← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

الحديث الخمسون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقَفَهُ بِالسَّاجِ. قوله: باللَّبِن بفتح اللام وكسر الموحدة، وهو الطوب النيء. وقوله: وعَمَده، بفتح العين والميم، وبضمهما. وقوله: وخشب النخل، كذلك في الضبط. وقوله: وبناه علي بنيانه، أي بجنس الآلات المذكورة، ولم يغير شيئًا من هيئته إلا توسيعه في العرض والطول. وقوله: ثم غيّره عثمان، أي من الوجهين: التوسيع وتغيير الآلات. وقوله: والقَصَّة، أي بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة، وهي الجِصّ بلغة أهل الحجاز، وقال الخطابيّ: تشبه الجِصّ، وليست به. وقوله: بالحجارة المنقوشة، أي بدل اللَّبِن. وللحموي والمستملي "بحجارة منقوشة" وقوله: وسَقَفَه، بلفظ الماضى، عطفًا على جَعَل، وبإسكان القاف عطفًا على عَمَده. وفي رواية "وسقَّفه" بالتشديد، والساج بالجيم، نوع من الخشب معروف، يؤتى به من الهند. قال ابن بطال وغيره: هذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد وترك العلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه، وسعة المال عنده، لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده, لأن جريد النخل كان قد

стр. 3187

نخر في أيامه، ثم كان عثمان والمال في زمانه كثر، فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة، ومع ذلك فقد أنكر بعض الصحابة عليه، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان، وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة. وقد مرَّ قريبًا ما في زخرفته، ومرت كيفية بناء المسجد النبويّ عند ذكر حديث أنس في باب "هل تنبش قبور مشركي الجاهلية". وفي حديث أنس هذا علم من أعلام النبوءة لإخباره ﷺ بما سيقع فوقع. رجاله ستة: الأول: عليّ بن المدينيّ، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم، ومرَّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر منه، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان, ومرَّ صالح بن كيسان آخر كتاب بدء الوحي، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، والإخبار بصيغة الإفراد، ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ. وفيه رواية الأقران. ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وهما نافع وصالح. ثم قال المصنف: باب التعاون في بناء المساجد، بالجمع وفي رواية بالإفراد ثم قال ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٧، ١٨]. وفي رواية أبي ذرٍّ: ما كان، وللكشميهنيّ: وقول الله ﴿مَا كَانَ﴾

стр. 3188

ولابن عساكر: قوله تعالى ﴿ما كان﴾ قوله: ما كان للمشركين، أي: ما صح لهم، وقوله: أن يعمروا مساجد الله، أي شيئًا من المساجد، فضلًا عن المسجد الحرام، وهو المراد. وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وأمها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدل عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالتوحيد، قال في الفتح: ذكر البخاريّ لهذه الآية مصير منه إلى ترجيح أحد الاحتمالين فيها، وذلك أن قوله تعالى ﴿مساجد الله﴾ يحتمل أن يراد بها مواضع السجود، ويحتمل أن يراد بها الأماكن المتخذة لإقامة الصلاة، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها بنيانها، ويحتمل أن يراد بها الإقامة لذكر الله فيها، واعتراض العينيّ عليه يعلم سقوطه بالوقوف عليه. وقوله: شاهدين على أنفسهم، أي بإظهار الشرك وتكذيب الرسول ﵊، أي ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة بيت الله تعالى، وعبادة غيره. رُوي أن سبب نزول هذه الآية هو أنه لما أُسر العباس يوم بدر، عيّره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم، وأغلظ له عليّ، رضي الله تعالى عنه، في القول فقال: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني. فنزلت. وقوله: فحبطت أعمالهم، أي التي يفتخرون بها, لأن الكفر يذهب ثوابها. وقوله ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ .. إلخ. أي إنما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر، ودروس العلم فيها، وصيانتها مما لم تبن له، كحديث الدنيا. وفي مسند عبد بن حميد عن أنس مرفوعًا "أن عُمّار المسجد أهل الله" وروي أن الله تعالى يقول "إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زُوّاري فيها عُمّارها، فطوبى لعبد تطهير في بيته ثم زارني في بيتي، فحق على المزور أن يكرم زائره". وقوله: فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين، قيل: الآيتان بلفظ "عسى" إشارة إلى ردع الكفار، وتوبيخهم بالقطع في زعمهم إنهم مهتدون، فإن هؤلاء

стр. 3189

مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين "عسى ولعل" فما ظنك بمن هو أضل من البهائم؟ وإشارة أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتكال على الأعمال، وقد ذكر المصنف هاتين الآيتين هنا. ورواية أبي ذَرٍّ ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ ... الآية، ولفظ الأصيلي ﴿مساجد الله﴾ إلى قوله ﴿من المهتدين﴾ والمطابقة بين هذه الآية، التي هي من جملة الترجمة، وحديث الباب، هو أن يقال إنه أشار بها إلى أن التعاون في بناء المسجد المعتبر الذي فيه الأجر، إنما هو ما كان من المؤمنين، ولم يكن ذلك للكافرين، وإن كانوا بنوا مساجد ليتعبدوا فيها بعبادتهم الباطلة، فالمعنى إنما العمارة المعتمد بها عمارة من آمن بالله، فجعل عمارة غيرهم مثل لا عمارة، حيث ذكرها بكلمة الحصر.

стр. 3190

الحديث الحادي والخمسون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَلاِبْنِهِ عَلِيٍّ انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ. فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا حَتَّى أَتَى ذِكْرُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ. قَالَ يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ. وقوله: فإذا هو في حائط له يصلحه، زاد المصنف في "الجهاد": فأتيناه وهو وأخوه في حائط لهما يسقيانه. والحائط البستان، سمي بذلك لأنه لا سقف له، وهذا الأخ، زعم بعض الشراح، أنه قتادة بن النعمان، ولا يصح أن يكون هو، فإن عليّ بن عبد الله بن عباس ولد في آخر خلافة عليّ، ومات قتادة بن النعمان قبل ذلك في آخر خلافة عمر. وليس لأبي سعيد أخ شقيق، ولا من أبيه ولا من أمه إلا قتادة، فيحتمل أن يكون المذكور أخاه من الرضاعة، قال في الفتح: وإلى الآن لم أقف على اسمه. وقوله: فأخذ رداءه فاحتبى، أي بالحاء المهملة والموحدة، أي جمع ظهره وساقيه بنحو عمامته أو بيديه، ثم أنشا يحدثنا، وفي الحديث إشارة إلى أن العلم لا يحوي جميعَه أحدٌ, لأن ابن عباس مع سعة علمه أمر ابنه بالأخذ عن أبي سعيد، فيحتمل أن يكون علم أن عنده ما ليس عنده، ويحتمل أن يكون إرساله إليه لطلب علو السند, لأن أبا سعيد أقدم صحبة، وأكثر سماعًا من النبي ﷺ من ابن عباس.

стр. 3191

وفيه ما كان عليه السلف من التواضع، وعدم التكبر، وتعاهد أحوال المعاش بأنفسهم، والاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، وإكرام طلبة العلم، وتقديم حوائجهم على حوائج أنفسهم، وفيه التأهب لإلقاء العلم، وترك التحديث في حال المهنة إعظامًا للحديث. وقوله: حتى أتى على ذكر بناء المسجد، أي النبويّ. وفي رواية كريمة: حتى إذا أتى. وقوله: لَبنة لَبنة، بفتح اللام وكسر الموحدة: الطوب النيء. وقوله: وعمار لَبِنَتينِ لَبنَتينِ، ذكرهما مكررتين كلبنة: زاد معمر في جامعه "لبنة عنه ولبنة عن رسول الله ﷺ وزاد الإسماعيلي وأبو نعيم في المستخرج فقال: رسول الله ﷺ : "يا عمار، ألا تحمل كما يحمل أصحابك؟ قال: إني أريد من الله الأجر" وفي الحديث جواز ارتكاب المشقة في عمل البر، وتوقير الرئيس، والقيام عنه بما يتعاطاه من المصالح، وفضل بنيان المساجد. وقوله: فينفض، فيه التعبير بصيغة المضارع في موضع الماضي، مبالغة لاستحضار ذلك في نفس السامع، كأنه يشاهده. وللكشميهنيّ "فجعل ينفض" ولأبي الوقت وابن عساكر "فنفض" بالماضي، وقوله: التراب عنه، في الجهاد "عن رأسه" وكذا المسلم، وفيه إكرام العامل في سبيل الله، والإحسان إليه بالقول والفعل. وقوله: وهو يقول، أي في تلك الحالة. وقوله: ويح عمار، وهي كلمة رحمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها، كما أن "ويل" كلمة عذاب لمن يستحقها، وهي بفتح الحاء حال الإضافة، فإن لم تُضف جاز الرفع والنصب مع التنوين فيهما. وقوله: يدعوهم إلى الجنة، أعاد الضمير على غير مذكور، والمراد قَتَلَتُه، كما ثبت من وجه آخر يأتي قريبًا "تقتله الفئة الباغية يدعوهم ... " إِلى آخره، فإن قيل: قَتَلتُه معاوية ومن معه يوم صفين، وقد كان معه جماعة من الصحابة، فكيف يجوز عليهم الدعاء إلى النار، فالجواب أنهم كانوا ظانين أنهم يدعونه إلى الجنة، وهم مجتهدون لا لوم عليهم في اتباع ظنونهم، فالمراد بالدعاء إلى الجنة الدعاء إلى سببها، وهو طاعة الإِمام، وكذلك كان عمّار يدعوهم إلى طاعة

