمل على أن معناه أن من سها بأي سهو كان شُرِع له السجود، أي لا يختص بما سجد فيه الشارع. وروى البيهقيّ من حديث عائشة "سجدتا السهو تجزئان من كل زيادة ونقصان". واختلف العلماء في حكم السجدتين، وفي محلهما. فقالت الشافعية

стр. 3054

والمالكية: انه مسنون كله. وعن الحنابلة ... التفصيل بين الواجبات غير الأركان، فيجب لتركها سهوًا وبين السنن القولية فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول، يبطلها عمده، وعن الحنفية واجب كله. وقال الكرخيّ منهم: إنه سنة، وحجتهم في الوجوب حديث ابن مسعود عند المؤلف "فليسجد سجدتين" ومثله لمسلم من حديث أبي سعيد، والأمر للوجوب، وقد ثبت من فعله ﷺ وأفعاله في الصلاة محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب، ولاسيما مع قوله "صلوا كما رأيتموني أصلي". ومحله عند مالك إن كان لنقص محض أو لنقص وزيادة، فهو قبل السلام، وإن كان لزيد محض فهو بعد السلام. وقال أحمد يستعمل كل حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه شيء يسجد قبل السلام. قال: ولولا ما رُوي عن النبي ﷺ في ذلك لرأيته كله قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة، فيفعله قبل السلام. وفي المغني: السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا في الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما بعد السلام، وهما: إذا سلّم من نقص في صلاته، أو تحرّى الإِمام فبنى على غالب ظنه، وما عداهما يسجد له قبل السلام، وبقول مالك: قال أبو ثَور وقال سليمان بن داود وابن المنذر وأبو خيثمة بقول أحمد. وعند الشافعية سجود السهو كله قبل السلام. وعند الحنفية كله قبل السلام. واعتمد الحنفية على حديث الباب، وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلَّا بعد السلام، حين سألوه هل زِيد في الصلاة؟ وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام، لتعذره قبله، لعدم علمه بالسهو، وإنما تابعه الصحابة لتجويزهم الزيادة في الصلاة، لأنه كان زمان توقع النسخ، وأجاب بعضهم بما وقع في حديث ابن مسعود من الزيادة، وهي "وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين" وأجيب بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم، ولفظه "إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى، فليطرح الشك، وليس على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" وبه تمسك الشافعية.

стр. 3055

وجمع بعضهم بينهما بحمل الصورتين على حالتين، وهذا الاستدلال والجواب إنما هو بالنسبة لمذهب الشافعية، وأما مذهب المالكية والحنابلة فلا يرد عليهما شيء مما ذكر. وقال النوويّ: أقوى المذاهب في السجود قول مالك ثم أحمد، وقال غيره: بل طريق أحمد أقوى، وأما داود فجرى على ظاهريته فقال: لا يشرع سجو السهو إلا في المواضع التى سجد فيها النبي ﷺ فقط، ورجح البيهقيّ طريقة التخيير في سجو السهو قبل السلام أو بعده، ونقل الماورديّ وغيره الإجماع على الجواز، وإنما الخلاف في الأفضل، وكذا أطلق النوويّ. وتعقب بأن إمام الحرمين نقل في "النهاية" الخلاف في الإجزاء عن المذهب، واستبعد القول بالجواز، وكذا نقل القرطبيّ الخلاف في مذهبهم، وهو مخالف لما قاله ابن عبد البر من أنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل السلام أو بعده، أنه لا شيء عليه، فيجمع بأن الخلاف بين أصحابه، لا عنه هو. والخلاف عند الحنفية قال القدوريّ: لو سجد للسهو قبل السلام؛ روى عن بعض أصحابنا لا يجوز؛ لأنه أدّاه قبل وقته، وصرح صاحب الهداية بأن الخلاف عندهم في الأولوية، وقال ابن قُدامة في المقنع: من ترك سجود السهو الذي قبل السلام بطلت صلاته إن تعمد، وإلا فيتداركه ما لم يطل الفصل. ويمكن أن يقال الإجماع الذي نقله الماورديّ وغيره قبل هذه الآراء في المذاهب المذكورة. وقال ابن خُزيمة: لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود، يعني المتقدم استدلالهم به؛ لأنهم خالفوه فقالوا: إن جلس المصلي في الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسة، ثم سلّم، وسجد للسهو. وإن لم يجلس في الرابعة لم تصح صلاته، ولم ينقل في حديث ابن مسعود إضافة سادسة، ولا اعادة، ولابد عندهم من أحدهما. قال: ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها. ودل الحديث على أن كلام الناسي والعامد لإصلاح الصلاة لا تبطل الصلاة به، قال أبو عمر: ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الكلام والسلام سهوًا

стр. 3056

في الصلاة لا يبطلها، كقول مالك وأصحابه سواء، وإنما الخلاف بينهما إن مالكًا يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها في إصلاحها، وهو قول ربيعة وأحمد بن حنبل، روى الأثرم عنه أنه قال: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإِصلاحها لم تفسد صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت عليه. وذكر الخرقيّ عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدًا أو ناسيًا بطلت صلاته، إلا الإِمام خاصة، إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل. وقيد عند المالكية الكلام لإصلاحها بأن لا يزيد على خمس كلمات، وبأن لا يفهم بالتسبيح وإلا فسدت. وقال الشافعيّ وأصحابه: إن تعمد الكلام وهو يعلم أنه في الصلاة، وأنه لم يتمها، فسدت صلاته، فإن تكلم ناسيًا، أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لا تبطل. وأجمعوا على أن الكلام عمدًا من عالم أنه في الصلاة غير قاصد لإصلاحها مبطلٌ للصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي من أن من تكلم لإحياء نفسٍ أو نحو ذلك من الأمور العظام لم تفسد صلاته. وأجابت الشافعية عن حديث الباب وحديث ذي اليدين الدالين على أن الكلام لإصلاحها لا يضر، بأنه ﵊ لم يتكلم إلا ناسيًا، وأما قول ذي اليدين له: بلى نسيت، وقول الصحابة له؟ صدق ذو اليدين، فإنهم تكلموا معتقدين النسخ في وقت يمكن وقوعه، فتكلموا ظنًا أنهم ليسوا في صلاة، وهذا فاسد؛ لأنهم كلموه بعد قوله ﵊ "لم تقصر" وأجابوا أيضًا بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومؤوا كما عند أبي داود في رواية ساق مسلم إسنادها. وهذا اعتمده الخطابى وقال: حمل القول على الإشارة مجاز سائغ بخلاف غيره، فينبغي أن ترد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه. قلت: كيف يرد الصريح الذي في الصحيح إلى ما هو أضعف منه؟ وأجابوا أيضًا على ترجيح أنهم نطقوا بأن كلامهم كان جوابًا للنبي ﵊، وجوابه لا يقطع الصلاة، ورُدَّ هذا بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدم قطع الصلاة، وأجيب بأنه ثبتت مخاطبته في التشهد وهو حي بقولهم "السلام عليك أيها النبي" ولم تفسد الصلاة، والظاهر أن ذلك من خصائصه.

