← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

باب أصحاب الحراب في المسجد الحِراب، بكسر المهملة جمع حَرْبة، بفتحها، والمراد جواز دخولهم فيه، ونصال حرابهم مشهورة، ولعل المصنف أشار إلى تخصيص الحديث السابق في النهي عن المرور في المسجد بالنصل غير مغمود، والفرق بينهما أن التحفظ في هذه الصورة، وهي صورة اللعب بالحراب، سهلٌ بخلاف مجرد المرور، فإنه قد يقع بغته، فلا يتحفظ منه وسيأتي للمصنف في العيدين باب ما يكره من حمل السلاح في العيد، وهذه الترجمة تخالف في المظاهر الترجمة المذكورة هنا؛ لأن هذه دائرة بين الإباحة والندب على ما دل عليه حديثها، والآتية دالة على الكراهة والتحريم، لقول ابن عمر هناك: في يوم لا يحل فيه حمل السلاح ويجمع بينهما يحمل الحالة الأولى على وقوعها ممن حملها بالدربة، وعهدت منه السلامة من إيذاء أحد من الناس بها، وحمل الحالة الثانية على وقوعها بطرًا أو شرًا، أو لم يتحفظ حال حملها، وتجريدها من إصابتها أحدًا من الناس، ولاسيما عند المزاحمة، أو في المسالك الضيقة.

стр. 3222

الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا في بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ. قوله: في باب حجرتي، عند الأصيلي وكريمة على باب حجرتي، وقوله: والحبشة يلعبون في المسجد، وفي الرواية الآتية في العيدين "وكان يوم عيد يلعب فيه السُّودان بالدَّرق والحراب" ولمسلم جاء "حَبَش يلعبون في المسجد" قال المحب الطبريّ: هذا السياق يشعر بأن عادتهم ذلك في كل عيد، وفي رواية ابن حبّان "لما قدم وقد الحبشة قاموا يلعبون في المسجد" وهذا يشعر بأن الترخيص لهم في ذلك في حال القدوم، ولا تنافي بينهما لاحتمال أن يكون قدومهم صادف يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب في الأعياد، وفعلوا ذلك كعادتهم، ثم صاروا يلعبون كل يوم عيد. ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس قال "لما قدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة لعبت الحبشةُ فرحًا بذلك لعبوا بحرابهم، ولا شك أن يوم قدومه ﵊ كان عندهم أعظم من يوم العيد. قال ابن المنير: سماه لعبًا، وإن كان أصله التدريب على الحرب والاستعداد للعدو، وهو من الجد لما فيه من شبه اللعب، لكونه يقصد إلى الطعن ولا يفعله، ويوهم بذلك قِرنَة، ولو كان أباه أو ابنه. وفي الحديث جواز ذلك في المسجد، وحكى ابن التين عن اللخمى أنّ اللعب بالحراب في

стр. 3223

المسجد منسوخٌ بالقرآن والسنة. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ وأما السنة فحديث "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم" وتعقب بأن الحديث ضعيف، وليس فيه، ولا في الآية، تصريح بما ادعاه، ولا عُرف التاريخ فيثبتَ النسخ. وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد، وكانت عائشة فيه، وهذا لا يثبت عن مالك، وهو مخالف لما صرح به في طرق هذا الحديث، وفي بعضها أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "دعهم يا عمر" كما يأتي في الجهاد، وزاد أبو عوانة في صحيحه "فإنهم بنو أَرْفِدة" كانه يعني أن هذا شأنهم وطريقتهم، وهو من الأمور المباحة، فلا إنكار عليهم. وقال المحب الطبريّ: فيه تنبيه على أنه يغتفر لهم ما لا يغتفر لغيرهم، لأن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب، فيقتصر على ما ورد فيه النص. وروى السّراج عن عائشة أنه ﵊ قال حينئذ "لتعلم يهود أن في ديننا فُسْحة، إني بُعثتُ بحنيفية سمحة". وهذا يشعر بعدم التخصيص، وكأنَّ عمر بني على الأصل في تنزيه المساجد، فبين له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وجه الجواز فيما كان هذا سبيله، أو لعله لم يكن علم أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يراهم. وقال المُهَلَّبُ: المسجد موضوع لأمن جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه. وقوله: يسترني بردائه أنظُر لعبَهم، وفي رواية العيدين "فإما سألتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإما قال: أتشتهينَ تنظرين؟ قلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: دونكم بني أرفدة، حتى إذا مَلِلْتُ قال: حسبك؟ قلت: نعم، قال: فاذهبي" وفي هذه الرواية تردد منها فيما كان وقع له، هل كان أذِن لها في ذلك ابتداءً منه أو عن السؤال منها، وهذ ابن اء على أنَّ سَألْتُ بسكون اللام من كلامها، ويحتمل أن يكون بفتح اللام من كلام الراوي، ولا ينافي قوله "وإما قال تشتهين تنظرين" وقد اختنفت الروايات عنها في ذلك،

стр. 3224

فروى النَّسائيّ عنها "سمعت لغطًا وصوت صبيان، فقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فإذا حبشة تَزْفنُ أو ترقص، والصبيان حولها، فقال: يا عائشة، تعالى فانظري" ففي هذا أنه ابتدأها، وفي رواية عبيد بن عمير عنها عن مسلم أنها قالت: "للعابين وددتُ أني أراهم" ففي هذا أنها سألت، ويجمع بينهما بأنها التمست منه ذلك فأذن لها. قلت الرواية الأولى صريحة في إذنه لها ابتداءًا من غير التماس، فكيف يصح الجمع؟ وكذلك رواية النسائي عن أبي سَلمة عنها "دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: يا حُميراء، أتحبين أن تنظري إليهم، فقلت: نعم" إسناده صحيح. ففي هذا عرضه ذلك عليها من غير أن تلتمسه منه. قال في الفتح: ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا، وفي رواية أبي سلمة هذه من الزيادة عنها، قالت: ومن قولهم يومئذ "أبا القاسم طيبًا"، كذا بالنصب على حكاية قول الحبشة. ولأحمد والسراج وابن حبّان عن أنس "أن الحبشة كانت تزفن بين يدي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ويتكلمون بكلام لهم، فقال: ما يقولون؟ قال: يقولون محمد عبد صالح". وقوله: فأقامني وراءه، أي متلاصقين، وهي جملة حالية بدون واو، كما قيل في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وعند مسلم "فوضعتُ رأسي على مَنْكِبه"وفي رواية أبي سلمة المذكورة "فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خده" وفي رواية عبيد بن عمير عنها "أنظر بين أذنيه وعاتقه" ومعانيها متقاربة، ورواية أبي سلمة أبينها. وقوله: يسترني بردائه، فيه رد على ابن المنير في استنباطه من لفظ "فأقامني وراءه" وجوازَ اكتفاء المرأة بالتستر بالقيام خلف من تستتر به من زوج أو ذي محرم إذا قام ذلك مقام الرداء؛ لأن القصة واحدة، وقد وقع فيها التنصيص على وجود التستر بالرداء، وفيه دلالة على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، ويدل على جواز نظر المرأة إلى الرجل، وأجاب بعض من منع، بأن عائشة كانت إذ ذاك

стр. 3225

صغيرةً، وفيه نظر، لما ذكرنا من كون هذا كان بعد نزول الحجاب، وكذا قولها في بعض الروايات كما يأتي قريبًا "أحببتُ أنْ يبلغَ النساءَ مقامُه لي" فإنه يشعر بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر أرادت الفخر عليهن، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها، وقد مر من رواية ابن حبّان أن ذلك وقع لما قدم وقد الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنة. وقوله: دونكم يا بني أرفدة، بنصب دونكم على الظرفية بمعنى الإغراء، والمغرى به محذوف، وهو لعبهم بالحراب، وفيه اذن وتنهيض لهم وتنشيط، وأرْفِدة، بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء، وقد تفتح، قيل: هو لقب للحبشة، وقيل: هو اسم جنس لهم، وقيل: اسم جدهم الأكبر، وقيل: المعنى يا بني الإماء. وقوله: حتى إذا ملِلت بكسر اللام الأولى، وفي رواية الزُّهري "حتى أكون أنا الذي أسام" ولمسلم "ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف" وعند النَّسائيّ "أما شبعتِ، أما شبعتِ؟ قالت: فجعلت أقول لا لأنظر منزلتي عنده" وله عن أبي سلمة عنها قلت: "يا رسول الله، لا تعجل، فقام لي، ثم قال: حسبك، قلت: لا تعجل، قالت: وما بي حب النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساءَ مقامُه، ومكاني منه" وزاد في "النكاح" في رواية الزُّهريّ "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن, الحرية على اللهو". وقولها: اقدُروا بضم الدال، من التقدير، ويجوز فيها الكسر، وأشارت بذلك إلى أنها كانت حينئذ شابة، وقد تمسك بهذا من ادعى نسخ الحكم، وأنه كان في أول الإِسلام، وقد مرَّ الرد عليه، واستدل به على جواز اللعب بالسلاح، على طريق التواثب للتدريب على الحرب، والتنشيط عليه. واستنبط منه جواز المثاقفة لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب. قال عياض: وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجل الأجانب؛ لأنه إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن والاستلذاذ بذلك، ومن تراجم البخاريّ عليه "باب نظر المرأة إلى الحبشة ونحوهم من غير ريبة" قال النوويّ: أما النظر بشهوة عند خشية

стр. 3226

الفتنة، فحرامٌ اتفاقًا، وأما بغير شهوة، فالأصح أنه محرم، وأجاب عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة، وهذا قد مرَّ ما فيه، أو كانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم لا إلى وجوههم وأبدانهم، وانْ وقع بلا قصد أمكن أن تصرفه في الحال. وفيه حسن خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم مع أهله، وكرم معاشرته، وفضل عائشة وعظيم محلها عنده. ثم قال: وزاد إبراهيم بن المنذر: حدثني ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: "رأيت النبي ﷺ والحبشة يلعبون بحرابهم" يريد أن إبراهيم رواه عن يونس عن ابن شهاب كرواية صالح، لكنه عيّن أن لعبهم كان بحرابهم، وهو المطابق للترجمة، وفي ذلك إشارة إلى أن البخايّ يقصد بالترجمة أصل الحديث، لا خصوص السياق الذي يورده. قال في الفتح: لم أقف على طريق يونس من رواية إبراهيم بن المنذر موصولة، ووصلها مسلم عن أبي طاهر بن السَّرْح عن ابن وهب، ووصلها الإسماعيليّ أيضًا عن عثمان بن عمر عن يونس وفيه الزيادة. رجاله برجال التعليق تسعة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى، وقد مرَّ في الأربعين من كتاب العلم، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ صالح بن كيسان في آخر بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عروة بن الزبير وعائشة في الثاني منه، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة الرابع منه، ومرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن وهب في الثالث عشر منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والإخبار بصيغة الإفراد في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع، وعبد العزيز من أفراد البخاري، وفيه ثلاثة من التابعين، وهم صالح وابن شهاب وعروة، ورواته ما بين مدنيّ ومصريّ وأيليّ. أخرجه البخاريّ في العيدين، وفي مناقب قريش، ومسلم في العيدين.