стр. 3192

عليّ وهو الإِمام الواجب الطاعة إذ ذاك، وكانوا هم يدعون إلى خلاف ذلك، لكنهم معذورون، للتأويل الذي ظهر لهم، فالمجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر. والزيادة المذكورة التي هي "تقتل عمار الفئة الباغية" رواها جماعة من الصحابة، منهم أم سلمة عند مسلم، وأبو هريرة عند التِّرمذيّ وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النَّسائيّ، وعثمان بن عفان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأبو اليَسَر وعمار نفسه، وكلها عند الطبرانيّ وغيره، غالب طرقها صحيحة أو حسنة. وروي عن جماعة آخرين يطول عندهم، ووقعت هذه الزيادة في رواية ابن السكن وكريمة وغيرهما، عند المصنف، وفي نسخة الصغانيّ، التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربريّ التي بخطه، والزيادة تفصح بأن الضمير يعود على قتلة عمار، وهم أهل الشام، ولفظها "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم" .. الحديث. وقد أخرجها الإسماعيلي والبرقانيّ في هذا الحديث. ويظهر أن البخاريّ حذفها عمدًا لنكتة خفية، وهي أن أبا سعيد اعترف بأنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي ﷺ ، كما بين ذلك فيما أخرجه البزار عن أبي سعيد، فذكر الحديث في بناء المسجد، وحملهم لبنة لبنة، وفيه "فقال أبو سعيد: فحدثني أصحابي، ولم أسمع من رسول الله ﷺ ، أنه قال: يا ابن سُمَيّة: تقتلك الفئة الباغية" وسمية اسم أم عمار. وإسناد البزار على شرط مسلم لا على شرط المصنف، وقد عين أبو سعيد من حدثه بذلك، ففي مسلم والنَّسائيّ عن أبي سعيد قال: حدثني من هو خير مني "أبو قتادة" فذكره، فاقتصر البخاريّ على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي ﷺ دون غيره. وهذا دال على دقة فهمه، وتبحره في الاطلاع على علل الأحاديث، وأما قول المهلب إن الضمير في يدعوهم يعود على الخوارج, لأنهم هم الذين بعث إليهم عليٌّ عمارًا يدعوهم إلى الجماعة، فباطلٌ, لأن الخوارج إنما خرجوا على عليّ بعد قتل عمار، إذ لا خلاف أن ابتداء أمرهم كان عقب

стр. 3193

التحكيم، وكان التحكيم عقب انتهاء الفتال بصفين، وكان قتل عمار قبل ذلك قطعًا بصفين، فكيف يبعثه إليهم على بعد موته، والذين بعث إليهم عليٌّ عمارًا، إنما هم أهل الكوفة، بعثه يستنفرهم على قتال عائشة ومن معها قبل وقعة الجمل. وقوله: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن، فيه دليل على استحباب الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرء أنه متمسك فيها بالحق, لأنها قد تفضي إلى وقوع ما لا يرى وقوعه. قال ابن بطال: وفيه رد لنحديث الشائع "لا تستعيذوا بالله من الفتن، فإن فيها حصاد المنافقين". وقد سئل عنه ابن وهب قديمًا فقال: إنه باطل. وفي الحديث عَلَم من أعلام النبوءة، وفضيلة ظاهرة لعليّ وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أن عليًا لم يكن مصيبًا في حروبه. رجاله ستة: وفيه ذكر ابن عباس، وابنه علي وعمار. الأول: مسدد، وقد مرَّ في السادس من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو سعيد الخُدريّ في الثاني عشر منه، ومرَّ عمار بن ياسر في العشرين منه، ومرَّ عبد الله بن عباس في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ خالد بن مِهران وعكرمة مولى ابن عباس في السابع عشر من كتاب العلم. السادس من السند: عبد العزيز بن المختار الأنصاريّ، أبو إسحاق. ويقال أبو إسماعيل الدباغ البصريّ مولى حفصة بنت سيرين. قال ابن مُعين: ثقة، وروى عنه ابن أبي خَيثمة ليس بشيء. وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث مستوي الحديث. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان يخطىء، ووثقه العجلي وابن البرقيّ والدارقطنيّ. قال ابن حجر في مقدمته: احتج به الجماعة، وذكر ابن القطّان الفاسيّ أن مراد ابن مَعين بقوله في بعض الروايات: ليس بشيء، يعني أن أحاديثه قليلة جدًا، روى عن ثابت البُنانيّ وعاصم الأحول وأيوب وخالد الحذّاء

стр. 3194

وهشام بن عروة وغيرهم. وروى عنه أحمد بن إِسحاق الحضرميّ ومسدد ومعلي بن أسد ويحيى بن حماد الشيبانيّ وغيرهم. وليس في الستة عبد العزيز بن المختار سواه. وأما علي فهو علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو الفضل المدنيّ، أمه زرعة بنت مشرح بن معدي كَرِب الكِنْديّ، قال ابن سعد: في الطبقة الثالثة من أهل المدينة، ولد ليلة قتل عليّ في شهر رمضان سنة أربعين، فسمي باسمه، وكني بكنيته، وكان ثقة قليل الحديث. وقيل: ولد في حياة عليّ، فقد روى أن عليًا افتقد عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم، وقتَ صلاة الظهر، فقال لأصحابه: ما بال ابن عباس لم يحضر الظهر؟ فقالوا: ولد له مولود، فلما صلى عليّ، رضي الله تعالى عنه، قال: امضوا بنا إِليه، فأتاه فقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، ما سميته؟ فقال: أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه أنت؟ فأمر به، فأُخرج إِليه، فأخذه فحنّكه، ودعا له، ثم رده إليه وقال: خذ إليك أبا الأملاك، قد سميته عليًا، وكنيته أبا الحسن. فلما قام معاوية خليفة قال لابن عباس: ليس لكم اسمه وكنيته، وقد كنيته أبا محمد، فجرت عليه هكذا. وقيل: إنه لما قدم على عبد الملك بن مروان قال له: غيّر اسمك وكنيتك، فلا صبر لي على اسمك وكنيتك. قال: أما الاسم فلا، وأما الكنية فأكنني بأبي محمد، فغير كنيته. وإنما قال له ذلك لبغضه لعليّ، فكره أن يسمع اسمه وكنيته، أعوذ بالله من ذلك. وذكر الطبريّ أنه دخل على عبد الملك فأكرمه وأجلسه على سريره، وسأله عن كنيته، فأخبره فقال: يجتمع في عسكري هذا الاسم وهذه الكنية لأحد؟ وسأله: هل لك من ولد؟ وكان قد ولد له يومئذ محمد بن علي، فأخبره بذلك، فكناه أبا محمد. كان سيدًا شريفًا بليغًا، وهو أصغر أولاد أبيه، وكان أجمل قرشي على وجه الأرض، وأوسعهم وأكثرهم صلاة. وكان يدعى علي السجاد لذلك، وكان له خمس مئة أصل زيتون، يصلي في كل يوم إلى أصل ركعتين، وكان يدعى ذا الثفنات. قيل له ذلك لأنه

стр. 3195

كان يصلي في كل يوم ألف ركعة، فصار في ركبتيه مثل ثفن البعير. وقيل: ذو الثفنات علي زين العابدين. وقال مصعب الزبيريّ: إنما كان سبب عبادته أنه رأى عبد الرحمن بن أبان بن عثمان وعبادته فقال: لأنا أَوْلى بهذا منه، وأقرب إلى رسول الله ﷺ رحمًا، فتجرد للعبادة. قال العجليّ وأبو زرعة: ثقة، وقال عمرو بن علي: كان من خيار الناس، وذكره ابن حبّان في الثقات، وكان علي المذكور عظيم المحل عند أهل الحجاز، حتى قيل إنه كان إذا قدم مكة حاجًا أو معتمرًا عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام، وهجرت مواضع حلقها, ولزمت مجلسه إعظامًا له، واجلالًا وتبجيلًا، فإن قعد قعدوا، وإن قام قاموا، وإن مشى مشوا جميعًا حوله، ولا يزالون كذلك حتى يخرج من الحرم، وكان آدمَ جسيمًا، له لحية طويلة، وكان عظيم القدم جدًا، لا يوجد له نعل ولا خف حتى يستعمله. وكان علي المذكور مفرطًا في الطول، إذا طاف كأنما حوله مشاة وهو راكب من طوله، وكان مع هذا الطول يكون إلى منكب أبيه عبد الله، وعبد الله إلى منكب أبيه العباس، وهو إلى منكب أبيه عبد المطلب. ونظرت عجوز إلى عليّ وهو يطوف، وقد فرع الناس طولًا، أي علا عليهم، فقالت: من هذا الذي فرع الناس؟ قالوا: علي بن عبد الله. قالت: لا إله إلا الله، إن الناس ليرذلون، عهدي بالعباس يطوف بهذا البيت كأنه قرطاس أبيض. وكان العباس عظيم الصوت، وجاءتهم مرة غارةٌ وقعت وقت الصبح، فصاح بأعلى صوته، واصباحاه، فلم تسمعه حامل إلاّ وضعت، وذكر أبو بكر الحازمي أن العباس كان يقف على سَلْعٍ، فينادي غلمانه وهم بالغابة، فيُسْمِعهم. وذلك من آخر الليل، وبين الغابة وسلع ثمانية أميال. وروي أن علي بن عبد الله دخل على هشام بن عبد الملك، وكان معه ابنا ابنه، الخليفتان السفاح والمنصور، ابنا محمد بن علي المذكور، فأوسع له على سريره وبره، وسأله عن حاجته، فقال: ثلاثون ألف درهم عليّ دينٌ فأمر بقضائها، ثم قال له: وتستوصي بابنيّ هذين خيرًا، ففعل، فشكره وقال:

стр. 3196

وصلتك رحم، فلما ولى قال هشام لأصحابه: هذا الشيخ قد اختل وأسن وخلط، فصار يقول: إن هذا الأمر سينتقل إلى ولده، فسمعه عليّ فقال: والله ليكونن ذلك، وَلَيمْلِكَنَّ هذان. وقال المبرد: ضُرب عليٌّ بالسياط مرتين ظلمًا، ضربه الوليد بن عبد الملك إحداهما في تزوجه لُبابة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكانت عند عبد الملك، فعض تفاحة ثم رمى بها إليها، وكان أبخر، فدعت بسكين فقال لها: ما تصنعين بها؟ فقالت: أميط عنها الأذى، فطلقها، فتزوجها عليّ المذكور، فضربه الوليد، وقال: إنما تتزوج بأمهات الخلفاء لتضع منهم, لأن مروان بن الحكم تزوج بأم خالد بن يزيد بن معاوية، ليضع منه، فقال عليّ: إنما أرادت الخروج من هذا البلد، وأنا ابن عمها، فتزوجتها لأكون لها محرمًا، وقد قيل إن عبد الملك كان تزوج لُبابة بنت جعفر، فقالت له يومًا، وكان أبخر: لو استكت فاستاك، وطلقها، ثم تزوجها علي بن عبد الله، وكان أقرع لا تفارقه قَلَنْسُوته، فبعث عبد الملك جارية وهو جالس معها، فكشفت رأسه على غفلة، فقالت لُبابة للجارية: هاشميٌّ أقرع أحبُّ إليّ من أمويّ أبخر. وأما ضربه إياه في المرة الثانية، فقد قال محمد بن شجاع: رأيت عليًا يومًا مضروبًا بالسوط، يُدار به على بعير، ووجهه مما يلي ذنب البعير، وصائح يصيح عليه يقول: هذا عليّ بن عبد الله الكذّاب، فأتيته وقلت: ما هذا الذي نسبوك به إلى الكذب؟ قال: بلغهم عني أني أقول إن هذا الأمر سيكون في ولدي، ووالله ليكوننَّ فيهم حتى يملكهم عبيدهم، الصغار العيون، العراض الوجوه، الذين كأنّ وجوههم المِجَانّ المُطْرقة، والذي تولى ضربه كلثومُ بن عِياض، كان والي الشرطة للوليد. وذكر الطبريّ أن الوليد بن عبد الملك أخرج عليًا من دمشق، وأنزله الحميمة، ولم يزل ولده بها إلى أن زالت دولة بني أمية، وولد له بها نيف وعشرون ولدًا ذكرًا، كان ﵁ يخضب بالسواد، وكان ابنه محمد والد السفاح والمنصور، يخضب بالحُمرة، فيظن من لا يعرفهما أن محمدًا عليٌّ وأن

стр. 3197

عليًا محمد. روى عن أبيه وأبي سعيد وأبي هريرة وابن عمر وغيرهم. وروى عنه أولاده محمد وعيسى وعبد الصمد، وروى عنه الزهريّ ومنصور بن المعتمر وحبيب بن أبي ثابت وغيرهم. مات سنة سمع عشرة ومئة بالشراة، وهو ابن ثمانين سنة، والشَّراة، بفتح الشين والرّاء، صُقْع بالشام في طريق المدينة من دمشق، قريب من الشوبك، وفي ناحية الحميمة، وهو من إقليم البلقاء. وعلي بن عبد الله في الستة سواه ثلاثة. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع، وفيه القول، ورواته كلهم بصريون, لأن ابن عباس قد سكن البصرة أميرًا عليها، ومعه مولاه عكرمة. أخرجه البخاريّ في الجهاد أيضًا عن إبراهيم بن موسى، ثم قال المصنف: باب الاستعانة بالنجار والصناع في أعواد المنبر والمسجد قوله الصُّناع، بضم المهملة، جمع صانع، وذِكْره بعد النجار من ذكر العام بعد الخاص، أو في الترجمة لف ونشر فقوله: في أعواد المنبر، يتعلق بالنجار، وقوله: والمسجد، يتعلق بالصناع، أي والاستعانة بالصناع في بناء المسجد، وحديث الباب من رواية سهل وجابر يتعلق بالنجار فقط، ومنه تؤخذ مشروعية الاستعانة بغيره من الصناع، لعدم الفرق، وكأنه أشار بذلك إلى حديث طَلْق بن عليّ قال: "بنيت المسجد مع رسول الله ﷺ ، فكان يقول: قربوا اليماميّ من الطين، فإنه أحسنكم مسًا وأشدكم له سبكًا" رواه أحمد. وفي رواية له "أخذت المِسحاة، فخلطت الطين، فكأنَّه أعجبه، فقال: دعوا الحنفيّ والطين، فإنه أضبطكم للطين" ورواه ابن حبّان في صحيحه, ولفظه "فقلت يا رسول الله: أنقل كما ينقلون؟ فقال: لا، ولكن اخلط لهم الطين، فأنت أعلم به".

стр. 3198

الحديث الثاني والخمسون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ أَنْ مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ. قوله: أن مُرِي غلامَك، أنْ مفسرة، بمنزلة أي، كهي في قوله تعالى: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ وقوله: يعملْ لي، بالجزم، جواب الأمر. وقوله: أعوادًا، أي منبرًا مركبًا منها. وقوله: أجلس عليهن، أي الأعواد، وأجلسُ بالرفع, لأن الجملة صفة الأعواد، ولم يزل المنبر على حالته التي صنع عليها ثلاث درجات، حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله، وكان سبب ذلك ما رواه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بسنده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: بعث معاوية إلى مروان، وهو عامله على المدينة، أن يحمل إليه المنبر، فأمر به فقلع، فأظلمت المدينة، فخرج مروان فخطب، وقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجارًا فزاد فيه الزيادة التي هي عليها اليوم. ورواه من وجه آخر قال: فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم. وقال: فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت حين كَثُرت الناس. قال ابن النجار وغيره: استمر على ذلك إلا ما أُصلح منه، إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وست مئة فاحترق ثم جدد المظفر صاحب اليمن، سنة ست وخمسين، منبرًا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين، أو عشرين سنة، منبرًا، فأزيل منبر المظفر، فلم يزل ذلك إلى هذا العصر، فأرسل الملك المؤيد سنة عشرين وثمان مئة منبرًا جديدًا. وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرًا جديدًا إلى مكة أيضًا، شكر الله له صالح عمله آمين.

стр. 3199

رجاله أربعة: الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان, ومرَّ عبد العزيز بن أبي حازم في الخامس والأربعين من أبواب استقبال القبلة، ومرَّ أبوه أبو حازم وسهل بن سعد في السابع والمئة من كتاب الوضوء. وفيه لفظ امرأة مبهمة، وقد مرَّ الكلام عليها، وعلى غلامها في التاسع والعشرين من كتاب الصلاة، في باب الصلاة في السطوح والمنبر. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواته ما بين مدنيّ وبلخيّ. أخرجه البخاريّ هنا، وقد مرَّ ذكر مواضعه.

стр. 3200

الحديث الثالث والخمسون حَدَّثَنَا خَلاَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلاَمًا نَجَّارًا؟ قَالَ: إِنْ شِئْتِ. فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ. قوله: إنّ امرأة، هي التي ذكرت في حديث سَهْل، فإن قيل: ظاهر سياق حديث جابر مخالفٌ لسياق حديث سهْل, لأن في هذا أنها ابتدأت بالعرض، وفي حديث سهل أنه ﵊ هو الذي أرسل إليها يطلب ذلك، أجاب ابن بطال باحتمال أن تكون المرأة ابتدأت بالسؤال، متبرعة بذلك، فلما حصل لها القبول أمكن أن يبطىء الغلام بعمله، فأرسل يستنجزها إتمامه، لعلمه بطيب نفسها بما بذلته. قال: ويمكن إرساله إليها ليعرفها بصفة ما يصنعه الغلام من الأعواد، وأن يكون ذلك منبرًا. وقد أخرجه المصنف في علامات النبوءة من هذا الوجه، بلفظ "ألا أجعل لك منبرًا؟ " فلعل التعريف وقع بصفة للمنبر مخصوصة، أو يحتمل أنه لما فوض إليها الأمر بقوله لها: إنْ شئت، كان ذلك سبب البطء، لا أنّ الغلام كان شرع وأبطأ، ولا أنه جهل الصنعة، وهذا أوجه الأوجه. وقوله: ألا أجعل لك، أضافت الجعل إلى نفسها مجازًا. وقوله: فإنّ لي غلامًا نجارًا، في رواية الكشميهنيّ "فإن لي غلام نجار" وفي الحديث قبول البذل إذا كان بغير سؤال، واستنجاز الوعد ممن يعلم منه الإجابة، والتقرب إلى أهل الفضل بعمل الخير، وقد اختصر المؤلف هذا المتن هنا، ويأتي بتمامه في علامات النبوءة، ويأتي إن شاء الله الكلام على ما لم يذكر منه هنا، عند أول ذكره.