стр. 3057

قلت: هم في حالة التشهد، وإن كان اللفظ بصيغة الخطاب، لم يقصدوا خطابه، إذ لو قصدوه لجهروا له به ليُسمعوه. ويدل على ذلك استمراره بعد موته ﵊ في البلاد النائية التي لا يمكن قصد الخطاب منها، بل إنما ورد اللفظ بالخطاب ليلة الإِسراء له ﵊ من رب العزة، واستمر اللفظ على ما ورد عليه. قالوا: ويحتمل أن يقال: ما دام النبي ﷺ يراجع المصلي، فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب، لقول ذي اليدين: بلى قد نسيت، ولم تبطل صلاته. قلت: قول ذي اليدين جواب ليس بخارج عنه. وقالت الحنفية: لا يجوز الكلام في الصلاة إلاّ بالتكبير والتسبيح والتهليل وقراءة القرآن. ولا يجوز أن يتكلم فيها لأجل شيء حدث من الإِمام في الصلاة، والكلام يبطل الصلاة، سواءً كان عامدًا أو ناسيًا أو جاهلًا، وسواءً كان إمامًا أو منفردًا، وهو مذهب إبراهيم النخعيّ وقتادة وحماد بن أبي سليمان وعبد الله بن وهب وابن نافع من أصحاب مالك. واحتجوا في ذلك بحديث معاوية بن الحكم السلميّ، أخرجه مسلم مطولًا، وأخرجه أبو داود والنَّسائيّ، وفيه "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" قالوا: إن هذا نص صريح في تحريم الكلام في الصلاة، سواء كان عامدًا أو ناسيًا، لحاجة أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه إمام ونحوه سبّح إن كان رجلًا، وصفقت إن كانت امرأة. والتصفيق ضرب ظاهر إحدى يديها على باطن الأخرى. وقيل: بأصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى للإنذار. وقالوا: إن حديث ذي اليدين الدال على إباحة الكلام لإصلاح الصلاة كان قبل تحريم الكلام في الصلاة، وهذا مردود لأنه اعتمد قول الزهريّ إنها كانت، أي قصة ذي اليدين، قبل بدر. وهو وهم: أو تعددت القصة لذي الشِّمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي ﷺ . فقد ثبت شهود أبي هريرة للقصة وإسلامه متأخر،

стр. 3058

وشهدها عمران بن حصين، وإسلامه متأخر أيضًا. وروى معاوية بن حُديج، بمهملة وجيم مصغر، قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام ثم البناء، أخرجها أبو داود وابن خزيمة وغيرهما. وكان إسلامه قبل موت النبي ﷺ بشهرين. وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم "ونُهينا عن الكلام" أي إذا وقع سهوًا أو محمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي اليدين. واستدل بالحديث على أن المقدَّر في حديث "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" أي إثمهما وحكمهما، خلافًا لمن قصره على الإثم. وقوله: لنبأتكم به، أي بالحدوث، واللام في "لنبأتكم" لام الجواب، ومفعوله الأول ضمير المخاطبين، والثاني به، وفيه أنه كان يجب عليه تبليغ الأحكام إلى الأمة، ودل على عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقوله: ولكن إنما أنا بشر مثلكم، يعني بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن المخاطبين، لا بالنسبة إلى كل شيء. وقوله: أنسى كما تنسَون، بهمزة مفتوحة وسين مخففة، ومن قيده بضم أوله وتشديد ثالثه لم ينايسب التشبيه، وفي هذا حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع: وإن كان عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي السهو، وهذا الحديث يرد عليهم، لقوله ﷺ فيه "أنسى كما تنسون". وقوله: فإذا نسيت فذكرِّوني، وقوله فيه: إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون، فأثبت العلة قبل الحكم، وقيد الحكم بقوله: إنما أنا بشر، ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا، فقال: كما تنسون، ولكن اتفق من جوز ذلك عليه على أنه لا يُقَرّ عليه، بل يقع له بيان ذلك إما متصلًا بالفعل، أو بعده، كما وقع في حديث ذي اليدين من قوله "لم أنس ولم تقصر" ثم تبين أنه نسي. ومعنى قوله في هذا الحديث "لم أنس" أي في اعتقادي، لا في نفسي الأمر. ويستفاد منه أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين. وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره.

стр. 3059

وأجاب من منع السهو مطلقًا عن حديث ذي اليدين بأجوبة، فقيل: قوله "لم أنس" نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرَّق بينهما، والتفرقة بينهما مردودة، ويكفي من ردها إضافته ﷺ النسيان لنفسه في قوله "أنسى" وإقراره للصحابيّ في قوله "بلى قد نسيت". وقيل: قوله "لم أنس" على ظاهره وحقيقته، وكان يتعمد ما يقع منه من ذلك، ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول، وتعقب هذا بحديث ابن مسعود في الباب، ففيه "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون" فأثبت العلة قبل الحكم ... إلخ ما مرَّ قريبًا. وبهذا الحديث يرد قول من قال: معنى قوله "لم أنس" إنكار اللفظ الذي نفاه عن نفسه، حيث قال "إني لا أنسى ولكن أُنَسَّى" وإنكار اللفظ الذي أنكره على غيره، حيث قال: "بئسما لأحدكم أن يقول نسيتُ آية كذا وكذا" وتعقب هذا بأن حديث "إني لا أنسى ولكن أُنَسَّى" من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد. قاله في الفتح. قلت: البلاغات التي لم توصل أربعة لم يصلها ابن عبد البر، ووصل جميع ما في الموطأ من البلاغات سواها, ولكن وصلها ابن الصلاح في تأليف مستقل، كما ذكره صالح العمريّ الفِلاَّني في حواشيه على ألفية السيوطي في مصطلح الحديث. ثم قال: وأما الآخر، فلا يلزم من ذم إضافته نسيان الآية ذمَّ إضافة نسيان كل شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدًا. وقيل: إن قوله "لم أنس" راجع إلى السلام، أي سلمت قصدًا بانيًا على ما في اعتقادي أني صليت أربعًا، وهذا جيد، وكأنَّ ذا اليدين فهم العموم فقال: بلى قد نسيت، وكان هذا القول أوقع شكًا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين، وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كونُ ذي اليدين عدلًا، ولم يقبل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول مغايرٍ لما في اعتقاده. وقوله: وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه. ولمسلم "فأيكم شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب" وفي روايته له "فليتحرَّ