стр. 3227

ثم قال المصنف: باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد قوله: ذكر البَيْع أي باب في الإخبار عن وقوعهما على المنبر، لا في وقوعهما عليه، ولأبي ذَرِّ "على المنبر والمسجد" أي وعلى المسجد، فضمن "على معنى في" عكس ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ومطابقة الترجمة لحديث الباب من قوله: "ما بال أقوام يشترطون" فإن فيه إشارة إلى القصة المذكورة، وقد اشتملت على بيع وشراء وعتق وولاء، وقد وهم من تكلم على هذا الكتاب فقال: ليس فيه أن البيع والشراء وقعا في المسجد، ظنًا منه أن الترجمة معقودة لبيان جواز ذلك، وليس كما ظن، للفرق بين جريان ذكر الشيء والإخبار عن حكمه، فإن ذلك خير وحق. وبين مباشرة العقد، فإن ذلك يفضي إلى اللفظ المنهي عنه. قال المازريّ: واختلفوا في جواز ذلك في المسجد، مع اتفاقهم على صحة العقد لو وقع.

стр. 3228

الحديث التاسع والخمسون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلاَءُ لِي. وَقَالَ أَهْلُهَا إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا وَيَكُونُ الْوَلاَءُ لَنَا فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ فَقَالَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ. قوله: أتتها بريرة، فيه التفات إن كان فاعل قالت عائشة، وإن كان الفاعل عَمرة فلا التفات، وبريرة بفتح الموحدة بوزن فَعيلة، مشتقة من البَرير، وهو ثمر الأراك، وقيل إنها فعيلة من البِرّ بمعنى مَفعولة كمبرورة، أو بمعنى فاعلة كرحيمة، والأول أَوْلى؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم غيّر اسم جويرية وكان اسمها بَرّة، وقال "لا تزكوا أنفسكم" فلو كانت بريرة من البِر لشاركتها في ذلك، قلت: يمكن ترك التغيير لاحتمال كونها من البرير. وقوله: تسألها في كتابتها، أي تستعين في كتابتها، فضمَّن تسأل معنى تستعين، وثبت ذلك في رواية ابن شهاب في العَتق. وقوله: إن شئت أعطيت أهلك. أي مواليك، والأصل في الأهل الآل، وفي الشرع من تلزم نفقته، وحذف المفعول الثاني، الذي هو بقية ما عليها , لدلالة الكلام عليه، وكان المتأخر على بَريرة خمس أواقٍ تجمعت عليها في خمس سنين، كما في رواية

стр. 3229

ابن شهاب في العتق، وفي رواية هشام فيه "أنها كانت على تسع أواق، في كل عام أوقية" ويمكن الجمع بأن التسع أصل، والخمس كانت بقيت عليها، وبهذا جزم القرطبيّ والمحب الطبريُّ. ويعكر عليه قوله في رواية قتيبة "ولم تكن أَدَّت من كتابتها شيئًا" ويجاب بأنها كانت حصلت الأربع أواق قبل أن تستعين عائشة، ثم جاءتها وقد بقي عليها خمس. وقوله: قال سفيان مَرّة، أي أن سفيان حدث به على وجهين، وهو موصول غير معلق. وقوله: ذكّرتُه ذلك، أي بتشديد الكاف، فقيل: الصواب ما وقع في رواية مالك وغيره بلفظ "ذَكرْتُ له ذلك" لأن التذكير يستدعي سبق علم بذلك، ولا يتجه تخطئة هذه الرواية" لاحتمال السبق أولًا على وجه الإجمال. وفي رواية هشام "فسمع بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسألني، فأخبرته" وفي رواية مالك "فجاءت من عندهم، ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالسٌ، فقالت: إني عرضت عليهم فأبوا، فسمع النبي ﷺ ". وفي رواية أيمن "فسمع بذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أو بلغه فقال: ما شأن بَريرة؟ ". ولمسلم وابن خزيمة عن هشام "فجاءتني بَريرة، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم جالسٌ، فقالت لي فيما بيني وبينها ما أراد أهلها، فقلت: "لا، هاالله إذًا، ورفعت صوتي، وانتهرتها، فسمع بذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فسألني فأخبرته" لفظ ابن خزيمة. وقوله: فإن الولاء لمن أعتق، وفي رواية "فإنما الولاء لمن أعتق". وقوله: ما بال أقوام، كناية عن الفاعل، إذ من خُلُقه العظيم أن لا يواجه أحدًا بما يكره. وقوله: يشترطون شروطًا ليس في كتاب، أي ليس الاشتراط أو التذكير للضمير باعتبار جنس الشرط، وللأصيليّ: ليست أي الشروط. وقوله: ليس في كتاب الله فليس له، قال الخطابيّ: ليس المراد أن ما لم ينص عليه في كتاب الله فهو باطل، فإن لفظ "الولاء لمن أعتق" من قوله ﵊، لكن الأمر بطاعته في كتاب الله، فجاز إضافته ذلك إلى الكتاب، وتعقب بأن ذلك لو جاز لجازت إضافة ما اقتضاه كلام الرسول ﵊ إليه. والجواب عنه

стр. 3230

أن تلك الإضافة إنما هي بطريق العموم، لا بخصوص المسألة المعينة، وهذا مصير من الخطابيّ إلى أن المراد بكتاب الله هنا القرآن، ونظير ما جنح إليه ما قاله ابن مسعود لأم يعقوب، في قصة الواشمة "ما لي لا ألعن من لعن رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو في كتاب الله" ثم استدل على كونه في كتاب الله بقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ لما أخرجه البخاري في التفسير عند هذه الآية. وقال ابن بطال: المراد بكتاب الله هنا حكمه من كتابه أو سنة رسوله أو إجماع الأمة، سواء ذكر في القرآن أو لم يذكر. وقال ابن خزيمة: ليس في كتاب الله، أي ليس في حكم الله جوازه أو وجوبه، لا أنَّ كل من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب يبطُل، قد يشترط في البيع الكفيل فلا يبطل الشرط، ويشترط في الثمن شروطاً من أوصافه أو نجومه أو نحو ذلك، فلا يبطل. وقال القرطبيّ: قوله ليس في كتاب الله، أي ليس مشروعًا في كتاب الله تأصيلًا ولا تفصيلًا، ومعنى هذا أن من الأحكام ما يؤخذ تفصيله من كتاب الله كالوضوء، ومنها ما يؤخذ تأصيله دون تفصيله كالصلاة، ومنها ما أُصِّل أصْلُه لدلالة الكتاب على أصْلِية السنة والإجماع والقياس الصحيح، فكل ما يقتبس من هذه الأصول تفصيلًا، فهو مأخوذ من كتاب الله تأصيلًا. قلت: ومن أجل هذا المعنى صح تناول قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لجميع الأحكام الشرعية إلى قيام الساعة. وقوله: وإن اشترط مئة مرةٍ، في رواية المستملي "مئة شرط" قال النوويّ: معنى قوله "ولو اشترط مئة شرط" أنه لو شرط مئة مرة توكيدًا، فهو باطل. ويؤيده رواية "مئة مرة" وإنما حمل على التأكيد, لأن العموم في قوله "كل شرط" وفي قوله "من اشترط شرطًا" دال على بطلان جميع الشروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمئة فإنها لو زادت عليها كان الحكم كذلك، لما دلت عليه الصيغة، فذكر المئة إنما هو على سبيل المبالغة. وقال القرطبيّ: قوله "ولو كان مئة شرط" خرج مخرج التكثير، يعني أن الشروط الغير المشروعة باطلةٌ ولو كثرت، ويستفاد

стр. 3231

منه أن الشروط المشروعة صحيحة. قال النوويّ: قال العلماء: الشروط في البيع أقسام: أحدها يقتضيه إِطلاق العقد، كشرط تسليمه. والثاني شرط فيه مصلحة كالرهن، وهما جائزان اتفاقًا. الثالث اشتراط العتق في العبد، وهو جائز عند الجمهور، لحديث عائشة وقصة بريرة. الرابع ما يزيد على مقتضى العقد، ولا مصلحة فيه للمشتري، كاستثناء منفعته فهو باطل. وقال أبو حنيفة: لا يجوز البيع بشرط العتق، وعند المالكية إِذا اشتراه على تنجيز العتق، "كأبيعُكَهُ بشرطِ أن تعتقه لزومًا" جُبرِ البائع على عَتقه إِن لم يعتقه. ولو قال على أنه حر بالشراء عتق بمجرد الشراء، فذهب الجمهور إلى بطلان البيع عند استثناء المنفعة، كاشتراط سكنى الدار، وخدمة العبد، وركوب الدابة. وذهب الأوزاعيّ وابن شُبرمة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وطائفة إلى صحة البيع، وتنزل الشرط منزلة الاستثناء, لأن المشروط إذا كان قدره معلومًا صار كما لو باعه بألف إلا خمسين درهمًا مثلا، ووافقهم مالك في الزمن اليسير بحسب المبيعات، كثلاثة أيام في الحيوانات، وسنة في الدار، وعشر سنين في الأرض. وحجتهم حديث جابر في استثناثه ركوب بعيره، وأجاب عنه الجمهور بان ألفاظه اختلفت، فمنهم من ذكر فيه الشرط، ومنهم من ذكر فيه ما يدل عليه، ومنهم من ذكر ما يدل على أنه كان بطريق الهبة، وأنها واقعة عين يطرقها الاحتمال، وبأنه عارضه حديث عائشة في قصة بَريرة. ففيه بطلان الشرط المنافي للمقصود من العقد. وصح من حديث جابر أيضًا النهيُ عن بيع الثنيا، أخرجه أصحاب السنن، وإسناده صحيح، وورد النهي عن بيع وشرط، وأجيب عن هذا كله بأن البخاري صرح بأنه الاشتراط في حديث جابر أكثر وأصح، وبأن الذي ينافي المقصود من

