Полный текст (6 753 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وقوله: "وكان نظيرَه" في رواية: "وكان هِرَقْل نظيره".
وقوله: "وسار هِرَقل إلى حمص" أي: لأنها دار مملكته، وهي ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث، وجوز بعضهم فيها الصرف وعدمه كَهِنْد وغيره من الثلاثي الساكن الوسط.
وقوله: "وأنه نبي" هو بفتح الهمزة عطف على خروج، وهذا يدُلُّ على أن هِرَقل وصاحبه أقَرَّا بنبوة النبي ﷺ ، لكن هِرَقل لم يستمر على ذلك، ولم يعمل بمُقْتضاه، بل شحَّ بملكه، ورَغِبَ في الرياسة، فآثَرَهما على الإِسلام، بخلاف صاحبه ضغاطر، فإنه أظهر إسلامه، وألْقَى ثيابه التي كانت عليه، ولبس ثيابًا بيضًا، وخرج على الروم، فدعاهم إلى الإِسلام، وشهد شهادة الحق، فقاموا إليه، فضربوه حتى قتلوه.
وقوله: "فآذن هِرَقل" فيه القصر من الإِذن، وفيه المد، أي: الإِعلام.
وقوله: "في دَسْكَرَةٍ له بحمص" بدال مفتوحة، وسين ساكنة مهملتين، وكاف وراء مفتوحتين، وهي القصر الذي حوله بيوت، وكأنه دخل القصر ثم أغلقه، وفتح أبواب البيوت التي حوله، وأذِنَ للروم في دخولها، ثم أغلَقها، ثم اطَّلع عليهم، فخاطبهم، وإنما فعل ذلك خَشْية أن يَثِبُوا به كما وَثَبوا بضغاطر، وكانت حمص في زمانه أعظم من دمشق، وهي دار ملكه، وكان فتحها على يد أبي عُبَيْدة بن الجرّاح سنة ستَّ عشرة بعد هذه القصة بعشر سنين.
وقوله: "والرُّشْد" بضم فسكون، أو بفتحتين، وهو ضد الغَيِّ.
وقوله: "وأن يَثْبُتَ" بفتح همزة أن مصدرية، عطفًا على قوله: "في الفلاح" أي: وهل لكم في ثبوت؟
وقوله: "فتُبايعوا" بمثناة فوقية مضمومة، ثم موحدة، وبعد الألف مثناة تحتية، منصوب بأن مقدرة في جواب الاستفهام، وفي نسخة: "فبَايعُوا"
стр. 352
بإسقاط التاء قبل الموحدة، وفي نسخة: "نُبايِع" بنون الجمع، وفي أخرى: "نتابع" بنون الجمع ثم مثناة فوقية، وفي أخرى: "فَتُتابعوا" بمثناتين فوقيتين، وبعد الألف موحدة، فالثلاثة الأُوَل من البيعة، والتي بعدها من الاتِّباع كما في نسخة: "فَنَتَّبِعَ".
وقوله: "هذا النبي" وفي رواية: "لهذا النبي" وإنما قال هذا لِمَا عرفه من الكتب السالفة، أي: التمادي على الكفر سببٌ لذهاب الملك. ونُقِلَ أن في "التوراة": "ونبيًّا مثلك أرسِلُه، أيُّ إنسان لم يقبل كلامي الذي يؤديه عني، فإني أُهْلِكه".
وقوله: "فحاصُوا حَيْصَةَ الحُمُر" حاصوا بمهملتين أي: نَفَروا، وشبه نَفْرَتَهم وجَفَلَهم مما قال لهم من اتّباع الرسول ﵊ بنفرة حُمُر الوحش، لأنها أشدُّ نَفْرَةً من سائر الحيوانات.
وقوله: "قد غُلِّقَت" بضم الغين المعجمة وكسر اللام مشددة.
وقوله: "وأَيِسَ" جملة حالية، بتقدير قد، وهي بهمزة ثم مثناة تحتية، وفي روايَة "يَئِس" بتقديم الياء على الهمزة، وهما بمعنى، والأول مقلوب من الثاني، أي: قَنِط.
وقوله: "من الإِيمان" أي: من إيمانهم لما أظهروه، ومن إيمانه لكونه شح بملكه، وكان يحب أن يطيعوه، فيستمر ملكه، فَيُسْلم ويُسلمون.
وقوله: "إني قلت مقالتي آنِفًا" بالمد مع كسر النون، وبالقصر ككتف، أي: الساعة، أو مبتدئًا منصوب على الظرف أو الحال من الضمير في قال، أي: مقالتي هذه الساعة، أو مُبْتَدئًا أي: مؤتَنِفًا ما قلته لكم، والمستعمل من فعله ائْتَنَفْتُ.
وقوله: "شِدّتكم" أي: رسوخكم.
وقوله: "فقد رأيت" أي: شدتكم، فحذف المفعول للعلم به، وللمؤلف في التفسير: "فقد رأيت منكم الذي أحببت".
стр. 353
وقوله: "فسجدوا له إما حقيقة على عادتهم لملوكهم، أو قبلوا الأرض بين يديه، لأن ذلك ربما كان كهيئة السجود.
وقوله: "فكان ذلك آخر شَأن هِرَقل" بنصب آخر خبر كان، وكون هذا آخر شأنه، يريد: فيما يتعلق بهذه القصة المتعلقة بدعائه إلى الإِيمان خاصة، أو أنه أطلق الآخِرِيَّة بالنسبة إلى ما في علمه، وهذا أوجه، لأن هِرَقْل وقعت له قصص بعد ذلك، من تجهيزه الجيوش إلى مُؤْتَةَ وتجهيزه الجيوش إلى تَبُوكَ، ومكاتبة النبي ﷺ ثانيًا، وإرساله إلى النبي ﷺ بذهب فقسمه بين أصحابه.
وروى ابن إسحاق أن هِرَقل لما أراد الخروج من الشام إلى القُسْطَنْطِينيَّة عَرَضَ على الروم أمورًا: إما الإِسلام، وإما الجِزْية، وإما أن يصالح النبيَّ ﷺ ويبْقي لهم ما دون الدَّرْب، فانطلق حتى إذا أشرف على الدَّرْب، استقبل أرْض الشّام، ثم قال: السلام عليك أرضَ سورية، -يعني: الشام- تسليم المودِّع ثم ركض، حتى دخل القُسْطَنطينيّة.
واختلف الأخْباريون هل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعُمر أو ابنه؟ والأظهر أنه هو، وهذا كله يَدُلُّ ظاهره على استمراره على الكفر، لكن يُحْتَمَل مع ذلك أنه كان يُضْمِر الإِيمان، ويفعل هذه المعاصي مراعاة لمملكته، وخوفًا من أن يقتله قومه، إلا أن في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ : إني مُسْلمٌ فقال ﵊: "بَلْ هوَ على نَصْرَانِيَّتِه".
ولما كان أمر هِرَقل في شأن الإِيمان فيه إبهام، ختم البخاري هذا الباب الذي استفتحه بحديث الأعمال بالنيات بحديثه، كأنه قال: إن صدقت نيته انتفع بها في الجملة، وإلا فقد خاب وخسر، فظهرت مناسبة إيراد قصة ابن النَّاطور في بدء الوحي، لمناسبتها لحديث الأعمال المُصَدَّر الباب به، وفي آخر لفظ من هذه القصة براعة الاختتام.
ومناسبة حديث أبي سفيان في قصة هِرَقل لبدء الوحي هي أنها
стр. 354
تضمنت كيفية حال الناس مع النبي ﷺ في ذلك الابتداء، ولأن الآية المكتوبة إلى هِرَقل للدعاء إلى الإِسلام ملتئمة مع الآية التي في الترجمة، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء:١٦٣] الآية، وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣] فَبَان أنه أوحى إليهم كلهم أَن أقيموا الدين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
وفي الحديث أن السنة في المكاتبات أن يبدأ بنفسه، فيقول: من فلان إلى فلان، وهو قول الأكثرين، وكذا في العنوان أيضًا يكتب كذلك، واحتجوا بهذا الحديث، وبما أخرجه أبو داوود، عن العلاء بن الحَضْرَمي، وكان عامل النبي ﷺ على البَحْرَيْن، وكان إذا كتب إليه بَدَأ بنفسه، وفي لفظ: بدأ باسمه. وقال حَمّاد بن زَيْد: كان الناس يكتبون من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، أما بعد. قال بعضهم: وهو إجماع الصحابة. وقال أبو جَعْفَرِ النَّحّاس: وهذا هو الصحيح، وقال غيره: وكره جماعة من السَّلف خلافَه، وهو أن يكتب أولًا باسم المكتوب إليه، ورخص فيه بعضُهم، وقال: يبدأ باسم المكتوب إليه. رُوِي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم معاوية، وعن محمد بن الحَنَفِيَّة، وأيوب السَّخْتِيَانِي أنهما قالا: لا بأس بذلك، وقيل: يقدم الأب، ولا يبدأ ولد باسمه على والده، والكبير السن كذلك، وهذا يَرُدُّهُ حديث العلاء لكتابته إلى أفْضَلِ البشر، وحقه أعظم من حق الوالد، وغيره.
وفيه التَّوقّي في المكاتبة، واستعمال عدم الإِفراط.
وفيه دَليل لمن قال بجواز معاملة الكفّار بالدراهم المنقوش فيها اسم الله تعالى للضّرورة، وإن كان عن مالك الكراهة، لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش من ذكر الله تعالى.
وفيه الوجوب بالعمل بخبر الواحد، وإلا لم يكن لبعثه مع دِحْيَةَ فائدة مع غيره من الأحاديث الدالة عليه.
стр. 355
وفيه حُجّة لمن مَنَعَ ابتداء الكافر بالسلام، ويأتي استيفاء الكلام عليه في باب: إطعام الطعام.
وفيه استحباب: "أمّا بعد" وقد مر الكلام عليها، وعلى أول من نَطَقَ بها.
وفيه أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا ﵊ فآمن به فله أجران.
وفيه أن النَّهي عن المُسافَرة بالقرآن إلى أرض العدو إنما هو في حمل المصحف والسور الكثيرة، دون الآية والآيتين، وقال ابن بَطّال: إنما فَعَلَه ﵊ لأنه كان في أول الإِسلام، ولم يكن بُدٌّ من الدعوة العامة، وقد نهى ﵊، وقال: "لا تُسَافِروا بِالقُرآنِ إلى أرْضِ العَدُوِّ" والحديث محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار.
وفيه دعاء الكفار إلى الإِسلام قبل قتالهم، وهو واجب، والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم الدعوة، وإن كانت بلغتهم فالدعاء مستحب، هذا مذهب الشّافعيَ، والثاني: يجب الإِنذار مطلقًا قاله مالك، حكاه المازَرِيُّ وعِيَاضٌ، والثالث: لا يجب مطلقًا، والرابع: يجب إن لم تَبْلُغهم الدعوة، وإن بلغتهم فيُستحب، وبه قال نَافِعٌ، والحسن، والثَّوريُّ واللَّيْثُ، والشّافِعي وابن المُنذر، قال النَّوَوِيُّ: وهو قول أكثر العلماء، وهو الصحيح، ومذهب أبي حَنِيفة أنه يُسْتَحب أن يدعو الإِمام من بلغته مبالَغَة في الإنذار، ولا يجب ذلك كمذهب الجمهور.
وفيه دليل على أن ذا الحسب أولى بالتقديم في أمور المسلمين، ومهمات الدين والدنيا، ولذلك كانت الخلفاء من قريش، لأنّه أحوط من أن يُدَنِّسوا أحلامهم.
وفيه دليل لجمهور الأصوليين أن للأمر صيغة معروفة، لأنّه أتى بقوله: "اعبُدوا الله" في جواب: "ما يأمركم"؟ وهو من أحسن الأدلة، لأن أبا
стр. 356
سفيان من أصحاب أهل اللسان، وكذلك الراوي عنه ابن عباس، بل هو من أفصحهم، وقد رواه عنه مقرًّا له ومذهب بعض الشافعية أنه مشترك بين القول والفعل بالاشتراك اللفظي، وقال آخرون بالاشتراك المعنوي، وهو التَّواطؤ بأن يكون القدر المشترك بينهما على ما عرف في الأصول.
