← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ مُخَاطًا أَوْ بُصَاقًا أَوْ نُخَامَةً فَحَكَّهُ. قوله: مخاطًا أو بصاقًا أو نخامة فحكه، هو كذا في الموطأ بالشك، وللإسماعيليّ عن مالك "أو نخاعًا" بدل مخاطًا، وقد مرَّ الفرق بينهما قريبًا. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، والإمام مالك، وهشام بن عروة، وأبوه عروة وعائشة أم المؤمنين، وقد مروا في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب حك المخاط بالحصى من المسجد وجه المغايرة بين هذه الترجمة والتي قبلها من طريق الغالب، وذلك أن المخاط غالبًا له جرم لزج، فيحتاج في نزعه إلى معالجة، والبصاق لا يكون له ذلك، فيمكن نزعه بغير آلة، إلاّ إن خالطه بَلْغَم، فيلتحق بالمخاط هذا الذي يظهر من مراده. ثم قال: وقال ابن عباس: إنْ وطئت على قَذَر رَطْبٍ فاغسله، وإن كان يابسًا فلا. مطابقة التعليق للترجمة الإشارة إلى أن العلة العظمى في النهي احترام القبلة، لا مجرد التأذّي بالبصاق ونحوه، فإنه، وإن كان علة أيضًا، لكنَّ احترام القبلة فيه آكد، فلهذا لم يفرق فيه بين رطب ويابس، بخلاف ما علة النهي فيه مجرد الاستقذار، فلا يضر وطء اليابس منه. وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح. وقال في آخره وإن كان ناسيًا لم يضره.

стр. 3082

الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فَقَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى". قوله: فتناول حصاة، هذا موضع الترجمة، ولا فرق في المعنى بين النخامة والمخاط، فلذلك استدل بأحدهما على الآخر. وقوله: فحكها, وللكشميهني "فحتها" بمثناة من فوق، وهما بمعنى. رجاله ستة: الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ أبو سعيد الخدريّ في الثاني عشر منه، ومرَّ حميد بن عبد الرحمن بن عوف في الثلاثين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة التثنية في موضع واحد، والإخبار بصيغة الجمع كذلك، والعنعنة كذلك، ورواته كلهم مدنيون ما خلا موسى بن إسماعيل. أخرجه البخاري هنا وفي الصلاة أيضًا عن علي بن عبد الله وغيره، ومسلم وابن ماجه في الصلاة. ثم قال: باب لا يبصق في الصلاة

стр. 3083

الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَصَاةً فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى". أورد فيه الحديث الذي قبله من طريق أخرى، وحديث أنس عن قتادة عنه، وليس فيهما تقييد ذلك بحالة الصلاة، ولكنه في الرواية التي في الباب بعده، فجرى المؤلف على عادته في التمسك بما ورد في بعض طرق الحديث الذي يستدل به، وإن لم يكن ذلك في سياق حديث الباب. وكأنّه جنح إلى أن المطلق في الروايتين محمول على المقيد فيهما، وهو ساكت عن حكم ذلك خارج الصلاة. وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة، داخل الصلاة وخارجها، سواء كان في المسجد أو غيره. وقد رُوي عن مالك أنه قال: لا بأس به خارج الصلاة، ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود أنه كره أن يبصق عن يمينه وليس في صلاة، وعن معاذ بن جبل قال ما بصقت عن يميني منذ أسلمت. وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقًا. وقال عياض: النهي عن البصاق عن اليمين في الصلاة إنما هو مع إمكان غيره، فإن تعذر فله ذلك. قال في الفتح: لا يظهر وجود التعذر مع وجود الثوب الذي هو لابسه وقد أرشده الشارع إلى التفل فيه.

стр. 3084

قلت: يمكن وجود التعذر عند ضيق الثوب الملبوس، أو يكون لا رداء له. وقال الخطابيّ: إن كان عن يساره أحد فلا يبزق في واحد من الجهتين، لكن تحت قدمه أو ثوبه. ويرشد لهذا حديث طارق المحاربيّ عند أبي داود، فإنه قال فيه "أو تلقاء شمالك إن كان فارغًا، وإلا فهكذا، وبزق تحت رجله ودلك". ولعبد الرزاق عن عطاء عن أبي هُريرة نحوه، ولو كان تحت رجله مثلًا شيءٌ مبسوط أو نحوه تعين الثوب، ولو فقد الثوب مثلًا، فلعل بلعه أَولى من ارتكاب المنهي عنه. قلت: هذا تصوير للتعذر الذي قال عياض، وأنكره صاحب الفتح، فيكون عياض حينئذ أَولى عنده التفل عن اليمين وأمامُ، من الابتلاع، وهذا هو مشهور مذهب مالك. وأخذ المصنف كون حكم النخامة والبصاق واحدًا من كونه ﵊ رأى النخامة، ونهى أن يبزق الرجل بين يديه، كما في الحديث الآتي في الباب الذي بعده، فدل على تساويهما. رجاله سبعة: الأول: يحيى بن بكير، وقد مرَّ هو والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ حميد بن عبد الرحمن في الثلاثين من كتاب الإيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ أبو سعيد في الثاني عشر منه أيضًا.

стр. 3085

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ يَتْفِلَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلِهِ". قوله: لا يتفلنَّ أحدكم، التفل بالمثناة من فوق، أخف من البزاق، والنفث بمثلثة آخره، أخف منه ثم النفخ. رجاله أربعة: الأول: حفص بن عمر، وقد مرَّ في الثالث والثلاثين من كتاب الوضوء ومرَّ شعبة في الثالث من كتاب الإيمان, ومرَّ قتادة وأنس في السادس منه. ثم قال المصنف: باب ليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى

стр. 3086

الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ". ومعنى المناجاة قد مرَّ في الحديث الأول من هذه الأحاديث. رجاله أربعة: الأول: آدم، وقد مرَّ هو وشعبة في الثالث من كتاب الإيمان, ومرَّ قتادة وأنس في السادس منه. وفي إسناده التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه التصريح بسماع قتادة عن أنس.

стр. 3087

الحديث العشرون حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبْصَرَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى. المتن هو الذي مضى من وجهين آخرين عن الزهري غير مذكور فيهما سفيان بن عيينة، ولم يذكر، سفيانُ في روايته هذه، أبا هريرة كما هو مذكور في الروايتين السابقتين. وقوله: لكن عن يساره أو تحت قدمه، كذا للأكثر، وهو المطابق للترجمة، ولأبي الوقت "وتحت قدمه" بالواو. وعند مسلم "ولكن عن يساره تحت قدمه" بحذف أو وكذا للمصنف في آخر الصلاة، ورواية "أو" أعم، لكونها تشمل ما تحت القدم وغير ذلك. رجاله خمسة: الأول: علي بن عبد الله المَدينيّ، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم، ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ الزهريّ في الثالث منه، ومرَّ حميد في الثلاثين من كتاب الإيمان, ومرَّ أبو سعيد في الثاني عشر منه. ثم قال: وعن الزهريّ، سمع حميدًا عن أبي سعيد نحو هذا موصول بالسند السابق. وقد تقدمت له نظائر، ووهم من زعم أنه معلق، وأراد المصنف أن يبين أن سفيان رواه مرة بالعنعنة ومرة صرح بسماع الزهري من حميد. قلت: وحيث إن الزهريّ ليس بمدلِّس أي حاجة إلى التصريح بسماعه اللهم إلا أن يقال إن

стр. 3088

التصريح بالسماع أقوى على كل حال. رجاله ثلاثة، مرَّ ذكرهم في الذي قبله، ثم قال المصنف: باب كفارة البزاق في المسجد

