← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

رجاله خمسة: الأول: مسدد، وقد مرَّ هو ويحيى القطّان في السادس من كتاب الإيمان، ومرَّ عُبيد الله بن عمر في الرابع عشر من كتاب الوضوء، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين. أخرجه البخايّ ومسلم وابن ماجه. ثم قال المصنف: باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب الخسفُ يُقال: خَسَفَ المكانُ إذا ذهب في الأرض، وخَسَف الله به الأرض، غاب به فيها. ومنه قوله تعالى ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١] وقوله: والعذاب، من باب عطف العام على الخاص، وأبهم المؤلف حكمه حيث لم يبين هل مكروهة أو غير جائزة، ولكن تقديره يكره، لدلالة أثر عليّ على ذلك، ثم قال: ويُذكر أن عليًا رضي الله تعالى عنه كره الصلاة بخَسْف بابل، وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي المَحليّ، بفتح الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام قال: كنا مع عليّ، فمررنا على الخَسْف الذي ببابل، فلم يُصَلّ حتى أجازه. أي تعدّاه. ومن طريق أخرى عن عليّ قال: ما كنت لأصلي في أرض خَسَف اللهُ بها ثلاث مرار. والظاهر أن قوله " ثلاث مرار" ليس متعلقًا بالخسف, لأنه ليس فيها إلا خسف واحد، وإنما أراد أن عليًا قال ذلك ثلاثًا، ورواه أبو داود مرفوعًا من وجه آخر عن عليّ، ولفظه "نهاني حبيبي ﷺ أن أصلي في أرض بابل، فإنها ملعونة" وفي إسناده ضَعف، واللائق بتعليق المصنف ما تقدم، والمراد بالخسف هنا ما ذكره الله تعالى بقوله ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ

стр. 3152

مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] الآية. ذكر أهل التفسير والأخبار أن المراد بذلك أن النمروذ بن كنعان بني ببابل بنيانًا عظيمًا، يقال: إن ارتفاعه كان خمسة آلاف ذراع، فخسف الله بهم. قال الخطابى: لا أعلم أحدًا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل، فإن كان حديث عليّ ثابتًا فلعله نهاه أن يتخذها وطنًا, لأنه إذا أقام بها كانت صلاته فيها، يعني أطلق الملزوم وأراد اللازم. قال: فيحتمل أن النهي خاص بعليّ إنذارًا له بما لقي من الفتنة بالعراق، لكن سياق قصة عليّ الأولى يبعد هذا التأويل. وبابل اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، قيل: إن أهلها باتوا ليلة خسف بهم. ولسانهم سرياني، فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لسانًا، كل يتبلبل بلسانه، فسمي الموضع بابل، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، وعليّ قد مرَّ في السابع والأربعين من العلم.

стр. 3153

الحديث الثامن والثلاثون حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلاَءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَلاَ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، لاَ يُصِيبُكُمْ مَا أَصَابَهُمْ". قوله: لا تدخلوا، كان هذا النهي لما مروا مع النبي ﷺ بالحِجر، ديارِ ثمود، في حال توجههم إلى تبوك، وقد صرح المصنف في أحاديث الأنبياء عن ابن عمر بذلك، فقال: لما مرَّ بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم". وقوله: هؤلاء المعذَّبين، بفتح الذال المعجمة، وفي أحاديث الأنبياء إلا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم". وقوله: إلا أن تكونوا باكين، شفقةً وخوفًا من حلول مثل ذلك، وليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول، بل دائمًا عند كل جزء من الدخول، وأما الاستقرار فالكيفية مطلوبة فيه بالأولوية. قال ابن بطال: هذا يدل على إباحة الصلاة هناك, لأن الصلاة موضع بكاء وتضرع، كأنه يشير إلى عدم مطابقة الحديث لأثر عليّ. قال في الفتح: الحديثُ مطابق له من جهة أن كلًا منهما فيه ترك النزول، كما عند المصنف في غزوة تبوك، ثم قَنّع ﷺ رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي، فدل على أنه لم ينزل، ولم يصل هناك، كما صنع عليٌّ في خسف بابل. قلت: النزول مصرح به في حديث ابن عمر من طريقين في أحاديث الأنبياء، قال في الأُولى: لما نَزَل الحجر في غزوة تبوك ... إلخ، وقال في الثانية: إن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود، والحجر ... إلخ، فكيف ينفي النزول وهو مصرح به؟

стр. 3154

وقوله السابق: حتى أجاز الوادي، ليس صريحًا في أنه لم ينزل الحجر، فيحمل على أن الوادي من الحجر، وأنه جاوز نفس الوادي، ونزل ولم يخرج من الحجر جمعًا بين الأحاديث. وروى الحاكم في "الإكليل" عن أبي سعيد الخُدريّ قال: "رأيت رجلًا جاء بخاتم وجده بالحجر في بيوت المعذَّبين، فأعرض عنه ﵊، واستتر بيده أن ينظر إليه، وقال: ألقه، فألقاه"، لكن إسناده ضعيف، وأخرج المؤلف في أحاديث الأنبياء نهيه ﵊ عن الاستقاء من بئرها ما عدا بئر الناقة، وأمرهم أن يطرحوا ما عجنوه بمائها، أو يعلفوه للإبل، ويلتحق بآبار ثمود نظائرها من الآبار والعيون التي كانت لمن هلك بتعذيب الله تعالى على كفره، واختلف في شرب المياه المذكورة، هل النهي عنه للتنزيه أو التحريم؟ وعلى التحريم هل تمتنع صحة التطهر من ذلك الماء أم لا؟ قاله في الفتح. وقوله: لا يصيبُكم، بالرفع على أن لا نافية، ويجوز الجزم على أنها ناهية، وهو أوجه، وهو نهي بمعنى الخبر، وفي أحاديث الأنبياء "أنْ يصيبَكم" أي خشيةَ أنْ يصيبَكم، ولا تنافي بين خوف إصابة العذاب وبين قوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] لأن الآية محمولة على عذاب الآخرة، وأما في الدنيا، فقد قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر، مع تمكينه لهم في الأرض، وإمهالهم مدة طويلة، مع إيقاع نقمته بهم، وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك. والتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمةَ الله بالكفر، وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به، والطاعة له، فمن مرَّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارًا بأحوالهم، فقد شابههم في الإهمال، ودل على قساوة قلبه، وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم، فيصيبه ما أصابهم، وبهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم؟ لأنه بهذا التقرير لا يأمن أن يصير ظالمًا؛ فيعذب بظلمه.

стр. 3155

وفي الحديث حثٌّ على المراقبة، والزجر عن السكنى في ديار المعذَّبين، والإسراع عند المرور بها، وقد أشير إلى ذلك في قوله تعالى ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وقد تشاءم ﵊ بالبقعة التي نام فيها عن الصلاة، ورحل عنها، ثم صلى، فكراهية الصلاة في مواضع الخَسْف أولى, لأنَّ إباحة الدخول فيها إنما هو على وجه الاعتبار والبكاء، لكن من صلى فيها لا تفسد صلاته, لأن الصلاة موضع البكاء والاعتبار كما مرَّ عن ابن بطال. رجاله أربعة: الأول: إسماعيل بن أبي أويس، وقد مرَّ في الخامس عشر من كتاب الإيمان, ومرَّ عبد الله بن دينار في الثاني منه، ومرَّ عبد الله بن عمر فيه قبل ذكر حديث منه، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، ورواته كلهم مدنيون. أخرجه البخاري هنا، وفي المغازي عن يحيى بن بكير، وفي التفسير عن إبراهيم بن المنذر. ثم قال المصنف: باب الصلاة في البِيعة بكسر الموحدة بعدها مثناة تحتانية، مَعْبَد النصارى على المعتمد، كالكنيسة، وبهذا تحصل المطابقة بين الترجمة وذكر الكنائس الآتي في الحديث، والصلوات لليهود، والصوامع للرهبان، والمساجد للمسلمين، وبدخل في حكم البيعة الكنيسة وبيت المدراس والصومعة وبيت الصنم وبيت النار ونحو ذلك. ثم قال: وقال عمر ﵁: إنّا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور.

