Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
زيد وعُبيد الله بن عمرو وجماعة. وروى عنه البخاريّ والنسائيّ وابن ماجه بواسطة، وأحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم. ثم مات سنة إحدى وعشرين ومئة، وليس في الستة أحمد بن عبد الملك سواه.
الثاني: حماد بن زيد، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ ثابت في الخامس من كتاب العلم، ومرَّ أبو رافع في الثالث والثلاثين من الغسل، ومرَّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان. مرَّ الكلام على مواضع إخراجه في الذي قبل هذا بحديثين. ثم قال المصنف:
باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد
كذا للأكثر بأو، وهي للتنويع، وفي رواية ابن السكن وابن عساكر والغريم بواو العطف، والأسير الأخيذ.
стр. 3257
الحديث الرابع والستون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا.
قوله: إن عفريتا، أي جنيًا ماردًا. وقوله: من الجن، بيان له، وقوله: تَفَلّت، بالفاء وتشديد اللام، أي تعرض له فَلْتَة، أي بغتة. وقال القزّاز: يعني توثب، وقال الجوهريّ: أفلتُّ الشيء فانفلتَ وتفلَّتَ، بمعنى. وقوله: البارحة، قال صاحب "المنتهى": كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة، وهي أدنى ليلة زالت عنك، ويقال: من بعد الزوال إلى آخر النهار البارحة، وقوله: أو كلمة نحوها، الضمير راجع إلى البارحة أو إلى جملة "تفلَّت علي البارحة" وفي رواية شبابة عند المؤلف في أواخر الصلاة بلفظ "عرض لي فشد علي" وهو يؤيد الاحتمال الثاني، وفي رواية عبد الرزاق "عرض لي في صورة هر" ولمسلم عن أبي الدرداء "جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي" وللنَّسائي عن عائشة "فأخذته فصرعته فخنقته، حتى وجدت برد لسانه على يدي".
وقوله: فأردت، بالفاء، ولأبوي ذرٍّ والوقت "وأردتُ" بالواو. وقوله: أن أربِطه، بكسر الموحدة، وقوله: إلى سارية، أي أسطوانة من أساطينه. وقوله: حتى تصبحوا، أي تدخلوا في الصباح، فالفعل لا يحتاج إلى خبر. وقوله: كلكم، بالرفع، توكيد الضمير المرفوع في تنظروا، وهل كانت إرادته للربط بعد
стр. 3258
تمام الصلاة أو فيها؛ لأنه فعل يسير؟ احتمالان.
وقوله: ربِّ اغفر لي وهَبْ لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي من البشر مثله، فتركه ﵊ مع القدرة عليه، حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان، في رواية أبي ذَرٍّ هكذا "رب اغفر لي" إلى آخر الآية، أي من بعدي. وفي بقية الروايات "رب هب لي" قال الكرماني: لعله ذكره على طريق الاقتباس لا على قصد التلاوة، لكن عند مسلم كما في رواية أبي ذرٍّ على نسق التلاوة، والظاهر أنه تغيير من بعض الرواة، وأما ما أخرجه الطبريّ عن قتادة، قال في قوله ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا أسلبه كما سلبته أول مرة، فظاهر حديث الباب يرد عليه، وكان سبب تأويل قتادة هذا هكذا طعن بعض الملاحدة على سليمان، ونسبته في هذا إلى الحرص على الاستبداد بنعمة الدنيا، وخفي عليه أن ذلك كان بإذن له من الله، وأن تلك كانت معجزته كما اختص كل نبي بمعجزة دون غيره، ويحتمل أن تكون خصوصية سليمان استخدام الجن في جميع ما يريده، لا في هذا القدر فقط، وفهم ابن بطال وغيره منه، أنه كان حين عَرَض له غير متشكل بغير صورته الأصلية، فقالوا: إن رؤية الشيطان على صورته التي خلق عليها خاص بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأما غيره من الناس فلا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ ... الآية.
وقال الخطابيّ: استدل بهذا الحديث على أن أصحاب سليمان، كانوا يرون الجن في أشكالهم وهيأتهم حال تصرفهم. قال: وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فالمراد الأكثر الأغلب من أحوال بني آدم، وتُعُقب بان نفي رؤية الإِنس للجن على هيئتهم ليس بقاطع من الآية، بل ظاهرها أنه ممكن، فإنَّ نفيَ رؤيتنا إياهم مقيدٌ بحال رؤيتهم لنا, ولا ينفي إمكان رؤيتنا لهم في غير تلك الحالة، ويحتمل العموم، وهذا الذي فهمه أكثر العلماء، وهذا محمول على من يدّعي رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها، وأما من ادعى أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتصور على صور شتى من الحيوان، فلا
стр. 3259
يقدح فيه.
وقد تواترت الأخبار بتحورهم في الصور، واختلف أهل الكلام في ذلك، فقيل: هو تخييل فقط، ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، وقيل: بل ينتقل، لكن لا باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل، إذا فعله انتقل كالسحر. وهذا يرجع إلى الأول، وفيه أثر عن عمر أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح "إنّ الغِيلان ذكروا عند عمر فقال: إن أحدًا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها, ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك "فأذِّنوا" وهذا يدل على وجودهم، كدلالة حديث الباب وغيره من الآيات والأحاديث على ذلك.
قال إمام الحرمين في الشامل: إن كثيرًا من الفلاسفة والزنادقة والقَدَرية أنكروا وجودهم رأسًا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين، إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة. قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، وأكثر ما استروح إليه من نفاهم حضورهم عند الإنس، بحيث لا يرونهم، ولو شاءوا لأبدوا أنْفُسَهم، وإنما يستبعِدُ ذلك مَنْ لم يُحط علمًا بعجائب المقدورات. وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم، وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم وينفي تسلطهم على الإنس. وقال عبد الجبار المعتزليّ: الدليل على إثباتهم السمعُ دون العقل: إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة, لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تَعَلُّق، ولو كان إثباتهم باضطرارٍ أما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا قد علمنا بالاضطرار بأن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده.
واختلف في صفتهم، فقال الباقلانيّ: قال بعض المعتزلة: الجن أجسام رقيقة بسيطة، قال: وهذا عندنا معاشر أهل السنة غير ممتنع إن ثبت به سمع. وقال أبو يعلي بن الفراء: الجن أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة، خلافًا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأنّ امتناع رؤيتنا من جهة رقتها، وهذا مردود، فإن الرقة ليستْ بمانعة من الرؤية،
стр. 3260
ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها، واختلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافرًا سُمي شيطانًا, وقيل: ان الشياطين خاصة أولاد إبليس، ومن عداهم ليسوا من ولده. وحديث ابن عباس الآتي في تفسير سورة الجن، يقوّي أنهم نوع واحد من أصل واحد، واختلف صنفه، فمن كان كافرًا سمي شيطانًا، وإلا قيل له جنيّ.
واختُلف أيضاً هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا؟ فقيل بالنفي، وقيل بمقابله ثم اختلفوا، فقيل: أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود عن أمية بن مخشي قال: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جالساً ورجل يأكل ولم يسم إلا في آخره، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (ما) زال الشيطان يأكل معه، فلما سمّى استقاء ما في بطنه" وروى مسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "لا يأكلنَّ أحدكم بشِماله ويشرب بشماله، فإنَّ الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله".
وروى ابن عبد البَر عن وهب بن منبه أن الجن أصناف، فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك، ومنهم السَّعَالي والغُول والقُطْرُب، وهذا إن ثبت كان جامعًا للقولين الأولين، ويؤيده ما روى ابن حبّان والحاكم، عن أبي ثعلبة الخشنيّ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "الجنّ على أصناف ثلاثة: صنف لهم أجنحة، يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب، وصنف يحلون ويظعنون". وروى ابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء مرفوعًا نحوه، لكن قال في الثالث: "وصنف عليهم الحساب والعقاب".وروى عن ابن أبي الدنيا عن يزيد بن يزيد، أحد ثقات الشاميين، من صغار التابعين، قال: ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وضع الغداء نزلوا فتغدوا معهم، والعشاء كذلك.
واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا
стр. 3261
جَانٌّ﴾ وبقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ والدلالة من ذلك ظاهرة، واعتل من أنكر ذلك بان الله تعالى أخبر أن الجانّ خلق من نار، وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع معه التوالد، والجواب أن أصلهم من النار، كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن الآدمي ليس طينًا حقيقة، كذلك الجني ليس نارًا حقيقة، وقد مر لك في الحديث قوله ﵊ "فأخذته فخنقته حتى وجدت برد ريقه على يدي" وبهذا الجواب يندفع إيراد من استشكل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ فقال: كيف تحرق النار النار؟ وأما كونهم مكلفين فقال ابن عبد البر: الجن عند الجماعة مكلفون، وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافاً بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكى زرقان عن بعض الحشوية، أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، قال: والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين، والتحرز من شرهم، وما أُعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر، وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل. والأيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جدًا.
