← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

الظباء، وهو ما يعترض المسافرين فيجيء عن مياسرهم، ويجوز إلى ميامنهم. وقال ابن الجَوزيّ: السانح عند العرب ما يمر بين يديك عن يمينك، وكانوا يتيمنون به، ومنهم من قال: عن يسارك إلى يمينك، لأنه أمكن للرمي. والبارح عكسه، والعرب تتطير به. وقوله: فانسَلّ، بفتح السين المهملة، تشديد اللام عطفًا على فاكره، أي أخرج بخفية أو برفق. وقوله: من قِبَل رجلي السرير، بكسر القاف أي جهة، وإضافة رجلي بالتثنية. وقوله: من لحافي، بكسر اللام، وهو كالمرور بين يديه، فيستتبط منه أن مرور المرأة غير قاطع للصلاة، كما إذا كانت بين يدي المصلّي. وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة عند ذكره في باب الصلاة على الفراش. رجاله ستة: الأول: عثمان بن أبي شيبة، وقد مرّ هو وجرير بن عبد الحميد ومنصور بن المعتمر في الثاني عشر من العلم، ومرَّ إبراهيم بن يزيد النخعيّ في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرت أم المؤمنين عائشة في الثاني من بدء الوحي. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة، والقول. ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن صحابية، أخرجه البخاريّ بعد خمسة أبواب. ومسلم في الصلاة. ثم قال المصنف: باب يرد المصلي من بين يديه أي سواء كان آدميًا أو غيره. ثم قال: ورد ابن عمر في التشهد، أي رد الماربين يديه في حال التشهد. وهذا الأثر وصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق، وعندهما أن المار هو عمرو بن دينار. ثم قال: وفي الكعبة، أي ورد المار بين يديه في الكعبة، وإنما خصص

стр. 3397

الكعبة لئلا يتخيل أن يغتفر فيها المرور، لكونها محل المزاحمة. وفي بعض الروايات "وفي الركعة" قال ابن قرقول: وهو أشبه في المعنى، ولكن يقوي رواية الجمهور، التي هي الأَولى، أن الأثر المذكور أخرجه أبو نعيم شيخ المؤلف في كتاب الصلاة له عن صالح بن كيسان، بلفظ "الكعبة" قال: رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة، فلا يدع أحدًا يمر بين يديه يبادره. قال أي يرده. ثم قال: وإن أبى إلا أنْ يقاتله قاتَلَه. في رواية الأكثر بصيغة الفعل الماضي، وهو على سبيل المبالغة، ويأتي ما فيه قريبًا في الحديث، وللكشميهني، إلا أن تقاتله "بصيغة المخاطبة"، فقاتِلْه "بصيغة الأمر"، وهذه الجملة الأخيرة من كلام ابن عمر أيضًا. وقد وصلها عبد الرزاق ولفظه عن ابن عمر قال لا تدع أحدًا يمر بين يديك وأنت تصلي، فإنْ أبى إلا أن تقاتله فقاتله، وهذا موافق لسياق الكشميهني.

стр. 3398

الحديث الثاني والمئة حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ الْعَدَوِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِى مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ. قولهْ حدثنا يونس، هو ابن عبيد، وقد قرن البخاريّ روايته برواية سليمان بن المغيرة، وساق هنا لفظ سليمان لا لفظ يونس؛ لأنه ساق لفظ يونس في بَدء الخلق. وفيه مغايرة اللفظ المسوق هنا، وليس فيه تقييد الدفع بما إذا كان المصلي يصلي إلى سترة. قال في الفتح: والمطلق في هذا محمول على المقيد، لأن الذي يصلي إلى غير سترة مقصر بتركها، ولاسيما إن صلّى في مشارع المشاة. وقد روى عبد الرزاق التفرقة بين من يصلي إلى سترة وإلى غير سترة. وفي الروضة تبعًا لأصلها، ولو صلى إلى غير سترة أو كانت وتباعد منها، فالأصح أنه ليس له الدفع، لتقصيره، ولا يحرم المرور حينئذ بين يديه، ولكن