стр. 3232

البيع ما إذا اشترط مثلًا في بيع الجارية أنْ لا يطأها، وفي الدار أن لا يسكنها، وفي العبد أن لا يستخدم، وفي الدابة أن لا يركبها، أما إذا اشترط شيئًا معلومًا لوقت معلوم، فلا بأس به. وأما حديث النهي عن الثنيا ففي نفس الحديث "إلا أنْ يعلم" يعلم أنّ النهي إنما يقع عما كان مجهولًا، وأما حديث النهي عن بيع وشرط، ففي إسناده مقال، واعلم أنّ في حديث بَريرة هذا روايات لم يرد عليها إشكال، كرواية ابن عمر "أرادت عائشة أن تشتري جارية فتعنقها" وبهذا يتجه الإنكار على موالي بَريرة إذ وافقوا عائشة على بيعها، ثم أرادوا أن يشترطوا أن يكون الولاء لهم، ويؤيد هذه الرواية قوله في رواية أيمن "قالت لا تبيعوني حتى تشترطوا ولائي" وفي رواية الأسود الآتية في الفرائض عن عائشة "اشتريت بَريرة لأعتقها، فاشترط أهلها ولاءها". وفي رواية القاسم عن عائشة في الهبة أنها أرادت أن تشتري بَريرة، وأنهم اشترطوا ولاءها. وفي رواية هشام في العتق "خذيها واشترطي لهم الولاء" واستشكلت هذه الرواية بأنه كيف يصدر الإذن منه صلى الله تعالى عليه وسلم في البيع على شرط فاسدٍ؟ وكيف يأذن في البيع حتى يقع على هذا الشرط؟ ويقدم البائع عليه ثم يبطل اشتراطه؟ وأجيب عن ذلك بأجوبة، فمنها أن بعضهم أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطابيّ في المعالم عن يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك. وعن الشافعي في الأم الإشارة إلى تضعيف رواية هشام، المصرِّحة بالاشتراط، لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، ورواية غيره قابلة للتأويل، وأشار غيره إلى أنه روى بالمعنى الذي وقع له. وليس كما ظن. وأثبت آخرون الرواية, وقالوا: هشام ثقة حافظ، والحديث متفق على صحته، فلا وجه لرده. ثم اختلفوا في توجيهها، فزعم الطحاويّ أن المزنيّ حدثه به عن الشافعيّ بلفظ "فأشرطي" بهمزة قطع بغير تاء مثناة، ثم وجهه بأن معناه، أظهري لهم حكم الولاء، والإشراط الإظهار. قال أوس بن حجر: فأشرط فيها نفسَه وهو مُعْصمُ:

стр. 3233

أي أظهر نفسه وأنكر غيره الرواية" والذي في "مختصر المزني" و"الأم" وغيرهما عن الشافعي كرواية الجمهور "واشترطي" بصيغة أمر المؤنث من الشرط، ثم حكى الطحاويّ أيضًا تأويل الرواية التي بلفظ "واشترطي" بأن اللام في قوله "واشترطي لهم" بمعنى "على" كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وهذا هو المشهور عن المزني. وهو صحيح عن الشافعيّ. أسنده البيهقي في "المعرفة" إليه. وحكى الخطابيّ عن ابن خزيمة أن قول يحيى بن أكثم غلط، والتأويل المنقول عن المزني لا يصح، وقال النووي تأويل اللام هنا بمعنى "على" ضعيف, لأنه ﵊ أنكر الاشتراط، ولو كان بمعنى "على" لم ينكره، فإن قيل: ما أنكره إلا إرادة الاشتراط في أول الأمر، فالجواب أن سياق الحديث يأبى ذلك، وضعفه أيضًا ابن دقيق العيد، وقال: اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل على مطلق الاختصاص، فلابد في حملها على ذلك من قرينة. وقال آخرون: الأمر في قوله "واشترطي" للإباحة، وهو على جهة التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، فكأنه يقول: اشترطي أو لا تشترطي، فذلك لا يفيدهم. ويقوّي هذا التأويل قوله في رواية أيمن الآتية آخر أبواب المكاتب "اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاؤوا". وقيل: كان النبي ﷺ أعلم الناس بأن اشتراط البائع الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بَريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم العلم ببطلانه، أطلق الأمر مريدًا به التهديد على مآل الحال، كقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ وكقول موسى ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أي فليس ذلك بنافعكم، وكأنه يقول: اشترطي لهم، فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم. ويؤيده قوله حين خطبهم "ما بال رجال يشترطون ... الخ" فوبخهم بهذا القول مشيرًا إلى أنه قد تقدم منه بيان حكم الله بإبطاله، إذ لو لم يتقدم بيان ذلك لبدأ ببيان الحكم في الخطبة، لا بتوبيخ الفاعل؛ لأنه كان يكون باقيًا على البراءة الأصلية، وقيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي،

стр. 3234

كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وقال الشافعيّ في الأم: لما كان من اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصيًا، وكانت في المعاصي حدود آداب، وكان من أدب العاصين أن يعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك، ويرتدع به غيرهم، كان ذلك من أيسر الأدب. قلت: هذا لا يستقيم إلا عند تَقَدُّم تعليم منه صلى الله تعالى عليه وسلم لهم بذلك، كما في التأويل الذي قبله، وإلا لما أمكن التأديب. وقال غيره: معنى "اشترطي" اتركي مخالفتهم. فيما شرطوا, ولا تظهري نزاعهم فيما دعوا إليه، مراعاة لتنجيز العتق، لتشوف الشارع إليه، وقد يعبر عن الترك بالفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي نتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإذن إباحة الإضرار بالسَّحر. قال ابن دقيق العيد: وهذا، وإن كان محتملًا، إلا أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة على المجاز من حيث السياق. وقال النووي: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القضية، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وهو كنسخ الحج إلى العمرة كان خاصًا بتلك الحجة، مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، ويستفاد منه ارتكاب أخف المفسدتين إذا استلزم إزالة أشدهما، وتعقب بان استدلال بمُختلف فيه على مختلف فيه، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل، وبأن الشافعيّ نصّ على خلاف هذه المقالة. وقال ابن الجوزيّ: ليس في الحديث أنَّ اشتراط الولاء والعتق كان مقارنًا للعقد، فيحمل على أنه كان سابقًا للعقد، فيكون الأمر بقوله "اشترطي" مجرد الوعد، ولا يجب الوفاء به، وتعقب باستبعاد أنه ﵊ يأمر أحدًا أنْ يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد، وأغرب ابن حزم فقال: كان الحكم ثابتًا بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزًا فيه، ثم نسخ ذلك الحكم بخطبته ﵊، وبقوله "إنما الولاء لمن أعتق" ولا يخفى بعدما قال، وسياق طرق هذا الحديث تدفع في وجه

стр. 3235

هذا الجواب. وقال الخطابيّ: وجه هذا الحديث أن الولاء لمّا كان كلحمة النسب، والإنسان إذا ولد ثبت له نسبه، ولا ينتقل نسبه عنه، ولو نسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبدًا ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولأنه عنه، أو أذن في نقله عنه، لم ينقلُ فلم يعبأ باشتراطهم الولاء. وقيل: اشترطي ودعيهم يشترطون ما شاءوا ونحو ذلك, لأن ذلك غير قادح في العقد، بل هو بمنزلة اللغو من الكلام، وأخّر إعلامهم بذلك ليكون رده وإبطاله قولًا شهيرًا، يخطب به على المنبر ظاهرًا، إذ هو أبلغ في النكير، وأوكد في التعبير، وهو يؤول إلى أن الأمر فيه للإباحة كما مرَّ. وفي حديث بَريرة من الفوائد، سوى ما سبق، جواز بيع المكاتَب لقوله ﵊ "اشتريها وأعتقيها" إذا رضي المكاتب بذلك ولو لم يعجز نفسه، وهذا قول أحمد وربيعة والأوزاعي والليث وأبي ثَور، وأحد قولي الشافعي، ومالك، واختاره ابن جرير وابن المنذر وغيرهما، على تقاصيل لهم في ذلك، وضعفه أبو حنيفة والشافعيّ في أصح القولين عنه، والمشهور في مذهب مالك جواز بيع الكتابة دون الرقبة، وأجاب الجميع عن قصة بَريرة بانها عجزت نفسها، واستدلوا باستعانة بَريرة عائشةَ، وليس في استعانتها ما يستلزم العجز، ولاسيما مع القول بجواز كتابة من لا مال له ولا حرفة له. قال ابن عبد البر ليس في شيء من طرق حديث بَريرة أنها قد عجزت عن أداء النجم، وأخبرت بأنه قد حل عليها شيء، ولم يرد في شيء من طرقه استفصال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لها عن شيء من ذلك. ومنهم من أوَّل قولها "كاتبتُ أهلي" فقال: معناه راودتهم، واتفقت معهم على هذا القدر، ولم يقع العقد بعد، ولذلك بيعت، فلا حجة فيه على بيع المكاتب مطلقًا، وهو خلاف ظاهر سياق الحديث، ويقوي الجوازَ أيضًا أنّ الكتابة عتق بصفة، فيجب أن لا يعتق إلا بعد أداء جميع النجوم، كما لو قال: أنت حر إنْ دخلت الدار، فلا يعتق إلا بعد تمام دخولها, ولسيده بيعه قبل دخولها.