стр. 3060

أقرب ذلك إلى الصواب" وفي رواية له "فليتحر الذي يرى أنه الصواب" زاد ابن حبَّان "فليتم عليه" واختلف في المراد بالتحري فعند المالكية والشافعية هو البناء على اليقين لا على الأغلب, لأن الصلاة في الذمة بيقين، فلا تسقط إلاّ بيقين، ويفسر التحري المذكور هنا حديث أبي سعيد عند مسلم بلفظ "وإذا لم يدر أصلّى ثلاثًا أو أربعًا فليطرح الشك، ولْيَبْنِ على ما استيقن" وفي جامع سفيان عن ابن عمر قال "إذا شك أحدكم في صلاته فليتوخَّ حتى يعلم أنه قد أتم". وقالت الحنفية: التحري هو الأخذ بغالب الظن، ولا يلزمه الاقتصار على الأقل إلا إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء، فإنه يبني حينئذ على الأقل. قال أبو حنيفة: إن طرأ شك أولًا استأنف، وإن كثر بني على غالب ظنه، وإلاّ فعلى اليقين، وما ذهبوا إليه هو ظاهر الروايات التي عند مسلم. وعن أحمد في المشهور: التحري يتعلق بالإمام، فهو الذي يبني على ما غلب على ظنه، وأما المنفرد فيبني على اليقين دائمًا، وعن أحمد رواية أخرى كالشافعية، وأخرى كالحنفية. وحكى الأثرم عن أحمد في معنى قوله ﷺ "لا غرار في صلاة" قال: أن لا يخرج منها إلا على يقين، وهذا يقوّي ما ذهبت إليه المالكية. ونقل النوويّ أن الجمهور معهما، وأنّ التحري هو القصد. قال تعالى ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]. وقال ابن حبّان في صحيحه: البناء غير التحري، فالبناء أن يشك في الثلاث أو الأربع مثلًا، فعليه أن يلغي الشك، والتحري أن يشك في صلاته فلا يدري ما صلى، فعليه أن يبني على الأغلب عنده. وقال غيره: التحري لمن اعتراه الشك مرة بعد أخرى، فيبنى على غلبة ظنه، وبه قال مالك وأحمد. وأبعد من زعم أن التحري في الخبر مُدْرَج من كلام ابن مسعود، أو ممن دونه، لتفرد منصور بذلك عن إبراهيم دون رفقته, لأن الإدراج لا يثبت بالاحتمال. وقوله: ثم يسلم ثم يسجد سجدتين، أي لا واحدة. كالتلاوة، وعبر بلفظ الخبر في هذين الفعلين، وبلفظ الأمر في السابقين، وهما فليتحرَّ، وليتمَّ،

стр. 3061

لأنهما كانا ثابتين يومئذ، بخلاف التحري والإتمام، فإنهما ثبتا بهذا الأمر. ولأبي ذَرٍّ "يُسَلّم" بغير لام، وللأصيلي "وليسجد" بلام الأمر. واستدل بالحديث على من صلى خمسًا ساهيًا ولم يجلس في الرابعة أن صلاته لا تفسد، خلافًا للحنفية والكوفيين. وقولهم على أنه قعد في الرابعة يحتاج إلى دليل. والسياق يرشد إلى خلافه. ودل أيضًا على أن الزيادة في الصلاة سهوًا لا تبطلها، وقيدته المالكية بما إذا لم يزد عليها مثلها في الرباعية والثنائية الأصلية، وإلا بطلت. وأما الثلاثية فلا يبطلها إلا زيادة أربع، وصلاة القصر لا تبطل إلا بست. ودل أيضًا على أن مَنْ لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام يسجد لسهوه. وهذا دليل عند الشافعية القائلين بأن السجود كله قَبْليّ. وأما عندنا معاشر المالكية، فالسجود في محله، فإن طال الفصل فالأصح عند الشافعية أنه يفوت محله، وعند المالكية البعديُّ لا يفوت تداركه ولو بعد سنة. والقبلي يفوت بالطول، وهو الخروج من المسجد لمن خرج، وبالعُرف لمن لم يخرج منه. واختلفت الشافعية في قدر الطول المانع من البناء، فعند الشافعي في الأم بالعُرف، وقال البويطيّ: قدر ركعة، وعن أبي هريرة قدر الصلاة التي يقع السهو فيها. رجاله ستة: الأول: عثمان بن أبي شيبة، وقد مرَّ هو وجرير بن عبد الحميد ومنصور بن المعتمر في الثاني عشر من كتاب العلم، ومرَّ إبراهيم بن يزيد النخعيّ وعلقمة بن قيس في الخامس والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ عبد الله بن مسعود في الأثر الثالث من كتاب الإيمان، قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: التحديث فيه بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه القول، ورواته كلهم كوفيون، وأئمة أجِلاّء, وإسناده من أصح الأسانيد. أخرجه البخاريّ هنا وفي النذر عن إسحاق، ومسلم والنَّسائيّ وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 3062

باب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة أي هذا باب في بيان ما جاء في أمر القبلة، وهو بخلاف ما تقدم قبل الباب، فإن ذلك في حكم التوجه إلى القبلة، وهذا في حكم من سها فصلى إلى غير القبلة، وأصل هذه المسألة في المجتهد في القبلة إذا صلى به فتبين الخطأ في الجهة في الوقت أو بعده. فقال أبو حنيفة وإبراهيم النخعيّ والثوريّ: لا يجب عليه القضاء، وكذلك قال مالك، إلا أنه تندب عنده الإعادة في الوقت؛ لأن جهة تحريه هي التي خوطب باستقبالها حالة الاشتباه، فأتى بالواجب عليه، فلا تجب عليه الإعادة. وقال الشافعيّ: يعيد إذا تبين الخطأ. وقال أبو الحسن المراديّ من الحنابلة في "تنقيح المقنع" ومن صلى بالاجتهاد سفرًا فأخطأ لم يُعد، فإن تبين الخطأ في الصلاة وجب استئنافها عند الشافعية والمالكية إذا كان الانحراف كثيرًا بأنْ استدبر القبلة وكان بصيرًا، وإن كان أعمى مطلقًا أو بصيرًا منحرفًا يسيرًا استدار إلى القبلة ويستدير إلى القبلة ويبني على ما مضى عند الحنفية، وهو قول للشافعية, لأن أهل قُباء لما بلغهم نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة استداروا في الصلاة إليها. واستدل من لم يوجب الإعادة بما رواه الترمذيّ وابن ماجه عن عامر بن ربيعة قال: "كنا في سفر مع النبي ﷺ ، فغيمت السماء، وأشكلت علينا القبلة، فصلينا وأعلمنا، فلما طلعت الشمس إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ". وروى البيهقيّ في المعرفة عن جابر أنهم صلوا في ليلة مظلمة كل رجل منهم على حياله، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "مضت صلاتكم" ونزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] لكن قال التِّرمذيّ في حديثه: إسناده ليس بذاك. وقال البيهقيّ: حديث جابر ضعيف، وأخرج الحاكم حديث التِّرمذيّ وصححه.

