Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
أي تمنيت، وحكى القزّاز جواز فتح الدّال في الماضي، والواو في المصدر، والمشهور في المصدر الضمّ، وحُكي فيه الكسر، فهو مثلث.
وقوله: فتصلي، بسكون الياء، ويجوز النصب لوقوع الفاء بعد التمني. وقوله: فأتخذُهُ بالرفع على الاستئناف، وبالنصب عطفًا على الفعل المنصوب، وتعقبه الدمامينيّ فقال: إنْ ثبتت الرواية بالنصب فالفعل منصوبٌ بأنْ مضمرة جوازًا لا لزومًا، وأنْ والفعل بتقدير مصدر معطوف على المصدر المسبوق من "إنّك تأتيني" أي وددت إتيانك فصلاتك فاتخاذي مكان صلاتك مصلى، وهذا ليس في شيء من جواب التمني الذي يريدونه، وكيف ولو ظهرت أن هنا لم يمتنع، وهناك يمتنع؟ ولو رفع تصلي وما بعده بالعطف على الفعل المرفوع المتقدم، وهو قولك: تأتيني لصح، والمعنى بحاله.
وقوله: سأفعل إن شاء الله، علقه بمشيئة الله تعالى، لآية الكهف، لا لمجرد التبرك, لأن ذلك حيث يكون الشيء مجزومًا به، ويجوز كونه للتبرك، لأن إطلاعه ﵊ بالوحي على الجزم بان ذلك سيقع، غير مستبعد. وقوله: قال عتبان، ظاهر هذا السياق أن الحديث من أوله إلى هنا من رواية محمود بن الربيع بدون واسطة، ومن هنا إلى آخره من روايته عن عتبان صاحب القصة. وقد يقال: القدر الأول مرسل, لأن محمودًا يصغر عن حضور ذلك، لكن وقع التصريح في أوله بالتحديث، بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعي، عن ابن شهاب عند أبي عَوانة. وكذا وقع تصريحه بالسماع عند المصنف من طريق معمر، ومن طريق إبراهيم بن سعد، كما في الباب الماضي، فيحمل قوله: قال عتبان، على أن محمودًا أعاد اسم شيخه اهتمامًا بذلك، لطول الحديث.
وقوله: فغدا رسول الله، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوَقت "فغدا عليّ رسول الله" وزاد الإسماعيليّ "بالغد". وقوله: وأبو بكر، لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره، حتى أن في رواية الأوزاعي "فاستأذنا فأذنت لهما" لكن في رواية أبي أُويس "ومعه أبو بكر وعمر"، ولمسلم "فأتاني ومن شاء الله من أصحابه"
стр. 3117
وللطبرانيّ "في نفر من أصحابه" فيحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه. قلت: هذا لا يحصل به الجمع مع رواية الأوزاعيّ السابقة "فاستأذنا فأذنت لهما".
وقوله: فلم يجلس حين دخل، وللكشميهني "حتى دخل" ومعناها: فلم يجلس في الدار، ولا غيرها، حتى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه. وفي رواية يعقوب عند المصنف والطيالسيّ "فلما دخل لم يجلس حتى قال: أين تحب أن أصلي لك؟ " وهي أبين في المراد, لأن جلوسه إنما وقع بعد صلاته، بخلاف ما وقع منه في بيت مليكة، حيث جلس فأكل ثم صلى, لأنه هناك دُعي إلى الطعام، فبدأ به، وهنا دعي إلى الصلاة فبدأ بها.
وقوله: أن أصلي من بيتك، وللكشميهني "في بيتك" وقوله "فقمنا فصففنا" بالفاء للأربعة، و"نا" فاعل، ولغيرهم "فصفَّنا" بالإدغام و"نا" مفعول. وقوله: ثم سلم، يستنبط منه مشروعية النافلة في جماعة بالنهار. وقوله: وحبسناه، أي منعناه من الرجوع بعد الصلاة. وقوله: على خَزِيرة بخاء مفتوحة بعدها زاي مكسورة. ثم ياء تحتانية ثم راء ثم هاء، وهي تصنع من لحم يقطع صغارًا، ثم يصب عليها ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، وإن لم يكن فيه لحم فهو عَصيدة. وزاد يعقوب "من لحم بات ليلة" وقيل: هي حساء من دقيق فيه دسم، وحكى الأزهريّ أن الخزيرة من النخالة، وحكاه المصنف عن النضر بن شميل في كتاب الأطعمة.
قال عياض: المراد بالنخالة دقيق لم يغربل، ويؤيد هذا التفسير ما في مسلم من قوله "على جَشِيشة" بجيم ومعجمتين. قال أهل اللغة: هي أن تطحن الحنطة ثم يلقى فيها شحم أوغيره، ورويت في الصحيحين بحاء وراءين مهملات، والتي بمهملات تصنع من اللَّبن كما حكاه المصنف في الأطعمة عن النضر.
وقوله: فثاب في البيت رجال، بمثلثة وبعد الألف موحدة، أي اجتمعوا بعد
стр. 3118
أن تفرقوا. قال الخليل: المثابةُ مجتمع الناس بعد افتراقهم. ومنه قيل للبيت: مثابة. ويقال: ثاب إذا رجع، وثاب إذا أقبل. وقوله: من أهل الدار، أي المحلة، لقوله "خير دور الأنصار دار بني النجار" أي محلتهم. والمراد أهلها وقيل: ثاب هنا معناه جاء بعضهم إثر بعض، ولا يحسن تفسيره باجتمعوا، لقوله بعده "فاجتمعوا" فيلزم منه عطف الشيء على مرادفه، وهو خلاف الأصل.
وقوله: فقال قائل منهم، لم يسم ذلك القائل. وقوله: أين مالك بن الدُّخَيَشن، يأتي تعريفه قريبًا، وضبطه في الكلام على السند. وقوله: قال بعضهم، قيل: هو عتبان بن مالك راوي الحديث. وقوله: ألا تراه قد قال لا إله إلا الله، أي مع قوله محمد رسول الله، وقوله: يريد بذلك وجه الله تعالى، أي ذات الله تعالى، وقد استوفينا الكلام عليه في حديث سعد بن أبي وقّاص في آخر كتاب الإيمان. وبشهادة الرسول ﵊ له بالإخلاص انتفت عنه الظنة.
وقوله: قال الله ورسوله أعلم، أي قال القائل، ولمسلم "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" وكأنهم فهموا من هذا الاستفهام أن لا جزم بذلك، ولولا ذلك لم يقولوا في جوابه: إنه لَيَقول ذلك وما هو في قلبه، كما عند مسلم. وقوله: فإنا نرى وجهه، أي توجهه. وقوله: ونصيحته إلى المنافقين، قال الكرمانيّ: يقال نصحت له لا إليه، ثم قال: قد ضمن معنى الانتهاء، والظاهر أن قوله إلى المنافقين متعلق بقوله "وجهه" فهو يتعدى بإلى، ومتعلق "نصيحته" محذوف للعلم به.
وقوله: قال ابن شهاب، أي بالإسناد الماضي، ووهم من قال إنه معلق. وقوله: ثم سألت، زاد الكشميهني "بعد ذلك"، والحصين يأتي تعريفه قريبًا. وقوله: من سَراتهم، بفتح المهملة، أي خيارهم، جمع سَريّ. قال أبو عبيد: هو المرتفع القدر من سرا الرجل يَسْرو إذا كان رفيع القدر، وأصله من السَّراة، وهو أرفع المواضع من ظهر الدابة. وقيل هو رأسها. وقوله: فصدقه بذلك، يحتمل أن يكون الحصين سمعه أيضًا من عتبان، ويحتمل أن يكون سمعه من
стр. 3119
صحابيّ آخر، وليس للحصين ولا لعتبان في الصحيحين سوى هذا الحديث. وقد أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع مطولًا ومختصرًا، وقد سمعه من عتبان أيضًا أنس بن مالك، كما عند مسلم. وسمعه أيضًا أبو بكر بن أنس مع أبيه من عتبان كما عند الطبرانيّ.
ويأتي في "باب النوافل جماعة" أن أبا أيوب الأنصاري سمع محمود بن الربيع يحدث به عن عتبان، فأنكره، لما يقتضيه ظاهره من أن النار محرمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالة أن بعضهم يعذب، لكن للعلماء أجوبة عن ذلك، منها أن ذلك فيمن قال الكلمة وأدى حقها وفرضيتها، فيكون الامتثال والانتهاء مُدْرَجَين تحت الشهادتين.
ومنها ما رواه مسلم عن ابن شهاب أنه قال عقب حديث الباب: ثم نزلت بعد ذلك فرائضُ وأمورٌ، نرى أن الأمر قد انتهى إليها فمن استطاع أن لا يغتر فلا يغتر. وفي هذا نظر. لأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يعذب إذا كان موحدًا، وأيضًا وقع مثل هذا الحديث لأبي هريرة كما عند مسلم، وصحبته متأخرة عن نزول كثير من الفرائض، وكذا ورد نحوه من حديث أبي موسى، رواه أحمد بإسناد حسن، وكان قدومه في السنة التي قدم فيها أبو هُريرة، ومنها أن ذلك خرج مخرج الغالب, لأن الغالب أن الموحد إذا قالها مخلصًا لا يترك الفرائض, لأن الإخلاص يحمل على أداء اللازم.