стр. 3201

رجاله أربعة: الأول: خلاد بن يحيى، وقد مرَّ في التاسع والعشرين من كتاب الغسل. والثاني: عبد الواحد بن أيمن المخزومي، مولاهم أبو القاسم المكيّ. رأى ابن الزبير. قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال أبو بكر البزار: مشهور ليس به بأس في الحديث. روى عن أبيه وابن أبي مليكة وسعيد بن جُبير وعبيد بن عمير الليثيّ وغيرهم. وروى عنه حفص بن غياث ومروان بن معاوية ووكيع وخلاد بن يحيى وغيرهم. الثالث: أيمن الحبشيّ المكيّ، والد عبد الواحد بن أيمن، مولى ابن عمرو المخزوميّ. وقيل: مولى ابن أبي عمرة، ثقة من الطبقة الرابعة، ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم عن عبد الواحد عن أبيه قال: دخلت على عائشة فقلت: كنت غلامًا لعتبة بن أبي لهب، ومات وورثني بنوه، وإنهم باعوني من عبد الله بن أبي عمرو بن عمر المخزومي، فأعتقني، وذكر الحديث. روى عن جابر وعائشة وسعد بن أبي وقاص، وروى عنه ابنه. الرابع: جابر بن عبد الله، وقد مرَّ في الرابع من بدء الوحي. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواته ما بين كوفيّ ومكيّ. أخرجه البخاريّ في البيوع عن خلاد بن يحيى، وفي علامة النبوءة عن أبي نعيم. ثم قال المصنف: باب من بني مسجدًا أي حاله من الفضل.

стр. 3202

الحديث الرابع والخمسون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ : إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا قَالَ بُكَيْرٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ. قوله: عند قول الناس فيه، وبيان ذلك القول أخرجه مسلم عن محمود بن لبيد قال: لما أراد عثمان بناء المسجد، كره الناس ذلك، وأحبوا أن يَدَعوه على هيئته في عهده ﵊. قال البغويّ: لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناءه بالحجارة المنقوشة، لا مجرد توسيعه. وقوله: حين بني، أي أراد أن يبني، ولم يبن عثمان المسجد إنشاء، وإنما وسّعه وشيّده، كما مرَّ في باب بنيان المسجد، فيؤخذ منه إطلاق البناء في حق من جدد، كما يطلق في حق من أنشا، والمراد بالمسجد هنا بعض المسجد، من إطلاق الكل على البعض. وقوله: مسجد الرسول، كذا للأكثر، وللكشميهنيّ والحمويّ، "مسجد رسول الله ﷺ " وكان ذلك سنة ثلاثين على المشهور. وقيل: في آخر سنة من خلافته، وهي سنة خمس وثلاثين. ففي كتاب السير للحارث بن مسكين عن ابن وهب عن مالك أن كعب الأحبار كان يقول: عند بنيان عثمان المسجد: لوددِتُ أنَّ هذا المسجد لا ينجز، فإنه إذا فرغ من بنيانه، قتل عثمان. قال مالك: فكان الأمر كذلك، ويمكن الجمع بأن الأول كان تأريخ ابتدائه، والثاني كان تأريخ انتهائه.

стр. 3203

وقوله: إنكم أكثرتم، أي الكلام في الإنكار على ما فعلته، فحذف المفعول للعلم به. وقوله: بني مسجدًا، حقيقة أو مجازاً، بأن كان آمرًا بذلك، والتنوين في "مسجدًا" للشيوع، فيدخل فيه الكبير والصغير، وعند التِّرمذيّ عن أنس "صغيرًا أو كبيرًا" وزاد ابن أبي شيبة من وجه آخر، عن عثمان "ولو كمَفْحَص قطاة" وهذه الزيادة عند ابن حبّان والبزار عن أبي ذرٍّ، وعند أبي مسلم الكجي عن ابن عباس، وعند الطبرانيّ في الأوسط عن أنس وابن عمر، وعند أبي نعيم في الحلية عن أبي بكر الصديق. ورواه ابن خُزيمة عن جابر بلفظ "كمَفْحَص قطاة أو أصغر" ومفحصها بفتح الميم والحاء، بوزن مَقْعَد، مجثمها لتضع فيه بيضها، وترقد عليها، كأنها تَفْحَص عنه أي تكشفه، والفحص البحث والكشف. وحمل أكثر العلماء ذلك على المبالغة, لأن المكان الذي تفحص القطاة عنه، لا يكفي مقداره للصلاة فيه. ويؤيده رواية جابر هذه, لأن الشارع يضرب المثل في الشيء الذي لا يكاد يقع، كقوله: "اسمعوا وأطيعوا ولو عبدًا حبشيًا" وقد ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "الأئمة من قريش" قلت: هذا لا يخالف الحديث الأخير، لحمل الأول ما إذا حصلت إمامته بالتغلب، وقيل: هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في المسجد قدرًا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة، هذا القدر، أو يشترك جماعة في بناء مسجد فتقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر. وهذا بناء على أن المراد بالمسجد المكان الذي يتخذ للصلاة فيه، فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يسع الجبهة، فلا يحتاج إلى شيء مما ذكر، لكن قوله "بني" يشعر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة "مَنْ بَنى لله بيتًا" أخرجه سمويه في فوائده بإسناد حسن. وقوله في رواية عمر "من بني مسجدًا يذكر فيه اسم الله" أخرجه ابن حبّان، وأخرج نحوه النَّسائيّ من حديث عمرو بن عَنْبَسَة، فكل ذلك مشعر بأن المراد بالمسجد المكان المتخذ، لا موضع السجود فقط، لكن لا يمنع إرادة الآخر مجازًا إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شوهد كثير من المساجد في طرق

стр. 3204

المسافرين، يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، ويعضها لا يكون أكثر من قدر موضع السجود، وروى البيهقي في الشُّعَب عن عائشة نحو حديث عثمان، وزاد فيه "قلت: وهذه المساجد التي في الطرق؟ قال: نعم" وللطبرانيّ نحوه من حديث أبي قِرْصافة، وإسنادهما حسن. وإنما خص القطاة بهذا لأنها لا تبيض على شجرة، ولا على رأس جبل، بل إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير، فلذلك شبه به المسجد، ولأنها توصف بالصدق، فكأنه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه، كما قال الشيخ أبو الحسن الشاذليّ: خالص العبودية الاندماج في طي الأحكام من غير شهرة ولا إرادة، وهذا شأن هذا الطائر. وقيل لأن أفحوصها يشبه محراب المسجد في استدارته وتكوينه. وقوله: قال بكير: حسبت أنَّه، أي شيخه عاصمًا بالإسناد المذكور، وقوله: يبتغي به وجه الله، أي ذاته ، طلبًا لمرضاته تعالى، لا رياء أو سمعة. والمعنى ذلك الإخلاص، وهذه الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث، وكل من روى حديث عثمان لفظه "من بني لله مسجدًا" فكأنَّ بكيرًا نسيها، فذكرها بالمعنى مترددًا في اللفظ الذي ظنه، فإن قوله "لله" بمعنى قوله "يبتغي به وجه الله" لاشتراكهما في المعنى المراد، وهو الإخلاص. قال ابن الجوزيّ: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص. ومن بناه بالأجرة لم يحصل له هذا الوعد المخصوص، لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة. وروى أصحاب السنن وابن خزيمة والحاكم عن عقبة بن عامر مرفوعًا "أن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثةً الجنة: صانِعَه المحتَسِبَ في صنعته، والرامي به، والمُمِدَّ بِهِ" فقوله: المحتسب في صنعته، أي من يقصد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعًا بذلك، أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يحصل إلا من المتطوع، وهل يحصل الثواب المذكور لمن جعل بقعة من الأرض مسجدًا، بأن يكتفي بتحويطها من غير بناء؟ وكذا من عمد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجدًا؟ إن وقفنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإن نظرنا إلى المعنى فنعم، وهو المتجه. وكذا قوله "بنى" حقيقة

