← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

سقطت من الرواية" فإنها ثابتة في سائر الروايات. ووجَّهه ابن مالك بأنه نقلت حركة الهمزة إلى النون، فتحذف الألف، وجوز مع حذفه ضم نون لكن وسكونه. قال: ولا يجوز مع إثبات الهمزة إلا سكون النون فقط. وقوله: لا يَبْقَينَّ باب، بفتح أوله ونون التوكيد الشديدة، وفي إضافة النهي إلى الباب، يجوز لأن عدم بقائه لازم للنهي عن إبقائه، فكأنه قال: لا تُبقوه حتى لا يبقى. وقد رواه بعضهم بضم أوله على البناء المجهول، وهو واضح. وقوله: إلاَّ سد، بضم أوله، وقوله إلا باب أبي بكر، استثناء مفرغ، والمعنى لا تبقوا بابًا غير مسدود إلا باب أبي بكر، فاتركوه بغير سد. قال ابن بطال والخطّابيّ وغيرهما في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر، وفيه إشارة قوية إلى استحقاته للخلافة، ولاسيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر. وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخِلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها، فكأنه قال: لا يطلبن أحدٌ الخلافة إلا أبو بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها. وجنح إلى هذا ابن حبّان فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا الحديث دليل على أنه الخليفة بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم, لأنه حسم بقوله "سُدّوا عني كل خوخة في المسجد" أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاءَ بعده. وقوّى بعضهم ذلك بأنَّ منزل أبي بكر كان بالسُّنْح من عوالي المدينة، فلا تكون له خوخة إلى المسجد، وهذا الاستناد ضعيف؛ لأنه لا يلزم من كون منزله كان بالسنح أن لا يكون له دار مجاورة للمسجد، ومنزله الذي كان بالسنح هو منزل أصهاره من الأنصار، وقد كانت له إذ ذاك زوجة أخرى، وهي أسماء بنت عُميس بالاتفاق، وأم رومان، على القول بأنها كانت باقية يومئذ. وتعقب المحبّ الطبريّ ما قاله البعض فقال: قد ذكر عمر بن شَبّة في أخبار المدينة أن دار أبي بكر التي أُذن له في إبقاء الخوخة منها إلى المسجد كانت ملاصقة للمسجد، ولم تزل بيد أبي بكر حتى احتاج إلى شيء يعطيه لبعض من وفد عليه، فباعها فاشترتها حفصة أم المؤمنين بأربعة آلاف درهم، فلم تزل بيدها

стр. 3292

إلى أن أرادوا توسيع المسجد في خلافة عثمان، فطلبوها منها ليوسعوا بها المسجد، فامتنعت وقالت: كيف بطريقي إلى المسجد؟ فقيل لها: نعطيك دارًا أوسع منها، ونجعل لك طريقا مثلها، فسلمتْ ورضيت. تنبيه: قد جاء في سد الأبواب التي حول إلمسجد أحاديث يخالف ظاهرها حديثَ الباب، منها حديث سعد بن أبي وقاص، وقال: أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد، وترك باب عليّ. أخرجه أحمد والنَّسائيّ وإسناده قويّ. وفي رواية للطبرانيّ في الأوسط, رجالها ثقات، من الزيادة، فقالوا: "يا رسول الله، سددتَ أبوابنا، فقال: ما أنا سددتها, ولكن الله سدها" وأخرج أحمد والنَّسائيّ والحاكم، ورجاله ثقات، عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: سدوا هذه الأبواب إلا باب عليّ، فتكلم ناس في ذلك فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إني والله ما سددت شيئًا ولا فتحته، ولكن أمرت بشيء فاتبعته. وأخرج أحمد والنسائيّ برجال ثقات عن ابن عباس، قال: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأبواب المسجد فَسُدَّت إلا باب عليّ. وفي رواية "وأمر بسد الأبواب غير باب عليّ، فكان يدخل المسجد وهو جنب، ليس له طريق غيره" وأخرج الطبرانيّ عن جابر بن سَمُرة قال: أمرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بسد الأبواب كلها، غير باب عليّ، فربما مرَّ فيه وهو جنب، وأخرج أحمد، وإسناده حسن، عن ابن عمر قال: كنا نقول في زمن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم خيرُ الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر. ولقد أُعطي عليّ بن أبي طالب ثلاثَ خصالٍ, لأَن تكونَ لي واحدةٌ منهن أحب إليّ من حُمر النَّعَم: زوّجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ابنته، وولدت له، وسُدّ الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. وأخرج النسائي من طريق العلاء بن عرار، بمهملات، قال: فقلتُ لابن

стр. 3293

عمر أخبرني عن عليّ وعثمان، فذكر الحديث، وفيه "أما عليّ فلا تسأل عنه أحدًا، وانظر إلى منزلته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قد سد أبوابنا في المسجد وأقرَّ بابه. ورجاله رجال الصحيح، إلا العلاء، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره. وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، وكل طريق منها صالح للاحتجاج، فضلًا عن مجموعها، وأورد ابن الجوزيّ هذا الحديث في الموضوعات مقتصرًا على بعض طرقه، وأعله ببعض من تكلم فيه من رجاله، وليس ذلك بقادح لما مر من كثرة الطرق. وأعله أيضًا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في أبي بكر. وزعم أنه من وَضْعِ الزنادقة، قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر. وأخطأ في ذلك خطأ شنيعًا، فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهُّم المعارضة، مع أن الجمع بين القضيتين ممكن، وقد أشار إليه البزّار في مسنده، فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حِسَان في قصة عليّ، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإنْ ثبتت روايات أهل الكوفة، فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخُدريّ، الذي أخرجه الترمذيّ "أنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جُنُبا غيري وغيرك" والمعنى أن باب علي كان إلى جهة المسجد، ولم يكن لبيته باب غيره، فلذلك لم يؤمر بسده. ويؤيد ذلك ما رواه إسماعيل القاضي في أحكام القرآن، عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَبَ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب؛ لأن بيته كان في المسجد. ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليًا لما ذكره، وفي الأخرى استثنى أبا بكر، ويحمل ما في قصة عليّ على الباب الحقيقي، وما في قصة أبى بكر على الباب المجازي، والمراد الخوخة كما صرح به بعض الطرق، وكأنّهم أما أُمروا بسد الأبواب، سدوها وأحدثوا خوخًا يستقربون الدخول إلى المسجد منها، فأُمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة

стр. 3294

الجمع بين الحديثين، وبها جمع بينهما أبو جعفر الطحايّ في مشكل الآثار، وأبو بكر الكلاباذيّ في معاني الأخبار، وصرح بان بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد، وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد. وفي الحديث من الفوائد، غير ما تقدم، أن للخليل صفة خاصة تقتضي عدم المشاركة فيها، وفيه أن المساجد تُصان عن التطرق لغير ضَرورة مهمة، والإشارة بالعلم الخاص، دون التصريح، لإثارة أفهام السامعين، وتفاوت العلماء في الفهم، وأنّ من كان أرفع في اللهم استحق أن يطلق عليه عَلَم، وأنه لا يستحق أخذ العِلم حقيقة إلا من فهم. والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ: عالم، بالنص لا بالمعنى، وفيه الترغيب في اختيار ما في الآخرة على ما في الدنيا، والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين، وفيه شكر المحسن، والتنويه بفضله والثناء عليه. وفيه أن المرشح للإمامة يخص بكرامة تدل عليه كما وقع للصِّدِّيق في هذه القصة. وفيه ائتلاف النفوس بقوله: ولكنّ أخوة الإِسلام أفضل. رجاله ستة: وفيه ذكر أبي بكر. الأول: محمد بن سنان. والثاني: فليح، وقد مرا في الأول من كتاب العلم، ومرَّ أبو النضر سالم بن أبي أمية في السابع والستين من كتاب الوضوء. الرابع: عبيد بن حُنين المدنيّ، أبو عبد الله مولى آل زيد بن الخطاب، ويقال: مولى بني زريق. قال ابن سعد: كان ثقة، وليس بكثير الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبّان في الثقات. روى الواقديّ عنه أنه قال: قلت لزيد بن ثابت مقتلَ عثمان: إقرأ عليّ الأعراف، فقال: اقرأها عليَّ أنت، فقال: فقرأتها عليه، فما أخذ عليّ ألفاً ولا واوًا. روى عن قتادة بن