واستدل به بعض العلماء على مَسِّ المحدِث والكافر كتابًا فيه آية أو آيات يسيرة من القرآن مع غير القرآن، وقال صاحب "الهداية": قوله ﵊: "ولا يَقْرَأُ الحائِضُ والجُنُبُ شَيئًا من القرآن" بإطلاقِهِ يَتَنَاوَلُ ما دون الآية، أراد أنه لا يجوز للحائض والنُفَساء والجُنب قراءة ما دون الآية خلافًا للطّحاوي، وخلافا لمالك في الحائض مطلقًا، وفي الجُنُب في اليسير كآية التعوذ ونحوه، قال: وليس لهم مسُّ المصحف إلَّا بغلافه، ولا أخذ درهم فيه سورة من القرآن، ولا يَمسُّ المحدث المصحف إلَّا بغلافه، ويكره مسه بالكم، وهو الصحيح، بخلاف الكتب الشرعية حيث يرخص في مسها بالكم لأن فيه ضرورة، ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان لأن في المنع تضييع حِفْظ القرآن، وفي الأمر بالتطهير حَرَجا لهم. هذا هو الصحيح.
وفيه أن الكذب مهجور، وعَيْب في كل مِلّة.
وفيه أن العدو يجب الاحتراز منه إذ لا يُؤمن أن يكذب على عدوه.
وفيه البيان الواضح على أن صدق رسول الله ﷺ وعلاماته كان معلومًا لأهل الكتاب علمًا قطعيًا، وإنما تَرَكَ الإِيمان من تركه منهم عِنادًا، أو حَسدًا، أو خوفًا على فوات مناصبهم في الدنيا.
رجاله ستة: وفيه ذِكْرُ دِحْيَةَ الكلبي، وملك غسان، وهرقل.
الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع القُضاعي الحمصي البَهْرَانيُّ مولاهم، مولى امرأة من بَهْراء يقال لها: أم سَلَمة. قال العِجْلِيُّ: لا بأس به، وقال الخَليليُّ: نسخة شُعَيب رواها الأئمة، وتابع أبا اليَمان عليّ بن
стр. 357
الحمصي، وهو ثقة. وتكلم بعضُهم في سماعه من شُعيب، فقيل: إنها مناولة. وقيل: إنه مُجَرَّدُ إذن. وقد قال المُفَضّل بن غسان: سمعت يحيى ابن معين يقول: سألت أبا اليَمان عن حديث شعيب فقال: ليس هو مناولة، المناولة لم أخرجها لأحد، وبالغ أبو زرعة الرازي فقال لم يسمع أبو اليمان من شعيب إلَّا حديثًا واحدًا، والباقي إجازة. قال ابن حَجَر: إن صح ذلك فهو حجة في صحة الرواية بالإِجازة، إلا أنه كان يقول في جميع ذلك: أجرنا، ولا مُشَاحّة في ذلك إن كان اصطلاحًا. وقال الأثْرَم: قال أبو عبد الله: كان أمْرُ شُعيب في الحديث عسرًا جدًّا، وكان علي بن عيّاش سمع منه، وذكر قصة لأهل حمص، أُراها أنهم سألوه أن يأذن لهم أن يرووا عنه، فقال لهم: لا، ثم كَلّموه وحضر ذلك أبو اليمان، فقال لهم: ارووا عني تلك الأحاديث، فقلت لأبي عبد الله: مناولةً؟ قال: لو كان مناولة كان أعطاهم شيئًا، وهو لم يُعطهم كتبًا ولا شيئًا إنما سمع هذا فقط فكان ابن شُعيب يقول: إن أبا اليمان جاءني، فأخذ كتب شُعيب مني بعد موته، وهو يقول: أخبرنا. وقال إبراهيم بن الحسين: سمعت الحَكَم ابن نافع، يقول: قال لي أحمد بن حَنْبل: كيف سمعت الكتب من شعيب؟ قلت: قرأت عليه بعضه، وبعضه قَرَأ عليّ، وبعضه أجازني، وبعضه مناولة. فقال: قُل في كلها: أخبرنا شعيب.
وقال أبو زُرْعة الدِّمشقي، عن أبي اليَمان: كان شُعيب عسرًا في الحديث، فدخلنا عليه حين حضرته الوفاة، فقال: هذه كتبي، وقد صححتها، فمن أراد أن يأخذها مني فَلْيَأخُذْها، ومن أراد أن يَعْرِض فَلْيعرِض، ومن أراد أن يسمعها من ابني فإنه قد سمعها مني.
قال أبو بكر محمَّد بن عيسى الطَّرَسُوسِيُّ: سمعت أبا اليمان يقول: سِرت إلى مالك، فرأيت ثم من الحُجّاب والفُرُش شيئًا عجيبًا، فقلت: ليس هذا من أخلاق العلماء، فَمَضَيت وتركته، ثم ندمت بعد، وقال الأثْرم: سُئل أبو عبد الله عن أبي اليمان، فقال: أما حديثه عن صَفْوان وحَريز فصحيح، قال: وهو يقول: أخبرنا شعيب. اسْتَمَلّ ذلك بأمر
стр. 358
عجيب، قال أبو عبد الله: كان أمر شُعيب في الحديث عسرًا جدًّا .. الخ. ما مرّ قريبًا، وقال أبو حاتم: نبيل ثقة صدوق. وقال ابن عَمّار: ثقة، وقال البَرْدعِيُّ: قلت لمحمد بن يحيى في حديث أنس عن أم حبيبة يعني حديث "أرأيت ما تلقى أمتي بعدي" الحديث: حدثكم به أبو اليمان؟ فقال: نعم، حدثنا به من أصله، عن شُعيب، عن ابن أبي حُسين، فقلت: حدثنا به غيرُ واحدٍ، عن أبي اليمان، فقالوا: عن الزّهري، قال: لَقَّنوه عن الزُّهري، قلت: رواه يحيى بن مَعين، فقال: يحيى بن مَعِين لَقِيه بعدي. وقال أبو زُرْعة الدِّمَشْقيُّ، عن أحمد، بعد أن رواه عن أبي اليمان عن شعيب، عن ابن أبي حُسين: ليس لهذا أصل عن الزُّهري وكان كتاب شُعيب عن ابن أبي حُسين ملصقًا بكتاب الزُّهري، كأنه يذهب إلى أنه اختلط بكتاب الزُّهْري، فكان يَعْذُرُ أبا اليمان، ولا يَحْمِلُ عليه فيه. قال أبو زُرْعة: وقد سألت عنه أحمد بن صالح، فقال لي مثل قول أحمد بن حَنْبل، وقال إبراهيم بن هانىء النَّيْسابُوريُّ: قال لنا أبو اليمان: الحديث حديث الزُّهري، والذي حدثتكم عن ابن أبي حسين غلطت فيه بورقة قلبتها. وكذا قال يحيى بن معين عنه.
وروى عن: شعيب بن أبي حمزة، وحَرِيز بن عُثمان، وعَطّاف بن خالد، وسَعيد بن عبد العزيز، وصَفْوان بن عمرو، وغيرهم.
وروى عنه: البخاريُّ نسخة، وروى له الباقون بواسطة إبراهيم بن سعيد الجوهري، وروى عنه الذُّهليُّ، وأحمد بن حَنْبل، وابن مَعين، ومحمد بن عَوْف الطّائي، وأبو مسعود الرّازيّ، وغيرهم، وليس له في ابن ماجة إلا حديث واحد في خِطْبة علي بنت أبي جهل.
ولد سنة ثمان وثلاثين ومئة، ومات في ذي الحجة بحمص سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين.
وليس في الكتب الستة من اسمه الحكم بن نافع سواه، وفي الرواة الحكم بن نافع آخر روى عنه الطَّبراني، وهو قاضي القُلْزُم، وأما من اسمه
стр. 359
الحكم فهو نحو ثلاثة وثلاثين.
والقُضَاعِيُّ في نسبه نسبةً إلى قُضاعة وهو عمرو بن مالك بن مُرّة بن زيد بن مالك بن حِمْير بن سَبأ أبو حيٍّ باليمن، وتزعم نُسّاب مُضَر أن قُضاعة بن معد بن عدنان، والصواب هو الأول كما في "العُباب" وقال ابن ماكولا: هو الأكثر والأصح، وفي "المقدمة الفاضِلية": وأكثر العلماء على أنه قُضاعة بن معد بن عدنان، وأن مالك بن مُرّة زوج أمه، فنسب إلى زوج أمه عادة معروفة عند العرب بينهم. وقال أبو جعفر بن حبيب النَّسّابَة: لم تزل قُضاعة في الجاهلية والإِسلام تُعْرَفُ بِمَعد حتى كانت الفتنة بالشّام بين كَلب وقَيْس عَيْلان أيام مروان بن الحكم، فمال كلب يومئذ إلى اليمن، وانتمت إلى حِمْير استظهارًا منهم بهم على قَيس. وذكر ابن الأثير في "الأنساب" هذا الاختلاف، ثم قال: ولهذا قال محمَّد بن سلام البَصْري النّسابة لما سئل: أنِزار أكثر أم اليمن؟ فقال: إن تَمَعْدَدَت قُضاعة، فنزار أكثر، وإن تيمنت فاليمن.
والقضاعة لغة الفهد، وبه لقب عمرو بن مالك، وقيل: لقب به لانقطاعه عن قومه مع أمه من القضع بمعنى القطع، وقيل: من قَضَعَه بمعنى قهره، وإلى قُضاعة يُنسب القاضي أبو عبد الله محمد بن سَلامة ابن جَعْفر القُضاعِيُّ صاحب كتاب "الشهاب" وسميه أبو عبد الله محمد بن يوسف بن عبد السلام القضاعي صاحب "المختار في الخُطط والآثار" توفي سنة أربع مئة وأربعة وخمسين، فقُضاعة إحدى القبائل الأربعة المُتَذَبْذِبة بين عدنان وقحطان التي أشار لها ناظم أنساب العرب الشَّنْقِيطِي حيث قال:
قُضاعةٌ مَذَبذبٌ بَينهُمَا ... فَلِمعدٍّ عِند قَومٍ انْتَمى
وَهْوَ وَبلْه ما يَقول المُزْدَري ... قُضَاعةُ بن مالِكِ بن حِمْيرِ
وأُمُّه عُكْبَرة على حَبَلْ ... مِن مالِكٍ اتَّخَذتْ منهُ بَدَل
خُزَاعَةٌ كذاكَ ذُو تَذَبْذُب ... مَا بَيْن قَمْعَةٍ وأزْدِ يَثْرب
стр. 360
وهكذا بجَيلةٌ الخُلَفَا ... وخَثْعَمُ الكِرَام قَد تَوَقَّفَا
مَا بَين أنْمارِ نِزَارٍ السَّنِي ... وبَيْنَ أنْمارِ أرَاشِ اليَمَنِ
والبَهْراني في نسبه نسبةً إلى بَهْراء بن عمرو بن الحاف بن قُضاعةَ أبو بطن من قُضاعة، يُمد وقد يُقصر، قال ابن سِيْدَهَ: لا أعْلم أحدًا حكى فيه القصر إلَّا كراع، وإنما المعروف فيه المد، أنشد فيه ثَعْلب:
وَقَد عَلِمت بَهْراءُ أنَّ سُيوفَنا ... سُيُوفُ النَّصارى لا يَليقُ بها الدَّمُ
والنسبة إليه بَهْراني، مثل بَحْراني، على غير قياس، النون فيه بدل من الهمزة، وبهراوي على القِياس، قال ابن جِنّيّ: من حُذّاق أصحابنا من يَذْهب إلى أن النون في بَهْراني إنما هي بدلٌ من الواو التي تُبْدَل من همزة التأنيث في النسب، وأن الأصل بَهْراويّ، وأن النون هناك بدلٌ من هذه الواو، كما أُبْدِلت الواو من النون في قولك: من وافد، وإن وقفتَ وقفتُ، ونحوه، وكيف تَصَرَّفَتِ الحال، فالنون بدل من الهمزة، قال: وإنما ذهب إلى هذا لأنه لم ير النون أبدلت من الهمزة في غير هذا، وكان يحتج في قولهم: إن نون فعلان بدل من همزة فعلاء، وليس غرضهم هنا البدل الذي هو نحو قولهم في ذئب: ذيب، وفي جؤنة: جونة، إنما يريدون أن النون تُعاقِبُ في هذا المحل الهمزة، كما تعاقب لام المعرفة التَّنوين، أي: لا تجتمع معه، ولما لم تجامِعْه، قيل: إنها بدل منه، وكذلك النون والهمزة، قال: وهذا مذهب ليس بقصد.