стр. 3205

في المباشرة بشرطها, لكن المعنى يقتضي دخول الأمر بذلك كما في تقدير "بنى" وهو المنطبق على استدلال عثمان رضي الله تعالى عنه؛ لأنه استدل بهذا الحديث على ما وقع منه، ومن المعلوم أنه لم يباشر ذلك بنفسه. وقوله: بني اللهُ له، جواب الشرط الذي هو "مَن بَنى" وجملة قال بكير، اعتراضٌ بينهما، وإسناد البناء إلى الله مجاز، وابراز الفاعل لتعظيم ذكره جل اسمه، أو لئلا تتنافر الضمائر أو يتوهم عوده على باني المسجد. وقوله: مثله، صفة لمصدر محذوف، أي بني بناء مثله. ولفظ المثل له استعمالان: أحدهما الإفراد مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ والثاني المطابقة، كقوله تعالى: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة، فيحصل جواب من استشكل التقييد بقوله "مثله"، مع أن الحسنة بعشر أمثالها، الاحتمال أن يكون المراد "بني الله له عشرة أبنية مثله" والأصل أن ثواب الحسنة الواحدة واحد بحكم العدل، والزيادة عليه بحكم الفضل. وأما من أجاب باحتمال أن يكون ﵊ قال ذلك، قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ففيه بُعد. وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة، ومن الأجوبة المرضية أن المثلية هنا بحسب الكمية، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة، بل من مئة، وأن المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء، لا من غيره، مع قطع النظر عن غير ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة، إذ موضعُ شبر فيها خير من الدنيا وما فيها، كما في الصحيح، فإنه أفضل بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقد روى أحمد من حديث واثلة بلفظ "بني الله له في الجنة أفضل منه" وللطبرانيّ عن أبي أمامة بلفظ "أوسع منه" وهذا يشعر بأن المثلية لم تقصد بها المساواة من كل وجه. وقال النوويّ: إن يكون المراد أن فضله على بيوت الجنة، كفضل المسجد على بيوت الدنيا. قلت: البيت يكفي من عظمه إسناد

стр. 3206

بنائه إلى الله تعالى كما في قول الشاعر: إن الذي سَمَكَ السماء بني لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول وقوله: في الجنة، يتعلق ببنى، أو هو حال من قوله "مثله" وفيه إشارة إلى دخول فاعل ذلك الجنة، إذ المقصود بالبناء له أن يسكنه وهو لا يسكنه إلا بعد الدخول. رجاله سبعة: الأول: يحيى بن سليمان، وقد مرَّ في الخامس والخمسين من كتاب العلم، ومرَّ عثمان بن عفان في باب ما يذكر في المناولة في تعليق بعد الخامس منه، ومرَّ عبد الله بن وهب في الثالث عشر منه، ومرَّ عمرو بن الحارث في السابع والستين من كتاب الوضوء، ومرَّ بكير بن الأشج في الخامس والسبعين منه. السادس: عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سَوَاد بن كعب، وهو ظَفَر بن الخَزْرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الظَفَري، أبو عمرو، ويقال أبو عُمَرَ المَدَنِيّ. قال ابن معين وأبو زرعة والنَّسَائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان راوية للعلم، وله علم بالمغازي والسيرة أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة، ففعل. وكان ثقة كثير الحديث، عالمًا وقال البزار: ثقة مشهور. وقال عبد الحق في الأحكام: هو ثقة عند أبي زرعة وابن معين، وقد ضعفه غيرهما. وقد رَدّ ذلك عليه ابن القطّان وقال: بل هو ثقة عندهما، وعند غيرهما، ما سمعت أحدًا ضعفه ولا ذكره في الضعفاء. قال ابن حَجَر في مقدمته: وهو كما قال ابن القَطّان، وقد احتج به الجماعة. روى عن أبيه وجابر بن عبد الله ومحمود بن لبيد وجدته رُمَيثة، ولها صحبة، وأنس وغيرهم. وروى عنه ابنه الفضل وبكير بن الأشج وزيد بن أسلم وعُمارة بن غَزية وأبو الأسود يتيم عروة وغيرهم. مات سنة عشرين ومئة.

стр. 3207

وعاصم بن عمر سواه في الستة ثلاثة. السابع: عبيد الله بن الأسي الخَوْلانيّ، ربيب ميمونة، أعني أنها ربته فقيل: كان مولاها, لا أنه ابن زوجها، روى عنها وعن زيد بن خالد الجُهَنِيّ وابن عباس، وروى عنه بُسر بن سعيد وعاصم بن قَتادة. ذكره ابن حبّان في الثقات، له عندهم حديث "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تصاوير" وعند الشيخين "من بني مسجدًا" وعند أبي داود في الوضوء. وليس في الستة عُبيد الله بن الأسود سواه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضعين، والسماع في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق، وفيه ثلاثة من أول الإسناد مصريون، وثلاثة من آخره مدنيون، وفي وسطه مدنيٌّ سكن مصر، وهو بكير بن الأشج أخرجه مسلم في آخر الكتاب، وفي الصلاة، والتِّرْمِذِيّ في الصلاة، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه. ثم قال المصنف: باب يأخذ بنصول النبل إذا مر في المسجد أي هذا باب يأخذ، أي الشخص، والنصول جمع نصل، ويُجمع أيضًا على نِصال، كما يأتي في حديث الباب الذي بعده. والنصل نصل السهم والسيف والرمح. والنَّبْل، بفتح النون وسكون الموحدة بعدها لام: السهام العربية، وهي مؤنثة ولا واحد لها من لفظها، وجواب الشرط في قوله "إذا مر" محذوف يفسره قوله "يأخذ" أو التقدير يستحب لمن معه نبل أن يأخذ ... الخ.

стр. 3208

الحديث الخامس والخمسون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا. لم يذكر قتيبة في هذا السياق جواب عمرو عن استفهام سفيان، كما في أكثر الروايات، وحكى عن رواية الأصيليّ أنه ذكره في آخره، فقال: نعم. وقد ذكره غير قتيبة كما عند المصنف في الفتن عن علي بن المَدِينيّ، وسياق المصنف يفيد تحقق الاتصال فيه، والراجح الذي عليه أكثر المحققين، ومنهم البخاريّ أن قول الشيخ "نعم" إذا قال له القارىء مثلًا أحدثك فلان؟ لا يشترط، بل يكتفى فيه بسكون الشيخ إذا كان متيقظًا. وفي الحديث إشارة إلى تعظيم قليل الدم وكثيره، وتأكيد حرمة المسلم، وجواز إدخال المسجد السلاح. وفي الأوسط للطبرانيّ عن أبي سعيد قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى وسلم عن تقليب السلاح في المسجد" والمعنى فيه ما تقدم، وقوله: مرَّ رجل، هذا الرجل لم يسمَّ، وعند مسلم أن المار المذكور كان يتصدق بالنبل. رجاله أربعة: الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان, ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوجي، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع منه، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من كتاب العلم. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه القول والسؤال عن السماع بطريق الاستفهام، ولم يذكر له جواب، وقد ذكر البخاريّ في غير كتاب الصلاة

стр. 3209

أنه قال: نعم، فبان بقوله "نعم" إسناد الحديث. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، وقد مرَّ الكلام عليها مستوفى في التفاريع المذكورة في باب القراءة والعرض على المحدث، بعد الرابع من كتاب العلم. أخرجه البخاريّ هنا وفي الفتن عن علي بن عبد الله، ومسلم وابن ماجه في الأدب، والنَّسائيّ في الصلاة، وأبو داود في الجهاد. ثم قال المصنف: باب المرور في المسجد أي جوازه، وهو مستنبط من حديث الباب من جهة الأولوية، فإن قيل: ما وجه تخصيص حديث أبي موسى بترجمة المرور، وحديث جابر بترجمة الأخذ بالنصال، مع أن كلًا من الحديثين يدل على كل من الترجمتين؟ أجيب باحتمال أن يكون ذلك بالنظر إلى لفظ المتن، فإن حديث جابر ليس فيه ذكر المرور من لفظ الشارع، بخلاف حديث أبي موسى، فإن فيه لفظ المرور من لفظه مقصودًا، حيث جعل شرطًا، ورتب عليه الحكم. وهذا بالنظر إلى اللفظ الذي وقع للمؤلف على شرطه، وإلا فقد رواه النَّسائيّ عن جابر بلفظ "إذا مرَّ أحدكم الحديث".