وإذا ثبت تكليفهم فقد اختلفوا هل كان فيهم نبي أم لا؟ فروى الطبريّ من الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، قال: ومن قال بقول الضحاك احتج بأن الله تعالى أخبر أنّ من الجن والإِنس رسلًا أُرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز العكس، وهو فاسد، وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية: أن رسك الإنس رسل من قبل الله إليهم، ورسل الجن بثهم الله في الأرض، فسمعوا كلام الرسل من الإنس، وبلّغوا قومهم، ولهذا قال قائلهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية.
واحتج ابن حزم بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "وكان النبيّ يُبعث إلى قومه، وليس الجن من قوم الإِنس، فثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم. قال: ولم يبعث من الإنس إلى الجنّ إلا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، لعموم بعثته إلى الجن والإِنس باتفاق.
وقال ابن عبد البر: لا يختلفون أنه ﵊ بُعث إلى الجن
стр. 3262
والإنس، وهو مما فُضِّل به على الأنبياء، ونقل عن ابن عباس في قوله تعالى في سورة غافر ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال: هو رسول الجن، وقال إمام الحرمين في الإرشاد: وقد علمنا ضرورة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم ادَّعى كونه مبعوثًا إلى الثقلين اتفق على ذلك علماء السلف من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين، وثبت التصريح بذلك في حديث "وكان النبي إلى قومه وبعثتُ إلى الإنس والجن" فيما أخرجه البزار، وعن ابن الكلبيّ "كان النبيُّ يُبعث إلى الإنس فقط، وبُعث محمد إلى الإنس والجن" وإذا تقرر كونهم مكلفين، فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإِسلام، وأما ما عداه من الفروع فاختلف فيه، لما ثبت من النهيّ عن الروث والعَظم، وأنهما زاد الجن، ويأتي في السيرة النبوبة حديث أبي هريرة، وفي آخره، "فقلتُ ما بالُ الروثِ والعظمِ قال: هما طعام الجن" فدل على جواز تناولهم للروث، وذلك حرام على الإنس.
وكذلك روى أحمد والحاكم عن ابن عباس قال "خرج رجل من خيبر، فتبعه رجلان وآخر يتلوهما، يقول: ارجعا، حتى ردهما، ثم لحقه فقال: إن هذين شيطانان، فإذا أتيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاقرأ ﵇، وأخبره أنّا في جمع صدقاتنا, ولو كانت تصلح له لبعثناها إليه، فلما قدم الرجل المدينةَ أخبر النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك، فنهى عن الخلوة" أي عن السفر منفردًا.
وأما ثوابهم وعقابهم فلم يختَلِف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختُلف هل يثابون؟ فروى الطبريّ وابن أبي حاتم عن أبي الزناد موقوفًا "قال: إذا دخل أهل الجنةِ الجنة، وأهل النارِ النارَ، قال الله لمؤمن الجن وسائر الأمم من غير الإنس: كونوا ترابًا، فتحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا". وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: "ثواب الجن أن يجارُوا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا" وروى عن أبي حنيفة نحو هذا القول، وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة، وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والأوزاعيّ وغيرهم.
стр. 3263
ثم اختلفوا: هل يدخلون مدخل الإنس؟ على أربعة أقوال:
أحدها: نعم، وهو قول الأكثر.
ثانيها: يكونون في رَبَض الجنة، وهو منقول عن مالك وطائفة.
ثالثها: أنهم أصحاب الأعراف.
رابعها: التوقف عن الجواب في هذا.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي يوسف قال: قال ابن أبي ليلى: لهم ثواب، قال: فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ وإلى ذلك أشار البخاري في بدء الخلق عند ذكر الجن بقوله قبلها ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فإن قوله ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ الآية التي بعد هذه الآية، واستدل بهذه الآية أيضًا ابن عبد الحكم، واستدل ابن وهب بمثل ذلك، بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ فإن الآية بعدها أيضًا ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾.
وروى أبو الشيخ في تفسيره عن مُغيث بن سُمَيّ، أحد التابعين، قال: "ما من شيء إلا وهو يسمع زفير جهنم، إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعقاب".ونُقل عن مالك أنه استدل على أن عليهم العقاب، ولهم الثواب، بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ والخطاب للإنس والجن، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين، والمؤمن شأنه أن يخاف مقام ربه، ثبت المطلوب.
وقوله: قال روح: فرده خاسئًا، أي رد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم العفريتَ خاسئًا، أي مطرودًا، وفي رواية مسلم بلفظ "فرده الله خاسئًا" وظاهر المصنف أن هذه الزيادة في رواية روح دون رفيقه محمد بن جعفر، لكن أخرجه في أحاديث الأنبياء عن محمد بن جعفر وحده، وزاد في آخره "فرده خاسئًا".
стр. 3264
رجاله ستة:
الأول: إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرَّ روح بن عبادة في الأربعين من كتاب الإيمان، ومرَّ غندر الذي هو محمد بن جعفر، في الخامس والعشرين منه، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ محمد بن زياد في الثلاثين من كتاب الوضوء.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع، ورواته ما بين مروزيّ وبصريّ، أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة أيضًا، وفي التفسير وأحاديث الأنبياء، وصفة إبليس، ومسلم في الصلاة والنسائيّ في التفسير. ثم قال المصنف:
باب الاغتسال إذا أسلم وربط الأسير أيضًا في المسجد
هكذا في أكثر الروايات، وسقط للأصيلى وكريمة. وقوله: وربط الأسير الخ، وعند بعضهم "باب" بلا ترجمة، وكأنّه فصلٌ من الباب الذي قبله، ويحتمل أن يكون بيّض للترجمة، فَسَدّ بعضهم البياضَ بما ظهر، ويدل عليه أن الإسماعيليّ ترجم عليه "باب دخول المشرك المسجد" وأيضًا، فالبخاريّ لم تجر عادته إعادة لفظ الترجمة عقب الأخرى، والاغتسال إذا أسلم لا تَعَلُّق له بأحكام المساجد، إلا على بُعْد شديد، وما ادعاه ابن المنير من الجواب عما قيل مِن أنّ إيراد قصة ثمامة في الباب الذي قبله أليقُ، بدون تأملٍ، فإن قصة ثُمامة أخرجها البخاريّ في آخر المغازي "أنه ﵊ مرَّ على ثُمامة ثلاث مرات وهو مربوط في المسجد، وأنه أمرهم بإطلاقه في اليوم الثالث" وصرح ابن إسحاق "بأنه ﵊ هو الذي أمرهم بربطه فيه" وكيف يتوهم أن الصحابة يفعلون في المسجد شيئًا بدون أمره ورضاه، فما أبداه ابن المنير من أن قصته أوْلى أن تكون إنكارًا لربطه من أن تكونَ تقريرًا -كلامٌ فاسد.
ثم قال: وكان شُرَيح يأمر الغَرِيم أن يُحبس إلى سارية المسجد. في معناه
стр. 3265
وجهان: أحدهما أن يكون الأصل يأمر بالغريم، وأن يُحبس بدل اشتمال، ثم حذفت الباء، كما في قولك: أمرتك الخير. والثاني: أن معنى قوله أن يحبس، أي ينحبس، فجعل المطاوِع موضع المطاوَع لاستلزامه إياه.
وهذا الأثر وصله معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق، أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، فإن أعطى الحق، وإلا أمر به إلى السجن. وشريح بن الحارث القاضي قد مرَّ في تعليق بعد التاسع والعشرين من كتاب الحيض.
стр. 3266
الحديث الخامس والستون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ. فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
قوله: بعث خيلًا قبل نجد، أي فرسانًا، والأصل أنهم كانوا رجالًا على خيل، والسرية التي أخذت ثمامة كان أميرها محمد بن مسلمة، أرسله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ثلاثين راكبًا إلى القُرطاء، بضم القاف وفتح الرَاء والطاء، من بني أبي بكر بن كلاب، لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست. وكانت غيبته بها تسع عشرة ليلة، وقدم لليلة بقيت من المحرم. وقوله: قبلَ نجد، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي جهة، ونجد، بفتح النون وسكون الجيم، في جزيرة العرب. قال المدائني: جزيرة العرب خمسة أقسام تهامة والحجاز ونجد وعَرُوض واليمن. أما تهامة، فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأما نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأما الحجاز فهو جبل يُقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعَمّان، وأما العَروض فهي اليمامة إلى البحرين. وقال الواقديّ. الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، وما وراء ذلك إلى أن يشارف أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وَجْرة وعَمرة الطائفِ نجدٌ، وما كان وراء وَجرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حِجاز، سميَ حجازًا لأنه يحجز بينهما.
стр. 3267
وقوله: فانطلق إلى نخل، أي بالخاء المعجمة، وكذا في رواية مسلم، ويؤيد ذلك ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة في هذا الحديث "فانطلق إلى حائط أبي طلحة فاغتسل" الخ، وفي النسخة المقروءة على أبي الوقت "إلى نجل" بفتح النون وسكون الجيم بعده لام، وهو الماء القليل النابع من الأرض، وقيل الجاري.