стр. 3156

قوله: كنائسكم، في رواية الأصيلي كنائسهم، وقوله: من أجل التماثيل، هو جمع تَمثال، بمثناة مفتوحة ثم مثلثة بينهما ميم، وبينه وبين الصورة عموم وخصوصٌ مطلق، فالصورة أعم، وقوله: التي فيها الصور، الضمير عائد على الكنائس، والصور بالجر على البدل من التماثيل، أو بيان لها، أو بالنصب على الاختصاص، أو بالرفع على أن الصور مبتدأ خبره "فيها" السابق، والضمير للكنائس، والجملة صلة الموصول الذي هو صفة للكنائس، لا للتماثيل. وللأصيليّ: والصور، بواو العطف على التماثيل، أي: ومن أجل الصور التي فيها، وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن أسلم مولى عمر. قال: لما قدم عمر الشام صنع له رجل من النصارى طعامًا، وكان من عظمائهم، وقال: أُحب أن تجيئني وتكرمني. فقال له عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها، يعني التماثيل. وتبين بهذا أن روايتي الجر والنصب أوجه من غيرهما، والرجل المذكور من عظمائهم اسمه قسطنطين، وعمر قد مرَّ في الأول من بدء الوحي. ثم قال: وكان ابن عباس يصلي في البِيعة إلاّ بيعة فيها تماثيل. أي: فلا يصلي فيها، والأثر أخرجه البغويّ في الجعديات، وزاد فيه "فإذا كان فيها تماثيل، خرج فصلى في المطر". وكره الحسن البصريّ الصلاة فيها، وكذا مالك، وسواء عنده كانت عامرة أو دارسة، ما لم يضطر إلى النزول فيها, لبرد أو نحوه، فلا كراهة. وقبل: تكره في العامرة ولو اضطر للنزول فيها, ولا إعادة عليه إذا صلى في الدارسة مطلقًا، وكذا في العامرة إن اضطر للنزول فيها، أو صلى على فراش طاهر. ولم ير الشعبيُّ وعطاء بن أبي رباح وابن سيرين بالصلاة في الكنيسة بأسًا، وصلى أبو موسى الأشعريّ وعمر بن عبد العزيز في الكنيسة. وابن عباس قد مرَّ في الخامس من بدء الوحي.

стр. 3157

الحديث التاسع والثلاثون حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ". مطابقته للترجمة من قوله "بنوا على قبره مسجدًا" فإن فيه إشارة إلى نهي المسلم عن أنْ يصلي في الكنيسة، فيتخذها بصلاته مسجدًا، وقد استوفي الكلام على المتن قبل خمسة أبواب في " باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية". رجاله خمسة: وفيه ذكر أم سلمة. الأول: محمد بن سلام، وقد مرَّ في الثالث عشر من كتاب الإيمان, وكذلك عبدة بن سليمان، ومرَّ هشام بن عُروة وأبوه عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرت أم سلمة في السادس والخمسين من كتاب العلم. ثم قال المصنف: باب كذا في أكثر الروايات بغير ترجمة، وسقط من بعض الرواة، وقد قررنا أن ذلك كالفصل من الباب الذي قبله، فله تعلق به، الجامع بينهما الزجر عن اتخاذ القبور مساجد، وكأنَّه أراد أنْ يبين أن فعل ذلك مذموم، سواء كان مع تصوير أم لا.

стр. 3158

الحديث الأربعون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالاَ لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهْوَ كَذَلِكَ: "لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. قوله: لما نزل، بفتحتين، لأبي ذَرٍّ، والفاعل محذوف للعلم به، أي الموت، ولغيره بضم النون وكسر الزاي مبنيًا للمفعول. وقوله: طَفِق، بكسر الفاء جواب "لما" أي: جعل. وقوله: الخميصة، مفعول ليطرح، وهي كساء له أعلام. وقِوله: فإذا اغتم بها أي بالخميصة، أي تسخن، وأخذ بنفسه من شدة الحر. وقوله: وهو كذلك، أي في حالة الطرح والكشف، ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي ذكرت فيه أمُّ سلمة وأمُّ حبيبة أمرَ الكنيسة التي رأياها بأرض الحبشة، وكأنَّه ﷺ علم أنه مرتحل من ذلك المرض، فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى، فقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى" إشارة إلى ذم من يفعل فعلهم، واللعنة الإبعاد والطرد عن الرحمة. وقوله: اتخذوا، جملة مستَأْنَفة على سبيل البيان الموجب اللعن، كأنه قيل: ما سبب لعنهم؟ فأجيب بقوله: اتخذوا. وقوله: يحذر ما صنعوا، جملة أخرى مستأنفة من كلام الراوي، كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت، فأجاب بذلك. والحكمة فيه أنه ربما يصير بالتدريج شبيهًا بعبادة الأوثان. واستشكل ذكر النصارى فيه بأن النصارى ليس لهم نبي إلاّ عيسى، وليس له قبر بخلاف اليهود، فلهم أنبياء، والجواب أنه كان فيهم أنبياء أيضًا،

стр. 3159

لكنهم غير مرسلين، كالحواريين ومريم في قول، أو الجمع في قوله: أنبيائهم، بإزاء المجموع من اليهود والنصارى، أو المراد الأنبياء وكبار أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيده قوله في رواية مسلم عن جندب "كانوا يتخذون قبور أنبيائهم. وصالحيهم مساجد" والضمير راجع إلى اليهود فقط، ولهذا لما أفرد النصارى في الحديث الذي قبله قال: "إذا مات فيهم الرجل الصالح" ولما أفرد اليهود في الحديث الدي بعده قال: "قبور أنبيائهم" والمراد من أُمروا بالإيمان بهم كنوح وإبراهيم وغيرهما، أو المراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعًا أو اتباعًا، فاليهود ابتدعت، والنصارى اتبعت، ولا ريب أن النصارى تعظم كثيرًا من قبور الأنبياء الذين تعظمهم اليهود. رجاله ستة: الأول: أبو اليمان، وقد مرَّ هو وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عبيد الله في السادس منه، ومرت عائشة في الثاني منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، ورواته ما بين حُمصيّ ومَدَنيّ، وفيه صحابي وصحابية عن النبي ﵊. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس عن يحيى بن بكير، وفي المغازي عن سعيد بن عُفير، وفي ذكر بني إسرائيل عن بشر بن محمد، ومسلم في الصلاة، والنَّسائي فيها وفي الوفاة.

стр. 3160

الحديث الحادي والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ". قوله: قاتل الله اليهود، أي قتلهم الله, لأن "فَاعَل" تأتي بمعنى "فَعَل" أو المعنى: أبعد الله اليهود، وخصهم بالذكر لأنهم هم الذين ابتدعوا، والنصارى اتبعتهم، فكانوا أظلم في هذا الاتخاذ. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرَّ في الثاني عشرِ من كتاب الإيمان, ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر منه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه. لطائف إسناده: فيه صيغة التحديث بالجمع، والباقي بالعنعنة، ورواته كلهم مدنيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم في الصلاة، وأبو داود في الجنائز، والنَّسائي في الوفاة. ثم قال المصنف: [باب قول النبي ﷺ : جُعِلَت لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا: بفتح الطاء].

стр. 3161

الحديث الثاني والأربعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارٌ هُوَ أَبُو الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ قَالَ حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ". وهذا الحديث قد استوفيت مباحثه جدًا في أول كتاب التيمم، حيث ذكره هناك، وقد أخرجه هناك عن محمد بن سنان أيضًا، وسعيد بن النضر، لكنه ساقه هناك على لفظ سعيد، وهنا على ابن سنان، وليس بينهما تفاوت من حيث المعنى، لا في السند ولا في المتن، ويراده له هنا يحتمل أن يكون أراد أن الكراهة في الأبواب المتقدمة ليست للتحريم، لعموم قوله "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" أي كل جزء منها يصلح أن يكون مكانًا للسجود، أو يصلح أن يُبنى فيه مكان للصلاة. ويحتمل أن يكون أراد أن الكراهة فيها للتحريم، وعموم حديث جابر مخصوص بها، والأول أَوْلى, لأن الحديث سيق في مقام الامتنان، فلا ينبغي تخصيصه. ولا يرد عليه أن الصلاة في الأرض المتنجسة لا تصح, لأن التنجس وصف طارىء، والاعتبار بما قبل ذلك، قلت: هذه الأشياء المذكورة كل واحد منها له وصف طارىء يجوز أن يكون مخصصًا للحديث كالنجاسة. رجاله خمسة:

стр. 3162

الأول: محمد بن سنان، وقد مرَّ في الأول من كتاب العلم، ومرَّ هشيم وسيار بن أبي سيار، ويزيد بن صهيب الفقير في الثاني من كتاب التيمم، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي. لطائف إسناده: جميع سنده بالتحديث بصيغة الجمع، وهو من النوادر، ورواته ما بين واسطيّ وكوفيّ، وقد مرَّ موضع إخراجه في أول كتاب التيمم ... إلخ. ثم قال المصنف: باب نوم المرأة في المسجد، أي إقامتها فيه

стр. 3163

الحديث الثالث والأربعون حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطَفَتْهُ قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ قَالَتْ فَاتَّهَمُونِي بِهِ. قَالَتْ فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ. قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ. قَالَتْ: فَقُلْتُ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ. قَالَتْ: فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ. قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي. قَالَتْ: فَلاَ تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا إِلاَّ قَالَتْ: وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... أَلاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكِ لاَ تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلاَّ قُلْتِ هَذَا. قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ. وقوله: إن وَليدة، أي أَمَة، وهي في الأصل المولودة ساعة تولد، ثم أُطلق على الأَمَة وإن كانت كبيرة، وقوله: فخرجت صبية لهم عليها وِشاح، وهو بكسر الواو ويجوز ضمها ويجوز إبدالها ألفًا، خيطان من لؤلؤ يخالَف بينهما، وتتوشح به المرأة. وقيل: ينسج من أديمٍ عريضًا ويرصّع باللؤلؤ، وتشده المرأة بين عاتقها وكشحها. وعن الفارسيّ: لا يسمى وشاحًا حتى يكون منظومًا بلؤلؤ ووَدْع. وقوله: أحمر من سيور، يدل على أنه كان من جلد. وقوله: فوضعته أو وقع منها، شك من الراوي، وقد رواه ثابت في "الدلائل" فزاد فيه "أنَّ الصبية

стр. 3164

كانت عروسًا، فدخلت إلى مغتسلها، فوضعت الوِشاح". وقوله: فمرت به حُدَياة، بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وتشديد المثناة التحتانية، تصغير حِدّأة، بالهمزة بوزن عنبة، ويجوز فتح أوله، وهو الطائر المعروف المأذون في قتله في الحل والحرم، والأصل في تصغيرها حُدَيْأة سكون الياء وفتح الهمزة، لكن أُبدلت الهمزة ياء أو أُدغمت فيها الياء، ثم أشبعت الفتحة بألف، وتسمى أيضًا الحُدَّا، بضم أوله وتشديد الدال مقصورًا. وقوله: فحسبته لحمًا، لا ينافي كونه مرصعًا, لأن بياض اللؤلؤ على حمرة الجلد يصير كاللحم السمين، وقوله: فطفقوا يفتشون، وفي رواية "يفتشوني". وقوله: حتى فتشوا قُبُلها، كأنه من كلام عائشة، وإلاّ فمقتضى السياق أن تقول "قُبُلي" كما عند المؤلف في أيام الجاهلية. قلت: الظاهر أنه من كلام الوليدة، ولكن عائشة ذكرته بلفظ الغيبة فرارًا من أن تسند إلى نفسها هذا الكلام القبيح، أو قالته الجارية على طريقة الالتفات أو التجريد، كأنها جردت من نفسها شخصًا وأخبرت عنه. وقوله: إني لقائمة معهم، زاد ثابت في دلائله "فدعوت الله أنْ يبرئني". وقوله: زعمتم، أي أني أخذته. وقوله: وأنا منه بريئة، جملة حالية. وقوله: هو ذا، هو أي حاضر، الضمير الأول للشان، وذا إشارة إلى ما ألقته الحدياة، وضمير هو الثاني راجع إلى الذي اتهموني به، وهو مبتدأ، وخبره محذوف أي حاضر، كما مرَّ، أو الأول مبتدأ وذا خبره، والضمير الثاني خبر بعد خبر، أو الثاني تأكيد للأول أو تأكيد لذا وبيان له. أو ذا مبتدأ ثان خبره الضمير الثاني، والجملة خبر الأول. قال في الفتح: لم أقف على اسم الوليدة، ولا على اسم القبيلة التي كانت لهم، ولا على اسم الصبية صاحبة الرشاح. وقوله: فكانت لها خباء أي المرأة، وللكشميهنيّ "فكان". والخِباء بكسر الخاء المعجمة: الخيمة من وبر أو غيره. وعن أبي عُبيد: لا يكون إلا من شعر.

стр. 3165

وقال الكلبيّ: بيوت العرب ستة: مظلة من شعر، خباء من صوف، بجاد من وبر، خيمة من شجر، أُقْنَةٌ من حَجَر، قبة من أُدُم. وقوله: أو حِفْش، بحاء مهملة مكسورة وسكون الفاء بعدها شين معجمة: البيت الصغير القريب السُّمْك، مأخوذ من الانحماش وهو الانضمام، وأصله الوعاء الذي تضع المرأة فيه غزلها، وفيه يبيت من لا مسكن له في المسجد، سواء كان رجلًا أو امرأة عند أمن الفتنة. وعند المالكية السكنى بالمسجد خاصة بالرجل المتجرد للعبادة، وأما المرأة فتحرم عليها. وقيل: تكره. وقوله: فتحدث عندي، أصله تتحدث بتاءين، فحذفت إحداهما تخفيفًا. وقوله: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا، بالمثناة الفوقية قبل العين، لأبوي ذَرٍّ والوقت والأصيلي: أي أعاجيب، جمع أعجوبة، ونقل ابن سيده أن تعاجيب لا واحد له من لفظه، ومعناه عجائب. قال الدماميني: كذا في الصحاح، لكن لا أدري، لم لا يجعل جمعًا لتعجيب، مع أنه ثابت في اللغة؟ يقال: عَجَّبت فلانًا تعجيبًا، إذا جعلته تعجب، وجمع المصدر باعتبار أنواعه لا يمتنع. وفي رواية غير المذكورين "من أعاجيب" بالهمز بدل التاء. وقوله: ألا انه، بتخفيف اللام وكسر همزة إنه، والبيت من الطويل، وأجزاؤه ثمانية، وزنه فعولن مفاعيلن أربع مرَّات، لكن دخل البيت المذكور القَبْضُ في الجزء الثاني، وهو حذف الخامس الساكن، وإنما ذكرت هذا لأن الطبع السليم ينفر من القبض المذكور، واستعمال القبض كثير جدًا في أشعار المولدين. وقوله: بهذا الحديث، أي المتضمن للقصة المذكورة. وفي الحديث إباحة الاستظلال في المسجد بالخيمة ونحوها، وفيه الخروج من البلد الذي يحصل للمرء فيه المحنة، ولعله يتحول إلى ما هو خير له، كما وقع لهذه المرأة. وفيه فضل الهجرة من دار الكفر، وإجابة دعوة المظلوم ولو كافرًا لأن في السياق أن إسلامها كان بعد قدومها المدينة. رجاله خمسة:

стр. 3166

الأول: عُبيد بن إسماعيل، وقد مرَّ في الثاني والعشرين من كتاب الحيض، ومرَّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرَّ هشام بن عُروة وأبوه عُروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب نوم الرجال في المسجد أي جواز ذلك، وهو قول الجمهور. ورُوي عن ابن عباس كراهيته إلا لمن يريد الصلاة، وعن ابن مسعود مطلقًا، وعن مالك التفصيل بين من له مسكن يمكنه الوصول إليه، فيكره، وبين من لا مسكن له، أو عسر الوصول إليه، فيباح. وبقوله: قال أحمد وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعيّ، وقد سئل سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم فيه فقالا: كيف تسألون وقد كان أهل الصفة ينامون فيه، وهم قوم كان مسكنهم المسجد؟ وذكر الطبريّ عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان نائمًا في المسجد ليس حوله أحد، وهو أمير المؤمنين. ثم قال: وقال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عُكْل على النبي ﷺ ، فكانوا في الصُّفة. هذا طرف من قصة العرنيين، وقد مرَّ حديثهم في الوضوء في باب أبوال الإبل، ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى غاية الاستيفاء، وهذا اللفظ أورده موصولًا في المحاربين من طريق وهيب. وأبو قلابة مرَّ في التاسع من كتاب الإيمان, ومرَّ أنس بن مالك في السادس منه. ثم قال: وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصُّفَّة الفقراء، والصّفة بضم الصاد وتشديد الفاء، موضع مظلل في أخريات المسجد النبوي، تأوي إليه المساكين، وقد سبق البخاريَّ إلى الاستدلال بذلك سعيدُ بن المسيب وسليمان بن يسار، رواه ابن أبي شيبة عنهما، وهذا التعليق أول حديث يأتي ذكره في باب السمر مع الأهل والضيف، آخر مواقيت الصلاة، وفي علامات النبوءة، ويأتي الكلام عليه عند أول ذكره إن شاء الله تعالى، وعبد الرحمن قد مرَّ في الرابع من كتاب الغسل.