стр. 3236

وفيه أن كلمة"إنما للحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور، ونفيه ممن عداه، ولولا ذلك، لما لزم من إثبات الولاء للمعتق، نفيه على غيره، واستدل بمفهومه على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل، أو وقع بينه وبينه محالفة، ولا للملتقط خلافًا للحنفية في الجميع. قال ابن المنذر: الجمهور على أن لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل. وقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه، وروي عن النخعيّ أنه يستمر إنْ عَقَل عنه، وإن لم يعقل عنه فله أن يتحول لغيره، واستحق الثاني، وهلم جرًا وعن النخعي قول آخر: ليس له أن يتحول، وعنه: إن استمر إلى أن مات تحول عنه، وبه قال إسحاق وعمر بن عبد العزيز، والجمهور على أن اللقيط وولاءه لبيت المال. وجاء عن النخعيّ أنّ ولاءه للذي التقطه، واحتج بقول عمر لأبي جميلة في الذي التقطه "اذهب فهو حر، وعلينا نفقته، ولك ولاؤه" وأجيب عنه بأن معنى قول عمر "ولك ولاؤه" أي أنت الذي تتولى تربيته، والقيام بأمره، فهي ولاية الإِسلام لا ولاية العتق. وروي عنه كالجماعة. وجاء عن علي أن اللقيط مولى من شاء،، وبه قال الحنفية، إلى أن يعقل عنه، فلا ينتقل بعد ذلك عمن عقل عنه، وروى عن شريح وإسحاق بن راهويه مثل قول النخعيّ الأول، واستفيد من منطوق "إثبات الولاء لمن أعتق سائبة، ويدخل فيمن أعتق عتق المسلم للمسلم وللكافر، وبالعكس. وقال ابن عمر: من أعتق سائبة، هو ولي نعمته، وله ميراثه، فإنْ تأثَّم أو تحرَّج جعل إرثه في بيت المال" وبهذا الحكم في السائبة قال الحسن البصريّ وابن سيرين والشافعيّ. وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح أن سالمًا مولى أبي حذيفة الصحابيّ أعتقته امرأةٌ من الأنصار سائبة، وقالت له: والِ من شئت، فوالى أبا حذيفة، فلما استشهد باليمامة دفع ميراثه للأنصارية أو لابنها. وأخرج ابن المنذر أن ابن عمر أتي بمالِ مولى له مات، فقال: إنّا كنا أعتقناه سائبة، فأمر أن يشترى بثمنه رقابٌ فتعتق، وهذا يحتمل أن يكون فعله على سبيل الوجوب، أو على سبيل الندب، وقد أخذ بظاهره عطاء، فقال: إذا لم يخلّف السائبة وارثًا، دعي الذي أعتقه، فإن قبل ماله وإلا ابتيعت به رقابٌ

стр. 3237

فأعتقت. ومذهب عمر بن عبد العزيز والزّهري ومالك أن ولاءه للمسلمين، يرثونه ويعقلون عنه. وقال الشعبيّ والنخعيّ والكوفيون: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته. ومذهب أحمد أن ولاءه للمعتق عليه، فلو أخذ من ميراثه شيئًا رد مثله، وفيه دليل على جواز الكتابة، فإذا كاتَبَ رجلٌ عبده أو أمته على مال شرط عليه، ورضي العبد ذلك، صار مكاتَبا، والدليل عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ والأمر دال على مشروعية العقد، سواء كان الأمر للوجوب أو لغيره. وهذا ليس بأمر إيجاب إجماعًا سوى ما ذهب إليه داود الظاهريّ ومن تبعه، وروى نحوه عن عمرو بن دينار وعطاء وأحمد في رواية, وروى صاحب التقريب عن الشافعيّ نحوه، فإن قيل ظاهر الأمر للوجوب، كما ذهب إليه هؤلاء، فالجواب أن هذا في الأمر المطلق المجرد عن القرائن، وهنا مقيد بقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فيكون أمر ندب. وذهب بعض الحنفية إلى أنه للإباحة، وهو غير صحيح، لأن في العمل على الإباحة إلغاء الشرط، إذ هو مباح بدونه اتفاقًا، وكلام الله منزه عن ذلك. والمراد بالخير المذكور في الآية أن لا يضر المسلمين بعد العتق، فإن كان يضرهم فالأفضل أن لا يكاتبه، وإن كان يصح. وعن ابن عباس وابن عمر وعطاء: القوةُ على الكسب، والوفاء بما وقعت الكتابة عليه. وروي عن الثَّوريّ والحسن البصريّ أنه الأمانة والدين خاصة. وقيل: هو الوفاء والأمانة والصلاح، وإذا فقد الأمانة والكسب والصلاح لم تكره عند مالك وأبي حنيفة والشافعيّ. وقال أحمد وإسحاق، وأبو الحسين بن القطّان من الشافعية: تكره، وليس المراد به المال. ويؤيد ذلك أن المال الذي في يد المكاتب لسيده، فكيف يكاتبه بماله؟ لكن من يقول إن العبد يملك لا يرد عليه هذا، وقد نقل عن ابن عباس أن المراد بالخير المال، مع أنه يقول: إن العبد لا يملك، فنسب إلى التناقض، والذي يظهر أنه لا يصح عنه أحد الأمرين. واحتج غيره بأنّ العبد مال سيده، والمال الذي معه لسيده، فكيف يكاتبه بماله؟ وقال آخرون: لا يصح تفسير

стр. 3238

الخير بالمال في الآية؛ لأنه لا يقال فلان لا مال فيه، وإنما يقال فلان لا مال له، أو لا مال عنده، فكذا إنما يقال: فيه وفاء، وفيه أمانة، وفيه حُسْن معاملة ونحو ذلك. وفيه دلالة على أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ووجه الدلالة منه أن بريرة بيعت بعد أن كاتبت، ولو كان المكاتب يصير بنفس الكتابة حرًا لامتنع بيعها، وهذا هو قول الجمهور، مستدلين أيضًا بما رواه البخاريّ معلقًا، وابن أبي شيبة وابن سعد موصولًا، عن عائشة "المكاتب عبد ما بقي عليه شيء" ومما رواه البخاريّ معلقًا والشافعيّ وسعيد بن منصور موصولًا، عن زيد بن ثابت أنه قال "هو عبد ما بقي عليه درهم" وبما رواه البخاريّ أيضًا معلقًا، ومالك موصولًا، عن ابن عمر مرفوعًا "أنه قال: هو عبد إن عاش، وإن مات، وإن جنى، ما بقي عليه شيء" وقد روي ذلك مرفوعًا. أخرجه أبو داود والنسائيّ عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده. وصححه الحاكم وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو. وروي عن علي "إذا أدّى الشطر فهو غريم" وعنه: يعتق منه بقدر ما أدى، وعن ابن مسعود: لو كاتبه على مئتين وقيمته مئة ثم أدّى المئة عتق. وعن عطاء إذا أدّى ثلاثة أرباع كتابته عتق. وروى النَّسائيّ عن ابن عباس مرفوعًا "المكاتب يعتق منه بقدر ما أدّى". ورجال إسناده ثقات، لكن اختلف في إرساله ووصله، وروي عن ابن عباس: أنه يعتق بمجرد العقد، ويكون غريم المولى بما عليه من دَيْن الكتابة. وفيه جواز كتابة الأمة كالعبد، وجواز كتابة المتزوجة ولو لم يأذن الزوج، وأنه ليس له منعها من كتابتها, ولو كانت تؤدي إلى فراقها منه، كما أنه ليس للعبد المتزوج منع السيد في عتق أمته، وإن أدى ذلك إلى بطلان نكاحها، وششنبط من تمكينها من السعي في مال الكتابة أنه ليس عليها خدمته. وفيه جواز سعي المكاتبة، وسؤالها واكتسابها، وتمكين السيد لها من ذلك، ولا يخفى أن محل الجواز إذا عرفت جهة حل كسبها، وفيه البيان بأن النهي الوارد من كسب الأمة محمول على من لا يعرف وجه كسبها، أو محمول على

стр. 3239

غير المكاتبة. وفيه أن للمكاتب أن يسأل من حين الكتابة، ولا يشترط في ذلك عجزه، خلافًا لمن شرطه. وفيه جواز السؤال لمن احتاج إليه من دَين أو غُرم ونحو ذلك. وفيه أنه لا بأس بتعجيل مال الكتابة. وفيه جواز المساومة في البيع، وتشديد صاحب السلعة فيها، وأن المرأة الرشيدة تتصرف لنفسها في البيع وغيره، ولو كانت متزوجة، خلافًا لمن أبى ذلك، وأن مَنْ لا يتصرف بنفسه له أن يقيم غيره مقامه في ذلك، وأن العبد إذا إذن سيده له في التجارة جاز تصرفه. وفيه جواز رفع الصوت عند إنكار المنكر، وأنه لا بأس لمن أراد أن يشتري للعتق أن يظهر ذلك لأصحاب الرقبة، ليتساهلوا في الثمن، ولا يعد ذلك من الرياء، وفيه إنكار القول الذي لا يوافق الشرع، وانتهار الرسول فيه. وفيه أن الشيء إذا بيع بالنقد كانت الرغبة فيه أكثر مما لو بيع بالنَّسيئة. وأن للمرء أن يقضى عنه دينه برضاه، وفيه الشراء بالنسيئة، وأن المكاتب لو عجل بعض كتابته قبل الحل، على أن يضع عن سيده الباقي، لم يجبر السيد على ذلك. وجواز الكتابة على قدر قيمة العبد، وأقل منها وأكثر؛ لأن بين الثمن المنجز والمعجل فرقًا، ومع ذلك فقد بذلت عائشة المؤخل ناجزًا، فدل ذلك على أن قيمتها بالتأجيل أكثر مما كوتبت به، وكأنَّ أهلها باعوها بذلك. وفيه جواز كتابة من لا حرفة له، وفاقًا للجمهور، واختلف عن مالك وأحمد، وذلك أن بَريرة جاءت تستعين على كتابتها, ولم تكن قضت منها شيئًا، فلو كان لها مال أو حرفة أما احتاجت إلى الاستعانة؛ لأن كتابتها لم تكن حالَّة. وعند الطبري عن عُروة أن عائشة ابتاعت بَريرة مكاتبةً، وهي لم تقض من كتابتها شيئًا. قلت: قد مرَّ ما يدل على أنها قضت البعض، ومرَّ تحرير الجمع بينهما. وفيه جواز أخذ الكتابة من مسألة الناس، والرد على من كره ذلك، وزعم أنه من أوساخ الناس، وفيه مشروعية معونة المكاتبة من الصدقة. وعند أمالكية رواية أنه لا يجزىء عن الفرض. قلت: هذا الأخذ لم أطَّلع على ما أخذ منه، إذ ليس في الحديث أن الذي أدته عائشة رضي الله تعالى عنها، كان من الصدقة، اللهم إلا أن يكون ذلك في رواية لم أطّلع عليها. ومشهور مذهب مالك عدم الإجزاء فيما كانت فيه شائبة حرية.