стр. 3295

النعمان الظفريّ، وأبي موسى الأشعري وابن عمر وغيرهم، وروى عنه أبو النضر وأبو الزناد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وعتبة بن مسلم وغيرهم. مات سنة خمس ومئة وهو ابن تسعين سنة بتقديم التاء على الصحيح. الخامس: بُسْر بن سعيد المدنيّ العابد، مولى ابن الحضرميّ، قال يحيى بن سعيد: بسْر أحب إليّ من العبّاد المُنْقطعين وأهل الزهد في الدنيا، وكان ثقة كثير الحديث. وقال مَالك: قال الوليد بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز: من أفضل أهل المدينة؟ قال: مولى لبني الحضرميّ يقال له بُسر. قال مالك: مات ولم يخلف كفنًا. وقال العجليّ: تابعيّ مدنيّ ثقة. ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال: كان يسكن دار الحضرمي، في جَديلة بني قيس، فنسب إليهم، وكان سعيدًا متزهدًا، لم يخلف كفنًا. روى عن أبي هريرة وعثمان وأبي سعيد، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر وزيد بن ثابت وغيرهم. وعنه سالم أبو النضر وبكير بن الأشَجّ وأبو سلمة بن عبد الرحمن ويعقوب بن الأشج وغيرهم. مات بالمدينة سنة مئة وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وبُسر في الستة سواه خمسة. السادس أبو سعيد الخدريّ، وقد مرَّ في الثاني عشر من الإِيمان، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة، بعد السبعين من كتاب الوضوء. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في ثلاثة، والقول في ثلاثة. أخرجه البخاري أيضًا في فضل أبي بكر، ومسلم في الفضائل.

стр. 3296

الحديث السبعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ. قوله: عاصبًا رأسه، ولغير الأربعة "عاصبٌ" بالرفع، أي وهو عاصب. وقوله: فحمد الله تعالى، وجود الكمال وأثنى عليه على عدم النقصان. وقوله: غير خوخة أبي بكر، وللكشميهنيّ إلا بدل غير. ومباحث الحديث استوفيت في الذي قبله. رجاله ستة: الأول: عبد الله بن محمد الجعفيّ، وقد مرَّ في الثاني من كتاب الإيمان, ومرَّ وهب بن جرير بن حازم في الخامس والأربعين من كتاب الوضوء. الثالث: جرير بن حازم بن عبد الله بن شجاع الأزدي العتكيّ، وقيل الجَهْضَمِيّ، أبو النضر البصريّ، والد وهب. قال قُراد: قال لي شُعبة: عليك بجرير بن حازم، فاسمع منه. وقال وهب بن جرير: كان شعبة يأتي جريرًا فيسأله عن حديث الأعمش، فإذا حدّثه قال له: هكذا والله سمعته من الأعمش. وقال ابن حبّان في الثقات: كان يخطىء, لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه. وكان

стр. 3297

شًعبة يقول: ما رأيت أحفظ من رجلين: جرير بن حازم وهشام الدستوائيّ. وقال الساجيّ: صدوق حدّث بأحاديث وهم فيها، وهي مقلوبة. وقال ابن مهدي: جرير بن حازم أثبت عندي من قُرَّة بن خالد. وقال أيضًا: جرير بن حازم اختلط وكان له أولاد أصحاب حديث، فلما أحسوا ذلك منه حجبوه فلم يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئًا. وقال موسى: ما رأيت حمادًا يعظم أحدًا تعظيمه جرير بن حازم. وقال ابن مَعين: ثقة، وقال الدوريّ سألت يحيى عن جرير بن حازم وأبي الأشهب. فقال: جرير أحسن حديثًا منه، وأسند، وقال أيضًا: جرير أمثل من ابن أبي هلال. وكان صاحب كتاب. وقال أيضًا: ليس به بأس، فقيل له: إنه يحدث عن قتادة عن أنس أحاديث مناكير. فقال: ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف. وقال وهب بن جرير: قرأ أبي على أبي عمرو بن العلاء فقال له: أنت أفصح من مَعَد، وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وقال النّسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال ابن عديّ: حدث عنه أيوب والليث بن سعد، وله أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي عنه أشياء لا يرويها غيره. وقال أحمد: جرير بن حازم حدث بالوهم بمصر، ولم يكن يحفظ. وقال ابن المَدِينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: أبو الأشهب أحب إليك أم جرير بن حازم؟ قال: ما أقربهما, ولكن كان جرير أكبرهما، وكان يهم في الشيء، وكان يقول في حديث الضبع عن جابر عن عمر، ثم صيره عن جابر عن النبي ﷺ . وقال أحمد: كان حديثه عن قتادة غير حديث الناس، يوقف أشياء ويسند أشياء، ثم أثنى عليه وقال: صالح صاحب سنة وفضل. وقال الأزديّ: جرير صدوق خرج عنه بمصر أحاديث مقلوبة، ولم يكن بالحافظ، حمل رشدين وغيره عنه أحاديث مناكير، ووثقه أحمد بن صالح، وقال البزار في مسنده: ثقة، وقال ابن مهدي: جرير عندي أوثق من قُرَّة بن خالد، ونسبه يحيى الحمَّانيّ إلى التدليس، وقال ابن سعد: كان ثقة، إلا أنه اختلط في

стр. 3298

آخر عمره. قال ابن حجر في مقدمته: لكنه ما ضرّه اختلاطه لما مرَّ عن ابن مهدي من فعل أولاده به. قال: واحتج به الجماعة، وما أخرج له البخاريّ من روايته عن قتادة إلا أحاديث يسيرة توبع عليها، روى عن أبي الطفيل وأبي رجاء وابن سيرين وقتادة وابن إسحاق والأعمش وشُعبة، وهو أصغر منه، وجماعة. وروى عنه الأعمش وأيوب شيخاه، وابنه وهب وابن وهب ووكيع وابن مهدي والقطان وابن أبي حبيب وابن عون، وهم أكبر منه، وشيبان بن فَرّوخ خاتمة أصحابه وغيرهم. مات سنة خمس وسبعين ومئة، وليس في الستة جرير بن حازم سواه. الرابع: يعلي بن حكيم الثقفيّ، مولاهم المكيّ، سكن البصرة، وكان صديقًا لأيوب. وقال أحمد وابن معين وأبو زرعة والنَّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث. وقال ابن خِراش: كان صدوقًا، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال حماد بن زيد: جاء نعي يعلي بن حكيم من الشام إلى أمه، فكان أيوب يأتيها ويسليها. روى عن سعيد بن جبير وعكرمة وسليمان بن يسار ونافع مولى ابن عمر وغيرهم، وروى عنه يحيى بن أبي كثير وسعيد بن أبي عَروبة وأيوب وجرير بن حازم وابن جُريح وحماد بن زيد وغيرهم. وليس في الستة يعلي بن حكيم سواه. الخامس: عكرمة مولى ابن عباس، وقد مرَّ في السابع عشر من كتاب العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، والسماع والقول. ورواية الابن عن الأب أخرجه البخاريّ في الفرائض بزيادة، والنَّسائيّ في المناقب. ثم قال المصنف: باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد أي اتخاذ الأبواب للكعبة وغيرها من المساجد، لأجل صونها عما لا يصلح فيها, ولأجل حفظ ما فيها من الأيدي العادِيَة، ولذا قال ابن بطال: اتخاذ

стр. 3299

الأبواب للمساجد واجب، وعلل الوجوب بما ذكر. وقوله: والغَلَق بتحريك اللام، وهو المغلاق، وهو ما يغلق به الباب. ثم قال: قال أبو عبد الله: قال لي عبد الله بن محمد: حدثنا سفيان عن ابن جريج، قال لي ابن أبي مليكة: يا عبد الملك، لو رأيت مساجد ابن عباس وأبوابها. قوله: لو رأيت محذوف الجواب، وتقديره لرأيت عجبًا أو حسنًا لإتقانها أو نظافتها أو نحو ذلك، وهذا السياق يدل على أنها في ذلك الوقت كانت قد اندرست، ويحتمل أن تكون لو للتمني، فلا تحتاج إلى جواب. رجاله أربعة: أبو عبد الله، المراد به البخاريّ نفسه، وعبد الله بن محمد المسنديّ مرَّ في الثاني من كتاب الإيمان، ومرَّ سفيان بن عُيينة في الأول من بدء الوحي، ومرَّ ابن أبي مليكة في الأربعين من كتاب الإيمان, ومرَّ عبد الملك بن جُريح في الثالث من كتاب الحيض.

