Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
الظُّهْرَ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، وَوِجَاهَ الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ، حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ، وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلاَهَا، فَانْثَنَى فِي جَوْفِهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٌ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْعَرْجِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ، عَلَى الْقُبُورِ رَضْمٌ مِنْ حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَّرِيقِ، بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلِمَاتِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ الْعَرْجِ بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالْهَاجِرَةِ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ الْمَسِيلُ لاَصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشَى، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ، هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ إِلَى الطَّرِيقِ وَهْىَ أَطْوَلُهُنَّ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ فِي الْمَسِيلِ الَّذِي فِي أَدْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ الْمَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلاَّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى وَيَبِيتُ حَتَّى يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَجَعَلَ الْمَسْجِدَ الَّذِي يُبنِىَ ثَمَّ يَسَارَ الْمَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ -صلى الله عليه
стр. 3362
وسلم- أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الْفُرْضَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ.
قوله: بذي الحُلَيفة، بضم الحاء المهملة وفتح اللام، الميقات المشهور لأهل المدينة. وقوله: تحت سَمُرة، أي بفتح المهملة وضم الميم، شجرة ذات شوك، وهي التي تعرف بأُم غِيلان. وقوله: من غزو كان في تلك الطريق، أي طريق ذي الحليفة، وكان صفة لغزو، وفي نسخة "وكان" بالواو قبل الكاف، وفي نسخة "غزوة كان" بالهاء، فتذكير الضمير في كان باعتبار تأويلها بسفر. وفي نسخة "غزوة وكان" بتاء التأنيث والواو. وقوله: هبط من بطن واد، هو وادي العقيق، وسقط حرف الجر عند أبي ذرٍّ والوَقت، ولابن عساكر وحده "هبط من ظهر واد" بدل بطن واد.
وقوله: بالبطحاء، أي بالمسيل الواسع المجتمع فيه دقاق الحصى من مسيل الماء. وقوله: شفير الوادي، بفتح الشين المعجمة، أي طرفة. وقوله: الشرقية، صفة للبطحاء، وقوله: فعرَّسَ، بمهملات مع تشديد الراء، والتعريس نزول استراحة لغير إقامة، وأكثر ما يكون في آخر الليل، وخصه بذلك الأصمعيّ، وأطلق أبو زيد. وقوله: ثَمّ حتى يُصبح، بفتح الثاء المثلثة، أي هناك، وبضم أول يُصبح، أي يدخل في الصباح، وهي تامة استغنت بمرفوعها.
وقوله: ولا على أكمة، بالتحريك، الموضع المرتفع على ما حوله، وقيل: هو تل من حجر واحد. وقوله: خليج، بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام، وادٍ له عمق. وقوله: عنده كُثُبْ بضم الكاف والمثلثة جمع كثيب، وهو رمل مجتمع. وقوله: فَدَحا السيلُ فيه، بالحاء المهملة أي دفع، ولأبي ذَرٍّ "فدحا فيه السيل" وفي رواية الإسماعيلي "فدخل" بالخاء المعجمة واللام، وفي بعض الروايات "قد جاء" بالقاف والجيم على أنهما كلمتان: حرف التحقيق، والفعل الماضي من المجيء.
стр. 3363
وقوله: حدثه، أي بالإِسناد المذكور إليه. وقوله: حيث المسجُد الصغير، يرفع الصغير صفة للمسجد المرفوع بتقدير هو المسجد؛ لأن حيث لا تضاف إلا إلى الجملة. وفي بعض النسخ "صلى جنب المسجد" بالجيم والنون والباء، والمسجد حينئذ مجرور بالإضافة. وقوله: بشَرَف الروحاء، مرَّ تفسيرها قريبًا، والمسجد هو الأوسط في الوادي المعروف الآن بوادي بني سالم. وقوله: يَعلم، بفتح أوله من العلم، وبضم أوله من أعلم يُعْلِم من العلامة، أو بمثناة فوقية وتشديد اللام مفتوحتين.
وقوله: على حافة الطريق، بتخفيف الفاء، أي جانبه. وقوله: إلى العِرق، بكسر العين وسكون الراء، الجبل الصغير، أو عرق الظبية: الوادي المعروف. وقوله: مُنْصَرف الروحاء، بفتح الراء فيهما أي آخرها. وقوله: انتهاء طرفه، وللكشميهنيّ "انتهى طرفه" بالقصر ورفع طرفه. وقوله: دون المسجد، أي قريب أو تحت. وقوله: وقد ابتُني، بضم المثناة الفوقية مبنيًا للمفعول. وقوله: وراءه، بالنصب على الظرفية بتقدير في، أو الجر عطفًا على سابقه. وقوله: أو من آخر السحر، ما بين الفجر الكاذب والصادق، والفرق بينه وبين قوله: قبل الصبح بساعة، أنه أراد بآخر السحر أقلّ من ساعة، وحينئذ فيغاير اللاحقُ السابقَ.
وقوله: تحت سَرْحَة ضخمة، أي شجرة عظيمة، وهي بفتح السين والحاء بينهما راء ساكنة. وقوله: دون الرَّويثة، بالراء مصغرًا، قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا. وقوله: ووُجاهَ الطريق، بكسر الواو وضمها، أي مقابلها، والهاء خفض عطفًا على يمين، أو نصباً على الظرفية. وقوله: في مكان بَطْحِ، أي بفتح الموحدة وسكون الطاء وكسرها، واسع. وقوله: حتى يفضي، كذا للأكثر، وللمستملي "حين يفضي" وقوله: "دُوَين بَريد الرُّويثة بميلين، أي بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرويثة ميلان، وقيل: المراد بالبريد سِكة الطريق، ودُوين بضم الدال وفتح الواو مصغرًا، ولابن عساكر، دون الرويثة.
стр. 3364
وقوله: فانثنى، بفتح المثلثة، أي انعطف مبنيٌّ للفاعل. وقوله: على ساق، أي كالبنيان، ليست متسعة من أسفل. وقوله: وفي ساقها كثبٌ، بكاف ومثلثة مضمومتين جمع كثيب، وهي تلال الرمال. وقوله: في طرف تَلْعَة، بفتح المثناة وسكون اللام بعدها مهملة، وهي مسيل الماء من فوق إلى أسفل، ويقال أيضًا: لما ارتفع من الأرض ولما انهبط. وقوله: من وراء العَرْج، بفتح العين وسكون الراء بعدها جيم، قرية جامعة، بينها وبين الرويثة ثلاثة عشر، أو أربعة عشر ميلًا.
وقوله: إلى هضبة، بسكون الضاد المعجمة، جبل منبسط على وجه الأرض، أو ما طال واتسع وانفرد من الجبال. وقيل: هي فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل، وقيل: الأكمة الملساء. وقوله: على القبور رَضْم، بفتح الراء وسكون المهملة، الحجارة الكبار، واحدها رَضْمَة، بسكون الضاد والمعجمة أيضًا في الواحد، وعند الأصيلي رَضَم، بالتحريك. وقوله: عند سَلِمات الطريق، بفتح المهملة وكسر اللام في رواية أبي ذَرٍّ والأصيلي، أي ما يتفرع عن جوانبه. وفي رواية الباقين بفتح اللام، وقيل هي: بالكسر الصخرات، وبالفتح الشجرات يدبغ بورقها الأديم. وقوله: بالهاجرة، نصف النهار عند اشتداد الحر. وقوله: عند سَرَحات، أي بالتحريك جمع سوحة، وهي الشجرة الضخمة.