стр. 3240

وفيه جواز الكتابة بقليل المال وكثيره. وجواز التأقيت في الديون، في كل شهر مثلًا من غير بيان أوله أو وسطه، ولا يكون ذلك مجهولًا؛ لأنه يتبين بانقضاء الشهر الحلولُ، وفي هذا نظر، لاحتمال أن يكون قول بَريرة في كل عام أوقيةً، أي في غرته مثلًا، وعلى تقدير التسليم، فيمكن الفرق بين الكتابة والديون، فإن المكاتب لو عجز حل لسيده ما أخذ منه بخلاف الأجنبىّ. وقال ابن بطال: لا فرق بين الديون وغيرها. وقصة بَريرة محمولة على أن الراوي قصّر في بيان تعيين الوقت، وإلا يصير الأجل مجهولًا وقد نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن السَّلَف إلى أجل معلوم. وفيه أن العد في الدراهم الصحاح المعلومة الوزن يكفي عن الوزن، وأن المعاملة في ذلك الوقت كانت بالأواقي. والأوقية أربعون درهمًا، وزعم المحب الطبريّ أن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالعد، إلى مَقْدَم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم أُمروا بالوزن، وفيه نظر؛ لأن قصة بَريرة متأخرة عن مقدمه بنحو ثمان سنين، لكن يحتمل قول عائشة "أعُدَّها لهم عدة واحدة" أي أدفعها لهم، وليس مرادها حقيقة العَدّ، ويؤيده قولها في طريق عمرة في العتق "أن أصُبَّ لهم ثمنك صَبَّة واحدة". وفيه جواز مناجاة المرأة دون زوجها سرًا، إذا كان المناجي ممن يؤمن، وأن الرجل إذا رأى شاهد الحال يقتضي السؤال عن ذلك، سأل وأعان، وأنه لا بأس للحاكم أن يحكم لزوجته ويشهد. وفيه قبول خبر المرأة ولو كانت امة، ويؤخذ منه حكم العبد بطريق الأَولى، وفيه أن بيع الأَمَة ذات الزوج ليس بطلاق، وفيه البداءة في الخطبة بالحمد والثناء، وقول "أما بعد" فيها، والقيام فيها، وجواز تعدد الشروط، لقوله "مئة شرط" وأن الإيتاء الذي أمر به السيد ساقط عنه إذا باع مكاتبه للعتق، وفيه أن لا كراهة في السجع في الكلام إذا لم يكن عن قصد، ولا متكلفًا. وفيه أن للمكاتب حالة فارق فيها الأحرار والعبيد، وفيه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يظهر الأمور المهمة من أمور الدين، ويعلنها ويخطب بها على المنبر، لإشاعتها، ويراعى مع ذلك قلوب أصحابه؛ لأنه لم يعين أصحاب

стр. 3241

بَريرة، بل قال: ما بال رجال. ولأنه يؤخذ من ذلك تقرير شرع عام للمذكورين وغيرهم في الصورة المذكورة وغيرها، وهذا بخلاف قصة عليّ في خطبته بنت أبي جهل، فإنها كانت خاصة بفاطمة، فلذلك عينها. وفيه حكاية الوقائع لتعريف الأحكام، وأن اكتساب المكاتب له لا لسيده، وجواز تصرف المرأة الرشيدة في مالها بغير إذن زوجها، ومراسلتها الأجانب في أمر البيع والشراء كذلك، وجواز شراء السلعة للراغب في شرائها بأكثر من ثمن مثلها, لأن عائشة بذلت ما قرر نسيئة على جهة النقد، مع اختلاف القيمة بين النقد والنسيئة وفيه جواز استدانة من لا مال له عند حاجته إليه. وفيه جواز نكاح العبد الحرة, لأنها إذا خيرت فاختارته بقيت معه، وهي حرة وهو عبد، وما ذكرناه في الحديث من الفوائد لا يخالف ما أخرجه البخاريّ عن عائشة قالت: "كان في بَريرة ثلاث سنن: إحداها أنها عتقت فخيرت في زوجها، وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الولاء لمن أعتق، ودخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والبُرمة تفور بلحم، فَقُرب إليه خبزٌ وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر البرمة فيها لحم؟ قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تُصدِّق به على بَريرة وأنت لا تأكل الصدقة، قال: عليها صدقة ولنا هدية" وزاد أحمد وأبو داود رابعةً وهي "وأمرها أن تعقد عدة الحُرة" وبيان عدم المخالفة، هو أن مراد عائشة بيان ما وقع من الأحكام مقصودًا خاصة، لكن لما كان كل منها يشتمل على تعقيب قاعدة يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمة، وقع التكثر من هذه الحيثية، وانضم إلى ذلك ما وقع في سياق القصة غير مقصود، فإن في ذلك أيضًا فوائد تؤخذ بطريق التنصيص أو الاستنباط، أو اقتصر على الثلاث أو الأربع لكونها أظهر ما فيها، وما عداها انما يؤخذ بطريق الاستنباط، أو لأنها أهم، والحاجة إليها أمس. وقال القاضي عياض: معنى ثلاث أو أربع، أنها شرعت في قصتها، وما يظهر فيها مما سوى ذلك، فكان قد علم من كثير قصتها، وهذا أولى من قول من قال ليس في كلام عائشة حصر، ومفهوم العدد ليس بحجة، وما أشبه ذلك من

стр. 3242

الاعتذارات التي لا تدفع سؤال: ما الحكمة في الاقتصار على ذلك؟ وقد بلغ بعض المتأخرين الفوائد من حديث بَريرة إلى أربع مئة أكثرها مستبعد متكلف، كما وقع نظير ذلك للذي صنف في الكلام على حديث المُجامع في رمضان، فبلغ به ألف فائدة وفائدة، وقد لخصت فيه ما ذكره في فتح الباري متفرقًا تلخيصًا لم يبق مما ذكره مسألة إلا إيضاح ألفاظ مذكورة في متون الأحاديث. رجاله خمسة: الأول: علي بن المَدِينيّ، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب العلم، ومرَّ سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد الأنصاري في الأول من بدء الوحي، ومرت عائشة في الثاني منه. الخامس: عمرة بنت عبد الرحمن، وقد مرت في الثاني والثلاثين من الحيض. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين مدنيّ ومكيّ، وفيه رواية التابعيّ عن التابعية عن الصحابية. أخرجه البخاريّ في مواضع عديدة، في الزكاة في باب الصدقة على موالي رسول الله ﷺ ، وفي العتق والمكاتب والهبة والبيوع والفرائض والطلاق والشروط والأطعمة وكفارة الأيمان، ومسلم مطولًا ومختصراً، وأبو داود في العتق، والترمذيّ في الوصايا، والنَّسائيّ في البيوع والعتق والشروط، وابن ماجه في العتق. وفي متن الحديث ذكر بَريرة وهي بنت صَفوَان، مولاة عائشة، كانت لعتبة بن أبي لهب، وقيل لبعض بني هلال، فكاتبوها ثم باعوها، فاشترتها عائشة، وجاء الحديث في شأنها بأن الولاء لمن أعتق، وعتقت تحت زوجها، فخيرها رسول الله ﷺ فكانت سنة، وكانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقصتها في ذلك في الصحيحين، وفيهما عن عائشة "كانت في بريرة

стр. 3243

ثلاث سنن ... " الحديث، وفيها الولاء لمن أعتق. قال ابن حجر: وقد جمع بعض الأئمة فوائد هذا الحديث فزادت على ثلاث مئة ولخصتها في فتح الباري، وروى عبد الخالق بن يزيد بن واقد عن أبيه أن عبد الملك بن مروان قال: كنت أجالس بَريرة بالمدينة، وكانت تقول: يا عبد الملك، إني أرى فيك خصالًا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته فاحذر الدماء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن يَنْظر إليه بملء محجمة من دَم يريقه من مُسلم بغير حق. عاشت إلى زمن يزيد بن معاوية، واختلف في زوجها هل كان حرًا أم عبدًا، ففي نقل أهل المدينة أنه كان عبدًا يسمى مُغيثًا، وفي نقل أهل العراق أنه كان حرًا. ثم قال: ورواه مالك عن يحيى عن عمرة أن بريرة، ولم يذكر "فصعد المنبر". وهذا التعليق وصله في باب المكاتب وصورة سياقه الإرسال، ومالك قد مرَّ في الثاني من بدء الوحي، ومر يحيى بن سعيد الأنصاري في الأول منه، ومرَّ محل عمرة في الذي قبله. ثم قال: قال علي عن يحيى وعبد الوهاب عن يحيى عن عمرة نحوه. قوله: عن عمرة نحو، يعني نحو رواية مالك، وقد وصله الإسماعيليّ عن محمد بن بشار عن يحيى القطان وعبد الوهاب، كلاهما عن يحيى بن سعيد. قال: أخبرتني عمرة أن بَريرة ... ، فذكره، وليس فيه ذكر المنبر أيضًا، وصورته الإرسال، لكن قال في آخره: فزعمت عائشة أنها ذكرت ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فذكر الحديث، فظهر بذلك اتصاله، والحاصل أن عليّ بن عبد الله حدث البخاريّ عن أربعة أنفس، حدثه كل منهم عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وإنما أفرد رواية سفيان لمطابقتها للترجمة بذكر المنبر فيها، ويؤيد ذلك أن التعليق عن مالك متأخر في رواية كريمة عن طريق جعفر بن عون.