стр. 3300

الحديث الحادي والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ وَقُتَيْبَةُ بن سعيد قَالاَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَفَتَحَ الْبَابَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَبِلاَلٌ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، ثُمَّ أُغْلِقَ الْبَابُ، فَلَبِثَ فِيهِ سَاعَةً ثُمَّ خَرَجُوا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلاَلاً فَقَالَ صَلَّى فِيهِ. فَقُلْتُ فِي أَيٍّ قَالَ بَيْنَ الأُسْطُوَانَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى. قوله: ثم أغلق الباب، بضم الهمزة مبنيًا للمفعول، وبفتحها مبنيًا للفاعل. قال ابن بطال: الحكمة في غلق الباب حينئذ لئلا يظن الناس أن الصلاة فيه سنة فيلتزمون ذلك. وقال غيره: يحتمل أن يكون ذلك لئلا يزدحموا عليه، لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه، وإنما أدخل معه عثمان لئلا يظن أنه قد عزل عن ولاية الكعبة، وبلالًا وأسامة لملازمتهما خدمته. وقيل: فائدة ذلك التمكن من الصلاة في جميع جهاتها؛ لأن الصلاة إلى جهة الباب وهو مفتوح لا تصح. وهذا الحديث استوفيت مباحثه غاية الاستيفاء عند ذكره في باب ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. رجاله ستة: وفيه ذكر عثمان بن طلحة وأسامة بن زيد وبلال. الأول: أبو النعمان، وقد مرَّ في الحادي والخمسين من كتاب الإيمان، ومرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين منه، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين

стр. 3301

منه، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ عبد الله بن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه. ومر نافع مولى ابن عمر في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ بلال بن حمامة في التاسع والثلاثين منه أيضًا، ومرَّ أسامة بن زيد في الخامس من كتاب الوضوء. وأما عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدريّ، حاجب البيت، أمه أم سعيد بن الأوس، قتل أبوه طلحة وعمه عثمان بن أبي طلحة بأُحد، ثم أسلم عثمان بن طلحة في هدنة الحديبية، وهاجر مع خالد بن الوليد في هدنة الحديبية، فلقيا عمرو بن العاص مقبلًا من عند النجاشيّ يريد الهجرة، فاجتمعوا حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة، فقال رسول الله ﷺ حين رآهم "رمتكم مكة بأفلاذ كبدها". وشهد الفتح مع النبي ﷺ ، فأعطاه مفتاح الكعبة هو وشيبة بن عثمان بن أبي طلحة. وقال: "خذاها خالدة تالدة لا ينزعها يا بني أبي طلحة منكم إلا ظالم". وفي الصحيحين من حديث ابن عمر "دخل النبي ﷺ الكعبة .... " الخ وقد وقع في تفسير الثعالبيّ بغير سند في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ أن عثمان إنما أسلم يوم الفتح بعد أن دفع له النبي ﷺ مفتاح البيت، وهذا منكر، والمعروف أنه أسلم وهاجر مع عمرو بن العاص وخالد بن الوليد، فأقام بالمدينة إلى وفاة رسول الله ﷺ ، ثم انتقل إلى مكة، فسكنها حتى مات بها في أول خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين. وقيل استشهد بأجنادين. قال العسكريّ: وهو باطل. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة. وروى البخاري فيه عن شيخين، ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا

стр. 3302

وفي المغازي والجهاد، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه في الحج. ثم قال المصنف: باب دخول المشرك المسجد قد يقال إن في هذه الترجمة تكرارًا بالنسبة إلى ترجمة الأسير يربط في المسجد، لأن ربطه فيه يستلزم إدخاله، لكن يجاب عن ذلك بان هذا أعم من ذلك.

стр. 3303

الحديث الثاني والسبعون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. وهذا الحديث مرت مباحثه مستوفاة عند ذكره في باب الاغتسال إذا أسلم. رجاله أربعة: وفيه ذكر ثُمامة. الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب الإيمان, ومرَّ الليث في الثالث من بدء الوحي، وسعيد بن أبي سعيد في الثاني والثلاثين منه، ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ ثمامة بن أُثال الخامس والستين من أبواب القبلة هذه. ثم قال المصنف: باب رفع الصوت في المسجد أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك، وقد مرَّ الكلام عليه في باب التقاضي.

стр. 3304

الحديث الثالث والسبعون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْجُعَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِى رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ. فَجِئْتُهُ بِهِمَا. قَالَ مَنْ أَنْتُمَا أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا قَالاَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ. قَالَ لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قوله: حدثني يزيد بن خُصَيفة، وأخرج الإسماعيليّ هذا الحديث عن الجُعَيد عن السائب بلا واسطة، وعند عبد الرزاق له طريق أخرى عن نافع. قال: كان عمر يقول: لا تكثروا اللغط، فدخل المسجد فإذا هو برجلين ارتفعت أصواتهما، فقال: إن مسجدنا هذا لا يرفع فيه الصوت .. الحديث. وفيه انقطاع, لأن نافعًا لم يدرك ذلك الزمان. وقوله: كنت قائمًا في المسجد، كذا في الأصول بالقاف، وفي رواية "نائمًا" بالنون، ويؤيده رواية حاتم عن الجُعيد بلفظ "كنت مضطجعًا" وقوله: فتحصبني، أي رماني بالحصباء. وقوله: فإذا عمر، الخبر محذوف تقديره قائم أو نحوه، ولم تعرف تسمية هذين الرجلين، لكن في رواية عبد الرزاق أنهما ثقفيان. وقوله: لو كنتما، يدل على أنه كان تقدم نهيه عن ذلك، وفيه المعذرة لأهل الجهل بالحكم إذا كان مما يخفى مثله. وقوله: لأوجعتكما، زاد الإسماعيليّ "جَلْدًا" ومن هذه الجهة يتبين كون هذا الحديث له حكم الرفع؛ لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفيّ. وقوله: ترفعان، هو جواب عن سؤال، كأنهما قالا له: لِمَ توجعنا؟، قال: لأنكما ترفعان. وفي رواية الإسماعيليّ "برفعكما أصواتكما". وهو يؤيد ما

стр. 3305

قدرناه، وإنما قال عمر رضي الله تعالى عنه لهما: من أين أنتما؟ ليعلم أنهما ان كانا من أهل البلد وعلما أن رفع الصوت باللغط في المسجد غير جائز، زجرهما وأدبهما. فلما أخبراه أنهما من غير أهل البلد عذرهما بالجهل. وقوله: أصواتكما، عبر بالجمع دون صوتيكما بالتثنية؛ لأن المضاف المثنى معنى، إذا كان جزء ما أضيف إليه، فالأصح أن يذكر بالجمع، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وإن لم يكن جزءه فالأكثر مجيئه بلفظ التثنية: سَلَّ الزيدان سيفيهما، فإن أُمن اللَّبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، كقوله ﵊ "يعذبان في قبورهما". رجاله خمسة: وفيه ذكر عمر، ورجلين مبهمين. الأول: عليّ بن المدينىّ، وقد مرَّ في الرابع من كتاب العلم، ومرَّ القطان في السادس من كتاب الإيمان, ومرَّ الجُعَيد بن عبد الرحمن والسائب بن يزيد في الخامس والخمسين من الوضوء، ومرَّ عمر بن الخطاب في الأول من بدء الوحي. والخامس: يزيد بن عبد الله بن خُصَيفة بن عبد الله بن يزيد الكنديّ المدنيّ، وقد ينسب إلى جده. قال أحمد وأبو حاتم والنَّسائيّ: ثقة، وقال ابن مَعين: حجة ثقة. وقال ابن سعد: كان عابدًا ناسكًا كثير الحديث ثبتًا. وذكره ابن حبّان في الثقات. قال في "تهذيب التهذيب": زعم ابن عبد البر أنه ابن أخي السائب بن يزيد، وكان ثقة مأمونًا. وقال أبو داود: قال أحمد: منكر الحديث. قال ابن حجر "في مقدمته": هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه بالحديث، عرف ذلك بالاستقراء من حاله. وقد احتج به مالك والأئمة كلهم. روى عن أبيه والسائب بن يزيد ومحمد بن عبد الرحمن بن ثَوبان وبُسْر بن سعيد وغيرهم. وروى عنه الجُعَيد بن عبد الرحمن ومالك والسفيانان وسليمان بن بلال وغيرهم.