стр. 3167

الحديث الرابع والأربعون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بنِ عُمَرَ كَانَ يَنَامُ وَهْوَ شَابٌّ أَعْزَبُ لاَ أَهْلَ لَهُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ . قوله: وهو شاب جملة حالية، وقوله: أعزب، بهمزة بعدها مهملة، ثم زاي، أي غير متزوج، وهي لغة قليلة بل أنكرها القزاز، ولأبي ذَرٍّ "عَزَب" بفتح العين والزاي من غير همز، وهي اللغة الفصيحة، وضبطها في الفتح بكسر الزاي. وقال إنه المشهور. وقوله: لا أهل له، تفسير لقوله "أعزب" ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص، فيدخل فيه الأقارب ونحوهم. وقوله: في مسجد، متعلق بنيام، وهذا الحديث مختصر من حديث له طويل يأتي في فضل قيام الليل، وأورده ابن ماجه مختصرًا أيضًا بلفظ "كنا ننام". رجاله خمسة: الأول: مسدد، وقد مرَّ هو ويحيى القطّان في السادس من كتاب الإيمان, ومرَّ عبيد الله بن عمر في الرابع عشر من كتاب الوضوء، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، ورجاله ما بين مصريّ ومدنيّ، أخرجه البخاريّ هنا، وأتى به مطولًا في آخر كتاب الصلاة، وأخرجه مسلم والنَّسائي وابن ماجه فيها أيضًا.

стр. 3168

الحديث الخامس والأربعون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ فَاطِمَةَ، فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا فِي الْبَيْتِ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟. قَالَتْ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لإِنْسَانٍ: انْظُرْ أَيْنَ هُوَ؟. فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ رَاقِدٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ مُضْطَجِعٌ، قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ، وَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ. وقوله: أين ابن عمك، فيه إطلاق ابن العم على أقارب الأب, لأنه ابن عم أبيها لا ابن عمها، وفيه إرشادها إلى أن تخاطبه بذلك، لما فيه من الاستعطاف بذى القرابة، وكأنه ﵊ فهم ما وقع بينهما، فأراد استعطافها عليه بذكر القرابة التي بينهما, ولذا لم يقل: أين زوجك؟، ولا ابن عم أبيك. وقوله: قالت: ولابن عساكر "وقالت" وللأصيلي "فقالت" أي فاطمة رضي الله تعالى عنها وقوله: فغاضبني، من باب المفاعلة الموضوع لمشاركة اثنين. وقوله: فخرج فلم يقل عندي، بالفاء، وللأصيلي "ولم" بالواو، ويَقل، بفتح أوله وكسر القاف مضارع قال من القيلولة، وهي نوم نصف النهار. وللأصيليّ وابن عساكر "يُقل" بضم أوله. وقوله: فقال لإنسان: انظر أين هو، قال في الفتح: يظهر أن الإنسان سهلٌ راوي الحديث, لأنه لم يذكر أنه كان مع النبي ﷺ غيره، وللمصنف في الأدب "فقال النبي ﷺ لفاطمة: أين ابن عمك؟ قالت: في المسجد" وليس بينه وبين الذي هنا مخالفة، لاحتمال أن يكون المراد من قوله "انظر أين هو" المكان

стр. 3169

المخصوص من المسجد، وعند الطبرانيّ "فأمر إنسانًا معه فوجده مضطجعًا في فيء الجدار" وقوله: هو راقد في المسجد، فيه مراد الترجمة لأن حديث ابن عمر يدل على إباحته لمن لا مسكن له، وكذا بقية أحاديث الباب، إلا قصة عليّ فإنها تقتضي التعميم، لكن يمكن أن يفرق بين نوم الليل وبين قيلولة النهار. وقوله: وأصابه تراب، وفي رواية المناقب "وخلص التراب إلى ظهره" أي وصل، وفي رواية الإسماعيليّ "حتى تخلص ظهره إلى التراب" وكان ينام أولًا على مكان لا تراب فيه، ثم تقلب فصار ظهره على التراب، أو سمى عليه التراب. وقوله: قم أبا تراب، قم أبا تراب، ظاهره أن ذلك أول ما قال له ذلك، وروى ابن إسحاق من طريقه، وأحمد والحاكم من حديث عمار، أنه كان هو وعليّ في غزوة العشيرة في نخل، فجاء النبي ﷺ ، فوجد عليًا نائمًا، وقد علاه تراب فأيقظه وقال له: مالك أبا تراب؟ ثم قال: ألا أحدثك بأشقى الناس ... الحديث. وغزوة العشيرة كانت في أثناء السنة الثانية قبل وقعة بدر، وذلك قبل أن يتزوج علي فاطمة، فإن كان محفوظًا أمكن الجمع بأن يكون ذلك تكرر منه ﷺ في حق عليّ، وقد ذكر ابن إسحاق عقب القصة المذكورة قال: حدثني بعض أهل العلم أن عليًا كان إذا غضب على فاطمة في شيء لم يكلمها، بل كان يأخذ ترابًا فيضعه على رأسه، وكان النبي ﷺ إذا رأى ذلك عرف، فيقول: ما لك يا أبا تراب؟ فهذا سبب آخر يقوي التعدد. والمعتمد في ذلك كله حديث سهل في الباب، ويروى من حديث ابن عباس أن سبب غضب عليّ كان لمّا آخى النبي ﷺ بين أصحابه، ولم يؤاخ بينه وبين أحد، فذهب إلى المسجد، فذكر القصة وقال في آخرها "قم فأنت أخي" أخرجه الطبرانيّ، وعند ابن عساكر نحوه من حديث جابر بن سمرة، وحديث الباب أصح، ويمتنع الجمع بينهما، لأن قصة المؤاخاة كانت أول ما قدم النبي ﷺ المدينة، وتزوُّج عليّ بفاطمة، ودخوله عليها، كان بعد ذلك بمدة. وفي الحديث جواز القائلة في المسجد، وممازحة المغضب بما لا يغضب

стр. 3170

به، بل يحصل به تأنيسه، وفيه جواز التكنية بغير الولد، وتكنية الشخص بأكثر من كنية، والتلقيب بالكنية لمن لا يغضب، ويأتي في الأدب أنه كان يقدح إذا دعي بذلك، وفيه مداراة الصهر وتسكينه عن غضبه، ودخول الوالد بيت ابنته بغير إذن زوجها حيث يعلم رضاه، وأنه لا بأس بإبداء المنكبين في غير الصلاة، والتكنية بما يشتق من حال الشخص، وأن اللقب إذا صدر من الكبير في حق الصغير تلقّاه بالقبول، ولو لم يكن لفظةَ مدحٍ، وإن من حمل ذلك على التنقيص لا يلتفت إليه، وهو كما كان أهل الشام ينتقصون ابن الزبير بزعمهم، حيث يقولون له: ابن ذات النطاقين، فيقول: تلك شكاة ظاهرٌ عنك عارها وفيه أن أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طبع عليه البشر من الغضب، وقد يدعو ذلك إلى الخروج من بيته ولا يعاب عليه، ويحتمل أن يكون سبب خروج علي خشية أن يبدو منه، في حالة الغضب، ما لا يليق بجناب فاطمة رضي الله تعالى عنهما، فحسم مادة الكلام بذلك إلى أن تسكن فورة الغضب من كل منهما. وفيه كرم خلق النبي ﷺ , لأنه توجه نحو عليّ ليترضَّاه، ومسح التراب عن ظهره ليبسطه، وداعبه بالكنية المذكورة المأخوذة من حالته، ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته، مع رفيع منزلتها عنده، فيؤخذ منه استحباب الرفق بالأصهار، وترك معاتبتهم إبقاءً لمودتهم, لأن العتاب إنما تخشى ممن تخشى منه الحقد، لا ممن هو منزه عن ذلك. رجاله أربعة: وفيه ذكر عليّ وفاطمة، رضي الله تعالى عنهما. الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان. والثاني: عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المحاربيّ، مولاهم، أبو تمام المدنيّ الفقيه. قال أحمد: لم يكن يعرف بطلب الحديث إلا كتب أبيه،