وقوله: في مسيل دون هَرْشى، المسيل بفتح الميم وكسر المهملة، المكان المنحدر، وهرشَى، بفتح الهاء وسكون الراء بعدها شين معجمة مقصور، جبل على ملتقى طريق المدينة والشام، قريب من الجحفة. وكراع هرشى طوفها. وقوله: غَلْوَة، بفتح الغين المعجمة، غاية بلوغ السهم، أو أمد جري الفرس، وقيل: قدر ثُلُثي ميل. وقوله: مرّ الظهران، بفتح الميم وتشديد الراء في الأولى، وبفتح الظاء المعجمة وسكون الهاء في الأخرى، وهو الوادي الذي تسميه العامة الآن بطن مَرْو، بإسكان الراء بعدها واو. قال البكريّ: بينه وبين مكة ستة عشر ميلًا. قيل: سمي بذلك لأن في بطن الوادي كتابة بعرق من الأرض أبيض هجاء
стр. 3365
"م ر" الميم منفصلة عن الراء، وقيل سمي بذلك لمرارة مائة.
وقوله: قِبَل المدينة، بكسر القاف وفتح الموحدة، أي مقابل. وقوله: من الصفراوات، بفتح المهملة وسكون الفاء، جمع صفراء، وهي الأودية أو الجبال التي بعد مَر الظهران. وقوله: ينزل، بالمثناة التحتية أو"تنزل" بتاء الخطاب، ليوافق قوله: وأنت ذاهب. وقوله: بذي طُوَى، بضم الطاء، موضع بمكة. وللحمويّ والمستمليّ "بذي الطِّوى" بزيادة التعريف وبكسر الطاء. وحكى عياض الفتح أيضًا. وقوله: فُرْضَتي الجبل، بضم الفاء وسكون الراء بعدها ضاد معجمة، مدخل الطريق إلى الجبل. وقيل الشق المرتفع كالشرافة. ويقال أيضًا لمدخل النهر. وقوله: أسفلَ منه، بالنصب على الظرفية، أو بالرفع خبر مبتدأ محذوف.
فقد عرف من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النبي ﷺ ، والتبرك بها، وقد قال البغويّ من الشافعية: إن المساجد التي ثبت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى فيها، لو نذر أحد الصلاة فيها، تعين كما تتعين المساجد الثلاثة، وقال أشهب من المالكية: لا يعجبني ذلك إلا في قباء، لأنه ﵊ كان يأتيه راكبًا وماشيًا، ولم يفعل ذلك في تلك الأمكنة، وما فعله ابن عمر، مع ما عُلِم من تشدده في الاتِّباع، لا يعارض ما ثبت عن أبيه، من أنه رأى الناس في سفر يتبادرون إلى مكان، فسأل عن ذلك، فقالوا: قد صلّى فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: من عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمضِ، فإنَّما أهلك أهل الكتاب أنهم كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبِيَعًا، لأن ذلك من عمر محمول على أنه كره زيارتهم لمثل ذلك بغير صلاة، أو خشي أن يشكل ذلك على من لا يعرف حقيقة الأمر فيظنه واجبًا، وكلا الأمرين مأمون من ابن عمر، وقد تقدم حديث عتبان، وسؤاله النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم أن يصلي له في بيته ليتخذه مسجدًا، وأجابةُ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى ذلك، فهو حجة قوية في التبرك بآثار الصالحين، ولم تزل المسلمون من لدن عصر الصحابة إلى الآن،
стр. 3366
يتبركون بآثار الصالحين، لم يخالف في ذلك إلا الخوارج دمرهم الله.
وقد قال العلماء: إن في فعل ابن عمر، ونهي أبيه رضي الله تعالى عنهما، فائدة جليلة في الدين، ففي فعل ابن عمر اقتفاء آثاره ﵊، والتبرك، والتعظيم له. وفي نهي عمر الاحتياط في السلامة من الابتداع لمن يُخشى منه ذلك، ثم إن هذه المساجد المذكورة لا يعرف منها الآن غير مسجد ذي الحُليفة، والمساجد التي بالروحاء يعرفها أهل تلك الناحية. وقد ذكر البخاريّ المساجد التي كانت بالمدينة، لأنه لم يقع له إسناد في ذلك على شرطه.
وقد ذكر عمر بن شبّة في أخبار المدينة المساجد والأماكن التي صلى فيها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة مستوعبًا. ورُوي عن أبي غسان عن غير واحد من أهل العلم أن كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنيّ بالحجارة المنقوشة المطابقة، فقد صلى فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بني مسجد المدينة سأل الناس، وهم يومئذ متوافرون، عن ذلك، ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة. قلت: في هذا حجة قوية على التبرك بآثار الصالحين، لصدوره من خامس الخلفاء عمر بن عبد العزيز، لم يوجد أحد في زمنه مثله في اتباع السنة، كما شهد له بذلك إجماع المسلمين وعدم إنكار أحد من التابعين وأتباعهم المتوافرين يومئذ كذلك، فصار إجماعًا، ولا يحتمل أن يقصد بفعله إلا بقاء الآثار معلومة ليتبرك بها.
وقد عين عمر بن شبة منها كثيرًا، لكن أكثره في هذا الوقت قد اندثر، وبقي من المشهورة الآن مسجد قباء، ومسجد الفضيخ، وهو شرقيّ قُباء، ومسجد بني قُريظة، ومَشْرَبة أم إبراهيم، وهي شمال مسجد قريظة، ومسجد بني ظَفَر شرقيّ البَقيع، ويعرف بمسجد البَغْلة، ومسجد بني معاوية، ويعرف بمسجد الإجابة، ومسجد الفتح، قريب من سَلْع، ومسجد القِبلتين في بني سَلِمة.
قال في الفتح: وفائدة معرفة ذلك ما تقدم عن البغويّ، وقد اشتمل حديث المساجد بهذا السياق الذي أخرجه البخاري على تسعة مساجد أخرجها الحسن
стр. 3367
ابن سفيان في مسنده مفرقة عن أنس بن عياض، يعيد الإسناد في كل حديث، إلا أنه لم يذكر الثالث، وأخرج مسلم الحديثين الأخيرين في كتاب الحج. قلت: أشار البخاريّ إلى ابتداء كل حديث منها بقوله: وإن عبد الله حدّثه، إلا الحديث الثاني، فإنه قال في أوله: وكان إذا رجع من غزو، وهذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم.
رجاله خمسة:
الأول: إبراهيم بن المنذر، وقد مرَّ في الأول من العلم، ومرَّ أنس بن عياض في الرابع عشر من كتاب الوضوء، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس منه، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرّ عبد الله بن عمر أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع، والإخبار بصيغة الماضي المفرد، وشيخ البخاريّ من أفراده، ورواته كلهم مدنيون. ثم قال المصنف:
أبواب سترة المصلى
وهذا ساقط في اليونينية، والسُّترة بضم السين ثم قال:
باب سترة الإِمام سترة من خلفه
وقد وردت هذه الترجمة في حديث أخرجه الطبرانيّ في الأوسط عن أنس مرفوعًا "سترة الإِمام سترة لمن خلفه" لكن تفرّد به سُويد عن عاصم، وسويد ضعيف عندهم، ووردت أيضًا في حديث موقوف على ابن عمر، أخرجه عبد الرزاق.
стр. 3368
الحديث السادس والثمانون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاِحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ.