والحِمْصيُّ في نسبهِ نسبةً إلى حمص بكسر الحاء وسكون الميم كُورة بالشام، أهلها يمانون، تذكر وتؤنث، وهي من أوسع مدن الشام، بها نهر عظيم، ولها رَسَاتِيق، سُميت بحِمص بن صِهْر بن حَمِيص بن صَاب ابن مكنف من بني عَمْلِيق، وقيل: حِمْص بن المهر بن حَاف، كما سميت حلب بحلب بن المهر، وقيل: سميت برجل من عامِلة هو أول من نزلها، وكانت حمص في قديم الزمان أشهر من دمشق. قال ابن حَوْقل هي أصح بلاد الشام تربةً، وليس فيها عقارب وحيات، افتتحها أبو عبيدة بن الجَرّاح سنة ست عشرة، ثم نافت، ثم صولحت، بها قبر سيدنا خالد
стр. 361
ابن الوليد، قال الثعْلَبي: دخلها تسع مئة رجل من الصحابة، ولا يجوز فيها الصرف كما يجوز في "هند" لأنه اسم أعجمى، وقال ابن التّين: يجوز الصرف وعدمه لقلة حروفه، وسكون وسطه. قال العَيْنِيّ: إذا أنثته منعته من الصرف لأن فيه حينئذ ثلاث علل التأنيث والعجمة والعلمية، فإذا كان سكون وسطه يقاوم أحد السببين يبقى سببان، وبها يمنع من الصرف كما في ماه.
الثاني: شُعَيب بن أبي حَمْزة، واسمه دِينار الأُموي مولاهم أبو بشر الحِمْصي. قال أبو زُرعة الدِّمشقي، عن أحمد: رأيت كتب شُعيب بن أبي حمزة، فرأيتها مقيدة مضبوطة، ورفع من ذكره، قلت: فأين هو من الزُّبيدي؟ قال: مثله. وقال الأثْرم، عن أحمد نحو ذلك، وقال محمد بن علي الجُوزجاني، عن أحمد: ثبت، صالح الحديث. وقال عُثمان الدَّارِمِيُّ، عن ابن مَعِين: ثقة، مثل يونس وعقيل في الزُّهْري، وكتب عن الزُّهري إملاءً للسلطان، وقال ابن الجُنَيد، عن ابن مَعِين: شعيب من أثبت الناس في الزُّهري، كان كاتبًا له، وقال العِجليُّ، ويعقوب بن شَيبَة، وأبو حاتم، والنَّسائي: ثقة. وقال علي بن عياش: كان من كبار الناس، وكان ضنينًا بالحديث، وكان من صنف آخر في العبادة، وكان من كُتّاب هشام، وقال أبو اليمان: كان عسرًا في الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زُرْعة عن شُعيب وابن أبي الزِّناد، فقال: شُعيب: أشبه حديثًا وأصح من ابن أبي الزِّناد. وقال العِجليُّ: ثقة ثبت، وقال الخلِيليُّ: كان كاتب الزُّهري، وهو ثقة، متفق عليه، حافظ، أثنى عليه الأئمة، وقال أبو داود كان أصح حديثًا عن الزُّهري بعد الزَّبيدي.
روى عن: الزُّهري، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين، وأبي الزِّناد، وابن المُنْكَدِر، ونافع، وهشام بن عروة وغيرهم.
وروى عنه ابنه بِشْر وبقية بن الوليد، والوليد بن مُسلم، ومِسكين بن
стр. 362
بُكَير، وأبو اليمان وعلي بن عيّاش، والحِمصيّ، وعدة.
قال الفضل الغَلابي: عنده من الزُّهري ألف وست مئة، ثقة حافظ متقن.
مات سنة اثنتين وستين ومئة، وقيل سنة ثلاث، جاوز السبعين، وليس في الكتب الستة من اسم شُعيب بن أبي حمزة سواه، وشعيب في الكتب الستة نحو ثمانية عشر.
والأمَويُّ في نسبه نسبةً إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وهو بضم الهَمْزَة على القياس، وبفتحها على غير قياس، كما في "المصباح" وقال ابن دُرَيد: مَنْ فَتَحَهَا فقد أخطأ، وأُمَيّة تصغير أَمَة بفتح الهمزة، والأمة محذوفة اللام، وهي واو، وأصلها أَمْوة، ولهذا ترد في التَّصغير، وكان الأصل أن يقال: أُمَيّيي بأربع ياءات، لكن حُذفت الياء الزائدة للاستثقال، كما تحذف من سليم ونحوها عند النسبة، وقلبت الياء الأولى ناسًا كراهية اجتماع الياءات مع الكسرتين، وحكى سيبويه عن يونس أن ناسًا من العرب يقولون أُمَيّي، ولا يغيرون. وأميَّة أيضًا بطن في الأنصار، وهو أمية بن زيد بن مالك، وفي قُضاعة وهو أمية بن عصبة، وفي طيِّىء وهو أمية بن عدي بن كِنانة.
الثالث: صَخر بن حَرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سفيان القرشيُّ الأمويُّ مشهور باسمه وكنيته، وكان يكنى أبا حَنْظَلة، وأمُّه صَفِيّة بنت حَزْن الهِلالية عمة ميمونة زوج النبي ﷺ ، كان أسَنَّ من النبيِّ ﷺ بعشر سنين، وقيل غير ذلك، وهو والد مُعاوية، أسلم عام الفتح في قصة شهيرة، وشهد الطائف وحُنينًا، وأعطاه النبيُّ ﷺ : من غنائم حُنين مئة من الإِبِل، وأربعين أوقية كسائر المؤلفة قلوبهم، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية، فقال له أبو سُفيان: والله إنك لكريم، فداك أبي وأمي، لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فلنعم المسالمُ أنت، جزاك الله خيرًا.
стр. 363
قال يونُس بن عُبيد: كان عُتْبة بن ربيعة، وأخوه شيبَة، وأبو جَهْل، وأبو سُفيان لا يَسْقط لهم رأي في الجاهلية، فلمّا جاء الإِسلام لم يكن لهم رأي، وتبين عليهم السُّقوط، والهَلاك، والضَّعْف في الرّأي.
وتزوج النبيُّ ﷺ ابنته أم حَبيبة قَبل أن يُسلم، وكانت أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها إلى الحبشةَ، فمات هُنالك.
وروى الزُّبير بن بَكّار أن أبا سُفيان كان يُمازِحُ النبيَّ ﷺ في دار بنته أم حبيبة، ويقول: والله إن هو إلا أن تركتُك وتركتك العَرَبُ إن انتطحت فيك جَمَّاء ولا ذاتُ قرن، ورسول الله ﷺ يضحك ويقول: "أنت تَقُول ذلك يا أبا حَنْظَلة" وعن ثابت البُنَانيُّ: إنما قال النبيُّ ﷺ من دخل دار أبي سُفيان فهو آمن، لأن النبي ﷺ كان إذا أوذي بمكة دخل دار أبي سفيان، ورُوي عن عِكْرِمة أن النبيَّ ﷺ أهدى إلى أبي سُفيان بن حَرْب تمر عَجْوة، وكتَب إليه يَستهدِيه أدَمًا مع عمرو بن أمية، فنزل عمرو على إحدى زوجتي أبي سفيان، فقامت دونه، وقبل الهدية، وأهدى أدمًا.
فُقِئت عينه الواحدة يوم الطائف، والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد، فقد روى الزُّبير من طريق سَعيد بن عبيد الثَّقَفي، قال: رميت أبا سفيان يوم الطائف، فأصبت عينه، فأتى النبيَّ ﷺ ، فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله، قال: "إن شئت دعوت فردت عليك، وإن شئت فالجنة"، قال: الجنة. وعن سعيد بن المُسَيِّب، عن أبيه، قال: فُقِدت الأصوات يوم اليرموك إلَّا صوت رجلٍ يقول: يا نصر الله اقترب، فنظرت، فإذا هُو أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد، وفُقِئت عينه حينئذ، ويقال: إن النبيَّ ﷺ استعمله على نَجْران، ومات النبي ﷺ وهو والٍ عليها، ورجع إلى مكة، وسكنها بُرْهَةً، ثم رجع إلى المدينة، ومات بها. قال الوَاقِديُّ: أصحابنا يُنْكرون ولاية أبي سُفيان على نَجْران في حين وفاة النبي ﷺ ، ويقولون: كان أبو سفيان بمكة حين وفاة النبيِّ ﷺ وكان عامله
стр. 364
على نَجران حينئذ عمرو بن حَزْم. وذكر ابن إسحاق أن النبيَّ ﷺ وجَّهَه إلى مَنَاة، فهدمها.
وروى ابن سعد من طريق أبي السَّفَرِ قال: لما رأى أبو سفيان الناس يطؤون عقب رسول الله ﷺ حسده، فقال: لو عاودت الجمع لهذا الرجل، فضرب النبي ﷺ في صدره، ثم قال: "إذا يُخْزيكَ الله" فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، والله ما تَفَوَّهت به إلا شيء حدثت به نفسي. ومن طريق أبي إسحاق السَّبِيعي نحوه، وقال: ما أيقنت أنك رسول الله حتى الساعة. ومن طريق عبد الله بن أبي بكر بن حَزْم، قال: قال أبو سفيان في نفسه: ما أدري بم غلبني محمَّد، فضرب في ظهره، وقال: بالله نَغْلِبُك. فقال: أشهد أنك رسول الله.
وعن ابن إسحاق من حديث ابن الزُّبَير قال: كنتُ مع أبي عام اليَرموك فلما تَعَبّى المسلمون للقتال، لبس الزُّبير لأمَتَهُ، ثم جلس على فرسه، وتركني، فنظرت إلى ناس وقوف على تلٍّ يقاتلون مع الناس، فأخذت فرسًا ثم ذهبت فكنت معهم، فإذا أبو سفيان في مشيخة من قريش، فجعلوا إذا مال المسلمون يقولون: أيده ببني الأصفر، وإذا مالت الروم قالوا: يا ويح بني الأصفر، فحدث به ابن الزبير أباه لما فتح الله على الإِسلام، فقال: قاتله الله يَأبَى إلا نِفاقًا، أو لسنا خيرًا له من بني الأصفر، قال ابن حَجَر: وهذا يبعده ما قبله، والذي قبله أصح.
وعن عَلْقَمَة بن نَضْلَة أن أبا سفيان بن حَرْب قام على رَدْم المرأتين، ثم ضرب برجله، فقال: سَنام الأرض إنَّ له سَنامًا، يزعم ابن فَرْقد أني لا أعرف حَقّي من حقّه، لي بياض المَرْوة وله سوادها، فبلغ ذلك عمر، فقال: إن أبا سفيان لقديم الظلم، ليس لأحد حق إلا ما أحاطت عليه جدرانه.
وذكر ابن المُبارك من طريق ابن أبْجَر: لما بوِيع لأبي بكر الصديق ﵁، جاء أبو سفيان إلى علي ﵁، فقال: أغلبكم على هذا الأمر أقل بيت في قريش؟ أما والله لأَملأَنَّها خيلًا ورجالًا إن
стр. 365
شئت، فقال علي: ما زلت عدوًّا للإِسلام وأهله، فما ضر ذلك الإِسلام وأهله أنّا رأينا أبا بكر أهلًا، وهذا الخبر رواه عبد الرزاق، عن ابن المبارك، عن الحسن، قال: إن أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة إليه، فقال: صارت إليك بعد تَيْم وعَدِيّ، فأدرها كالكُرة، واجعل أوتادها بني أمية، فإنما هو المُلْك، ولا أدري ما جنة ولا نار؟ فصاح به عثمان: قم، فعل الله بك وفعل.