стр. 3089

الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا". قوله: البزاق في المسجد خطيئة، لمسلم "التفل" بدل البزاق، وفي المسجد ظرف للفعل، فلا يشترط كون الفاعل فيه حتى لو بصق من هو خارج المسجد فيه، تناوله النهيُ. والخطيئة؛ الإثم، قال عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا. وتعقبه النوويّ قائلًا: هذا خلاف صريح الحديث قال في الفتح: وحاصل النزاع أنّ هنا عمومين تعارضا، وهما قوله "البزاق في المسجد خطيئة". وقوله "وليبصق عن يساره أو تحت قدمه" فالنووي يجعل الأول عامًا، ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، وعياض بخلافه، يجعل الثاني عامًا ويخص الأول بمن لم يرد دفنها. وقد وافق القاضي جماعة منهم ابن مكي في "التنقيب"، والقرطبي في "المُفهم" وغيرهما. ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا قال "من تنخم في المسجد فيغيب نخامته أنْ تصيبَ جلدَ مؤمن أو ثوبه فتؤذيه" وأوضح منه في المقصود ما رواه أحمد أيضًا، والطبرانيّ بإسناد حسن عن أبي أمامة مرفوعًا قال "من تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة" فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذَرٍّ عند مسلم مرفوعًا قال: "ووجدت في مساوىء أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن" قال القرطبيّ: فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها في المسجد، بل بتركها غير مدفونة. وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح أنه تنخم في المسجد ليلةً فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ

стр. 3090

شُعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى دفنها، ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب عليّ خطيئة الليلة، فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها. وعلة النهي ترشد إليه، وهي تَأذّي المؤمن بها، ومما يدل على أن عمومه مخصوصٌ جوازُ ذلك في الثوب، ولو كان في المسجد بلا خلاف، وعند أبي داود عن عبد الله بن الشّخير "أنه صلى مع النبي ﷺ فبصق تحت قدمه اليسرى، ثم دلكه بنعله" إسناده صحيح وأصله في مسلم، والظاهر أن ذلك كان في المسجد، فيؤبد ما تقدم، وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأنْ لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر، وهو تفصيل حسن، وينبغي أن يفصل أيضًا بين من بدأ بمعالجة الدفن قبل الفعل، كمن حفر أولًا ثم بصق ووارى، وبين من بصق أولًا بنية الدفن، فيجري فيه الخلاف بخلاف الذي قبله, لأنه إذا كان المكفِّر إثمَ إبرازها هو دفنها، فكيف يأثم من دفنها ابتداء؟ وقال النووي: قوله كفارتها دفنها، قال الجمهور: يدفنها في تراب المسجد أو رمله أو حَصْبائه. وحكى الرويانيّ أن المراد بدفنها إخراجها من المسجد أصلًا. قال في الفتح: الذي قاله الروياني يجري على ما يقول النوويّ من المنع مطلقًا وقد علم ما فيه. رجاله أربعة: آدم وشعبة وقتادة وأنس، وقد مرَّ ذكر محلهم في الذي قبله بحديث. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والتصريح بسماع قتادة عن أنس، وفيه القول أخرجه مسلم وأبو داود في الصلاة. ثم قال المصنف: باب دفن النخامة في المسجد أي جواز ذلك، أورد فيه حديث أبي هريرة بلفظ "إذا قام أحدكم إلى

стр. 3091

الصلاة" ثم قال في آخره "فيدفنها" فأشعر قوله في الترجمة "في المسجد" بأنه فهم من قوله "إلى الصلاة" أن ذلك يختص بالمسجد، لكن اللفظ أعم من ذلك. وقيل: إنما ترجم الذي قبله بالكفارة، وهذا بالدفن إشعارًا بالتفرقة بين المتعمد بلا حاجة، وهو الذي أثبت عليه الخطيئة، وبين من غلبته النخامة، وهو الذي أذن له في الدفن، أو ما يقوم مقامه.

стр. 3092

الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَلاَ يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنُهَا". قوله: فإنما يناجي، للكشميهني "فإنه يناجي" وقوله: ما دام في مُصَلاّه، يقتضي تخصيص المنع بما إذا كان في الصلاة، لكن التعليل المتقدم بأذى المسلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد يقتضي المنع في جدار المسجد مطلقًا، ولو لم يكن في صلاة، فيجمع بأن يقال: كونه في الصلاة أشد إثمًا مطلقًا. وكونه في جدار القبلة أشد إثمًا من كونه في غيرها من جدر المسجد، فهي مراتب متفاوتة مع الاشتراك في المنع. وقوله: فإن عن يمينه ملكًا، ظاهره اختصاصه بالصلاة، فإن قلنا: المراد بالملك الكاتب، فقد استشكل اختصاصه بالمنع مع أن عن يساره مَلَكًا آخر. وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك اليمين تشريفًا له وتكريمًا، ولا يخفى ما فيه. وأجيب أيضًا بأن الصلاة أم الحسنات البدنية، فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة عن حُذيفة موقوفًا في هذا الحديث. قال "ولا عن يمينه، فإن عن يمينه كاتب الحسنات" قلت: هذا لا دخل للرأي فيه، فله حكم الرفع. وقال الطبرانيّ عن أبي أمامة في هذا الحديث: فإنه يقوم بين يدي الله ومَلَكه عن يمينه وقرينه عن يساره. فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين، وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى اليمين.

стр. 3093

وقوله: فيدفنها، بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، أي فهو يدفنها، وبالنصب جواب الأمر، ويالجزم عطف على الأمر. قال ابن أبي جمرة: لم يقل يغطيها، لأن التغطية يستمر الضرر بها، إذ لا يأمن أن يجلس غيره عليها فتؤذيه، بخلاف الدفن، فإنه يفهم منه التعميق في باطن الأرض. وقال النوويّ: المراد بدفنها ما إذا كان المسجد ترابيًا أو رمليًا، فاما إذا كان مبلطًا مثلًا، فدلكها عليه بشيء مثلًا، فليس ذلك بدفن، بل زيادة في التقدير، لكن قال في الفتح: إذا لم يبق لها أثر البتة فلا مانع. وعليه يحمل حديث عبد الله بن الشخير المار "ثم دلكه بنعله" وحديث طارق المار أيضًا "بزق تحت رجله وَدَلك". قال القَفّال في فتاويه: هذا الحديث محمول على ما يخرج من الفم أو ينزل من الرأس، أما ما يخرج من الصدر، فهو نجس, فلابد من دفنه في المسجد، وهذا على اختياره، لكن يظهر التفصيل فيما إذا كان طرفًا من قيء، وكذا إذا خالط البزاق دم. رجاله خمسة: الأول: إسحاق بن نصر، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرَّ معمر بن راشد في متابعة الرابع من بدء الوحي، ومرَّ عبد الرزاق بن همام في الخامس والثلاثين من كتاب الإيمان, وكذلك همام بن منبّه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك، والعنعنة في موضعين، وفيه التصريح بسماع همام من أبي هريرة، وفيه عنعنة أبي هريرة، ورواته ما بين بخاريّ وصنعانيّ وبصريّ. ثم قال المصنف: باب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه أنكر السروجيّ قوله "بدره" وقال: المعروف في اللغة بدرتُ إليه وبادرته،

стр. 3094

وأجيب بأنه يستعمل في المغالبة: بادرت كذا فبدرني، أي سبقني. قاله في الفتح والدمامينيّ، وتعقَّبه العينيّ بما هو من ردوده الواهية، فقال: ليس هنا مغالبة، ومعلوم أن المغالبة تحصل مع البزاق والقيء ونحوهما. يقال: غلبه القيء والبُزاق، واستشكل التقييد في الترجمة بالمبادرة مع أنه لا ذكر لها في الحديث الذي ساقه. وكأنه أشار إلى ما في بعض طرقه عند مسلم عن جابر، فإن عجلت به بادره، فليقل بثوبه هكذا، ثم طوى بعضه على بعض، ولأبي داود وابن أبي شيبة عن أبي سعيد نحوه، والحديثان صحيحان، ولكنهما ليسا على شرطه، فأشار إليهما بأن حمل الأحاديث التي لا تفصيل فيها على ما فصل فيهما.