стр. 3306

وأما الرجلان المبهمان، فقال ابن حجر: لم أقف على تسميتهما، لكن في رواية عبد الرزاق أنهما ثقفيان. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، وفيه القول، ورواته ما بين مدينيّ ومدنيّ وبصريّ، وفيه رواية الراوي عن خاله، كما ذكرنا.

стр. 3307

الحديث الرابع والسبعون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَسْجِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ وَنَادَى يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، يَا كَعْبُ. قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. قَالَ كَعْبٌ قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُمْ فَاقْضِهِ. قوله: حتى سمعها، أي أصواتهما، وللأصيلي "حتى سمعهما" أي كعبًا وابن أبي حدرد، وحديث كعب هذا قد استُوفي عليه الكلام في باب التقاضي قبل عشرة أبواب أو نحوها. رجاله ستة: الأول: أحمد مبهمًا، واختلف فيه، فالصحيح أنه أحمد بن صالح المصريّ، وقيل: أحمد بن عيسى، فلابد من تعريفهما. فالأول أحمد بن صالح المصريّ، أبو جعفر الحافظ المعروف بابن الطبريّ، كان أبوه من أهل طبرستان. قال أبو نعيم: ما قدم علينا أحد أعلم بحديث أهل الحجاز منه. وقال أبو زرعة: سألني أحمد: من خلَّفت بمصر؟ قلت: أحمد بن صالح، فَسُرَّ بذكره. وقال يعقوب بن سفيان الفَسَوِيّ: كتبت عن ألف شيخ وليس كلهم ثقات، ما أحد منهم أتخِذُه حجة عند الله تعالى إلا أحمد بن صالح بمصر،

стр. 3308

وأحمل بن حنبل بالعراق. وقال البخاريّ: ثقة صدوق، ما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة. كان أحمد بن حنبل وابن نمير وعليّ وغيرهم يثبتون أحمد بن صالح. وكان يحيى يقول: سلوا أحمد بن صالح فإنه أثبت. وقال صالح بن محمد: لم يكن بمصر أحد يحسن الحديث ويحفظ غير أحمد بن صالح. وكان جامعًا يعرف الفقه والحديث والنحو. وكان يذاكر بحديث الزُّهريّ ويحفظه. وقال ابن نُمير: حدثنا أحمد بن صالح، وإذا جاوزت الفرات فلست تجد مثله. وقال العجليّ: ثقة صاحب سنة. وقال أبو حاتم: ثقة كتبت عنه. وقال أبو داود: كان يقوّم كل لحن في الحديث. وقال محمد بن عبد الرحمن بن سهل: كان من حفاظ الحديث رأسًا في العلل. وكان يصلي بالشافعي، ولم يكن في أصحاب ابن وهب أعلم منه بالآثار. وأما النَّسائيّ فكان سيىء الرأي فيه، ذكره مرة فقال: ليس بثقة ولا مأمون. أخبرني معاوية بن صالح قال: سألت يحيى بن مَعين عن أحمد بن صالح فقال: كذاب يتفلسف، رأيته يخطىء في الجامع بمصر، فاشتد النَّسائيّ في تضعيفه إلى ما حكاه عن يحيى بن مَعين، وهو وهم منه، حمله على اعتقاده سوء رأيه في أحمد بن صالح، فنذكر أولًا السبب الحاصل له على سوء رأيه فيه، ثم نذكر وجه وهمه في نقله ذلك عن يحيى بن مَعين. قال أبو جعفر العقيليّ: كان أحمد بن صالح لا يحدث أحدًا حتى يسأل عنه، فلما قدم النَّسائيّ مصر، جاء إليه وقد صحب قومًا من أهل الحديث لا يرضاهم أحمد، فأبى أن يحدِّثه، فذهب النسائي فجمع الأحاديث التي وهم فيها أحمد، وشرع يشنع عليه، وما ضره ذلك شيئًا. وأحمد بن صالح إمام ثقة. وقال ابن عديّ: كان النّسائي ينكر عليه أحاديث، وهو من الحفاظ المشهورين بمعرفة الحديث، ثم ذكر ابن عديّ الأحاديث التي أنكرها النَّسائيّ وأجاب عنها, وليس في البخاريّ مع ذلك منها شيء. وقال صالح جزرة: لم يكن بمصر أحد يحفظ الحديث غير أحمد بن صالح. وكان يذاكر بحديث الزُّهريّ

стр. 3309

ويحفظه. وقال ابن حبّان في الثقات: كان أحمد بن صالح في الحديث، وحفظه عند أهل مصر كأحمد بن حنبل عند أهل العراق، ولكنه كان صلفًا تيّاهًا، والذي يروى عن معاوية بن صالح عن يحيى بن مَعين أن أحمد بن صالح كذّاب، فإن ذلك أحمد بن صالح الشموميّ، وكان مشهورًا بوضع الحديث. وأما ابن الطَّبري فكان يقارب ابن مَعين في الضبط والإتقان، فتبين أن النَّسائيّ انفرد بتضعيف أحمد بن صالح بما لا بقبل. حتى قال الخليليّ: اتفق الحفاظ على أن كلامه فيه تحامل. وقال محمد بن هارون: هذا الخراساني يتكلم في أحمد بن صالح، وحضرت مجلس أحمد فطرده من مجلسه، فتحمله ذلك على أن يتكلم فيه. قال: وهذا أحمد بن حنبل قد أثنى عليه. وقال الخطيب: احتج بأحمد جميع الأئمة إلا النَّسائيّ. ويقال: كان آفة أحمد الكِبْر، ونال النَّسائيّ منه جفاءٌ في مجلسه، فذلك السبب الذي أفسد الحال بينهما. روى عن عبد الله بن وهب وابن عُيينة وعبد الرزاق وابن أبي فُديك وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وأبو داود والتِّرمذيّ بواسطة، ومحمد بن نُمير وعمرو بن محمد الناقد وأبو موسى ومحمد بن غَيلان، وهم من أقرانه، وغيرهم. ولد بمصر سنة خمس وسبعين ومئة، ومات في ذي القعدة سنة ثمان ومئتين. وفي الستة أحمد بن صالح سواه واحد، وهو البغداديّ. روى له النَّسائيّ. والطّبريّ نسبة إلى طَبَرستان، بلاد واسعة منها دَهِستان وجُرجان وأُستراباذ وامل، والنسبة إليها طبريّ، منها محب الدين أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر وغيره، وتشابهها طَبَرية محركة، قصبة الأردن، والنسبة إليها طبرانيّ على تغيير النسب. منها الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مُطير بن اللخميّ الشاميّ، صاحب المعاجم الثلاثة وغيره. والثاني: أحمد بن عيسى بن حسّان المصريّ، أبو عبد الله العسكريّ المعروف بالتُّستَريّ. عاب أبو زرعة على مسلم تخريج حديثه، ولم يبين سبب ذلك، وقد احتج به النَّسائيّ مع تعنته. وقال الخطيب: لم أر لمن تكلم فيه حجة