ومنها أن المراد تحريم الخلود، أو تحريم دخول النار المعدة للكافرين، لا الطبقة المعدة للعصاة، ومنها أن المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح، والتجاوز عن السيء، ومنها أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته، لأن النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، ومنها أن مطلَقَه مقيدٌ بمن قالها تائبًا، ثم مات على ذلك قبل أن يتمكن من الإتيان بأمر آخر. قاله في الفتح بزيادة يسيرة من المرقاة.
وفي هذا الحديث من الفوائد إمامة الأعمى واخبار المرء عن نفسه بما فيه
стр. 3120
من عاهة، ولا يكون من الشكوى، وأنه كان في المدينة مساجد للجماعة سوى مسجده ﷺ ، والتخلف عن الجماعة في المطر والظلمة ونحو ذلك، واتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهي عن إيْطانِ موضعٍ معينٍ من المسجد، ففيه حديث رواه أبو داود، وهو محمول على ما إذا استلزم رياء ونحوه، وفيه تسوية الصفوف، وأن عموم النهي عن إمامة الزائر من زاره، مخصوص بما إذا كان الزائر هو الإِمام الأعظم، فلا يكره، وكذا من أذن له صاحب المنزل، وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ ، أو وطئها، ويستفاد منه إن دُعِي من الصالحين ليتبرك به أنه يجب إذا أَمِنَ الفتنة، ويحتمل أن يكون عتبان إنما طلب بذلك للوقوف على جهة القبلة بالقطع.
وفيه إجابة الفاضل دعوة المفضول، والتبرك بالمشيئة، والوفاء بالوعد، واستصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن المستدعي لا يكره ذلك، والاستئذان على الداعي في بيته، وإنْ تقدم منه طلب الحضور، وأن اتخاذ مكان في البيت للصلاة لا يخرجه عن ملك صاحبه، ولو أطلق عليه اسم المسجد، بخلاف المسجد المتخذ في المحلة، وفيه اجتماع أهل المحلة على الإِمام أو العالم، إذا ورد منزل بعضهم، ليستفيدوا منه، ويتبركوا به، والتنبيه على من يظن به الفساد في الدين عند الإِمام على جهة النصيحة، ولا يعد ذلك غيبة، وأنّ على الإِمام أن يتثبت في ذلك، ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل، وفيه افتقاد من غاب عن الجماعة بلا عذر، وأنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، وأنه لا يخلد في النار من مات على التوحيد، وأن العمل الذي يبتغى به وجه الله تعالى ينجي صاحبه إذا قبله الله تعالى، وأن من نَسَب مَن يظهر الإِسلامَ إلى النفاق ونحوه، بقرينة تقوم عنده، لا يُكفَّر بذلك ولا يُفَسّق، بل يعذر بالتأويل.
رجاله ستة:
وفيه ذكر مالك بن الدُّخَيشن، والحصين بن محمد وأبو بكر ولفظه: فقال قائل:
стр. 3121
الأول من رجاله سعيد بن عُفير، وقد مرَّ في الثالث عشر من كتاب العلم، ومرَّ الليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ محمود بن الربيع في التاسع عشر من كتاب العلم، ومرَّ عتبان في الذي قبل هذا، ومرَّ أبو بكر الصديق في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد السبعين من كتاب الوضوء.
وأما مالك، فهو ابن الدُّخْشُم، بضم المهملة والمعجمة بينهما خاء معجمة، ويقال: بالنون بدل الميم، ويقال كذلك بالتصغير، من بني عوف بن عمرو بن عوف الأنصاريّ الأوسيّ، مختلف في نسبته. شهد العقبة في قول ابن إسحاق وموسى والواقديّ، وقال أبو مَعْشَر: لم يشهد العقبة، وكذلك قال داود بن الحصين، ولم يختلفوا أنه شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وهو الذي أَسَرَ سُهيل بن عمرو يوم بدر، وأنشد الزبير بن بكّار في أسر سهيل:
أسرتُ سهيلًا ولن أبتغي ... أسيرًا به من جميع الأمم
وخندفُ تعلم أنّ الفتى ... سهيلًا فتاها إذا تصطلم
ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أرسله النبي ﷺ مع مَعن بن عَدِيّ فأحرقا مسجد الضرار، وكان يتهم بالنفاق، وهو الذي أسَرَّ فيه الرجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ فقال الرجل: بلى، ولا شهادة له. فقال رسول الله ﷺ : أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له. فقال رسول الله ﷺ :"أولئك الذين نهاني الله عنهم".
والرجل الذي سارَّ رسولَ الله ﷺ فيه هو عتبان بن مالك، وهذه القصة غير التي وقعت في بيت عتبان بن مالك، حين صلى النبي ﷺ في بيته. قال ابن عبد البَر: لا يصح عنه النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه.
والحصين المراد به حُصين بن محمد الأنصاريّ السالميّ المدنيّ، وكان من سَراتهم. سأله الزُّهريّ عن حديث محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك فصدقه. قال أبو حاتم: روى عن عتبان، وعنه الزُّهريّ، مرسل ذكره ابن حبّان في الثقات، وذكره البخاريّ في تاريخه وغير واحد فيمن اسمه حصين، وزعم
стр. 3122
القابسيّ وغيره من حُفّاظ المغاربة أنه بالضاد المعجمة، وذلك وهم, لأنه لا خلاف بين أهل العلم أن حُضَين بن المنذر الرَّقَاشِيّ اسم فرد، والباقون بالمهملة، أخرجوا له الحديث الواحد المذكور. وقال الحاكم: قلت للدارقطني: حصين بن محمد السالميّ الذي يروي عنه الزهري؟ قال: ثقة، إنما حكى عنه الزهريّ حديثين. وليس في الستة حُصَين بن محمد سواه. ثم قال المصنف:
باب التيمن في دخول المسجد وغيره
قوله: التيمن، أي البداءة باليمين، وقوله: وغيره، أي غير الدخول، أو غير المسجد كالبيت، وهو بالخفض عطفًا على المسجد، أو على الدخول، والأخير أفيد. ثم قال: وكان ابن عمر يبدأ برجله اليمنى، فإذا خرج بدأ برجله اليسرى. قوله: برجله اليمنى، أي دخول المسجد. قال في الفتح: لم أره موصولًا عنه، لكن في المستدرك للحاكم عن أنس أنه كان يقول: من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى، والصحيح أن قول الصحابيّ من السنة محمول على الرفع، لكنْ لمّا كان حديث أنس ليس على شرطه، أشار إليه بأثر ابن عمر.
قلت: إنما يتم هذا لو كان أثر ابن عمر على شرطه، وقد مرَّ عنه أنه لم ير من وصله. فكيف يشير به؟ وابن عمر قد مرَّ في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 3123
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ.
وعموم حديث عائشة يدل على البداءة باليمين في الخروج من المسجد أيضًا، ويحتمل أنْ يقال إنّ في قولها "ما استطاع" احترازًا عما لا يستطيع فيه التيمن شرعًا، كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، وكذا تعاطي الأشياء المستقذرة باليمين، كالاستنجاء والتمخط. وقد علمت عائشة، رضي الله تعالى عنها، حبه ﵊ لما ذكرت، إما بإخباره لها بذلك، وإما بالقرائن. وقوله: في شأنه، متعلق بالتيمن أو بالمحبة أو بهما، فيكون من باب التنازع. وقد تقدمت مباحث هذا الحديث مستوفاة في باب "التيمن في الوضوء والغسل" من كتاب الوضوء.
رجاله ستة:
الأول: سليمان بن حرب، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرَّ الأشعث بن سليم وأبوه سليم في الثالث والثلاثين من كتاب الوضوء، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، وقد مرَّ في الوضوء الكلام على مواضع إخراجه. ثم قال المصنف:
باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد؟ لقول النبي ﷺ "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وما يكره من الصلاة في القبور
стр. 3124
قوله: مشركي الجاهلية، أي دون غيرها من قبور الأنبياء وأتباعهم، والاستفهام في قوله "هل" للتقرير، كقوله تعالى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ [الإنسان: ١] أي: يجوز نبشها, لأنها لا حرمة لها. وقوله: ويتخذ مكانها مساجد، أي بالنصب مفعولًا ثانيًا ليُتّخذ، المبني للمفعول، ومكانها بالرفع نائب عن الفاعل. وفي رواية "مساجدُ" بالرفع نائب عن الفاعل، ومكانها نصب على الظرفية، ويتخذ حينئذ متعدٍ إلى مفعول واحد.