стр. 3095

الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، وَرُؤِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ أَوْ رُؤِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ، وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ فَلاَ يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ". ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ، وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، قَالَ: "أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا". قوله: رؤي منه، بضم الراء بعدها واو مهموزة، أي من النبي ﷺ . وقوله: كراهيته، بالرفع، أي ذلك الفعل. وقوله: أو رُؤي كراهيته لذلك، شك من الراوي. وقوله: وشدته بالرفع عطفًا على كراهيته، ويجوز الجر عطفًا على قوله لذلك. وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث قبل خمسة أبواب. وفي الأحاديث المذكورة، من الفوائد غير ما تقدم، الندبُ إلى إزالة ما يستقذر أو يتنزه عنه من المسجد، وتفقد الإِمام أحوال المسجد وصيانتها، وأن للمصلي أن يبصق وهو في الصلاة، ولا تبطل، وأن النفخ والتنحنح في الصلاة جائزان, لأن النخامة لابد أن يقع معها شيء من نفخ أو تنحنح، ومحله ما إذا لم يفحش، ولم يقصد صاحبه العبث، ولم يبن منه مسمى كلام، وأقله حرفان أو حرف ممدود، هذا عند الشافعية والحنابلة. وعند المالكية المشهور في النفخ أنه مبطل مطلقًا بحرف كان أو لا، والتنحنح إن كان لحاجة لا يبطل اتفاقًا، وكذا إن كان لغير حاجة على المختار. وقال بعضهم: الحاجة المنفية المتعلقة بالصلاة، ولابد من أصل الحاجة وإلا بطلت. وعند الحنفية إن حصلت منه ثلاثة أحرف بطلت، وفي الحرفين قولان.

стр. 3096

وعن أبي حنيفة أن النفخ إن كان يسمع فهو كالكلام، يبطل الصلاة. وفيها أن البصاق طاهر، وكذا النخامة والمخاط خلافًا لمن يقول كل ما تستقذره النفس حرام. ويستفاد منه أن التحسين أو التقبيح إنما هو بالشرع، وأن جهة اليمين مفضلة على اليسار، وأن اليد مفضلة على القدم. وفيها الحث على الاستكثار من الحسنات، وإن كان صاحبها مليًا, لأنه ﵊ باشر الحك بنفسه، وهو قال على عظم تواضعه، زاده الله تعظيماً وتشريفًا ﷺ . رجاله أربعة: الأول: مالك بن إسماعيل، وقد مرَّ في الخامس والثلاثين من كتاب الوضوء ومرَّ زهير بن معاوية في الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان, ومرَّ حميد في الثاني والأربعين منه، ومرَّ أنس في السادس منه. ثم قال المصنف: باب عظة الإِمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة الناس، بالنصب على المفعولية. وقوله: في إتمام الصلاة، أي بسبب ترك إتمام الصلاة. وقوله: وذكر، بالجر عطفًا على عظة، وأورده للإشعار بمناسبة هذا الباب لما قبله.

стр. 3097

الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا، فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلاَ رُكُوعُكُمْ، إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي". قوله: هل ترون قبلتي، هو استفهام إنكار لما يلزم منه، أي أنتم تظنون أني لا أرى فعلكم، لكون قبلتي في هذه الجهة, لأن من استقبل شيئًا استدبر ما وراءه. لكن بيّن النبي ﷺ أن رؤيته لا تختص بجهة واحدة، وقد اختلف في معنى ذلك، فقيل: المراد بها العلم، إما بأنْ يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما بأن يلهَم، وفيه نظر, لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيده بقوله "من وراء ظهري". وقيل: المراد أنه يرى مَنْ عن يمينه ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير في النادر، ويوصف من هو هناك بأنه وراء ظهره، وهذا ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب، والصواب المختار أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به ﷺ انخرقت له فيه العادة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره، ثم ذلك الإِدراك يجوز أن يكون برؤية عينه انخرقت له العادة فيه، فكان يرى بها من غير مقابلة؛ لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلًا عضو مخصوص، ولا مقابلة ولا قرب، وإنما تلك أمور يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، ولذا حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، خلافًا لأهل البدع، لوقوفهم مع العادة. ورواية مسلم "إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي" قال على هذا المختار من أن المراد بالرؤية الإبصار. وقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها مَنْ وراءه دائمًا، وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سَمّ الخياط يبصر بهما،

стр. 3098

لا يحجبهما ثوب ولا غيره. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. وقوله: ولا خشوعكم، أي في جميع الأركان، ويحتمل أن يريد به السجود. وقد صرح بالسجود في رواية مسلم. وقوله: إني لأراكم، بفتح الهمزة. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف. والثاني: مالك، وقد مرا في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من كتاب الإيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه. أخرجه البخاريّ هنا ومسلم في الصلاة.

стр. 3099

الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ صَلاَةً ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ فِي الصَّلاَةِ وَفِي الرُّكُوعِ: "إِنِّى لأَرَاكُمْ مِنْ وَرَائِي كَمَا أَرَاكُمْ". قوله: صلى لنا، أيْ لأجلنا، وقوله: صَلَاةً، بالتنكير، للِإبهام. وقوله: ثم رَقِي المنبر، بكسر القاف، ويجوز الفتح على لغة طيء. وقوله: فقال في الصلاة، أي في شأن الصلاة، أو هو متعلق بقوله "إني لأراكم" عند من يجيز تقدم الظرف. وقوله: وفي الركوع، أفرده بالذكر وإن كان داخلًا في الصلاة اهتمامًا به، إما لكون التقصير فيه كان أكثر، أو لأنه أعظم الأركان بدليل أن المسبوق يدرك الركعة بتمامها بإدراك الركوع. وقوله: كما أراكم، يعني من أمامي. وصرح به في رواية أخرى كما يأتي. وظاهر الحديث أن ذلك يختص بحالة الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك واقعًا في جميع أفعاله، وقد نقل ذلك عن مجاهد، وحكى بَقِيّ بن مَخْلَد أنه ﷺ كان يبصر في الظلمة كما يبصر في الضوء. وفي الحديث الحث على الخشوع في الصلاة، والمحافظة على إتمام أركانها وأبعاضها، وأنه ينبغي للإمام أن ينبه الناس على ما يتعلق بأحوال الصلاة، ولاسيما إن رأى منهم ما يخالف الأوْلَى. رجاله أربعة: الأول: يحيى بن صالح الوحاظيّ، وقد مرَّ في الثالث من كتاب الصلاة، ومرَّ فُليح بن سليمان في الأول من كتاب العلم، ومرَّ هلال بن أبي هلال معه

стр. 3100

في حديث واحد، ومرَّ أنس في السادس من كتاب الإيمان. أخرجه البخاريّ هنا وفي الرقاق عن إبراهيم بن المنذر. ثم قال المصنف: باب هل يقال مسجد بني فلان باب بالتنوين، قوله: هل يقال، أي هل يجوز أن يضاف مسجد من المساجد إلى بانيها، أو ملازم الصلاة فيها؟ ويلتحق بذلك جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها، وإنما أورد المصنف الترجمة بلفظ الاستفهام، لينبه على أن فيه احتمالًا، إذ يحتمل أن يكون قد علمه النبي ﷺ بأن تكون هذه الإضافة قد وقعت في زمنه، ويحتمل أن يكون ذلك مما حدث بعده، والأول أظهر، والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعيّ فيما رواه ابن أبي شيبة عنه، أنه كان يكره أن يقول مسجد بني فلان، ويقول مصلّى بني فلان، لقوله تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] والجواب أن الإضافة في هذا إضافة تمييز لا ملك، والإِضافة إلى الله تعالى في الآية على الحقيقة.