стр. 3310

توجب ترك الاحتجاج بحديثه، وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه، قيل لي بمصر: إنه قدمها واشترى كتب ابن وهب، وكتاب المفضّل بن فضَالة، ثم قدمتُ بغدادَ فسألت هل يحدث عن المفضل؟ فقالوا: نعم، فأنكرت ذلك، وذلك أن الرواية عن ابن وهب والرواية عن المفضل لا يستويان. قال ابن حجر: انما أنكروا عليه ادعاء السماع، ولم يُتّهم بالوضع، وليس في حديثه شيء من المناكر، ووقع التصريح به في صحيح البخاريّ في رواية أبي ذرّ الهَرَوي، وذلك في ثلاثة مواضع: أحدها حديثه عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة "أن أول شيء بدأ به النبيّ ﷺ الطوافُ" وقد تابعه عليه عنده أصْبَغ عن ابن وهب. ثانيها حديثه عن ابن وهب عن يونس عن الزُّهريّ عن سالم عن أبيه في المواقيت، مقرونًا بسفيان بن عُيينة عن الزُّهري. وثالثها هذا الإسناد في الإهلال من ذي الحُلَيفة بمتابعة ابن المبارك عن يونس، وقد أخرج مسلم الحديثين الأخيرين عن حَرْمَلة عن ابن وهب، فما أخرج له البخاريّ شيئًا تفرد به. ووقع في البخاري عدة مواضع غير هذه، يقول فيها: حدثنا أحمد عن ابن وهب ولا ينسبه. روى عن ابن وهب والمفضل بن فضالة وضِمَام بن إسماعيل وغيرهم. وروى عنه البخاريّ ومسلم والنّسائيّ وابن ماجَه وأبو زرعة وأبو حاتم وعبد الله بن أحمد وحنبل بن إسحاق وغيرهم. مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين. الثاني من السند ابن وهب، وقد مرَّ في الثالث عشر من كتاب العلم، ومرَّ يونس بن يزيد في متابعة الرابع من بدء الوحي ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عبد الله بن كعب في الستين من أبواب القبلة، ومرَّ أبوه كعب في السادس والأربعين منها، ومرَّ عبد الله بن أبي حدرد المذكور، في الحديث الستين من

стр. 3311

أبواب القبلة. ثم قال المصنف: باب الحَلَق والجلوس في المسجد الحلق، بفتح المهملة، ويجوز كسرها واللام مفتوحة على كل حال، جمع حَلْقَة، بإسكان اللام على غير قياس وحكى فتحها أيضًا.

стр. 3312

الحديث الخامس والسبعون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ مَا تَرَى فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ قَالَ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى. وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ وِتْرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ. قوله: سأل رجل، لم يعرف اسمه، وفي المعجم الصغير للطبرانيّ أن السائل هوابن عمر، لكن يعكر عليه رواية عبد الله بن شقيق عن ابن عمر "أن رجلًا سأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا بينه وبين السائل" فذكر الحديث، وفيه "ثم سأله رجل على رأس الحَوْل وأنا بذلك المكان منه، قال: فما أدري. أهو ذلك الرجل أم غيره؟ " وعند النّسائيّ من هذا الوجه أن السائل المذكور من أهل البادية، وعند محمد بن نصر في كتاب "أحكام الوِتر" عن ابن عمر أن أعرابيًا سأل، فيحتمل أن يجمع بتعدد من سأل. وقوله: ما ترى، أي ما رأيك، من الرأي أو من الرؤية، بمعنى العلم. وقوله: مَثْنى مثنى، أي صلاة الليل مثنى مثنى، فالمبتدأ محذوف، ومثنى غير منصرف للعدل والوصف، أي اثنتين اثنتين، وكرره للتأنيث، واستشكل التكرار بأن القاعدة فيما عدل من أسماء الأعداد أن لا يكرر، فلا يقال جاء القوم مثنى مثنى، وأجيب بأنه تكيد لفظي لا لقصد التكرار، فإن ذلك مستفاد من الصيغة، كقول الشاعر: هنيئًا لأرباب البيوت بيوتهم ... وللآكلين التمر مخمس مخمسَ

стр. 3313

ففي الصحاح: إذا قلت جاء القوم مثنى بدون تكرار، فالمعنى جاؤوا مزدوجين. وأما ما قاله الزركشيّ من أن التكرار لابد منه إذا كان العدل في لفظ واحد، فهو غير صحيح، لا يُعرف أحد من النحاة ذهب إليه. وقوله: مثنى مثنى، فسره ابن عمر راوي الحديث كما عند مسلم عن عقبة بن حُرَيث قال: قلت لابن عمر: ما معنى مثنى مثنى؟ قال: تسلم من كل ركعتين. وقد اختلف العلماء في الوصل والفصل في النافلة أيهما أفضل؟ فقال مالك والشافعيّ وأحمد: السنة أن تكون مثنى مثنى ليلًا أو نهارًا. وقال أبو حنيفة: الأفضل الأربع ليلًا أو نهارًا. وقال أبو يوسف ومحمد: الأفضل بالليل ركعتان، وبالنهار أربع. وتفسير ابن عمر السابق لمثنى مثنى يَرُدّ على من زعم من الحنفية أن معنى مثنى أن يتشهد بين كل ركعتين؛ لأن راوي الحديث أعلم بالمراد به، وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم؛ لأنه لا يقال الرباعية مثلًا إنها مثنى، واستدل الأولون بحديث الباب على تعيُّن الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل. قال ابن دقيق العيد: وهو ظاهر السياق لحصر المبتدأ في الخبر، وحمله الجمهور على أنه لبيان الأفضل، أما صح من فعله صلى الله تعالى عليه وسلم بخلافه، ولم يتعين أيضًا كونه لذلك، بل يحتمل أن يكون للإرشاد إلى الأخف، إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها، لما فيه من الراحة غالبًا، وقضاء ما يعرض من أمر مهم، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط، لم يواظب عليه صلى الله تعالى عليه وسلم. ومن ادعى اختصاصه به فعليه البيان. وقد صح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم الفصل كما صح عنه الوصل، فعند أبي داو ومحمد بن نصر عن عائشة "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصلي ما بين أن يفرغ من العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين" وإسنادهما على شرط الشيخين. واستدل به أيضًا على عدم النقصان عن ركعتين في النافلة ما عدا الوتر. قال ابن دقيق العيد: والاستدلال به أقوى من الاستدلال بامتناع قصر

стр. 3314

الصبح في السفر إلى ركعة، واستدل بعض الشافعية للجواز بعموم قوله صلى الله تعالى عليه وسلم "الصلاة خير موضوع: فمن شاء استكثر، ومن شاء استقل" صححه ابن حِبّان، وقال الأثرم عن أحمد: الذي اختاره في صلاة الليل مثنى، فإن صلى في النهار أربعًا فلا بأس. وقال محمد بن نصر نحوه في صلاة الليل. قال: وقد صح عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه أوتر بخمس، لم يجلس إلا في آخرها، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على الوصل، إلا أننا نختار أن يسلم من كل ركعتين، لكونه أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقًا، واستدل أبو حنيفة في صلاة الليل بما رواه أبو داو في سننه عن عائشة، أنها سُئلت عن صلاة رسول الله ﷺ في جوف الليل، فقالت: "كان يصلي صلاة العشاء في جماعة، ثم يرجع إلى أهله، فيركع أربع ركعات، ثم يأوي إلى فراشه ... " الحديث، وفيه "حتى قُبِض على ذلك". قلت: لا دلالة له في هذا على ما ذهب إليه؛ لأن لفظ "أربع ركعات" شامل للوصل والفصل، واحتج في صلاة النهار بما رواه مسلم عن معاذ "أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي الضحى. قالت: أربع ركعات، يزيد ما شاء". قلت: هذا أيضًا مثل المتقدم، لا دلالة فيه، بل هذا أولى بعدم الدلالة؛ لأنه جواب عن سؤال عن العدد. قال العيني: رواه أبو يعلى في مسنده" وفيه "لا يفصل بينهن بسلام"واحتجوا أيضًا بمفهوم قوله في حديث الباب "صلاة الليل مثنى" على أن الأفضل في صلاة النهار أن تكون أربعًا، وتعقب بأنه مفهوم لقب، وليس بحجة على الراجح، وعلى تقدير الأخذ به، فليس بمنحصر في أربع، وبأنه خرج جوابًا للسؤال عن صلاة الليل، فقيد الجواب بذلك مطابقة للسؤال، وبأنه قد تبين من رواية أخرى أن حكم المسكوت عنه حكم المنطوق به. وأما حديث السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره، عن عليّ الأزديّ عن ابن عمر مرفوعًا "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" فقد تعقب بان أكثر أئمة الحديث أعَلّوا هذه الزيادة، وهي قوله "والنهار"، بان الحُفّاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النَّسائيّ بأنها خطأ. وقال يحيى بن مَعين: ومَنْ علي