وفي الاستدراك بهذا الحديث على الترجمة نظر؛ لأنه ليس فيه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى إلى سترة، وقد بوّب عليه البيهقيّ باب من صلى إلى غير سترة، وقد مرَّ في كتاب العلم في باب "متى يصح سماع الصغير" في الكلام على هذا الحديث قولُ الشافعيّ إن المراد بقول ابن عباس "إلى غير جدار" أي غير سُترة. وذكرنا تأييد ذلك من رواية البزار. وقال غيره من المتأخرين: قوله "إلى غير جدار" لا ينفي غير الجدار، إلا أن إخبار ابن عباس عن مروره بهم، وعدم إنكارهم لذلك، مشعرٌ بحدوث أمر لم يعهدوه، فلو فرض هناك سُترة أخرى غير الجدار، لم يكن لهذا الإخبار فائدة، إذ مروره حينئذ لا ينكره أحد أصلًا، وكأن البخاريّ حمل الأمر في ذلك على المألوف من عادته صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه كان لا يصلي في الفضاء إلا والعنزة أمامه، ثم أيد ذلك بحديثي ابن عمر وأبي جُحيفة. وفي حديث ابن عمر ما يدل على المداومة، وهو قوله بعد ذكر الحربة "وكان يفعل ذلك في السفر" وقد تبعه النووي فقال: في شرح مسلم في الكلام على فوائد هذا الحديث: فيه أن سُترة الإِمام سترة لمن خلفه، وهذا الحديث تقدمت مباحثه مستوفاة غاية في كتاب العلم عند ذكره في الباب المذكور آنفًا.
стр. 3369
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو والإمام مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عُبيد الله في السادس منه، ومرَّ ابن عباس في الخامس منه، وهذا الحديث مرَّ في باب "متى يصح سماع الصغير".
стр. 3370
الحديث السابع والثمانون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّى إِلَيْهَا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الأُمَرَاءُ.
قوله: فأمر بالحربة، أي أمر خادمه يحمل الحربة، وللمصنف في العيدين عن نافع "كان يغدو إلى المصلى، والعنزة تحمل وتنصب بين يديه، فيصلى إليها" زاد ابن ماجه وابن خزيمة والإسماعيلىّ "وذلك أنّ المصلّى كان فضاء ليس فيه شيء يستره". وقوله: والناسُ وراءه، بالرفع عطفًا على فاعل يصلّي، وقوله: وكان يفعل ذلك، أي نصب الحربة بين يديه، حيث لا يكون جدار. وقوله: في السفر، يعني أنه ليس مختصًا بيوم العيد. وقوله: فمن ثم اتخذها الأمراء، أي فمن تلك الجهة اتخذ الأمراء الحربة، يخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه، وهذه الجماعة فَصَلها علي بن مُسْهر من حديث ابن عمر، فجعلها من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه. وفي الحديث الاحتياط وأخذ آلة دفع الأعداء، ولاسيما في السفر، وجواز الاستخدام. والضمير في اتخذها يحتمل عودُهُ إلى الحربة نفسها، أو إلى جنس الحربة. وقد مرَّ الكلام على الحربة في باب "حمل العَنَزَة مع الماء" من كتاب الوضوء.
رجاله خمسة:
الأول: إسحاق بن منصور، وقد مرّ في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ عبد الله بن نُمير في الثالث من كتاب التيمم، ومرَّ عُبيد الله بن عمر بن حفص في الرابع عشر من الوضوء ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرَّ ابن عمر
стр. 3371
أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين كوفيّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا ومسلم وأبو داود في الصلاة.
стр. 3372
الحديث الثامن والثمانون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ.
قوله: بالبطحاء، يعني بطحاء مكة، وهو موضع خارج مكة، وهو الذي يقال له الأبطح، وزاد في رواية آدم عن شُعبة في باب استعمال فضل وضوء الناس أن ذلك كان بالهاجرة، فيستفاد منه، كما قال النووي، أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، جمع حينئذ بين الصلاتين في وقت الأولى منهما، ويحتمل أن يكون قوله "والعصر ركعتين" أي بعد دخول وقتها. وقوله: ويين يديه عنزة، مرَّ ضبطها والكلام عليها في باب حمل العنزة مع الماء من كتاب الوضوء. وقوله: يمر بين يديه، أي بين العنزة والقبلة، لا بينه ويين العنزة، لما في رواية عمر بن أبي زائدة المارة في باب الصلاة في الثوب الأحمر "ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة" وهذا الحديث مرت مباحثه مستوفاة في باب استعمال فضل وضوء الناس، وياب الصلاة في الثوب الأحمر. ومطابقة حديثي ابن عمر وأبي جحيفة للترجمة ظاهرةٌ، فإن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأمر أصحابه أن يتخذوا سترة غير سترته.
رجاله أربعة:
الأول: أبو الوليد الطَّيالسيّ، وقد مرَّ في العاشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ عون بن أبي جُحيفة في الثامن والعشرين من كتاب الصلاة، ومرّ أبو جِحيفة في الثاني والخمسين من كتاب العلم. فيه التحديث بصيغة
стр. 3373
الجمع في موضعين، والتحديث بصيغة المضارع المفرد، والعنعنة في موضع واحد، والسماع. ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي باب استعمال وضوء الناس، وفي ستر العورة، وفي الأذان، وفي صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي اللباس وفي باب الصلاة إلى العنزة، وفي باب السترة بمكة وغيره، ومسلم وأبو داود والتِّرمذيّ وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب قدر كم ينبغي أن يكون بين المصلي والسترة
أي من ذراع ونحوه، وكَم وإن كان لها صدر الكلام، استفهامية أو خبرية، لكن إنما تقدمها المضاف، وهو مع المضاف إليه في حكم كلمة واحدة، والمصلِّي بكسر اللام على أنه اسم فاعل، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، أي المكان الذي يصلّى فيه.
стр. 3374
الحديث التاسع والثمانون
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ.
قوله: عن أبيه، في رواية أبي داود والإسماعيلى "أخبرني أبي" وقوله: عن سهل، زاد الأصيلي "ابن سعد" وقوله: كان وبين الجدار، أي جدار المسجد مما يلي القبلة، وصرح بذلك في الاعتصام عن أبي غسان عن أبي حازم. وقوله: ممر الشاة، بالرفع، وكان تامة، أو ممر اسم كان بتقدير قدر، والخبر الظرف. وأعربه الكرماني ممر بالنصب، على أنه خبر كان، واسمها قدر المسافة مقدرًا، والسياق يدل عليه. ووجه المطابقة بين الحديث والترجمة بالكسر هو أنه بالفتح لازم له.
رجاله أربعة:
الأول: عمرو بن زُرارة الكلابيّ، أبو محمد بن أبي عمرو، النَّيسابوريّ المقري الحافظ قال النَّسائيّ وأبو بكر الجارُوديّ: كان ثقة. وقال أبو عمرو المستملي: سمعت محمد بن عبد الوهاب يقول: عمرو بن زرارة ثقة ثقة. وقال داود بن الحسين: كنا نختلف إليه، فخرج إلينا يومًا فضحك رجل فغضب، ولم يحدث بحرف واحد. وقال أحمد بن سلمة عن عمرو بن زُرارة: صحبت ابن علية ثلاث عشرة سنة، فما رأيته يبتسم. وقال أبو العباس السّرّاج: حدثنا عمرو بن زُرارة رجل فيه زَهادة، ويقال: كان مجابَ الدعوة. وقال محمد بن عبد الوهاب: كان عليّ بن عثّام يسترجع عمرو بن زرارة. وفي الزهرة: روى عنه البخاري ثلاثة عشر حديثًا، ومسلم ثمانية أحاديث. روى عن أبي بكر بن عيّاش
стр. 3375
وهُشيم وعبد الوارث الثقفيّ، ومروان بن معاوية وابن عُيينة وغيرهم. وروى عنه البخاريّ ومسلم والنَّسائيّ والذُّهلي وعبد الله الدارميّ ومسدد بن قَطَن وغيرهم. مات سنة سبع وثلاثين ومئتين، وفي الستة عمرو بن زرارة سواه واحد، وهو الحدثيّ لا غير.
