← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

الحديث التاسع والسبعون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلاً بَكَّاءً لاَ يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قوله: أبوي، هما أبو بكر وأُم رَومان. وقوله: يَدِينان الدِّين، بكسر الدال فيهما، أي يتدنيان بدين الإِسلام، فهو نصب بنزع الخافض. وقوله: ثم بدا لأبي بكر، أي ظهر له رأي بعد خروجه مهاجرًا من مكة ورجوعه في جوار ابن الدُّغنة، واشتراطه عليه أن لا يستعلن بعبادته .. القصة الآتية إن شاء الله تعالى في كتاب الهجرة. وقوله: بفناء داره، بكسر الفاء مع المد، وهو ما امتد من جوانبها. وقوله: بكّاء، بالتشديد أي كثير البكاء. وقوله: فأفزع ذلك، أي أخاف الكفار لما يعلمونه من رقة قلوب النساء والشباب، أن يميلوا إلى دين الإِسلام. وقوله: إذا قرأ القرآن، إذا ظرفية والعامل فيه لا يملك، أو هي شرطية، والجزاء مقدر، وحيث إن هذا الحديث ذكر مطولًا كثيرًا في الهجرة ولم يذكر منه هنا إلا قدر يسير أخرنا شرحه إلى محل ذكره تامًا إن شاء الله تعالى، إن أحيانا الله تعالى، وأقدرنا على الوصول إلى ذلك المحل.

стр. 3327

رجاله ستة: الأول: يحيى بن بكير، وقد مرَّ هو والليث وعقيل بن خالد وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عُروة بن الزبير وعائشة في الثاني منه، وأبو عائشة أبو بكر الصديق، وقد مرَّ في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد السبعين من كتاب الوضوء. وأم رَومان، بفتح الراء وضمها، بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن دَهمان بن الحارث بن غنم بن مالك بن كنانة، امرأة أبي بكر الصديق، والدة عبد الرحمن وعائشة. والخلاف في نسبها من عامر إلى كنانة كثيرٌ جدًا، لكن اتفقوا على أنها من بني غنم بن مالك بن كنانة، وثبت في صحيح البخاريّ قول أبي بكر لها في قصة الجَفْنة التي حلف عليها أن لا يأكل منها، من أجل أضيافه: يا أخت فراس. واختُلف في اسمها، فقيل: زينب، وقيل: دعد، كانت تحت عبد الله بن الحارث بن سخبرة بن جُرثومة الأَزْدِيّ، وكان قد قدم بها مكة، فحالف أبا بكر قبل الإِسلام. وتوفي عن أم رَومان بعد أن ولدت له الطُّفَيل، ثم خَلَفَ عليها أبو بكر. أسلمت وبايعت وهاجرت. فقد أخرج الزبير عن عائشة أنها قالت لما هاجر النبي ﷺ ، خلّفنا وخلّف بناته، فلما استقر بعث زيد بن حارثة وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما خمس مئة درهم، أخذاها من أبي بكر يشتريان بها ما يحتاجان من الظهر، وبعث أبو بكر معهما عبد الله بن أُريقط ببعيرين أو ثلاثة، وكتب عبد الله بن أبي بكر الصديق أن يحمل أُم رَومان وأنا وأختي أسماء امرأة الزبير، فخرجوا مصطحبين، فلما انتهوا إلى قُدَيد، اشترى زيد بن حارثة بتلك الخمس مئة درهم ثلاثه أبعزة، ثم دخلوا مكة جميعًا، فصادفوا طلحة بن عُبيد الله يريد الهجرة، فخرجوا جميعًا، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسَوْدة بنت زَمعة، وحمل زيد أم أيمن وأسامة حتى إذا كنا بالبيداء نفر بعيري وأنا في محفة، معي فيها أمي، فجعلت تقول: وابنتاه واعروساه، حتى أدرك بعيرنا وقد هبط الثنية ثنية هَرْشى، فسلّم الله، ثم قَدِمنا المدينة، فنزلت مع آل أبي بكر، ونزل آل

стр. 3328

النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ يبني مسجده وأبياتًا حول المسجد، فأنزل فيها أهله. ثم قال أبو بكر: يا رسول الله، ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ قال: الصَّداق. قال: فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية، ونشا، فبعث بها إلينا، وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي فيه، ودفن فيه ﷺ . وأدخل سَودة بنت زمعة أحد تلك البيوت، فكان يكون عندها. وكان تزوج رسول الله ﷺ إيايَ وأنا ألعب مع الجواري، فما دريت أن رسول الله ﷺ تزوجني حتى أخبرتني أمي، فحبستني في البيت، فوقع في نفسي أني تزوجت، فما سألتها حتى كانت هي التي أخبرتني. قال ابن سعد: إنها توفيت في عهد النبي ﷺ في ذي الحجة سنة ست، ثم أخرج عن القاسم بن محمد أنه قال: لما دليت أم رَومان في قبرها قال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان، ونزل في قبرها واستغفر لها، وقال: اللهم لم يخفَ عليك ما لقيتْ أم رَومان فيك وفي رسولك". وقيل: إنها بقيت بعد النبي ﷺ دهرًا، لما أخرجه البخايّ من طريق مسروق عن أم رومان، فذكر طرفًا من قصة الإفك، ومقتضاه أن يكون سمع منها في خلافة عمر, لأن مولده سنة إحدى من الهجرة، وفي هذا الحديث أنه حين السماع له خمس عشرة سنة، وإنما قَدِم من اليمن بعد وفاة النبي ﷺ . قال في الإصابة: ويؤيد أنها لم تمت سنة ست من الهجرة ما ثبت في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسًا فقراء، فذكر القصة في أضياف أبي بكر. قال عبد الرحمن: وإنما هو أنا وأمي وامرأتي وخادم بيننا. وأم عبد الرحمن هي أم رومان بلا خلاف. وإسلام عبد الرحمن كان بين الحديبية والفتح، وهذه القصة كانت بعد إسلامه قطعًا، فلا يصح أن تكون ماتت في آخر ست، إلا على احتمال بعيد جدًا، بأن تجعل القصة والحديبية التي

стр. 3329

أسلم عبد الرحمن بعدها، وقدوم عبد الرحمن سنة ست. قال في الإصابة: ويدل على تأخر وفاتها عن ست، بل عن ثمان، ما أخرجه أحمد في مسنده من طريق أبي سلمة عن عائشة قالت: "لما نزلت آية التخيير بدأ النبي ﷺ بعائشة، فقال: يا عائشة، إني عارض عليك أمرًا فلا تفتيني فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك: أبي بكر وأم رَومان. قالت: يا رسول الله، وما هو؟ قال: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ..﴾ إلى آخر ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قالت: قلت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أوامِر في ذلك أبا بكر ولا أم رومان، فضحك" وسنده جيد. وأصل القصة في الصحيحين. والتخيير كان في سنة تسع، والحديث مصرّح بأن أم رَومان كانت موجودة حينئذ فبان صحة حديث مسروق على ما أخرجه ابن سعد من روايته عن علي بن زيد؛ لأن مسروقًا متفق على ثقته، وعلي بن زيد متفق على سوء حفظه، وليس في الصحابة من تكنى أم رومان سواها. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، ورواية التابعيّ عن التابعيّ، ونصف الرواة مصريون، وهم الثلاثة الأول، والباقي مدنيون أخرجه البخاري هنا. وفي الهجرة والإجازة والكفالة والأدب المفرد مختصراً ومطولًا، وبعضه في غزوة الرجيع. ثم قال المصنف: باب الصلاة في مسجد السوق ولغير أبي ذر مساجد، وموقع الترجمة الإشارة إلى أن الحديث الوارد في أن الأسواق شر البقاع، وأن المساجد خير البقاع، كما أخرجه البزار وغيره، لا يصح إسناده. ولو صح لم يمنع وضع المسجد في السوق؛ لأن بقعة المسجد حينئذ تكون بقعة خير، وقيل: المراد بالمساجد في الترجمة مواضع إيقاع الصلاة لا

стр. 3330

الأبنية الموضوعة لذلك، فكأنه قال: باب الصلاة في مواضع الأسواق ولا يخفى ما فيه. ثم قال: وصلى ابن عون في مسجد في دار يغلق عليهم الباب، كذا في الأصول، وصحفه ابن المنير بابن عمر، وليس في هذا الأثر ما يوافق الترجمة، فقيل في الجواب عنه: إِن المصنف أراد أن يبين جواز بناء المسجد داخل السوق، ولئلا يتخيل متخيل من كونه محجورًا منع الصلاة فيه؛ لأن صلاة ابن عون كانت في دار تغلق عليهم، فلم يمنع التحجير اتخاذ المسجد. وقال الكرمانيّ: غرض البخاريّ الرد على الحنفية حيث قالوا بامتناع المسجد في الدار المحجوبة عن الناس، والذي في كتب الحنفية الكراهة لا التحريم، وظهر بحديث أبي هريرة أن الصلاة في السوق مشروعة، وإذا جازت الصلاة فيه فرادى كان أولى أن يتخذ فيه مسجد للجماعة. قاله ابن بطال.