وقوله: لقول النبي ﷺ ... إلخ، ووجه التعليل هو أن الوعيد على ذلك يتناول من اتخذ قبورهم مساجد، تعظيمًا ومغالاة، كما صنع أهل الجاهلية، وجرَّهم ذلك إلى عبادتهم. ويتناول من اتخذ أمكنة قبورهم مساجد بأن تنبش وترمى عظامهم، وهذان يختصان بالأنبياء ويلتحق بهم أتباعهم، وأما الكفرة فلا حرج في نبش قبورهم، إذ لا حرمة في إهانتهم، ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيمهم، فعرف بهذا أنْ لا تعارض بين فعله ﵊ في نبش قبور المشركين، واتخاذ مسجده مكانها، وبين لعنه، ﵊، من اتخذ قبور الأنبياء، لما تبين من الفرق.
والمتن الذي أشار إليه، وصله في باب الوفاة، في آخر المغازي عن عائشة بهذا اللفظ، ووصله في الجنائز، وزاد فيه "والنصارى" وذكره في عدة مواضع من طرق أخرى بهذه الزيادة، واستشكلت هذه الزيادة بأنّ النصارى ليس لهم نبي إلا عيسى بن مريم، ولم يقروا بنبوته، بل بإلهيته أو بنبوته، ولم يمت، ولم يدفن. ويأتي الباب التالي لباب الصلاة في البِيعة حيث ذكرتِ الزيادةُ هناك الجوابَ عما ذكر.
وقوله: وما يكره من الصلاة في القبور، يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين، وفي ذلك حديث رواه مسلم عن أبي مرثد الغنويّ، مرفوعًا "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها أو عليها" وليس على شرطه، فأشار إليه في الترجمة. وقوله: وما يكره، عطف على "هل تنبش" واستشكل عطف الجملة الخبرية على جملة الاستفهام الطلبية، وأجيب بأن
стр. 3125
جملة الاستفهام التقريري في حكم الخبرية.
ثم قال: ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبرَ القبرَ، ولم يأمره بالإعادة. وقوله: القبرَ القبرَ، بالنصب فيهما على التحذير، محذوف العامل وجوبًا، أي اتقِ، أو اجتنب القبرَ. وقوله: ولم يأمره بالإعادة، استنبطه مق تمادي أنس على الصلاة، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف. ومذهب مالك أن الصلاة في المقبرة جائزة، بدون كراهة، إن أمنت من النجس, عامرة كانت أو دراسة، تيقن نبشها أو شك فيه، جعل بينه وبينها حائل أم لا، كانت لمسلم أو لمشرك، ولو كان القبر بين يديه، ولا إعادة عليه على المشهور في الجميع. وقال ابن حبيب من المالكية: إن صلى في مقابر الكفار؛ فإن كانت عامرة أعاد أبدًا، أو دارسة فلا إعادة. وفي مقابر المسلمين لا إعادة مطلقًا.
وقال عبد الوهاب: تكره في الجديد من مقابر المسلمين، وفي القديمة إن كانت منبوشة، ما لم يجعل بينه وبينها حصيرًا، وتكره في مقابر المشركين، وإن شك في النجاسة أعاد في الوقت، وان تحققت أعاد العامد والجاهل أبدًا والناسي في الوقت، وعند الشافعية تكره الصلاة عليها لكونه صلى على نجاسة، ولو كان بينهما حائل، وقيل: لا كراهة لكونه صلى مع الفرش على النجاسة مطلقًا. كما قال القاضي حسين. وقال ابن الرقعة: إن الكراهة لحرمة الميت، أما لو وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة، فلا كراهة إلا في المنبوشة، فلا تصح الصلاة فيها.
قال في التوشيح: ويستثنى مقبرة الأنبياء، فلا كراهة فيها, لأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأنهم أحياء في قبورهم يصلون، ولا يشكل بحديث "لعن الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" لأن اتخاذها مساجد أخص من مجرد الصلاة فيها، والنهي عن الأخص لا يستلزم النهي عن الأعم. قال في التحقيق: ويحرم أن يصلّى متوجهًا إلى قبره ﵊ ويكره إلى غيره مستقبل آدميٌ, لأنه يشغل القلب غالبًا، ويقاس بما ذكر في قبره ﵊ سائر قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما احتاجت
стр. 3126
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والتابعون إلى زيادة مسجده ﵊، بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة قوله، لئلا تصل إليه العوام، فيؤدي إلى ذلك المحذور، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي حرفوها حتى التقيا، حتى لا يمكن أحد أن يستقبل القبر.
وذهب الثوريّ وأبو حنيفة والأوزاعي إلى كراهة الصلاة في المقبرة مطلقًا، وذهب أحمد إلى تحريم الصلاة فيها, ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها, ولا بين أن يُفرش عليها شيء يقيه من النجاسة، أم لا, ولا بين أن تكون بين القبور أو في مكان منفرد عنها، كالبيت والعلو. قال في "تنقيح المقنع": ولا تصح الصلاة تعبدًا في مقبرة غير صلاة الجنازة، ولا يضر قبران، ولا ما دفن بداره، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم الصلاة في المقبرة، سواء كانت مقابر المسلمين أو الكفار.
стр. 3127
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قوله: عن عائشة، وللإسماعيليّ "أخبرتني عائشة" وقوله: ذكرتا، كذا لأكثر الرواة، وللحمويّ والمستملي "ذكرا" بالتذكير، وهو مشكل، ولعله سبقُ قلمٍ من الناسخ، وقوله: كنيسة، بفتح الكاف هي معبد النصارى. وقوله: رأينها بالحبشة، أي بنون الجمع، على أن أقل الجمع اثنان، أو على أنه كان معهما غيرهما من النسوة، ولأبي ذرٍّ والأصيلي: رأتاها، بالمثناة الفوقية بضمير التثنية على الأصل. وفي رواية: رأياها، بالمثناة التحتية. وقوله: فيها تصاوير، أي تماثيل، والجملة في موضع نصب صفة لكنيسة، ويأتي للمصنف قريبًا في باب "الصلاة في البيعة" أن تلك الكنيسة تسمى "مارِيَة" بكسر الراء وتخفيف الياء.
وقوله: إن أولئك، بكسر الكاف؛ لأن الخطاب لمؤنث، ويجوز الفتح. وقوله: فمات، عطف على كان. وقوله: تلك الصور، وللمستملي "تيكِ الصور" بالياء التحتانية بدل اللام، وفي الكاف فيها وفي أولئك بعدها، ما في "أولئك" الماضية. وقوله: شِرار الخلق، بكسر الشين المعجمة جمع شَر، كبحر وبحار. وأما أشرار فهي جمع شَرّ كزند وأزناد، وإنما صور أوائلهم الصور، كما قال القرطبي: ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة، ليجتهدوا كاجتهادهم، ثم خَلَف من بعدهم خَلْق جَهِلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان
стр. 3128
أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها، فحذر ﵊ عن مثل ذلك، سدًا للذريعة المؤدية إلى ذلك.
وقال البيضاويّ: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأتبياء تعظيمًا لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانًا، لعنهم، ومنع المسلمين عن مثل ذلك. فأما من اتخذ مسجدًا بجوار صالح، وقصد التبرك بالقرب منه، لا التعظيم له ولا التوجه نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد. وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان، لقرب العهد بعبادة الأوثان. وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد في رد ذلك، وقد مرَّ الكلام على التصاوير مستوفى باب "إن صلى في ثوب مصلب" إلخ.
وفيه جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب، ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به، وذم فاعل المحرمات، وأنّ الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل، وفيه كراهية الصلاة في المقابر، وقد مرَّ قريبًا، قبل هذا الحديث، بيان ما قيل في ذلك من مذاهب العلماء. وفيه منع بناء المساجد على القبور، ومقتضاه التحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه؟ وصرح الشافعيّ وأصحابه بالكراهة، وقد مرَّ تصير البيضاويّ للمراد بالنهي عن بنائها. وقال البندبيجيُّ: المراد أن يسوّى القبر مسجدًا فيصلى فوقه. وقال: إنه يكره أن يبنى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر. وأما المقبرة الدائرة، إذا بُني مسجدٌ ليصلى فيه، فلا بأس فيه, لأن المقابر وَقْف، وكذا المساجد فمعناهما واحد.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أم سلمة وأم حبيبة. الأول محمد بن المثنى، وقد مرَّ في التاسع من كتاب الإيمان، ومرَّ يحيى القطان في السادس منه، ومرَّ هشام بن عروة وأبوه عُروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. ومرت أم سلمة في السادس والخمسين من كتاب العلم.
стр. 3129
وأما أم حبيبة فهي رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس، الأموية، زوج النبي ﷺ ، تكنى أم حبيبة، وهي بها أشهر من اسمها، وقيل اسمها هند، والأول أصح، أمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، عمة عثمان، وُلدت قبل الهجرة بسبعة عشر عامًا، تزوجها حليفهم عُبيد الله، بالتصغير، ابن جحش بن رباب بن يعمر الأسديّ، من بني أسد بن خُزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة، فولدت له حبيبة، فيها كانت تكنى. وقيل: إنما ولدتها بمكة، وهاجرت وهي حامل بها إلى الحبشة.