الثاني: عبد العزيز بن أبي حازم، وقد مرَّ في الخامس والأربعين من أبواب استقبال القبلة، ومرَّ أبوه أبو حازم وسهل بن سعد في السابع والمئة من كتاب الوضوء.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، وفيه القول، ورواية الابن عن الأب. أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم وأبو داود في الصلاة.
стр. 3376
الحديث التسعون
حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا.
قوله: كان جدار المسجد، كذا في رواية مكيّ، ورواه الإسماعيليّ عن أبي عاصم عن يزيد بلفظ "كان المنبر على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز" فتبين بهذا السياق أن الحديث مرفوع. وقوله: ما كادت الشاة تجوزها، وفي رواية "أن تجوزها" أي المسافة، وهي ما بين المنبر والجدار، واقتران خبر كاد بأن قليل، كحذفها من خبر عسى، فحصل التعارض بينهما، ثم إن القاعدة أن حرف النفي إذا دخل على كاد يكون للنفي، لكنه لإثبات جواز الشاة.
ومطابقة الحديث للترجمة، قيل: من جهة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقوم بجنب المنبر، ولم يكن لمسجده محراب، فتكون مسافة ما بينه وبين الجدار نظير ما بين المنبر والجدار، فكأنّه قال: والذي ينبغي أن يكون بين المصلّي وسترته، قدرُ ما كان بين منبره ﵊ وجدار القبلة. وقيل: إنّ البخاري أشار بالترجمة إلى حديث سهل بن سعد المتقدم في بأس الصلاة على المنبر والخشب، فإن فيه أنه ﵊ قام على المنبر حين عُمِل، فصلى عليه، فاقتضى ذلك أن ذكر المنبر يؤخذ منه موضع قيام المصلّي، ولا يعكر على هذا أن في ذلك الحديث أنه لم يسجد على المنبر، وإنما نزل فسجد في أصله، ويين أصل المنبر والجدار أكثر من ممر الشاة، لأنه يجاب عنه بأن أكثر أجزاء الصلاة قد حصل في أعلى المنبر، وإنما نزل عنه، لأن الدرجة لم تتسع لقدر سجوده، فحصل المقصود به. وأيضًا فإنه لمّا سجد
стр. 3377
في أصل المنبر، صارت الدرجة التي فوقه سترة له، وهو قدر ما تقدم.
قال ابن بطّال: أقل ما يكون بين المصلّي وسترته قدر ممر الشاة. وقيل: أقل ذلك ثلاثة أذرع، وبه قال الشافعيّ وأحمد، لحديث بلال "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلّى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع" يأتي الحديث بعد خمسة أبواب. وجمع الداوديّ بأن أقله ممر الشاة، وأكثره ثلاثة أذرع. وجمع بعضهم بأن الأول في حال القيام والقعود، والثاني في حال الركوع والسجود. وقال ابن الصلاح: قدروا ممر الشاة بثلاثة أذرع، ولا يخفى ما فيه. وقال البغويّ: استحب أهل العلم الدنوّ من السترة، بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف. وقد ورد الأمر بالدنو منها.
وفيه بيان الحكمة في ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن سهل بن أبي حَثْمَة مرفوعًا "إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" واختلف في قدر الدنو منها عند المالكية، قيل شبر، وقيل ذِراع، وقيل ممر الشاة، وقيل ثلاثة أذرع، وقيل ما يسع ركوعه وسجوده، وهو المشهور عندهم، وكذلك هو المشهور عند الحنفية، واختلف في حريمه عندهم إذا صلّى بغير سترة، فقيل: قدر رمية حَجَر أو سهم أو رمح، أو قدر مضاربة السيف، أو قدر ركوعه وسجوده، وهو المشهور الأوفق بيسر الدين. وإنما تطلب في المشهور عند المالكية عند خشية المرور، وأما عند عدم الخشية فلا تطلب، لحديث ابن عباس المتقدم، وعند الشافعيّ تطلب مطلقًا، لعموم الأحاديث، ولأنها تصون البصر. وروى هذا عن مالك في العتبة، وبه قال ابن حبيب وابن الماجشُون ومطرف، واختاره اللخمي.
والمجزىء منها قدر ذراع فصاعد، لما رواه مسلم عن طلحة بن عُبيد الله
قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرَّحل فلا يضرك من يمر بين يديك" وعند المالكية أقل غلظها غلظ رمح، وعند الحنفية يكفي غلظ الأصبع، وتجوز السترة بالحيوان المأكول اللحم الثابت، لا بالخيل والبغال والحمير عند المالكية. وتجوز عندهم بظهر الرجل الراضي،
стр. 3378
وفي جنبه وظهر المحرم قولان، ولا تجوز بالوجه مطلقًا، ولا بالأجنبية والزوجة والجارية، ولا بنائم ولا مجنون ولا مأبون في دُبُره ولا كافر.
وقال أحمد: إن السترة تحصل بخط طويل إلى جهة القبلة. وقال به الشافعي في العِراق ورجع عنه، وأنكره غيره، وقال عياض وغيره: الحديث الدال عليه ضعيف، وتجعل السترة على الحاجب الأيمن أو الأيسر، ولا تصمد صمدًا، أي تقصد بالمواجهة.
رجاله ثلاثة:
الأول: المكيّ بن إبراهيم، وقد مرَّ في السابع والعشرين من كتاب العلم، ومر يزيد بن أبي عبيد وسلمة بن الأكوع في الخمسين منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة والقول، وهو ثاني ثلاثيات البخاريّ، أخرجه مسلم أيضًا. ثم قال المصنف:
باب الصلاة إلى الحربة
стр. 3379
الحديث الحادي والتسعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا.
قوله: تركز، أي تغرز في الأرض، وهذا الحديث تقدم قبل باب.
رجاله خمسة:
الأول: مسدد، وقد مرّ هو ويحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرَّ عُبيد الله بن عمر العمريّ في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال المصنف:
باب الصلاة إلى العَنَزَة
اعترض عليه في هذه الترجمة، بأن فيها تكرارًا، فإن العنزة هي الحربة، لكن قد قيل: إن الحربة إنما يقال لها عنزة إذا كانت قصيرة، ففي ذلك جهة مغايرة.
стр. 3380
الحديث الثاني والتسعون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا.