стр. 3331

الحديث الثمانون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: صَلاَةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلاَتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ، لاَ يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلاَةَ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي يَعْنِي عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِى يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ. قوله: صلاة الجميع، أي الجماعة، وتكلف من قال التقدير في الجميع، وفي الرواية الآتية في الجماعة التصريحُ بذلك. ففيها صلاة الرجل في الجماعة. وفي رواية الحمويّ والكشميهنيّ "في جماعة" بالتنكير. وقوله: تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة، في رواية أبواب الجماعة "تفضل" بدل "تزيد"، وعشرين ضعفًا بدل "درجة"، ومقتضى الحديث أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعة وفرادى، والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا، وبهذا يرتفع الإشكال عن من استشكل تسوية الصلاة في البيت والسوق، ولا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التسوية المذكورة، إذ لا يلزم من استوائهما في الفضولية عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أن كون الصلاة جماعة في البيت أو السوق لا فضل فيها على

стр. 3332

الصلاة منفردًا، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختص بالجماعة في المسجد، والصلاة في البيت مطلقًا أولى منها في السوق، أما ورد من كون الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعة في البيت وفي السوق أولى من الانفراد. قال التِّرمذيّ: عامة من رواه قالوا خمساً وعشرين إلا ابن عمر، فإنه قال سبعًا وعشرين، ولم يختلف عليه في ذلك، إلا في رواية ضعيفة عند عبد الرزاق، واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أُبي عند ابن ماجه والحاكم، فقال: أربع أو خمس على الشك، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد قال فيها: سبع وعشرون، وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف، وفي رواية لأبي عَوانة "بضعًا وعشرين" وليست مغايرة لصدق البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع، إذ لا أثر للشك، واختلف في أيهما أرجح، فقيل: رواية الخمس لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع لأن فيها زيادة من عَدْل حافظ. ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث، وهو مميَّز العدد المذكور، ففي الروايات كلها التعبير بقوله "درجة" أو حذف المميز، إلا طرق في حديث أبي هريرة، ففي بعضها "ضِعفًا". وفي بعضها "جزأ" وفي بعضها "درجة" وفي بعضها "صلاة". ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التفنن في العبارة. وأما قول ابن الأثير: إنما قال درجة، ولم يقل جزءاً ولا نصيبًا ولا حظاً ولا نحو ذلك، لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة، لأن الدرجات إلى جهة فوق، فكأنه بناه على أن الأصل لفظ "درجة" وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعيف، كما مر. ومعنى الدرجة أو الجزء حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للجمع، وقد ورد هذا مبينًا في بعض الروايات، فعند مسلم في بعض طرقه بلفظ

стр. 3333

"صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفَذّ" وفي أخرى "صلاةٌ مع الإِمام أفضل، عن خمس وعشرين صلاة يصليها وحده" ولأحمد عن ابن مسعود بإسناد رجاله ثقات نحوه. وقال آخره: كلها مثل صلاته، وهو مقتضى لفظ رواية أبي هريرة الماضية "تضعف" لأن الضعف، كما قال الأزهريّ، المِثْل إلى ما زاد، وليس بمقصور على المثلين. تقول: هذا ضعف الشيء أي: مثله أو مثلاه فصاعداً، لكن لا يزاد على العشرة. وظاهر قوله تضعيف، وكذا قوله في روايتي ابن عمر وأبي سعيد "تفضل" أي تزيد، وقوله: في رواية أبي هريرة المذكورة في الباب هنا "تزيد" يريد أن صلاة الجماعة تساوي صلاة المنفرد، وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثواب ست أو ثمان وعشرين من صلاة المنفرد. وقد جمع بين روايتي الخمس والسبع بوجوه: منها أن ذكر القليل لا ينفي الكثير، وهذا عند من لا يعتبر مفهوم العدد، لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي، وحكى عن نصه. الوجه الثاني لعله صلى الله تعالى عليه وسلم أخبر بالخمس ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بالسبع، وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ، وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه، لكنْ إنْ فرعنا على المنع تعينَ تقدم الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص، قلت: هذا ليس من النسخ وإنما هو زيادة من الله تعالى على ما أعطى أولًا، تفضلًا منه. ثالثها أن اختلاف العددين باختلاف مميزهما، وعلى هذا فقيل: الدرجة أصغر من الجزء وتعقب بأن الذي روي عنه الجزء روى عنه الدرجة، وقال بعضهم الجزء في الدنيا والدرجة في الآخرة، وهو مبني على التغاير. رابعها الفرق بقرب المسجد وبعده. خامسها الفرق بحال المصلي كانْ يكون أعلم أو أخشع.

стр. 3334

سادسها الفرق بإيقاعها في المسجد أو غيره، وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع في المسجد العام مع تقرير الفضل في غيره. فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أوس المغافريّ أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص. أرأيت من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى في بيته؟ قال: حسن جميل. قال: فإن صلى في مسجد عشيرته، قال: خمس عشرة صلاة، قال: فإن مشى إلى المسجد جماعة فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون. وأخرج حميد بن زنجويه في كتاب الترغيب نحوه من حديث واثلة، وخص الخمس والعشرين بمسجد القبائل، وصلاته في المسجد الذي يجمّع فيه، أي الجمعة بخمس مئة وسنده ضعيف. سابعها الفرق بالمنتظر للصلاة وغيره. ثامنها الفرق بإدراك كلها أو بعضها. تاسعها الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم. عاشرها السبع مختصة بالفجر والعشاء، وقيل بالفجر والعصر، والخمس بما عدا ذلك. حادي عشر السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية، ويترجح هذا بما يأتي في آخر الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة من اختصاص الجهرية بالإنصات عند قراءة الإِمام، والاستماع له، والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، ثم إن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى. ونقل الطيبىّ عن التوربشتيّ أن ذلك لا يدرك بالرأي، بل مرجعه إلى علم النبوءة التي قصرت علوم الألبّاء عن إدراك حقيقتها كلها. قال الكرماني يحتمل أن يكون أصله كون المكتوبات خمسًا، فأريد المبالغة في تكثيرها فضربت في مثلها فصارت خمساً وعشرين، ثم ذكر للسبع مناسبة أيضًا من جهة عدد ركعات الفرائض وروايتها. وقال غيره: الحسنة بعشر للمصلي منفردًا، فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين، ثم زيد بقدر الصلوات الخمس، أو يزاد عدد أيام الأسبوع.

стр. 3335

وقيل: الأعداد عشرات ومئون وألوف، وخير الأمور الوسط، فاعتبرت المئة والعدد المذكور ربعها، وهذا فاسد جدًا. وقال البلقيني: ظهر لي في العددين أن لفظ ابن عمر "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ" ومعناه الصلاة في الجماعة كما في حديث أبي هريرة "صلاة الرجل في الجماعة" وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة، وأدنى الأعداد التي يتحقق فيها ذلك ثلاثة حتى يكون كل واحد صلى في جماعة، وكل واحد منهم أن بحسنة، وهي بعشرة فيحصل من مجموعه ثلاثون، فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد، وهو سبعة وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك. قلت: هذا التوجيه لا يصح على ما هو الحق من كون الاثنين فما فوقهما جماعة. وقيل في الجمع بين العددين: إن أقل الجماعة إمام ومأموم، فلولا الإِمام ما سمى المأموم مأموما، وكذا عكسه، فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجة، حمل الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزائد والخبر الوارد بلفظ سبع وعشرين على الأصل والفضل. وقد خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة. قال ابن الجوزيّ: وما جاءوا بطائل. وقال المحبّ الطبريّ: ذكر بعضهم أن في حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب إشارة إلى بعض ذلك، ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك، وبيان ذلك هو أن الحديث المذكور "فإن أحدكم إذا توضأ ... " الخ وهذا ظاهر في أن المذكورة علة للتضعيف المذكور، إذ التقدير: وذلك لأنه، فكأنه يقول: التضعيف المذكور سببه كيت وكيت، وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة ولا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا، أو ليس مقصودًا لذاته، وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة معقولة المعنى، والأخذ بها متوجه، والروايات المطلقة لا تنافيها، بل يحمل مطلقها على هذه المقيدة، والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية، ذهب كثيرٌ منهم إلى أن الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا روي