стр. 3101

الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِى أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِى لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا. قوله: سابق بين الخيل التي أضمرت، بضم الهمزة مبنيًا للمفعول، أي ضُمِّرت، وهوأن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى، ثم يقلل علفها بقدر القوت، وتدخل بيتًا وتُغشَّى بالجِلال حتى يكثر عرقها، ويذهب رَهَلُها، بالتحريك، أي ارتخاء لحمها، فيقوى لحمها ويشتد جريها. وكان فرسه ﵊ الذي يسابق به يسمى السَّكْب بالكاف، وهو أول فرس ملكه، وفيه نسبة الفعل للأمر به؛ لأن قوله سابق أي أمر أو أباح. وقوله: من الحفياء، بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية، ومد، ويجوز القصر، وحكى بتقديم الياء التحتانية على الفاء، وحكى عياض ضم أوله وخطأه، وهي مكان خارج المدينة. وقوله وأَمَدها، بالتحريك غايتها. قال تعالى ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]. وقال النابغة: سبق الجواد إذا استولى على الأمد وقوله: ثنية الوداع، أي بالمثلثة، سميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها، وهي لغة: الطريقة إلى العقبة، واللام فيه للعهد. بينها وبين الحفياء خمسة أميال أو ستة أو سبعة. وقوله: وبين الخيل التي لم تُضْمر، بضم التاء وسكون الضاد، وفي رواية بفتح الضاد وتشديد الميم، وقوله:

стр. 3102

من الثنية إلى مسجد بني زُريق، بضم الزاي مصغرًا، ابن عامر بطن من الخزرج، بينه وبين الثنية ميل أو نحوه. وقوله: وإن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها، أي بالخيل، أو بهذه المسابقة، وهذا الكلام إما من كلام ابن عمر بنفسه كما تقول: العبد فعل كذا عن نفسك، أو من مقول نافع الراوي عنه. وعند الإسماعيلي، قال ابن عمر: وكنت فيمن أجرى، فوثب بي فرسي جدارًا. وأخرج مسلم "وقال فيه: فسبقت الناس فَطَفَّفَ بي الفرس مسجد بني زريق" أي جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية، وأصل التطفيف مجاوزة الحد، وهذا يقوّي الاحتمال الأول. وفي الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع بها عند الحاجة. وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك. قال القرطبيّ: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام، واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب. وفيه مشروعية تضمير الخيل، وتمرينها على الجري، وإعدادها لإِعزاز كلمة الله تعالى ونصرة دينه. قال الله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وفيه جواز إضافة أعمال البر إلى أربابها ونسبتها إليهم، ذلك تزكية لهم، وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيبًا لها في غير الحاجة، كالإجاعة والإجراء، وفيه تنزيل الخلق منازلهم, لأنه ﵊ غاير بين منزلة المضمر وغير المضمر، ولو خلطهما لأتعب غير المضمر، وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف، مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ نافع مولى ابن عمر في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ ابن عمر في كتاب

стр. 3103

الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف: باب القسمة وتعليق القنو في المسجد وقال أبو عبد الله: القِنو العِذْق، والاثنان قِنوان، والجماعة أيضًا قِنوان مثل صِنو وصِنوان. قوله: العِذق بكسر العين المهملة وسكون المعجمة وهو العرجون بما فيه من بُسر وغيره، وأما بفتح العين المهملة فالنخلة. وقوله: والاثنان قنوانِ، بكسر القاف والنون، وقوله والجماعة أيضًا قنوان، أي بالرفع والتنوين، وبه يتميز عن المثنى كثبوت نونه عند إضافته، بخلاف المثنى، فتحذف. وقوله: مثل صنو وصنوان في الحركات والسكنات والجمع والتثنية، والصاد فيهما مكسورة، وهو أن تبرز نخلتان أو ثلاثة أو أزيد من أصل واحد، فكل واحدة منهن صنو واحد، والاثنان صِنوانِ بكسر النون، والجمع صِنوان بإعرابها, ولم يذكر المؤلف جمعه لظهوره من الأول. وهذا التفسير من قوله: قال إلى آخره ثابت عند أبويْ ذَرٍّ والوقت وابن عساكر ساقط لغيرهم. ثم قال: وقال إبراهيم، يعني ابن طَهْمان عن عبد بن صُهيب عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال أُتي رسول الله ﷺ بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد، وكان أكثر مال أُتي به رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه، إذ جاء العباس ﵁، فقال: يا رسول الله: أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا. فقال له رسول الله ﷺ : خذ، فحثى في ثوبه ثم ذهب يُقِلُّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مُرْ بعضهم يرفعه إليَّ. قال: لا، قال: فارفعه أنت عليّ. قال: لا، فنثر منه ثم ذهب يُقِلّه. فقال: يا رسول الله، اؤمر بعضهم يرفعه. قال: لا، قال: فارفعه أنت عليّ. قال: لا، فنثر منه، ثم احتمله فألقاه على كاهله، ثم انطلق فما زال رسول الله ﷺ يُتبعه بصره حتى خفي علينا، عَجبًا من حرصه. فما قام رسول الله ﷺ وَثَمَّ منها درهم. قوله: ابن طهمان، هو الصواب. وقوله: عن عبد العزيز بن صُهيب، هو

стр. 3104

الصواب أيضًا ومنْ قال إنه عبد العزيز بن رفيع فقد غلط. وقوله: أُتي رسول الله، أي بالبناء للمفعول. وقوله: بمال من البحرين، بلدة بين البصرة وعُمان. روى ابن أبي شيبة عن حُميد بن هلال مرسلًا "أنه كان مئة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرميّ من خراج البحرين" قال: وهو أول خراج حُمِل إلى النبي ﷺ . وعند المصنف في المغازي عن عمرو بن عوف أن النبي ﷺ صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضريّ، وبعث أبا عبيدة بن الجراح إليهم، فقدم أبو عبيدة بمال، فسمعتْ الأنصار بقدومه ... الحديث. فيستفاد منه تعيين الآتي بالمال. لكن في الردة للواقديّ أن رسول العلاء بن الحضرميّ بالمال هو العلاء بن حارثة الثقفيّ. فلعله كان رفيق أبي عبيدة، وأما حديث جابر الآتي عند المصنف أن النبي ﷺ قال له "لو قد جاء مال البحرين أعطيتك" وفيه "فلم يقدم مال البحرين حتى مات النبي ﷺ ، فليس معارضًا لما تقدم، بل المراد أنه لم يقدم في السنة التي مات فيها النبي ﷺ , لأنه كان مال خراج أو جِزية، فكان يقدم من سنة إلى سنة. وقوله: فقال انثروه، بالمثلثة، أي صبوه. وقوله: إذ جاءه العباس، قيل المعنى: فبينما هو على ذلك إذ جاءه العباس. وقوله: وفاديت عقيلًا أي ابن أبي طالب، وكان أُسر مع عمه العباس في غزوة بدر، ويقال أُسر معهما أيضًا الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وأن العباس افتداه أيضًا. وقوله: فحثا في ثوبه، أي بمهملة ثم مثلثة مفتوحة، والضمير في ثوبه يعود على العباس، أي حثا العباس في ثوب نفسه. وقوله: يُقِلّه، بضم أوله من الإقلال، وهو الرفع والحمل. وقوله: مُرْ بعضهم يرفعه إليّ، أي بضم الميم وسكون الراء على وزن "عُلْ"، فحذف منه فاء الفعل لاجتماع المثلين في أول كلمة. وهو مؤدٍ إلى الاستثقال، فصار "آمر" فاستغنى عن همزة الوصل لتحرك ما بعدها، فحذفت. وفي رواية "اؤمر" بهمزة مضمومة فأخرى ساكنة، وتحذف الأولى عند الوصل وتصير الثانية ساكنة، وهذا هو البخاري على الأصل، ويرفعه بالجزم، لأنه جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستئناف، أي فهو يرفعه، والضمير المستتر فيه يرجع إلى البعض، والبارز إلى المال الذي حثاه في ثوبه، وفي