стр. 3244

رجاله خمسة: الأول: عليّ بن عبد الله المَدِينيّ، وقد مر في الرابع عشر من كتاب العلم، ويحيى الأول هو ابن سعيد القطّان، وقد مرَّ في السادس من كتاب الإيمان، ومرَّ عبد الوهاب الثقفي في التاسع منه، ويحيى الثاني المراد به الأنصاريّ، وقد مرَّ في أول بدء الوحي، ومرَّ محل عمرة في الذي قبله. ثم قال: وقال جعفر بن عون عن يحيى قال: سمعت عمرة قالت: سمعت عائشة، ﵂، وأفادت رواية جعفر هذه التصريح بسماع يحيى من عمرة، وبسماع عمرة عن عائشة، فأمن بذلك ما يخشى فيه من الإرسال المذكور وغيره، وهذا التعليق وصله النَّسائيّ والإسماعيلى عن عائشة، قالت: أتتني بَريرة ... الخ، وليس فيه ذكر المنبر أيضًا، جعفر بن عون قد مرَّ في الثامن والثلاثين من كتاب الإيمان, ويحيى المراد به الأنصاري، وقد مرَّ في أول بدء الوحي، ومرت عمرة في الذي قبله، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي ثم قال المصنف: باب التقاضي والملازمة في المسجد قوله: التقاضي، أي مطالبة الغريم بقضاء الدين، والملازمة أي ملازمة الغريم، وفي المسجد يتعلق بالأمرين، والتقاضي ظاهر من حديث الباب دون الملازمة، وأجيب عن ذلك بأنه أخذ الملازمة من كون ابن أبي حدرد لزم خصمه في وقت التقاضي، وكأنهما كانا ينتظران النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليفصل بينهما، وإذا جازت الملازمة في حال الخصومة فجوازها بعد ثبوت الحق عند الحاكم أولى أو يقال إن المصنف أشار بالملازمة إلى ما ثبت في بعض طرقه مما أخرجه هو في الصلح عن كعب، أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد مال، فلقيه فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما.

стр. 3245

الحديث الستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: يَا كَعْبُ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا. وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَي الشَّطْرَ قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: قُمْ فَاقْضِهِ. قوله: تقاضى دينًا، أي بدين، نصب بنزع الخافض, لأن تقاضي متعدٍ لواحد وهو ابن. وأخرج الطبرانيّ أنّ الدين كان أُوقيتين. وقوله: كان عليه، جملة في محل نصب صفة لِدينًا، وقوله في المسجد: يتعلق بتقاضي، وقوله: فارتفعت أصواتهما إِما من باب فقد صغت قلوبكما للأمن من اللَّبس، أو الجمع بالنظر إِلى تنوع الصوت. وفي رواية الصلح "أصواتهم" وكأنه جمع باعتبار من حضر الخصومة، وثنى باعتبار الخصمين، أو كان التخاصم من الجانبين بين جماعة، فجمع ثم ثنى باعتبار جنس الخصم. وقوله: حتى سمعهما, ولغير الأصيلى وأبي ذَرٍّ سمعهما. وقوله: وهو في بيته، جملة حالية في موضع النصب. وقوله: فخرج إِليهما, وللأعرج "فمر بهما" ويجمع بين الروايتين بأنه خرج لأجلهما ومرَّ بهما، وقوله: حتى كشف سِجْف بيته، بكسر السين المهملة وقد تفتح وإسكان الجيم، وهو الستر أو أحد طرفي الستر المُفَرَّج أو الباب. وقوله: لبيك يا رسول الله تثنية اللَّب، وهو الإقامة، أي لبًا بعد لبٍ. والمعنى أنا مقيم

стр. 3246

على طاعتك اقامة بعد إقامة. وقولة: وأومأ إليه، بهمزة في أوله وآخره، وقوله أي الشطر، بالنصب أي ضع عنه الشطر وهو النصف، كما صرح به المؤلف في رواية الأعرج، وهو تفسير بالمقصود الذي أوما إليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي هذا جواز الاعتماد على الإشارة، وأنها تقوم مقام النطق إذا فهمت دلالتها عليه. وقوله: لقد فعلت، أي ما أمرت به، وخرج ذلك منه مخرج المبالغة في امتثال الأمر، ولذا أكد باللام مع ما فيه من معنى القسم، ولأبي ذَرٍّ والمستملي: قد فعلت، وقوله: قال قم فاقضه، هذا خطاب لأبي حدرد، أي اقض له حقه على الفور، والأمر للوجوب، وفيه إشارة إلى أنه لا تجتمع الوضيعة والتأجيل. وفي الحديث جواز رفع الصوت في المسجد، وهو كذلك ما لم يتفاحش، وقد أفرد له المؤلف بابًا يأتي قريبًا، ومشهور مذهب مالك كراهة رفع الصوت فيه، بعلم أو غيره، إلا ما لابد منه، كالجهر بالقراءة في الصلاة والخطبة، أو ما يحتاج إليه للإسماع. وقيل: يمنع غير ما لابد منه، وأما جهر بعضهم على بعض فممنوع، ويجاب عما رواه ابن ماجه عن واثلة، يرفعه "جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم"، وما رواه أبو نعيم عن معاذ مثله، وغير ذلك، بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فيبقى الأمر على الإباحة، أويحمل النهي على الكراهة كما مرَّ عن المالكية، أو تحمل على ما إذا كان متفاحشًا، ويحمل حديث الباب على غير المتفاحش. ويجوز عند مالك قضاء الدين فيه، وقال المهلب: لو كان رفع الصوت في المسجد غير جائز لما تركهما ﵊، ولبين لهما، ويجاب عن هذا بأنه يحتمل أن يكون تقدم نهيه عن ذلك، فاكتفى به، واقتصر على التوصل بالطريق المؤدية إلى ترك ذلك بالصلح لترك المخاصمة لرفع الصوت. وفيه إشارة الحاكم بالصلح على جهة الإرشاد، وهنا وقع الصلح على الإقرار المتفق عليه، لأن نزاعهما لم يكن في الدَّين، وإنما كان في التقاضي، وأما الصلح على الإنكار فأجازه مالك وأبو حنيفة، وهو قول الحسن. وقال الشافعيّ: إنه باطل، وبه قال ابن أبي ليلى، وفيه الملازمة للاقتضاء والشفاعة إلى صاحب الحق

стр. 3247

والإصلاح بين الخصوم، وحسن التوسط بينهم، وفيه قبول الشفاعة في غير معصية، وفيه إرخاء الستور على الباب. رجاله ستة: الأول: عبد الله بن محمد المسندي، وقد مرَّ في الثاني من كتاب الإيمان، ومرَّ عثمان بن عمر في السابع والعشرين من كتاب الغسل، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة الرابع من بدء الوحي ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ كعب بن مالك في السادس والأربعين من أبواب القبلة. السادس: عبد الله بن كعب بن مالك، الأنصاري السلميّ المدنيّ، كان قائد أبيه حين عمي، قال أبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سعد: سمع من عثمان، وكان ثقة، وكنيته أبو فضالة. وقال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، قال الواقديّ: ولد على عهد النبي ﷺ ، روى عن أبيه وأبي أيوب وأبي لُبابة وعثمان بن عفان وجابر وغيرهم. وروى عنه ابناه عبد الرحمن وخارجة وإخوته عبد الرحمن ومحمد ومعبد بنو كعب، والأعرج والزُّهريّ وغيرهم. مات في ولاية سليمان سنة سبع أو ثمان وتسعين، وفي الستة عبد الله بن كعب سواه واحد وهو الحميري المدني مولى عثمان. وابن حَدْرَد، هو عبد الله بن أبي حدرد، واسمه سلامة، وقيل عبيد بن عمير بن أبي سلامة بن سعد بن شيبان بن الحارث بن قيس بن هَوازن بن أسلم بن أفصى الأسلَميّ، أبو محمد، له ولأبيه صحبة. وقال ابن منده: لا خلاف في صحبته، وقد أمَّره رسول الله ﷺ على سراياهُ مرة بعد أخرى، شهد الحديبية وخببر وما بعدها. ذكر ابن أبي شيبة أنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، فلقينا عامر بن الأضبط، فحيانا بتحية الإِسلام، فنزعنا وحمل عليه مُحَلَّم بن جَثَّامةَ، فقتله. وقد أخرج أحمد أنه كان ليهودي عليه أربعة دراهم، فاستعدى عليه رسول الله ﷺ ، فقال: ادفع إليه حقه، فقال: لا أجد، فأعادها ثلاثًا،

стр. 3248

وكان إذا قال ثلاثًا لم يراجع، فخرج إلى السوق فنزع عمامته، فأتزر بها، ودفع إليه البُرد الذي كان متزرًا به، فباعه بأربعة دراهم فدفعها إليه، فمرت عجوز فسألته عن حاله، فأخبرها، فدفعت إليه بردا كان عليها. وروى ابن إسحاق في المغازي أنه قال: كنت في خيل خالد بن الوليد في قصة المرأة التي عشقها الرجل، وضربت عنقه فماتت عليه. وفي فوائد ابن قُتيبة أنه تزوج امرأة على أربعة أواق، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ ، فقال: لو كنتم تنحتون من الجبل ما زدتم. وروى الإسماعيليّ أنه استعان رسول الله ﷺ في نكاح، فسأله كم أصدقت؟ فقال: كذا وكذا. وفي البغويّ عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تمعددوا واخشوشنوا وانتضلوا وامشوا حفاة" وروي أنه قال: كنت في سرية بعثها رسول الله ﷺ إلى إضَمٍ وادٍ من أودية أشجع. روى عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وروى عنه يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، وأبو بكر محمد بن حزم، وابنه القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد. مات سنة إحدى وسبعين، وله إحدى وثمانون سنة. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار بصيغته في موضع والعنعنة في ثلاثة مواضع، وفيه شيخ البخاريّ من أفراده، وفيه رواية الابن عن الأب، ورواته ما بين مدني وبخاري وبصري، أخرجه البخاري في الصلح في الأشخاص عن عبد الله بن محمد، وفي الملازمة عن يحيى بن بكير، ومسلم في البيوع، وأبو داود في القضايا، والنَّسائيّ فيها أيضًا، وابن ماجه في الأحكام. ثم قال المصنف: باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان قوله: والقذى، بالقاف المعجمة مقصور، جمع قذاة، وجمع الجمع أقذية. قال أهل اللغة: القذى في العين والشراب ما يسقط فيه، ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إِذا كان يسيرًا، فإن قيل: دل الحديث على كنس المسجد، فمن أين يؤخذ التقاط الخرق وما معه؟ أجاب بعض المتأخرين بأنه يؤخذ

стр. 3249

بالقياس عليه بجامع التنظيف. والذي يظهر أن البخاري أشار بكل ذلك إلى ما ورد في بعض طرقه صريحًا، فعند ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة "امرأة سوداء كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد" وعند البيهقي، بإسناد حسن عن بريدة "كانت مولعة بلقط القذى من المسجد" وتكلف من لم يطلع على هذا، فزعم أن حكم الترجمة يؤخذ من إتيان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم القبر حتى صلى عليه، قال: فيؤخذ من ذلك الترغيب في تنظيف المسجد.