стр. 3336

عن أحمد في فرض العين، ووجهوه بان أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد، وهو معتبر لا ينبغي إلغاؤه، فيختص به المسجد، ويلحق به ما في معناه مما يحصل به بإظهار الشعار، وتنقيح ما ورد من الأسباب المقتضية لذلك هو ما ذكرناه. أولها إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، والتبكير إليها في أول الوقت، والمشي إلى المسجد بالسكينة، ودخول المسجد داعيًا، وصلاة التحية عند دخوله كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة. سادسها انتظار الجماعة، سابعها صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له، ثامنها شهادتهم له، تاسعها اجابة الإقامة، عاشرها السلامة من الشيطان حين يفر عند الإقامة، حادي عشرها الوقوف منتظرًا إحرام الإِمام أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها، ثاني عشرها إدراك تكبيرة الإحرام كذلك ثالث عشرها تسوية الصفوف وسد فرجها. رابع عشرها جواب الإِمام عند قوله سمع الله لمن حمده، خامس عشرها الأمن من السهو غالبًا، وتنبيه الإِمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه. سادس عشرها حصول الخشوع والسلامة عما يلهي غالبا، سابع عشرها تحسين الهيئة غالبًا، ثامن عشرها احتفاف الملائكة، تاسع عشرها التدرب على تجويد القرآن وتعلم الأركان والأبعاض. العشرون إظهار أشعار الإِسلام، الحادي والعشرون إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل، الثاني والعشرون السلامة من صفة النفاق ومن إساءة غيره الظن به بأنه تارك للصلاة رأسًا، الثالث والعشرون رد السلام على الإِمام، الرابع والعشرون الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص، الخامس والعشرون قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات. فهذه خمس وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه، وبقي منها أمران يختصان بالجهرية، وهما الإنصاف عند قراءة الإِمام والاستماع والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، ومقتضى الخصال المذكورة اختصاص التضعيف بالتجمع في المسجد، وهو الراجح، وعلى تقدير أن لا

стр. 3337

يختص بالمسجد فإنما يسقط مما ذكر ثلاثة أشياء، وهي المشي والدخول والتحية، فيمكن أن تعوض من بعض ما ذكر مما يشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة، كالأخيرتين؛ لأن منفعة الاجتماع على الدعاء والذكر غير منفعة عود بركة الكامل على الناقص، وكذا فائدة قيام نظام الألفة غير فائدة حصول التعاهد، وكذا فائدة أمن المأمومين من السهو غالبًا غير تنبيه الإِمام إذا سها، فهذه ثلاثة يمكن أن يعوض بها الثلاثة المذكورة فيحصل المطلوب، قاله في الفتح. قلت: ما ذكر من التعويض غير مستقيم؛ لأن الأمور المذكورة موجودة في المسجد، فلا يمكن التعويض بها لغيره، ولا يرد على الخصال التي ذكرت كون بعضها يختص ببعض من صلى جماعة دون بعض، كالتبكير في أول الوقت وانتظار الجماعة وانتظار إحرام الإِمام ونحو ذلك؛ لأن أجر ذلك يحصل لقاصده بمجرد النية، ولو لم يقع. ومما ورد من الزيادة على العدد المذكور ما أخرجه ابن أبي شَيبة عن ابن عباس موقوفًا عليه قال: فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد خمس وعشرون درجة، قال: فإن كانوا أكثر من ذلك فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: نعم. وهذا له حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي، لكنه غير ثابت. وما أخرجه ابن حبان وأبو داود زيادة في حديث أبي سعيد الذي أخرجه البخاري قال: "فإن صلاّها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة" وكأن السر في ذلك أن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة، بل حكى النوويّ أنه لا يجري فيه الخلاف في وجوبها، لكن فيه نظر، فإنه خلاف نص الشافعيّ، وحكى أبو داود عن عبد الواحد قال في هذا الحديث: إن صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة، وكأنه أخذه من إطلاق قوله "فإن صلاها" لتناوله الجماعة والانفراد، ولكن حمله على الجماعة أولى، وهو الذي يظهر من السياق. ويلزم على ما قال النوويّ أن ثواب المندوب يزيد على ثواب الواجب عند من يقول بوجوب الجماعة، وقد استشكله القَرافيّ على أصل الحديث بناء على

стр. 3338

القول بأنها سنة، ثم أورد عليه أن الثواب المذكور مرتب على صلاة الفرض وصنفه من صلاة الجماعة، فلا يلزم منه زيادة المندوب على الواجب، وأجاب بأنه تفرض المسألة فيمن صلى وحده ثم أعاد في جماعة، فإن ثواب الفرض يحصل له بصلاته وحده، والتضعيف يحصل بصلاته في الجماعة، فبقي الإشكال على حاله، وفيه نظر؛ لأن التضعيف لم يحصل بسبب الإعادة، وإنما حصل بسبب الجماعة، إذ لو أعاد منفردًا لم تحصل له إلا صلاة واحدة، فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب. واستدل بالحديث على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة, لأن قوله "على صلاته وحده" يقتضي صحة صلائه منفردًا، لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التفاضل، فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد وما لا يصح لا فضيلة فيه. قال القرطبي وغيره: لا يقال إن لفظة أفعل قد ترد لإثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين، كقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ لأنا نقول: إنما يقع ذلك على قلة، حيث ترد صيغة أفعل مطلقة غير مقيدة بعدد معين، فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا، فلابد من وجود أصل العدد، ولا يقال يحمل المنفرد علي، المعذور؛ لأن قوله "صلاة الفذ" صيغة عموم، فيشمل من صلى منفردًا بعذر ويغير عذر، فتحمله على المعذور يحتاج إلى دليل، وأيضًا ففضل الجماعة حاصل للمعذور لما سيأتي من هذا الكتاب عن أبي موسى مرفوعًا "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا". وأشار ابن عبد البر إلى أن بعضهم حمله على صلاة النافلة، ثم رده بحديث "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" واستدل بهذا على استواء الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أو قلت؛ لأن الحديث دل على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة. وبما روي عن ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن إبراهيم النخعيّ قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة لهم التضعيف خمسًا وعشرين. وهو مسلم في أصل الحصول، لكنه لا ينفي مزيد الفضل لما كان أكثر، لاسيما مع وجود النص المصرح به، وهو ما

стр. 3339

رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره عن أُبي بن كعب مرفوعًا "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى" وله شاهد قوي في الطبراني عن قَبَاث، بفتح القاف, بن أَشْيم، بوزن أحمر، ويترتب على الخلاف المذكور أن من قال التفاوت استحب اعادة الجماعة مطلقًا، لتحصيل الأكثرية، ولم يستحب ذلك الآخرون، ومنهم من فصل فقال: تعاد مع الأعلم أو الأورع أو في البقعة الفاضلة. ووافق مالك على الأخير، لكن قصره على المساجد الثلاثة. وحاصل مذهبه في الإعادة في المساجد الثلاثة هو ما نظمه بعضهم بقوله: امنع إعادة من صلى فريضته ... بمسجد المصطفى والقدسِ والحرمِ ومن يصل بغيرٍ مفردًا يُعِدَنْ ... بها ولو مفردًا فاحفظه واغتنم ومن يصل بها فردًا يعيد بها ... جمعًا، وقيل وفردًا، فزت بالنعم والتفاضل المنفي عند مالك بين الجماعات المرادُ به التفاضل الذي تعاد الصلاة لأجله، وأما نفس الفضل فتحاصل، إذ لا نزاع أن الصلاة مع الصلحاء والعلماء والكثير من أهل الخير أفضل من غيرهم لشمول الدعاء وسرعة الإجابة وكثرة الرحمة، وقبول الشفاعة، وكما أن الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلة والكثرة، وغير ذلك مما ذكر، كذلك يفوق بعضها بعضًا من جهة الأوقات، كالجماعة في صلاة الفجر، كما يأتي للمصنف في أبواب الجماعة الإشارةُ إليه. وقد استوفينا الكلام على هذا الجزء من الحديث استيفاء لا يحتاج إلى زيادة بعد هذا، عند ذكره في أبواب الجماعة. وقوله: فإنّ أحدكم، كذا للأكثر بالفاء، وللكشميهنيّ بالموحدة، وهي نسبية أو للمصاحبة. وقوله: فأحسن، أي أسبغ الوضوء. وقوله: ما لم يؤذ يحدث، كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدلية، ويجوز الرفع على الاستئناف، وللكشميهنيّ "ما لم يؤذ يحدث فيه" بلفظ الجار والمجرور متعلقًا