وتزوج حبيبة داود بن عُروة بن مسعود، ولما تنصر زوَّجها عُبيدَ الله، وارتد فارقها، فأخرج ابن سعد أنها قالت: رأيت في المنام كأنَّ زوجي عبيد الله بن جحش بأسوأ صورة، ففزعت، فأصبحت فإذا به قد تنصر، فأخبرته بالمنام فلم يحفل به، وأكبَّ على الخمر حتى مات. فأتاني آتٍ في نومي فقال: يا أم المؤمنين، ففزعت، فما هو إلا أن انقضت عدتي، فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن، فإذا هي جارية له يقال لها أبرهة، فقالت: إن الملك يقول لك وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص بن أمية فوكلته، وأعطيت أبرهة سِوارين من فضة، فلما كان العشيّ أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وتشهد ثم قال: أما بعد، فإن رسول الله ﷺ كتب إليَّ أن أزوجه أم حبيبة، فأجبت. وقد أصدقتها عنه أربع مئة دينار، ثم سكب الدنانير، فخطب خالد فقال: قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، وزوجته أم حبيبة، وقبض الدنانير. وعمل لهم النجاشيّ طعامًا. قالت أم حبيبة: فلما وصل المال أعطيت أبرهة منه خمسين دينارًا قالت: فردتها عليّ وقالت: إنّ الملك قد عزم عليّ بذلك، وردت علي ما كنت أعطيتها أولًا، ثم جاءتني من الغد بعُود وَوَرْسٍ وعنبر وزَبَاد كثيرٍ، فقدمت به معي على رسول الله ﷺ .
وروى ابن سعد أن ذلك كان سنة سبع، وقيل سنة ست، والأول أشهر، ومن طريق الزهريّ أن الرسول إلى النجاشيّ شُرحبيلُ بن حَسَنة، وبعث بها معه وجاء بها. ومن طريق أخرى أن الرسول إلى النجاشيّ بذلك، كان عمرو بن أمية
стр. 3130
الضمريّ، ومن طريق عبد الواحد بن أبي عَون قال: لما بلغ أبا سفيان أن النبيّ ﷺ نكح ابنته، قال: هو الفحل لا يقاع أنفه. وقيل: نزلت في ذلك ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] وقال ابن عبد البر: إن الذي عقد لرسول الله ﷺ عثمانُ بن عفان. قال ابن حَجَر: وهذا بعيد، فإن ثبت فيكون العقد عليها كان قبل الهجرة إلى المدينة، أو يكون عثمان جدَّده بعد أن قدمت المدينة، وعلى هذا يحمل قول من قال: إن النبيّ ﷺ إنما تزوجها بعد أن قدمت المدينة، رُوي ذلك عن قتادة قال: وعمل لهم عثمان وَليمةً لحمًا وثريدًا.
وفي ما ذُكر عن قتادة، ردٌّ على دعوى ابن حزم الإجماعَ على أن النبي ﷺ إنما تزوج أم حبيبة وهي بأرض الحبشة، وتبعه على ذلك جماعة فقالوا: لا اختلاف بين أهل السير في ذلك، إلا ما وقع عند مسلم، أنّ أبا سفيان لما أسلم، طلب منه رسول الله ﷺ أن يزوجه إياها، فأجابه إلى ذلك، وهو وهم من بعض الرواة. وفي الجزم بكونه وهمًا نظرٌ، فقد أجاب بعض الأئمة باحتمال أن يكون أبو سفيان أراد تجديد العقد، نعم، لا اختلاف أنه ﷺ دخل على أم حبيبة قبل إسلام أبي سفيان، وقيل: عقد عليها له النجاشيّ، وأمهرها أربعة آلاف درهم، وبعث بها إليه وجهزها من عنده، وما بعث إليها النبي ﷺ بشيء، وكان مهور سائر أزواج النبي ﷺ أربع مئة درهم.
وروى ابن سعد قال: قدم أبو سفيان المدينة، فأراد أن يزيد في الهدنة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ ، طوته دونه، فقال: يا بنية، أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ ، وأنت امرؤ نجس مشرك. فقال: لقد أصابك بعدي شَر.
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فتحللينني من ذلك، فحللتها واستغفرت لها، فقالت لي: سَرَرْتني سرك الله. وأرسلت إلى أم سلمة بمثل ذلك، روت عن النبي ﷺ أحاديث، وعن زينب بنت جحش أم المؤمنين، وروت عنها بنتها
стр. 3131
حبيبة، وأخواها معاوية وعُتبة، وابن أخيها عبد الله، ومولاها سالم بن سوال، وزينب بنت أم سلمة، وعروة بن الزبير وآخرون. ماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين، وقيل سنة اثنتين وأربعين. وقيل سنة تسع وخمسين، وهو بعيد. ورُويَ عن عليّ بن الحسين، ﵄، قال: قدمت في منزلي في دار علي بن أبي طالب، فحفرنا في ناحية منه فأخرجنا حجراً منه، فإذا فيه مكتوب: هذا قبر رملة بنت صخر، فأعدناه مكانه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد، والعنعنة في موضعين. أخرجه البخاريّ هنا وفي هجرة الحبشة عن محمد بن المثنى، ومسلم في الصلاة والنَّسائيّ.
стр. 3132
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ السُّيُوفِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ فَقَالَ: "يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا". قَالُوا: لاَ وَاللَّهِ، لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ * الآخِرَةَ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ.
قوله: فنزل أعلى المدينة، وللأصيلي "في أعلى المدينة" وتأتي في الهجرة رواية "في علو المدينة" وكل ما في جهة نجد يسمى العالية، وما في جهة تهامة يسمى السافلة، وقباء من عوالي المدينة، وأخذ من نزوله ﵊ التفاؤل له ولدينه بالعلو. وقوله: في حى، بتشديد الياء، القبيلة، وجمعه أحياء. وقوله: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ولأبوي ذرٍّ والوقت، وابن عساكر "أربعًا وعشرين"، وصوب في "الفتح" الأُولى قال: وكذا رواه أبو داود عن مسدد، شيخ المؤلف فيه.
стр. 3133
وقوله: فأرسل إلى بني النجار، وهم أخوال عبد المطلب؛ لأن أم سلمى منهم، فأراد النبي ﷺ النزولَ عندهم، لما تحول من قباء. والنجار بطن من الخزرج، واسمه تيم الّلات بن ثعلبة، وقوله: متقلدين السيوف، أي بإثبات النون بلا إضافة، والسيوف منصوب بمتقلدين، أي جعلوا نجاد السيف على المنكب خوفًا من اليهود، وليروه ما أعدوه لنصرته ﵊. وفي رواية كريمة "متقلدي" بحذف النون، وجر السيوف بالإضافة، ومتقلدين حال على كلا الإعرابين.
وقوله: على راحلته، أي ناقته، وهي القصواء. والراحلة تطلق على الذكر والأنثى من ركائب الإبل. وقوله: وأبو بكر رِدفه، أي بكسر الراء وسكون الدال، جملة اسمية حالية، أي راكب خلفه، وكأنّ النبي ﷺ أراد تشريفه. والتنويه بقدره بإردافه له، وإلا فقد كان لأبي بكر، رضي الله تعالى عنه، ناقة هاجر عليها.
وقوله: وملأ بني النجار، أي أشرافهم أو جماعتهم. وقوله: حوله، أي يمشون حوله، وكأنهم يمشون معه ﵊ أدبًا، والجملة حالية. وقوله: حتى ألقى، أي نزل، والمراد ألقى رحله. وقوله: بفِناء، هو بكسر الفاء، الناحية المتسعة أمام الدار. وقوله: إنه أمر بكسر همزة إن ويجوز فتحها، وأمر بفتح الهمزة مبني للفاعل، وبضمها على البناء للمفعول، والضمير في "إنه" على الأول، له ﵊، وعلى الثاني للشأن.
وقوله: ثامنوني، بالمثلثة أي اذكروا لي ثمنه، لأذكر لكم الثمن الذي اختاره. قال ذلك على سبيل المساومة، فكأنه قال ساوموني في الثمن. تقول: ثامنت الرجل في كذا إذا ساومته. وقوله: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، تقديره: لا نطلب الثمن، لكن الأمر فيه إلى الله، أو "إلى" بمعنى الانتهاء، والتقدير: ننهي طلب الثمن إلى الله، كما في قولهم: أحمد إليك الله، أي أُنهي حمده إليك، أو "إلى" بمعنى "مِن" كقول الشاعر:
تقولُ وقد عاليتُ بالكُور فوقها ... أيسقى فلا يروى إلى ابن أحمر
стр. 3134
وعند الإسماعيليّ: لا نطلب ثمنه إلا من الله. زاد ابن ماجه: أبدًا، وظاهر الحديث أنهم لم يأخذوا منه ثمنًا، وعند موسى بن عقبة عن الزهريّ أنه اشتراه بعشرة دنانير، وزاد الواقديّ أنّ أبا بكر دفعها لهما عنه.