في الحديث جواز دخول الكافر المسجد، وقال مجاهد وابن محيريز وأبو حنيفة: يجوز دخول الكتابيّ له دون غيره، واحتجوا بما أخرجه أحمد عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "لا يدخل مسجدنا هذا، بعد عامنا هذا، مشركٌ إلا أهل العهد وخدمهم". وقال عمر بن عبد العزيز، وقتادة ومالك: لا يجوز دخول الكافر فيه، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ودخول الكافر فيها منافٍ لرفعها، وبقوله ﵊ "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البَول والقَذر" والكافر لا يخلو من ذلك، وبقوله ﵊ "لا أحل المسجد لحائض ولا لجُنُب" أخرجه أبو داود، والكافر جنب.
وقال الشافعيّ: يجوز دخوله فيه بإذن مسلم، ولا يجوز بغيره، كان الكافر كتابيا أو غيره، واستثنى من ذلك مسجد مكة وحرمه، واحتج بحديث ثُمامة هذا، وبأنّ ذات الكافر ليست بنجسة. وفيه اغتسال الكافر إذا أسلم، ومشهور مذهب مالك أنه يجب عليه الغُسل إذا كان قد حصل منه في الكفر ما يوجب الغُسل، سواء اغتسل منه قبل ذلك أم لا، إلا أن يكون اغتسل بعد أن صمم على الإِسلام، وإلاّ يحصل منه استحب له الغُسل. وعند الشافعية كذلك، لا يجب عليه إلا إذا حصل منه سببه، ولم يغتسل في حال الكفر، وفيه وجهان إن اغتسل أصحهما إعادته، وإن لم يحصل منه سبب استُحب له الغسل. وقال أحمد بوجوبه إذا أسلم مطلقًا، سواء من كفرٍ أصليّ أو رِدّة، وسواء حصل منه سبب أم لا.
стр. 3268
ومذهب أبي حنيفة لا يلزمه الغسل، واحتج بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وبحديث عمرو بن العاص، أخرجه مسلم، "الإِسلام يهدم ما قبله" ولأنه أسلم خلق كثير لهم الزوجات والأولاد، ولم يأمرهم ﵊ بالغُسل وجوبًا، ولو وجب لأمرهم به، واعترض ما احتجوا به، وفيه أسر الكافر، وجواز إطلاق، وللإمام في حق الأسير العاقل القتلُ أو الاسترقاق أو الإطلاق مَنًّا عليه أو الفِداء.
وقال الكرمانيّ: يحتمل أنه ﵊ أطلق ثُمامة لمَّا علم أنه آمن بقلبه، وسيظهر بكلمة الشهادة. وفيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأُسارى، إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام، ولاسيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه. وفيه جواز ربط الأسير في المسجد. قال القرطبيّ: يمكن أن يقال إن ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها، فيأنس ذلك، ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة في صحيحه عن عثمان بن أبي العاص "أن وقد ثقيف أما قدموا أنزلهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المسجدَ، ليكون أرق لقلوبهم".
وقال جبير بن مطعم، فيما أخرجه أحمد: "دخلت المسجد والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي المغربَ، فقرأ بِوَالطور، فكأنما صدع قلبي حين سمعتُ القرآن، وقيل: يمكن أن يكون رَبَطهَ بالمسجد لأنه لم يكن له موضع يربط فيه إلا المسجد. وقال ابن الجوزيّ: لم يسلم تحت الأسر لعزة نفسه، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحس بذلك منه، فقال: أطلقوه، فلما أطلق أسلم، واعترضه العيني فقال: يرد هذا حديثُ أبي هريرة عند ابن خزيمة وابن حبّان، ففيه "مرَّ صلى الله تعالى عليه وسلم يومًا فأسلم، فحله" فهذا صريح أن إسلامه كان قبل إطلاقه، ويعذر الكرمانيّ في هذا؛ لأنه قال بالاحتمال، ولم يقف على حديث أبي هريرة.
وأما ابن الجوزيّ فكيف غفل عن ذلك مع كثرة اطلاعه في الحديث؟ قلت: اعتمد الكرمانيّ وابن الجوزيّ ما هو أصح من حديث ابن خزيمة، وهو
стр. 3269
حديث أبي هريرة عند البخاريّ ومسلم وأبي داود والنَّسائيّ في قصة ثُمامة المختصرة هنا، ففيها، عند الجميع، أن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم "مرَّ عليه في اليوم الأول وهو مربوط فقال له: ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خيرٌ يا محمد، إنْ تقتلني تَقْتُلْ ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل منه ما شئت، فتركه حتى كان الغد فقال: ما قلت لك: إنْ تُنعمْ تُنعمْ على شاكر؟ فتركه حتى كان الغد، فقال: "ما عندك؟ فقال: عندي ما قلت لك. فقال: أطلقوا ثُمامة، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ... " الحديث، فهذا صريح في أن إطلاقه كان قبل إسلامه، والاعتماد عليه أوْلى من الاعتماد على ما قاله العينى، ويأتي تمام الكلام على هذا الحديث عند ذكره تامًا.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر ثمامة بن أُثال.
الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ الليث بن سعد في الثالث منه، ومرَّ سعيد بن أبي سعيد المَقْبَرِيَّ في الثاني والثلاثين من الإيمان، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه.
السادس: ثمامة بن أُثال بن النعمان بن سَلَمة بن عتيبة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدُؤل بن حنيفة الحنفيّ، أبو أُمامة اليماميّ، حديثه هو هذا المذكور في البخاريّ، وروى ابن إسحاق أنّ ثمامة كان عرض لرسول الله ﷺ فأراد قتله، فدعا رسول الله ﷺ أن يمكنه منه، فقد روى عمارة بن غَزِيّة، من طريق أبي هريرة، قال: "خرج ثُمامة بن أُثال الحنفيّ معتمرًا فظفرتْ به خيلٌ لرسول الله ﷺ بنجد، فجاءوا به، فأصبح مربوطًا بأسطوانة عند باب رسول الله ﷺ ، فرآه فعوفه ثم قال له: ما تقول يا ثُمامَ. قال: إن تسألْ مالًا تُعْطَه، وإن تَقْتُل تَقتُلْ ذا دم، وإن تنعم تنعمْ على شاكر، فمضى عنه وهو يقول: "اللهم إنّ أكلة من لحم
стр. 3270
جزور أحب إليّ من دم ثمامة، ثم أكثر عليه بعد ذلك، وقال لَه مثل قوله أولًا، والنبي يقول مثل قوله، ثم كر عليه في الثالثة، وأجاب بمثل ما أجاب به أولًا، والنبي ﷺ يقول مثل قوله، ثم أمر به، فأطلق، ثم ذهب إلى المصانع فغسل ثيابه واغتسل، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فأسلم، وشهد شهادة الحق، وقال: يا رسول الله، إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فمر من يسيرني إلى الطريق، فأمر من يُسَيِّره، فخرج حتى قدم مكة.
فلما سمع به المشركون جاءوه فقالوا: يا ثُمامة، صَبَوْت وتركَت دين آبائك، فقال: لا أدري ما تقولون، إلا أني أقسمت برب هذه البنية لا يصل إليكم من اليمامة شيء مما تنتفعون به، حتى تتبعوا محمدًا عن آخركم، وكان مِيرة قريش ومنافعهم من اليمامة، ثم خرج فحبس عنهم ما كان يأتيهم منها من مِيرتهم ومنافعهم، فلما أضَرَّ بهم كتبوا إلى رسول الله ﷺ "أن عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم، وتحض عليها، وإن ثمامة قد قطع مِيرتنا وأَضَرَّ بنا فإنْ رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا وبين مِيرتنا، فافعل، فكتب إليه رسول الله ﷺ أن خلِّ بين قومي وبين ميرتهم.
وكان ثُمامة حين أسلم قال: "يا رسول الله، لقد قدمت عليكَ وما على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، ولا دين أبغض إليّ من دينك، ولا بلد أبغض إليّ من بلدك، وما أصبح على الأرض وجه أحب إليّ من وجهك، ولا دين أحب إلى من دينك، ولا بلد أحب إليّ من بلدك". وقال محمد بن إسحاق: ارتد أهل اليمامة عن الإِسلام غير ثمامة بن أُثال ومن تبعه من قومه، فكان مقيمًا باليمامة ينهاهم عن اتّباع مُسَيْلمة وتصديقه، ويقول: إياكم وأمرا مظلمًا لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله على من أخذ به منكم، وبلاء على من لم يأخذ به منكم يا بني حنيفة. فلما عَصَوْه ورأى أنهم قد أصفقوا على اتباع مسيلمة، عزم على مفارقتهم، ومر العلاء بن الحضرميّ ومن معه على جانبهم، فلما بلغه ذلك قال لأصحابه من المسلمين: إني والله ما أرى أنْ أُقيم مع هؤلاء بعدما قد أحدثوا، وإن الله تعالى لَضَارِبُهم ببلية لا يقومون بها ولا
стр. 3271
يقعدون، وما نرى أن نتخلف عن هؤلاء وهم مسلمون، وقد عرفنا الذي يريدون، وقد مروا قريبًا، ولا أرى إلا الخروج، فمن أراد الخروج منكم فليخرج، فخرج إلى العلاء بن الحضرميّ، ومعه أصحابه من المسلمين، فكان ذلك قد فتّ أعضاد عدوهم حين بلغهم مدد بني حنيفة، وقال ثمامة في ذلك:
دعانا إلى ترك الديانة والهدى ... مسيلمةُ الكذاب إذ جاء يسجع
فيا عجبًا من معشر قد تتابعوا ... له في سبيل الغَيّ والغي أشنع
وفي البعد عن دار وقد ضل أهلها ... هدى واجتماع كل ذلك مربع
وأنشد أيضًا:
أهم بترك القول ثم يردني ... إلى القول إنعام النبيِّ محمدِ
شكرت له فكي من الغُل بعدما ... رأيت خيالًا من حسام مهندٍ
وكان في ارتحاله إلى ابن الحضرمي يقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم، فرآها عليه ناسٌ من بني قيس بن ثعلبة، فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه، فقتلوه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، وفيه السماع والقول، ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ، أخرجه البخاريّ في الصلاة والأشخاص والمغازي، ومسلم في المغازي، وأبو داود في الجهاد، والنّسائيّ في الطهارة والصلاة. ثم قال المصنف:
باب الخيمة في المسجد للمرض وغيرهم
أي جواز الخيمة في المسجد لأجل المرضى جمع مريض.