стр. 3340

بيؤذ، والمراد بالحدث الناقضُ للوضوء ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، لكن صرح في رواية أبي داود وعن أبي هريرة بالأول، وقد مرت بقية مباحث هذا الجزء عند ذكره في باب الحدث في المسجد من أبواب المساجد، وعند ذكره في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين" في كتاب الوضوء. رجاله خمسة: الأول: مسدد، وقد مرَّ في السادس من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو معاوية محمد بن خازم في الثالث منه، ومرَّ الأعمش سليمان بن مهران في الخامس والعشرين منه، ومرَّ أبو صالح وأبو هريرة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواته ما بين بصريّ وكوفي ومدني، أخرجه البخاري هنا وفي فضل الجماعة، ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره أورد فيه حديث أبي موسى، وهو دال على جواز التشبيك مطلقًا، وحديث أبي هريرة وهو دال على جوازه في المسجد، فهو في غيره أجوز، وقد اختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة، وكره إبراهيم ذلك في الصلاة، وهو قول مالك، ولا بأس عنده في غير الصلاة، ولو في المسجد، لكنه خلاف الأوْلى، ورخص في ذلك ابن عمر وابنه سالم، فكانا يشبكان أصابعهما في الصلاة، ذكره ابن أبي شيبة، وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد. قال ابن بطال: وجه إدخال هذه الترجمة في الفقه معارضة ما ورد في النهي عن التشبيك في المسجد، وقد وردت فيه مراسيل ومسندةٌ من طرق غير ثابتة.

стр. 3341

أما المسند فهو حديث كعب بن عُجْرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبكن يديه، فإنه في صلاة" أخرجه أبو داود، وصححه ابن خُزيمة وابن حبان، وفي إسناده اختلاف ضعَّفه بعضهم بسببه. وروى ابن أبي شيبة من وجه آخر بلفظ "إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما دام في المسجد حتى يخرج منه" وفي إسناده ضعيف ومجهول. وقال ابن المنير التحقيق أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض، إذ المنهي عنه فعله على وجه العبث، والذي في الحديث إنما هو لمقصود التمثيل وتصوير المعنى في النفس بصورة الحسن، وما قاله ظاهر في حديث ابن عمر وأبي موسى، دون حديث أبي هريرة، وجمع الإسماعيلي بأن النهي مقيد بما إذا كان في الصلاة أو قاصدًا لها، إذ منتظر الصلاة في حكم المصلي، وأحاديث الباب الدالة على الجواز خالية عن ذلك. أما الأولان فظاهر فيهما ذلك، وأما حديث أبي هريرة فلأن تشبيكه إنما وقع بعد انقضاء الصلاة في ظنه، وفي حكم المنصرف من الصلاة، والرواية التي فيها النهي عن ذلك ما دام في المسجد ضعيفة، كما مرَّ، فلا تعارض حديث أبي هريرة. واختلف في علة النهي عن التشبيك، فقيل: لكونه من الشيطان كما مرَّ، وقيل: لأن التشبيك يجلب النوم، وهو مظان الحَدَث، وقيل لأن صورة التشبيك تشبه صورة الاختلاف، كما نبه عليه في حديث ابن عمر الآتي قريبًا، فكره ذلك لمن هو في حكم الصلاة، حتى لا يقع في المنهي عنه، وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للمصلين "ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم".

стр. 3342

الحديث الحادي والثمانون حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ بِشْرٍ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ حَدَّثَنَا وَاقِدٌ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ عَمْرو: شَبَّكَ النَّبِيُّ ﷺ أَصَابِعَهُ. * وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو، كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ بِهَذَا. وهذا الحديث ليس في أكثر الروايات، ولا استخرجه الإسماعيلي ولا أبو نعيم، بل ذكره أبو مسعود في الأطراف من رواية ابن رميح عن الفِرَبريّ وحماد بن شاكر، جميعًا عن البخاريّ، وساقه الحميديّ في الجمع بين الصحيحين نقلًا عن أبي مسعود، ولفظه شبك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أصابعه وقال: "كيف أنت يا عبد الله إذا بقيت في حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا، وشبك بين أصابعه؟ قال: فكيف أفعل يا رسول الله؟ قال: تأخذ ما تعرف، وتدع ما تنكر، وتقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم". وإلحثالة بضم الحاء بالمثلثة، ويقال لها الحُفَالة، بالفاء بدل المثلثة، فهما بمعنى. قال الخطابيّ: الحثالة بالفاء وبالمثلثة، الرديء من كل شيء، وقيل آخر ما يبقى من الشعير والتمر وأراده. وقال ابن التين: الحثالة سقط الناس، وأصلها ما يتساقط من قشور التمر والشعير وغيرهما. وقال الداودي: ما يسقط من الشعير عند الغربلة ويبقى من التمر بعد الأكل. وأخرج أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر عن الفزارية، امرأة عمر "تذهبون الخير فالخيّر، حتى لا يبقى منكم

стр. 3343

إلا حثالة كحثالة التمر، ينزو بعضهم على بعض نزو المعز" وليس فيه تصريح بالرفع، ولكنه في حكم المرفوع. وقوله: مرجت عهودهم وأماناتهم، أي فسدت، يقال: مرجت عهودهم إذا لم تثبت، وأمرجوها إذا لم يفوا بها، ومرج الدين اختلط، واضطرب. فيه تسعة أنفس: الأول: حامد بن عمر بن حفص بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كرمان، نزل نيسابور، وذكره ابن حبّان في الثقات، وقال هو عندي ثقة. روى عن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة وأبي عوانة وبشر بن المفضل وغيرهم. وروى عنه البخاري ومسلم وإبراهيم بن أبي طالب والحسن بن محمد القبانيّ. مات أول سنة ثلاث وثلاثين ومئتين. والبكراويّ في نسبه نسبة إلى أبي بكرة الصحابي الثقفي، لكن الذي في القاموس وشرحه أن البكراوي نسبة إلى شيئين: إلى بني بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، واسمه عَبيد، ولقبه البزريّ، أو إلى بكر آباذ، محلة بجرجان، فمن الأول مطيع بن عامر بن عوف الصحابي، وأخوه ذو اللحية شريح، له صحبة وغيرهما. ومن الثاني أبو سعيد بن محمد البكراويّ، وأبو الفتح سهل بن علي بن أحمد البكراويّ وغيرهما. الثاني: بشر بن المفضل، وقد مرَّ في التاسع من كتاب العلم، ومرَّ واقد بن محمد وأبو محمد بن زيد في الثامن عشر من كتاب الإيمان, ومرَّ عبد الله بن عمرو بن العاص في الثالث منه، ومرَّ ابن عمر في أوله قبل ذكر حديث منه، ومرَّ عاصم بن محمد في الرابع من كتاب الصلاة، ومرَّ عاصم بن علي في الثامن عشر منه. والتاسع: أبو عبد الله، والمراد البخاريّ نفسه.

стр. 3344

لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والعنعنة في أربعة، والقول والسماع والشك بين عبد الله بن عمرو بن العاص. ورواته ما بين بصريّ ومدنيّ. وقول البخاري: قال عاصم بن علي تعليقٌ منه، ووصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له.

стр. 3345

الحديث الثاني والثمانون حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. قوله: إن المؤمن كالبنيان، فيه إثبات "إنّ" هنا، وفي روايته في الأدب "المؤمن للمؤمن" بحذف إن، واللام فيه للجنس، والمراد ببعض المؤمنين للبعض، وقوله: يشد بعضه بعضًا، في رواية المستملي شد بلفظ الماضي، وهو بيان لوجه التشبيه. وقال الكرماني: نصب بعضًا بنزع الخافض، وقال غيره: بل هو مفعول يشد، ولكل وجه. قال ابن بطال: والمعاونة في أمور الآخرة، وكذا في الأمور المباحة من الدنيا مندوبٌ إليها. وقد ثبت حديث أبي هريرة "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه". وقوله: وشبك أصابعه، وفي رواية الأدب "بين أصابعه" وهو بيان لوجه التشبيه أيضًا، أي شد بعضهم بعضًا مثل هذا الشد. ويستفاد منه أن الذي يريد المبالغة في بيان أقواله يمثلها بحركاته، ليكون أوقع في نفس السامع. رجاله خمسة: الأول: خلاد بن يحيى، وقد مرَّ في التاسع والعشرين من كتاب الغسل، ومرَّ سفيان الثَّوري في السابع والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ بُريد وجده أبو بُردة وأبو موسى الأشعري في الرابع منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، وشيخ

стр. 3346

البخاري من أفراده، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية الرجل عن جده، ورواية الابن عن أبيه. وأخرجه البخاري في الأدب والمظالم أيضًا، ومسلم في الأدب، والتِّرمذيّ في البر، والنَّسائيّ في الزكاة.