стр. 3063

ثم قال: وقد سلم النبي ﷺ في ركعتي الظهر، وأقبل على الناس بوجهه ثم أتم ما بقي. ومناسبة التعليق للترجمة من جهة أن بناءه على الصلاة دال على أنه في حال استدباره القبلة كان في حكم المصلى، ويؤخذ منه أن من ترك الاستقبال ساهيًا لا تبطل صلاته، والتعليق طرف من حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين، وهو موصول في الصحيحين من طرق، لكن قوله "وأقبل على الناس" ليس في الصحيحين بهذا اللفظ، لكنه موصول في الموطأ عن أبي هُريرة، ووهم ابن التين تبعًا لابن بطّال حيث جزم بأنه طرف من حديث ابن مسعود الماضي, لأن حديث ابن مسعود ليس في شيء من طرقه أنه سلّم من ركعتين. وفيه جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا. وقال سُحْنون: إنما يبني من سلّم من ركعتين كما في قصة ذي اليدين, لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر فيه على مورد النص، وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشي، فيمنعه في الصبح مثلًا، والذين قالوا بالبناء مطلقًا قيدوه بما إذا لم يطل، وقد مر حده عند المالكية والشافعية في الحديث السابق.

стр. 3064

الحديث العاشر حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وَآيَةُ الْحِجَابِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ. فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قوله: وافقت ربي في ثلاث، أي ثلاث قضايا أو ثلائة أمور، ولم يؤنث ثلاثًا بالتاء مع أن الأمر مذكر, لأن التمييز إذا لم يذكر يجوز في لفظ العدد التذكير والتأنيث، والمعنى: وافقني ربي فأنزل القرآن على وفق ما رأيت، لكن لرعاية الأدب أسند الموافقة إلى نفسه، أو أشار به إلى حدث رأيه وقدم الحكم. وقال صاحب "اللامع" لا يحتاج إلى ذلك, لأن من وافقك فقد وافقته. قلت: الأمر كذلك، ولكن الطارىء العلم، والكلام هو الذي حصلت منه الموافقة، وليس في تخصيصه العدد ما ينفي الزيادة عليها, لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه، وقف على خمسة عشر منها بالتعيين، من مشهورها قصة أُسارى بدر، حيث كان رأيه أن لا يُفدون، فنزل ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧] ومنها في منع الصلاة على المنافقين، فنزل ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] وهما في الصحيح ومنها ما رواه أبو داود في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:

стр. 3065

١٢] إلى قوله ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] قال: وافقت ربي، فقلت أنا: تبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت كذلك. ومنها في تحريم الخمر، ومنها في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها لما قال أهل الإفك ما قالوا، فقلت: يا رسول الله، من زوجكها؟ فقال: الله تعالى، فقلت: أفتنظر أنّ ربك دلّس عليك فيها ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فأنزل الله ذلك. وصحح الترمذي من حديث ابن عمر ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه وقال فيه عمر رضي الله تعالى عنه، إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر. وقوله: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، يجوز أن يكون لو للتمني، فلا يحتاج إلى جواب، ويحتمل أن يكون للشرط محذوف الجواب، أي لكان صوابًا، أو نحو ذلك، وقيل هي لو المصدرية، أغنت عن فعل التمني. قال ابن الجوزي: إنما طلب عمر الاستنان بإبراهيم ﵇ مع النهي عن النظر في كتاب التورية، لأنه سمع قول الله تعالى في حق إبراهيم ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] وقوله تعالى ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] فعلم أن الائتمام بإبراهيم من هذه الشريعة، ولكون البيت مضافًا إليه، وأن أثر قدميه في المقام كرقم الباني في البناء، ليذكر به بعد موته، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه، وهي مناسبة لطيفة. وقد استوفي الكلام على مقام إبراهيم في باب قوله ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقوله: وآية الحجاب، برفع آية على الابتداء والخبر محذوف، أي كذلك، أو على العطف على مقدر، أي هو اتخاذ مصلى، وآية الحجاب، أو بالنصب على الاختصاص، أو بالجر عطفًا على مقدر بدل قوله "ثلاث" أي اتخاذ مصلى من مقام إبراهيم. وقوله: لو أمرت نساءك أنْ يحتجبن فإنه يكلمهن البَرّ والفاجر، بفتح الباء، أي الطائع والعاصي. وقوله: فنزلت آية الحجاب، وهي قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] وفي البخاري في سورة الأحزاب، فأنزل الله آية الحجاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] إلى قوله ﴿مِنْ وَرَاءِ

стр. 3066

حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهذا هو الأَوْلى، وذكر هنا أن سبب نزول آية الحجاب كلام عمر، وأخرج في الأحزاب عن أنس أن سبب نزولها الذين جلسوا يتحدثون يوم وليمة زينب بعد خروج الناس، وتكرر خروج النبي ﷺ ودخوله، ولم يخرجوا إلا بعد بطء، وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: دخل رجل على النبي ﷺ فأطال الجلوس، فخرج ﵊ ثلاث مرات ليخرج، فلم يفعل، فدخل عمر فرأى الكراهية في وجهه، فقال للرجل: لعلك آذيت النبي ﷺ ؟ فقال النبي ﵊: لقد قمت ثلاثًا لكي يتبعني فلم يفعل. فقال له عمر: يا رسول الله، لو اتخذت حجابًا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهن، فنزلت آية الحجاب. وهذا الحديث يجمع بين السببين المذكورين، فيكون هذا الرجل الذي أطال الجلوس في وليمة زينب ودخل عليه عمر، وقال ما قال. ولم يذكر أنس في حديثه دخول عمر على الرجل المطيل للجلوس، وإذا لم يحصل هذا الجمع فحديث أنس المباشر أرجح من الذي رواه عن عمر. قال عياض: فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهنّ بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك لا في شهادة ولا في غيرها, ولا إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. واستدل بما في الموطأ أن حفصة، لما توفي عمر، سترها النساء عن أن يُرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القُبة فوق نَعشها. قال في الفتح: وليس فيما ذكره دليلٌ على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كنّ بعد النبيّ ﷺ يحججن ويطفن، وكان الصحابة، ومن بعدهم، يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص. وقد أخرج في الحج قول ابن جُريج لعطاء، لما ذكر له طواف عائشة "أَقَبْل الحجاب أو بعده؟ " قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب. وقد ورد لنزول الحجاب سبب أخرجه النَّسائيّ عن عائشة بلفظ "كنت آكل مع النبي ﷺ حَيْسًا في قَعْب، فمر عمر فدعاه، فأكل، فأصاب أصبعه أصبعي