стр. 3250

الحديث الحادي والستون حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَسْوَدَ أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ. قَالَ: أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ. أَوْ قَالَ قَبْرِهَا فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. قوله: عن أبي رافع، هو الصائغ، ووهم بعض الشُّرَّاح فقال: إنه أبو رافع الصحابيّ، وقال هو من رواية صحابي عن صحابي، وليس كما قال؛ لأن ثابتاً البناني "لم يدرك أبا رافع الصحابي. وقوله: أو امرأة سوداء، الشك فيه من ثابت، لأنه رواه عنه جماعة هكذا، أو من أبي رافع. وفي حديث العلاء المتقدم امرأة سوداء، ولم يشك. وقوله: كان يَقُمُّ المسجد أي بقاف مضمومة، أي يجمع القُمامة، وهي الكُناسة. وقوله: سأل عنه، أي عن حاله، ومفعوله محذوف تقديره الناس. وأفادت رواية البيهقيّ أن الذي أجاب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق. وقوله: أفلا كنتم آذنتموني؟ بالمد، أي أعلمتموني به أو بها. زاد المصنف في الجنائز "قال: فحقروا وأشانه" وزاد ابن خزيمة من طريق العلاء "قالوا مات من الليل، فكرهنا أن نوقظك" وزاد مسلم عن حماد بهذا الإسناد في آخره "ثم قال إن هذه القبور مملؤة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم" وإنما لم يخرج البخاريّ هذه الزيادة , لأنها مُدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بيَّن ذلك غيرُ واحد من أصحاب حماد بن زيد. وقال البيهقيّ: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت، كما قال أحمد بن عبدة، أو

стр. 3251

من رواية ثابت عن أنس، كما رواه ابن منده. وفي مسند أبي داود الطيالسي عن حماد بن زيد وأبي عامر الخزاز، كلاهما عن ثابت، بهذه الزيادة، وزاد بعدها "فقال رجل من الأنصار: إن أبي أو أخي مات أو دفن، فصل عليه، قال: فانطلق معه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ... " وفي الحديث مشروعية الصلاة على القبر، وبذلك قال علي وأبو موسى وابن عمر وابن مسعود وعائشة، وهو قول الأوزاعي والشافعيّ وأحمد وإسحاق، ومنعه النخعيّ والحسن البصري والثّوريّ، وهو قول أبي حنيفة والليث. وعن المالكية قولان بالكراهة والحرمة، وعن هؤلاء: إن دفن قبل أن يصلى عليه شُرع، وإلا فلا. قالت المالكية: إذا دفن قبل الصلاة عليه صُلي على قبره حتى يظن أنه لم يبق منه إلا عجْب الذنب، وإذا أمكن إخراجه قبل تغيره أخرج وصُلّي عليه. ومن العلماء من قال: إنما تجوز الصلاة عليه إذا لم يصل الولي أو الوالي، واختلف من قال شرع الصلاة لمن لم يصل، فقيل: يؤخر دفنه ليصلي عليه من كان لم يصل، وقيل: يبادر بدفنها ويصلي الذي فاتته على القبر، واختلفوا في أمد الصلاة على القبر إلى كم يجوز، فقيل إلى شهر، وقيل ما لم يَبْلَ جسده، وقيل أبدًا وقيل تختص الصلاة على القبر بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته، وهو الراجح عند الشافعية. واحتج القائلون بالصلاة على القبر بهذا الحديث. واحتج المانعون بالزيادة المتقدمة "إن هذه القبور ... الخ" فقالوا: إن ذلك من خصائصه ﵊، وقال ابن حبان في ترك إنكاره صلى الله تعالى عليه وسلم على من صلّى معه على القبر بيانُ جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلًا للأصالة، واسقدل بخبر الباب على رد التفصيل بين من صلي عليه فلا يصلى عليه، بأن القصة وردت فيمن صلى عليه، وأجيب بأن الخصوصية تنسحب على ذلك. وفي الحديث أيضًا فضل تنظيف المسجد. قال ابن بطال: فيه الحض

стр. 3252

على كنس المساجد وتنظيفها, لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد روى أنه ﵊ كنس المسجد. وفيه خدمة الصالحين، والسؤال عن الخادم والصديق، إذا غاب، وافتقاده. وفيه المكافأة بالدعاء، والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم، وفيه الرغبة في شهود جنائز الصالحين. رجاله خمسة: الأول: سُليمان بن حَرب، وقد مرَّ في الرابع عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أبو هُريرة في الثاني منه، ومرَّ ثابت البنانيّ في الخامس من كتاب العلم، ومرَّ أبو رافع في الرابع والثلاثين من كتاب الغسل. وقوله في الحديث إن رجلًا أسود أو امرأةً" الصحيح أنها امرأة لا رجل، كما يأتي بعد هذا بباب. وذكر البيهقيّ أن اسمها أم مِحْجَن، وذكر ابن منده في الصحابة "خرقاء" امرأةً سوداءً كانت تَقُمّ المسجدَ، قال ابن حجر: فلعل هذا اسمها، وكنيتها أم محجن. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع، ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في الصلاة عن أحمد بن واقد، وفي الجنائز عن محمد بن الفضل، ومسلم وأبو داود وابن ماجه في الجنائز. ثم قال المصنف: باب تحريم تجارة الخمر في المسجد أي باب في جواز ذكر ذلك، وتبيين أحكامه في المسجد، فلابد من تقدير هذا المضاف، وقوله: في المسجد، يتعلق بتحريم لا بتجارة، وليس المراد ما يقتضيه مفهومه من اختصاص تحريم ذلك في المسجد؛ لأنه حرام في المسجد وغيره. وموقع الترجمة أن المسجد منزه عن الفواحش قولاً وفعلًا، لكن يجوز ذكرها للتحذير منها ونحوه، كما دل عليه الحديث.

стр. 3253

الحديث الثاني والستون حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا أُنْزِلَ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الْخَمْرِ. قوله: لما أنزل الآيات، بضم الهمزة وسكون النون وكسر الزاي، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر "أنزلت" ولابن عساكر أيضًا "نزلت" وقوله: في الربى، بالقصر، وإنما كتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة، وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع، والمراد بالآيات في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ ... إلى آخر العشر، وإنما ذكر الأكل لأنه أعظم منافع المال، ولأن الربى شائع في المطعومات. وقوله: ثم حرّم تجارة الخمر، وللإمام أحمد فتحرم التجارة في الخمر، وهو من تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات. قال القاضي عياش: كان تحريم الخمر قبل نزول آية الربى بمدة طويلة، فيحتمل أنه ﵊ أخبر بتحريمها مرة بعد أخرى، تأكيدًا. ويحتمل أن يكون تحريم التجارة فيها تأخر عن وقت تحريم عينها. رجاله ستة: الأول: عبدان، وقد مرَّ في السادس من بدء الوحي، ومرَّ أبو حمزة محمد بن ميمون في الثامن والعشرين من الغُسل، ومرَّ الأعشى في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرَّ مسلم بن صبيح في الخامس عشر من كتاب الصلاة، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.

стр. 3254

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والعنعنة في خمسة مواضع، ورواته ما بين بصريّ ومروزيّ وكوفيّ. وفيه ثلاثة من التابعين: الأعمش ومن بعده، أخرجه البخاري في البيوع عن مسلم بن إبراهيم ومحمد بن بشار، وفي التفسير عن بشر بن خالد ومحمد بن بشار، ومسلم وأبو داود في البيوع، والنّسائي فيها وفي التفسير، وابن ماجه في الأشربة. ثم قال المصنف: باب الخدم للمسجد ولكريمة: الخدم في المسجد، وكان الأولى ذكر هذا الباب قبل سابقه، ثم قال: وقال ابن عباس نذرت لك ما في بطني محررًا للمسجد يخدمه، رضي الله تعالى عنهما، مما وصله ابن أبي حاتم بمعناه، في تفسير قوله تعالى، إخبارًا عن حَنَّة، بفتح الحاء وتشديد النون، بنت فاقوذ، امرأة عِمران، وكانت عاقرًا، فرأت طيرًا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فسألت الله تعالى أن يهبها ولدًا فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فتحملت منه، فلما تحققت الحمل، قالت: ما أخبر الله تعالى به عنها. قوله: محررًا، أي معتقًا، وقوله: يخدمه، أي لا أشغله بشيء غيره، ولأبي ذرٍّ "يخدمها" أي المساجد أو الصخرة أو الأرض المقدسة، والظاهر أنه كان في شرعهم صحة النذر في أولادهم، وكان غرض البخاريّ الإِشارة بإيراد هذا إلى أن تعظيم المسجد بالخدمة كان مشروعًا عند الأمم السالفة، حتى إن بعضهم وقع نذر ولده لخدمته، ومناسبة ذلك لحديث الباب من صحة تبرع تلك المرأة بإقامة نفسها لخدمة المسجد، لتقرير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لها على ذلك. وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ قالته تحسرًا أو تحزنًا, لأنها كانت ترجو أن تلد ذكرًا تحرره للمسجد، فتقبلها ربها، فرضي بها في النذر مكان الذكر بقبول حسن، وجه حسن تقبل به النذائر، وهو إقامتها مقام الذكر، وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي، وهذا التعليق ذكره الضحاك عن ابن عباس في تفسيره.