стр. 3347

الحديث الثالث والثمانون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ شُمَيْلٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِحْدَى صَلاَتَيِ الْعَشِيِّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا قَالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتِ الصَّلاَةُ. وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ قَالَ لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ. فَقَالَ أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ. فَقَالُوا نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ ثُمَّ سَلَّمَ فَيَقُولُ نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ. قوله: إحدى صلاَتيْ العشي، كذلك للأكثر وللمستملي والحمويّ "العشاء" بالمد، وهو وهم، فقد صح أنها الظهر أو العصر. روى شُعبة عن أبي هريرة عند المصنف في سجود السهو "الظهر أو العصر" بالشك، وروى عنه في أبواب الإمامة الظهر بغير شك، وفي رواية أبي سلمة عند مسلم صلاة الظهر، وله أيضًا "العصر" بغير شك. وفي رواية لمسلم "إحدى صلاتي العشي، إما الظهر وإما العصر". وعند المصنف عن ابن سيرين أنه قال "وأكثر ظني أنها العصر".

стр. 3348

والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعد من قال: يحمل على أن القصة وقعت مرتين، بل روى النَّسائيّ عن ابن سيرين أن الشك فيه من أبي هريرة، ولفظه صلى الله تعالى عليه وسلم "إحدى صلاتي العشي". قال أبو هريرة: ولكني نسيتها، فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضًا على ابن سيرين، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة في حديث عمران، في قصة الخِرْباق، أنها العصر، فإن قلنا إنها قصة واحدة، فتترجح رواية من عين العصر في حديث أبي هريرة. وابتداء العشي من أول الزوال. وقوله: فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها، وفي رواية السهو، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها فقدم المسجد، أي في جهة القبلة. وقوله: معروضة، أي فوضوعة بالعرض، ولمسلم "ثم أن جذعًا في قبلة المسجد، فاستند إليها مُغْضَبًا" ولا تنافي بين هذه الروايات, لأنها تحمل على أن الجذع قبل اتخاذ المنبر كان ممتدًا بالعرض، وكان الجذع الذي كان صلى الله تعالى عليه وسلم يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشرّاح. وقوله: ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، هذه رواية الكشميهني، وهي أشبه من رواية "ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى" لما في الأخير من التكرار. وقوله: وخرجت السَّرَعان من أبواب المسجد، بفتح المهملات، ومنهم من سكن الراء، وحكى عياض أن الأصيلي ضبطه بضم ثم إسكان، كأنه جمع سريع ككثيب وكثبان، والمراد بهم أوائل الناس خروجاً من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبًا. وقوله: فقالوا أقُصرت ألصلاة، أي بهمزة الاستفهام، وفي رواية بحذفها، وقصرت بضم القاف وكسر المهملة على البناء للمفعول، أي أن الله قصرها، وبفتح ثم ضم على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة. قال النووي: وهذا أكثر وأرجح.

стр. 3349

وقوله: فهابا أن يكلماه، وفي رواية "فهاباه" بزيادة الضمير، والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه وتعظيمه من الاعتراض عليه. وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. وفيه دليل على ورعهم، إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وهابوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يسألوه، وإنما استفهموه, لأن الزمان زمان النسخ. وقوله: وفي القوم رجل في يده طُول يقال له ذو اليدين، وهو محمول على الحقيقة، ويحتمل أن يكون كناية عن طولها بالعمل أو بالبذل، وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا، والصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، كما يأتي إيضاحه في تعريفه قريبًا. ومن أدلة قول أبي هريرة في هذا الحديث "صلى بنا" فإنه ظاهر في أن أبا هريرة حضر القصة، وإسلامه متأخر بأكثر من خمس سنين عن موت ذي الشمالين المقتول ببدر، وحمل الطحاويّ قوله "صلى بنا" على المجاز قائلًا: "إن المراد صلى بنا أي صلى بالمسلمين، ويرده رواية مسلم عن أبي هريرة "بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" وقد جوز بعض الأئمة أن تكون القصة قد وقعت لكل من ذي الشمالين وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل أحدهما، وهو قصة ذي الشمالين، وشاهد الآخر، وهو قصة ذي اليدين، وهذا محتمل من طريق الجمع. وقيل: يحمل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضًا ذو اليدين، وبالعكس، فكان ذلك سببًا للاشتباه. وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين. ونص الشافعي على ذلك في اختلاف الحديث، وذهب أكثر إلى أن اسم ذي اليدين خِرباق، بكسر المعجمة وسكون الراء آخره قاف، اعتمادًا على ما عند مسلم في حديث عمران بن حصين بلفظ "فقام إليه رجل يقال له الخِرباق، وكان في يديه طول "وهذا صنيع من يوحد بين حديث أبي هريرة وحديث عمران بن حصين، وهو الراجح في النظر، وإن كان ابن خزيمة ومن تبعه جنحوا إلى التعدد، والحاصل لهم على ذلك الاختلاف الواقع بين السياقين. ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه صلى الله تعالى عليه

стр. 3350

وسلم قام إلى خشبة في المسجد. وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله أما فرغ من الصلاة، فأما الأول فقد حمله بعض الشيوخ على أن المراد به أنه سلم في ابتداء الركعة الثالثة، واستبعد. ولكن طريق الجمع يكتفي فيها بأدنى ملابسة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كل مرة استفهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن ذلك، واستفهم النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم الصحابة عن صحة قوله. وأما الثاني فلعل الراوي أما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة، ظن أنه دخل منزله، لكون الخشبة كانت في منزله، فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة أرجح، لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعيّ وأبو داود وابن ماجه، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه، كما أخرجه أبو بكر الأثرم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وأبو بكر بن أبي حَثمة وغيرهم. وفي الحديث هنا ما يدل على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة، كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال آخر حديث أبي هريرة: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. وقوله: قال لم أنس ولم تُقصر، كذا في أكثر الطرق وهو صريح في نفي النسيان، ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم "كل ذلك لم يكن" وتأييدًا لما قاله أصحاب المعاني: إن لفظ كل إذا تقدم وعقبها النفي كان نفيًا لكل فرد لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كل ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: قد كان بعض ذلك. وأجابه في هذه الرواية بقوله: بلى قد نسيت، لأنه لما نفى الأمرين، وكان مقررًا عند الصحابيّ أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية، جزم بوقوع النسيان لا بالقصر، وهو حجة لمن قال إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، إلى آخر ما مرَّ مستوفى عند حديث ابن مسعود في باب التوجه نحو القبلة. وقال بعض العلماء: إن قول ذي اليدين "بلى قد نسيت" أوقع شكًا في قلبه

стр. 3351

عليه الصلاة والسلام، احتاج معه إلى استثبات الحاضرين، وبما قاله يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسي بحضرة جمع لا يخفى عليهم ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حامل لهم على السكوت عنه، ثم لم يكذبوه، أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارضًا باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به. وفيه أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر وكان المجلس متحدًا أو منعت العادة غفلتهم عن ذلك أن يقبل خبره، وفيه العمل بالاستصحاب, لأن ذا اليدين استصحب حكم الإتمام، فسأل مع كون أفعال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للتشريع، والأصل عدم السهو، والوقت قابل للنسخ، وبقية الصحابة ترددوا بين الاستصحاب وتجويز النسخ، فسكتوا. والسَّرعَان هم الذين بنوا على النسخ، فجزموا بأن الصلاة قُصِرت، فيؤخذ منه جواز الاجتهاد في الأحكام. قلت: لم يقع من السَّرَعان ولا من غيرهم الجزمُ بالقصر، وإنما وقع الاستفهام، ومرَّ أن النُّسخة التي لم يذكر فيها لفظ الاستفهام تحمل على ما ذكر فيها ليحصل الوفاق بين النسختين. وقوله: فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر وسجد، يفيد أن السهو لا تكبيرة إحرام فيه، وقد اختلف في سجود السهو بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة إحرام أو يكتفى بتكبير السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبيّ أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام، لابد له من تكبيرة إحرام ما رواه أبو داود عن حماد بن زيد في هذا الحديث، قال: "فكبر ثم كبر وسجد للسهو". قال أبو داود: ولم يقل أحد فكبر ثم كبر إلا حماد بن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة. وقال القرطبيّ أيضًا: قوله في رواية مالك يعني المُخَّرجة عند البخاري في السهو "فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر ثم سجد" يدل على أن التكبيرة للإحرام؛ لأنه انما أتي بثُم التي تقتضي التراخي، فلو كان التكبير للسجود لكان معه. وتعقب بأن ذلك من تصرف الرواة، ففي رواية ابن عون المذكورة هنا عن ابن سيرين بلفظ "فصلى ما ترك ثم سلم ثم كبر وسجد" فأتي بواو المصاحبة التي تقتضي المعية.