وقوله: بحائطكم، أي بستانكم. وفي رواية: أنه كان مِرْبدًا، أي محل تنشيف التمر، فلعله كان أولًا حائطًا ثم خرب فصار مِرْبدًا. ويؤيده قوله: إنه كان فيه نخل وخرب. وقيل: كان بعضه بستانًا وبعضه مربدًا. وقوله: فكان فيه ما أقول لكم، فسره بعد ذلك. وقوله: وفيه خَرِبَ، أي بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة، جمع خَرِبَة، كَكَلِم وكَلِمة. وقال الخطابيّ: بكسر أوله وفتح ثانيه، جمع خِرْبة كعِنَب وعِنبه. وفي رواية "حَرْث" بفتح الحاء المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة، وقد بين أبو داود أن رواية عبد الوارث بالمعجمة والموحدة، ورواية حماد بن سلمة بالمهملة والمثلثة.
وقوله: فأمر بقبور المشركين فنبشت، واختلفوا هل تنبش لطلب المال؟ فأجازه الجمهور، ومنعه الأوزاعيّ، وهذا الحديث حجة للجواز, لأن المشرك لا حرمة له حيًا ولا ميتًا. وقوله: وبالخرب فسويت، وتسوية الخرب بأن يزال ما بقي منه ويسوى أرضه. وقوله: وبالنخل فقطع، وهو محمول على أنه لم يكن يثمر، إما بأن يكون ذكورًا، وإما أن يكون طرأ عليه ما قطع ثمرته، ويحتمل أن يثمر ولكن دعت الحاجة إليه لذلك. وقوله: فصفوا النخل قبلة المسجد، أي جعلوه صفًا في قبلة المسجد، أي جهتها لا القبلة الموجودة اليوم, لأن قبلته إذ ذاك كانت إلى بيت المقدس، وسيأتي في باب "بنيان المسجد" أن المسجد كان في عهده ﷺ مبنيًا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعميده خشب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر "وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك، فهو مربع. وقيل: إنه كان أقل من مئة ذراع، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع، وجعل له ثلاثة أبواب: بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له باب الرحمة، وهو الباب الذي يقال له باب العاتكة، والثالث الذي يدخل منه ﵊، وهو الذي يلي آل عثمان، وجعل طول الجدار قامة، ويبسطه.
стр. 3135
وقوله: وجعلوا عِضادتيهِ الحجارة، بكسر المهملة وتخفيف المعجمة تثنية عِضادة، وهي الخشبة التي على كتف الباب، ولكل باب عضادتان، وإعضاد وكل شيء يشد جوانبه، وقوله: وهم يرتجزون، أي يتعاطون الرجز تنشيطًا لأنفسهم، ليسهل عليهم العمل، وهو ضرب من الشعر على الصحيح، وقد استشكل هذا مع قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وأجيب بأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله، أو تمثل به على وجه الندور، لا يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه يعلم الشعر، ولا ينسب إليه، على أنّ الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرًا، وقال ابن التين: لا يطلق على الرجز شعر، إنما هو كلام مرجز مسجع، واختلف هل يحكي بيتًا واحدًا؟ فقيل: لا يتم إلا متغيرًا، ولما ذكر قول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك من لم تزود بالأخبار
فقال له أبو بكر: يا رسول الله، لم يقل هكذا، وإنما قال: ويأتيك بالأخبار من لم تزود، فقال: كلاهما سواء، فقال: أشهد أنك لست بشاعر، ولا تحسنه.
وقوله: اللهم، معناه يالله، وقال البصريون: اللهم دعاء لله بجميع أسمائه، إذ الميم تشعر بالجمع كما في عليهم، وقال الكوفيون: أصله الله أَمَّنا بخير، أي اقصدنا. وقوله: فاغفر للأنصار، كذا في رواية الأكثرين، وللمستملي والحموي: فاغفر الأنصار، بحذف اللام، ووجهه أن يضمن اغفر معنى استر. وفي رواية أبي داود عن مسدد شيخ البخاريّ وشيخه بلفظ "فانصر الأنصار" والأنصار جمع نصير، كشريف وأشراف، وقد مرَّ الكلام عليهم مستوفى عند حديث "إنما الأعمال بالنيات".
وقوله: والمهاجِرة، أي الجماعة المهاجرة، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية محبة فيه، وطلبًا للآخرة، وقد استوفي الكلام على الهجرة عند الحديث المذكور. قال الكرمانيّ: اعلم أنه لو قرىء هذا البيت من الشعر ينبغي أن يوقف على الآخرة والمهاجرة، إلا أنه ﷺ قرأهما بالتاء محركة، خروجًا عن وزن الشعر.
стр. 3136
قلت: لا يتزن في جميع الروايات، ولو وقف على الكلمتين الأخيرتين كما هو بديهي، لا يحتاج إلى تأمل، فالشطر الأول لا يتزن بوجه، والشطر الأخير يتزن بزيادة لام الجر قبل المهاجرة، ولم ترد زيادته في شيء من النسخ، وبما ذكرناه تعلم أن الاستشكال السابق ساقط من أصله، إذ ليس هنا رجز حتى يرد الإشكال.
وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالبيع والهبة. قلت: هذا الأخذ غير عام، بل خاص بالمقبرة التي لا حرمة لها. وفيه جواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها، وجواز بناء المساجد في أماكنها.، وقد مرَّ في الحديث الذي قبل هذا عن البندبيجيّ أنّ المقبرة الداثرة لا بأس ببناء المسجد فيها، وكذا قال ابن القاسم المالكيّ: وقالت الحنفية: ان المسجد إذا خرب ولم تبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عفت تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا يجوز أن يبنى موضع المسجد دار وموضع المقبرة مسجد وغير ذلك. فإذا لم تكن لها أرباب تكون لبيت المال.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر أبي بكر وأبي أيوب.
الأول: مسدد، وقد مرَّ في السادس من كتاب الإيمان, ومرَّ عبد الوارث في السابع عشر من كتاب العلم، ومرَّ أبو التياح في الحادي عشر منه، ومرَّ أنس بن مالك في السادس من كتاب الإيمان, ومرَّ أبو بكر الصديق في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد السبعين من كتاب الوضوء، ومرَّ أبو أيوب الأنصاريّ في العاشر منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه القول، ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ هنا وفي موضعين من الوصايا،
стр. 3137
وفي هجرة النبي ﷺ عن مسدد، وفي الحج عن أبي معمر، وفي البيوع عن موسى بن إسماعيل، وفي الوصايا والهجرة عن إسحاق، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب الصلاة في مرابض الغنم
أي أماكنها، وهي بالموحدة والضاد المعجمة جمع مِرْبَض بكسر الميم، وقال العيني إنه بفتح الميم وكسر الباء.
стр. 3138
الحديث الرابع والثلاثون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ بَعْدُ يَقُولُ: كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ.
وقوله: ثم سمعته بعد يقول: القائل لهذا هو شُعبة، يعني أنه سمع شيخه يزيد فيه القيد المذكور بعد أن سمعته منه بدونه، ويحتمل أن يكون القائل أبو التياح مخبرًا عن شيخه أنس، ومفهوم الزيادة أنه ﷺ لم يصل في مرابض الغنم بعد بناء المسجد، لكن قد ثبت إذنه في ذلك، كما مر مستوفى في كتاب الوضوء في باب أبوال الإبل والدواب إلخ، وحديث أنس هذا طرف من الحديث الذي قبله، لكن بَيَّن هناك أنه كان يحب الصلاة حيث أدركته، أي حيث دخل وقتها، سواء كانت في مرابض الغنم أو غيرها. وبين هنا أن ذلك كان قبل أن يبني المسجد، وبعد بناء المسجد صار لا يحب الصلاة في غيره إلا لضرورة.
قال ابن بطّال: هذا الحديث حجة على الشافعيّ، ومن وافقه، في قولهم بنجاسة أبوال الغنم وأبعارها؛ لأن مرابض الغنم لا تسلم من ذلك، وتعقبه في "الفتح" بأن الأصل الطهارة وعدم السلامة منها غالبًا، وإذا تعارض الأصل والغالب قُدّم الأصل. قلت: تقديم الأصل على الغالب لعله مذهبه هو، وأما مذهب المالكية، الذي هو مذهب ابن بطال، ففيهما قولان متساويان أيهما يُقَدّم، مع أن عدم السلام هنا بعد اتخاذ المحل مَرْبِضًا ليس بغالب، بل متحقق، فلا يجري فيه ما مرَّ، مع أن مذهب الشافعية كما في "جمع الجوامع" تقديم الغالب على الأصل، إذا كان الغالب له سببًا كمن مرَّ بمن يبول في ماء كثير، ثم قرب إليه فوجده متغيرًا، فإنا نحكم بنجاسته، إحالةً على السبب
стр. 3139
الظاهر، مع احتمال تغيره بما لا يضر، كطول مكث، فإن استصحاب الأصل عارضه نجاستُه الظاهرة الغالبةُ ذات السبب، فقدمت على الطهارة.