قوله: والمرأة والحمار يمرون من ورائها، ذكره بصيغة الجمع، فكأنه أراد الجنس، ويؤيده رواية "والناس والدواب يمرون" كما مرَّ، أو فيه حذف تقديره "وغيرهما" فتحصل المطابقة، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ قال البيضاويّ وقُسيم: من أنفق محذوف لوضوحه، ودلالة ما بعده عليه، وتعقب العينيّ الوجه الأول الذي هو إرادة الجنس قائلًا إذا أريد به جنس المرأة وجنس الحمار، يكون تثنية؟ أيضًا فلا تحصل حينئذ مطابقة، وهذا الاعتراض باطل، لأن كونهما جنسين لا يمنع من جمعهما، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا﴾ وأراد المرأة والحمار وراكبه، فحذف الراكب لدلالة الحمار عليه، ثم غلب تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذو العقل على الحمار، وقد وقع الإخبار عن مذكور ومحذوف في قولهم: راكب البعير طليحان، أي البعير والراكب. وهذا الحديث مرَّ قريبًا قبل بابين، ومرَّ هناك محل استيفاء الكلام عليه.
رجاله أربعة:
الأول: آدم بن أبي إياس.
стр. 3381
والثاني: شعبة، وقد مرا في الثالث من الإيمان، ومرَّ عون بن أبي جحيفة في الثامن والعشرين من كتاب الصلاة، ومرَّ أبوه أبو جحيفة في الحادي والخمسين من كتاب العلم، ومرت مواضع إخراجه.
стр. 3382
الحديث الثالث والتسعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَاذَانُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلاَمٌ وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَةٌ وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ.
قوله: ومعنا عُكّازة، بضم العين وتشديد الكاف، عصا ذات زُجّ. وقوله: أو عَنَزة، بالنون والزاي، وهي أطول من العصا وأقصر من الرمح، ولأبي الهيثم أو غيره بالغين المعجمة والياء والراء، أي غير المذكور من العكازة والعصا. قال في الفتح: والظاهر أنه تصحيف. وقوله: ناولناه الإداوة، فيستنجي بالماء أو بالحجر ويتوضأ بالماء، وينبش بالعنزة الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة، خوف الرشاش، ويصلي إليها، وهذا الحديث تقدمت مباحثه مستوفاة، عند ذكره في باب حمل العنزة مع الماء من كتاب الوضوء.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن حاتم بن بَزيع البصريّ أبو بكر، ويقال أبو سعيد، نزيل بغداد. قال النَّسائيّ: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات والنسائي في أسماء شيوخه، والدارَقُطنِيّ والحبّال في أسماء شيوخ مسلم. قال صاحب الزّهرة: رأيت له في صحيح مسلم حديثًا واحدًا، روى عن أسود بن عامر وعبد الوهاب بن عطاء وزكرياء بن عديّ وأبي نعيم وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وأبو داود وابن ماجه وابن أبي عاصم وابن أبي الدنيا وابن أبي داود وغيرهم. مات سنة تسع وأربعين ومئتين في رمضان، وفي الستة محمد بن حاتم سواه أربعة.
الثاني: شاذان، وقد مرَّ في متابعة السابع عشر من كتاب العلم، ومرَّ شُعبة
стр. 3383
في الثالث من الإيمان، ومرَّ أنس في السادس منه، ومرَّ عطاء بن أبي ميمونة في السادس عشر من الوضوء. ثم قال المصنف:
باب السترة بمكة وغيرها
قال ابن المنير: إنما خص مكة بالذكر رفعًا لما يُتوهم من أن السترة قبلة، ولا ينبغي أن يكون لمكة قبلة إلا الكعبة، فلا يحتاج فيها إلى سترة. قال في الفتح: والذي أظنه أنه أراد أن ينكت على ما ترجم به عبد الرزاق، حيث قال في باب "لا يقطع الصلاة شيء"، ثم أخرج عن ابن جُريج عن كثير بن كثير بن المطّلب عن أبيه عن جده قال: "رأيت النبيُّ ﷺ يصلّي في المسجد الحرام، ليس بينه وبينهم -أي الناس- سُترة" وأخرجه من هذا الوجه أيضًا أصحاب السنن. ورجاله موثوقون، إلا أنه معلول، فقد رواه أبو داود عن أبي عُيينة قال: كان ابن جريج أخبرنا به هكذا، فلقيت كثيرًا فقال: ليس من أبي سمعتُه، ولكن من بعض أهلي عن جَدِّي، فأراد البخاريّ التنبيه على ضعف هذا الحديث، وأن لا فرق بين مكة وغيرها في مشروعية السترة، وهذا هو المعروف عند الشافعية، وأنَّ لا فرق في منع المرور بين يدي المصلّي بين مكة وغيرها. وعن بعض الحنابلة جواز ذلك في جميع مكة، واغتفر بعض الفقهاء جواز ذلك للطائفين دون غيرهم، للضرورة. وحاصل مذهب مالك في المرور بين يدي المصلّي في المسجد الحرام أنه إنْ صلّى لغير سُترة جاز المرور بين يديه مطلقًا، وإن كان لسترة جاز المرور بين يديه للمصلي والمضطر، وكُرِه للطائف، وحرم على غير هؤلاء، ونظم ذلك شيخنا عبد القادر بن محمد بن محمد سالم بقوله:
ومن بغير سترة قد صلّى ... في مسجد البيت الحرام حلاَّ
مرورنا أمامه وإلا ... فالكره للطائف ليس إلا
وغيره مروره محرم في ... غير صلاة واضطرار فاعرفِ
стр. 3384
الحديث الرابع والتسعون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً، وَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ.
وجه الدلالة منه قوله "بالبطحاء" فقد قدمنا أنها بطحاء مكة، وهذا الحديث مرَّ مرارًا، ومرَّ الكلام عليه مستوفى في باب استعمال فضل وضوء الناس، ومرَّ باقي الكلام عليه قريبًا.
رجاله أربعة:
الأول: سليمان بن حرب، وقد مرّ في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ الحكم بن عتيبة في الثامن والخمسين من كتاب العلم، ومرَّ أبو جحيفة في الحادي والخمسين منه. ثم قال المصنف:
باب الصلاة إلى الأُسطوانة
أي السارية، وهي بضم الهمزة وسكون السين المهملة وضم الطاء، بوزن أُفعوالة على المشهور، وقيل بوزن فُعْلوانة، والغالب أنها تكون من بناء بخلاف العمود، فإنه من حجر. قال ابن بطال: لما تقدم أنه صلّى الله تعالى عليه وسلم، كان يصلي إلى الحربة، كانت الصلاة إلى السارية أَولى؛ لأنها أشد سترة، ولكن أفاد ذكر ذلك التنصيص على وقوعه، والتنصيص أعلى من الفحوى.
стр. 3385
ثم قال: وقال عمر: المصلون أحق بالسواري من المتحدثين إليها. ووجه الأحقية أنهما مشتركان في الحاجة إلى السارية المتخذة إلى الاستناد، والمصلي لجعلها سترة، لكن المصلي في عبادة محققة، فكان أحق، وهذا الأثر وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق همدان، وكان بريد عمر إلى أهل اليمن عن عمر به، وعمر قد مرَّ في الأول من بدء الوحي.
ثم قال: ورأى ابن عمر رجلًا يصلي بين أُسطُوانتين، فأدناه إلى سارية، فقال: صل إليها. كذا في رواية أبي ذَرٍّ والأصيليّ، وعند بعض الرواة "وأن عمر" بحذف ابن، وهو الصواب، لما يأتي قريبًا وأراد عمر بذلك أن تكون صلاته إلى سُترة، وأراد البخاريّ بإيراد أثر عمر هذا أن المراد بقول سلمة "يتحرّى الصلاة عندها" أي إليها، وكذا قول أنس "يبتدرون السواري" أي: يصلون إليها.