стр. 3352

قلت: مشهور مذهب مالك مثل الجمهور، لا تكبيرة إحرام لسجود السهو عنده، واختلف في التشهد في سجدتي السهو، فإن كان السجود قبل السلام فالجمهور على أنه لا يعيد التشهد، وحكى ابن عبد البر عن الليث أنه يعيده، وعن البويطيّ عن الشافعيّ مثله، وخطّؤوه في هذا النقل، فإنه لا يعرف. وعن عطاء يتخير، واختلف فيه عن المالكية، ومشهور مذهبهم إعادته، وقد رواه أبو داود والتِّرمذيّ وابن حبّان والحاكم عن أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذّاء عن أبي قِلابة عن أبي المُهلب عن عمران بن حصين "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم، قال التِّرمذيّ: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال ابن حبان عن ابن سيرين عن خالد غير هذا الحديث، وضعّفه البيهقيّ وابن عبد البر وغيرهما. ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد. وروى السراج عن سلمة بن علقمة في هذه القصة قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد شيئًا. وفي رواية ابن عون في هذا الباب عن ابن سيرين قال: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم أسلم، والمحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، كما أخرجه مسلم، فصارت رواية أشعث شاذة، ولهذا قال ابن المنذر لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت، لكن قد ورد التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود وعند أبي داود والنَّسائيّ، وعن المغيرة عند البيهقيّ، وفي إسنادهما ضعف. وقد يقال ان الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن. قال العلائيّ: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود من قوله أخرجه ابن أبي شيبة. وأما من سجد بعد السلام، فتحكى التِّرمذيّ عن أحمد وإسحاق أنه يتشهد، وهو قول بعض المالكية والشافعية، قلت: هو المشهور في مذهب مالك، ونقله أبو حامد الأسفرايني عن القديم، لكن وقع في مختصر المزنيّ:

стр. 3353

سمعت الشافعيّ يقول: إذا سجد بعد السلام تشهد، وقبل السلام أجزأه التشهد الأول. وتأول بعضهم هذا النص على أنه تفريع على القول القديم، وفيه ما لا يخفى. وقوله: فربما سألوه "ثم سلم" أي ربما سألوا ابن سيرين هل في الحديث "ثم سلم"؟ فيقول: نبئت .. إلى آخره، وهذا يدل على أنه لم يسمع ذلك من عمران، وقد بين أشعث في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال ابن سيرين: حدثني خالد الحذّاء عن أبي قلابة عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين. أخرجه أبو داود والنَّسائيّ والتِّرمذيّ، فظهر أن ابن سيرين أبهم ثلاثة في روايته عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر. وفي الحديث أن الباني لا يحتاج إلى تكبير الإحرام، وأن السلام ونية الخروج من الصلاة سهوًا لا يقطع الصلاة، قلت: ومذهب المالكية أن التكبير فيه للإحرام مطلوب، وهل واجب أو سنة؟ الراجح السنة، ولذلك لم تبطل الصلاة بتركه، واستنبط من بعض القائلين بالرجوع اشتراط العدد في مثل هذا، وألحقوه بالشهادة، وفرّعوا عليه أن الحاكم إذا نسي حكمه وشهد به شاهدان أن يعتمد عليهما، واستدل به الحنفية على أن الهلال لا يُقبل بشهادة الآحاد إذا كانت مُصحية، بل لابد من عدد الاستفاضة، وتعقب بأن سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النبي صلى الله تعالى وسلم. بخلاف رؤية الهلال، فإن الأبصار ليست متساوية في رؤيته، بل متفاوتة قطعًا، وعلى أن مَن سلّم معتقدًا أنه أتم، ثم طرأ عليه شك، هل أتم أو نقص، أن يكتفي باعتقاده الأول، ولا يجب عليه الأخذ باليقين، ووجهه أن ذا اليدين لما أخبر أثار خبره شكًا، ومع ذلك لم يرجع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى استثبت، وعلى جواز التعريف باللقب، وسيأتي في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى، وعلى الترجيح بكثرة الرواة، وتعقبه ابن دقيق العيد بان المقصود كان تقوية الأمر المسؤول عنه، لا ترجيح خبر على خبر. وفيه أن من تحوّل عن القبلة ساهيًا لا إعادة عليه، وفيه إقبال الإمام على الجماعة

стр. 3354

بعد الصلاة، واستدل به البيهقيّ على أن عزوب النية بعد الإحرام بالصلاة لا يبطلها، ومباحث هذا الحديث كثيرة جداً وقد مرَّ أكثرها عند حديث ابن مسعود في باب التوجه نحو القبلة، وفي الباب الذي بعده، والباقي ذكرته هنا، فلم يبق من مباحثه ما يحتاج للذكر، إذا أعطى الله الوصول إلى محله في باب السهو. رجاله خمسة: وفيه ذكر عمر وأبي بكر وذي اليدين. الأول: إسحاق بن منصور، وقد مرَّ في تعليق بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ عبد الله بن عون في التاسع منه، ومرَّ النضر بن شميل في متابعة السابع عشر من كتاب الوضوء، ومرَّ محمد بن سيرين في الأربعين من كتاب الإيمان، ومرَّ أبو هُريرة في الثاني منه، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة بعد السبعين من كتاب الوضوء، وفي السند عمران بن حصين، وقد مرَّ في الحادي عشر من التيمم. وأما ذو اليدين، فهو رجل من بني سُلَيم، يقال له الخِرباق، حجازيّ، شهد النبي ﷺ ، وقد وهم في صلاته فخاطبه، وليس هو ذا الشمالين، فذو الشمالين رجل خزاعيّ حليف لبني زهرة، قُتل يوم بدر، وذو اليدين عاش حتى روى عنه المتأخرون من التابعين، وشهد أبو هريرة يوم ذي اليدين، وهو الراوي لحديثه، وصح فيه قوله صلى بنا رسول الله ﷺ "وبينما نحن مع رسول الله ﷺ " وأبو هريرة أسلم عام خيبر بعد بدر بأعوام، فهذا يبين لك أن ذا اليدين الذي راجع النبيَ ﷺ يومئذ في شأن الصلاة ليسَ بذي الشمالين المقتول يوم بدر. وروى أبو شيبة أن محمد بن سُويد أفطر قبل الناس بيوم، فأنكر عليه عمر بن عبد العزيز، فقال: شهد عندي فلان أنه رأى الهلالَ، فقال عمر: أو ذو اليدين هو؟ وفرق ابن حبان بين خِرباق وذي اليدين، والصحيح ما مرَّ من أنهما واحد، وأخرج أحمد من طريق أم حكيم، أن أم إسحاق كانت عند النبي صلى الله عليه

стр. 3355

وسلم، فأتي بقصعة من ثريد فأكلتْ معه، ومعه ذو اليدين، فناولها رسول الله ﷺ عَرَقًا فقال: يا أم إسحاق أصيبي من هذا، فذكرت أني صائمة، فنسيت، فقال ذو اليدين ألآن بعدما شبعت؟ فقال النبي صلى الله علبه وسلم: إنما هو رزق ساقه الله إليكِ. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع واحد، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين مروزيّ وبصريّ، أخرجه البخاريّ هنا وفي محل آخر، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ وابن ماجه، في الصلاة. ثم قال المصنف: باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها ﷺ أي في الطرق التي بين المدينة النبوية ومكة، وقوله: والمواضع، أي الأماكن التي تجعل مساجد.