стр. 3210

الحديث السادس والخمسون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لاَ يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا. قوله: أو أسواقنا، هو تنويع من الشارع، وليس شكًا من الراوي. وقوله: بنبل، الباء للمصاحبة، وقوله: على نصالها، ضمن الأخذ بمعنى الاستعلاء للمبالغة، أو على بمعنى الباء، كما مرَّ قريبًا عن ثابت عن أبي بُردة. وقوله: لا يعقر، أي يجرح، وهو مجزوم نظرًا إلى أنه جواب الأمر، أو أن لا ناهية، ويجوز فيه الرفع. وقوله: بكفه، متعلق بقوله فليأخذ، وكذا رواية الأصيلى "لا يعقر مسلمًا بكفه" ليس قوله "بكفه متعلقاً بيعقر" والتقدير فليأخذ بكفه على نصالها لا يعقر مسلمًا. ويؤيده رواية أبي امامة عن مسلم "فليمسك على نصالها بكفه أنْ يصيب أحدًا من المسلمين" وله عن أبي بردة "فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها". رجاله خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين من كتاب الإيمان" ومر بُرَيد بن عبد الله وجده أبو بردة وأبو أبي بردة أبو موسى الأشعريّ في الرابع منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، والسماع في موضع، وفيه رواية الراوي عن جده، والابن عن الأب، ورواته ما

стр. 3211

بين بصريّ وكوفيّ، أخرجه البخاريّ هنا، وفي الفتن عن أبي كريب، ومسلم وابن ماجه في الأدب، وأبو داود في الجهاد. ثم قال المصنف: باب الشعر في المسجد أى ما حكمه؟

стр. 3212

الحديث السابع والخمسون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَعَمْ. قوله: أخبرني أبو سَلَمة، كذا رواه شعيب، وتابعه إسحاق بن راشد عن الزُّهري عند النَّسائيّ، وأخرجه المؤلف في بدء الخلق عن ابن عُيينة عن الزُّهريّ فقال: عن سعيد بن المسيب بدل أبي سلمة، وتابعه معمر عند مسلم، وإبراهيم بن سعد واسماعيل بن أمية عند النَّسائيّ، والجمع بين ذلك هو أن الحديث عند الزُّهريّ عنهما معًا، فكان يحدث به عن هذا تارة وتارة عن هذا، وهذا من جنس الأحاديث التي يتعقبها الدارقطنيّ على الشيخين، لكنه لم يذكره عليه. وقوله: يستشهد أبا هريرة، أي يطلب الشهادة، والمراد الإخبار بالحكم الشرعي، وأطلق عليه الشهادة مبالغة في تقوية الخبر. وقوله: أَنْشُدك، بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة، أي سألتك الله، والنَّشْد بفتح النون وسكون الشين المعجمة: التذكر، وقوله: أحب عن رسول الله، في رواية سعيد: أحب عني، فيحتمل أن يكون الذي هنا بالمعنى، أو أنه ﵊ قال ذلك كذلك، تربية للمهابة، وتقوية لداعي المأمور، كما في قوله الخليفة يأمر بكذا، بدل أنا أمرت بكذا. والمراد بالإجابة الرد على الكفار الذين هجوا رسول الله صلى الله تعالى عليه

стр. 3213

وسلم وأصحابه، وفي التِّرمذيّ عن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار" وقوله: أيده بروح القُدس، أي قوّاه، وروح القدس المراد به جبريل، بدليل حديث البراء عند المصنف أيضًا بلفظ "وجبريل معك". والقُدس بضم القاف والدال، بمعنى الطهر. وسمي جبريل بذلك لأنه خلق من الطهر. وقال كعب: القُدُس الرَّب جل وعز، ومعنى روح القدس روح الله، وإنما سمي بالروح لأنه يأتي بالبيان عن الله تعالى، فيُحيي به الأرواح، وقيل: معنى القدس البَرَكة، ومَن أسمائه تعالى القُدُّوس، أي الطاهر المنزَّه عن العيوب والنقائص. ومنه الأرض المقدسة، وبيت المَقْدِس؛ لأنه الموضع الذي يتقدس فيه أي يتطهر فيه من الذنوب. قال ابن بطال: ليس في حديث الباب أن حسانًا أنشد شعرًا في المسجد بحضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لكن رواية البخاريّ، في بدء الخلق عن سعيد، تدل على أن قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لحسان "أحب عنّي" كان في المسجد، وأنه أنشد فيه ما أجاب به المشركين. ولفظه "مر عمر رضي الله تعالى عنه في المسجد، وحسان ينشد، فزجره فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: "أنْشُدك الله .. الحديث"، أو أن البخاريّ قصد تشحيذ الأذهان بالإشارات، ووجه ذلك أن هذه المقالة منه ﵊ دالةٌ على أن للشعر حقًا، يتأهل صاحبه لأن يؤيد في النطق به بجبريل ﵊، وما هذا شأنه يجوز قوله في المسجد قطعًا، والذي يحرم إنشاده فيه ما كان من الباطل المنافي لما اتخذت له المساجد من الحق. والأول أليق بتصرف البخاري، وبذلك جزم المازريّ، وقال: انما اختصر البخاري القصة لاشتهارها, ولكونه ذكرها في موضع آخر، وأما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه" والتّرمذيّ وَحسَّنه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن تناشد الأشعار في

стр. 3214

المساجد" وإسناده صحيح إلى عمرو، فمن يصحح نسخته يصححه، وفي المعنى عدة أحاديث، لكن في أسانيدها مقال، فالجمع بينهما وبين حديث الباب أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين، والمأذون فيه ما سلم من ذلك. وقيل: المنهيُّ عنه ما إذا كان التناشد غالبًا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه. وقد قال مالك وأبو حنيفة والشافعى وأحمد والنَّوويِّ والأوزاعيّ والشَّعبيّ وغيرهم: لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يكن فيه هجاء ولا فحش، ولا نكب عرضِ أحدٍ من المسلمين. وقال بكراهة روايته وإنشاده في المسجد مسروق وإبراهيم النخعيّ وسالم بن عبد الله والحسن البصريّ، وأبعد أبو عبد الملك البونيّ فأعمل أحاديث النهيّ، وادعى النسخ في حديث الباب، ولم يوافق على ذلك. حكاه ابن التين عنه وقال: إنه طرد هذه الدعوى فيما يأتي من دخول أصحاب الحراب المسجد، وكذا دخول المشرك المسجد، وفي الحديث جواز الاستنصار من الكفار، قال العلماء: ينبغي أن لا يُبْدأ المشركون بالسب والهجاء، مخافة من سبهم الإِسلام وأهله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفحش، إلاَّ أن تدعو إلى ذلك ضرورة، كابتدائهم به، فيكفُّ أذاهم أو نحوه، كما فعله ﵊. وفيه استحباب الدعاء لمن قال شعرًا مثل قصة حسان، وفيه فضيلة لحسّان. رجاله ستة: الأول: أبو اليمان. والثاني: شعيب بن أبي حمزة، وقد مرا من السابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ أبو سلمة في الرابع منه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من كتاب الإيمان. السادس: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد بن

стр. 3215

عديّ بن عمرو بن مالك بن النجار، الخزرجيّ، شاعر رسول الله ﷺ ، وأمه الفُرَيعة، بالفاء والعين المهملة مصغرًا، بنت خالد بن حُبَيش بن لَوْذان، خزرجية أيضًا، أدركت الإِسلام فاسلمت وبايعت، وقيل هي أخت خالد لا ابنته، والأشهر في كنيته أبو الوليد، وقيل أبو المُضَرَّب، وقيل أبو عبد الرحمن. قال أبو عبيدة: فُضّل حسان بن ثابت على الشعراء بثلاثة، كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ أيام النبوءة، وشاعر اليمن كلها في الإِسلام. وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب مرَّ بحسان في المسجد وهو ينشد، فلحظ إليه فقال: كنت أنشد وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول "أجب عني، اللهم أيده بروح القُدُس؟ " وأخرج أحمد أن عمر قال: أفي مسجد رسول الله تنشد الشعر؟ فقال: كنت أنشد وفيه من هو خير منك. وفي الصحيحين عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال لحسان: "اهجهم أو هاجهم وجبريل معك "وروى أبو داود عن عائشة أن النبي ﷺ كان يضع لحسان المنبر في المسجد، يقوم عليه قائمًا يهجو الذين كانوا يهجون النبي ﷺ . وقال رسول الله ﷺ "إن روح القدس مع حسّان ما دام ينافح عن رسول الله ﷺ " ومن حديث سِماك بن حرب وأبي إسحاق "أن الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ من مشركي قريش عبد الله بن الزبَعْرى وأبو سفيان بن الحارث وعمرو بن العاص وضرار بن الخطاب، فقال قائل لعلي: اهج عنا القوم، فقال: إن أذن لي النبي ﷺ فعلت، فقالوا: يا رسول الله: ائذن له. فقال رسول الله ﷺ : إن عليًا ليس عنده ما يراد في ذلك منه، أو ليس في ذلك هناك، ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله ﷺ بسلاحهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان: أنا لها، وأخذ بطرَف لسانه، وقال: والله ما