стр. 3171

فإنهم يقولون إنه سمعها، وكان يتفقه، ولم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه. ويقال إن كتب سليمان بن بلال وقعت إليه ولم يسمعها، وقد روى عن أقوام لم يكن يعرف أنه سمع منهم، وقال ابن مَعين: صدوق ثقة، ليس به بأس. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عبد العزيز بن أبي حاتم وعبد الرحمن بن أبي الزناد وعبد الرحمن بن أسلم قال: متقاربون. قيل: فعبد العزيز؟ قال: صالح الحديث، وقال هو وأبو زرعة: عبد العزيز أفقه من الدراوَرْدِي وأوسع حديثًا منه. وقال: النَّسائيّ: ثقة، وقال مُرة ليس به بأس. وذكره ابن عبد البَر فيمن كان مدار الفتوى عليه في آخر زمان مالك وبعده، وقال مالك: قوم يكون فيهم ابن أبي حازم لا يصيبهم العذاب، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث دون الدراورديّ. وقال مصعب الزبيريّ: كان فقيهًا، وقد سمع مع سليمان بن بلال، فلما مات سليمان أوصى له بكتبه. وقال العجليّ وابن نُمير: ثقة، احتج به الجماعة. روى عن أبيه وسهيل بن أبي صالح، وهشام بن عُروة وكثير بن زيد بن أسلم وغيرهم. وروى عنه ابن مَهْدي وابن وهب والقعنبيّ وسعيد بن أبي مريم والحميديّ وقتيبة بن سعيد وغيرهم. مات سنة أربع وثمانين ومئة وهو ساجد، وله اثنان وثمانون سنة. الثالث: أبو حازم سلمة بن دينار، وقد مرَّ هو وسهل بن سعد في الثامن والمئة من كتاب الوضوء, ومرَّ علي بن أبي طالب في السابع والأربعين من كتاب العلم، ومرت فاطمة الزهراء في الخامس والمئة من كتاب الوضوء. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وهو إسناد رباعيّ، ورواته مدنيون غير شيخ البخاريّ، فإنه بلخيّ. أخرجه البخاري في الاستئذان عن قتيبة أيضًا، وفي فضل عليّ عن القعنبيّ، ومسلم في الفضائل.

стр. 3172

الحديث السادس والأربعون حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ، مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رَبَطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ، فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ، كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. قوله: رأيت سبعين من أصحاب الصفة، يشعر بأنهم كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم ﷺ في غزوة بئر مَعُونة، وكانوا من أهل الصفة أيضًا, لأنهم استشهدوا قبل إسلام أبي هريرة، وقد اعتنى بجمع أصحاب أهل الصفة ابن الأعرابيّ والحاكم والسلميّ وأبو نعيم، وعند كل واحد منهم ما ليس عند الآخر، وفي بعض ما ذكروه اعتراض ومناقشة. وقوله: عليه رداء، هو ما يستر أعالي البدن فقط. وقوله: وإما إزار، أي فقط. وقوله: إما كساء، أي على الهيأة المشروحة في المتن. وقوله: قد ربطوا، أي الأكسية، فحذف المفعول للعلم به، والجمع باعتبار أن المراد بالرجل الجنس. وقوله: فمنها، أي من الأكسية، الجمع باعتبار أن الكساء جنس. وقوله: فيجمعه بيده، أي الواحد منهم. زاد الإسماعيليّ: أن ذلك كان في حال كونهم في الصلاة، وقد تقدم نحو هذه الصفة في باب "إذا كان الثوب ضيقًا". رجاله خمسة: الأول: يوسف بن عيسى، وقد مرَّ في السادس والعشرين من كتاب الغسل، ومرَّ محمد بن فضيل في الحادي والثلاثين من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ أبو حازم سلمان الأشجعي في الثالث والأربعين من كتاب العلم.

стр. 3173

والخامس: فضيل بن غَزوان بن جرير الضَّبِّيّ، مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ. قال أحمد وابن مَعين: ثقة. وذكره ابن حِبّان في الثقات، ووثَّقَه ابن عمار ويعقوب بن سفيان. وقال أبو خَيْثمة: حدثنا ابن فضيل عن أبيه قال: كنا نجلس أنا وابن شُبْرُمة والقعْقاع بن يزيد والحارث العُكْلِيّ نتذاكر في الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. روى عن أبي حازم الأشجعي وسالم بن عبد الله بن عمر ونافع مولى ابن عمر وأبي إسحاق السَّبيعيّ غيرهم. وروى عنه ابنه محمد والثَّوريّ وابن المبارك والقطّان ووكيع وجرير وعيسى بن يونس وغيرهم. وذكر الخالديّ الشاعر أنه قتل أيام المنصور. ثم قال المصنف: باب الصلاة إذا قدم من سفر، أي في المسجد ثم قال: وقال كعب بن مالك: كان النبيّ ﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه، والتعليق ظاهر فيما ترجم له، وأتى بعده بحديث جابر، ليجمع بين فعل النبي ﷺ وأمره، فلا يظن أحد أن ذلك من خصائصه، وهذا التعليق ذكره البخاريّ مسندًا في غزوة تبوك، وهو حديث طويل. وأما كعب، فهو كعب بن مالك بن أبي كعب بن القَيْن بن كعب بن سواد بن غنم بن كعب بن سَلِمة بكسر اللام، ابن سعد بن عليّ بن أسد بن سارِدة، أبو عبد الله الأنصاريّ السَّلَميّ، بفتحتين. ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو بشير. روى هارون عن إسماعيل من ولد كعب بن مالك قال: كانت كنية كعب بن مالك في الجاهلية أبا بشير، فكنّاه النبي ﷺ أبا عبد الله، ولم يكن لمالك ولد غير كعب الشاعر، شهد العقبة، وبايع، وتخلف عن بدر، وشهد أُحُدًا وما بعدها، وتخلف في تبوك، وهو أحد الثلاثة الذين تِيْبَ عليهم، وقد ساق في ذلك قصة حسنة في سياق حسن، وهو في الصحيحين. وآخى النبيُّ ﷺ بينه وبين طلحة بن عبيد الله حين آخى بين المهاجرين والأنصار، وكان أحد شعراء رسول الله ﷺ ، الذين كانوا يردّون الأذى عنه. وكان مُجوِّدًا مطبوعًا، قد غلب عليه في الجاهلية أمر الشعر، ثم أسلم وشهد العقبة

стр. 3174

كما مرَّ، وكان يوم أُحد لَبس لَأمَةَ النبيّ ﷺ ، وكانت صفراء، ولبس النبي ﷺ لَأمة كعب، وجرح كعب بن مالك أحد عشر جرحًا، قال ابن سيرين: كان شعراء المسلمين حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، فكان كعب يخوفهم الحرب، وعبد الله يعيرهم بالكفر، وكان حسان يُقْبِل على الأنساب. قال ابن سيرين: فبلغني أن دَوْسًا إنما أسلمت فَرَقًا من قول كعب بن مالك: قضينا من تهامة كل وَتْرٍ ... وخيبرَ ثم أغمدنا السيوفا نخبرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنَّ دَوْسًا أو ثقيفا فقالت دوس: انطلقوا فخذوا لأنفسكم، لا ينزل بكم ما نزل بثقيف. وفي ابن هشام قال: لما قال كعب بن مالك: جاءت سخينةُ كي تغالب رَبَّها ... فليُغْلبَنّ مغالبُ الغلاّب قال رسول الله ﷺ : لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا. وروى ابن شهاب قال: بلغني أن كعب بن مالك قال يوم الدار: يا معشر الأنصار، انصروا مرتين. له ثمانون حديثًا اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم باثنين. روى عن النبي ﷺ وعن أُسَيد بن خُضير، وروى عنه أولاده عبد الله وعُبيد الله وعبد الرحمن ومَعْبَد ومحمد وابن ابنه عبد الرحمن بن عبد الله. وروى عنه ابن عباس وجابر وأبو أُمامة الباهليّ ذهب بصره في آخر عمره. قال البَغَويّ: بلغني أنه مات بالشام في خلافة معاوية. قال ابن حجر: لم نجد له في حرب عليّ ومعاوية خبرًا. ورُوي بسند ضعيف أن حسان بن ثابت وكعب بن مالك والنعمان بن بشير دخلوا على عليّ فناظروه في شأن عثمان، وأنشده كعب شعرًا في رثاء عثمان، ثم خرجوا من عنده فتوجهوا إلى معاوية فأكرمهم.