وهذا الأثر وصله أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق معاوية بن قُرّة بن إياس عن أبيه قال: رآني عمر وأنا أصلي، فذكر مثله سواء، وعرف بذلك تسمية الرجل المبهم في التعليق، وابن عمر مرّ في أول كتاب الإيمان، قبل ذكر حديث منه.
стр. 3386
الحديث الخامس والتسعون
حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ آتِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّى عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ. فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ. قَالَ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلاَةَ عِنْدَهَا.
قوله: التي عند المصحف، فيه دلالة على أنه كان للمصحف موضع خاص به، من عهد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وعند مسلم بلفظ "يصلّي وراء الصندوق" وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه، والأُسطوانة المذكورة المحقق فيها أنها المتوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأُسطوانة المهاجرين. وروي عن عائشة أنها كانت تقول: لو عرفها الناس لتضاربوا عليها بالسهام، وإنها أسرتها إلى ابن الزبير، فكان يكثر من الصلاة عندها. وروى هذا ابن النّجار في تاريخ المدينة، وزاد أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، وذكره قبله محمد بن الحسن في أخبار المدينة. وقوله: يا أبا مُسلم، كنية سلمة، وقوله: يتحرّى، أي يقصد وقوله: عندها أي إليها كما مرَّ.
رجاله ثلاثة:
الأول: المكيّ بن إبراهيم، وقد مرَّ في السابع والعشرين من كتاب العلم، ومر يزيد بن أبي عبيد، وسلمة بن الأكوع في الخمسين منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والقول، وهو ثالث ثلاثيات البخاريّ، أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم وابن ماجه في الصلاة.
стр. 3387
الحديث السادس والتسعون
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ.
قوله: لقد رأيت، في رواية المستملي والحموي "لقد أدركت" وقوله: عند المغرب، أي عند أذان المغرب، وصرح بذلك الإسماعيليّ. وقوله: يبتدرون السواري؛ يتسارعون للصلاة إليها.
رجاله أربعة:
الأول: قبَيصة، وقد مرَّ هو وسُفيان الثَّوريّ في السابع والعشرين من كتاب الإيمان، ومرَّ أنس في السادس منه، ومرَّ عمرو بن عامر في الثامن والسبعين من كتاب الوضوء.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة، ورواته كوفيون ما عدا أنسًا. أخرجه البخاري هنا والنسائيّ في الصلاة.
ثم قال: وزاد شُعبة عن عمرو عن أنس "حتى يخرج النبي ﷺ " وسيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى، عند ذكره موصولًا في كتاب الأذان في باب "كم بين الأذان والإقامة" وشعبة مرَّ في الثالث من الإيمان، وعمرو وأنس ذكرا هنا. ثم قال المصنف:
باب الصلاة بين السواري في غير جماعة
إنما قيدها بغير الجماعة، لأن ذلك يقطع الصفوف، وتسوية الصفوف في الجماعة مطلوبة الخ ما مرَّ.
стр. 3388
الحديث السابع والتسعون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَبِلاَلٌ، فَأَطَالَ ثُمَّ خَرَجَ، وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ فَسَأَلْتُ بِلاَلاً أَيْنَ صَلَّى قَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ.
وقد استوفي الكلام على هذا الحديث بما لا مزيد عليه في باب "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلَّى".
رجاله أربعة:
وفيه ذكر أسامة وبلال وعثمان بن طلحة.
الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الحديث الخامس من بدء الوحي.
الثاني: جُوَيرية بن أسماء بن عبيد بن مُخارق، ويقالَ مخراق، الضُّبَعِيّ أبو مخارق، ويقال أبو أسماء البصري. قال ابن مَعين: ليس به بأس. وقال أحمد: ثقة ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن سعد: كان صاحب علم كثير. وذكره ابن المَدِينيّ في الطبقة السابعة من أصحاب نافع. روى عن أبيه ونافع والزهريّ ومالك بن أنس، وهو من أقرانه. وروى عنه موسى بن إسماعيل ومسدد والقطّان ويزيد بن هارون وغيرهم. مات سنة ثلاث وسبعين ومئة، وفي الستة جُويرية سواه واحد، وهو ابن قُدامة.
الثالث: نافع، وقد مرَّ في الثالث والسبعين من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن عمر أول كتاب الإيمان، قبل ذكر حديث منه، ومرَّ بلال بن حَمامة في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ أسامة بن زيد في الخامس من الوضوء، ومرَّ عثمان بن
стр. 3389
طلحة في الحادي والسبعين من أبواب القبلة.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والقول، ونصف رواته مدنيّ والنصف الآخر بصريّ. وفيه من الغريب أن جُويرية وأباه أسماء أصلهما للمؤنث ثم اشترك فيهما الرجال والنساء، وقد مرَّ في الحادي والسبعين من أبواب القبلة مواضع إخراجه.
стр. 3390
الحديث الثامن والتسعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلاَلٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلاَلاً حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاَثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى.
ومباحث هذا الحديث مرت أيضًا.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر بلال وأسامة وعثمان، وقد ذكر الجميع في الذي قبله، ما عدا عبد الله بن يوسف ومالكًا، وقد مرا في الثاني من بدء الوحي.
وقال إسماعيل: حدثني مالكٌ وقال "عمودين عن يمينه" في رواية أبي ذَرٍّ والأصيليّ قال: مجردة، وقال كريمة: قال لنا فوضح وصله، وقد ذكر الدارقطنيّ الاختلاف على مالك فيه، فوافق الجمهورَ عبدُ الله بن يوسف في قوله "عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره" ومرَّ بقية مباحث هذا التعليق عند ذكر الحديث في المحل المذكور ثم قال:
باب
كذا للأكثر بلا ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وكأنّه فصله عنه، لأنه ليس فيه تصريح يكون الصلاة وقعت بين السواري، لكن فيه بيان مقدار ما كان بينه وبين الجدار من المسافة، وسقط لفظ باب رواية الأصيلي.
стр. 3391
الحديث التاسع والتسعون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ، وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِى قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ، صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِى أَخْبَرَهُ بِهِ بِلاَلٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِيهِ. قَالَ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ.
قوله: الجدار الذي قبل وجهه قريبًا، أي بالنصب على أنه خبر كان، واسمها محذوف، أي القدر أو المكان قريبًا. وفي رواية "قريب" بالرفع اسمها، والظرف المقدم خبرها. وقوله: من ثلاث أذرع، كذا لأبي ذَرٍّ، ولغيره ثلاثة بالتأنيث، والذراع يذكر ويؤنث. وقوله: يتوخّى، بالمعجمة، أي يقصد. وقوله: قال وليس على أحد بأس، أي ابن عمر، وقوله: أنْ يصلي، كذا للكشمينهي، ولغيره "إن صلّى" بلفظ الماضي، ومراد ابن عمر أنه لا يشترط في صحة الصلاة في البيت موافقة المكان الذي صلّى فيه النبي صلّى الله تعالى عليه وسلم، بل موافقة ذلك أولى، وإن كان يحصل الغرض بغيره. وقد مرّ قريبًا أن هذا الحديث استوفيت مباحثه في باب "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى".
رجاله خمسة:
وفيه ذكر بلال.
الأول: إبراهيم بن المنذر، وقد مرَّ في الأول من العلم، ومرَّ أبو ضمرة أنس بن عياض في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس منه، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرَّ ابن عمر أول كتاب الإيمان
стр. 3392
قبل ذكر حديث منه، ومرَّ بلال في التاسع والثلاثين من كتاب العلم.