стр. 3105

نسخة لأبي ذَرٍّ برفعه بالموحدة الجارة وسكون الفاء. وقوله: فارفعه أنت عليّ .. لا، أي لا أرفعه عليك، وإنما فعل ﵊ ذلك معه تنبيهًا له على الاقتصاد، وترك الاستكثار من المال. وقوله على كاهله، أي بين كتفيه. وقوله: يُتبعه، بضم أوله من الاتباع. وقوله: عجبًا من حرصه، أي بفتح العين والجيم وبالنصب، مفعولًا مطلقًا. وقوله: وثَمَّ منها دِرهم، أي بفتح المثلثة، أي هناك، وهي جملة حالية من مبتدأ مؤخر، وهو درهم، والخبر منها، ومراده نفي أن يكون هناك درهم، فالحال قيد للمنفي لا للنفي، فالمجموع منتف بانتفاء القيد لانتفاء المقيد. وفي الحديث بيان كرمه ﷺ ، وعدم التفاته إلى المال قَلَّ أو كثر، وأن الإِمام ينبغي أن يفرق مال المصالح في مستحقيها, ولا يؤخره. وموضع الحاجة منه هنا، جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه من صدقة ونحوها في المسجد، ومحله ما إذا لم يمنع مما وضع له المسجد من الصلاة وغيرها، مما بني المسجد لأجله، ونحو وضع هذا المال وضع زكاة الفطر فيه، ويستفاد منه جواز ما يعم نفعه في المسجد كالماء لشرب من يعطش، ويحتمل التفرقة بين ما يوضع للتفرقة وبين ما يوضع للخزن، فيمنع الثاني دون الأول. واستدل به ابن بطال على جواز إعطاء بعض الأصناف من الزكاة، ولا دلالة فيه؛ لأن المال لم يكن من الزكاة، وعلى تقدير كونه منها فالعباس ليس منها، وقيل إنما أعطاه من سهم الغارمين، والحق أن المال المذكور كان من الخراج أو الجزية، وهما من مال المصالح، ولم يذكر البخاري في الباب حديث القِنو، فقال ابن بطال: أغفله، وقال ابن التين: أُنسيه، وليس كما قالا، بل أخذه من جواز وضع المال في المسجد، بجامع أن كلاًّ منهما وضع لأخذ المحتاجين منه، وأشار بذلك إلى ما رواه النَّسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال "خرج رسول الله ﷺ وبيده عصا، وقد علق رجل قِنوَ حَشَف، فجعل يطعن في ذلك القنو ويقول: لو شاء رب هذه الصدقة تصدق باطيب من هذا" وليس على شرطه، وإن كان إسناده قويًا.

стр. 3106

وفي الباب حديث آخر أخرجه ثابت في الدلائل بلفظ "إنّ النبي ﷺ أمر من كل حائط بقِنو يُعلق في المسجد للمساكين" وفي رواية له "وكان عليها معاذ بن جبل" أي على حفظها أو على قسمتها. وهذا التعليق أخرجه أبو نعيم موصولًا، والحاكم في المستدرك، وأخرجه البخاريّ معلقًا في الجهاد وفي الجزية. ورجاله ثلاثة، وفيه ذكر العباس وعقيل، الأول إبراهيم بن طَهمان، وقد مرَّ في التاسع والعشرين من كتاب الغسل، ومرَّ عبد العزيز بن صُهيب في الثامن من كتاب الإيمان, ومرَّ أنس بن مالك في السادس منه، ومرَّ العباس بن عبد المطلب في الثالث والستين من كتاب الوضوء، ومرَّ عقيل بن أبي طالب في كتاب العلم. ثم قال المصنف: باب من دعا لطعام في المسجد ومن أجاب منه قوله: من دعا بفتح الدال والعين، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأصيليّ "من دُعِي" بضم الدال وكسر العين، وقوله: لطعام في المسجد، في المسجد متعلق بدُعي لا بطعام. وعدّى دعا هنا باللام لإرادة الاختصاص، فإذا أريد الانتهاء عُدِّي بإلى نحو ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] أو بمعنى الطلب عُدِّي بالباء نحو "دعا هرقل بكتاب رسول الله ﷺ " فتختلف صلة الفعل بحسب اختلاف المعاني المرادة. وقوله: ومن أجاب فيه، أي في المسجد، وللأربعة "منه" بدل فيه، فمِن للابتداء، والضمير للمسجد، وللكشميهني "إليه" أي إلى الطعام، والغرض من الترجمة أن مثل ذلك من الأمور المباحة، ليس من اللغو الذي يمنع في المساجد.

стр. 3107

الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ أَنَسًا قَالَ: وَجَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ نَاسٌ فَقُمْتُ، فَقَالَ لِي: أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: لِطَعَامٍ؟. قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: قُومُوا. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. قوله: في المسجد، أي النبوي، وقيل: المراد به المكان الذي أعده النبي ﷺ للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق. وقوله: آرسلك أبو طلحة، أي بمد الهمزة، وفي بعض الأصول "أرسلك" بدون مد. وقوله: لطعام، بالتنكير، وفي رواية "للطعام". وقوله: قلت نعم فقال، أي بفاء قبل القاف، ولأبي ذَرٍّ والأصيلي "قال" بدون فاء، وقوله: لمن معه، ولأبوي ذَرٍّ والوقت "لمن حوله" بالنصب على الظرفية. وقوله: فانطلق، أي النبي ﵊، وفي رواية "فانطلقوا" أي النبي ﷺ ومن معه. وفي الحديث جواز الدعاء إلى الطعام، وإن لم يكن وليمة، واستدعاء الكبير إلى الطعام القليل، وأن المدعو إذا علم من الداعي أنه لا يكره أن يحضر معه غيره، فلا بأس بإحضاره معه. وقد أورد المصنف هذا الحديث مختصرًا، وأخرت الكلام عليه إلى عند ذكره مطولًا في علامات النبوءة إن شاء الله تعالى وصولَ ذلك المحل. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ إسحاق بن عبد الله في الثامن من كتاب العلم، ومرَّ أنس في السادس من

стр. 3108

كتاب الإيمان. ثم قال المصنف: باب القضاء واللعان في المسجد أي حكم ذلك، زاد في غير رواية المستملي "بين الرجال والنساء" وسقطت في رواية المستملي، إذ هي حشو. وقوله "واللعان" من عطف الخاص على العام؛ لأن القضاء أعم من أن يكون في اللعان وغيره، وسمي لعانًا لأن فيه لعن نفسه في الخامسة، فهو من باب تسمية الكل باسم البعض.