стр. 3175

الحديث السابع والأربعون حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ قَالَ ضُحًى، فَقَالَ: صَلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي. قوله: قال مِسْعَر أُراه، بالضم أي أظنه، والضمير لمحارب، وقد مرَّ في الإيمان في حديث سعد "إني لأراه مؤمنًا" توجيه الضم في الذي بمعنى الظن. وقوله: قال ضحى، هو كلام مُدرج من الراوي. وقوله: وكان لي عليه دَين، كذا للأكثر، وللحمويّ "وكان له" أي لجابر "عليه" أي على النبي ﷺ . وفي قوله بعد ذلك: فقضاني، التفاتٌ، والدَّين هو ثمن جمل جابر كما يأتي مطولًا في كتاب الشروط. ومطابقته للترجمة من جهة أن تقاضيه لثمن الجمل كان عند قدومه من السفر، كما يأتي واضحًا، حيث قال في الحديث الآتي: إنه وجد النبي ﷺ على باب المسجد، قال: الآن قدمتَ؟ قلت: نعم، قال: فادخل فصل ركعتين. وقال النوويّ: هذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر، ينوي بها صلاة القدوم، لا أنها تحية المسجد التي أمر الداخل بها قبل أن يجلس، لكن تحصل التحية بها. وهذا الحديث أخرجه المؤلف في نحو عشرين موضعًا مطولًا ومختصرًا، موصولًا ومعلقًا، وأخرت استيفاء الكلام عليه إلى ذكره مستوفى في كتاب الشروط إن شاء الله تعالى وصوله. رجاله أربعة: الأول: خلاد بن يحيى، وقد مرَّ في التاسع والعشرين من كتاب الغُسل، ومرَّ مسعر بن كدام في السادس والستين من كتاب الوضوء، ومرَّ جابر بن عبد الله

стр. 3176

في الرابع من بدء الوحي. الرابع: محارب بن دِثار بن كُرْدُوس بن قَرَاوِش بن جَعُونة بن سَلَمة بن صخر بن سَدوس السَّدُوسيّ، أبو دِثار، ويقال أبو مطرف، ويقال أبو كردوس، ويقال أبو النضر الكوفيّ القاضي. وقيل: إنه ذُهْلِيّ. قال أحمد وابن مَعين وأبو زرعة وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان: ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق، وزاد أبو زرعة: مأمون، وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال سِمَاك بن حرب: كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل ست خصال سَوَّدُوه: الحِلْمُ والصَّبر والسَّخاء والشجاعة والبيان والتواضع، ولا يكملن في الإِسلام إلا بالعفاف، وقد كملن في هذا الرجل، يعني محارب بن دثار. وقال الثَّوري: ما يخيل لي أني رأيت زاهدًا أفضل من محارب، وقال ابن سعد: كان من المُرْجئة الأُولى، الذي يرجئون عليًا وعثمان، ولا يشهدون فيهما بشيء، وله أحاديث، ولا يحتجون به، وقال عبد الله بن إدريس عن أبيه: رأيت الحكم وحماد في مجلس قضاء محارب. وقال الذهبيّ: هو حجة مطلقًا. وقال ابن حبّان: كان من أفرس الناس. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة. وقال يعقوب بن سفيان والدارَقُطنيّ: ثقة، قال ابن حجر في مقدمته: احتج به الأئمة كلهم. وقال أبو زرعة: مأمون، ولكن ابن سعد يقلّد الواقديّ، والواقديّ على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق، فاعلم ذلك ترشد. روى عن ابن عمر وجابر وعبد الله بن يزيد الخَطَميّ وعبيد بن البرآء بن عازب وغيرهم. وروى عنه عطاء بن السائب وأبو إسحاق والشَّيبانيّ والأعمش، وشعبة وزائدة ومِسْعَر وغيرهم. مات في ولاية خالد بن عبد الله سنة ست عشرة ومئة، وليس في الستة محارب سواه. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، ورواته كلهم كوفيون. وفيه خلاد بن يحيى من أفراد البخاريّ. أخرجه البخاريّ في سبعة عشر موضعًا في الجهاد والهبة والشفاعة والاستقراض وفي النكاح

стр. 3177

والشروط والدعوات والنفقات، ومسلم في الصلاة والبيوع، والنَّسائيّ في البيوع وفي السير. ثم قال المصنف: باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين قوله: إذا دخل، حذف الفاعل للعلم به، وللأصيليّ: إذا دخل أحدكم المسجد. وقوله: ركعتين، زاد في رواية ابن عساكر "قبل أن يجلس".

стр. 3178

الحديث الثامن والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ. قوله: عن أبي قتادة، اتفق الرواة عن مالك على أنه عن أبي قتادة، ورواه سهيل بن أبي صالح عن جابر بدل أبي قتادة، وخطّاه التِّرمذيّ والدارقطنيّ وغيرهما. وقوله: أحدكم المسجدَ، أي وهو متوضىء. وقوله: فليركع، أي فليصل من إطلاق الجزء وارادة الكل. وقوله: ركعتين، هذا العدد لا مفهوم لأكثره باتفاق، واختلف في أقله، والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين، واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب، ونقل ابن بطال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرح به ابن حزم عدمه. ومن أدلة عدم الوجوب قوله ﷺ للذي رآه يتخطى "اجلس فقد آذيت" ولم يأمره بصلاة، كذا استدل به الطحاويّ وغيره. وقال الطحاويّ أيضًا: الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها ليس هذا الأمر بداخل فيها، قال في الفتح: هما عمومان تعارضا, الأمر لكل داخل بالصلاة من غير تفصيل، والنهي عن الصلاة في أوقات مخصوصة، فلابد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب جمع إلى عكسه، وهو قول الحنفية والمالكية والحنابلة. وقوله: قبل أن يجلس، صرح جماعة بأنه إذا خالف وجلس، لا يشرع له التدارك. وفيه نظر، لما رواه ابن حبّان في صحيحه عن أبي ذَرٍّ أنه دخل المسجد فقال له النبي ﷺ "أركعت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فاركعهما" ترجم عليه

стр. 3179

ابن حبّان أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس، ومثله قصة سُليك حين قال له، وهو على المنبر، لما قعد قبل أن يصلي "قم فصل ركعتين". وقال المحب الطبريّ: يحتمل أن يقال وقتهما قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز. أو يقال: وقتهما قبله أداء، ويعده قضاء. ويحتمل أن تحمل مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل، وهذا هو المختار عند الشافعية، كما جزم به في التحقيق. ونقله في الروضة وقال في "المجموع" هو المختار. وعند المالكية يكره الجلوس قبلها حيث طلبت، بأن يكون دخل متوضئًا مريدًا الجلوس في وقت جواز، ولا تسقط به، ويحصل أداؤها بالفرض عند الدخول، وكذا بالسنة أو الرغيبة، ويحصل ثوابها إذا نوى بالفرض أو السنة الفرضَ أو السنةَ والتحية، أو نوى نيابتهما عنها كما في غسل الجنابة والجمعة. وقال في شرح "المهذب" فإن صلى أكثر من ركعتين بتسليمة واحدة جاز، وكانت كلها تحية لاشتمالها على الركعتين، وتحصل بفرض ونفل آخر، سواء نويت معه أو لا, لأن المقصود وجود صلاة قبل الجلوس، وقد وجدت بما ذكر، ولا تضره نية التحية, لأنها سنة غير مقصودة، بخلاف نية فرض وسنة مقصودة، فلا تصح، ولا تحصل بركعة، ولا بجنازة، ولا بسجدة تلاوة وشكر على الصحيح عندنا. وقال بعض أصحابنا: يكفي. وقال العَدَويّ المالكيّ: إن هذا الأخير استظهره بعض أشياخ مذهبه، ولا تسن لداخل المسجد الحرام لاشتغاله بالطواف، واندراجها تحت ركعتيه. وقيد المالكية هذا بأن يكون آفاقيًا أو مقيمًا مريدًا الطواف، وأما إن كان مقيمًا غير مريد له، فتحيته ركعتان، ولا تسن أيضًا إذا شرع الإِمام في الفرض، لحديث الصحيحين "إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" ولا ما إذا شرع المؤذن في إقامة الصلاة، ولا للخطيب يوم الجمعة عند صعوده على المنبر على الأصح في الروضة، وقد ورد لحديث أبي قتادة هذا سبب، وهوكما أخرجه مسلم أن أبا قتادة دخل المسجد، فوجد النبي ﷺ جالسًا بين أصحابه، فجلس معهم، فقال: ما منعك أن تركع؟ قال: رأيتك جالسًا