стр. 3272
الحديث السادس والستون
حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ إِلاَّ الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ دَمًا، فَمَاتَ فِيهَا.
قوله: يوم الخندق، ويسمى يوم الأحزاب. قوله: في الأكحل، عرقٌ في اليد، ويقال له النَّسا في الفخذ، وفي الظهر الأبهر. وقيل: الأكحل هو عرق الحياة، ويدعى نَهْر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع في اليد لم يَرْقَ الدم. وقوله: فضرب خيمة، أي نصب خيمة وأقامها على أوتاد مضروبة في الأرض. وقوله: فلم يَرُعْهم، أي بضم الراء وسكون العين المهملة، أي يفزعهم. قال الخطابيّ: المعنى أنهم بينما هم في حال طمأنينة حتى أفزعتهم رؤية الدّم، وقال غيره: المراد بهذا اللفظ السرعة لا نفس الفزع.
وقوله: وفي المسجد خيمة، هذه جملة اعتراضية بين الفعل، والفاعل الذي هو إلا الدم والتقدير: فلم يرعهم إلا الدم، والمعنى فراعهم الدم. وقوله: من بني غِفار، في ابن إسحاق أن الخيمة كانت لرُفيدة الأسلمية، فيحتمل أن تكون كان لها زوج من بني غفار. وقوله: من قِبَلكم، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي جهتكم. وقوله: يغذو بغين وذال معجمتين، أي يسيل.
وقوله: فمات فيها، أي في الخيمة أو في تلك المرضة. وللكشميهنيّ والمستمليّ "فمات منها" أي الجراحة، وفي رواية ابن خزيمة في آخر هذه القصة
стр. 3273
"فإذا الدم له هدير"، وعند أحمد عن عائشة "فانفجر كلْمُه وكان قد برىء إلا مثل الخُرْص" بضم الخاء وسكون الراء، وهو من حُلِيَّ الأُذن. ولمسلم عن هشام بن عُروة "فما زال الدم يسيل حتى مات" استدل مالك وأحمد بهذا الحديث على أن النجاسات ليست إزالتها فرضًا، ولو كانت فرضًا لما أجاز صلى الله تعالى عليه وسلم للجريح أن يسكن في المسجد، وبه قال الشافعيّ في القديم.
ولقائل أن يقول إن سكنى سعد في المسجد كان بعد اندمال جرحه، والجرح إذا اندمل زال ما يُخشى من نجاسته، وفيه جواز سكنى المسجد للعذر. وفيه أن السلطان أو العالم إذا يشق عليه النهوض إلى عيادة مريض يزوره ممن يهمه أمره، ينقل المريض إلى موضع تخف عليه فيه زيارته، ويقرب منه.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر سعد.
الأول: زكرياء بن يحيى، وقد مرَّ في الثالث عشر من كتاب الوضوء، ومر عبد الله بن نمير في الثالث من كتاب التيمم، ومرَّ هشام وأبوه عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي.
وأما سعد، فالمراد به سعد بن معاذ بن النعمان بن امرىء القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن النَّبيت. وهو عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأشهليّ يكنى أبا عمر، أمه كبشة بنت رافع، لها صحبة، أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير. وأما أسلم قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرامٌ إنْ لم تسلموا، فأسلموا، فكان من أعظم الناس بركة في الإِسلام. شهد بدرًا وأحدًا والخندق، ورُمِي يوم الخندق بسهم فعاش شهرًا ثم انتقض جُرحه، والذي رماه بسهم حبّان بن العَرقة، وقال: خذها وانا ابن العرقة، فقال رسول الله ﷺ : "عرق الله وجهَه في النار" والعرقة هي ثُلابة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هُصَيص، وحبّان ابنها هو ابن عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن
стр. 3274
معيص بن عامر بن لؤي، وقيل: إن العرقة تكنى أم فاطمة، وإنما قيل لها العرقة لطيب ريحها.
وروى ابن إسحاق في قصة الخندق عن عائشة قالت: كنت في حصن بني حارثة، وأم سعد بن معاذ معي، فمر سعد بن معاذ وهو يقول:
لَبِّث قليلًا يلحق الهيجا جمل ... ما أحسن الموت إذا حان الأجل
فقالت أمه: الحق يا بني فقد تأخرت، فقلت: يا أم سعد، لوددتُ أن درعَ سعدِ أسبغ من هذا، فأصابه السهم من حيث خافت عليه، وكان رسول الله ﷺ قد أمر بضرب فسطاط في المسجد لسعد بن معاذ، فكان يعوده في كل يوم، وكان موته بعد الخندق بشهر، وبعد "بني قريظة" بليال. قال جابر: رُمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا الحلة، فحسمه رسول الله ﷺ ، فانتفخت يده، ونزفه الدم، فلما رأى ذلك قال: اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني في بني قريظة، فاستمسك عرقة، فما قطرت قطرة حتى نزل بنو قريظة على حكمه. وكان حكمه فيهم أن يُقْتَلَ رِجالهم، ويسبى نساؤهم وذريتهم يستعين بهم المسلمون. قال رسول الله ﷺ : "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات" وأما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات.
وروي من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: لقد نزل الملائكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفًا ما وطئوا الأرض، وروى حديث أنس قال: أما حملنا جنازة سعد بن معاذ، قال المنافقون: ما أخف جنازته. وكان رجلًا طُوالًا ضخما، فقال رسول الله ﷺ : "إن الملائكة حملته" ورُويَ عن عائشة أنها قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن بعد النبي ﷺ أحد من المسلمين أفضل من سعد بن معاذ، وأُسَيد بن حُضَير، وعبّاد بن بِشر. وقال رسول الله ﷺ : "اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ" وقال رسول الله صلى الله عليه
стр. 3275
وسلم في حُلَّة سيراء رآها "لمنديلٌ من مناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها" وقال:"لو نجا أحد من ضغطة القبر نجا منها سعد. وقال: "إن جبريل ﵇، نزل في جنازته مُعْتَجِرًا بعمامة من استبرق، وقال: يا رسول الله، من هذا الذي فتحت له أبواب السماء، واهتز له العرش؟ فخرج رسول الله ﷺ سريعًا يجر ثوبه، فوجد سعدًا قد قُبض، وقال رجل من الأنصار:
وما اهتز عرش الله من موت هالك ... سمعنا به إلا لسعد أبي عمر
وروى سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال: قال سعد: ثلاثٌ أنا فيهن رجلٌ يعني كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس، ما سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا قط إلا علمت أنه حق من الله، ولا كنت في صلاة قط فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها, ولا كنت في جنازة قط فتحدثت نفسي بغير ما تقول، ويقال لها، حتى أنصرف عنها. قال سعيد بن المسيب: هذه الخصال ما كنت أظنها إلا في نبي. وروى البخاريّ من حديث أبي سعيد الخُدريّ أنّ بني قُريظة لما نزلوا على حكم سعد، وجاء على حمار، قال النبي ﷺ : "قوموا إلى سيدكم". وأخرج ابن إسحاق أن أُم سعد قالت لما مات سعد:
ويل ام سعد سعدا حزامة وجدا ... وسيدًا معدّا سد به مسدًا
فقال النبي ﷺ : "كل نادبة تكذب إلا نادبة سعد". وأخرج الطبرانيّ عن ابن عباس قال: جعلت أم سعد تقول:
ويل امِّ سعد سعدًا حزامة وجدا
فقال النبي ﷺ : "لا تزيدي على هذا. كان والله ما علمت حازمًا، وفي أمر الله قويًا. له حديث موقوف في البخاريّ، وروى عنه ابن مسعود، وكان استشهاده سنة خمس.