стр. 3109

الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ؟ فَتَلاَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ. قوله: يحيى، زاد الكشميهني "ابن موسى" وكذا نسبه ابن السكن. قال في الفتح: وأخطأ من قال هو ابن جعفر، قلت: كيف الخطأ مع تصريح البخاريّ في هذا السند بعينه في باب اللعان، بأنه ابن جعفر فما في البخاري مقدم على غيره. وقوله: إن رجلًا، هو عويمر بن عامر العَجلانيّ، أو هلال بن أمية، ويأتي قريبًا تعريفهما، أو سعد بن عبادة، وتعقب هذا بأن الحديث فيه "فتلاعنا" ولم يتفق لسعد ذلك، أو هو عاصم العجلانيّ، وتعقب أيضًا بأن عاصمًا رسول هذه الواقعة، لا سائل لنفسه, لأن عويمرًا قال له: سل لي يا عاصم رسولَ الله ﷺ ، فجاء عاصم فسأل، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، فجاء عويمر بعد ذلك، وسأل لنفسه. وقوله: أيقتله، أي أم كيف يفعل، فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النبي ﷺ "قد قضى الله فيك وفي امرأتك" وقوله: فتلاعنا، أي الرجل والمرأة اللعانَ المذكور في سورة النور. وقوله: في المسجد وأنا شاهد، أي الحديث. وقد أورد المؤلف هذا الحديث هنا مختصرًا لينبه على جواز القضاء في المسجد، وهو جائز عند عامة الأئمة. وقال مالك: إنه من الأمر القديم المعمول به، وعن الشافعيّ كراهته إذا أعد لذلك دون ما إذا اتفقت له فيه حكومة. وعن ابن المسيب كراهيته، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقضي في المسجد، فإنه يأتيك الحائض

стр. 3110

والمُشْرك. وقال الشافعيّ: أحبُّ إليّ أن يقضى في غير المسجد لذلك. وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق باللعان في محله. رجاله خمسة: الأول: يحيى بن موسى، وقد مرَّ في التاسع عشر من كتاب الحيض، ومرَّ عبد الملك بن جريج في الثالث منه، ومرَّ عبد الرزاق في الخامس والثلاثين من كتاب الإيمان, ومرَّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ سهل بن سعد في الثامن والمئة من كتاب الوضوء وفي الحديث أن رجلًا مبهمًا، والصحيح أنه عُويمر بن أبيض، أو هلال بن أمية، ولابد من تعريف كل واحد منهما لتتم الفائدة. أما الأول: فهو عُوَيمر بن أبيض العجلانيّ الأنصاريّ صاحب اللعان. قال الطبريّ: عويمر بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجعد العجلانيّ، هو الذي رمى زوجته بشريك بن سحماء، فلاعن رسول الله ﷺ بينهما، وذلك في شعبان سنة تسع من الهجرة، وكان قدم من تبوك فوجدها حبلى، وعاش ذلك المولود سنتين ثم مات، وعاشت أمه بعده يسيرًا. قال ابن حَجَر: وأبيض لقب لأحد آبائه، ووقع في الموطأ في رواية القعنبيّ أنه عويمر بن أشقر العجلانيّ، قيل: إنه خطأ، وأن عويمر بن أشقر آخر، مازنيّ. ولعل أحد آباء عُويمر العجلانيّ كان يلقب أبيض، فأطلق عليه الراوي أشقر. وأما الثاني: فهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف الأنصاري الواقفيّ، شهد بدراً وما بعدها، وأحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فنزل فيهم قوله ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ... الآية﴾، وهو الذي قذف امرأته بشَرِيك بن سَحْماء قال ابن شهاب: الثلاثة الذين خلفوا كَعْب بن مالك أحد بني سلمة، ومرارة بن الربيع، وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بني واقف، له ذكر في الصحيحين من رواية سعيد بن جبير عن ابن عمر. وأخرج ابن شاهين من طريق عطاء بن عجلان عن مكحول عن عكرمة عن هلال بن أمية أنه أتى عمر فذكر قصة اللعان

стр. 3111

مطولة، وهذا لو ثبت لدل على أن هلال بن أمية عاش إلى خلافة عمر حتى أدرك عكرمة الرواية عنه، ولكن عطاء بن عجلان متروك، وبحتمل أن يكون عكرمة أرسل الحديث عنه. والواقفي في نسبه نسبةً إلى واقف أبي بَطن من الأنصار، قيل: إنّ واقفًا لقب مالك بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغته في موضع واحد، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، ورواته ما بين بلخيّ وصنعاني ومدنيّ ومكيّ. أخرجه البخاريّ هنا، وفي الطلاق مرتين عن إسماعيل بن عبد الله وعن يحيى، وفي التفسير مرتين أيضًا عن عبد الله بن يوسف وعن أبي الربيع الزهرانيّ، وفي الاعتصام عن آدم، وفي الأحكام والمحاربين عن علي بن عبد الله، ومسلم في اللِّعان، وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه في الطلاق. ثم قال المصنف: باب إذا دخل بيتًا يصلي حيث شاء أو حيث أُمر ولا يتجسس باب بالتنوين، قيل: مراد المصنف الاستفهام، لكن حذفت أداته، أي هل يتوقف على إذن صاحب المنزل أو يكفيه الإذن العام في الدخول، "فأو" على هذا ليست للشك. وقوله: ولا يتجسس، بالجيم والحاء المهملة، وبالضم أو بالجزم، أي ولا يتفحص موضعًا يصلي فيه، وهو متعلق بالشق الثاني، قال المهلب: دل حديث الباب على إلغاء حكم الشق الأول، لاستئذانه ﷺ صاحبَ المنزل أينَ يصلّي. وقال المازريّ: قوله حيث شاء، أي من الموضع الذي أذن له فيه. وقال ابن المنير: أراد البخاريّ أن المسألة موضع نظر، فهل يصلي من دعي حيث شاء, لأن الإذن في الدخول عام في أجزاء المكان، فأينما جلس أو صلى تناوله الإذن، أو يحتاج إلى أن يستأذن في تعيين مكان صلاته، لأن النبي ﷺ فعل ذلك، الظاهر الأول، وإنما استأذن ﵊ لأنه دُعي للصلاة، ليتبرك صاحب البيت بمكان صلاته، فسأله ليصلي في البقعة التي يحب تخصيصها بذلك، وأما مَن صَلّى لنفسه، فهو على عموم الإذن، أي إلا أن يخص صاحب المنزل ذلك العمومَ فيختص.

стр. 3112

الحديث التاسع والعشرون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَقَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ في بَيْتِكَ؟. قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى مَكَانٍ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قوله: عن ابن شهاب، صرح أبو داود الطيالسيّ في مسنده بسماع إبراهيم بن سعد له من ابن شهاب. وقوله: عن محمود بن الربيع، وللمصنف في باب النوافل "جماعة عن ابن شهاب قال: أخبرني محمود" وفي الباب الذي بعده كذلك. وقوله: عن عتبان، صرح يعقوب أيضًا بسماع محمود من عتبان. وقوله: أتاه في منزله أي يوم السبت، ومعه أبو بكر وعمر. ففي الطبرانيّ عن ابن شهاب بسنده أنه قال للنبي ﷺ يوم جمعة "لو أتيتني يا رسول الله" وفيه أنه "أتاه يوم السبت. وعند ابن حبّان في صحيحه عن أبي هريرة أن رجلًا من الأنصار، وفيه "وذلك بعدما عمي" وقوله: أنْ أصلي لك من بيتك، وللكشميهنيّ: في بيتك، والإضافة في "لك" باعتبار الموضع المخصوص، وإلا فالصلاة لله. وقوله: وصففنا خلفه، ولأُبيّ: فصففنا، بالفاء بدل الواو، ولأبي ذَرٍّ أيضًا وابن عساكر "وصفنا" بالواو والإدغام. وهذا الحديث أورده هنا مختصرًا، وفي الباب الذي بعده مطولًا، ويأتي إن شاء الله تعالى استيفاء الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرَّ في الثاني عشر من كتاب الإيمان, ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر منه، ومرَّ ابن شهاب في الثالث من بدء