стр. 3180

والناس جلوس. قال: فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس، حتى يركع ركعتين. وعند ابن أبي شيبة من وجه آخر عن أبي قتادة "أعطوا المساجد حقها، قيل له: وما حقها؟ قال: ركعتين قبل أن تجلس". رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عامر بن عبد الله بن الزبير في الثامن والأربعين من كتاب العلم، ومرَّ أبو قتادة في التاسع عشر من كتاب الوضوء. الرابع: عمرو بن سليم، بفتح العين وسكون الميم، ابن خَلْدة بن مَخْلَد بن عامر بن زُرَيق الأنصاريّ الزُّرَقيّ. قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال النَّسائيّ: ثقة، وقال ابن خِراش: ثقة، في حديثه اختلاط. وقال العجليّ: مدني تابعيّ ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال الواقدي: كان قد راهق الاحتلام يوم مات عمر، قال ابن حَجَر في مقدمته: ابن خراش مذكور بالرفض والبدعة، فلا يلتفت إليه. روى عن أبي قتادة الأنصاري وأبي هريرة وأبي سعيد الخُدْريّ وابن عمر وابن الزبير وسعيد بن المُسَيَّب وغيرهم. وروى عنه ابنه سعيد وأبو بكر بن المُنْكَدِر وسعيد المَقْبَريّ وبكير بن الأَشَجّ وغيرهم. مات سنة أربع ومئة. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، وفيه الإخبار كذلك في موضع واحد، والعنعنة في ثلاثة مواضع، والإسناد كله مدنيّ ما عدا شيخ البخاريّ. أخرجه البخاريّ أيضًا عن مكى بن إبراهيم، ومسلم وأبو داود، والتِّرمِذيّ وقال: حسن صحيح، والنَّسائيّ وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف: باب الحدث في المسجد قال المازنيّ: أشار البخاريّ إلى الرد على من منع المُحْدِث أن يدخل

стр. 3181

المسجد، أو يجلس فيه، وجعله كالجنب. وهو مبنيٌّ على أن الحَدَث هنا الريح ونحوه، وبذلك فسره أبو هريرة كما مرَّ في الطهارة في المحل الآتي ذكرُه قريبًا، وقيل: المراد بالحدث هنا أعم من ذلك، أي ما لم يحدث سوءًا. ويؤيده رواية مسلم "ما لم يحدث فيه؛ ما لم يؤذِ فيه" بناء على أن الثانية تفسير للأولى، وفي رواية للبخاريّ "ما لم يؤذ فيه بحدث فيه".

стр. 3182

الحديث التاسع والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. قوله: الملائكة تصلي، وللكشميهنيّ "إن الملائكة تصلي" بزيادة "إن" والمراد بالملائكة الحَفَظَة أو السيارة، أو أعم من ذلك. وقوله: تقول، بيان لقوله تصلّي، وقوله: ما دام في مُصَّلاه، مفهومه أنه إذا انصرف عنه انقضى ذلك، وسيأتي في باب "من جلس في المسجد ينتظر الصلاة" من أبواب الجماعة بيانُ فضيلة من انتظر الصلاة مطلقًا، سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد، أم تحوّل إلى غيره، ولفظه "ولا يزال في صلاة ما انتظر" فأثبت للمنتظر حكمَ المصلي، فيمكن أن يُحْمَل قوله "في مصلاه" على المكان المعد للصلاة، لا الموضع الخاص بالسجود، فلا يكون بين الحديثين تخالف. وقوله: ما لم يحدث، يدل على أن الحدث يبطل ذلك، ولو استمر جالسًا، وقد مرَّ تفسيره قريبًا، وفيه دليل على أن الحدث في المسجد أشد من النخامة، لما تقدم من أن لها كفارة، ولم يذكر لهذا كفارة، بل عومل صاحبه بحرمان استغفار الملائكة، ودعاء الملائكة مرجو الإجابة، لقوله تعالى ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وتقدم باقي مباحث هذا الحديث عند ذكره في كتاب الوضوء في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين". رجاله خمسة:

стр. 3183

الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من كتاب الإيمان, ومرَّ أبو هُريرة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، والعنعنة في ثلاثة مواضع. أخرجه البخاريّ في الصلاة أيضًا، ومسلم والنَّسائي وأبو داود فيها أيضًا. ثم قال المصنف: باب بنيان المسجد، أي النبوي ثم قال: وقال أبو سعيد: كان سقف المسجد من جريد النخل، وهذا التعليق رواه البخاريّ مسندًا في باب "هل يصلي الإِمام بمن حضر" من أبواب الجماعة، ووصله في الاعتكاف، وأبو سعيد مرَّ في الثاني عشر من كتاب الإيمان. ثم قال: وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أُكِنُّ الناسَ من المطر، وإياك تحمرّ أو تصفرّ فتفتن الناس. قوله: أكنّ الناس، بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون المضمومة، بلفظ المضارع من أُكَنَّ الرباعيّ، يقال: أكننتُ الشيءَ إكنانًا، أي صنته وسترته، وحكى أبو زيد كَنَنْته من الثلاثيّ، بمعنى أكننته، وفرق بينهما الكسائيّ فقال: كنَنْته أي سررته، وأكننته في نفسي أي أسررته. وللأصيليّ "أَكِنَّ" بفتح الهمزة والنون، فعل أمر من الإكنان أيضًا، ويرجحه قوله قبله "وأمر عمر" وقوله بعده "إياك". وتوجه الأُولى بأنه خاطب القوم بما أراد، ثم التفت إلى الصانع فقال له: وإياك، أو يحمل قوله: وإياك، على التجريد، كأنه خاطب نفسه بذلك. وفي رواية غير أبي ذَرٍّ والأصيليّ والقابسيّ "كِنَّ الناسَ" بحذف الهمزة وكسر الكاف، وهو صحيح، وجوز ابن مالك ضم الكاف على أنه من كُنّ فهو مكنون، وهو متجه، لكن الرواية لا تساعده. وقوله: وإياك أن تحمر، خطاب للصانع أي: إياكَ وتحميرَ المسجد

стр. 3184

وتصفيرَه. وقوله: فَتُفتنَ الناسَ، بفتح المثناة من "فَتَن" وضبط بالضم من أَفْتَنَ، وأنكره الأصمعيّ، وأجازه أبو عبيد فقال: فَتَنَ وأَفْتَنَ بمعنى. قال ابن بطال: كأنَّ عمر فهم ذلك من رد الشارع الخميصة إلى أبي جهم من أجل الأعلام التي فيها، وقال: إنها ألهتني عن صلاتي. قال في الفتح: ويحتمل أن يكون عند عمر بذلك علم خاص بهذه المسألة، فقد روى ابن ماجه عن عمر مرفوعًا "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم". رجاله ثقات إلا شيخه جُبَارة بن المغلس، ففيه مقال. وعمر قد مرَّ في الأول من بدء الوحي، وهذا طرف من قصة في ذكر تجديد المسجد النبويّ. ثم قال: وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلًا. قوله يتباهَون: بفتح الهاء، أي يتفاخرون، وقوله: ثم لا يعمرونها، المراد به عمارتها بالصلاة وذكر الله، وليس المراد بنيانها، بخلاف ما يأتي في ترجمة الباب الذي بعده. وقوله: إلا قليلًا، بالنصب، ويجوز الرفع على البدل من ضمير الفاعل، وهذا التعليق موصول في مسند أبي يعلي، وصحيح ابن خزيمة عن أبي قِلابة أن أنسًا قال: "سمعته يقول: يأتي زمانٌ على أمتي يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلا قليلًا". وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبّان مختصرًا من وجه آخر، عن أبي قلابة عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" والطريق الأُولى بمراد البخاري وعند أبي نعيم من الوجه الذي عند ابن خزيمة "يتباهون بكثرة المساجد" وقد مرَّ أنس في السادس من كتاب الإيمان. ثم قال: وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. قوله: لَتُزَخْرِفُنَّها بفتح لام القسم وضم المثناة وفتح الزاي وسكون الخاء المعجمة وكسر الراء وضم الفاء، دلالة على واو الضمير المحذوفة عند اتصال نون التوكيد، من الزخرفة، وهي الزينة، وأصل الزخرف الذهب، ثم استعمل في كل ما يتزين به، والنون فيه للتأكيد، وفيه نوع توبيخ وتأنيب. وقوله: كما زخرفت اليهود والنصارى، أي كنائسهم وبيَعِهم، لما حرفوا الكتب وبدّلوها، وضيعوا الدين وعرجوا على الزخارف والتزيين. واستنبط منه كراهية زخرفة المساجد لاشتغال