وفي حديث ابن عباس، عن أبيه، لما أتى به العَبّاس وقد أردفه خلفه يوم الفتح إلى رسول الله ﷺ ، وسأله أن يُؤمِّنَهُ، فلما رآه رسول الله ﷺ ، قال: يا أبا سفيان، ويحك، أما آن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال: بأبي أنت وأُمّي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، والله لقد ظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئًا، فقال: ويحك يا أبا سُفيان، ألم يَأنِ لك أن تعلم أني رسول الله؟ فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه ففي النفس منها شيء، فقال له: ويلك، اشهد شهادة الحق قبل أن تُضْرَبَ عنقك، فشهد وأسلم، ثم سأل له العباس النبي ﷺ أن يُؤمِّنَ من دخل داره، وقال: إنه رجل يحب الفخر والذكر، فأسعفه رسول الله ﷺ في ذلك، وقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن، ومن ألقى السِّلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه على نفسه فهو آمن.
قال ابن عبد البَرّ: وله أخبار كثيرة رديئة، ذكرها أهل الأخبار لم أذكُرها، وحديثُ ابن المُسَيِّب المتقدم يَدُلُّ على صحة إسلامه، ورُوِي أنه كان يقف على الكَراديس يوم اليَرموك، فيقول للناس: الله الله فإنكم ذَادّة العرب، وأنصار الإِسلام، وإنهم ذادّة الروم، وأنصار المشركين، اللهم إن هذا يوم من أيامك، اللهم أنْزِل نصرك على عبادك.
فالحاصل كما قال ابن عَبْد البَرّ، هو: أن الناس فيه طائفتان، طائفة تروي أنه لما أسلم حَسُنَ إسلامه، وطائفة تروي أنه كان كَهْفًا للمنافقين مُنذ أسلم، وكان في الجاهلية يُنْسَب إلى الزَّنْدَقة، وكان من أشراف قُرَيش
стр. 366
في الجاهلية، وكان تاجرًا يجهز التُجار بماله، وأموال قريش إلى الشام وغيرها من بلاد العَجَم، وكان يخرُجُ أحيانًا بنفسه، فكانت إليه راية الرُّؤساء المعروفة بالعُقَاب، وكان لا يَحبِسها إلا رئيس، فإذا حميت الحرب اجتمعت قريش، فوضعت الرّاية في يد الرئيس، وكان أبو سفيان صديق العباس ونديمه في الجاهلية، له أحاديث روى عنه ابن عباس حديث هِرَقل، وقَيْس بن أبي حازم، وابنه مُعَاوية.
مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان، وقيل: اثنتين، وقيل: أربع، وصلى عليه ابنه مُعاوية، وقيل: بل صَلّى عليه عثمان بموضع الجَنَائز، ودُفن بالبقيع وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وقيل: ابن بِضْع وتسعين سنة، وكان رَبْعَةً، دَحْداحًا، ذا هامةٍ عظيمةٍ.
وأبو سُفيان في الصحابة جماعة، لكن أبو سُفيان بن حَرْب من الأفراد، وصَخْر في الكتب الستة تسعة.
وأما دِحْية بكسر الدال ويفتح فهو ابن خَليفة بن فَروة بن فَضَالة بن زَيد ابن امرىء القيس بن الخَزْرج، وهو زيد مَنَاة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عَوف بن عُذْرَة القُضَاعي، صحابيٍّ مشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل: أحد، ولم يشهد بدرًا، وكان يُضربُ به المثل في حسن الصورة، وكان جبريل ينزل على صورته، فقد أخرج النَّسائيُّ من حديث ابن عُمر رضي الله تعالى عنهما، كان جِبْريل يأتي النبيّ ﷺ في صورة دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ. وعن أنس أن النبيَّ ﷺ قالَ: "كانَ جِبريلُ يَأتِينِي على صورة دِحْية الكلبيّ" وكان دِحية رجلًا جميلًا. وروى العِجْلِيُّ في "تاريخه"، عن عوانة بن الحكم، قال: أجمل الناس من كان جِبريل يأتي على صورته.
ورُوي عن ابن عباس أنه قال: كان دِحية إذا قدم المدينة لم تبق مُعْصر إلَّا خرجت تَنْظُر إليه، والمراد بالمعصر العاتق، وهو رسول النبيّ ﷺ إلى قَيصر، فَلَقِيه بحمص أول سنة سبع، أو آخر سنة ست، ومن المنكر ما أخرجه ابن عَسَاكر في "تاريخه" عن ابن عباس، أن دِحْية أسلم في خلافة
стр. 367
أبي بكر الصديق، وقد رده ابن عَسَاكر، وروى التِّرْمِذِي، من حديث المُغِيرة، أن دِحية أهدى إلى النبيّ ﷺ خُفَّيْنِ فَلبسهمَا وعند أبي داود من طريق خالد بن يزيد بن مُعاوية، عن دِحية، قال: أُهْدِي للنبيِّ ﷺ قَبَاطي، فأعطاني منها قِبْطِيّة. وروى أحمد من طريق الشَّعْبي، عن دِحْية، قال: قلت: يا رسول الله، أأحْملُ لك حمارًا على فرس فيُنْتِج لك بَغْلًا فتركبَهَا، قال: قال: "إنّما يَفْعلُ ذلك الذين لا يَعلمون".
وأخرج ابن سعد من حديث مُجاهد، قال: بعث رسول الله ﷺ دِحْية سَرِّيةً وحده، وقد شهد دحية اليرموك، وكان على كَرْدُوس، وقد نزل دِمشق، وسكن المِزَّة، وعاش إلى خلافة معاوية. قال ابن البَرْقِيّ: له حديثان عن النبي ﷺ . قال ابن حَجَر: اجتمع لنا عنه نحو السِّتّة.
روى عنه: خالد بن يزيد بن مُعاوية، ومَنصور بن سَعيد بن الأصْبَغ، وعبد الله بن شَدّاد بن الهاد، ومحمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، والشَّعبيّ.
والقُضاعيّ في نسبه نسبةً إلى قُضاعة، ومرَّ الكلام عليه أول السند عند أبي اليمان، والمِزَّة -بكسر الميم وتشديد الزاي- قرية قرب دمشق، وليس في الصحابة من اسمه دِحْية سواه.
وملك غسان المُراد به الحارث بن أبي شمر، أراد حرب النبي ﷺ ، وخرج إليهم في غزوة، ولم أر له إسلامًا.
وأما هِرَقل بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، فهو عَلَم لملك الروم، ولقبه قَيْصر، ويلقب به كل ملك للروم، كما أن كل من ملك الفُرس يقال له: كسرى، وكل من ملك التُّرْك يقال له: خاقان.
ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي ﷺ ، وهو أول من ضَرَب الدنانير، وأحدث البيعة والصحيح أنه لم يُسْلم، ومات على نَصْرانيَّتِه.
стр. 368
لطائف إسناده: منها أن فيه رواية حِمْصيّ عن حمصي عن شاميّ عن مَدَني.
ومنها أنه قال أولا: حدثنا، وثانيا أخبرنا، وثالثا بكلمة عن، ورابعًا بلفظ أخبرني محافظة على الفرق الذي بين العبارات، أو حكايةً عن ألفاظ الرواة بأعْيانها، مع قَطْع النظر عن الفرق، أو تعليما لجواز استعمال الكل إذا قُلْنا بعدم الفرق بينها.
ومنها أنه ليس في "البخاري" مثل هذا الإِسناد أعني عن أبي سفيان، لأنه ليس في الصحيحين، وسنن أبي داود، والتِّرمذي، والنَّسائي حديث غيره، ولم يرو عنه إلا ابن عَبّاس رضي الله تعالى عنهم.
ومنها: أن رواية البخاري لهذا الحديث عن أبي اليَمان من الرواية عن النُّسخة، لأنَّ أبا اليَمان كما مرّ روى عن شُعيب نسخة، والنسخة هي رواية متون بإسناد واحد، كرواية هَمّام بن مُنَبّه، عن أبي هُريرة، رواها عبد الرزاق عن مَعْمَر، عنه واختلف العلماء في إفراد حديث من نسخة، هل يساق بإسنادها ولو لم يكن مُبْتَدأً به أولا؟ فالجمهور على الجواز، ومنهم البُخاري، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أوله، والأقل كالأستاذ أبي إسحاق الإِسْفَرايني منع من ذلك لإِيهامه أنه سمع ذلك، وقيل: يبدأ أبدًا بأول الحديث، ويذكر بعده ما أراد، وتوسط مسلم، فأتَى بلفظٍ يُشْعِر بأن المُفرد من جملة النسخة، فيقول مثلًا: حدثنا محمَّد بن رَافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبره مَعْمر، عن هَمّام قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة، عن النبي ﷺ ، وذكر أحاديث منها. وقال رسول الله ﷺ : "إنَّ أدنى مَقْعَد أحدِكُم أن يقال له: تَمَنَّ الحديث" وبعضهم يعيد سند الكتاب، أو الجزء في آخره، وذلك لا يرفع الخلاف الوارد في أفراد كل حديث بالسند، ولكنه احتياطٌ لما فيه من التأكيد، وأشار العِراقيُّ إلى الكلام عليها بقوله:
والنُّسَخُ الّتي بإسنادٍ قَطُ ... تَجْديدُه في كلِّ مَتنٍ أحوَطُ
стр. 369
وَالأغْلبُ البَدءُ بهِ ويُذكرُ ... مَا بَعدَهُ مَع وبهِ والأكثَرُ
جَوازُ أنْ يُفرِدَ بَعْضًا بالسَّنَد ... لَا خُذْ كذَا والإِفْصاحُ أسَدّ
وَمَنْ يُعيدُ سَنَدَ الكِتاب مَعْ ... آخِرِه احْتاطَ وخُلْفًا ما رَفَعْ
أخرج البخاري حديث هِرَقل في أربعةَ عشر موضعًا هنا كما ترى، وفي الجهاد عن إبراهيم بن حمزة، وفي التفسير عن إبراهيم بن موسى، وفيه أيضا عن عبد الله بن محمد، وفي الشهادة عن إبراهيم بن حَمزة أيضا مختصرًا، وفي الجزية أيضا عن يحيى بن بُكَير، وفي الأدب عن أبي بُكَير، وفيه أيضا عن محمد بن مُقاتل، وفي الإِيمان، وفي العلم، وفي الأحكام، وفي المغازي، وفي خبر الواحد، وفي الاستئذان.
وأخرجه مسلم في المغازي عن خمسة من شيوخه، منهم إسحاق بن إبراهيم، وأبو داود في الأدب، والتِّرمذي في الاستئذان، والنَّسائي في التفسير، ولم يخرجه ابن ماجة.
ثم قال البخاري: رواه صَالِح بن كَيْسان، ويونُس، ومَعْمر عن الزُّهري.
وهذه الأحاديث الثلاثة رواها المصنف عن غير أبي اليَمَان، والزُّهْري، إنما رواها لأصحابه بسند واحد، عن شيخ واحد، وهو عُبَيد الله بن عبد الله، فرواية صالح عن الزُّهري أخرجها البخاري بتمامها في الحج، من طريق إبراهيم بن سَعْد، عنه، وأخرجه مسلم أيضا عن إبراهيم المذكور، ورواية يونس أخرجها البخاري في الجهاد، والاستئذان مختصرة، من طريق ابن المُبَارك، عن يُونُس، ورواية مَعْمر أخرجها البخاري في التفسير بتمامها.
و الرجال أربعة:
مر بن شهاب في الثالث.
ومر يونس ومعمر في المتابعة التي بعد الرابع.
стр. 370
والرابع: صالح بن كَيْسان المَدَني أبو محمد أو أبو الحارِث الغِفَارِيّ، مؤدب أولاد عمر بن عبد العزيز.