стр. 3276
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، وفيه القول، وفيه أن زكريا من أفراد البخاريّ، ورواته ما بين كوفيّ ومدنيّ، أخرجه البخاريّ مقطعًا في الصلاة وفي المغازي والهجرة، ومسلم في المغازي، وأبو داود في الجنائز، والنّسائيّ في الصلاة ثم قال المصنف:
باب إدخال البعير في المسجد للعلة
أي للحاجة، وهي أعم من أن تكون للضعف أو غيره، وقيل: المراد بالعلة الضعف، واعترض عليه بأن هذا ظاهر في حديث أم سلمة دون حديث ابن عباس. ثم قال: وقال ابن عباس: "طاف النبي ﷺ على بعير" وهذا التعليق يحتمل أن يكون المصنف أشار به إلى ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قَدِم مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته" فيكون موافقًا للترجمة كحديث أم سلمة. وجاء أيضًا عند مسلم عن جابر أنه إنما طاف على بعيره، ليراه الناس، وليسألوه، فإن الناس غَشُوه، واللفظ المعلق رواه مسندًا في باب "من أشار إلى الركن" في كتاب الحج. وابن عباس مرَّ في الخامس من بدء الوحي.
стр. 3277
الحديث السابع والستون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. قَالَ طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ. فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ.
قوله: إني أشتكي، في محل النصب مفعول شكوت، وقوله: فطفت، أي راكبة على البعير، حتى يدل الحديث على الترجمة. وقوله: إلى جنب البيت، أي الكعبة؛ لأن البيت عَلَمٌ عليها، وصلاته إلى جنب البيت من أجل أنّ المقامَ كان حينئذ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر، رضي الله تعالى عنه، من ذلك المكان إلى صحن المسجد. وقوله: يقرأ بالطور، أي بسورة الطور، ولم تذكر واو القسم, لأن لفظ الطور صار عَلَما للسورة. قال ابن بطال: في هذا الحديث جوازُ دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجدَ إذا احتيج إلى ذلك؛ لأن بولها لا ينجسه، بخلاف غيرها من الدواب. قال الفتح: وتُعُقّب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر على التلويث وعدمه، فتحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول. وقد قيل: إن ناقته ﵊ كانت مُدَرَّبة معلَّمة، فيؤمن منها ما يحذر من التلويث وهي سائرة، فيحتمل أن يكون بعير أم سلمة كان كذلك.
قلت: في هذا التعقيب نظرٌ؛ لأن التلويث لا يؤمن منه حالة دخول الدواب في المحل، مع طول المكث فيه. ودل إدخال البعير على أن خشية تلويثه غير ضارة، لطهارة رَجِيعها، وكون الناقة مدربة معلمة لا يوجب الأمن رجيَعها، كما
стр. 3278
هو مشاهد في كل معلمة، وأبعد من هذا قول من قال: يحتمل أن تكون ناقته عُصمت من التلويث حينئذ، فلا يقاس غيره عليه، فإن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والأصل في أفعاله ﵊ التشريعُ.
وفيه أن النساء ينبغي لهن أن يطفنَ من وراء الرجال؛ لأن للطواف شَبَهًا للصلاة، ومن سنة النساء فيها أن يكنَّ خلف الرجال، فكذلك في الطواف، وفيه أن راكب الدابة ينبغي له أن يتجنب ممر الناس ما استطاع، ولا يخالط الرجالة وفيه جواز الطواف راكبًا للمعذور، ولا كراهة فيه، فإن كان غير معذور، فالجمهور على أن الركوب مكروه تنزيهًا. قال في الفتح: والذي يترجح المنع، لأن طوافه ﵊، وطواف أم سَلَمة، كان قبل أن يُحَوَّط المسجد، ووقع في حديث أم سلمة "طوفي من وراء الناس" وهذا يقتضي منع الطواف في المطاف، وإذا حُوِّط المسجد امتنع داخله، إذ لا يؤمن التلويث، فلا يجوز مع التحويط، بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يحرم التلويث، كما في السعي. قال: وعلى هذا فلا فرق في الركوب بين البعير والحمار. قلت: لم نطلع على ما بنى عليه ما قال، من كون المسجد لم يكن في الزمن القديم غير محوط، فانظر اين مستنده في ذلك؟
رجاله ستة:
الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عروة بن الزبير في الثاني منه، ومرَّ محمد بن عبد الرحمن في التاسع والثلاثين من كتاب الغُسل، ومرت زينب بنت أم سلمة في السبعين من كتاب العلم، ومرت أمها أم سلمة في السابع والخمسين.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك، والعنعنة في أربعة مواضع، وفيه القول، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وهما محمد وعروة، ورواية صحابية عن صحابية، ورواته كلهم مدنيون ما عدا شيخ البخاريّ، أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة أيضًا وفي التفسير وفي الحج، ومسلم وأبو داود
стр. 3279
في الحج، والنّسائي فيه وفي التفسير، وابن ماجه في الحج.
ثم قال المصنف:
كذا هو في الأصل بلا ترجمة، وكأنه بَيّض له فاستمر كذلك. وأما. قول ابن رشيد: إن مثل هذا إذا وقع للبخاريّ، كان كالفصل من الباب، فإنما هو حيث يكون بينه ويين الباب الذي قبله مناسبة، بخلاف مثل هذا الموضع، وأما وجه تعلقه بأبواب المساجد، فمن جهة أن الرجلين تأخرا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد، في تلك الليلة المظلمة، لانتظار صلاة العشاء معه، فعلى هذا كان يليق أن يترجم له فصل "المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة"، ويلمح بحديث "بَشَّر المَشّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". أخرجه أبو داود وغيره عن بريدة.
стр. 3280
الحديث الثامن والستون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ.
قوله: مظلمة، بكسر اللام، يقال: أظلم الليل، وظَلِم بكسر اللام، بمعنى. وقوله: يضيآن، مِن أضاء يقال: ضاءت النار وأضاءت، بمعنى. وقوله: بين أيديهما، أي: قدامهما. وهو مفعول فيه. وفي رواية عبد الرزاق عن معمر أن أُسَيد بن حُضير ورجلًا من الأنصار تحدثا عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى ذهب من الليل ساعة، في ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل منهما عُصَيَّة، فاضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت عصا الآخر، فمشى كل منهما في ضوء عصاهُ حتى بلغ أهله.
وفي رواية أحمد والحاكم في المستدرك، عن حماد بن سلمة، أن أسَيد بن حُضير وعبّاد بن بِشر كانا عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في ليلة ظلماء حِندس، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهما الطريق، أضاءت عصا الآخر. وفي حديث الباب إكرام الله تعالى لهذين الصحابيين بهذا النور الظاهر، وادَّخر لهما يوم القيامة ما هو أعظم من ذلكَ وأتم، وفيه دلالة ظاهرة لكرامة الأولياء، والرد على من ينكر ذلك.
стр. 3281
ووقع مثله لقتادة بن النعمان فيما ذكره ابن عساكر وغيره، أنه خرج من عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وبيده عُرجون فأضاء العرجون. وفي دلائل البيهقيّ أن أبا عَبس كان يصلي مع النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الصلوات، ثم يرجع إلى بني حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنورت عصاه حتى دخل دار بني حارثة. وروي عن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فنفرنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير. وفي لفظ "نفرت دوابُّنا ونحن في مشقّة ... " الحديث.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر رجلين مبهمين.
الأول: محمد بن المثنى، وقد مرَّ في التاسع من كتاب الإيمان, ومرَّ هشام الدّستوائي في السابع والثلاثين منه، ومرَّ قتادة وأنس في السادس منه، ومرَّ معاذ بن هشام في الثامن والستين من كتاب العلم، والرجلان المذكوران أحدهما عباد بن بشر قطعًا، والثاني، الصحيح أنه أُسَيد بن حضير، وقيل: عُوَيمْ بن الساعدة، ولنذكر تعريف الثلاثة هنا تتميما للفائدة.
الأول: عباد بن بشر بن وقْش بن زغبة بن زَعُوراء بن عبد الأشهل الأنصاريّ الأشهلىّ، أبو بِشر، وقيل: أبو الربيع، أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل إسلام سعد بن معاذ، وأسيد بن حُضير شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة. رُوي عن أنس بن مالك أن عصاه كانت تضيء له إذ كان يخرج من عند النبي ﷺ ، إلى بيته ليلًا، وعرض له ذلك مرة مع أُسيد بن حُضير، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه. وروى أنسٌ أيضًا قال: كان عبّاد بن بشر، ورجل آخر من. الأنصار، عند النبي ﷺ يتحدثان في ليلة ظلماء، حِنْدس، فخرجا من عنده، فأضاءت عصا عباد بن بشر حتى انتهى عباد، وذهب، فأضاءت عصا الآخر.