стр. 3315

الأزديّ حتى نقبل منه؟ وروى يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع أنّ ابن عمر كان يتطوع بالنهار أربعًا لا يفصل بينهن، ولو كان حديث الأزدي صحيحًا ما خالفه ابن عمر مع شدة اتِّباعه، رواه عنه محمد بن نصر في سؤالاته، لكن روى. ابن وهب بإسناد قويّ عن ابن عمر قال: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" موقوف، أخرجه ابن عبد البر، فلعل الأزديّ اختلط عليه الموقوف بالمرفوع، فلا تكون هذه الزيادة صحيحة على طريقة من يشترط في الصحيح أن لا يكون شاذًا. أو قد روى ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن عمر أنه كان يصلي في النهار أربعًا، وهذا موافق لما نقله ابن مَعين. وقوله: فإذا خشي الصبحَ، استدل به على خروج وقت الوِتر بطلوع الفجر، وأصرح منه ما رواه أبو داود والنَّسائيّ، وصححه أبو عَوانة عن نافع أن ابن عمر كان يقول: "من صلى من الليل فليجعل آخر صلاته وترًا، فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يأمر بذلك، فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر" وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي سعيد مرفوعًا "من أدركه الصبح ولم يوتر فلا وتر له" وهذا محمول على التعمد أو على أنه لا يقع أداء لما رواه أبو داود عن أبي سعيد أيضًا مرفوعًا "من نسي الوِتر أو نام عنه فليصله إذا ذكره" وقيل: معنى قوله: إذا خشي أحدكم الصبح، أي وهو في شَفْع فلينصرف على وِتره، وهذا ينبني على أن الوتر لا يحتاج إلى نية. وحكى ابن المنذر عن جماعة من السلف أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري، ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح. وحكاه القرطبيّ عن مالك والشافعيّ وأحمد. قال في الفتح: وإنما قاله الشافعيّ في القديم. وقال ابن قُدامة: لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوِتر حتى يصبح، واختلف السلف في مشروعية قضائه، فنفاه الأكثر. وفي مسلم وغيره عن عائشة "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا نام من الليل من وجع أو غيره، فلم يقم من الليل، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة" وقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في شيء من الأخبار أنه قضى الوتر، ولا أمر بقضائه. ومن زعم أنه

стр. 3316

عليه الصلاة والسلام قضى الوِتر ليلة نومهم عن الصبح في الوادي لم يُصب. وعن عطاء والأوزاعيّ: يقضى ولو طلعت الشمس. وهو وجه عن الشافعية حكاه النوويّ في شرح مسلم. وعندهم أيضًا يقضى مطلقًا، واستدلوا بحديث أبي سعيد المتقدم. وعن سعيد بن جبير يقضى من القابلة. ويؤخذ من الحديث أن الصبح ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس من النهار شرعًا، وسئل الخليل بن أحمد عن حد النهار، فقال: من الفجر المستطير إلى بداءة الشفق. وحكى عن الشعبي أنه وقت منفرد لا من الليل ولا من النهار. وقوله: صلى واحدة، وفي رواية "ركعة واحدة". وفي رواية الشافعيّ وابن وهب ومكيّ بن إبراهيم عن مالك "فليصل ركعة" أي بصيغة الأمر. أخرجه الدارقطني في الموطات. وقوله: فأوترت له ما صلى، أي تلك الركعة الواحدة. وقوله: وإنه كان يقول، بكسر الهمزة على الاستئناف، وقائل ذلك هو نافع، والضمير لابن عمر. وقوله: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا، استدل بهذا على أنه لا صلاة بعد الوتر، وقد اختلف السلف في ذلك في موضعين، أحدهما في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، والثاني فيمن أوتر ثم أراد أن يتنفل هل يكتفي بوتره الأول؟ وليتنفل ما شاء، أو يشفع وتره بركعة، ثم يتنفل، ثم إذا فعل ذلك، هل يحتاج إلى وتر آخر أو لا؟ أما الأول فعند مسلم عن عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم "كان يصلي ركعتين بعد الؤلر وهو جالس" وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعلوا قوله "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا" مختصا بمن أوتر آخر الليل. وأجاب من لم يقل ذلك بان الركعتين المذكورتين هما ركعتا الفجر، وحمله النوويّ على أنه ﵊ فعله لبيان جواز التنفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا. وأما الثاني: فذهب الأكثرون إلى أنه يصلي شفعًا ما شاء، ولا ينقض وتره، عملًا بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم "لا وِتران في ليلة" وهو حديث حسن أخرجه النَّسائيّ وابن خُزيمة وغيرهما، عن طَلْق بن علي، وإنما يصح نقض

стр. 3317

الوِتر عند من يقول بمشروعية ركعة واحدة غير الوتر. وقد مرَّ ما فيه. وروى محمد بن نصر عن سعيد بن الحارث أنه سأل ابن عمر عن ذلك فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم، فاشفع ثم صل ما بدا لك، ثم أوتر، وإلا فَصلّ وتْرَكَ على الذي كنت أوترت. ومن طريق أُخرى عن ابن عمر أنه سُئل عن ذلك فقال: أما أنا فأصلي مثنى، فإذا انصرفت ركعت ركعة واحدة، فقيل: أرأيت إن أوترتُ قبل أن أنام، ثم قمت من الليل فشفعت حتى أصبح؟ قال: ليس بذلك بأس. قلت: أخرج مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان أبو بكر الصديق إذا أراد أن يأتي فراشَه أوتر، وكان عمر بن الخطاب يوتر آخر الليل، وقد قالوا: إن أبا بكر أخذ بالحزم، وعمر أخذ بالعزم، ومذهب مالك ندب فعله آخر الليل لمن عادته الانتباه آخر الليل، أو استوى الأمران فيه على قوله، وحملوا ما رواه البخاري عن أبي هُريرة من قوله "أوصاني خليلي بثلاث" إلى أن قال "وأن أُوتر قبل أن أنام". وروى مسلم مثله عن أبي الدرداء، والنَّسائيّ مثله عن أبي ذَرٍ على أنه في حق من لم يثق بالاستيقاظ، وإذا لم تكن عادته الانتباه ندب له تقديمه أول الليل، وإذا أفاق بعد ذلك جاز له النفل، أي استحب له إن طرأت له نية النفل بعد صلاة الوِتر، أو في أثناء الوِتر. وإذا نوى النفل قبل صلاة الوتر كره له التنفل بعد استيقاظه. وقد مرَّ كثير من مباحثه في باب قراءة القرآن بعد الحدث، من كتاب الوضوء. وتأتي بقية يسيرة في أبواب الوتر. وقد اعترض الإسماعيلي على البخاريّ فقال: ليس فيما ذكره دلالة على التعليق ولا على الجلوس في المسجد بحال، وأجيب بأن كونه كان في المسجد صريح من تعليق الوليد بن كثير، وأما التَّحلقُّ فقال المهلبُ: شبه البخاريّ جلوس الرجال في المسجد حول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يخطب، بالتحلُّق حول العالم؛ لأن الظاهر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لا يكون في المسجد وهو على المنبر إلا وعنده جَمْعٌ جلوس محدقين به، كالمحلقين. وقال غيره: حديث ابن عمر يتعلق بأحد ركني

стр. 3318

الترجمة، وهو الجلوس، وحديث أبي واقد يتعلق بالركن الآخر، وهو التعليق. وأما ما رواه مسلم عن جابر بن سمرة، قال: دخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسجد وَهَم حِلَق فقال: مالي أراكم عِزِين؟ فلا معارضة بينه ويين هذا، لأنه انما كره تحلُّقَهم على ما لا فائدة فيه ولا منفعة، بخلاف تحلقهم حوله، فإنه كان لسماع العلم والتعلّم منه. رجاله خمسة: وفيه لفظ رجل مبهم. الأول: مسدد، وقد مرَّ في السادس من كتاب الإيمان، ومرَّ بشر بن المفضل في التاسع من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عُبيد الله بن عمر في الرابع عشر من كتاب الوضوء، ومر نافع مولى ابن عمر في الثالث والسبعين من كتاب العلم، والرجل المبهم قال ابن حجر: لم أقف على اسمه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والقول، ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ. أخرجه البخاريُّ هنا وفيما يأتي قريبًا.