стр. 3356

الحديث الرابع والثمانون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَتَحَرَّى أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهَا، وَأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِى تِلْكَ الأَمْكِنَةِ * وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ. وَسَأَلْتُ سَالِمًا، فَلاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ وَافَقَ نَافِعًا فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إِلاَّ أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ. قوله: وحدثني نافع، القائل ذلك هو موسى بن عقبة، ولم يسق المصنف لفظ فضيل بن سليمان، بل ساق لفظ أنس بن عياض، لكونه أتقن من فضيل، ودلت روايته على أن رواية سالم ونافع متفقتان إلا في الموضع الواحد الذي أشار إليه. وقوله: بشَرَف الرَّوْحاء، أي بفتح الشين المعجمة والراء آخره فاء في الأول، وبفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة ممدودًا في الثاني، قالَ أبو عُبيد الله البكريّ هي قرية جامعة لمُزَينة على ليلتين من المدينة، بينهما أحد وأربعون ميلًا، وفي صحيح مسلم في الأذان: بينهما ستة وثلاثون ميلًا. وللزمخشريّ في كتاب الجبال: بين المدينة والروحاء أربعة بُرُد إلا ثلاثة أميال. ولابن أبي شيبة ثلاثون ميلًا. قيل: سميت الروحاء لكثرة أرواحها، وبها بناء يزعمون أنه قبر مضر بن نزار. وروى غير واحد أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال؛ وقد وصل المسجد الذي ببطن الروحاء عند عرق الظبية، "هذا واد من أودية الجنة، وصلى في هذا الوادي سبعون نبيًا عليهم الصلاة والسلام"، وهذا أخرجه التِّرمذيُّ، "وقد مرَّ به موسى بن عمران حاجًا أو معتمرًا في سبعين ألفا من بني إسرائيل"

стр. 3357

وروى أبو هريرة أنه ﵊ قال: "والذي نفسي بيده لَيُهِلَّنَّ ابنُ مريم ﵉. بفَجّ الروحاء حاجًا أو معتمرًا أو بثنتيها". رجاله ستة: الأول: محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدميّ، أبو عبد الله، الثقفيّ مولاهم، البصريّ. قال عبد الخالق بن منصور: قلت ليحيى: أكتب عنه أحاديث أبيه، قال: اكتب. وقال أيضًا عن يحيى: ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، محله الصدق. وقال ابن قانع: كان ثقة. روى عن عمه عمر بن علي المقدميّ ويزيد بن زريع وحماد بن زيد وابن علية وبشر بن المُفَضَّل وأبي عَوانة وغيرهم. وروى عنه البُخاريّ ومسلم، وروى البخاريّ عن أحمد غير منسوب، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهم. مات سنة أربع وثلاثين ومئتين في شعبان. الثاني: فُضَيل بن سُليمان النُّميري، مصغرًا أبو سليمان البصري، والنُّميري في نسبه نسبة إلى نمير كزبير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، أبي قبيلة من قيس عَيلان، وفيهم قال الشاعر: فغضَّ الطرفَ إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا قال عباس الدوريّ عن ابن معين: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: ليِّن الحديث، وروى عنه ابن المَدِينيّ وكان من المتشددين وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ليس بالقوي. وقال أبو داود: كان عبد الرحمن لا يحدث عنه. قال الآجريّ: وسمعت أبا داود يقول: ذهب فُضَيل بن سليمان والسمنيّ إلى موسى بن عقبة، فاستعارا منه كتابًا، فلم يرداه إليه. وقال النّسائيّ: ليس بالقوي، وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال صالح جزرة: منكر الحديث، روى عن موسى بن عقبة مناكير. وقال الساجي عن ابن مُعين: ليس هو بشيء، ولا يكتب حديثه. قال الساجي: كان صدوقاً وعنده مناكير. وقال ابن قانع: ضعيف، وذكره ابن عديّ وأورد له أحاديث، ولم يقل فيه شيئًا. وقال الآجريّ:

стр. 3358

سألت أبا داود عن حديث فُضيل بن سليمان بن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزّهري فقال: ليس بشيء، انما هو حديث ابن المنكدر. قال ابن حجر في مقدمته: روى له الجماعة، وليس له في البخاريّ سوى أحاديث توبع عليها، منها في الخُمس حديثه عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر في إجلاء اليهود، تابعه عليه ابن جُريج. ومنها في المناقب حديثه بهذا الإسناد في قصة زيد بن عمرو بن نُفيل، تابعه عليه عبد العزيز بن المختار عند أبي يعلى، ومنها حديثه عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر، عمن سمع النبي ﷺ ، وتابعه عليه عند سليمان بن يسار عن عبد الرحمن بن جابر، وسمّى المبهم المذكور أبا بردة بن نيار. ومنها في الطهارة حديثه عن منصور بن عبد الرحمن عن عائشة، أن امرأة سألت النبي ﷺ عن غسلها الحيض ... الحديث، تابعه عليه ابن عُيينة ووهب وغيرهما. ومنها في الرِّقاق عن أبي حازم عن سهل بن سعد في حفر الخندق، تابعه عليه عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه، ومنها بهذا الإِسناد حديث "ليدخلنَّ الجنة من أمتي سبعون ألفًا ... " الحديث، تابعه عليه عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه. قلت: فيما قاله ابن حجر نظر من وجهين، أحدهما أن هذا الحديث رواه عنه البخاري .. ولم يذكره ابن حجر، والثاني أنه قال إن الحديث المذكور في الطهارة، المروي عن صفية بنت شيبة، مرويٌّ عنه، وليس كذلك، فإنه هو الحديث الرابع من أحاديث الحيض، وليس مرويًا عنه، بل هو مرويّ عن زهير بن معاوية عن منصور بن عبد الرحمن، والكمال لله وحده. روى عن أبي مالك الأشجعيّ وغيره، وروى عنه أبو عاصم الضحاك وغيره. الثالث: موسى بن عقبة، وقد مرَّ في الخامس من كتاب الوضوء، ومر نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه التحديث بصيغة

стр. 3359

المضارع المفرد وبلفظ الماضي المفرد، والعنعنة في موضع واحد، والرؤية بصيغة الماضي للمتكلم، ورواته ما بين مدنيّ وبصريّ.

стр. 3360

الحديث الخامس والثمانون حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ، وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ، تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ، فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الْوَادِى الشَّرْقِيَّةِ، فَعَرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ، لَيْسَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ، وَلاَ عَلَى الأَكَمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمَسْجِدُ، كَانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ، فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَّ يُصَلِّي، فَدَحَا السَّيْلُ فِيهِ بِالْبَطْحَاءِ حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِى كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بن عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى حَيْثُ الْمَسْجِدُ الصَّغِيرُ الَّذِي دُونَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ الْمَكَانَ الَّذِى كَانَ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ تُصَلِّي، وَذَلِكَ الْمَسْجِدُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ الْيُمْنَى، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الأَكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْعِرْقِ الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ، وَذَلِكَ الْعِرْقُ انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ، دُونَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ. وَقَدِ ابْتُنِيَ ثَمَّ مَسْجِدٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ، وَيُصَلِّي أَمَامَهُ إِلَى الْعِرْقِ نَفْسِهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءِ، فَلاَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَيُصَلِّي فِيهِ

стр. 3361

الظُّهْرَ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، وَوِجَاهَ الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ، حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ، وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلاَهَا، فَانْثَنَى فِي جَوْفِهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٌ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْعَرْجِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ، عَلَى الْقُبُورِ رَضْمٌ مِنْ حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَّرِيقِ، بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلِمَاتِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ الْعَرْجِ بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالْهَاجِرَةِ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ الْمَسِيلُ لاَصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشَى، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ، هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ إِلَى الطَّرِيقِ وَهْىَ أَطْوَلُهُنَّ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ فِي الْمَسِيلِ الَّذِي فِي أَدْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ الْمَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلاَّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى وَيَبِيتُ حَتَّى يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَجَعَلَ الْمَسْجِدَ الَّذِي يُبنِىَ ثَمَّ يَسَارَ الْمَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ -صلى الله عليه

стр. 3362

وسلم- أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الْفُرْضَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ. قوله: بذي الحُلَيفة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام، الميقات المشهور لأهل المدينة. وقوله: تحت سَمُرة، أي بفتح المهملة وضم الميم، شجرة ذات شوك، وهي التي تعرف بأُم غِيلان. وقوله: من غزو كان في تلك الطريق، أي طريق ذي الحليفة، وكان صفة لغزو، وفي نسخة "وكان" بالواو قبل الكاف، وفي نسخة "غزوة كان" بالهاء، فتذكير الضمير في كان باعتبار تأويلها بسفر. وفي نسخة "غزوة وكان" بتاء التأنيث والواو. وقوله: هبط من بطن واد، هو وادي العقيق، وسقط حرف الجر عند أبي ذرٍّ والوَقت، ولابن عساكر وحده "هبط من ظهر واد" بدل بطن واد. وقوله: بالبطحاء، أي بالمسيل الواسع المجتمع فيه دقاق الحصى من مسيل الماء. وقوله: شفير الوادي، بفتح الشين المعجمة، أي طرفة. وقوله: الشرقية، صفة للبطحاء، وقوله: فعرَّسَ، بمهملات مع تشديد الراء، والتعريس نزول استراحة لغير إقامة، وأكثر ما يكون في آخر الليل، وخصه بذلك الأصمعيّ، وأطلق أبو زيد. وقوله: ثَمّ حتى يُصبح، بفتح الثاء المثلثة، أي هناك، وبضم أول يُصبح، أي يدخل في الصباح، وهي تامة استغنت بمرفوعها. وقوله: ولا على أكمة، بالتحريك، الموضع المرتفع على ما حوله، وقيل: هو تل من حجر واحد. وقوله: خليج، بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام، وادٍ له عمق. وقوله: عنده كُثُبْ بضم الكاف والمثلثة جمع كثيب، وهو رمل مجتمع. وقوله: فَدَحا السيلُ فيه، بالحاء المهملة أي دفع، ولأبي ذَرٍّ "فدحا فيه السيل" وفي رواية الإسماعيلي "فدخل" بالخاء المعجمة واللام، وفي بعض الروايات "قد جاء" بالقاف والجيم على أنهما كلمتان: حرف التحقيق، والفعل الماضي من المجيء.