стр. 3282
ورُوي عن عائشة، ﵂ قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحدٌ يَعْتَدُّ عليهم فضلًا، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ وأسيد بن حُضير وعباد بن بشر. وروي عنها أيضًا قالت: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن بعد النبي صلى الله تعالى وسلم من المسلمين أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ وأُسيد بن حُضير وعباد بن بشر. قال عباد بن عبد الله: والله ما سماني أبي عبادًا إلا به، وكان عباد بن بشر ممن قَتَل كعب بن الأشرف اليهوديّ، الذي كان يؤدي رسول الله ﷺ ، ويحرض على أذاه. وقال عباد بن بشر في ذلك شعرًا:
صرختُ به فلم يعرض لصوتي ... ووافى طالعًا من رأس جدرِ
فعدت له فقال من المنادي ... فقلت له أخوك عباد بن بشر
وهذي دِرعنا رهنًا فخذها ... لشهر إن وفي أو نصف شهر
فقال: معاشر سَغِبوا وجاعوا ... وما عدموا الغنى من غير فقر
فأقبلَ نحونا يهوي سريعًا ... وقال لنا: لقد جئتم لأمر
وفي أيماننا بيضٌ جداد ... مدربة بها الكفارَ نفري
فعانقه ابن مَسلمة المروي ... بها الكفارَ كالليث الهزبر
فكان الله سادسَنا فأُبنا ... بأنعم نعمة وأعز نصر
وجاء برأسه نفرٌ كرامٌ ... هم ناهيك من صدق وَبِرِّ
والذين قتلوا كعبَ بن الأشرف محمدُ بن مَسْلَمة والحارثُ بن أوس وعباد بن بشر وأبو عبس بن جَبر وأبو نائلة سلكان بن وقش الأشهلي.
روي عن عائشة ﵂ قالت: تهجد رسول الله ﷺ في بيتي، فسمع صوت عباد بن بشر فقال: يا عائشة، صوت عباد بن بشر هذا؟ قلت: نعم، قال: اللهم اغفر له. روى عنه عباد بن بشر أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر الأنصار، أنتم الشِّعار والناس الدِّثار، فلا أُوتين من قبلكم" ويُحفظ العباد بن بشر غير هذا الحديث. فقُتِل يومَ اليمامة شهيدًا، وكان له يومئذ بلاءً وغَناء، فاستشهد يومئذ وهو ابن خمس وأربعين سنة.
стр. 3283
الثاني: أسيد بن حُضير وقد مرَّ في الثالث من كتاب التيمم.
والثالث: عُوَيم بن الساعدة بن عابس بن قيس بن النعمان بن زيد بن أمية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الأوسي. وقال ابن إسحاق: أصله من بَليّ، وحالف بني أمية بن زيد. كان ممن شهد العقبة ويدرًا وأحدًا والمغازي. ومات في حياة النبي ﷺ . هذا قول الواقديّ. وقال غيره: مات في خلافة عمر بن الخطاب، ويؤيده ما في الصحيحين عن ابن عباس عن عمر في حديث السقيفة، قال عمر: فَلَقِيَنا رجلان صالحان من الأنصار، وزاد الإسماعيلي أن الرجلين الذين لقيا عمر وأبي بكر عويمُ بن ساعدة ومعنُ بن عديّ، فأما عُويم فهو الذي بَلَغَنا أنه قيل للنبي ﷺ : مَن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال: نِعم المرء منهم عويمُ بن الساعدة.
وفي تاريخ البخاريّ دُعي عمر إلى جنازة عويم بن ساعدة، وكان النبي ﷺ آخى بينه وبين عمر فقال: ما نصبت راية لرسول الله ﷺ إلا وتحت ظلها عويم بن ساعدة. وقال ابن إسحاق: آخى النبي ﷺ بينه ويين حاطب بن أبي بلتعة، وليس في الصحابة عُويم سواه إلا عويم الهذليّ، وقيل: هذا عويمر. مات بالمدينة وهو ابن خمس أو ست وستين سنة.
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، ويالإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، ورجاله كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ في علامات النبوءة وفي مناقب الأنصار وفي منقبة أُسيد بن حُضير.
ثم قال المنصف:
باب الخُوخة والممر في المسجد
الخُوْخَة، بضم الخاء، طاقة في الجدار تفتح لأجل الضوء, ولا يشترط عُلُوّها، وحيث تكون سفلى يمكن الاستطراق منها, لاستقراب الوصول إلى
стр. 3284
مكان مطلوب، وهو المقصود هنا, ولذلك أُطلق عليها "باب" في الحديث الآتي، وقيل: لا يطلق عليها باب إلا إذا كانت تغلق، وهي قد تكون بمصراع، وقد لا تكون. والمَمَرّ بفتح الميمين وتشديد الراء، موضع المرور. والظاهر أن مراد البخاريّ من هذه الترجمة الإشارةُ إلى جواز اتخاذ الخوخة والممر في المسجد, لأن حديث الباب يدل على ذلك.
стр. 3285
الحديث التاسع والستون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْعَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا. قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِى صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً مِنْ أُمَّتِي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ، لاَ يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلاَّ سُدَّ إِلاَّ بَابُ أَبِي بَكْرٍ.
قوله: عن عبيد بن حُنين عن بُسر بن سعيد، هو في أكثر الروايات، وسقط في رواية الأصيليّ ذكرُ بسر بين عبيد وأبي سعيد، فصار عن عبيد عن أبي سعيد، وهو صحيح في نفس الأمر، لكن محمد بن سنان إنما حدث به كما في بقية الروايات، وقد قال البخاريّ: إنه خطأ، وإنما هو عن عبيد، وعن بسر بواو العطف، فعلى هذا يكون أبو النضر سمعه من شيخين حدثه كل منهما به، عن أبي سعيد، فتحذف الواو خطأ من محمد بن سنان أو من فُليح.
ويؤيد هذا رواية مسلم له عن سعيد بن منصور عن فليح عن أبي النضر عن عبيد وبُسر، جميعًا عن أبي سعيد، ورواه المصنِّف في مناقب أبي بكر عن أبي عامر العَقْديّ، عن فُليح عن أبي النضر عن بُسر وحده، فكأنَ فليحًا كان يجمعهما مرة، ويقتصر مرة على أحدهما. ورواه مالك عن أبي النضر عن عبيد وحده، عن أبي سعيد، أخرجه المصنف في الهجرة، فانتقاد الدارقطنيّ على
стр. 3286
المؤلف هذا الحديث مع إفصاحه بما ذكر، لا وجه له، وليست هذه بعلة قادحة.
وقوله: بين الدنيا وبين ما عنده، في رواية مالك الآتية في الهجرة إلى المدينة "بين أن يدنيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده". وقوله: فقلت في نفسي: ما يُبكي هذا الشيخ؟ وفي رواية المناقب: فعجبنا لبكائه، وفي رواية مالك، "فقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول صلى الله تعالى عليه وسلم عن عبد، وهو يقول: فديناك" ويجمع بان أبا سعيد حدّث نفسه بذلك، فوافق تحديث غيره بذلك، فنقل جميع ذلك.
وفي حديث ابن عباس الآتي بعد هذا، كان في مرضه الذي مات فيه، ولمسلم عن جُنْدُب: سمعت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول. قبل أن يموت بخمس ليال. وفي حديث أبيّ بن كعب الآتي قريبًا "إن أحدث عهدي بنبيكم قبل وفاته بخمس ... " الخ وكأن أبا بكر ﵁، فهم الرمز الذي أشار به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه، فلذلك بكى.
وقوله: إن يكن الله خير عبدًا، كذا للأكثر، وللكشميهنىّ: إن يكن لله عبد خير، وهمزة إنْ مكسورة على أنها شرطية، وجوّز ابن التين فتحها على أنها تعليلية، وفيه. نظر. وقوله: وكان أبو بكر أعلمنا، وفي رواية مالك. وكان أبو بكر هو أعلمنا به، أي بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أو بالمراد من الكلام المذكور، حيث فهم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفارق الدنيا، فبكى حزنًا على فراقه، وعبر بعبد بالتنكير، ليظهر نباهة أهل العرفان في تفسير هذا المبهم، فلم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، فبكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأولادنا، فسكَّن الرسول جَزَعَه بقوله: يا أبا بكر، لا تبك.
وقوله: إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، وفي رواية مالك: إنّ مِن أمنّ الناس عليّ، بزيادة مِنْ وقال فيها "أبا بكر" بالنصب للأكثر، ولبعضهم "أبو بكر" بالرفع. وقد قيل: إن الرفع خطأ، والصواب النصب؛ لأنه اسم إنّ، ووجه الرفع بتقدير ضمير الشأن، أي إنَّ، والجار والمجرور بعده خبر
стр. 3287
مقدم، وأبو بكر مبتدأ مؤخر، وعلى أن مجموع الكنية اسم، فلا يعرب ما وقع فيها من الأداة، أو أنَّ إنّ بمعنى نعم، أو أنّ مِنْ زائدة على رأي الكسائي.
وقال ابن برّي: يجوز الرفع إذا جعلت "مَنْ صفة لشيء محذوف، تقديره إنّ رجلًا أو إنسانًا من أمن الناس، فيكون اسم إن محذوفًا، والجار والمجرور في موضع الصفة، وأبو بكر الخبر. وقوله: أَمَنَّ، أفعل تفضيل من المَنّ، بمعنى العطاء والبذل، أي كثرهم جودًا لنا بنفسه وماله، وليس من المَنّ الذي هو الاعتداد بالصنيعة المفسد لها, ولأنه لا مِنَّةَ لأحد عليه، ﵊، بل المنة الله ولرسوله في قبول ذلك. وقال القرطبيّ: هو من الامتنان، يعني أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه، له من الحقوق ما لو كان لغيره لامتَنَّ بها، وذلك لأنه بادر بالتصديق ونفقة الأموال وبالملازمة والمصاحبة، إلى غير ذلك، بانشراح صدر، ورسوخ علم بأن الله ورسوله لهما المِنّة في ذلك، لكن الرسول ﵊، بجميل أخلاقه، وكرم أعراقه، اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم.