قال مصعب الزُّبيري: كان جامعًا بين الحديث والفقه والمروءة، وقال حرب: سئل عنه أحمد فقال: بَخ بَخ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: صالح أكبر من الزُّهري، وقال ابن المَدِيني: صالح أسن من الزُّهري، وقد رأى ابن عمر، وابن الزُّبير، وقال ابن مَعين: معمر أحب إلي، وصالح ثقة، وقال أيضًا: ليس في أصحاب الزُّهري أثبت من مالك، وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من فقهاء المدينة الجامعين للحديث والفقه، من ذوي المروءات، وقد قيل: إنه سمع من ابن عمر، وما أراه محفوظًا، وقال الخَلِيليُّ: كان حافظًا إمامًا، روى عنه من هو أقدم منه عمرو بن دينار، وكان موسى بن عقبة يحكي عنه وهو من أقرانه. وقال ابن عبد البرّ: كان كثير الحديث، ثقة، حجة فيما حمل، وقال يعقوب: صالح ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: صالح أحب إلي من عَقِيل لأنه حِجازيٌّ، وهو أسن، رأى ابن عمر، وهو ثقة يُعَدُّ في التابعين، وقال النّسائي وأبو خِراش ثقة، وقال الواقِدِي: كان ثقة كثير الحديث، رأى ابن عمر، وابن الزبير، وقال ابن مَعِين: إنه سمع منهما.
روى عن: سليمان بن أبي خَيْثَمَة، وسَالم بن عبد الله بن عمر، وعُبيد الله بن عبد الله، وعُروة بن الزبير، والزُّهري، وأبي الزِّناد، ونافع مولى ابن عُمر، وغيرهم.
وروى عنه مالك، وابن إسحاق، وابن جُرَيج، ومَعْمَر، وحَمّاد بن زَيد، وابن عُيينة، وغيرهم.
قال الوَاقِديّ: مات بعد الأربعين ومئة. وقيل: مَخْرَجَ محمَّد بن عبد الله بن حسن.
وقال الحاكم: مات صالح بن كَيْسان وهو ابن مئة ونيف وستين سنة، وكان قد لَقِي جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك تَلَمَّذَ
стр. 371
للزُّهري، وتَلَقَّن عنه العلم، وهو ابن سبعين سنة، ابتدأ بالتعليم وهو ابن سبعين سنة، قال ابن حَجَر: هذه مجازفة قبيحة مقتضاها أن يكون صالح ابن كَيْسان ولد قبل بِعْثة النبيِّ ﷺ ، وما أدري من أين وقع ذلك للحاكم؟ ولو كان طلب العلم كما حدده الحاكم، لكان قد أخذ عن سعد بن أبي وقّاص، وعائِشة، وقرأت بخط الذَّهَبي: الذي يظهر لي أنه ما أكمل التِّسعين، ووقع في صحيح البخاري في كتاب الزكاة: صالح أكبر من الزُّهري، أدرك ابن عُمر وليس في الكتب الستة صالح بن كَيْسان سواه، وأما صالح فنحو خمسة وخمسين.
ورواية صالح عن الزُّهري من رواية الأكابر عن الأصاغر، لأن صالحًا أكبر من الزُّهري سنًّا كما مر، وهو نوع لطيف، وفائدته الأمن من ظن الانقلاب، وتنزيل أهل العلم منازِلهم، والأصل فيه رواية النبي ﷺ في خطبته خبر الجَسّاسة عن تَميم الدّاريّ كما في مسلم، وفي أبي داود من حديث عائشة ﵂: "أنْزِلُوا الناس منازِلَهم" وهو على أضْرُب: أن يكون الشيخ أصغر سنًّا وطبَقةً، وهما متلازمان غالبًا كرواية كل من الزُّهري ويحيى بن سَعيد الأنصاري عن تلميذهما الإِمام مالك بن أنس، وكرواية أبي القاسم عُبيد الله بن أحمد الأزْهَرِي عن تلميذه الحافظ أبي بكر الخطيب، وكان إذ ذاك شابًّا.
والضَّرْب الثاني: أن يكون أصغر منه في القَدْر دون السن، كرواية مالك وابن أبي ذِئْب عن شيخهما عبد الله بن دينار وأضرابه.
والثالث: أن يكون أصغر منه فيهما، كرواية كثير من الحفاظ والعلماء عن تلامذتهم، كعبد الغَني بن سعيد، عن محمد بن عَلي الصُّوريِّ، ومن الضرب الثالث رواية الصحابة عن التابعين، كرواية عدة منهم العبادلة الأربعة، وعمر، وعلي، وأنس، ومُعاوية عن كعب الأحبار.
وإلى هذه الأنواع أشار العراقيُّ بقوله:
стр. 372
وقَدْ رَوَى الكبيرُ عنْ ذي الصِّغَرِ ... طبقةً وسنًّا أوْ في القَدَرِ
أوْ فِيهما ومِنه أخْذُ الصَّحْبِ ... عن تابعٍ كَعِدَّةٍ عَن كَعْبِ
والغِفَاريُّ في نسبه نسبةً إلى بني غِفار ككِتاب قبيلة من كِنانة، وهم بنو غِفار بن مُلَيل بن ضَمْرة بن بَكر بن عبدِ مَناة رَهْط سيدنا أبي ذرٍّ الغِفاري ﵁، ومنهم إيماء بن رخصة، وأبو بصرة الغفاري اسمه جميل وبنته عَزَّة صاحبة كُثَيِّر، وابن أبي اللحم، وأبو رَهْم، وغيرهم، خاتمة أحاديثه ستة أو سبعة باعتبار عَدِّ حديث جابر حديثًا مستقلًا.
قلت: وهذا أيضا على عدم اعتبار المتابعات والروايات، وإلا فهي أكثر من سبعة.
стр. 373
٢ - كتاب الإِيمان
لما كان باب "كيف كان بدء الوحي" كالمقدمة في أول الجامع، لم يذكره بالكتاب، بل ذكره بالباب، ثم شرع يذكر الكتب على طريقة أبواب الفقه، وقدم كتاب "الإِيمان" لأنه ملاك الأمر كله، إذ الباقي مبنيٌّ عليه، مشروطٌ به، وبه النجاة في الدارَين، ثم أعقبه بكتاب "العلم" لأن مدار الكتب التي تأتي بعده كلها عليه، وبه تعلم، وتميز، وتفصل، وإنما آخره عن "الإِيمان" لأن الإِيمان أول واجب على المكلف، ولأنه أفضل الأمور وأشرفها على الإِطلاق، وكيف لا وهو مبدأ كل خير علمًا وعملًا، ومنشأ كل كمال دِقًّا وجِلًّا، وقدم باب "الوحي" عليه لأن باب الوحي كالمقدمة في أول الجامع، ومن شأنها أن تكون إمام المقصود، ولأن الإِيمان وجميع ما يتعلق به يتوقف عليه، وشأن الموقوف عليه التقديم، أو لأن الوحي أول خير نزل من السماء لهذه الأمة، ثم ذكر بعد ذلك كتاب "الصلاة" لأنها تالية الإِيمان، وثانيته في الكتاب والسنة، ثم أعقبها بـ "الزكاة" لأنها ثالثة الإِيمان، وثانية الصلاة فيهما ثم أعقبها "بالحج" لأن العبادة إما بدنية محضة، أو مالية محضة، أو مركبة منهما، فرتبها على هذا الترتيب، والمفرد مقدم على المركب طبعًا، فقدمه أيضا وضعًا ليوافق الوضعُ الطبعَ، ثم أعقب الحج بـ "الصوم" لكونه مذكورًا في الحديث المشهور مع الأربعة المذكورة، وفي وضع الفقهاء الصوم مقدم على الحج نظرًا إلى كثرة دورانه بالنسبة إلى الحج، وفي بعض النسخ يوجد كتاب "الصوم" مقدمًا على كتاب "الحج" كأوضاع الفقهاء.
واختلفت الروايات في تقديم البسملة على كتاب أو تأخيرها، ولكل وجه، والأول ظاهر، ووجه الثاني وعليه أكثر الروايات أن جعل الترجمة قائمة مقام تسمية السورة، والأحاديث المذكورة بعد البسملة كالآية مستفتحة بالبسملة.
و"كتاب" خبر مبتدأ محذوف أي: هذا كتاب الإِيمان، ويجوز نصبه
стр. 374
على هاك كتاب الإِيمان، أو خذ، وكتاب في الأصل مصدر، يقال: كَتَب يَكتُب كتابةً وكتبًا، ويجوز أن يكون بمعنى المكتوب كالحساب بمعنى المحسوب، ومادة كتب في جميع تصرفاتها دالة على الجمع والضم، ومنها الكَتِيبة وهي الجيش لاجتماعِ الفرسان فيها، وكتبتُ القربة: إذا خَرَزْتها، وكتبتُ البغلة: إذا جمعت بين شَفْريها بحلقةٍ أو سير، قال الشاعر:
لا تأمَنَنَّ فَزَاريًا خَلَوْتَ بهِ ... عَلَى قُلُوصكَ واكْتُبها بِأسْيارِ
وكتّبتُ الناقة تكتيبًا: إذا صررتها، واستعملوا الكتابَ فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والضم فيه بالنسبة إلى المكتوب من الحروف حقيقة، وبالنسبة إلى المعاني المرادة منه مجاز.
و"الإِيمان" بكسر الهمزة، وهو لغةً: التصديق، وشرعًا: تصديق الرسول ﵊ في كل ما عُلِمَ مجيئُه به بالضرورة، تصديقًا جازمًا مطلقًا، وهو مشتق من الأمن، كأنَّ حقيقة آمن به: أمِنَه التكذيبَ والمخالفة، يتعدى باللام، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي: مصدق لنا، ويتعدى بالباء كما في قوله ﵊: "الإِيمان أن تُؤمِنَ بالله" الحديث وحقيقة التصديق: الإِذعان لحكم المخبر، وقَبُوله، وجعله صادقًا، فليس حقيقته أن يقع في القلب نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقَبُول، بل هو إذعان وقَبول لذلك، بحيث يقع عليه اسم التسليم، وإلا لم يكن تصديقًا، لأن بعض الكفّار كانوا عالمين برسالة النبي ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] وفِرْعَون كان عالمًا برسالة موسى ﵇، لقوله تعالى إخبارًا عن مخاطبته ﵇ له: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢] ومع هذا العلم والتصديق، لم يكونوا مؤمنين، وقولهم في الحد: بالضرورة، التقييدُ به لإِخراج ما لا يُعْلَمُ بالضرورة أن الرسول ﵊ جاء به، كالاجتهاديّات، كالتصديق بأنّ الله تعالى
стр. 375
عالم بالعلم، أو عالم بذاته، والتصديق بكونه مرئيًّا أو غير مرئي، فإن هذين التصديقين وأمثالهما غير داخلة في مسمى الإِيمان، فلهذا لا يَكْفُرُ منكر الاجتهاديات بالإِجماع، والتقييد بالجازم لإِخراج التصديق الظنيّ فإنه غير كافٍ في حصول الإِيمان، وقولهم فيه: مطلقًا أي: سواء كان لدليل أم لا، وقُيِّدَ بالإطلاق لدفع وَهْم خروج اعتقاد المقلد، فإن إيمانه صحيحٌ عند الأكثرين، وهو الصحيح، وتعبيرهم بمجرد التصديق، إشارة إلى أنه لا يُعتبر فيه كونه مقرونًا بعمل الجوارِح، ويأتي ما في ذلك من الخلاف قريبًا إن شاء الله تعالى، واقتصاره ﵊ في حديث جبريل الآتي على الإِيمان بالله وملائكته إلخ، ولم يَزِد الإِيمان بكل ما جاء به الرسول، إنما هو لاشتمال الإِيمان بالكتب عليه، لأن من جملتها القرآن، وفيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فدل على وجوب اعتقاد كل ما جاء به، والعمل به. ثم قال:
١ - باب قول النبي ﷺ "بني الإِسلام على خمس "
وسقط لفظ باب من رواية الأصِيلِيّ، وقد وصل الحديث بعدُ تامًا، والإِسلام لغة الانقياد والخضوع، ولا يتحقق ذلك إلا بقَبُول الأحكام، والإذعان، وذلك حقيقة التصديق كما مر، قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦] فالإيمان لا ينفك عن الإِسلام حكمًا، فهما مُتَّحدان في التصديق، وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإِيمان تصديق القلب، ومفهوم الإِسلام أعمال الجوارح، فلا يَصِحُّ في الشرع أن يُحْكَمَ على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا، ومن أثبت التغاير فقد يقال له: ما حكم من آمن ولم يُسلم، أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا ليس بثابت للآخر، فقد ظهر بطلان قوله، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] صريح في تحقيق الإِسلام بدون الإِيمان، فالجواب: إن المراد أنهم انقادوا في الظّاهر دون
стр. 376
الباطن، فكانوا كمن تَلَفَّظَ بالشهادتين، ولم يُصدِّق بقلبه فإنه تجري عليه الأحكام في الظاهر، ثم قال المصنف: "وهو قولٌ وفِعلٌ. ويَزيدُ ويَنقُصُ"، وهو أي: الإِيمان، وفي رواية الكُشْميهَنيّ "قول وعمل"، وهو اللفظ الوارد عن السلف الذين اطلقوا ذلك.