ومسألتنا هذه تماثل هذه المسألة التي لها سبب؛ لأن اتخاذ المحل مربضًا هو أعظم سبب لوجود البعر والبول. وهذا الحديث قد مرَّ في باب "أبوال الإبل والدواب" ومرَّ هناك استيفاء الكلام على مرابض الغنم.
رجاله أربعة:
الأول: سليمان بن حرب، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب الإيمان, ومرَّ شعبة في الثالث منه، مرَّ أنس في السادس منه، ومرَّ أبو التياح في الحادي عشر من كتاب العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه القول. وقد مرَّ ذكر مواضع إخراجه في "أبوال الإبل". ثم قال المصنف:
باب الصلاة في مواضع الإبل
كأنه يشير إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم، ليست على شرطه، لكن لها طرق قوية. وقد مرَّ معظمها في باب "أبوال الإبل والدواب"، وفي معظمها التعبير بمعاطن الإِبل، وفي حديث جابر بن سمرة والراء "مبارك الإبل" ومثله في حديث سُلَيك عند الطبرانيّ، وفي حديث سَبرِة، وفي حديث أبي هُريرة عند التِّرمذيّ "أعطان الإبل" وفي حديث أُسَيد بن حُضَير عند الطبرانيّ "مُناخ الإبل" وفي حديث عبد الله بن عمر وعند أحمد "مرابد الإِبل" وفي حديث جابر بن سمرة عند الطحاويّ "أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أصلي في مباءة الغنم؟ قال: نعم. قال أصلي في مباءة الإبل؟ قال: لا".
والعطن اسم لمبرك الإبل عند الماء لتشرب عللًا بعد نَهَل، فإذا استوفت
стр. 3140
رُدّت إلى المرعى. والمباءة اسم المنزل الذي تأوي إليه الإبل، والمبارك جمع مبرك، وهو موضع بروك الجمل في موضع كان، والمُناخ، بضم الميم، المكان الذي تناخ فيه الإبل، والمرابد، بالدال المهملة، الأماكن التي تحبس فيها الإبل، وغيرها من البقر والغنم، فكل عَطَن مَبْرك، وليس كل مبرك عطن، وعَبر المصنف بالمواضع لأنها أشمل، والمعاطن أخص من المواضع؛ لأن المعاطن مرَّ تفسيرها بأنها مباركها عند الماء خاصة، وذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن، التي فيها الإبل. وقيل: هو مأواها مطلقًا. نقله صاحب المغني عن أحمد، وتكره الصلاة في معاطنها عند مالك والشافعي، وبه قال الحسن وإسحاق وأبو ثور، وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى عدم الكراهة.
وعن أحمد في رواية مشهورة عنه أنه إذا صلى في أعطان الإِبل تفسد صلاته، وهو مذهب أهل الظاهر، وعند المالكية تكره الصلاة فيها ولو أمنت من النجس, بل ولو بسط على المحل شيئًا طاهرًا. والكراهة خاصة عندهم بالعطن دون المبيت والقيلولة، وقيل: تكره فيهما، ومن صلى فيها، فهل يعيد في الوقت سواء كان عامدًا أو جاهلًا أو ناسيًا، أو يعيد الناسي خاصة في الوقت، ويعيد العامد والجاهل بالحكم أبدًا؟ قيل: وجوبًا، وقيل: ندبًا؛ قولان، وهل الكراهة تعيد؟ وهل المختار عند المالكية، أو تعلل؟ قيل: العلة أنها خلقت من الشياطين، كما هو مصرح به في بعض الأحاديث السابقة في الباب الماضي ذِكْرُه آنفًا. وقيل: شدة نفارها، فتعطب من تلاقي حينئذ. وقيل: العلة هي أن عادة أصحاب الإبل التغوّط بقربها استتارًا بها، فتتنجس أعطانها، وعادة أهل الغنم ترك ذلك.
وغلط من قال إن سبب ذلك ما يكون في معاطنها من أبوالها وأرواثها, لأن الغنم تشاركها في ذلك، وإنما ذهب من ذهب إلى كراهة التنزيه جمعًا بين عموم قوله "جُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا" وبين الأحاديث المذكورة، يحملها على كراهة التنزيه. ووقع في مسند أحمد عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ كان
стр. 3141
يصلي في مرابض الغنم، ولا يصلي في مرابض الإبل والبقر، وسنده ضعيف. ولو ثبت أفاد أن حكم البقر حكم الإبل، لكنه لم يثبت، وذكر ابن المنذر أن البقر في ذلك كالغنم، قلت: وهو مذهب المالكية.
стр. 3142
الحديث الخامس والثلاثون
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ قَالَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
نازع الإسماعيليّ المصنف في استدلاله بحديث ابن عمر هذا، بأنه لا يلزم من الصلاة إلى البعير وجعله سترة عدمُ كراهية الصلاة في مبركه، وأجيب بأن مراده الإشارة إلى ما ذكر من علة النهي عن ذلك، وهي كونها من الشياطين، كما في حديث عبد الله بن مغفل والبراء، فكأنّه يقول: لو كان ذلك مانعًا من صحة الصلاة لامتنع في جعلها أمام المصلي، وكذلك صلاة راكبها. وقد ثبت أنه ﷺ كان يصلي النافلة وهو على بعيره، كما يأتي في أبواب الوتر. وتعقبه العينيّ بأن المؤلف لم يذكر علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل حتى يشير إليه.
قلت: الجواب عن اعتراض العينيّ هو أنه سلّم له ما مرَّ، مِن أنه قصد بالترجمة الإشارة إلى الأحاديث المذكورة في النهي عن الصلاة في معاطن الإبل، وإذا ثبت أنه أشار بالترجمة إليها, لم تبعد الإشارة بالحديث إلى ما تضمنته من علة النهي، والله تعالى أعلم. وفرّق بعضهم بين الواحد منها وبين كونها مجتمعة، لما طبعت عليه من النفار المفضي إلى تشويش قلب المصلي، بخلاف الصلاة على المركوب منها، أو إلى جهة واحد معقول.
وروى عبد الرزاق عن ابن عمر، أنه كان يكره أن يصلي إلى بعير إلا وعليه رحل، وكأنَّ الحكمة في ذلك أنها في حال شد الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها. وفي الحديث جواز التستر بالبعير، وما يستقر من الحيوان.
стр. 3143
وقد حكى التِّرمذيّ عن بعض أهل العلم أنهم لا يرون به بأسًا، وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن أنس أنه صلى وبينه وبين القبلة بعير عليه محمله، وروي أيضًا الاستتارُ بالبعير عن سويد بن علقمة، والأسود بن يزيد بالراحلة، خلافًا. وقال ابن حزم: من منع من الصلاة إلى البعير فهو مبطل، وحمل بعضهم ما وقع في السفر من الصلاة إلى البعير على حالة الضرورة، كصلاته إلى السرير الذي عليه المرأة، لكون البيت كان ضيقًا، وعلى فقول الشافعيّ: لا يستتر بامرأة ولا دابة، أي في حال الاختيار.
رجاله خمسة:
الأول: صَدَقة بن الفضل، وقد مرَّ في السادس والخمسين من كتاب العلم، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين منه، ومرَّ عبيد الله بن عمر في الرابع عشر من كتاب الوضوء، ومرَّ عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
الخامس: سليمان بن حَيّان الأَزْديّ، أبو خالد الأحمر الكوفيّ، الجعفريّ، نزل فيهم. ولد بجُرجان. قال ابنُ معين: ثقة. وقال مَرّة ليس به بأس؛ وكذا قال النَّسائيّ. وقال ابن مَعين أيضًا: صدوق وليس بحجة. وقال وكيعٌ حين سئل عنه: ومن يسأل عنه؟ وقال أبو هاشم الرفاعيّ: حدثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال الخطيب: كان سفيان يعيب أبا خالد لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر الحديث فلم يكن يطعن عليه فيه. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حِبّان في الثقات.
وقال العجليّ: ثقة ثبت صاحب سنة، وكان متحرفًا يؤاجر نفسه من التجار، وكان أصله شاميًا، إلا أنه نشأ بالكوفة. وقال أبو بكر البزّار: ليس ممن يلزم زيادته حجة، لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش وغيره لم يُتَابَع عليها. وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحة، وإنما أُتي من سوء حفظه، فيغلط ويخطىء، وهو في الأصل كما قال ابن مَعين، صدوقٌ وليس بحجة.