ورواية حديث الباب توافقها رواية ابن عباس الآتية بعده "ليس من الناس أحد أَمَنَّ على في نفسه وماله من أبي بكر" وأما الرواية التي فيها "من" فإن قلنا زائدة، فلا تخالف، وإلا فتحمل على أن المراد أن لغيره مشاركة ما في الأفضلية، إلا أنه مقدم في ذلك، بدليل ما تقدم من السياق وما تأخر، ويؤيده ما رواه الترمذيّ عن أبي هُريرة بلفظ "ما لأحد عندنا يدٌ إلا كافأناه عليها، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيمة" فإن ذلك يدل على ثبوت يد لغيره، إلا أنّ لأبي بكر رُجحانًا"، فالحاصل أنه حيث أطلق أراد أنه أرجحهم في ذلك، وحيث لم يطلق أراد الإشارة إلى من شاركه في شيء من ذلك. ووقع بيان ذلك في حديث آخر عن ابن عباس، رفعه، نحو حديث الترمذيّ، أخرجه الطبرانيّ" وزاد منه اعتق فيه بلالا ومنه هاجر بنبيه، وعنه في طريق أخرى ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته أخرجه الطبراني.
стр. 3288
وفي حديث مالك بن دبنار عن أنس، رفعه "أن أعظم الناس علينا مَنّاً أبو بكر، زوَّجني ابنته، وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالًا أبو بكر، أعتق منه بلالًا، وحملني إلى دار الهجرة" أخرجه ابن عساكر، وأخرج عن عليّ نحَوه. وجاء عن عائشة "مقدار المال الذي أنفقه أبو بكر" فروى ابن حبّان عنها أنها قالت: أنفق أبو بكر على النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم أربعين ألف درهم. وروى الزبير بن بكّار عنها أنه لما مات، ما ترك ديناراً ولا درهمًا.
وقوله: فلو كنتُ متخذًا خليلًا من أمتي، كذا للأربعة، ولغيرهم: ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، أي لو كنت أختار وأصطفي. وقوله: لاتخذتُ أبا بكر، أي لكونه متأهلًا لأن يتخذه ﵊ خليلاً، لولا المانع، وهو أنه ﵊ امتلأ قلبه بما تخلَّله من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر. وعلى هذا لا يكون الخليل إلا واحدًا، وزعم الفراء أن معنى الحديث لو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس لخصصتُ به أبا بكر؛ لأن الخليل من تَفَرَّد بخلة من الفضل، لا يشاركه فيها أحد. وقيل: معناه لو كنت منقطعًا إلى غير الله لانقطعت إلى أبي بكر، لكن هذا ممتنع لامتناع ذلك.
والخليل هو المُخَالّ، أي الذي يخالُّك، أي يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقتك، من الخَلّ، وهو الطريق في الرمل، أو يَسُدُّ خَلَلَك كما تسد خَلَلَه، أو يداخلك خلاة منازلك، وقيل: أصل الخُلّة الانقطاع، فخليل الله المنقطع إليه، وقيل: الخلة صفاء المودة بتخلل الأسرار. وقيل: الخليل مَنْ لا يتسع قلبه لغير خليله. وقال عياض: أصل الخلة الافتقار والانقطاع، فخليل الله المنقطع إليه، وقيل الخلة صفاء المودة بتخلل الأسرار. وقيل: الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله. وقال عياض: أصل الخلة الافتقار والانقطاع، فخليل الله المنقطِع إليه لقصرِهِ حاجَتَه عليه. وقيل: الخلة الاختصاص بأصل الاصطفاء. وقيل: الخليل من الخَلّة، بالفتح، وهي الحاجة، فعلى هذا، فهو المحتاج إلى من يخاللَه.
стр. 3289
وسمى إبراهيم ﵊ خليلَ الله, لأنه وإلى فيه وعادى فيه. وقيل: سمى بذلك لانقطاعه إلى ربه وقصره حاجته عليه. وقيل: سمي بذلك لأنه تخلل بخلال حسنة، وأخلاق كريمة، وهذا كله بالنسبة إلى الإنسان. وأما خُلة الله للعبد، فبمعنى نصره له، ومعاونته. واختلف في المودة والخلة والهبة والصداقة، هل هي مترادفة أو مختلفة؟ قال أهل اللغة: الخُلة الصداقة والمودة. وقيل: الخُلة أرفع رتبة، وهو الذي يشعر به حديث الباب، وكذا قوله ﵊ "لو كنت مُتخذًا خليلًا غير ربي" فإنه يشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم، وقد ثبتت محبته لجماعة من أصحابه كأبي بكر وعمر وعائشة وفاطمة والحسنين وغيرهم. ولا يعكر على هذا اتصاف إبراهيم ﵊ بالخُلة، ومحمد ﷺ بالمحبة، لتكون المحبة أرفع رتبة من الخُلة؛ لأنه يجاب عن ذلك بان محمدًا صلى الله تعالى عليه وسلم قد ثبت له الأمران، فيكون رُجحانة من الجهتين. وذهب ابن فَوْرك إلى أن المحبة أعلى، لأنها صفة نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو أفضل من الخليل. وقيل هما سواء، فلا يكون الخليل إلا حبيباً ولا الحبيب إلا خليلًا. وهذا هو الترادف المتقدم.
وقد تواردت الأحاديث على نفي الخلة من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأحد من الناس. قال الداوديّ: لا ينافي ذلك قول أبي هُريرة وأبي ذرٍّ وغيرهما. أخبرني خليلي صلى الله تعالى عليه وسلم؛ لأن ذلك جائز لهم، ولا يجوز للواحد منهم أن يقول: أنا خليل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولهذا يقال: إبراهيم خليل الله، ولا يقال: الله خليل إبراهيم. قال في الفتح: لا يخفى ما فيه، قلت: الجواب عندي هو أن المنفي كونُ النبي ﷺ متخذًا خليلًا غير ربه، وذلك لا ينافي أن يكون أحد متخذًا له هو، ﵊، خليلًا، إذ لم يشترطوا أنَّ الخُلة لابد أن تكون من الطرفين. ورأيت في فتح الباري في صلاة الضحى الإشارةَ إلى ما قلته بعد كَتبي له، فقال: الممتنع أن يتخذ هو صلى الله تعالى عليه وسلم غيره خليلًا، لا العكس، ولا يقال إن المخالَّة لا تتم حتى تكون من الجانبين, لأنا نقول إنما نظر الصحابي
стр. 3290
إلى أحد الجانبين، فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة.
وأما ما روي عن أُبيّ بن كعب قال:"إن أحدث عهدي بنبيكم قبل موته بخمس، دخلت عليه وهو يقول: إنه لم يكن نبيّ إلا وقد اتخذ من أمته خليلاً, وان خليلي أبو بكر، ألا وإنّ الله اتخذني خليلًا، كما اتخذَ إبراهيم خليلًا"، أخرجه أبو الحسن الحربيّ في فوائده، فإنه معارِضٌ حديث جُندب عند مسلم أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول، قبل أن يموت بخمس: إني أبرأ إلى الله تعالى أن يكون لي منكم خليلٌ، وأخرج الواحدي في تفسيره عن أبي أمامة نحو حديث أُبيّ بن كعب، دون التقييد بالخمس، قال المحب الطبريّ: فإنْ ثبت حديث أُبيّ أمكن الجمع بينهما بأنه لمّا برىء من ذلك تواضعًا لربه، وإعظاما له، أذِن الله تعالى له فيه من ذلك اليوم، أما رأى من تشوقه إليه وإكرامًا لأبي بكر بذلك، فلا يتنافى الخبران، لكن حديث أُبيّ وأبي أمامة واهيان.
وقوله: ولكن أخوّة الإِسلام ومودته، وفي حديث ابن عباس الآتي بعد هذا أفضل. وأخرجه الطبراني عن خالد الحذاء بلفظ "ولكن أخُوة الإيمان والإِسلام أفضل" وأخرجه أبو يعلى عن عكرمة بلفظ "ولكن خُلة الإِسلام أفضل" وفيه إشكال، فإن الخُلة أفضل من أخوة الإِسلام؛ لأنها تستلزم ذلك وزيادة، فقيل: المراد أن مودة الإِسلام مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل من مودته مع غيره، وقيل: أفضل بمعنى فاضل، ولا يعكر على ذلك اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق، وتحصيل كثرة الثواب، ولأبي بكر من ذلك أعظمه وأكثره. وقد مرَّ الخلاف في المودة والخلهّ هل هما مترادفان أم لا؟ وعلى عدم الترادف قيل: إن تغايرهما باعتبار المتعلق، وهو أنه أثبت المودة؛ لأنها بحسب الإِسلام والدين، ونفى الخلة للمعنى الذي ذكرناه، وقيل: إن الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة، فنفى الخاص وأثبت العام، ووقع في بعض الروايات، ولكن خُوَّة الإِسلام، بغير ألف.