والكلام هنا في مُقامين، أحدهما: كونه قولًا وعملًا، والثاني: كونه يزيد وينقُص، فأما القول، فالمراد به النُّطْق بالشهادتين، وأما العمل، فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح، ليدخل الاعتقاد والعبادات، ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإِيمان، ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقادٌ بالقلب ونطقٌ باللسان، وعملٌ بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن نشأ لهم القول بالزيادة والنُّقصان، كما يأتي، والمُرْجِئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط، والكرّاميَّةُ قالوا: هو نُطق فقط، وذهبت الخوارج وكثير من المعتزلة إلى أنه العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله، وهذا كله بالنظر إلى ما عند الله تعالى، كما قلنا، أما بالنظر إلى ما عندنا، فالإِيمان هو الإِقرار فقط، فَمَن أقَرَّ أُجْريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يُحْكم عليه بكفر، إلا إذا اقترن به فِعلٌ يدل على كفره، كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدلُّ على الكفر، كالفسق، فمن أطلق عليه الإِيمان، فبالنظر إلى إقراره، ومن نَفَى عنه الإِيمان، فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكُفر فبالنظر إلى أنه فعل فعل الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته.
وأثبت المُعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر.
وقال النَّوَوِيُّ: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين أن المؤمن الذي يُحْكَم بأنه من أهل القِبلة، ولا يُخَلَّد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإِسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القِبلة
стр. 377
أصلًا، بل يخلد في النار، إلا أن يعجِز عن النطق لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنِيَّة، أو غير ذلك، فإنه حينئذ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ، وقد مر أن الإِيمان هو تصديق الرسول إلخ .. ، وهو الذي قال به جمهِور المحققين من المتأخرين، ومنهم الأشعرية وأكثر الأئمة كالقاضي مُحْتَجِّين بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وقوله ﵊: "اللهمَّ ثَبِّتْ قلبي على دينِكَ" فالإِيمان إنما هو التصديق بالقلب، والإِقرار شرطٌ لإِجراء الأحكام في الدنيا، كما أن التصديق بالقلب أمر باطن لا بد له من علامة، ولذا قال النَّويُّ ما مر عنه.
وأما المُقام الثاني فذهب السلف إلى أن الإِيمان يزيد ويَنْقُص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين، وقالوا متى قَبِلَ ذلك كان شكًّا، قال الشيخ محيي الدِّين: والأظهر المُختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان أبي بكر أقوى من إيمان غيره، بحيث لا تعتريه شبهة، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، ولا شَكَّ أن حق اليقين أقوى من عين اليقين، وعين اليقين أقوى من علم اليقين، وقد قال علي: لو كُشِفَ الغطاء ما زادني يقينًا، وجه الدلالة منه هو أن نفي الشيء فرع ثبوته، وما نُقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في "مصنفه" عن سفيان الثَّورِيّ، ومالِك، والأوْزَاعي، وابن جُرَيج، ومَعْمر، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم، ونَقله أبو القاسم اللّالَكَائيّ في كتاب "السنة" عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق بن رَاهَوَيه، وروى بسندِه الصحيح عن البُخَاريّ، قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم يختلفُ في أن الإِيمان قول وعمل، ويزيد وينقُص، وأطْنَبَ ابن أبي حاتم والّلالَكَائيّ في نقل ذلك بالأسانيد عن جمع كثير من الصّحابة والتابعين، وكل من يدور عليه الإِجماع منهم، وأخرج الخلال
стр. 378
في كتاب "السنة" أن الشافعي وأحمد استدلّا على أن الأعمال تدخل في الإِيمان بآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] قال الشّافعي: ليس عليهم أحج من هذه الآية، وأخرج الحاكم، في "مناقب الشافعي" عن الرَّبيع قال: سمعت الشَّافعي يقول: الإِيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. وأخرجه أبو نعيم في ترجمة الشّافِعِي من "الحِلْية" من وجه آخر عن الربيع، وزاد: يزيد بالطّاعة، وينقُص بالمعصية، ثم تلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وكونه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، لم يخالف فيه أحد، وما رُوِي عن مالك من أنه توقف عن القول بنقصانه، إنما هو خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج، ثم استدل المصنف على زيادة الإِيمان بثماني آيات من القرآن العظيم، مُصَرِّحة بالزيادة، وبثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة.
قال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] وفي رواية: "وقال" بالواو، وهذه الآية في سورة الفتح، وقال تعالى في سورة الكهف: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] أي: بالتوفيق والتثبيت، وهذه الآية ساقطة في بعض الروايات.
وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] وفي رواية "يزيد الله" بإسقاط الواو، هدى أي: بتوفيقه، وهذه الآية في مريم.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] أي: بين لهم ما يتقون، أو أعانهم على تَقْواهم، أو أعطاهم جزاءَها، وهذه الآية في القتال.
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] أي: بتصديقهم بأصحاب النار المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ وهذه الآية في المدثر.
وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾
стр. 379
[التوبة: ١٢٤] أي: بزيادة العلم الحاصل من تدبرها، وبانضمام الإِيمان بها، وبما فيها إلى إيمانهم، وهذه في سورة براءة.
وقولُه جلّ ذكرُه: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣] أي لعدم التفاتهم إلى من ثَبَّطَهم عن قتال المشركين، بل ثبت يقينهم بالله، وازداد إيمانهم، قال البيضَاوي: وهو دليل على أن الإِيمان يزيد وينقص، وهذه في آل عمران.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] أي لما رأوا الخطب أو البلاء في قصة الأحزاب، لم يزدهم ذلك إلا إيمانا بالله ومواعيده، وتسليمًا لأوامره ومقاديره.
ثم استدل المؤلف أيضًا على قَبُول الزيادة بقوله: "والحُبُّ في الله والبُغض في الله مِنَ الإِيمان" الحب مبتدأ خبره من الإِيمان، وجه الاستدلال به هو أن الحب والبغض يتفاوتان، وهما من الإِيمان، فتكون الزيادة والنقص في الإِيمان، وهذا التعليق لفظُ حديث أخرجه أبو داود من حديث أبي ذَرٍّ وأبي أُمَامة، ولفظ أبي ذَرٍّ: "أفضَلُ الأعمالِ الحُبُّ في الله والبُغض في الله" ولفظ أبي أُمامة: "مَنْ أحَبَّ لله وأبغَضَ لله وأعطى لله ومَنَعَ لله فَقَدِ استكمَلَ الإِيمانَ" وللتِّرمِذي من حديث مُعاذ بن أنَس نحو حديث أبي أُمامة، وزاد أحمد فيه: "ونَصَحَ لله" وزاد في أخرى "ويَعْمَل لِسانُهُ في ذكر الله" وله عن عمرو بن الجَمُوح: "لَا يَجدُ العبد صَريحَ الإِيمانِ حتّى يُحِبّ لله ويُبْغِض لله" ولفظ البراء عند ابن أبي شَيبَة "أوْثَقُ عُرى الإِيمان الحُبّ في الله والبُغضُ في الله" وقوله: "الحُبّ في الله" كلمة في أصلها للظرفية، ولكنها هنا للسببية، أي: بسبب طاعة الله تعالى، ومعصيته، كقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢] وقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤] وقوله ﵊: "دَخَلتِ امرأة النَّار في هِرَّة" أي: بسبب هرة.
стр. 380
ثم ذكر المؤلف ستة آثار معلقة كلها بصيغة الجزم الدالة على صحتها.
الأول: وكتبَ عمر بن عبد العزيز إلى عَدِيّ بن عَدِيّ: إنَّ للإِيمان فَرائضَ وشرائعَ وحُدودًا وسُنَنًا، فمَنِ استكملها استكمَل الإِيمان، ومَنْ لم يستكملها لم يَسْتَكْمِل الإِيمان" فإن أعِش فسأُبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمُت فما أنا على صُحْبَتِكم بحريص.
وقوله: "إن للإِيمان" كذا ثبت في معظم الروايات باللام، و"فرائض" بالنصب على انها اسم إن، وفي رواية ابن عساكر: "فإن الإِيمانَ فرائضُ" على أن الإِيمان اسم إن، وفرائض خبرها.
وقوله: "وشرائع" أي عقائد دينية.
وقوله: "وحُدودًا" أي منهيات ممنوعة.
وقوله: "وسُنَنًا" أي مندوبات.
وقوله: "فإن أعِش فَسَأبيِّنُها لكُم" أي: أبين تفاريعها لا أصولها، لأن أصولها كانت معلومة لهم، مجملة، وليس في هذا تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن الحاجة هنا لم تتحقق، والغَرَض من هذا الأثر أن عمر بن عبد العزيز كان ممن يقول: إن الإِيمان يزيد وينقص، حيث قال: استكمل ولم يستكمل، فالمراد هنا أنها من المكمِّلات، لأن الشارع أطلق على مكملات الإِيمان إيمانا.
والتعليق المذكور وصله أحمد بن حَنْبل، وأبو بَكر ابن أبي شَيْبة في كتاب الإِيمان لهما، من طريق عيسى بن عَاصم، وأخرج أبو الحسن عبد الرحمن بن عُمر بن يزيد رُسْتَه في كتاب الإِيمان تأليفه بإسناد صحيح.
ورجاله اثنان:
الأول: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن
стр. 381
أميّة بن عبد شمس الأُمَوي القُرَشي المدني ثم الدِّمَشقي، أمير المؤمنين، الإِمام العادل، أحد الفقهاء الرّاشدين، أمه أم عاصم حفصةُ بنت عاصم ابن عُمر بن الخطاب.
قال ابن سعد: ولد سنة ثلاث وستين، وكان ثقة مأمونا، له فقه وعلم وورع، وروى حديثًا كثيرًا، وكان إمام عَدْلٍ. وقال عبد الله بن داود: ولد مَقْتَل الحُسين سنة إحدى وستين.
وذكر سَعيد بن عُفير أنه كان أسمر دقيق الوجه، نحيف الجسم، حسن اللحية، بجبهته أثر نَفْحَة دابَّةٍ، قد وَخَطَه الشيب، وقال ضَمْرَةُ بن رَبِيعة: حدثنا أبو علي ثَرْوان مولى عمر بن عبد العزيز أنه دخل اصْطَبْل دوَابِّ أبيه وهو غلامٌ فضربه فرسٌ فَشَجّه، فجعل أبوه يمسح عنه الدم، ويقول: إن كنت أشَجّ بني أمية إنك لسعيد.
ورُوِي عن الضّحاك بن عثمان، أن عبد العزيز بن مروان ضم ابنه عُمر إلى صالح بن كَيْسان، فلما حجّ أتاه، فسأله عنه، فقال: ما خَبَرْتُ أحدًا الله أعظم في صدره من هذا الغلام.
وقال داود بن أبي هِنْد: دخل علينا عُمر بن عبد العزيز من هذا الباب، فقال رجل من القوم: بَعَثَ إلينا الفاسقُ بابنه هذا يتعلم الفرائض والسُّنن، ويزعم أنه لن يموت حتى يكون خليفةً، ويسير سيرة عمر بن الخطاب، قال داود: فوالله ما مات حتى رأينا ذلك فيه.