стр. 3067

فقال: حَسّ أو أَوْهِ، لو أطاعَ فيكنَّ ما رأتكنَّ عين، فنزلت آية الحجاب. ولا مانع من تعدد الأسباب، وهو الظاهر من الأحاديث المذكورة. وقوله: واجتمع نساء النبي ﷺ في الغَيْرة عليه، وهي بفتح الغين المعجمة وسكون التحتانية. قال عياض: هي مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين. وقيل المغيرة في الأصل الحميَّة والأنفة، وهو تصير بلازم التغير، فيرجع إلى الغضب. وقوله: أزواجًا خيرًا منكن، ليس فيه دليل على أن في النساء من هو خير منهن؛ لأن المعَلق بما لم يقع لا يجب وقوعه، فالآية واردة في الإخبار عن القدرة لا عن الكون في الوقت, لأن الله تعالى قال ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، وقد علم أنه لا يطلقهن، واختلف في سبب اجتماعهن في المغيرة، فقيل: قصة شرابه عند حفصة أو زينب بنت جحش، كما أخرجه البخاريّ في كل واحدة منهما، وقيل: السبب مواقعته لماريّة كما أخرجه ابن إسحاق. وأخرج ابن مردويه ما يجمع القولين. ففيه أن حفصة أهديت لها عُكّة فيها عَسَل، وكان رسول الله ﷺ إذا دخل عليها حبسته حتى تُلْعِقه أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشية، يقال لها خضراء: إذا دخل على حفصة فانظري ما يصنع، فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها فقالت: إذا دخل عليكن فقلن: انا نجد منك ريح مغافير. فقال: هو عسل، فوالله لا أطعمه أبدًا، فلما كان يوم حفصة، استأذنته أن تأتي أباها، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعت فوجدت الباب مغلقًا، فخرج ووجهه يقطر وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أشهدك أنها عليّ حرام. انظري، لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندك أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله ﷺ قد حرم أَمته، فنزلت. وعند ابن سعد عن ابن عباس "خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول الله بجاريته القبطية بيت حفصة، فجاءت فرقبته حتى خرجت الجارية،

стр. 3068

فقالت له: أما إني قد رأيت ما صنعت. قال: فكتمي عليّ، وهي عليّ حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها، فقالت له عائشة: أما يومي فتُعرس فيه بالقِبطية ويسلم لنسائك سائر أيامهن؟ فنزلت الآية. وجاء في ذلك قول ثالث أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ بيتها، فوجدت معه مارية، فقال: لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة أن أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر إذا أنا متّ، فذهبت إلى عائشة فأخبرتها، فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يحرم مارية، وحرمها، ثم جاء إلى حفصة فقال: أمرتك أن لا تخبري عائشة، فأخبرتها فعاتبها, ولم يعاتبها على أمر الخلافة، ولهذا قال الله تعالى ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]. وجاء في سبب غضبه منهن وحلفه أن لا يدخل عليهن شهرًا، ما أخرجه ابن سعد عن عمرة عن عائشة قالت: أهديت لرسول الله ﷺ هَدية، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرة أخرى فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أقمات وجهك؛ ترد عليك الهدية؟ فقال: "لأنتنَّ أهون على الله من أن تقمئنني، لا أدخل عليكن شهرًا". وفي رواية عُروة عنها "ذبحٍ ذبحًا فقسمه بين نسائه، فأرسل إلى زينب نصيبها، فردته، فقال: زيدوها ثلاثًا، كل ذلك ترده"، فذكر نحوه. وفيه قول آخر أخرجه مسلم عن جابر قال: "جاء أبو بكر والناس جلوس بباب النبي ﷺ ، لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر، فدخل ثم جاء عمر، فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا وحوله نساؤه .... " فذكر الحديث، وفيه "هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة" فقام أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهن شهرًا، فنزلت آية التخيير. والراجح من الأقوال كلها قصة مارية لاختصاص عائشة وحفصة بها، بخلاف العسل، فإنه اجتمع فيه جماعة منهن كما سيأتي إن شاء الله تعالى،

стр. 3069

ويحتمل أن يكون مجموع هذه الأشياء سببًا لاعتزالهن، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه ﷺ ، وسعة صدره وكثرة صفحه، وإن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجبه منهن، ﷺ ، ورضي عنهن. ويؤيد هذا شمول الحلف للجميع، ولو كان مثلًا في قصة مارية لاختص بحفصة وعائشة، وقد وقع التصريح بأن آية التخيير نزلت بعد فراغ الشهر الذي اعتزلهن فيه جميعًا، فقد أخرج الطبريّ والطحاويّ عن عائشة قالت "لما نزل النبي ﷺ إلى نسائه أمران يخيرهن ... " الحديث. وأخرج مسلم عن ابن عباس عن عمر قال: "لما اعتزل النبي ﷺ نساءه دخلت المسجد .. " الحديث بطوله. وفي آخره قال: وأنزل الله آية التخيير. وهذا المنزع قد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب التناوب في العلم فهو هنا مكرر. قال بعض العلماء: كان اللائق إيراد هذا الحديث في الباب الماضي، وهو قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] والجواب أنه عدل عنه إلى حديث ابن عمر للتنصيص فيه على وقوع الصلاة خلف المقام من فعل النبي ﷺ ، بخلاف حديث عمر هذا، فليس فيه التصريح بذلك، ومناسبة الحديث للترجمة هي كما قال الكرمانيّ، أن المراد من الترجمة في القبلة وما يتعلق بها، فأما على قول من فسر مقام إبراهيم بالكعبة، فظاهر، أو بالحرم كله "فمِنْ" في قوله ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ للتبعيض، ومصلى أي قبلة، أو بالحجر الذي وقف عليه إبراهيم، وهو الأظهر، فيكون تعلقه بالمتعلق بالقبلة لا بنفس القبلة. وقال ابن رشيد الذي يظهر لي أن تعلق الحديث بالترجمة الإشارة إلى موضع الاجتهاد في القبلة, لأن عمر اجتهد في أن اختار أن يكون المصلى إلى مقام إبراهيم الذي هو في وجه الكعبة، فاختار إحدى جهات القبلة بالاجتهاد، وحصلت موافقته على ذلك، فدل على تصويب اجتهاد المجتهد إذا بذل وسعه. قال في الفتح: ولا يخفى ما فيه. رجاله أربعة: الأول: عمرو بن عون بن أوس بن الجَعْد، أبو عثمان الواسطيّ البزّاز،