стр. 3144
قال ابن حجر في مقدمته: له عند البخاري نحو ثلاثة أحاديث من روايته عن حُميد، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عمر كلها مما توبع عليه، وعَلّق له عن الأعمش حديثًا واحدًا في الصيام، وروى له الباقون، روى عن سليمان التيميّ وحميد الطويل وهشام بن عُروة وعبيد الله بن عمر وغيرهم. وروى عنه أحمد وإسحاق وابنا أبي شيبة، وصدقة بن الفضل، وأبو كريب وخلق. وحدث عنه محمد بن إسحاق، وهو من شيوخه. مات سنة تسع وثمانين ومئة، وليس في الستة سليمان بن حيّان سواه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، والقول والرواية في موضعين. ورواته ما بين مروزيّ وكوفيّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا، وأخرجه فيما يأتي عن قريب، عن محمد بن أبي بكر المقدميّ، وأخرجه مسلم منقطعًا، وأبو داود والتِّرمذيّ، وقال: حسن صحيح. ثم قال المصنف:
باب من صلى وقدامه تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به وجه الله تعالى
قوله: وقدّامَه، بالنصب على الظرفية، والتَّنُّور، بفتح المثناة وتشديد النون المضمومة: ما توقد فيه النار للخبز وغيره، وهو في الأكثر يكون حُفيرة في الأرض، وربما كان على وجه الأرض. ووهم من خصه بالأول. قيل: هو معرب، وقيل: عربي توافقت عليه الألسنة، وإنما خصه بالذكر مع كونه ذكر النار بعده، اهتمامًا به, لأن عَبَدَة النار من المجوس لا يعبدونها إلا إذا كانت متوقدة بالجمر، كالتي في التنور. وأشار به إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه كره الصلاة إلى التنور، وقال: هو بيت نار.
وقوله: أو شيء مما يعبد، من عطف العام على الخاص، فتدخل فيه الشمس مثلًا والأصنام والتماثيل. والمراد أن يكون ذلك بينه وبين القبلة. وقوله: فأراد به، أي أراد المصلي، الذي قُدّامَه شيء من هذه الأشياء، بفعله وجه الله
стр. 3145
تعالى، أي ذاته، فلا تكره الصلاة إلى شيء من ذلك. وقالت الحنفية بكراهية الصلاة إلى شيء من ذلك مطلقًا، لما فيه من التشبه بعبدة الأشياء المذكورة ظاهرًا.
ثم قال: وقال الزُّهريّ: أخبرني أنس قال: قال النبيّ ﷺ : "عرضت عليّ النار وأنا أصلي" وهذا التعليق ذكره البخاري موصولًا في باب "وقت الظهر عند الزوال" وفي "الاعتصام" عن أبي اليَمان، ومسلم في فضائل النبي ﷺ ، والزُّهريّ قد مرَّ في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان.
стр. 3146
الحديث السادس والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ".
وهذا الحديث يأتي بتمامه في صلاة الكسوف، وتقدم طرف منه في كتاب الإيمان في باب "كفران العشير". ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك. ونازعه الإسماعيليّ في الترجمة فقال: ليس ما أُري نبيه من النار بمنزلة نار معبودة لقوم يتوجه المصلي إليها. وقال ابن التين: لا حجة فيه على الترجمة, لأنه لم يفعل ذلك مختارًا، وإنما عرض عليه ذلك للمعنى الذي أراده الله من تنبيه العباد. وتُعُقب بأنّ الاختيار وعدمه في ذلك سواء منه, لأنه ﷺ لا يقر على باطل، فدل على أن مثله جائز، وتفرقة الإسماعيليّ بين القصد وعدمه، وإن كانت ظاهرة، لكن الجامع بين الترجمة والحديث وجود نار بين المصلي وبين قبلته في الجملة.
قلت: ولو لم يكن ذلك جائزًا ما وضعها الله تعالى في قبلة نبيه ﵊. قال في الفتح: وأحسن من هذا عندي أن يقال: لم يفصح المصنف في الترجمة بكراهة ولا غيرها، فيحتمل أن يكون مراده التفرقة بين من بقي ذلك بينه وبين قبلته، وهو قادر على إزالته أو انحرافه عنه، وبين من لا يقدر على ذلك، فلا يكره في حق الأول، كما سيأتي التصريح بذلك عن ابن عباس في التماثيل قريبًا، بعد بابين، وكما مرَّ عن ابن سيرين.
ونازعه أيضًا السروجيّ في "شرح الهداية" فقال: لا دلالة في الحديث على عدم الكراهة, لأنه ﵊ قال: أُريت النار، ولا يلزم أن تكون
стр. 3147
أمامه متوجهًا إليها، بل يجوز أن تكون عن يمينه أو عن يساره أو غير ذلك. قال: ويحتمل أن يكون وقع له قبل شروعه في الصلاة. قال في الفتح: وكأنّ البخاريّ ﵀ كوشف بهذا الاعتراض، فعجل بالجواب عنه، حيث صدّر الباب بالمعلق عن أنس، ففيه "عرضت عليّ النار وأنا أُصَلّي".
قلت: وفي هذا جواب عن الإيراد، فإن العرض صريح في أنها في وجهه، وفيه التصريح بأنه في الصلاة، وهذا يرد الثاني. وفي حديث ابن عباس أنهم قالوا بعد أن انصرف "يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت" أي تأخرت إلى خلف. وفي جوابه أن ذلك بسبب كونه أُرِيَ النار، والتناول والتكعكع يقتضيان كونها أمامه. وفي حديث أنس المعلق هنا، عنده في كتاب التوحيد موصولًا "لقد عرضت عليّ الجنة والنار، آنفًا في عرض هذا الحائط، وأنا أُصَلي" وهذا أيضًا قال على أنها أمامه، وعلى أنه في الصلاة وهذا أيضًا يدفع جواب من فرّق بين القريب من المصلِّي والبعيد منه.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرَّ في الثاني عشر من كتاب الإيمان, ومرَّ زيد بن أسلم وعطاء بن يسار في الثاني والعشرين منه، ومرَّ مالك بن أنس في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الله بن عباس في الخامس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بالجمع في موضع، والباقي عنعنة، ورواته كلهم مدنيون إلا عبد الله بن مسلمة، سكن البصرة، ومرَّ مواضع إخراجه في باب "كفران العشير". ثم قال المصنف:
باب كراهية الصلاة في المقابر
كأنه أشار إلى ما رواه أبو داود والتِّرمِذيّ في ذلك، عن أبي سعيد مرفوعًا "الأرض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمّام". رجاله ثقات، لكنه
стр. 3148
اختلف في وصله وإرساله، وحكم، مع ذلك، بصحته، الحاكم وابن حبّان، ولم يخرجه المؤلف لكونه ليس على شرطه، وقد مرَّ استيفاء الكلام على حكم الصلاة في المقابر في مذاهب الأئمة قبل أربعة أبواب عند أثر عمر رضي الله تعالى عنه.
стр. 3149
الحديث السابع والثلاثون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلاَتِكُمْ، وَلاَ تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا.
قوله: من صلاتكم، قال القرطبيّ: مِن للتبعيض، والمراد بها النوافل لحديث الصحيحين "صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوية" وإنما شرع ذلك لكونه أبعد من الرياء، ولتنزل الرحمة فيها والملائكة، لكن استُثني منه نفل يوم الجمعة قبل صلاتها، فالأفضل كونه في الجامع، لفضل البكور. وركعتا الطواف والإحرام والتراويح. قلت: وكذا جميع الرواتب القبلية. وحكى عياض أن معناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهن. وهذا، وإن كان محتملًا، لكن الأول هو الراجح.
وقال النوويّ: لا يجوز حمله على الفريضة. وقوله: ولا تتخذوها قبورًا، مهجورة من الصلاة، وهو من التشبيه البليغ بحذف حرف التشبيه للمبالغة، وهو تشبيه البيت الذي لا يصلَّى فيه بالقبر الذي لا يتمكن الميت من العبادة فيه. وقد حمل المؤلف الحديث على النهي عن الصلاة في المقابر، وترجم له وكأنَّه استنبط ذلك من قوله "ولا تتخذوها قبورًا" فإن القبور ليست محلًا للعبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة. وتُعُقب بأنه ليس فيه تعرّض لجواز الصلاة في المقابر ولا منعها، وإنما المراد منه الندب إلى الصلاة في البيوت, لأن الموتى لا يصلُّون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلون في بيوتهم، وهي القبور، حيث انقطعت عنهم الأعمال وارتفعت التكاليف، ولو أريد ما تأَوله المؤلف لقال: مقابر.
стр. 3150
وأجيب بأنه ورد عند مسلم عن أبي هُريرة بلفظ "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" وتُعُقب هذا بأنه كيف يقال حديث رواه غيره مطابق لما ترجم هو به؟ لكن نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة، وكذا قال البغويّ والخطابيّ. وقال: يحتمل أيضًا أنَّ المراد: ولا تجعلوا بيوتكم وطنًا للنوم فقط، لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت، والميت لا يصلي.