وقال مَالِك بن أنَس: كان سعيد بن المُسِّيب لا يأتي أحدًا من الأمراء غيره. وقال مجاهد: أتيناه نُعَلِّمُه فما بَرحْنا حتى تعلَّمنا منه. وقال مَيْمون ابن مِهران: ما كانت العلماء عند عُمر بن عبد العزيز إلا تلامذةً. وقال ايوب: لا نعلمُ أحدًا ممن أدْرَكنا كان آخَذَ عن رسول الله ﷺ منه، وقال أنس: ما رأيت أحدا أشبه صلاةً برسول الله ﷺ ، من هذا الفتى، وقال محمد بن علي بن الحسين: لكل قوم نَجِيبةٌ ونجيبةُ بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه يُبْعث يوم القيامة وحده، وروي عن رَباح بن عُبيدة،
стр. 382
قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة، وشيخ يتوكأ على يده، فسألته، فقال: رأيتَهُ؟ قلت: نعم، قال: ما أحسِبُك إلَّا رَجُلًا صالحًا، ذلك أخي الخَضِر، أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة، وأني سأُساعَدُ فيها، وقال ابن عَوْن: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة قام على المنبر، فقال: أيها الناس، إن كرهتموني لم أقُم عليكم، فقالوا: رضينا، فقال ابن عون: الآن قد طاب الأمر، ولما ولي الخلافة سُمِع صوت لا يُدْرى قائله يقول:
مِن الآن قَد طابَتْ وقَرَّ قَرَارُها ... عَلَى عُمَر المَهدِيِّ قَامَ عَمُودُها
وهو أول من اتَّخَذ دار الضيافة، وفرض لابن السبيل، وأزال ما كانت بنو أمية تذكر به عليًّا على المنابر، وجعل مكانه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الآية، وكتب إلى عماله أن لا يُقَيِّدوا مسجونًا بقيدٍ فإنه يَمْنعُ من الصلاة، وكتب إليهم: إذا دعتكم قدرتكم على الناس إلى ظلمهم، فتذكروا قدرة الله تعالى عليكم، ونَفَاد ما تأتون إليه، وبقاء ما يأتي إليكم من العذاب بسببهم، وكتب إلى عامله عَدِيِّ بن أرطأة بالبَصْرة: عليك بأربع من السنة فإن الله تعالى يُفْرِغُ فيها الرحمة إفراغا: أول ليلةٍ من رِجب، وليلة النصف من شعبان، وليلتا العيد.
ولما امتنع من الخِلافة، وخطب على الناس بذلك، ولم يرضَوا سواه، خطبهم كلى المِنبر، فقال: أيُها الناس، إني لا أعطي أحدًا باطلًا، ولا أمنع أحدًا حقًا، أيها الناس، من أطاع الله وجَبَت طاعته، ومن عصى الله وجَبَت معصيتُهُ، أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، ثم نزل دار الخلافة، وهتك السُّتور، وأمر ببيعها، وجعل ثمنها في بيت المال، ثم ذهب لِيَقِيل، فقال له ولده عبد الملك: يا أبت ما تريد أن تصنع؟ قال: أي بُنَيّ، أقيل. قال: تَقِيلُ ولا تَرُدُّ مظالم المسلمين؟ قال: بنيَّ إني سهرت البارحة في أمر عمك سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم، فقال: يا أمير المؤمنين، من أين لك أن تعيشَ إلى الظهر؟ قال: ادنُ مني، فدنا منه، فقبله، وقال: الحمدُ لله
стр. 383
الذي أخرج مني من يُعينُني على ديني، فخرج وأمر مناديًا ينادي: من له مظلمة فَلْيرفعها، فأتاه ذِمِّيٌّ من أهل حمص، وقال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله، قال له: وما ذاك؟ قال له: إن العبّاس بن الوَليد اغتَصَبنِي أرضي، وكان العبّاس حاضرًا، فقال له: ما تقول يا عباس؟ قال له: إن الوليد أمير المؤمنين اقتطعها لي، وهذا كتابه، فقال للذِمّي: ما تقول؟ قال: أسألك كتاب الله؟ فقال: كتاب الله أحق أن يُتَبَع من كتاب الوليد، فردها عليه، ثم جعل لا يَدَع شيئًا مما كان بأيدي أهل بيته من المظالم إلَّا رَدّه مظلمةً مظلمةً، ولما استُخْلِف قُوِّمَت ثيابه وما يتعلق به من الملبوس فعدل اثني عشر درهمًا.
وحدث سليمان بن دَاود أن عَبدَة بن أبي لُبابة بعث معه بدراهم ليفرِّقها في فقراء الأمصار، قال: فأتيتُ الماجشُون، فسألته، فقال: ما أعلم أن فيهم اليوم محتاجا، أغناهُم عمرُ بن عبد العزيز. وقال البُخاريُّ: قال مالك، وابن عيينة: عمر بن عبد العزيز إمام. ورُوِي عن فاطمة بنت عبد الملك أنها قالت: ما اغتسل عُمر رضي الله تعالى عنه منذ وَلِي الخلافة لا من حُلُم ولا من جَنَابة، نهارُه في أشغال الناس وردِّ المظالم، وليله في عبادة ربه، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذه الأبيات:
نَهارُكَ يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وغَفْلةٌ ... ولَيلُك نَوْمٌ والرَّدى لَكَ لازمُ
يَغُرُّكَ مَا يَفْنَى وتَفْرَحُ بالمُنى ... كَمَا غَرَّ بالَّلذات في النَّومِ حَالِمُ
وشُغلُكَ فيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ ... كذلك في الدُّنيا تَعِيش البَهائمُ
ولما وُضِعَ في قبره هَبَّت ريح شديدة، فسقطت منها صحيفة مكتوبة بأحسن خطٍّ فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، براءة من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار، فأخذوها ووضعوها في أكفانه، وقيل: سبب البراءة هو أنه وقع في زمانه غلاءٌ عظيمٌ، فقدم عليه وفد من العرب، فاختاروا رجلًا منهم لِخِطابِه، فتقدم إليه، وقال: يا أمير المؤمنين، إنا وفدنا إليك
стр. 384
من ضرورة عظيمةٍ في بيت المال، ومالُه لا يخلو إما أن يكون لله، أو لِعباده، أو لك، فإن كان لله فهو غنيٌّ عنه، وان كان لعباده فآتِهم إياه، وإن كان لك فتصدَّق به علينا، إن الله يُجْزي المتصدقين، فتغرغرت عينا عمر وقال: هو كما أمرت، وأمر بقضاء حوائجهم، فقُضِيت، وهَمَّ الأعرابيُّ بالانصراف، فقال له عمر: أيها الرجل، كما أوصلت حوائج عباد الله إليّ، فأوصل حاجتي وارفع فاقتي إلى الله تعالى، فقال الأعرابي: إلهي اصنع بعُمَر بن عبد العزيز كصنيعه في عبادك، فما استَتَمَّ كلامه حتى ارتفع غيمٌ عظيمٌ، وأمطرت السماء مطرًا كثيرًا، فجاء في المطر بَرَدَةٌ كبيرةٌ، فوقعت على جرّة، فانكسرت، فخرج منها كغدٌ مكتوبٌ فيه: هذه براءةٌ من الله العزيز الجبار لعمر بن عبد العزيز من النار.
يقال: إنه شدد على أقاربه، وانتزع كثيرًا مما في أيديهم، فتبرَّموا به، وسمّوه، ويروى أنه دعا بخادمه الذي سمه، وقال له: وَيْحَك ما حملك على أن سقيتني السُّم؟ قال: ألف دينار أُعطِيتها، قال: هاتِها، فجاء بها، فوضعها في بيت المال، وقال لخادمه: اخرُج بحيث لا يراك أحدٌ.
وكان لا يأخذ من بيت المال شيئًا، وقيل له: إن عمر بن الخطاب كان يأخذ درهمين، فقال: إن عمر لم يكن له مال، وأنا مالي يُغنيني.
واشتَرَى قبره بدَيْر سمعان من صاحبه بأربعين درهمًا، وكان مرضه تسعة أيام، ومات بدَيْر سمعان يوم الجمعة لخمس ليال بقين من رجب سنة إحدى ومئة.
تولى الخلافة سنة تسع وتسعين، ومدة خلافته سنتان وخمسة أشهر كخلافة أبي بكر الصّديق ﵁، وأوصى أن يُدْفَن معه شيء كان عنده من شعر النبي ﷺ وأظفاره، وقال: إذا مُتُّ فاجعلوه في كفني، ففعلوا ذلك، ودَيْر سمعان هو المعروف بدَير النَّقيرة من عمل مَعَرَّة النُّعمان، فقبره هو هذا المشهور هُناك، ولما جاء نعُيه قال الحسن
стр. 385
البصري: مات خير الناس.
روى عن: أنَس، والسّائب بن يزيد، وعبد الله بن جَعفر، ويوسف ابن عبد الله بن سلّام، وخولة بنت حَكِيم. مرسل، واستوهب من سَهْل ابن سعد قدحًا شرب فيه النبيُّ ﷺ ، وروي عن عُروة بن الزُّبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والربيع بن سَبْرَة الجُهَنِيِّ، وعدة.
وروى عنه: أبو سَلَمَة بن عبد الرحمن وهو من شيوخه، وابناه عبد الله وعبد العزيز، وأخوه زَبّان بن عبد العزيز، وابن عمه مَسْلَمَةُ بن عبد الملك ابن مروان، والزُّهْريُّ، وأبو بكر محمَّد بن عُمر بن حَزْم، وأيوب السَّخْتِياني، وعَنْبَسةُ بن سعيد بن العاص، وآخرون.
والأُمَويُّ في نسبه نسبةً إلى أُمَيَّةَ، ومر الكلام عليه في تعريف شُعيب ابن أبي حمزة، وليس له في البُخاري سوى حديث واحد رواه في الاستقراض من حديث أبي هُريرة في الفلس.
وفي الرواة عمر بن عبد العزيز بن عِمْران بن مِقْلاص روى له النَّسائي، وفيهم في غير الستة عمر بن عبد العزيز الأنصاري مولى زيد بن ثابت، روى عنه أبو داود في المراسيل، وفيهم عمر بن عبد العزيز مولى بني هاشم، روى له الخطيب، وأما عمر فكثير لا يُحصى.
تنبيه: قال الإِمام أحمد بن حنبل يُروى في الحديث "إن الله يبعثُ على رأس كل مئة عام مَن يُصَحِّح لهذه الأمة دينَها" فنظرنا في المئة الأولى. فإذا هو عمر بن عبد العزيز.
قال النووي: في "تهذيب الأسماء" حمله العلماء في المئة الأولى على أنه عمر، وفي الثانية على أنه الشافعي، وفي الثالثة على ابن شُرَيح، وقال الحافظ ابن عساكر: هو أبو الحسن الأشعري، وفي الرابعة على ابن أبي سَهْلٍ الصُّعْلُوكيّ، وقيل: القاضي الباقِلّاني، وقيل: أبو حامد الإِسْفَراييني، وفي الخامسة على الغزّالي.
стр. 386
قال الكِرْماني: لا مطمح لليقين فيه فللحنفِيّة أن يقولوا: هو الحسن ابن زياد. في الثانية، والطَّحاوي في الثالثة، وأمثالهما، وللمالكية: إنه أشهب في الثانية، وهلم جرا، وللحنابلة: إنه الخلّال في الثالثة، والزاغوني في الخامسة، إلى غير ذلك، وللمحدثين إنه يحيى بن مَعِين في الثانية، والنّسائي في الثالثة، ونحوهما، ولأولي الأمر: إنه المأمون، والمُقتدر، والقادر، وللزُّهَاد: إنه معروفٌ الكَرْخِيُّ في الثانية والشِّبْليُّ في الثالثة، ونحوهما، وإن تصحيح الدين متناول لجميع أنواعه، مع أن لفظة "من" تحتمل التعدد في المصحح، وقد كان قبيل كل مئة مَنْ يصحح ويقوم بأمر الدين، وإنما المراد من انقضت وهو حيٌّ عالم مُشار إليه.
الثاني: عديُّ بن عَدِي -بفتح العين فيهما- ابن عَمِيرة -بفتح العين- ابن فَرْوة بن زُرَارة بن الأرْقَم بن النُّعمان بن عَمرو بن وَهْب بن رَبيعة بن الحارِث بن عَدِيّ بن رَبيعة بن مُعَاوية الكِنْدِيُّ أبو فَرْوَةَ الجَزَرِيُّ التابعيُّ.