стр. 3070

الحافظ مولى أبي العَجفاء السلميّ، سكن البصرة. قال يحيى بن مَعين: حدثنا عمرو بن عون وأطنب في الثناء عليه. وقال العجلى: ثقة، وكان رجلًا صالحًا. وقال يزيد بن هارون: عمرو بن عون ممن يزداد كل يوم خيرًا. وقال أبو زرعة: قَلَّ من رأيت أثبت منه. وقال أبو حاتم: ثقة حجة، وكان يحفظ حديثه. وذكره ابن حبّان في الثقات وفي الزهرة. روى عنه البخاريُّ أحد عشر حديثًا، روى عن الحمّادين وهُشيم وشريك وأبي عَوانة ووكيع وابن أبي زائدة وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وأبو داود، وروى البخاريّ أيضًا والباقون له بواسطة، ويحيى بن مَعين وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وغيرهم. مات سنة خمس وعشرين ومئتين، وليس في الستة عمرو بن عون سواه. والثاني: هُشيم بن بشير، وقد مر في الثاني من كتاب التيمم، ومر حميد الطويل في الثاني والأربعين من كتاب الإيمان، ومر أنس بن مالك في السادس منه، ومر عمر بن الخطاب في الأول من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه القول، ورواته ما بين واسطيّ وبصريّ. وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي التفسير مرتين عن عمرو بن عون ومسدد، والتِّرمذيّ والنَّسائيّ في التفسير، وابن ماجه في الصلاة. ثم قال: وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب قال: حدثني حميد قال: سمعت أنسًا بهذا. وفائدة إيراد هذا الإِسناد وما فيه من التصريح بسماع حُميد من أنس، فأمن من تدليسه. وقوله: بهذا، إسنادًا ومتنًا، فهو من رواية أنس عن عمر، لا من روايته عن النبي ﷺ . وتعقب بعضهم تلك الفائدة بان يحيى بن أيوب لم يحتج له البخاريّ وإنْ خرج له في المتابعات. والجواب أن هذا من جملة المتابعات، ولم ينفرد يحيى بن أيوب بالتصريح المذكور، فقد أخرجه الإسماعيلي من رواية أبي يوسف القاضي عن أبي الربيع الزهراني عن هشيم، أخبرنا حميد حدثنا أنس.

стр. 3071

رجاله أربعة: وابن أبي مريم قد مرَّ في الرابع والأربعين من كتاب العلم، ومرَّ حميد في الثاني والأربعين من كتاب الإيمان, ومرَّ أنس بن مالك في السادس منه، ويحيى بن أيوب يحتمل أن يكون المقابريّ، وقد مرَّ في التعليق الثاني بعد الحديث الثاني من أبواب استقبال القبلة، وهذا هو الظاهر, لأن هذا مثل التعليق المار عنه. وقال العينيّ: يحيى بن أيوب الغافقي أبو العباس المصريّ قال أحمد: سيء الحفظ، وهو دون حَيْوة وسعيد بن أيوب، وقال ابن مَعين: صالح، وقال مَرة: ثقة، وقال أبو حاتم: هو أحب اليّ من أبي الموالي، ومحله الصدق، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال أبو داود: صالح. وقال النَّسائيّ: لا بأس به. وقال مَرة: ليس بالقوي. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن يونس: كان أحد طَلاّبي العلم في الآفاق، وحدث عنه الغرباء أحاديث ليست عند أهل مصر. وقال ابن سعد: منكر الحديث، وقال الدارقطنيّ: في بعض حديثه اضطراب. وقال يعقوب بن سفيان: كان ثقةً حافظًا. وقال الإسماعيليّ: لا يحتج به، وقال ابن شاهين في الثقات: له أشياء يخالف فيها، وقال أحمد بن صالح: كان يحيى بن أيوب من وجوه أهل البصرة، وربما خل في حفظه. وقال إبراهيم الحربيّ: ثقة. وقال الساجيّ: صدوق يهم. كان أحمد يقول: يحيى بن أيوب يخطىء خطأ كثيرًا. وقال الحاكم: أبو أحمد إذا حدث من حفظه يخطىء، وما حدث من كتاب فليس به بأس. وذكره العقيليّ في الضعفاء وقال ابن عدي: لا أرى في حديثه، إذا حدّث عن ثقة، حديثًا منكرًا، وهو عندي صدوق لا بأس به. قال ابن حجر في مقدمته: استشهد به البخاري في عدة أحاديث من روايته عن حُميد الطويل، ما له عنده غيرها، سوى حديثه عن يزيد بن أبي حبيب في صفة الصلاة بمتابعة الليث وغيره، واحتج به الباقون. روى عن حُميد الطويل ويحيى بن سعيد

стр. 3072

الأنصاريّ وعبد الله بن دينار وبكير بن الأشج وابن جُرَيج ومالك بن أنس وخلق وروى عنه شيخه ابن جُريج والليث وهو من أقرانه، وجرير بن حازم وابن وهب وابن المبارك وأشهب وزيد بن الحباب وسعيد بن أبي مريم وخلق. مات سنة ثمان وستين ومئة. والغافقيّ في نسبه نسبة إلى غافق، كصاحب، وهو أبو قبيلة من الأَزد، وهو ابن الشاهد بن عَك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد، وإليهم ينسب الحصين. ولهم خطة بمصر أيضًا. ويقال: بل هو غافق بن الحارث بن عك بن عدنان، وغافق أيضًا حصن بالأندلس من أعمال فحْص البلوط، بينه وبين قرطبة مرحلتان. وقيل: إنه قصبة من رُستاق أُسقُفة بالأندلس، وهو أيضًا قصر قرب طرابلس الغرب.

стр. 3073

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. قوله: بينا الناس بقباء، بالمد والصرف وهو الأشهر، ويجوز فيه القصر، وعدم الصرف، وهو يذكر ويؤنث، موضعٌ معروف ظاهرَ المدينة. والمراد هنا مسجد أهل قباء. ففيه مجاز الحذف، واللام في الناس للعهد الذهنيّ، والمراد أهل قباء ومن حضر معهم وقوله: في صلاة الصبح، ولمسلم "في صلاة الغَداة" وهو أحد أسمائها، وقد نقل بعضهم كراهية تسميتها بذلك. وقوله: قد أنزل عليه الليلة قرآن، فيه إطلاق الليلة على بعض اليوم الماضي، والليلة التي تليه، مجازًا، والتنكير في قوله " قرآن" لإرادة البعضية، والمراد قوله تعالي ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وفي رواية الأصيليّ "القرآن" بأل التي للعهد، والمراد الآية المذكورة. وقوله: وقد أمر فيه أن ما يؤمر به النبي ﷺ يلزم أمته، وأن أفعاله يؤتسى بها كأقواله حتى يقوم دليل الخصوص. وقوله: فاستقبَلوها، أي بفتح الموحدة عند الجمهور، على أنه فعل ماض، أي فتحولوا إلى جهة الكعبة. وقوله: وكانت وجوههم إلى الشام، تفسير من الراوي للتحول المذكور، والضمير في "فاستقبلوها" بكسر الباء بصيغة الأمر لأهل قباء، ويؤيد رواية الكسر ما عند المصنف في التفسير بلفظ "وقد أمر أن يُسْتقبل القبلة، ألا فأستقبلوها". فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر, لأنه بقية الخبر الذي قبله، وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة غاية الاستيفاء عند ذكر