стр. 3185

قلب المصلي بذلك، أو لصرف المال في غير وجهه. نعم، إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد، ولم يقع الصرف عليه من بيت المال، فلا بأس به، ولو أوصى بتشييد مسجد وتحميره وتصفيره نفذت وصيته, لأنه قد حدث للناس فتاوى بقدر ما أحدثوا، وقد أحدث الناس مؤمنهم وكافرهم تشييد بيوتهم وتزيينها, ولو بنينا مساجد باللبن وجعلناها منه بين الدور الشاهقة، وربما كانت لأهل الذمة، لكانت مستهانة. قاله ابن المنير. وتُعُقب بأن المنع إذا كان للبحث على اتباع السلف في ترك التَّرَفّه، فهو كما قال، وإن كان لخشيته شغل بال المصلي بالزخرفة فلا، لبقاء العِلة. قاله كله القَسْطلانيّ. وعند المالكية يكره تزويق المسجد بالذهب وغيره، لا تحسين بنائه، وتجصيصه فلا يكره، بل يستحبان. وقال العينيّ: وبهذا استدل أصحابنا على أن نقش المسجد وتزيينه مكروه. وقول بعض أصحابنا: ولا بأس بنقش المسجد، معناه تركه أولى، ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذي يخرجه سواء كان ناظرًا أو غيره، ووجه الكراهة إذا كان من ماله دون مال الوقف إما اشغال المصلي به، وإما إخراج المال في غير وجهه، وهذا التعليق وصله أبو داود وابن حبّان عن يزيد بن الاسم عن ابن عباس موقوفًا، وقبله حديث مرفوع، ولفظه "ما أُمرتُ بتشييد المساجد" ولم يذكر البخاري المرفوع منه للاختلاف على يزيد بن الاسم في وصله وإرساله، والتشييد رفع البناء وتطويله، وقد مرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.

стр. 3186

الحديث الخمسون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ. قوله: باللَّبِن بفتح اللام وكسر الموحدة، وهو الطوب النيء. وقوله: وعَمَده، بفتح العين والميم، وبضمهما. وقوله: وخشب النخل، كذلك في الضبط. وقوله: وبناه علي بنيانه، أي بجنس الآلات المذكورة، ولم يغير شيئًا من هيئته إلا توسيعه في العرض والطول. وقوله: ثم غيّره عثمان، أي من الوجهين: التوسيع وتغيير الآلات. وقوله: والقَصَّة، أي بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، وهي الجِصّ بلغة أهل الحجاز، وقال الخطابيّ: تشبه الجِصّ، وليست به. وقوله: بالحجارة المنقوشة، أي بدل اللَّبِن. وللحموي والمستملي "بحجارة منقوشة" وقوله: وسَقَفَه، بلفظ الماضى، عطفًا على جَعَل، وبإسكان القاف عطفًا على عَمَده. وفي رواية "وسقَّفه" بالتشديد، والساج بالجيم، نوع من الخشب معروف، يؤتى به من الهند. قال ابن بطال وغيره: هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك العلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه، وسعة المال عنده، لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده, لأن جريد النخل كان قد

стр. 3187

نخر في أيامه، ثم كان عثمان والمال في زمانه كثر، فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة. وقد مرَّ قريبًا ما في زخرفته، ومرت كيفية بناء المسجد النبويّ عند ذكر حديث أنس في باب "هل تنبش قبور مشركي الجاهلية". وفي حديث أنس هذا علم من أعلام النبوءة لإخباره ﷺ بما سيقع فوقع. رجاله ستة: الأول: عليّ بن المدينيّ، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم، ومرَّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر منه، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان, ومرَّ صالح بن كيسان آخر كتاب بدء الوحي، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، والإخبار بصيغة الإفراد، ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ. وفيه رواية الأقران. ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وهما نافع وصالح. ثم قال المصنف: باب التعاون في بناء المساجد، بالجمع وفي رواية بالإفراد ثم قال ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨]. وفي رواية أبي ذرٍّ: ما كان، وللكشميهنيّ: وقول الله ﴿مَا كَانَ﴾

стр. 3188

ولابن عساكر: قوله تعالى ﴿ما كان﴾ قوله: ما كان للمشركين، أي: ما صح لهم، وقوله: أن يعمروا مساجد الله، أي شيئًا من المساجد، فضلًا عن المسجد الحرام، وهو المراد. وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وأمها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدل عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالتوحيد، قال في الفتح: ذكر البخاريّ لهذه الآية مصير منه إلى ترجيح أحد الاحتمالين فيها، وذلك أن قوله تعالى ﴿مساجد الله﴾ يحتمل أن يراد بها مواضع السجود، ويحتمل أن يراد بها الأماكن المتخذة لإقامة الصلاة، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها بنيانها، ويحتمل أن يراد بها الإقامة لذكر الله فيها، واعتراض العينيّ عليه يعلم سقوطه بالوقوف عليه. وقوله: شاهدين على أنفسهم، أي بإظهار الشرك وتكذيب الرسول ﵊، أي ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة بيت الله تعالى، وعبادة غيره. رُوي أن سبب نزول هذه الآية هو أنه لما أُسر العباس يوم بدر، عيّره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم، وأغلظ له عليّ، رضي الله تعالى عنه، في القول فقال: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني. فنزلت. وقوله: فحبطت أعمالهم، أي التي يفتخرون بها, لأن الكفر يذهب ثوابها. وقوله ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ .. إلخ. أي إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر، ودروس العلم فيها، وصيانتها مما لم تبن له، كحديث الدنيا. وفي مسند عبد بن حميد عن أنس مرفوعًا "أن عُمّار المسجد أهل الله" وروي أن الله تعالى يقول "إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زُوّاري فيها عُمّارها، فطوبى لعبد تطهير في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره". وقوله: فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين، قيل: الآيتان بلفظ "عسى" إشارة إلى ردع الكفار، وتوبيخهم بالقطع في زعمهم إنهم مهتدون، فإن هؤلاء

стр. 3189

مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين "عسى ولعل" فما ظنك بمن هو أضل من البهائم؟ وإشارة أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتكال على الأعمال، وقد ذكر المصنف هاتين الآيتين هنا. ورواية أبي ذَرٍّ ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ ... الآية، ولفظ الأصيلي ﴿مساجد الله﴾ إلى قوله ﴿من المهتدين﴾ والمطابقة بين هذه الآية، التي هي من جملة الترجمة، وحديث الباب، هو أن يقال إنه أشار بها إلى أن التعاون في بناء المسجد المعتبر الذي فيه الأجر، إنما هو ما كان من المؤمنين، ولم يكن ذلك للكافرين، وإن كانوا بنوا مساجد ليتعبدوا فيها بعبادتهم الباطلة، فالمعنى إنما العمارة المعتمد بها عمارة من آمن بالله، فجعل عمارة غيرهم مثل لا عمارة، حيث ذكرها بكلمة الحصر.

стр. 3190

الحديث الحادي والخمسون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِيٍّ انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ. قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ. وقوله: فإذا هو في حائط له يصلحه، زاد المصنف في "الجهاد": فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه. والحائط البستان، سمي بذلك لأنه لا سقف له، وهذا الأخ، زعم بعض الشراح، أنه قتادة بن النعمان، ولا يصح أن يكون هو، فإن عليّ بن عبد الله بن عباس ولد في آخر خلافة عليّ، ومات قتادة بن النعمان قبل ذلك في آخر خلافة عمر. وليس لأبي سعيد أخ شقيق، ولا من أبيه ولا من أمه إلا قتادة، فيحتمل أن يكون المذكور أخاه من الرضاعة، قال في الفتح: وإلى الآن لم أقف على اسمه. وقوله: فأخذ رداءه فاحتبى، أي بالحاء المهملة والموحدة، أي جمع ظهره وساقيه بنحو عمامته أو بيديه، ثم أنشا يحدثنا، وفي الحديث إشارة إلى أن العلم لا يحوي جميعَه أحدٌ, لأن ابن عباس مع سعة علمه أمر ابنه بالأخذ عن أبي سعيد، فيحتمل أن يكون علم أن عنده ما ليس عنده، ويحتمل أن يكون إرساله إليه لطلب علو السند, لأن أبا سعيد أقدم صحبة، وأكثر سماعًا من النبي ﷺ من ابن عباس.
следующие страницы →