стр. 3113

الوحي، ومرَّ محمود بن الربيع في التاسع عشر من كتاب العلم. الخامس: عتبان بن مالك، بكسر العين وضمها وسكون المثناة من فوق، ابن عمرو بن العجلان بن زيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، الأنصاريّ، الخزرجيّ السالميّ، بدريّ عند الجمهور، ولم يذكره ابن إسحاق فيهم، وحديثه في الصحيحين من طريق أنس، ومحمود بن الربيع وغيرهما عنه، وأنه كان إمام قومه بني سالم. ذكر ابن سعد أن النبي ﷺ آخى بينه وبين عمر، وكان ﵁ أعمى، ذهب بصره على عهد رسول الله ﷺ . ويقال: كان ضرير البصر، ثم عمي بَعد. له أربعة عشر حديثًا للبخايّ منها واحد، روى عنه أنس ومحمود بن الربيع يعد من أهل المدينة، ومات زمن معاوية وقد كبر، وفي الصحابة عتبان سواه واحد، وهو ابن عبيد بن عمرو العبديّ. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ. أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع مطولًا ومختصرًا، ففي الصلاة عن هنّاد وعن حيّان بن موسى وعن معاذ بن أسد وعن إسماعيل بن مالك وعن إسحاق وعن سعيد بن عفير، وفي الرقاق عن معاذ بن أسد، وفي استتابة المرتدين عن عبدان، وفي المغازي عن القعنبيّ، وعن سعيد بن عُفير وعن يحيى بن كثير، وفي الأطعمة عن يحيى بن كثير أيضًا، ومسلم في عدة مواضع في الصلاة وفي الإيمان, والنَّسائيّ في الصلاة وفي اليوم والليلة، وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف: باب المساجد في البيوت أي اتخاذ المساجد في البيوت، ثم قال: وصلى البراء بن عازب في مسجده في داره جماعة. وللكشميهني "في جماعة" والبراء مرَّ في الثالث والثلاثين من كتاب الإيمان, وهذا الأثر أورد ابن أبي شيبة معناه في قصته.

стр. 3114

الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِى الَّذِى بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى. قَالَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَين دَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟. قَالَ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ. قَالَ: فَثَابَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَدْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ. قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ وَهْوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ. قوله: إِنه أتى رسول الله، وعند مسلم: أنه بُعِث إِلى النبي ﷺ يطلب ذلك

стр. 3115

منه، فيحتمل أن يكون نسب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، ويحتمل أن يكون أتاه مرة وبعث إليه أخرى، إما متقاضيًا وإما مذكرًا. وظاهر رواية الطبرانيّ المتقدمة قريبًا أن مخاطبة عتبان بذلك، كانت حقيقة لا مجازًا. وقوله: قد أنكرت بصري، كذا هو في أكثر الروايات عن ابن شهاب، وللطبرانيّ "لما ساء بصري" وللإسماعيليّ "جعل بصري يَكِلّ" ولمسلم "أصابني في بصري بعضُ الشيء" وكل هذا ظاهر في أنه لم يكن بلغ العمى إذ ذاك، لكن أخرج المصنف في باب الرخصة في المطر عن مالك عن ابن شهاب، فقال فيه: إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله ﷺ : إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر ... الحديث، وليست هذه الرواية معارضة لغيرها، بل قول محمود: إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، أي حين لقيه محمود وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبي ﷺ ، وبينه قوله في رواية يعقوب "فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى يؤم قومه". وأما قوله: وأنا رجل ضرير البصر، أي أصابني منه ضر، فهو كقوله "أنكرت بصري" ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه: "لما أنكرت من بصري" وقوله في رواية مسلم المارة "أصابني في بصري بعض الشيء" فإنه ظاهر في أنه لم يكمل عماه، لكن في رواية لمسلم بلفظ "إنه عمي فأرسل" وقد جمع ابن خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب الزهري، فقال: قوله أنكرت بصري، هذا اللفظ يطلق على من في بصره سوء, وإن كان يبصر بصرًا ما، وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئًا، والأولى أن يقال: أطلق عليه العمى لقربه منه، ومشاركته له في فوات بعض ما كان يعهده في الصحة، وبهذا تأتلف الروايات. وقوله: أصلي لقومي، أي لأجلهم، والمراد أنه كان يؤمهم، وصرح بذلك أبو داود الطَّيَالسِيّ. وقوله: سال الوادي، أي سأل الماء في الوادي، فهو من إطلاق المحل على الحالّ. وقوله: بيني وبينهم، وللإسماعيليّ "يسيل الوادي الذي بين مسكني وبين مسجد قومي، فيحول بيني وبين الصلاة معهم". وقوله: فأصليَ بهم، بالنصب عطفًا على "آتي". وقوله: وَدِدْت، بكسر الدال الأُولى،

стр. 3116

أي تمنيت، وحكى القزّاز جواز فتح الدّال في الماضي، والواو في المصدر، والمشهور في المصدر الضمّ، وحُكي فيه الكسر، فهو مثلث. وقوله: فتصلي، بسكون الياء، ويجوز النصب لوقوع الفاء بعد التمني. وقوله: فأتخذُهُ بالرفع على الاستئناف، وبالنصب عطفًا على الفعل المنصوب، وتعقبه الدمامينيّ فقال: إنْ ثبتت الرواية بالنصب فالفعل منصوبٌ بأنْ مضمرة جوازًا لا لزومًا، وأنْ والفعل بتقدير مصدر معطوف على المصدر المسبوق من "إنّك تأتيني" أي وددت إتيانك فصلاتك فاتخاذي مكان صلاتك مصلى، وهذا ليس في شيء من جواب التمني الذي يريدونه، وكيف ولو ظهرت أن هنا لم يمتنع، وهناك يمتنع؟ ولو رفع تصلي وما بعده بالعطف على الفعل المرفوع المتقدم، وهو قولك: تأتيني لصح، والمعنى بحاله. وقوله: سأفعل إن شاء الله، علقه بمشيئة الله تعالى، لآية الكهف، لا لمجرد التبرك, لأن ذلك حيث يكون الشيء مجزومًا به، ويجوز كونه للتبرك، لأن إطلاعه ﵊ بالوحي على الجزم بان ذلك سيقع، غير مستبعد. وقوله: قال عتبان، ظاهر هذا السياق أن الحديث من أوله إلى هنا من رواية محمود بن الربيع بدون واسطة، ومن هنا إلى آخره من روايته عن عتبان صاحب القصة. وقد يقال: القدر الأول مرسل, لأن محمودًا يصغر عن حضور ذلك، لكن وقع التصريح في أوله بالتحديث، بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي، عن ابن شهاب عند أبي عَوانة. وكذا وقع تصريحه بالسماع عند المصنف من طريق معمر، ومن طريق إبراهيم بن سعد، كما في الباب الماضي، فيحمل قوله: قال عتبان، على أن محمودًا أعاد اسم شيخه اهتمامًا بذلك، لطول الحديث. وقوله: فغدا رسول الله، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوَقت "فغدا عليّ رسول الله" وزاد الإسماعيليّ "بالغد". وقوله: وأبو بكر، لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره، حتى أن في رواية الأوزاعي "فاستأذنا فأذنت لهما" لكن في رواية أبي أُويس "ومعه أبو بكر وعمر"، ولمسلم "فأتاني ومن شاء الله من أصحابه"

стр. 3117

وللطبرانيّ "في نفر من أصحابه" فيحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه. قلت: هذا لا يحصل به الجمع مع رواية الأوزاعيّ السابقة "فاستأذنا فأذنت لهما". وقوله: فلم يجلس حين دخل، وللكشميهني "حتى دخل" ومعناها: فلم يجلس في الدار، ولا غيرها، حتى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه. وفي رواية يعقوب عند المصنف والطيالسيّ "فلما دخل لم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي لك؟ " وهي أبين في المراد, لأن جلوسه إنما وقع بعد صلاته، بخلاف ما وقع منه في بيت مليكة، حيث جلس فأكل ثم صلى, لأنه هناك دُعي إلى الطعام، فبدأ به، وهنا دعي إلى الصلاة فبدأ بها. وقوله: أن أصلي من بيتك، وللكشميهني "في بيتك" وقوله "فقمنا فصففنا" بالفاء للأربعة، و"نا" فاعل، ولغيرهم "فصفَّنا" بالإدغام و"نا" مفعول. وقوله: ثم سلم، يستنبط منه مشروعية النافلة في جماعة بالنهار. وقوله: وحبسناه، أي منعناه من الرجوع بعد الصلاة. وقوله: على خَزِيرة بخاء مفتوحة بعدها زاي مكسورة. ثم ياء تحتانية ثم راء ثم هاء، وهي تصنع من لحم يقطع صغارًا، ثم يصب عليها ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، وإن لم يكن فيه لحم فهو عَصيدة. وزاد يعقوب "من لحم بات ليلة" وقيل: هي حساء من دقيق فيه دسم، وحكى الأزهريّ أن الخزيرة من النخالة، وحكاه المصنف عن النضر بن شميل في كتاب الأطعمة. قال عياض: المراد بالنخالة دقيق لم يغربل، ويؤيد هذا التفسير ما في مسلم من قوله "على جَشِيشة" بجيم ومعجمتين. قال أهل اللغة: هي أن تطحن الحنطة ثم يلقى فيها شحم أوغيره، ورويت في الصحيحين بحاء وراءين مهملات، والتي بمهملات تصنع من اللَّبن كما حكاه المصنف في الأطعمة عن النضر. وقوله: فثاب في البيت رجال، بمثلثة وبعد الألف موحدة، أي اجتمعوا بعد