стр. 3074

حديث البراء المماثل له، في باب الصلاة من الإيمان من كتاب الإيمان. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الله ابن دينار في الثاني من كتاب الإيمان، ومرَّ ابن عمر في الأثر الرابع منه قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك والعنعنة في موضعين، وفيه القول: ورجاله أئمة مشهورون. أخرجه البخاريّ هنا وفي التفسير عن يحيى بن قَزَعة، وفي خبر الواحد عن إسماعيل بن أبي أويس، ومسلم في الصلاة، والنَّسائيّ فيها وفي التفسير.

стр. 3075

الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ خَمْسًا فَقَالُوا: أَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. قد مرَّ هذا الحديث في الباب الذي قبله، ومرَّ الكلام عليه مستوفى غاية الاستيفاء، وتعلقه بالترجمة من قوله: قال وما ذاك؟ أي ما سبب هذا السؤال، وكان في تلك الحالة غير مستقبل القبلة سهوًا كما يظهرُ في الرواية الماضية من قوله: فثنى رجله واستقبل القبلة. رجاله سبعة: الأول: مسدد، وقد مرَّ هو ويحيى القطّان في السادس من كتاب الإيمان, ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ إبراهيم بن يزيد وعلقمة بن قيس في الخامس والعشرين منه، ومرَّ عبد الله بن مسعود في الأثر الثالث منه. قبل ذكر حديث منه. ومرَّ الحكم بن عُتيبة في الثامن والخمسين من كتاب العلم، وهذا الحديث مضى عن قريب. ثم قال المصنف: أبواب المساجد: باب حك البزاق باليد من المسجد لما فرغ المؤلف من بيان أحكام القبلة شرع في بيان أحكام المساجد، فقال: باب ... إلخ، والبُزاق، بالزاي وبالصاد والسين. وقوله: حَكّ أي سواء كان بآلة أم لا، ونازع الإسماعيلي في ذلك فقال: قوله في الحديث "فحكه

стр. 3076

بيده" أي تولى ذلك بنفسه لا أنه باشر بيده النخامة. ويؤيد ذلك الحديث الآخر "أنه حكها بعُرجون" أخرجه أبو داود عن جابر، والمصنف مشى على ما يحتمله اللفظ، مع أنه لا مانع في القصة من التعدد.

стр. 3077

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ". ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: "أَوْ يَفْعَلْ هَكَذَا". قوله: عن أنس، في جميع الطرق بالعنعنة، لكن أخرجه عبد الرزاق فصرح بسماع حميد من أنس فأمن تدليسه. وقوله: نخامة، قيل هي ما يخرج من الصدر، وقيل النخاعة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس. وقوله: في القبلة، أي الحائط الذي من جهة القبلة. وقوله: حتى رؤي، أي شوهد في وجهه أثر المشقة. وللكشميهنيّ "حتى رِيء" بكسر الراء وسكون الياء. وللنَّسائيّ "فغضب حتى احمر وجهه". وللمصنف في الأدب "فتغيَّظ على أهل المسجد". وقوله: في صلاته، أي بعد شروعه فيها. وقوله: يناجي ربه، أي من جهة مساررته بالقرآن والأذكار، فالمناجاة من قبل العبد حقيقة النجوى، ومن قِبَل الرب لازم ذلك، فيكون مجازًا, لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة، إذ لا كلام محسوس إلا من جهة العبد، والمعنى إقباله عليه بالرحمة والرضوان. وقوله: أو أنَّ ربه بينه وبين القبلة، كذا بالشك للأكثر، وفي الرواية الآتية بعد خمسة كذلك بالشك، وللحموي والمستملي "وإن ربه" بواو العطف، والمعنى كما قال الخطابيّ: هو أن توجهه إلى القبلة مفضل بالقصد منه إلى ربه، فصار

стр. 3078

في التقدير: كان مقصوده بينه وبين قبلته. وقيل هو على حذف مضاف، أي عظمة الله أو ثواب الله. وقال ابن عبد البر: هو كلام خرج على التعظيم لشان القبلة. وقد نزع به بعض المعتزلة القائلين بأن الله في كل مكان، وهو جهل واضح, لأن في الحديث أنه بزق تحت قدمه، وفيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته، فما تُؤول به هذا جاز أن يؤول به ذلك، وهذا التعليل يدل على أن البزاق في القبلة حرام، سواء كان في المسجد أم لا, ولاسيما من المصلّي، فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل في للتنزيه أو للتحريم. وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبّان عن حُذيفة مرفوعًا "من تَفَلَ تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه" وفي رواية لابن خزيمة عن ابن عمر مرفوعًا "يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه" ولأبي داود وابن حبّان عن السائب بن خَلاّد "أن رجلًا أمَّ قومًا فبصق في القبلة، فلما فرغ قال رسول الله ﷺ : لا يصلي لكم" فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم، فمنعوه، وأخبروه بقول النبي ﷺ ، فذكر ذلك للنبي ﵊ فقال: نعم، وحسبت أنه قال: إنك آذيت الله ورسوله. وفي رواية مسلم "ما بال أحدكم يقوم يستقبل ربه ، فيتنخع أمامه؟ أيحب أن يُسْتَقبل فيتنخَّعُ في وجهه؟ ... " الحديث. وقوله: فلا يبزقنَّ بنون التوكيد الثقيلة، وللأصيليّ "فلا يبزق" وقوله: قِبَل قبلته، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي جهة قبلته. وقوله: أو تحت قدمه، بالإفراد، أي اليسرى كما في حديث أبي هريرة في الباب الذي بعده. وزاد أيضًا من طريق همّام عن أبي هريرة "فيدفنها" كما يأتي بعد أربعة أبواب. وقوله: ثم أخذ طرف ردائه ... إلخ، فيه البيان بالفعل، ليكون أوقع في نفس السامع. وظاهر قوله "أو يفعل هكذا" أنه غير بين ما ذكر، لكن يأتي بعد خمسة أبواب أن المصنف حمل هذا الأخير على ما إذا بدره البزاق، وعلى هذا فالحديث للتنويع.