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد، وشيخ البخاريّ من أفراده. ثم قال المصنف:
باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل
قال الجوهري: الراحلة الناقة التي تصلح لأن يوضَع الرحل عليها. وقال الأزهريّ: الراحلة المركوب النجيب، ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للمبالغة، والبعير يقال لما دخل في الخامسة. وقوله: والشجر والرحل، المذكور في حديث الباب الراحلة والرحل، فكأنه ألحق البعير بالراحلة بالمعنى الجامع بينهما، ويحتمل أن يكون أشار إلى ما في بعض طرقه، فقد رواه أبو خالد الأحمر بلفظ "كان يصلي إلى بعيره" فإن كان هذا حديثًا آخر حصل المقصود، وإن كان مختصرًا من الأول، كأنْ يكون المراد يصلي إلى مؤخرة رحل بعيره، اتجه الاحتمال الأول، ويؤيد الاحتمال الثاني ما أخرجه عبد الرّزّاق أن ابن عمر كان يكره أن يصلي إلى بعير إلا وعليه رحله، وألحق الشجر بالرحل بطريق الأولوية، ويحتمل أن يكون أشار بذلك إلى حديث على "لقد رأيتنا يوم بدر وما فمنا إنسان إلا نام، إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه كان يصلّي إلى شجرة، يدعو حتى يصبح" رواه النّسائيّ بإسناد حسن.
стр. 3393
الحديث المائة
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. قُلْتُ أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ. قَالَ كَانَ يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ أَوْ قَالَ مُؤَخَّرِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رضى الله عنه- يَفْعَلُهُ.
قوله: يُعَرّض، أي بضم الياء وتشديد الراء المكسورة، أي يجعلها عرضًا، وفي رواية بسكون العين وكسر الراء. وقوله: قلت أفرأيت، ظاهره أنه كلام نافع، والمسؤول ابن عمر، لكن بيَّن الإسماعيليّ أنه كلام عُبيد الله، والمسؤول نافع فعلى هذا هو مرسل؛ لأن فاعل يأخذ هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ولم يدركه نافع. وقوله: إذا هبت الرِّكاب أي هاجت الإبل. يقال: هب الفحل إذا هاج، وهب العَير في السير إذا نشط، والركاب الإبل التي يسار عليها، ولا واحد لها من لفظها. والمعنى أن الإِبل إذا هاجت شوّشت على المصلّي لعدم استقرارها؟ فيعدل عنها إلى الرحل فيجعله سترة. وقوله: فيَعدله، بفتح أوله وسكون العين وكسر الدال، أي يقيمه تلقاء وجهه، ويجوز التشديد من التعديل، وهو تقويم الشيء.
وقوله: إلى أَخَرَته، بفتحات بلا مد، ويجوز المد لكن مع كسر الخاء، وقوله: أو قال مُؤخره، بضم أوله ثم همزة ساكنة بكسر الخاء، وجوز الفتح، وأنكر ابن قتيبة الفتح، وعكس مَكي فقال: لا يقال مُقدِم ومُؤخِر بالكسر إلا في العَير خاصة، وأما في غيرها فيقال بالفتح فقط، ويجوز فتح الهمزة والخاء مع تشديدها، والمراد بها العود الذي في آخر الرحل، الذي يستند إليه الراكب.
стр. 3394
وقوله: وكان ابن عمر يفعله، أي ما ذكر من التعديل والتعريض، وقد اعتبر الفقهاء مؤخرة الرحل في مقدار أقل السترة، واختلفوا في تقديرها، فقيل ذراع، وقيل ثلثا ذراع، وفي مصنف عبد الرزاق عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع. وقد مرَّ أن ذلك هو المعتبر عند المالكية والحنفية، ومرَّ أن المالكية يجوز عندهم الاستتار بالحيوان المأكول اللحم، إذا كان ثابتًا، ولعل هذا الحديث هو مستندهم. ومرَّ كثير من مباحث هذا الحديث عند ذكره في باب الصلاة في مواضع الإبل.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن أبي بكر المقدميّ، وقد مرَّ في الرابع والثمانين من أبواب القبلة هذه، ومرَّ المعتمر بن سليمان في التاسع والستين من كتاب العلم، ومرَّ عُبيد الله العمريّ في الرابع عشر من الوضوء. ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرَّ ابن عمر في أول كتاب. الإيمان، وقبل ذكر حديث منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة. أخرجه مسلم في الصلاة، والنَّسائيّ في غزوة تبوك. ثم قال المصنف:
باب الصلاة إلى السرير
وفي رواية لابن عساكر على السرير.
стр. 3395
الحديث الحادي والمئة
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ النَّبِيُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَي السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي.
قوله: أعدلتمونا، هذا استفهام إنكار من عائشة، قالته لمن قال بحضرتها يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة، كما يأتي في رواية مسروق بعد خمسة أبواب. وقوله: لقد رأيتُني، بضم المثناة الفوقية، أي لقد أبصرتُ نفسي، وقوله: فيتوسط السرير فيصلي، أي إليه كما في رواية مسروق عن عائشة عند المؤلف في الاستئذان، حيث قال "كان يصلي والسرير بينه وبين القبلة" أو يقال: إن قوله يتوسط السرير، شامل لما إذا كان فوقه أو أسفل منه. وقد بان من رواية مسروق عنها أن المراد الثاني، وبما قلنا يجاب عن اعتراض الإسماعيليّ بأن الحديث دال على الصلاة على السرير، لا إلى السرير، فلا يطابق الترجمة.
وأجاب عنه الكرمانيّ بأن حروف الجر تتناوب، فمعنى قوله في الترجمة "إلى السرير" أي على السرير، ويدل على ذلك رواية ابن عساكر المارة، وما ذكرناه من الجواب أَوْلى. وقوله: إن اسْنَحَه، بفتح الهمزة وسكون السين ففتحتين، أي أظهر له من قدامه، وقال الخطابيّ: هو من قولك سنح لي الشيء إذا عرض لي، تريد أنها كانت تخشى أنْ تستقبله وهو يصلي ببدنها، أي منتصبة. وفي رواية "أُسَنِّحه" بضم الهمزة وفتح المهملة وتشديد النون المكسورة وفتح الحاء. وللأصيلي بضم ثم سكون فكسرة ففتح، ومن هذا المعنى سوانح
стр. 3396
الظباء، وهو ما يعترض المسافرين فيجيء عن مياسرهم، ويجوز إلى ميامنهم. وقال ابن الجَوزيّ: السانح عند العرب ما يمر بين يديك عن يمينك، وكانوا يتيمنون به، ومنهم من قال: عن يسارك إلى يمينك، لأنه أمكن للرمي. والبارح عكسه، والعرب تتطير به.
وقوله: فانسَلّ، بفتح السين المهملة، تشديد اللام عطفًا على فاكره، أي أخرج بخفية أو برفق. وقوله: من قِبَل رجلي السرير، بكسر القاف أي جهة، وإضافة رجلي بالتثنية. وقوله: من لحافي، بكسر اللام، وهو كالمرور بين يديه، فيستتبط منه أن مرور المرأة غير قاطع للصلاة، كما إذا كانت بين يدي المصلّي. وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة عند ذكره في باب الصلاة على الفراش.
رجاله ستة:
الأول: عثمان بن أبي شيبة، وقد مرّ هو وجرير بن عبد الحميد ومنصور بن المعتمر في الثاني عشر من العلم، ومرَّ إبراهيم بن يزيد النخعيّ في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرت أم المؤمنين عائشة في الثاني من بدء الوحي.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة، والقول. ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن صحابية، أخرجه البخاريّ بعد خمسة أبواب. ومسلم في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب يرد المصلي من بين يديه
أي سواء كان آدميًا أو غيره.