стр. 3255

الحديث الثالث والستون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً أَوْ رَجُلاً كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ امْرَأَةً فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ. قوله: كانت تقم المسجد، فتحذف أو كان كما في السابق، إلا أنه حذف من الأول خبر المؤنث، وهنا خبر المذكر اعتبارًا بالسابق، ليكون جاريًا على المَهْيَع الكثير، وهو الحذف من الثاني لدلالة الأول عليه. قاله الدمامينيّ. وفي رواية أبي ذَرٍّ كان يقيم بالتذكير، وقوله: ولا أُراه بضم الهمزة، أي لا أظنه. قوله: على قبره، في رواية الأصيلي وأبو الوقت "قبرها". رجاله خمسة: الأول: أحمد بن عبد الملك بن واقد الحَرّانيّ الأسديّ، مولاهم، أبو يحيى، وقد ينسب إلى جده. قال يعقوب بن شَيبة: ثقة، وقال أحمد: ما رأيت به بأسًا، رأيته حافظًا لحديثه، وما رأيت إلا خيراً وهو صاحب سنة. قال الميموني: قلت لأحمد: إن أهل حَرّان يسيئون الثناء عليه، فقال: أهل حرّان قل أنْ يرضوا عن إنسان هو يغشى السلطان بصنيعة له. وقال أبو حاتم: كان نظير النفيليّ في الصدق والإتقان. وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن نُمير: تركتُ حديثه لقول أهل بلده. قال ابن حجر: أفصح أحمد بالسبب الذي طعن فيه أهل حران من أجله، وهو غير قادح. وقد قال أبو حاتم ما مرَّ. روى عنه أحمد في مسنده، وروى عنه البخاري في الصلاة والجهاد والمناقب أحاديثَ شورك فيها من حماد بن زيد, وروى له النَّسائيّ وابن ماجه عن زهير بن معاوية وحماد بن

стр. 3256

زيد وعُبيد الله بن عمرو وجماعة. وروى عنه البخاريّ والنسائيّ وابن ماجه بواسطة، وأحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم. ثم مات سنة إحدى وعشرين ومئة، وليس في الستة أحمد بن عبد الملك سواه. الثاني: حماد بن زيد، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ ثابت في الخامس من كتاب العلم، ومرَّ أبو رافع في الثالث والثلاثين من الغسل، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان. مرَّ الكلام على مواضع إخراجه في الذي قبل هذا بحديثين. ثم قال المصنف: باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد كذا للأكثر بأو، وهي للتنويع، وفي رواية ابن السكن وابن عساكر والغريم بواو العطف، والأسير الأخيذ.

стр. 3257

الحديث الرابع والستون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا. قوله: إن عفريتا، أي جنيًا ماردًا. وقوله: من الجن، بيان له، وقوله: تَفَلّت، بالفاء وتشديد اللام، أي تعرض له فَلْتَة، أي بغتة. وقال القزّاز: يعني توثب، وقال الجوهريّ: أفلتُّ الشيء فانفلتَ وتفلَّتَ، بمعنى. وقوله: البارحة، قال صاحب "المنتهى": كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة، وهي أدنى ليلة زالت عنك، ويقال: من بعد الزوال إلى آخر النهار البارحة، وقوله: أو كلمة نحوها، الضمير راجع إلى البارحة أو إلى جملة "تفلَّت علي البارحة" وفي رواية شبابة عند المؤلف في أواخر الصلاة بلفظ "عرض لي فشد علي" وهو يؤيد الاحتمال الثاني، وفي رواية عبد الرزاق "عرض لي في صورة هر" ولمسلم عن أبي الدرداء "جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي" وللنَّسائي عن عائشة "فأخذته فصرعته فخنقته، حتى وجدت برد لسانه على يدي". وقوله: فأردت، بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت "وأردتُ" بالواو. وقوله: أن أربِطه، بكسر الموحدة، وقوله: إلى سارية، أي أسطوانة من أساطينه. وقوله: حتى تصبحوا، أي تدخلوا في الصباح، فالفعل لا يحتاج إلى خبر. وقوله: كلكم، بالرفع، توكيد الضمير المرفوع في تنظروا، وهل كانت إرادته للربط بعد

стр. 3258

تمام الصلاة أو فيها؛ لأنه فعل يسير؟ احتمالان. وقوله: ربِّ اغفر لي وهَبْ لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي من البشر مثله، فتركه ﵊ مع القدرة عليه، حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان، في رواية أبي ذَرٍّ هكذا "رب اغفر لي" إلى آخر الآية، أي من بعدي. وفي بقية الروايات "رب هب لي" قال الكرماني: لعله ذكره على طريق الاقتباس لا على قصد التلاوة، لكن عند مسلم كما في رواية أبي ذرٍّ على نسق التلاوة، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وأما ما أخرجه الطبريّ عن قتادة، قال في قوله ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا أسلبه كما سلبته أول مرة، فظاهر حديث الباب يرد عليه، وكان سبب تأويل قتادة هذا هكذا طعن بعض الملاحدة على سليمان، ونسبته في هذا إلى الحرص على الاستبداد بنعمة الدنيا، وخفي عليه أن ذلك كان بإذن له من الله، وأن تلك كانت معجزته كما اختص كل نبي بمعجزة دون غيره، ويحتمل أن تكون خصوصية سليمان استخدام الجن في جميع ما يريده، لا في هذا القدر فقط، وفهم ابن بطال وغيره منه، أنه كان حين عَرَض له غير متشكل بغير صورته الأصلية، فقالوا: إن رؤية الشيطان على صورته التي خلق عليها خاص بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما غيره من الناس فلا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ ... الآية. وقال الخطابيّ: استدل بهذا الحديث على أن أصحاب سليمان، كانوا يرون الجن في أشكالهم وهيأتهم حال تصرفهم. قال: وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فالمراد الأكثر الأغلب من أحوال بني آدم، وتُعُقب بان نفي رؤية الإِنس للجن على هيئتهم ليس بقاطع من الآية، بل ظاهرها أنه ممكن، فإنَّ نفيَ رؤيتنا إياهم مقيدٌ بحال رؤيتهم لنا, ولا ينفي إمكان رؤيتنا لهم في غير تلك الحالة، ويحتمل العموم، وهذا الذي فهمه أكثر العلماء، وهذا محمول على من يدّعي رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها، وأما من ادعى أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتصور على صور شتى من الحيوان، فلا

стр. 3259

يقدح فيه. وقد تواترت الأخبار بتحورهم في الصور، واختلف أهل الكلام في ذلك، فقيل: هو تخييل فقط، ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، وقيل: بل ينتقل، لكن لا باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل، إذا فعله انتقل كالسحر. وهذا يرجع إلى الأول، وفيه أثر عن عمر أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح "إنّ الغِيلان ذكروا عند عمر فقال: إن أحدًا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها, ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك "فأذِّنوا" وهذا يدل على وجودهم، كدلالة حديث الباب وغيره من الآيات والأحاديث على ذلك. قال إمام الحرمين في الشامل: إن كثيرًا من الفلاسفة والزنادقة والقَدَرية أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين، إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة. قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، وأكثر ما استروح إليه من نفاهم حضورهم عند الإنس، بحيث لا يرونهم، ولو شاءوا لأبدوا أنْفُسَهم، وإنما يستبعِدُ ذلك مَنْ لم يُحط علمًا بعجائب المقدورات. وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم، وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم وينفي تسلطهم على الإنس. وقال عبد الجبار المعتزليّ: الدليل على إثباتهم السمعُ دون العقل: إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة, لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تَعَلُّق، ولو كان إثباتهم باضطرارٍ أما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا قد علمنا بالاضطرار بأن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده. واختلف في صفتهم، فقال الباقلانيّ: قال بعض المعتزلة: الجن أجسام رقيقة بسيطة، قال: وهذا عندنا معاشر أهل السنة غير ممتنع إن ثبت به سمع. وقال أبو يعلي بن الفراء: الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة، خلافًا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأنّ امتناع رؤيتنا من جهة رقتها، وهذا مردود، فإن الرقة ليستْ بمانعة من الرؤية،

стр. 3260

ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها، واختلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافرًا سُمي شيطانًا, وقيل: ان الشياطين خاصة أولاد إبليس، ومن عداهم ليسوا من ولده. وحديث ابن عباس الآتي في تفسير سورة الجن، يقوّي أنهم نوع واحد من أصل واحد، واختلف صنفه، فمن كان كافرًا سمي شيطانًا، وإلا قيل له جنيّ. واختُلف أيضاً هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا؟ فقيل بالنفي، وقيل بمقابله ثم اختلفوا، فقيل: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود عن أمية بن مخشي قال: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالساً ورجل يأكل ولم يسم إلا في آخره، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (ما) زال الشيطان يأكل معه، فلما سمّى استقاء ما في بطنه" وروى مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "لا يأكلنَّ أحدكم بشِماله ويشرب بشماله، فإنَّ الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله". وروى ابن عبد البَر عن وهب بن منبه أن الجن أصناف، فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك، ومنهم السَّعَالي والغُول والقُطْرُب، وهذا إن ثبت كان جامعًا للقولين الأولين، ويؤيده ما روى ابن حبّان والحاكم، عن أبي ثعلبة الخشنيّ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "الجنّ على أصناف ثلاثة: صنف لهم أجنحة، يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون ويظعنون". وروى ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: "وصنف عليهم الحساب والعقاب".وروى عن ابن أبي الدنيا عن يزيد بن يزيد، أحد ثقات الشاميين، من صغار التابعين، قال: ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وضع الغداء نزلوا فتغدوا معهم، والعشاء كذلك. واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا
следующие страницы →