وزاد التوربشتيّ: احتمال أن يكون المراد أنَّ مَن لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر، ويؤيد هذا ما رواه مسلم "مَثَل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه، كمثل الحي والميت" قلت: هذا التأويل هو عين التأويل الذي قبله. قال الخطابيّ: وأما مَن تَأَوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت، فليس بشيء، فقد دفن رسول الله ﷺ في بيته الذي كان يسكنه في حياته، وما ادعى نفي كونه تأويلًا هو ظاهر لفظ الحديث، ولاسيما إنْ جُعل النهيُ حكمًا منفصلًا عن الأمر.
وما استدل به على رده متعقَّب بأن ذلك لعله من خصائصه ﵊. وقد روى ابن ماجه حديث ابن عباس عن أبي بكر، مرفوعًا "ما قُبِض نبيٌّ إلا دفن حيث يقبض" وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشميّ، وهو ضعيف، وله طريق مرسلة عند البيهقيّ في "الدلائل" وروى الترمذيّ في الشمائل والنَّسائيّ في الكبرى أن أبا بكر قيل له: فأين يدفن رسول الله ﷺ ؟ قال: في المكان الذي قبض الله فيه روحه، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب. إسناده صحيح لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود، وإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متجه, لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة عند من يقول بكراهتها في المقابر، ولفظ حديث أبي هريرة المار عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله "لا تجعلوا بيوتكم مقابر" فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا.
стр. 3151
رجاله خمسة:
الأول: مسدد، وقد مرَّ هو ويحيى القطّان في السادس من كتاب الإيمان، ومرَّ عُبيد الله بن عمر في الرابع عشر من كتاب الوضوء، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين. أخرجه البخايّ ومسلم وابن ماجه. ثم قال المصنف:
باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب
الخسفُ يُقال: خَسَفَ المكانُ إذا ذهب في الأرض، وخَسَف الله به الأرض، غاب به فيها. ومنه قوله تعالى ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] وقوله: والعذاب، من باب عطف العام على الخاص، وأبهم المؤلف حكمه حيث لم يبين هل مكروهة أو غير جائزة، ولكن تقديره يكره، لدلالة أثر عليّ على ذلك، ثم قال: ويُذكر أن عليًا رضي الله تعالى عنه كره الصلاة بخَسْف بابل، وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي المَحليّ، بفتح الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام قال: كنا مع عليّ، فمررنا على الخَسْف الذي ببابل، فلم يُصَلّ حتى أجازه. أي تعدّاه.
ومن طريق أخرى عن عليّ قال: ما كنت لأصلي في أرض خَسَف اللهُ بها ثلاث مرار. والظاهر أن قوله " ثلاث مرار" ليس متعلقًا بالخسف, لأنه ليس فيها إلا خسف واحد، وإنما أراد أن عليًا قال ذلك ثلاثًا، ورواه أبو داود مرفوعًا من وجه آخر عن عليّ، ولفظه "نهاني حبيبي ﷺ أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة" وفي إسناده ضَعف، واللائق بتعليق المصنف ما تقدم، والمراد بالخسف هنا ما ذكره الله تعالى بقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ
стр. 3152
مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] الآية.
ذكر أهل التفسير والأخبار أن المراد بذلك أن النمروذ بن كنعان بني ببابل بنيانًا عظيمًا، يقال: إن ارتفاعه كان خمسة آلاف ذراع، فخسف الله بهم. قال الخطابى: لا أعلم أحدًا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، فإن كان حديث عليّ ثابتًا فلعله نهاه أن يتخذها وطنًا, لأنه إذا أقام بها كانت صلاته فيها، يعني أطلق الملزوم وأراد اللازم. قال: فيحتمل أن النهي خاص بعليّ إنذارًا له بما لقي من الفتنة بالعراق، لكن سياق قصة عليّ الأولى يبعد هذا التأويل.
وبابل اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، قيل: إن أهلها باتوا ليلة خسف بهم. ولسانهم سرياني، فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لسانًا، كل يتبلبل بلسانه، فسمي الموضع بابل، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، وعليّ قد مرَّ في السابع والأربعين من العلم.
стр. 3153
الحديث الثامن والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لاَ يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ".
قوله: لا تدخلوا، كان هذا النهي لما مروا مع النبي ﷺ بالحِجر، ديارِ ثمود، في حال توجههم إلى تبوك، وقد صرح المصنف في أحاديث الأنبياء عن ابن عمر بذلك، فقال: لما مرَّ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم". وقوله: هؤلاء المعذَّبين، بفتح الذال المعجمة، وفي أحاديث الأنبياء إلا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم". وقوله: إلا أن تكونوا باكين، شفقةً وخوفًا من حلول مثل ذلك، وليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول، بل دائمًا عند كل جزء من الدخول، وأما الاستقرار فالكيفية مطلوبة فيه بالأولوية.
قال ابن بطال: هذا يدل على إباحة الصلاة هناك, لأن الصلاة موضع بكاء وتضرع، كأنه يشير إلى عدم مطابقة الحديث لأثر عليّ. قال في الفتح: الحديثُ مطابق له من جهة أن كلًا منهما فيه ترك النزول، كما عند المصنف في غزوة تبوك، ثم قَنّع ﷺ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي، فدل على أنه لم ينزل، ولم يصل هناك، كما صنع عليٌّ في خسف بابل. قلت: النزول مصرح به في حديث ابن عمر من طريقين في أحاديث الأنبياء، قال في الأُولى: لما نَزَل الحجر في غزوة تبوك ... إلخ، وقال في الثانية: إن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود، والحجر ... إلخ، فكيف ينفي النزول وهو مصرح به؟
стр. 3154
وقوله السابق: حتى أجاز الوادي، ليس صريحًا في أنه لم ينزل الحجر، فيحمل على أن الوادي من الحجر، وأنه جاوز نفس الوادي، ونزل ولم يخرج من الحجر جمعًا بين الأحاديث. وروى الحاكم في "الإكليل" عن أبي سعيد الخُدريّ قال: "رأيت رجلًا جاء بخاتم وجده بالحجر في بيوت المعذَّبين، فأعرض عنه ﵊، واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال: ألقه، فألقاه"، لكن إسناده ضعيف، وأخرج المؤلف في أحاديث الأنبياء نهيه ﵊ عن الاستقاء من بئرها ما عدا بئر الناقة، وأمرهم أن يطرحوا ما عجنوه بمائها، أو يعلفوه للإبل، ويلتحق بآبار ثمود نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بتعذيب الله تعالى على كفره، واختلف في شرب المياه المذكورة، هل النهي عنه للتنزيه أو التحريم؟ وعلى التحريم هل تمتنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا؟ قاله في الفتح.
وقوله: لا يصيبُكم، بالرفع على أن لا نافية، ويجوز الجزم على أنها ناهية، وهو أوجه، وهو نهي بمعنى الخبر، وفي أحاديث الأنبياء "أنْ يصيبَكم" أي خشيةَ أنْ يصيبَكم، ولا تنافي بين خوف إصابة العذاب وبين قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لأن الآية محمولة على عذاب الآخرة، وأما في الدنيا، فقد قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، مع إيقاع نقمته بهم، وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك. والتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمةَ الله بالكفر، وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به، والطاعة له، فمن مرَّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال، ودل على قساوة قلبه، وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم، وبهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم؟ لأنه بهذا التقرير لا يأمن أن يصير ظالمًا؛ فيعذب بظلمه.
стр. 3155
وفي الحديث حثٌّ على المراقبة، والزجر عن السكنى في ديار المعذَّبين، والإسراع عند المرور بها، وقد أشير إلى ذلك في قوله تعالى ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وقد تشاءم ﵊ بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة، ورحل عنها، ثم صلى، فكراهية الصلاة في مواضع الخَسْف أولى, لأنَّ إباحة الدخول فيها إنما هو على وجه الاعتبار والبكاء، لكن من صلى فيها لا تفسد صلاته, لأن الصلاة موضع البكاء والاعتبار كما مرَّ عن ابن بطال.
رجاله أربعة:
الأول: إسماعيل بن أبي أويس، وقد مرَّ في الخامس عشر من كتاب الإيمان, ومرَّ عبد الله بن دينار في الثاني منه، ومرَّ عبد الله بن عمر فيه قبل ذكر حديث منه، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، ورواته كلهم مدنيون. أخرجه البخاري هنا، وفي المغازي عن يحيى بن بكير، وفي التفسير عن إبراهيم بن المنذر. ثم قال المصنف:
باب الصلاة في البِيعة
بكسر الموحدة بعدها مثناة تحتانية، مَعْبَد النصارى على المعتمد، كالكنيسة، وبهذا تحصل المطابقة بين الترجمة وذكر الكنائس الآتي في الحديث، والصلوات لليهود، والصوامع للرهبان، والمساجد للمسلمين، وبدخل في حكم البيعة الكنيسة وبيت المدراس والصومعة وبيت الصنم وبيت النار ونحو ذلك.
ثم قال: وقال عمر ﵁: إنّا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور.
следующие страницы →