стр. 3216

يسرني به مِقْوَل بين بُصرى وصنعاء. فقال رسول الله ﷺ : كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي؟ فقال: والله لأَسُلَّنَّكَ منهم كما تسل الشعرة من العجين، فقال له: ائت أبا بكر، فإنه أعلم بأنساب القوم منك، فكان يمضي إلى أبي بكر ليفقهه في أنسابهم، وكان يقول له: كُفّ عن فلانة وفلانة، واذكر فلانة وفلانة، فجعل يهجوهم، فلما سمعت قريش شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة، أو من شعر ابن أبي قحافة، فمن شعر حسان في أبي سفيان بن الحارث: وإن سنام الجد في آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبدُ ومن ولدت أبناء زهرة منهم ... كرام ولم يقرب عجائزك المجد ولست كعباس ولا كابن أمه ... ولكن لئيم لا يقوم له زَند وإن امرأً كانت سمية أمه ... وسمراء مغمور إذا بلغ الجهد وأنت هجين نيط في آل هاشم ... كما نيطَ خلف الراكب القدَح الفردُ فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان قال: هذا الكلام لم يغب عنه ابن أبي قحافة، ويعنى بقوله بنت مخزوم فاطمة بنت عمرو بن عائذ، وهي أم أبي طالب وعبد الله والزبير بني عبد المطلب، وعنى بقوله "ومن ولدت أبناء زهرة منهم" حمزة وصفية وأمهما هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والعباس وابن أمه ضرار بن عبد المطلب أمهما نُتَيلة امرأة من النَّمر بن قاسِط، وسمية أم أبي سفيان، وسمراء أم أبيه، ومن قول حسان أيضًا في أبي سفيان: هجوت محمدًا فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء هجوت مطهرًا برَّاً حنيفًا ... أمين الله شيمته الوفاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء وهذا الشعر أوله: عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء

стр. 3217

قال مصعب الزبيري: هذه القصيدة قال حسان صدرها في الجاهلية وآخرها في الإِسلام، وهجم حسان على فتية يشربون الخمر فعيرهم في ذلك فقالوا: يا أبا الوليد، ما أخذنا إلا منك، وإنا لنهم بتركها، ثم يثبطنا عن ذلك قولك: ونشربها فتتركنا ملوكًا ... وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء فقال: هذا شيء قلته في الجاهلية، والله ما شربتها منذ أسلمت. قال ابن سيرين: وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار: حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وكان حسان وكعب بن مالك يعارضانهم بمثل قولهم في الوقائع والأيام والمآثر، ويذكران مثالبهم، وكان عبد الله بن رواحة يعيرهم بالكفر وعبادة ما لا يسمع ولا ينفع، فكان قوله يومئذ أهون القول عليهم، وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم فلما أسلموا وفقهوا كان أشد القول عليهم قول عبد الله بن رواحة. وقال ﷺ في حسان: "إن قوله فيهم أشد عليهم من وقع النبل" وقد مرَّ نهي عمر له عن إنشاد الشعر في المسجد، وما أجابه به. وروي عن عمر أنه نهى أن ينشد شيئاً من مناقضة الأنصار ومشركي قريش، وقال: في ذلك شتم الحيّ والميت، وتجديد الضغائن، وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الإِسلام. قال أبو عبيدة: اجتمعت العرب على أن أشعر أهل المدن يثرب ثم عيبد القيس ثم ثقيف، وعلى أن أشعر أهل المدن حسان بن ثابت، وعن أبي عُبيدة وأبي عمرو بن العلاء أنهما قالا: حسان أشعر أهل الحضر، وقال أحدهما: أهل المدن. وقال الأصمعي حسان أحد فحول الشعراء. وقال مرّة: شعر حسان في الجاهلية من أجود الشعر. وقيل لحسان: لان شعرك أو هَرِم في الإِسلام يا أبا الحُسام؟ فقال للقائل: يا ابن أخي إن الإِسلام يحجز عن الكذب، أو يمنع من الكذب، وإن الشعر يزينه الكذب، يعني أنّ شأن التجويد في الشعر الإفراط في الوصف، والتزيين بغير الحق،

стр. 3218

وذلك كله كذب، وقال الحطيئة: أبلغوا الأنصار أن شاعرهم أشعر العرب حيث يقول: يغشَون حتى ماتَهِرُّ كلابهم ... لا يسألون عن السَّوادِ المقبل قال عبد الملك بن مروان: أمدح بيت قالته العرب بيت حسان هذا، ومن جيد شعر حسان ما ارتجله بين يدي رسول الله ﷺ حين قدوم وقد بني تميم، إذ أتوه بخطيبهم وشاعرهم، ونادوه من وراء الحجرات، فأنزل الله فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية، فخرج إليهم، وخطب خطيبهم مفتخرًا، فلما سكت، أمر رسول الله ﷺ ثابت بن شمّاس أن يخطب بمعنى ما خطب به خطيبهم، فخطب ثابت فأحسن، ثم قام شاعرهم وهو الزِّبرقان بن بدر فقال: نحن الملوك فلا حيٌّ يقاربنا ... فينا العلاء وفينا تنصب البيَعُ ونحن نطعمهم في القحط ما أكلوا ... من العبيط إذا لم يؤنس القَزَع وننحر الكُوْم عبطًا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما نَزَّلوا شبعوا تلك المكارم حزناها مقارعة ... إذا الكرام على أمثالها اقترعوا ثم جلس فقال رسول الله ﷺ لحسان: قم، فقال: إن الذوائب من فهرو إخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبعُ يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا لو كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا ولا يضنون عن جار بفضلهم ... ولا يمسهم في مطمع طَبَعُ أعفة ذكرت في الناس عفتهم ... لا يبخلون ولا يرديهم طمعُ خذ منهم ما أتوا عفواً إذا عطفوا ... ولا يكن همك الأمر الذي منعوا فإنّ في حربهم فاترك عداوتهم، ... شرًا يخاض إليه الصَّابُ والسَّلعُ

стр. 3219

أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيعُ فقال التميميون عند ذلك: وربكم إن خطيب القوم أخطب من خطيبنا، وإن شاعرهم أشعر من شاعرنا، وما انتصفنا, ولا قاربنا. وروي عن عائشة أنها وصفت رسول الله ﷺ ، فقالت: كان والله كما قال فيه شاعره حسان: متى يبد في الداجي البهيم جبينه ... يلح مثل مصباح الدجى المتوقد فمن كان أم من قد يكون كأحمد ... نظام لحقٍ أو نَكال لملحد وقال أهل السِّير والأخبار: إن حسانًا من أجبن الناس، وإنه لم يشهد مع رسول الله ﷺ شيئًا من مشاهده لجبنه، وفي المغازي لابن إسحاق قال كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسّان بن ثابت، قالت: وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان، فمر بنا رجل يهوديّ، فجعل يطيف بالحصن، فقالت له صفية: إن هذا اليهودي لا آمنه أن يدل على عوراتنا، فأنزل إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يابنت عبد المطلب، عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت صفية: فلما قال ذلك أخذتُ عمودًا ونزلت من الحصن حتى قتلت اليهوديّ، فقلت لحسان: أنزل فاسلبه، فقال: ما لي بسَلبهِ من حاجة. قال ابن عبد البر أنكر بعض أهل العلم بالخبر ذلك، وقالوا: لو كَان لَهُجي به، فإنه قد هجا قومًا فلم يهجه أحد منهم بالجبن، ولو كان ذلك لهجي به. وقيل: إنما أصابه ذلك الجبن منذ ضَرَبَه صَفوانُ بن المُعَطَّل بالسيف. وقال ابن إسحاق: إن رسول الله ﷺ أعطى حسانًا عوضًا من ضربة صفوان الموضعَ الذي بالمدينة، وهو قصر بني جَديلة، وأعطاه سِيْريِنَ، أمةً قبطية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان، قال ابن عبد البَرّ: أما إعطاء رسول الله ﷺ سيرين أخت مارية لحسان، فمرويّ من وجوه، وأكثرها أن ذلك ليس لضربة صفوان، بل لذبه عن رسول الله ﷺ بلسانه في هجاء المشركين له، وقال قوم: إن حسان كان ممن خاض في الإفك على عائشة، وإنه جلد في ذلك. وأنكر قوم أن يكون ذلك وقع منه

стр. 3220

وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها بَرَّأته من ذلك، فقد روت بَرَكة أم محمد بن السائب أنها كانت مع عائشة في الطواف، ومعها أم حكيم بنت عبد الله بن أبي ربيعة، وأم حكيم بنت خالد بن العاص، فتذاكرتا حسانًا، فابتدرتاه بالسب، فقالت عائشة: ابنَ الفريعة تسبّان؟ اني لأرجو أن يدخله الله الجنة لذبه عن النبي ﷺ ، أليس القائل: هجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء إلى آخر الأبيات. وروى يوسف بن ناهك عن أمه مثله، وزاد فقالت: أليس ممن لعنه الله في الدنيا والآخرة بما قال فيك؟ فقالت: لم يقل شيئاً ولكنه الذي يقول: حَضَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بريبة ... وتصبح غَرْثى من لحوم الغوافل الخ الأبيات التي مرت في ترجمة عائشة، فقد برأته من أن يكون افترى عليهما. روى عن النبي ﷺ أحاديث، روى عنه سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير وآخرون. عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإِسلام ستين، ومات وهو ابن عشرين ومئة؛ سنة خمسين. لطائف إسناده: وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار بصيغته في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع واحد والعنعنة في موضع واحد، والسماع في موضعين، ورواته ما بين حمصي وَمَدَني. أخرجه البخاريّ هنا وفي بدء الخلق، عن علي بن المَدِينيّ، وفي الأدب عن إسماعيل بن أبي أُويس، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في الأدب، والنّسائيّ في الصلاة وفي اليوم والليلة والقضاء. ثم قال المصنف:

стр. 3221

باب أصحاب الحراب في المسجد الحِراب، بكسر المهملة جمع حَرْبة، بفتحها، والمراد جواز دخولهم فيه، ونصال حرابهم مشهورة، ولعل المصنف أشار إلى تخصيص الحديث السابق في النهي عن المرور في المسجد بالنصل غير مغمود، والفرق بينهما أن التحفظ في هذه الصورة، وهي صورة اللعب بالحراب، سهلٌ بخلاف مجرد المرور، فإنه قد يقع بغته، فلا يتحفظ منه وسيأتي للمصنف في العيدين باب ما يكره من حمل السلاح في العيد، وهذه الترجمة تخالف في المظاهر الترجمة المذكورة هنا؛ لأن هذه دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها، والآتية دالة على الكراهة والتحريم، لقول ابن عمر هناك: في يوم لا يحل فيه حمل السلاح ويجمع بينهما يحمل الحالة الأولى على وقوعها ممن حملها بالدربة، وعهدت منه السلامة من إيذاء أحد من الناس بها، وحمل الحالة الثانية على وقوعها بطرًا أو شرًا، أو لم يتحفظ حال حملها، وتجريدها من إصابتها أحدًا من الناس، ولاسيما عند المزاحمة، أو في المسالك الضيقة.