стр. 3118

أن تفرقوا. قال الخليل: المثابةُ مجتمع الناس بعد افتراقهم. ومنه قيل للبيت: مثابة. ويقال: ثاب إذا رجع، وثاب إذا أقبل. وقوله: من أهل الدار، أي المحلة، لقوله "خير دور الأنصار دار بني النجار" أي محلتهم. والمراد أهلها وقيل: ثاب هنا معناه جاء بعضهم إثر بعض، ولا يحسن تفسيره باجتمعوا، لقوله بعده "فاجتمعوا" فيلزم منه عطف الشيء على مرادفه، وهو خلاف الأصل. وقوله: فقال قائل منهم، لم يسم ذلك القائل. وقوله: أين مالك بن الدُّخَيَشن، يأتي تعريفه قريبًا، وضبطه في الكلام على السند. وقوله: قال بعضهم، قيل: هو عتبان بن مالك راوي الحديث. وقوله: ألا تراه قد قال لا إله إلا الله، أي مع قوله محمد رسول الله، وقوله: يريد بذلك وجه الله تعالى، أي ذات الله تعالى، وقد استوفينا الكلام عليه في حديث سعد بن أبي وقّاص في آخر كتاب الإيمان. وبشهادة الرسول ﵊ له بالإخلاص انتفت عنه الظنة. وقوله: قال الله ورسوله أعلم، أي قال القائل، ولمسلم "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" وكأنهم فهموا من هذا الاستفهام أن لا جزم بذلك، ولولا ذلك لم يقولوا في جوابه: إنه لَيَقول ذلك وما هو في قلبه، كما عند مسلم. وقوله: فإنا نرى وجهه، أي توجهه. وقوله: ونصيحته إلى المنافقين، قال الكرمانيّ: يقال نصحت له لا إليه، ثم قال: قد ضمن معنى الانتهاء، والظاهر أن قوله إلى المنافقين متعلق بقوله "وجهه" فهو يتعدى بإلى، ومتعلق "نصيحته" محذوف للعلم به. وقوله: قال ابن شهاب، أي بالإسناد الماضي، ووهم من قال إنه معلق. وقوله: ثم سألت، زاد الكشميهني "بعد ذلك"، والحصين يأتي تعريفه قريبًا. وقوله: من سَراتهم، بفتح المهملة، أي خيارهم، جمع سَريّ. قال أبو عبيد: هو المرتفع القدر من سرا الرجل يَسْرو إذا كان رفيع القدر، وأصله من السَّراة، وهو أرفع المواضع من ظهر الدابة. وقيل هو رأسها. وقوله: فصدقه بذلك، يحتمل أن يكون الحصين سمعه أيضًا من عتبان، ويحتمل أن يكون سمعه من

стр. 3119

صحابيّ آخر، وليس للحصين ولا لعتبان في الصحيحين سوى هذا الحديث. وقد أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع مطولًا ومختصرًا، وقد سمعه من عتبان أيضًا أنس بن مالك، كما عند مسلم. وسمعه أيضًا أبو بكر بن أنس مع أبيه من عتبان كما عند الطبرانيّ. ويأتي في "باب النوافل جماعة" أن أبا أيوب الأنصاري سمع محمود بن الربيع يحدث به عن عتبان، فأنكره، لما يقتضيه ظاهره من أن النار محرمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالة أن بعضهم يعذب، لكن للعلماء أجوبة عن ذلك، منها أن ذلك فيمن قال الكلمة وأدى حقها وفرضيتها، فيكون الامتثال والانتهاء مُدْرَجَين تحت الشهادتين. ومنها ما رواه مسلم عن ابن شهاب أنه قال عقب حديث الباب: ثم نزلت بعد ذلك فرائضُ وأمورٌ، نرى أن الأمر قد انتهى إليها فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغتر. وفي هذا نظر. لأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يعذب إذا كان موحدًا، وأيضًا وقع مثل هذا الحديث لأبي هريرة كما عند مسلم، وصحبته متأخرة عن نزول كثير من الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى، رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هُريرة، ومنها أن ذلك خرج مخرج الغالب, لأن الغالب أن الموحد إذا قالها مخلصًا لا يترك الفرائض, لأن الإخلاص يحمل على أداء اللازم. ومنها أن المراد تحريم الخلود، أو تحريم دخول النار المعدة للكافرين، لا الطبقة المعدة للعصاة، ومنها أن المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح، والتجاوز عن السيء، ومنها أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته، لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، ومنها أن مطلَقَه مقيدٌ بمن قالها تائبًا، ثم مات على ذلك قبل أن يتمكن من الإتيان بأمر آخر. قاله في الفتح بزيادة يسيرة من المرقاة. وفي هذا الحديث من الفوائد إمامة الأعمى واخبار المرء عن نفسه بما فيه

стр. 3120

من عاهة، ولا يكون من الشكوى، وأنه كان في المدينة مساجد للجماعة سوى مسجده ﷺ ، والتخلف عن الجماعة في المطر والظلمة ونحو ذلك، واتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي عن إيْطانِ موضعٍ معينٍ من المسجد، ففيه حديث رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه، وفيه تسوية الصفوف، وأن عموم النهي عن إمامة الزائر من زاره، مخصوص بما إذا كان الزائر هو الإِمام الأعظم، فلا يكره، وكذا من أذن له صاحب المنزل، وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ، أو وطئها، ويستفاد منه إن دُعِي من الصالحين ليتبرك به أنه يجب إذا أَمِنَ الفتنة، ويحتمل أن يكون عتبان إنما طلب بذلك للوقوف على جهة القبلة بالقطع. وفيه إجابة الفاضل دعوة المفضول، والتبرك بالمشيئة، والوفاء بالوعد، واستصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن المستدعي لا يكره ذلك، والاستئذان على الداعي في بيته، وإنْ تقدم منه طلب الحضور، وأن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يخرجه عن ملك صاحبه، ولو أطلق عليه اسم المسجد، بخلاف المسجد المتخذ في المحلة، وفيه اجتماع أهل المحلة على الإِمام أو العالم، إذا ورد منزل بعضهم، ليستفيدوا منه، ويتبركوا به، والتنبيه على من يظن به الفساد في الدين عند الإِمام على جهة النصيحة، ولا يعد ذلك غيبة، وأنّ على الإِمام أن يتثبت في ذلك، ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل، وفيه افتقاد من غاب عن الجماعة بلا عذر، وأنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، وأنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد، وأن العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى ينجي صاحبه إذا قبله الله تعالى، وأن من نَسَب مَن يظهر الإِسلامَ إلى النفاق ونحوه، بقرينة تقوم عنده، لا يُكفَّر بذلك ولا يُفَسّق، بل يعذر بالتأويل. رجاله ستة: وفيه ذكر مالك بن الدُّخَيشن، والحصين بن محمد وأبو بكر ولفظه: فقال قائل:
следующие страницы →