стр. 3363

وقوله: حدثه، أي بالإِسناد المذكور إليه. وقوله: حيث المسجُد الصغير، يرفع الصغير صفة للمسجد المرفوع بتقدير هو المسجد؛ لأن حيث لا تضاف إلا إلى الجملة. وفي بعض النسخ "صلى جنب المسجد" بالجيم والنون والباء، والمسجد حينئذ مجرور بالإضافة. وقوله: بشَرَف الروحاء، مرَّ تفسيرها قريبًا، والمسجد هو الأوسط في الوادي المعروف الآن بوادي بني سالم. وقوله: يَعلم، بفتح أوله من العلم، وبضم أوله من أعلم يُعْلِم من العلامة، أو بمثناة فوقية وتشديد اللام مفتوحتين. وقوله: على حافة الطريق، بتخفيف الفاء، أي جانبه. وقوله: إلى العِرق، بكسر العين وسكون الراء، الجبل الصغير، أو عرق الظبية: الوادي المعروف. وقوله: مُنْصَرف الروحاء، بفتح الراء فيهما أي آخرها. وقوله: انتهاء طرفه، وللكشميهنيّ "انتهى طرفه" بالقصر ورفع طرفه. وقوله: دون المسجد، أي قريب أو تحت. وقوله: وقد ابتُني، بضم المثناة الفوقية مبنيًا للمفعول. وقوله: وراءه، بالنصب على الظرفية بتقدير في، أو الجر عطفًا على سابقه. وقوله: أو من آخر السحر، ما بين الفجر الكاذب والصادق، والفرق بينه وبين قوله: قبل الصبح بساعة، أنه أراد بآخر السحر أقلّ من ساعة، وحينئذ فيغاير اللاحقُ السابقَ. وقوله: تحت سَرْحَة ضخمة، أي شجرة عظيمة، وهي بفتح السين والحاء بينهما راء ساكنة. وقوله: دون الرَّويثة، بالراء مصغرًا، قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا. وقوله: ووُجاهَ الطريق، بكسر الواو وضمها، أي مقابلها، والهاء خفض عطفًا على يمين، أو نصباً على الظرفية. وقوله: في مكان بَطْحِ، أي بفتح الموحدة وسكون الطاء وكسرها، واسع. وقوله: حتى يفضي، كذا للأكثر، وللمستملي "حين يفضي" وقوله: "دُوَين بَريد الرُّويثة بميلين، أي بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرويثة ميلان، وقيل: المراد بالبريد سِكة الطريق، ودُوين بضم الدال وفتح الواو مصغرًا، ولابن عساكر، دون الرويثة.

стр. 3364

وقوله: فانثنى، بفتح المثلثة، أي انعطف مبنيٌّ للفاعل. وقوله: على ساق، أي كالبنيان، ليست متسعة من أسفل. وقوله: وفي ساقها كثبٌ، بكاف ومثلثة مضمومتين جمع كثيب، وهي تلال الرمال. وقوله: في طرف تَلْعَة، بفتح المثناة وسكون اللام بعدها مهملة، وهي مسيل الماء من فوق إلى أسفل، ويقال أيضًا: لما ارتفع من الأرض ولما انهبط. وقوله: من وراء العَرْج، بفتح العين وسكون الراء بعدها جيم، قرية جامعة، بينها وبين الرويثة ثلاثة عشر، أو أربعة عشر ميلًا. وقوله: إلى هضبة، بسكون الضاد المعجمة، جبل منبسط على وجه الأرض، أو ما طال واتسع وانفرد من الجبال. وقيل: هي فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل، وقيل: الأكمة الملساء. وقوله: على القبور رَضْم، بفتح الراء وسكون المهملة، الحجارة الكبار، واحدها رَضْمَة، بسكون الضاد والمعجمة أيضًا في الواحد، وعند الأصيلي رَضَم، بالتحريك. وقوله: عند سَلِمات الطريق، بفتح المهملة وكسر اللام في رواية أبي ذَرٍّ والأصيلي، أي ما يتفرع عن جوانبه. وفي رواية الباقين بفتح اللام، وقيل هي: بالكسر الصخرات، وبالفتح الشجرات يدبغ بورقها الأديم. وقوله: بالهاجرة، نصف النهار عند اشتداد الحر. وقوله: عند سَرَحات، أي بالتحريك جمع سوحة، وهي الشجرة الضخمة. وقوله: في مسيل دون هَرْشى، المسيل بفتح الميم وكسر المهملة، المكان المنحدر، وهرشَى، بفتح الهاء وسكون الراء بعدها شين معجمة مقصور، جبل على ملتقى طريق المدينة والشام، قريب من الجحفة. وكراع هرشى طوفها. وقوله: غَلْوَة، بفتح الغين المعجمة، غاية بلوغ السهم، أو أمد جري الفرس، وقيل: قدر ثُلُثي ميل. وقوله: مرّ الظهران، بفتح الميم وتشديد الراء في الأولى، وبفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء في الأخرى، وهو الوادي الذي تسميه العامة الآن بطن مَرْو، بإسكان الراء بعدها واو. قال البكريّ: بينه وبين مكة ستة عشر ميلًا. قيل: سمي بذلك لأن في بطن الوادي كتابة بعرق من الأرض أبيض هجاء

стр. 3365

"م ر" الميم منفصلة عن الراء، وقيل سمي بذلك لمرارة مائة. وقوله: قِبَل المدينة، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي مقابل. وقوله: من الصفراوات، بفتح المهملة وسكون الفاء، جمع صفراء، وهي الأودية أو الجبال التي بعد مَر الظهران. وقوله: ينزل، بالمثناة التحتية أو"تنزل" بتاء الخطاب، ليوافق قوله: وأنت ذاهب. وقوله: بذي طُوَى، بضم الطاء، موضع بمكة. وللحمويّ والمستمليّ "بذي الطِّوى" بزيادة التعريف وبكسر الطاء. وحكى عياض الفتح أيضًا. وقوله: فُرْضَتي الجبل، بضم الفاء وسكون الراء بعدها ضاد معجمة، مدخل الطريق إلى الجبل. وقيل الشق المرتفع كالشرافة. ويقال أيضًا لمدخل النهر. وقوله: أسفلَ منه، بالنصب على الظرفية، أو بالرفع خبر مبتدأ محذوف. فقد عرف من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النبي ﷺ ، والتبرك بها، وقد قال البغويّ من الشافعية: إن المساجد التي ثبت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى فيها، لو نذر أحد الصلاة فيها، تعين كما تتعين المساجد الثلاثة، وقال أشهب من المالكية: لا يعجبني ذلك إلا في قباء، لأنه ﵊ كان يأتيه راكبًا وماشيًا، ولم يفعل ذلك في تلك الأمكنة، وما فعله ابن عمر، مع ما عُلِم من تشدده في الاتِّباع، لا يعارض ما ثبت عن أبيه، من أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان، فسأل عن ذلك، فقالوا: قد صلّى فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: من عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمضِ، فإنَّما أهلك أهل الكتاب أنهم كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبِيَعًا، لأن ذلك من عمر محمول على أنه كره زيارتهم لمثل ذلك بغير صلاة، أو خشي أن يشكل ذلك على من لا يعرف حقيقة الأمر فيظنه واجبًا، وكلا الأمرين مأمون من ابن عمر، وقد تقدم حديث عتبان، وسؤاله النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن يصلي له في بيته ليتخذه مسجدًا، وأجابةُ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ذلك، فهو حجة قوية في التبرك بآثار الصالحين، ولم تزل المسلمون من لدن عصر الصحابة إلى الآن،
следующие страницы →