стр. 3319

الحديث السادس والسبعون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ يَخْطُبُ فَقَالَ كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ فَقَالَ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ. قوله: توترْ، بالجزم جوابًا للأمر، ويالرفع على الاستئناف. وزاد الأصيلي والكشميهنيّ؟ وقد مرت مباحثه في الذي قبله. رجاله خمسة: الأول: أبو النعمان، وقد مرَّ في الحادي والخمسين من كتاب الإيمان, ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ورجل مرَّ أنَّ اسم لم يعرف. ثم قال: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَجُلاً نَادَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِى الْمَسْجِدِ. رجاله ثلاثة: الأول: الوليد بن كثير المخزوميّ، مولاهم أبو محمد المدنيّ، سكن الكوفة. قال عيسى بن يونس: حدثنا الوليد بن كثير، وكان ثقة. وقال إبراهيم بن سعد: كان ثقة متبعًا للمغازي، حريصًا على علمها. وقال ابن عُيينة: كان صدوقًا وكنت أعرفه هاهنا. وقال ابن مَعين: ثقة لا بأس به. وقال أبو داود: ثقة،

стр. 3320

إلا أنه أباضيّ. وقال ابن سعد: له علم بالسيرة والمغازي، وله أحاديث، وليس بذلك. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن راهويه: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الوليد بن كثير، وكان متقنًا في الحديث. وقال الساجيّ: صدوق ثبْتٌ يُحتج به. وكان أباضيًا. قال ابن حَجر: الأباضية فرقة من الخوارج، ليست مقالتهم شديدة الفتحش، ولم يكن الوليد داعية. روى عن سعيد بن أبي هند، وسعيد المَقْبَري، وعُبيد الله بن عبد الله بن عمر والزُّهريّ ونافع مولى ابن عمر وغيرهم. وروى عنه عيسى بن يونس وأبو أسامة والواقديّ وغيرهم. مات بالكوفة سنة إحدى وخمسين ومئة، وفي الستة الوليد بن كثير بن سِنان المزنيّ. روى له النَّسائي. الثاني: عُبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، العدويّ المدنيّ، أبو بكر. كان شقيق سالم. قال الواقديّ: كان أَسَنَّ من عبد الله بن عبد الله فيما يذكرون، وكان ثقة قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال أبو زرعة والنَّسائي: ثقة، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. روى عن أبيه وأبي هريرة وروى عنه ابنه القاسم وابن ابنه خالد بن أبي بكر بن عُبيد الله والزُّهري وأبو الأسود يتيم عُروة وغيرهم. مات سنة ست ومئة. ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، وهذا التعليق وصله مسلم من طريق أبي أسامة عن الوليد.

стр. 3321

الحديث السابع والسبعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَي مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فَجَلَسَ، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلاَثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ. قوله: في المسجد، زاد في العلم "والناس معه" وهو أصرح فيما ترجم له. وقوله: فأقبل ثلاثة نفر، أي من الطريق ودخلوا المسجد مارين فيه. وفيه زيادة الفاء في جواب بينما. وللأصيلي: فأقبل نفر ثلاثة. وقوله: فأقبل اثنان، أي من الثلاثة الذي أقبلوا من الطريق. وقوله: وذهب واحد، عطف على فأقبل اثنان. وقوله: فأما أحدهما، أما للتفصيل، وأحدهما رفع بالابتداء. وقوله: فرأى فُرجة فجلس، هو الخبر. وهذا هو موضع الترجمة، وأدخل الفاء في "فرأى" لتضمن أما معنى الشرط، وفي مجلس، للعطف، وللأصيلي: فرجة في الحلْقة، بإسكان اللام. وقوله: فلما فرغ، أي مما كان مشتغلًا به من الخطبة أو من تعليم العلم أو غير ذلك. وقوله: فاستحيا، أي ترك المزاحمة. وقوله: فاستحيا الله منه، أي جازاه بمثل فعله بأن رحمه ولم يعاقبه. وقوله: فأعرض الله عنه، أي جازاه بأن غضب عليه، فهو من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن نسبة الإيواء والاستحياء

стр. 3322

والإعراض في حقه تعالى محالٌ، فالمراد لازم ذلك، وهو إرادة إيصال الخير وترك العقاب، وهذا الحديث مرَّ في كتاب العلم في باب "من قعد حيث ينتهى به المجلس" ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف. والثاني: الإِمام مالك. وقد مرا في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ إسحاق بن عبد الله وأبو مُرة وأبو واقد وعَقيل بن أبي طالب في الثامن من كتاب العلم. ثم قال المصنف: باب الاستلقاء في المسجد ومد الرِجل وسقط لفظ "ومد الرِجل" عند الأصيلي، وأبي ذَرٍّ وابن عساكر وثبت في نسخة الصَّغانيّ.

стр. 3323

الحديث الثامن والسبعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. قوله: مستلقيًا في المسجد، أي على ظهره. وقوله: واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، هذا بظاهره معارض لما أخرجه مسلم في اللباس عن جابر "نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنْ يضعَ الرجل إحدى رجليه على الأخرى، وهو مستلقٍ على ظهره" ويجمع بينهما بأن النهي الوارد عن ذلك إما منسوخ، أو الجواز مختص به ﵊، أو يحمل النهي حيث يُخشى أن يبدو العورة. والجواز حيث يؤمن ذلك، والأخير أولى؛ لأن ادعاء النسخ لا يثبت بالاحتمال، وكذلك الخصائص. ولما ثبت أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلون ذلك، دل على أنه ليس منسوخًا، وليس خاصًا به صلى الله تعالى عليه وسلم، بل هو جائز مطلقًا. والظاهر أن فعله صلى الله تعالى عليه وسلم كان لبيان الجواز. وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس، أما عرف من عادته من الجلوس بينهم بالوقار التام، صلى الله تعالى عليه وسلم. قال الخطابيّ: فيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع، وأنواع الاستراحة، وفيه أن الأجر الوارد للأثبت في المسجد لا يختص بالجالس، بل يحصل للمستلقي أيضًا. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرَّ في الثاني عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ

стр. 3324

مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عباد بن تميم وعمه عبد الله بن زيد في الثالث من كتاب الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في أربعة مواضع، والرؤية ورواية الرجل عن عمه، ورواته مدنيون. أخرجه البخاريّ في اللباس والاستئذان، ومسلم في اللباس، وأبو داود في الأدب، والترمذي في الاستئذان، وقال حسن صحيح. والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال: وعن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: كان عمر وعثمان يفعلان ذلك، أي الاستلقاء المذكور، وزاد الحُميديّ عن ابن مسعود أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كان يفعل ذلك أيضًا، وهذا التعليق معطوف على الإسناد المذكور. وصرح به أبو داود في روايته عن القعنبي، وهو كذلك في الموطأ. وعمر مرَّ في الأول من بدء الوحي، ومرَّ عثمان في تعليق بعد الخامس من كتاب العلم، ومرَّ سعيد بن المسيب في التاسع عشر من كتاب الإيمان. ثم قال المصنف: باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس قال المازريّ: بناء المسجد في ملك المرء جائز إجماعًا، وفي غير ملكه ممتنع إجماعًا، وفي المباحات حيث لا يضر بأحد جائز أيضًا، لكن شذ بعضهم فمنعه, لأن مباحات الطرق موضوعة لانتفاع الناس. فإذا بُني بها مسجدٌ منع انتفاع بعضهم، فأراد البخاري الرد على هذا القائل، واستدل بقصة أبي بكر لكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اطلع على ذلك وأقره. قلت: لكن يرد عندي على هذا الاستدلال أن مكة حينئذ دار كفر، وأهلها لا ملك لهم ولا اعتبار بانتفاعهم، والمنع المذكور مروي عن ربيعة، ونقله عبد الرزاق عن علي وابن عُمَر، لكن بإسنادين ضعيفين. ثم قال: وبه قال الحسن وأيوب ومالك. وإنما خص المذكورين بالذكر

стр. 3325

لورود التصريح عنهم بهذه المسألة، وإلا فالجمهور على ذلك، والحسن المراد به الحسن البصريّ، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من كتاب الإيمان. ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومر مالك في الثاني من بدء الوحي.