ثم قال: ورد ابن عمر في التشهد، أي رد الماربين يديه في حال التشهد. وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وعندهما أن المار هو عمرو بن دينار.
ثم قال: وفي الكعبة، أي ورد المار بين يديه في الكعبة، وإنما خصص
стр. 3397
الكعبة لئلا يتخيل أن يغتفر فيها المرور، لكونها محل المزاحمة. وفي بعض الروايات "وفي الركعة" قال ابن قرقول: وهو أشبه في المعنى، ولكن يقوي رواية الجمهور، التي هي الأَولى، أن الأثر المذكور أخرجه أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب الصلاة له عن صالح بن كيسان، بلفظ "الكعبة" قال: رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه يبادره. قال أي يرده.
ثم قال: وإن أبى إلا أنْ يقاتله قاتَلَه. في رواية الأكثر بصيغة الفعل الماضي، وهو على سبيل المبالغة، ويأتي ما فيه قريبًا في الحديث، وللكشميهني، إلا أن تقاتله "بصيغة المخاطبة"، فقاتِلْه "بصيغة الأمر"، وهذه الجملة الأخيرة من كلام ابن عمر أيضًا. وقد وصلها عبد الرزاق ولفظه عن ابن عمر قال لا تدع أحدًا يمر بين يديك وأنت تصلي، فإنْ أبى إلا أن تقاتله فقاتله، وهذا موافق لسياق الكشميهني.
стр. 3398
الحديث الثاني والمئة
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ الْعَدَوِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِى مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ.
قولهْ حدثنا يونس، هو ابن عبيد، وقد قرن البخاريّ روايته برواية سليمان بن المغيرة، وساق هنا لفظ سليمان لا لفظ يونس؛ لأنه ساق لفظ يونس في بَدء الخلق. وفيه مغايرة اللفظ المسوق هنا، وليس فيه تقييد الدفع بما إذا كان المصلي يصلي إلى سترة. قال في الفتح: والمطلق في هذا محمول على المقيد، لأن الذي يصلي إلى غير سترة مقصر بتركها، ولاسيما إن صلّى في مشارع المشاة. وقد روى عبد الرزاق التفرقة بين من يصلي إلى سترة وإلى غير سترة. وفي الروضة تبعًا لأصلها، ولو صلى إلى غير سترة أو كانت وتباعد منها، فالأصح أنه ليس له الدفع، لتقصيره، ولا يحرم المرور حينئذ بين يديه، ولكن
стр. 3399
الأَولى تركه. قلت: تقصيره بعدم السترة لا يلزم منه جواز المرور بين يديه؛ لأن المار قد تكون له مندوحة عن المرور، فيحرم عليه المرورحينئذ. ويأتي استيفاء الكلام عليه في الباب الآتي بعد هذا الحديث.
وقوله: شاب من بني أُبي مُعيط، في كتاب الصلاة لأبي نعيم وقوع القصة لأبي سعيد مع الوليد بن عقبة، وفي تفسير المبهم في المتن به نظر؛ لأن فيه أنه دخل على مروان، وزاد الإسماعيليّ "ومروان يومئذ على المدينة" وإنما كان مروان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة، لأنه لما قتل عثمان تحول إلى الجزيرة، فسكنها حتى مات في خلافة معاوية، ولم يحضر شيئًا من الحروب التي بين علي ومن خالفه، وأيضًا فلم يكن الوليد يومئذ شابًا، بل كان في عمر الخمسين. وأيضًا في الحديث "ولابن أخيك" والوليد أبوه عقبة، قتل كافرًا، فلم يكن ابن أخ لأبي سعيد، فلعل ما في أبي نعيم، فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه، وللنَّسائيّ "فمر ابن لمروان" وسماه عبد الرزاق "داود".
وجزمَ ابن الجوزيّ بتفسير المبهم في المتن به، وفيه نظر، لأن في المتن أنه من بني أبي مُعيط، وليس مروان من بنيه، بل أبو مُعيط ابن عم والدمروان، وليست أم داود ولا أم مروان ولا أم الحكم من ولد أبي معيط، لكن يحتمل أن يكون داود نسب إلى أبي مُعيط من جهة الرضاعة، أو لكون جده لأمه عثمان بن عفان كان أخا الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط لأمه، فنسب داود إليه مجازًا، وفيه يُعد، والأقرب أن تكون الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي سعيد في هذه القصة، فأراد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن يمر بين يديه ... الحديث، وعبد الرحمن مخزوميّ ما له من أبي معيط نسبة.
وقوله: فلم يجد مساغًا، بالغين المعجمة، أي ممرًا. وقوله: فنال من أبي سعيد، أي الشاب أصاب من عرضه بالشتم. وقوله: ولابن أخيك أطلق الأُخُوة باعتبار الإِيمان، واستدل الرافعيّ بهذه القصة على مشروعية الدفع، ولو لم يكن هناك مسلك غيره، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، وخالف إمام
стр. 3400
الحرمين فقال: إن الدفع لا يشرع للمصلي في هذه الصورة، وتبعه الغزالي، وتعقب ابن الرفعة على الرافعي بما حاصله أن الشاب إنما استوجب من أبي سعيد الدفع، لكونه قصر في التأخر عن الحضور إلى الصلاة حتى وقع الزحام. وما قاله محتمل. لكن لا يدفع الاستدلال، لأن أبا سعيد لم يعتذر بذلك، ولأنه متوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة أو فيها، مع احتمال أن يكون ذلك وقع بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ أوجه.
وقوله: فليدفعه، ولمسلم "فليدفع في نحوه" قال القرطبيّ أي بالإِشارة ولطيف المنع. وقوله: فليقاتله، أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول. قال: وأجمعوا على أنه لا يقاتل بالسلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإِقبال على الصلاة، والاشتغال بها والخشوع فيها. وأطلق جماعة من الشافعية أنَّ له أنْ يقاتله حقيقة، واستبعد ابن العربى ذلك في القبس وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة، وأغرب الباجيّ فقال: يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة اللَّعْن والتعنيف، وتعقب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو بخلاف الفعل اليسير، ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعيًا لا مخاطبًا، لكن فعل الصحابي يخالفه، وهو أعلم بالمراد.
وقد رواه الإسماعيلى بلفظ "فإنْ أبى فليجعل يده في صدره ويدفعه" وهو صريح في الدفع باليد. ونقل البيهقيّ عن الشافعيّ أن المراد بالمقاتلة دفع أشد من الدفع الأول، وما مرَّ عن ابن عمر يقتضي أن المقاتلة إنما تشرع إذا تعينت في دفعه. قال في الفتح: وبنحوه صرح أصحابنا فقالوا: يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى شد، ولو أدّى إلى قتله، ولو قتله فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها. ونقل عياض وغيره أن عندهم خلافًا في وجوب الدية في هذه الحالة، قلت: مشهور مذهب المالكية هو أن المصلي يدفع المار دفعًا خفيفًا لا يشغله، فإن كثر أبطل، ولو دفعه فسقط منه دينار أو انخرق ثوبه ضمن، ولو دفعًا مأذونًا فيه.
قال ابن عرفة ولو مات كانت ديته على العاقلة عند أهل المذهب، وذلك
следующие страницы →