стр. 3079

رجاله أربعة: الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الثاني والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين منه، ومرَّ حُميد الطويل في الثاني والأربعين منه، ومرَّ أنس بن مالك في السادس منه. أخرجه البخاري هنا وفي باب "كفارة البزاق في المسجد" وفي باب "إذا بدره البزاق" وفي باب "لا يبصق عن يمينه في الصلاة" وفي باب "فليبصق عن يساره" وفي باب "ما يجوز من البزاق" وفي باب "المصلي يناجي ربه" وأخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيّ.

стр. 3080

الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى". قوله: رأى بصاقًا في جدار القبلة، وللمستملي "في جدار المسجد" وللمصنف في آخر الصلاة عن نافع "في قبلة المسجد" وزاد فيه "ثم نزل وحكها بيده" وهو مطابق للترجمة، وفيه إشعار بأنه كان في الخطبة، وصرح الإسماعيليّ بذلك في روايته، وزاد فيها "قال: وأحسبه دعا بزعفران فلطخه به" زاد عبد الرزاق عن أيوب "فلذلك صنع الزعفران في المساجد". وقوله: فإن الله قبل وجهه، يقال فيه ما قيل في قوله في الذي قبله: بينه وبين القبلة. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني مالك، وقد مرا في الثاني من بدء الوحي، ومرّ نافع مولى ابن عمر في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان, قبل ذكر حديث منه. وهذا الحديث أخرجه البخاريّ أيضًا في الأدب، ومسلم والنَّسائيّ.

стр. 3081

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ مُخَاطًا أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ. قوله: مخاطًا أو بصاقًا أو نخامة فحكه، هو كذا في الموطأ بالشك، وللإسماعيليّ عن مالك "أو نخاعًا" بدل مخاطًا، وقد مرَّ الفرق بينهما قريبًا. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، والإمام مالك، وهشام بن عروة، وأبوه عروة وعائشة أم المؤمنين، وقد مروا في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب حك المخاط بالحصى من المسجد وجه المغايرة بين هذه الترجمة والتي قبلها من طريق الغالب، وذلك أن المخاط غالبًا له جرم لزج، فيحتاج في نزعه إلى معالجة، والبصاق لا يكون له ذلك، فيمكن نزعه بغير آلة، إلاّ إن خالطه بَلْغَم، فيلتحق بالمخاط هذا الذي يظهر من مراده. ثم قال: وقال ابن عباس: إنْ وطئت على قَذَر رَطْبٍ فاغسله، وإن كان يابسًا فلا. مطابقة التعليق للترجمة الإشارة إلى أن العلة العظمى في النهي احترام القبلة، لا مجرد التأذّي بالبصاق ونحوه، فإنه، وإن كان علة أيضًا، لكنَّ احترام القبلة فيه آكد، فلهذا لم يفرق فيه بين رطب ويابس، بخلاف ما علة النهي فيه مجرد الاستقذار، فلا يضر وطء اليابس منه. وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح. وقال في آخره وإن كان ناسيًا لم يضره.

стр. 3082

الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فَقَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى". قوله: فتناول حصاة، هذا موضع الترجمة، ولا فرق في المعنى بين النخامة والمخاط، فلذلك استدل بأحدهما على الآخر. وقوله: فحكها, وللكشميهني "فحتها" بمثناة من فوق، وهما بمعنى. رجاله ستة: الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ أبو سعيد الخدريّ في الثاني عشر منه، ومرَّ حميد بن عبد الرحمن بن عوف في الثلاثين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة التثنية في موضع واحد، والإخبار بصيغة الجمع كذلك، والعنعنة كذلك، ورواته كلهم مدنيون ما خلا موسى بن إسماعيل. أخرجه البخاري هنا وفي الصلاة أيضًا عن علي بن عبد الله وغيره، ومسلم وابن ماجه في الصلاة. ثم قال: باب لا يبصق في الصلاة

стр. 3083

الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَاةً فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى". أورد فيه الحديث الذي قبله من طريق أخرى، وحديث أنس عن قتادة عنه، وليس فيهما تقييد ذلك بحالة الصلاة، ولكنه في الرواية التي في الباب بعده، فجرى المؤلف على عادته في التمسك بما ورد في بعض طرق الحديث الذي يستدل به، وإن لم يكن ذلك في سياق حديث الباب. وكأنّه جنح إلى أن المطلق في الروايتين محمول على المقيد فيهما، وهو ساكت عن حكم ذلك خارج الصلاة. وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة، داخل الصلاة وخارجها، سواء كان في المسجد أو غيره. وقد رُوي عن مالك أنه قال: لا بأس به خارج الصلاة، ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة، وعن معاذ بن جبل قال ما بصقت عن يميني منذ أسلمت. وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقًا. وقال عياض: النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة إنما هو مع إمكان غيره، فإن تعذر فله ذلك. قال في الفتح: لا يظهر وجود التعذر مع وجود الثوب الذي هو لابسه وقد أرشده الشارع إلى التفل فيه.

стр. 3084

قلت: يمكن وجود التعذر عند ضيق الثوب الملبوس، أو يكون لا رداء له. وقال الخطابيّ: إن كان عن يساره أحد فلا يبزق في واحد من الجهتين، لكن تحت قدمه أو ثوبه. ويرشد لهذا حديث طارق المحاربيّ عند أبي داود، فإنه قال فيه "أو تلقاء شمالك إن كان فارغًا، وإلا فهكذا، وبزق تحت رجله ودلك". ولعبد الرزاق عن عطاء عن أبي هُريرة نحوه، ولو كان تحت رجله مثلًا شيءٌ مبسوط أو نحوه تعين الثوب، ولو فقد الثوب مثلًا، فلعل بلعه أَولى من ارتكاب المنهي عنه. قلت: هذا تصوير للتعذر الذي قال عياض، وأنكره صاحب الفتح، فيكون عياض حينئذ أَولى عنده التفل عن اليمين وأمامُ، من الابتلاع، وهذا هو مشهور مذهب مالك. وأخذ المصنف كون حكم النخامة والبصاق واحدًا من كونه ﵊ رأى النخامة، ونهى أن يبزق الرجل بين يديه، كما في الحديث الآتي في الباب الذي بعده، فدل على تساويهما. رجاله سبعة: الأول: يحيى بن بكير، وقد مرَّ هو والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ حميد بن عبد الرحمن في الثلاثين من كتاب الإيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ أبو سعيد في الثاني عشر منه أيضًا.

стр. 3085

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ". قوله: لا يتفلنَّ أحدكم، التفل بالمثناة من فوق، أخف من البزاق، والنفث بمثلثة آخره، أخف منه ثم النفخ. رجاله أربعة: الأول: حفص بن عمر، وقد مرَّ في الثالث والثلاثين من كتاب الوضوء ومرَّ شعبة في الثالث من كتاب الإيمان, ومرَّ قتادة وأنس في السادس منه. ثم قال المصنف: باب ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى
следующие страницы →