стр. 3326

الحديث التاسع والسبعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قوله: أبوي، هما أبو بكر وأُم رَومان. وقوله: يَدِينان الدِّين، بكسر الدال فيهما، أي يتدنيان بدين الإِسلام، فهو نصب بنزع الخافض. وقوله: ثم بدا لأبي بكر، أي ظهر له رأي بعد خروجه مهاجرًا من مكة ورجوعه في جوار ابن الدُّغنة، واشتراطه عليه أن لا يستعلن بعبادته .. القصة الآتية إن شاء الله تعالى في كتاب الهجرة. وقوله: بفناء داره، بكسر الفاء مع المد، وهو ما امتد من جوانبها. وقوله: بكّاء، بالتشديد أي كثير البكاء. وقوله: فأفزع ذلك، أي أخاف الكفار لما يعلمونه من رقة قلوب النساء والشباب، أن يميلوا إلى دين الإِسلام. وقوله: إذا قرأ القرآن، إذا ظرفية والعامل فيه لا يملك، أو هي شرطية، والجزاء مقدر، وحيث إن هذا الحديث ذكر مطولًا كثيرًا في الهجرة ولم يذكر منه هنا إلا قدر يسير أخرنا شرحه إلى محل ذكره تامًا إن شاء الله تعالى، إن أحيانا الله تعالى، وأقدرنا على الوصول إلى ذلك المحل.

стр. 3327

رجاله ستة: الأول: يحيى بن بكير، وقد مرَّ هو والليث وعقيل بن خالد وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عُروة بن الزبير وعائشة في الثاني منه، وأبو عائشة أبو بكر الصديق، وقد مرَّ في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد السبعين من كتاب الوضوء. وأم رَومان، بفتح الراء وضمها، بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دَهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة، امرأة أبي بكر الصديق، والدة عبد الرحمن وعائشة. والخلاف في نسبها من عامر إلى كنانة كثيرٌ جدًا، لكن اتفقوا على أنها من بني غنم بن مالك بن كنانة، وثبت في صحيح البخاريّ قول أبي بكر لها في قصة الجَفْنة التي حلف عليها أن لا يأكل منها، من أجل أضيافه: يا أخت فراس. واختُلف في اسمها، فقيل: زينب، وقيل: دعد، كانت تحت عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن جُرثومة الأَزْدِيّ، وكان قد قدم بها مكة، فحالف أبا بكر قبل الإِسلام. وتوفي عن أم رَومان بعد أن ولدت له الطُّفَيل، ثم خَلَفَ عليها أبو بكر. أسلمت وبايعت وهاجرت. فقد أخرج الزبير عن عائشة أنها قالت لما هاجر النبي ﷺ ، خلّفنا وخلّف بناته، فلما استقر بعث زيد بن حارثة وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما خمس مئة درهم، أخذاها من أبي بكر يشتريان بها ما يحتاجان من الظهر، وبعث أبو بكر معهما عبد الله بن أُريقط ببعيرين أو ثلاثة، وكتب عبد الله بن أبي بكر الصديق أن يحمل أُم رَومان وأنا وأختي أسماء امرأة الزبير، فخرجوا مصطحبين، فلما انتهوا إلى قُدَيد، اشترى زيد بن حارثة بتلك الخمس مئة درهم ثلاثه أبعزة، ثم دخلوا مكة جميعًا، فصادفوا طلحة بن عُبيد الله يريد الهجرة، فخرجوا جميعًا، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسَوْدة بنت زَمعة، وحمل زيد أم أيمن وأسامة حتى إذا كنا بالبيداء نفر بعيري وأنا في محفة، معي فيها أمي، فجعلت تقول: وابنتاه واعروساه، حتى أدرك بعيرنا وقد هبط الثنية ثنية هَرْشى، فسلّم الله، ثم قَدِمنا المدينة، فنزلت مع آل أبي بكر، ونزل آل

стр. 3328

النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يبني مسجده وأبياتًا حول المسجد، فأنزل فيها أهله. ثم قال أبو بكر: يا رسول الله، ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ قال: الصَّداق. قال: فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية، ونشا، فبعث بها إلينا، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي فيه، ودفن فيه ﷺ . وأدخل سَودة بنت زمعة أحد تلك البيوت، فكان يكون عندها. وكان تزوج رسول الله ﷺ إيايَ وأنا ألعب مع الجواري، فما دريت أن رسول الله ﷺ تزوجني حتى أخبرتني أمي، فحبستني في البيت، فوقع في نفسي أني تزوجت، فما سألتها حتى كانت هي التي أخبرتني. قال ابن سعد: إنها توفيت في عهد النبي ﷺ في ذي الحجة سنة ست، ثم أخرج عن القاسم بن محمد أنه قال: لما دليت أم رَومان في قبرها قال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان، ونزل في قبرها واستغفر لها، وقال: اللهم لم يخفَ عليك ما لقيتْ أم رَومان فيك وفي رسولك". وقيل: إنها بقيت بعد النبي ﷺ دهرًا، لما أخرجه البخايّ من طريق مسروق عن أم رومان، فذكر طرفًا من قصة الإفك، ومقتضاه أن يكون سمع منها في خلافة عمر, لأن مولده سنة إحدى من الهجرة، وفي هذا الحديث أنه حين السماع له خمس عشرة سنة، وإنما قَدِم من اليمن بعد وفاة النبي ﷺ . قال في الإصابة: ويؤيد أنها لم تمت سنة ست من الهجرة ما ثبت في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء، فذكر القصة في أضياف أبي بكر. قال عبد الرحمن: وإنما هو أنا وأمي وامرأتي وخادم بيننا. وأم عبد الرحمن هي أم رومان بلا خلاف. وإسلام عبد الرحمن كان بين الحديبية والفتح، وهذه القصة كانت بعد إسلامه قطعًا، فلا يصح أن تكون ماتت في آخر ست، إلا على احتمال بعيد جدًا، بأن تجعل القصة والحديبية التي

стр. 3329

أسلم عبد الرحمن بعدها، وقدوم عبد الرحمن سنة ست. قال في الإصابة: ويدل على تأخر وفاتها عن ست، بل عن ثمان، ما أخرجه أحمد في مسنده من طريق أبي سلمة عن عائشة قالت: "لما نزلت آية التخيير بدأ النبي ﷺ بعائشة، فقال: يا عائشة، إني عارض عليك أمرًا فلا تفتيني فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأم رَومان. قالت: يا رسول الله، وما هو؟ قال: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ..﴾ إلى آخر ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت: قلت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أوامِر في ذلك أبا بكر ولا أم رومان، فضحك" وسنده جيد. وأصل القصة في الصحيحين. والتخيير كان في سنة تسع، والحديث مصرّح بأن أم رَومان كانت موجودة حينئذ فبان صحة حديث مسروق على ما أخرجه ابن سعد من روايته عن علي بن زيد؛ لأن مسروقًا متفق على ثقته، وعلي بن زيد متفق على سوء حفظه، وليس في الصحابة من تكنى أم رومان سواها. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، ورواية التابعيّ عن التابعيّ، ونصف الرواة مصريون، وهم الثلاثة الأول، والباقي مدنيون أخرجه البخاري هنا. وفي الهجرة والإجازة والكفالة والأدب المفرد مختصراً ومطولًا، وبعضه في غزوة الرجيع. ثم قال المصنف: باب الصلاة في مسجد السوق ولغير أبي ذر مساجد، وموقع الترجمة الإشارة إلى أن الحديث الوارد في أن الأسواق شر البقاع، وأن المساجد خير البقاع، كما أخرجه البزار وغيره، لا يصح إسناده. ولو صح لم يمنع وضع المسجد في السوق؛ لأن بقعة المسجد حينئذ تكون بقعة خير، وقيل: المراد بالمساجد في الترجمة مواضع إيقاع الصلاة لا

стр. 3330

الأبنية الموضوعة لذلك، فكأنه قال: باب الصلاة في مواضع الأسواق ولا يخفى ما فيه. ثم قال: وصلى ابن عون في مسجد في دار يغلق عليهم الباب، كذا في الأصول، وصحفه ابن المنير بابن عمر، وليس في هذا الأثر ما يوافق الترجمة، فقيل في الجواب عنه: إِن المصنف أراد أن يبين جواز بناء المسجد داخل السوق، ولئلا يتخيل متخيل من كونه محجورًا منع الصلاة فيه؛ لأن صلاة ابن عون كانت في دار تغلق عليهم، فلم يمنع التحجير اتخاذ المسجد. وقال الكرمانيّ: غرض البخاريّ الرد على الحنفية حيث قالوا بامتناع المسجد في الدار المحجوبة عن الناس، والذي في كتب الحنفية الكراهة لا التحريم، وظهر بحديث أبي هريرة أن الصلاة في السوق مشروعة، وإذا جازت الصلاة فيه فرادى كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعة. قاله ابن بطال.
следующие страницы →