стр. 3222

الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا في بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ. قوله: في باب حجرتي، عند الأصيلي وكريمة على باب حجرتي، وقوله: والحبشة يلعبون في المسجد، وفي الرواية الآتية في العيدين "وكان يوم عيد يلعب فيه السُّودان بالدَّرق والحراب" ولمسلم جاء "حَبَش يلعبون في المسجد" قال المحب الطبريّ: هذا السياق يشعر بأن عادتهم ذلك في كل عيد، وفي رواية ابن حبّان "لما قدم وقد الحبشة قاموا يلعبون في المسجد" وهذا يشعر بأن الترخيص لهم في ذلك في حال القدوم، ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكون قدومهم صادف يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب في الأعياد، وفعلوا ذلك كعادتهم، ثم صاروا يلعبون كل يوم عيد. ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس قال "لما قدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة لعبت الحبشةُ فرحًا بذلك لعبوا بحرابهم، ولا شك أن يوم قدومه ﵊ كان عندهم أعظم من يوم العيد. قال ابن المنير: سماه لعبًا، وإن كان أصله التدريب على الحرب والاستعداد للعدو، وهو من الجد لما فيه من شبه اللعب، لكونه يقصد إلى الطعن ولا يفعله، ويوهم بذلك قِرنَة، ولو كان أباه أو ابنه. وفي الحديث جواز ذلك في المسجد، وحكى ابن التين عن اللخمى أنّ اللعب بالحراب في

стр. 3223

المسجد منسوخٌ بالقرآن والسنة. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ وأما السنة فحديث "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" وتعقب بأن الحديث ضعيف، وليس فيه، ولا في الآية، تصريح بما ادعاه، ولا عُرف التاريخ فيثبتَ النسخ. وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد، وكانت عائشة فيه، وهذا لا يثبت عن مالك، وهو مخالف لما صرح به في طرق هذا الحديث، وفي بعضها أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "دعهم يا عمر" كما يأتي في الجهاد، وزاد أبو عوانة في صحيحه "فإنهم بنو أَرْفِدة" كانه يعني أن هذا شأنهم وطريقتهم، وهو من الأمور المباحة، فلا إنكار عليهم. وقال المحب الطبريّ: فيه تنبيه على أنه يغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم، لأن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب، فيقتصر على ما ورد فيه النص. وروى السّراج عن عائشة أنه ﵊ قال حينئذ "لتعلم يهود أن في ديننا فُسْحة، إني بُعثتُ بحنيفية سمحة". وهذا يشعر بعدم التخصيص، وكأنَّ عمر بني على الأصل في تنزيه المساجد، فبين له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وجه الجواز فيما كان هذا سبيله، أو لعله لم يكن علم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يراهم. وقال المُهَلَّبُ: المسجد موضوع لأمن جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه. وقوله: يسترني بردائه أنظُر لعبَهم، وفي رواية العيدين "فإما سألتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإما قال: أتشتهينَ تنظرين؟ قلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: دونكم بني أرفدة، حتى إذا مَلِلْتُ قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي" وفي هذه الرواية تردد منها فيما كان وقع له، هل كان أذِن لها في ذلك ابتداءً منه أو عن السؤال منها، وهذ ابن اء على أنَّ سَألْتُ بسكون اللام من كلامها، ويحتمل أن يكون بفتح اللام من كلام الراوي، ولا ينافي قوله "وإما قال تشتهين تنظرين" وقد اختنفت الروايات عنها في ذلك،

стр. 3224

فروى النَّسائيّ عنها "سمعت لغطًا وصوت صبيان، فقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا حبشة تَزْفنُ أو ترقص، والصبيان حولها، فقال: يا عائشة، تعالى فانظري" ففي هذا أنه ابتدأها، وفي رواية عبيد بن عمير عنها عن مسلم أنها قالت: "للعابين وددتُ أني أراهم" ففي هذا أنها سألت، ويجمع بينهما بأنها التمست منه ذلك فأذن لها. قلت الرواية الأولى صريحة في إذنه لها ابتداءًا من غير التماس، فكيف يصح الجمع؟ وكذلك رواية النسائي عن أبي سَلمة عنها "دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: يا حُميراء، أتحبين أن تنظري إليهم، فقلت: نعم" إسناده صحيح. ففي هذا عرضه ذلك عليها من غير أن تلتمسه منه. قال في الفتح: ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا، وفي رواية أبي سلمة هذه من الزيادة عنها، قالت: ومن قولهم يومئذ "أبا القاسم طيبًا"، كذا بالنصب على حكاية قول الحبشة. ولأحمد والسراج وابن حبّان عن أنس "أن الحبشة كانت تزفن بين يدي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ويتكلمون بكلام لهم، فقال: ما يقولون؟ قال: يقولون محمد عبد صالح". وقوله: فأقامني وراءه، أي متلاصقين، وهي جملة حالية بدون واو، كما قيل في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وعند مسلم "فوضعتُ رأسي على مَنْكِبه"وفي رواية أبي سلمة المذكورة "فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خده" وفي رواية عبيد بن عمير عنها "أنظر بين أذنيه وعاتقه" ومعانيها متقاربة، ورواية أبي سلمة أبينها. وقوله: يسترني بردائه، فيه رد على ابن المنير في استنباطه من لفظ "فأقامني وراءه" وجوازَ اكتفاء المرأة بالتستر بالقيام خلف من تستتر به من زوج أو ذي محرم إذا قام ذلك مقام الرداء؛ لأن القصة واحدة، وقد وقع فيها التنصيص على وجود التستر بالرداء، وفيه دلالة على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، ويدل على جواز نظر المرأة إلى الرجل، وأجاب بعض من منع، بأن عائشة كانت إذ ذاك

стр. 3225

صغيرةً، وفيه نظر، لما ذكرنا من كون هذا كان بعد نزول الحجاب، وكذا قولها في بعض الروايات كما يأتي قريبًا "أحببتُ أنْ يبلغَ النساءَ مقامُه لي" فإنه يشعر بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر أرادت الفخر عليهن، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها، وقد مر من رواية ابن حبّان أن ذلك وقع لما قدم وقد الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنة. وقوله: دونكم يا بني أرفدة، بنصب دونكم على الظرفية بمعنى الإغراء، والمغرى به محذوف، وهو لعبهم بالحراب، وفيه اذن وتنهيض لهم وتنشيط، وأرْفِدة، بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء، وقد تفتح، قيل: هو لقب للحبشة، وقيل: هو اسم جنس لهم، وقيل: اسم جدهم الأكبر، وقيل: المعنى يا بني الإماء. وقوله: حتى إذا ملِلت بكسر اللام الأولى، وفي رواية الزُّهري "حتى أكون أنا الذي أسام" ولمسلم "ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف" وعند النَّسائيّ "أما شبعتِ، أما شبعتِ؟ قالت: فجعلت أقول لا لأنظر منزلتي عنده" وله عن أبي سلمة عنها قلت: "يا رسول الله، لا تعجل، فقام لي، ثم قال: حسبك، قلت: لا تعجل، قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساءَ مقامُه، ومكاني منه" وزاد في "النكاح" في رواية الزُّهريّ "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن, الحرية على اللهو". وقولها: اقدُروا بضم الدال، من التقدير، ويجوز فيها الكسر، وأشارت بذلك إلى أنها كانت حينئذ شابة، وقد تمسك بهذا من ادعى نسخ الحكم، وأنه كان في أول الإِسلام، وقد مرَّ الرد عليه، واستدل به على جواز اللعب بالسلاح، على طريق التواثب للتدريب على الحرب، والتنشيط عليه. واستنبط منه جواز المثاقفة لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب. قال عياض: وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجل الأجانب؛ لأنه إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن والاستلذاذ بذلك، ومن تراجم البخاريّ عليه "باب نظر المرأة إلى الحبشة ونحوهم من غير ريبة" قال النوويّ: أما النظر بشهوة عند خشية
следующие страницы →