قال البخاري: عَدِي بن عَدِي سيد أهل الجزيرة، وقال ابن سعد: كان ناسكًا فقيها، وهو صاحب عمر بن عبد العزيز، وولي الجزيرة وأرْمِينيةَ وأذْربيجان لسليمان، وكان ثقةٌ إن شاء الله. وقال عبد الله بن أحمد: لا يُسألُ عن مثله، وقال ابن معِين، والعِجليُّ، وأبو حاتم: ثقة. وعن مَسلَمَة بن عبد الملك قال: إن في كِندةَ لثلاثة إنَّ الله لَيُنَزِّلُ بهمُ الغيثَ وينصرُ بهم على الأعداء: رَجاءُ بن حَيْوة، وعُبَادة بن نُسَي، وعَدِيُّ بن عَدِي. وقال عبد الله بن أحمد، عن أحمد: لا يُسأل عن مثله. وقال ابن سعد: كان على قضاء الجزيرة أيام عمر بن عبد العزيز.
وقد فَرَّق غيرُ واحد، منهم ابن حبان، بين عَدِيّ بن عدي الكِندي الذي روى عنه أبو الزُّبير، وبين صاحب هذه الترجمة، والله تعالى أعلم.
روى عن: أبيه، وعمه العُرس بن عَميرة وهما صحابيان، وأبي عبد الله الصُّنابِحي، ورجاء بن حَيْوة، والضّحاك بن عبد الرحمن بن عَرْزَب.
стр. 387
وروى عنه: أيوب، وجَرير بن حازِم، وأبو الزُّبير، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، ومَيْمُون بن مهْران الجزَريّ وغيرهم.
روى له: أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجة، وليس في "الصحيحين" و"الترمذي" شيء له.
مات سنة عشرين ومئة.
والكِندِيُّ في نسبه نسبةً إلي كِندة بكسر الكاف على المشهور، قال في "تاج العروس": قال شيخنا: ورأيتُ من ضَبَطَه بالفتح أيضًا في كتب "الأنساب" قال: وسمعت أهل عُمان والبَحْرين الكِنْدِيّين، يقولون كُنْدة بالضم، وهو لقب ثَوْر بن عُقَير بن عَدِيّ بن الحارث بن مرة بن أُدَد أبو حيّ من اليمن، وقال الهَمْداني: هو ثَوْر بن مُرْتع بن معاوية، وقيل: ثَوْر ابن عُبَيد الحارث بن مُرَّة، ونقل عن العباب: ثور بن عَنْبس بن عَدِيّ، وفي "روض" السُّهَيْلي: إن كِندة بنو ثَوْر بن مُرْتَع بن أُدَد بن زَيْد، ويقال: إنهم بنو مُرْتَع بن ثَوْر، وقد قيل: إن مُرْتعًا هُو ثور، وكندةُ أبوه. وقال ابن خلكان: إن مُرْتعًا كمُحْدث هو والد ثَوْر، وإن ثَوْر بن مُرْتع هو كِندة، وفي "الصحاح" هو كندة بن ثَوْر، قال شيخنا: والذي جزم به أكثر شراح "الحماسة" و"ديوان امرئ القيس" أن ثورًا ولد كندة لا لقبه، قال ابن دُرَيد: سمي به لأنه كَنَدَ أباه النعمة، ولحق بأخواله. قيل: أصله من قولهم أرض كنود، أي: لا تنبت شيئًا، وقيل: لكونه كان بخيلًا، وقيل: لأنه كَنَدَ أباه أي: عَقَّه.
والجَزَري في نسبه نسبةً إلى الجزيرة واحدة جزائر البحر، سميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض، والجزيرة أرض بالبصرة ذات نخيل، بينها وبين الأُبُلَّةِ وجزيرة قُور -بضم القاف- وهو ما بين دجلة والفرات، وبها مدن كبار، ولها "تاريخ" ألّفَهُ الإِمام أبو عَرُوبة الحَرّاني، وإذا أطلقت الجزيرة ولم تُضف إلى العرب فإنما يُراد بها هذه.
стр. 388
وهذا الأثر مع كونه معلقًا يسمى مقطوعًا، فالمعلق مر الكلام عليه في الرابع، والمقطوع هو قول التابعي وفعله إذا خلا عن قرينة الرَّفْع والوَقْف، ومثل التابعي من دونه، يُجْمع على مقاطيع ومقاطع، والشافعيُّ يعبر بالمقطوع عن المُنْقَطِع، وهو ما لم يتصل إسناده كما يأتي قريبًا إن شاء الله، والمقطوع من مباحث المتن، والمنقطع من مباحث الإِسناد، وعكس الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البَرْدَعي ما قال الشافعي فجعل المنقطع هو قول التابعي.
والبَرْدَعيُّ نسبة إلى بَرْدَعة بفتح الباء والدال المهملة، بلدة من أقصى بلاد أذْرَبيجان، مُعَرّب برده دان، لأن مَلِكًا منهم سبَا سَبْيًا وأنزلهم هنالك، وإلى المقطوع أشار العِرَاقيُّ، فقال:
وَسَمَّ بالمَقْطُوع قَوْلَ التّابِعِي ... وفِعْلَه وقد رَأى للشّافِعِيّ
تعبِيرَهُ بِهِ عَنِ المُنقَطَعِ ... قُلْتُ وعَكْسُهُ اصْطِلاَحُ البَرْدَعي
وإذا علمت الصحيح في المقطوع، ومغايرته للمنقطع، فلا بدَّ من معرفة المنقطع للتمييز بينهما، وينشأ من ذِكره ذكر المُعْضَل.
فالمُنقَطِع هو ما سَقَط من سنده راوٍ واحد غير الصحابي، وإن تَعَدَّدَ سقوطُه في مواضع بحيث لا يَزيد السّاقِط منها على واحدٍ، فيكون منقطعًا في مواضع، فخرج بالواحد المُعضل، مع أن الحاكم يسميه أيضًا منقطعًا، وخرج بغير الصحابي المُرْسَل كما مر تعريفه. وقيل: المُنقَطِع ما لم يَتَّصِل سنده، ولو سقط منه أكثر من واحد، فَيَدْخُل فيه المرسل، والمُعْضَل، والمُعَلّق. قال ابن الصلاح: إن هذا هو الأقرب معنى لا استعمالًا، لأن الانقطاع ضد الاتصال، فيصدق بالواحد وبالجميع وبما بينهما، وقد صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، ولكن أكثر استعمالهم القول الأول، فأكثر ما يُسْتَعْمَل فيه المُنقطِع ما رواه مَنْ دون التابعي عن الصحابي، كمالك عن ابن عمر، وأكثر ما يُستعمَل فيه المُرسَل ما رواه التابعي عن النبي ﷺ .
стр. 389
والمُعْضَل بفتح الضاد ما سقط منه اثنان متواليان من أي موضع كان، وإن تعددت المواضع، كان الساقط الصحابي والتابعي أو غيرهما، فيدخل فيه قول المصنفين: قال النبي ﷺ . كما قيل بمثله في المُرْسَل، والمُنْقَطِع، والمُعْضَل اسم مفعول من أعْضَلَه فلان، أي: أعياه، فهو مُعْضَل، فكان المحدث الذي حدث به أعضله وأعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه، ويقال: المعضِل للمشكل أيضًا، وهو حينئذ بكسر الضاد وبفتحها، على أنه مشترك، ومن المُعْضَل حذف النبي ﷺ والصحابي، ووقف المتن. على التابعي، كقول الأعمش، عن الشعبي: يُقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا؟ فيقول: ما عَمِلته، فيُخْتَم على فيه، فتنطِقُ جوارحُه ولسانه، فيقول لجوارحه: أبْعَدَكُنَّ الله ما خاصَمْت إلا فيكن، رواه الحاكم، وقال عُقْبَة: أعْضَلَهُ الأعمش، وهو عند الشَّعبيّ متصل مسند، رواه مسلم من حديث فُضَيل بن عُمر، عن الشَّعبِيّ، عن أنَس، قال: كنا عند النبيّ ﷺ ، فضَحِكَ، فقال: "هَلْ تَدرونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "مِنْ مُخاطَبَة العبدِ ربَّهُ يوم القيامة، يَقُول: يا ربِّ ألَم تُجِرْني من الظّلم؟ فيقول بلى، فقال: فإني لا أُجِيزُ اليومَ على نفسي شاهدًا إلا مني، فيقول: كفى بنفسِك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتِبين اليوم عليك شهودًا، فيُخْتَم على فيه، ثم يقال لأركانه: "انطِقِي". الحديث، قال ابن الصَّلاح، وجَعْل هذا القسم من المعضل جيدٌ حسنٌ، لأن هذا الانقطاع بواحدٍ مضمومًا إلى الوَقْف يَشتَمِل على الانقطاع باثنين، الصحابيّ ورسول الله ﷺ ، وذلك باستحقاق اسم الإِعضال أولي، وأشار العراقيُّ إلى المُنقَطِع والمُعْضَل بقوله:
وَسَمِّ بالمنْقَطِع الّذي سَقَطْ ... قَبْلَ الصَّحابِيِّ بهِ راوٍ فَقَطْ
وقِيل ما لَمْ يَتَّصِل، وقَالَا ... بأنَّهُ أقْرَبُها اسَتِعْمالا
والمُعْضَلُ السّاقِطُ منه اثْنانِ ... فَصَاعِدًا ومِنْهُ قسمٌ ثانِ
حَذْفُ النَّبيّ والصَّحابيِّ معا ... وَوَقفُ مَتْنِهِ على مَنْ تَبعَا
ثم ذكر البخاري بعد هذا الأثر: وقال إبراهيم ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
стр. 390
أي: ليزداد بصيرة وسُكونًا بمُضامَّةِ العيان إلى الوحي والاستدلال، فإن عَيْن اليقين فيه طُمَأنينة ليست في علم اليقين، ففيه دِلالة على قَبُول التصديق اليقيني للزيادة، وعند ابن جَرير بسند صحيح إلى سعيد بن جُبَير أي: يزداد يقيني، وعن مُجَاهد: لأزداد إيمانا إلى إيماني، وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم ﵊ مع أن نبينا ﵊ قد أُمِر باتّباع مِلّتِه كان كأنه ثبت عن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، وإنما فصل المصنف بين هذه الآية وبين الآيات التي قبلها لأن الدليل يؤخذ من تلك بالنص، ومن هذه بالإِشارة، وإبراهيم أحد أولي العزم، ومنه جميع الأنبياء ما عدا ثمانية، يجمعهم قولُ القائل:
وعَنْه حاد آدمٌ شيثُ الوَصي ... إدريسُ نوحٌ هودُ يونُسٌ يَصِي
لُوطٌ وصَالِحٌ فذي ثمانُ ... حَادُوا عن الخَلِيلِ واسْتَبَانوا
وهو ابن آزَرَ، وآزَرُ هو تارح بفتح الراء المهملة، وفي آخره حاء مهملة، فآزَرُ اسم، وتارَح لقبٌ له، وقيل: عكسه، قال ابن هشام: هو إبراهيم بن تارَح وهو آزرُ بن ناحُور بن أسْرَع بن أرْغُو بن فَالح بن شَالخْ بن أرْفَخَشْد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن أحنج بن يرد بن مهلاييل ابن قاني بن فانوش بن شِيْت بن آدم ﵇، ولا خلاف عندهم في عدد هذه الأسماء وسردها على ما ذكرنا، وإن اختلفوا في ضبْطها، وإبراهيم اسم عِبْرانيّ، معناه: أبٌ رَحيم، وكان آزَرُ من أهل حَرّان، ووَلَدَ إبراهيم بكوثا من أرض العراق، وكان يَتَّجِرُ في البَزِّ، وهاجر من أرض العراق إلى الشام، وبلغ عمره مئة وخمسًا وسبعين سنة، وقيل مئتي سنة، ودُفن بالأرض المقدسة، وقبرُه معروفٌ بقرية حَبْرون بالحاء المهملة، وهي التي تسمى اليوم ببلدة الخليل.
الأَثر الثاني: وقال مُعاذ: اجْلِس بِنا نْؤمِن ساعةً. أي نزداد إيمانا بذكر الله، لأن معاذًا كان مؤمنًا، أيَّ مُؤمن.
وقال النَّووي معناه: نتذاكر الخير، وأحكام الآخرة، وأمور الدين، فإن ذلك إيمان. وقال أبو بكر بن العَرَبي: لا تَعَلُّق فيه للزيادة، لأن معاذًا
следующие страницы →