قال ابن بطال: لم أجد خُوّة بمعنى خُلة في كلام العرب، وفي بعض الروايات "ولكن خُلة الإِسلام" وهو الصواب. وقال ابن التين: لعل الألف
стр. 3291
سقطت من الرواية" فإنها ثابتة في سائر الروايات. ووجَّهه ابن مالك بأنه نقلت حركة الهمزة إلى النون، فتحذف الألف، وجوز مع حذفه ضم نون لكن وسكونه. قال: ولا يجوز مع إثبات الهمزة إلا سكون النون فقط. وقوله: لا يَبْقَينَّ باب، بفتح أوله ونون التوكيد الشديدة، وفي إضافة النهي إلى الباب، يجوز لأن عدم بقائه لازم للنهي عن إبقائه، فكأنه قال: لا تُبقوه حتى لا يبقى. وقد رواه بعضهم بضم أوله على البناء المجهول، وهو واضح.
وقوله: إلاَّ سد، بضم أوله، وقوله إلا باب أبي بكر، استثناء مفرغ، والمعنى لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا باب أبي بكر، فاتركوه بغير سد. قال ابن بطال والخطّابيّ وغيرهما في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر، وفيه إشارة قوية إلى استحقاته للخلافة، ولاسيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر. وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخِلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها، فكأنه قال: لا يطلبن أحدٌ الخلافة إلا أبو بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها.
وجنح إلى هذا ابن حبّان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, لأنه حسم بقوله "سُدّوا عني كل خوخة في المسجد" أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاءَ بعده. وقوّى بعضهم ذلك بأنَّ منزل أبي بكر كان بالسُّنْح من عوالي المدينة، فلا تكون له خوخة إلى المسجد، وهذا الاستناد ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كانت له إذ ذاك زوجة أخرى، وهي أسماء بنت عُميس بالاتفاق، وأم رومان، على القول بأنها كانت باقية يومئذ.
وتعقب المحبّ الطبريّ ما قاله البعض فقال: قد ذكر عمر بن شَبّة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أُذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه، فباعها فاشترتها حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم، فلم تزل بيدها
стр. 3292
إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد، فامتنعت وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارًا أوسع منها، ونجعل لك طريقا مثلها، فسلمتْ ورضيت.
تنبيه: قد جاء في سد الأبواب التي حول إلمسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديثَ الباب، منها حديث سعد بن أبي وقاص، وقال: أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب عليّ. أخرجه أحمد والنَّسائيّ وإسناده قويّ. وفي رواية للطبرانيّ في الأوسط, رجالها ثقات، من الزيادة، فقالوا: "يا رسول الله، سددتَ أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها, ولكن الله سدها" وأخرج أحمد والنَّسائيّ والحاكم، ورجاله ثقات، عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: سدوا هذه الأبواب إلا باب عليّ، فتكلم ناس في ذلك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إني والله ما سددت شيئًا ولا فتحته، ولكن أمرت بشيء فاتبعته.
وأخرج أحمد والنسائيّ برجال ثقات عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأبواب المسجد فَسُدَّت إلا باب عليّ. وفي رواية "وأمر بسد الأبواب غير باب عليّ، فكان يدخل المسجد وهو جنب، ليس له طريق غيره" وأخرج الطبرانيّ عن جابر بن سَمُرة قال: أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسد الأبواب كلها، غير باب عليّ، فربما مرَّ فيه وهو جنب، وأخرج أحمد، وإسناده حسن، عن ابن عمر قال: كنا نقول في زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم خيرُ الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر. ولقد أُعطي عليّ بن أبي طالب ثلاثَ خصالٍ, لأَن تكونَ لي واحدةٌ منهن أحب إليّ من حُمر النَّعَم: زوّجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ابنته، وولدت له، وسُدّ الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر.
وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار، بمهملات، قال: فقلتُ لابن
стр. 3293
عمر أخبرني عن عليّ وعثمان، فذكر الحديث، وفيه "أما عليّ فلا تسأل عنه أحدًا، وانظر إلى منزلته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد سد أبوابنا في المسجد وأقرَّ بابه.
ورجاله رجال الصحيح، إلا العلاء، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره. وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج، فضلًا عن مجموعها، وأورد ابن الجوزيّ هذا الحديث في الموضوعات مقتصرًا على بعض طرقه، وأعله ببعض من تكلم فيه من رجاله، وليس ذلك بقادح لما مر من كثرة الطرق. وأعله أيضًا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في أبي بكر. وزعم أنه من وَضْعِ الزنادقة، قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. وأخطأ في ذلك خطأ شنيعًا، فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهُّم المعارضة، مع أن الجمع بين القضيتين ممكن، وقد أشار إليه البزّار في مسنده، فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حِسَان في قصة عليّ، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإنْ ثبتت روايات أهل الكوفة، فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخُدريّ، الذي أخرجه الترمذيّ "أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جُنُبا غيري وغيرك" والمعنى أن باب علي كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسده.
ويؤيد ذلك ما رواه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن، عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَبَ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب؛ لأن بيته كان في المسجد. ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليًا لما ذكره، وفي الأخرى استثنى أبا بكر، ويحمل ما في قصة عليّ على الباب الحقيقي، وما في قصة أبى بكر على الباب المجازي، والمراد الخوخة كما صرح به بعض الطرق، وكأنّهم أما أُمروا بسد الأبواب، سدوها وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأُمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة
стр. 3294
الجمع بين الحديثين، وبها جمع بينهما أبو جعفر الطحايّ في مشكل الآثار، وأبو بكر الكلاباذيّ في معاني الأخبار، وصرح بان بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد.
وفي الحديث من الفوائد، غير ما تقدم، أن للخليل صفة خاصة تقتضي عدم المشاركة فيها، وفيه أن المساجد تُصان عن التطرق لغير ضَرورة مهمة، والإشارة بالعلم الخاص، دون التصريح، لإثارة أفهام السامعين، وتفاوت العلماء في الفهم، وأنّ من كان أرفع في اللهم استحق أن يطلق عليه عَلَم، وأنه لا يستحق أخذ العِلم حقيقة إلا من فهم. والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ: عالم، بالنص لا بالمعنى، وفيه الترغيب في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا، والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين، وفيه شكر المحسن، والتنويه بفضله والثناء عليه. وفيه أن المرشح للإمامة يخص بكرامة تدل عليه كما وقع للصِّدِّيق في هذه القصة. وفيه ائتلاف النفوس بقوله: ولكنّ أخوة الإِسلام أفضل.
رجاله ستة:
وفيه ذكر أبي بكر.
الأول: محمد بن سنان.
والثاني: فليح، وقد مرا في الأول من كتاب العلم، ومرَّ أبو النضر سالم بن أبي أمية في السابع والستين من كتاب الوضوء.
الرابع: عبيد بن حُنين المدنيّ، أبو عبد الله مولى آل زيد بن الخطاب، ويقال: مولى بني زريق. قال ابن سعد: كان ثقة، وليس بكثير الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبّان في الثقات. روى الواقديّ عنه أنه قال: قلت لزيد بن ثابت مقتلَ عثمان: إقرأ عليّ الأعراف، فقال: اقرأها عليَّ أنت، فقال: فقرأتها عليه، فما أخذ عليّ ألفاً ولا واوًا. روى عن قتادة بن
стр. 3295
النعمان الظفريّ، وأبي موسى الأشعري وابن عمر وغيرهم، وروى عنه أبو النضر وأبو الزناد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعتبة بن مسلم وغيرهم. مات سنة خمس ومئة وهو ابن تسعين سنة بتقديم التاء على الصحيح.
الخامس: بُسْر بن سعيد المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، قال يحيى بن سعيد: بسْر أحب إليّ من العبّاد المُنْقطعين وأهل الزهد في الدنيا، وكان ثقة كثير الحديث. وقال مَالك: قال الوليد بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: من أفضل أهل المدينة؟ قال: مولى لبني الحضرميّ يقال له بُسر. قال مالك: مات ولم يخلف كفنًا. وقال العجليّ: تابعيّ مدنيّ ثقة. ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان يسكن دار الحضرمي، في جَديلة بني قيس، فنسب إليهم، وكان سعيدًا متزهدًا، لم يخلف كفنًا.
روى عن أبي هريرة وعثمان وأبي سعيد، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر وزيد بن ثابت وغيرهم. وعنه سالم أبو النضر وبكير بن الأشَجّ وأبو سلمة بن عبد الرحمن ويعقوب بن الأشج وغيرهم. مات بالمدينة سنة مئة وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وبُسر في الستة سواه خمسة. السادس أبو سعيد الخدريّ، وقد مرَّ في الثاني عشر من الإِيمان، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة، بعد السبعين من كتاب الوضوء.
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في ثلاثة، والقول في ثلاثة. أخرجه البخاري أيضًا في فضل أبي بكر، ومسلم في الفضائل.
следующие страницы →