стр. 3399

الأَولى تركه. قلت: تقصيره بعدم السترة لا يلزم منه جواز المرور بين يديه؛ لأن المار قد تكون له مندوحة عن المرور، فيحرم عليه المرورحينئذ. ويأتي استيفاء الكلام عليه في الباب الآتي بعد هذا الحديث. وقوله: شاب من بني أُبي مُعيط، في كتاب الصلاة لأبي نعيم وقوع القصة لأبي سعيد مع الوليد بن عقبة، وفي تفسير المبهم في المتن به نظر؛ لأن فيه أنه دخل على مروان، وزاد الإسماعيليّ "ومروان يومئذ على المدينة" وإنما كان مروان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة، لأنه لما قتل عثمان تحول إلى الجزيرة، فسكنها حتى مات في خلافة معاوية، ولم يحضر شيئًا من الحروب التي بين علي ومن خالفه، وأيضًا فلم يكن الوليد يومئذ شابًا، بل كان في عمر الخمسين. وأيضًا في الحديث "ولابن أخيك" والوليد أبوه عقبة، قتل كافرًا، فلم يكن ابن أخ لأبي سعيد، فلعل ما في أبي نعيم، فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه، وللنَّسائيّ "فمر ابن لمروان" وسماه عبد الرزاق "داود". وجزمَ ابن الجوزيّ بتفسير المبهم في المتن به، وفيه نظر، لأن في المتن أنه من بني أبي مُعيط، وليس مروان من بنيه، بل أبو مُعيط ابن عم والدمروان، وليست أم داود ولا أم مروان ولا أم الحكم من ولد أبي معيط، لكن يحتمل أن يكون داود نسب إلى أبي مُعيط من جهة الرضاعة، أو لكون جده لأمه عثمان بن عفان كان أخا الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط لأمه، فنسب داود إليه مجازًا، وفيه يُعد، والأقرب أن تكون الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، ففي مصنف ابن أبي شيبة عن أبي سعيد في هذه القصة، فأراد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن يمر بين يديه ... الحديث، وعبد الرحمن مخزوميّ ما له من أبي معيط نسبة. وقوله: فلم يجد مساغًا، بالغين المعجمة، أي ممرًا. وقوله: فنال من أبي سعيد، أي الشاب أصاب من عرضه بالشتم. وقوله: ولابن أخيك أطلق الأُخُوة باعتبار الإِيمان، واستدل الرافعيّ بهذه القصة على مشروعية الدفع، ولو لم يكن هناك مسلك غيره، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، وخالف إمام

стр. 3400

الحرمين فقال: إن الدفع لا يشرع للمصلي في هذه الصورة، وتبعه الغزالي، وتعقب ابن الرفعة على الرافعي بما حاصله أن الشاب إنما استوجب من أبي سعيد الدفع، لكونه قصر في التأخر عن الحضور إلى الصلاة حتى وقع الزحام. وما قاله محتمل. لكن لا يدفع الاستدلال، لأن أبا سعيد لم يعتذر بذلك، ولأنه متوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة أو فيها، مع احتمال أن يكون ذلك وقع بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ أوجه. وقوله: فليدفعه، ولمسلم "فليدفع في نحوه" قال القرطبيّ أي بالإِشارة ولطيف المنع. وقوله: فليقاتله، أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول. قال: وأجمعوا على أنه لا يقاتل بالسلاح، لمخالفة ذلك لقاعدة الإِقبال على الصلاة، والاشتغال بها والخشوع فيها. وأطلق جماعة من الشافعية أنَّ له أنْ يقاتله حقيقة، واستبعد ابن العربى ذلك في القبس وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة، وأغرب الباجيّ فقال: يحتمل أن يكون المراد بالمقاتلة اللَّعْن والتعنيف، وتعقب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو بخلاف الفعل اليسير، ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعيًا لا مخاطبًا، لكن فعل الصحابي يخالفه، وهو أعلم بالمراد. وقد رواه الإسماعيلى بلفظ "فإنْ أبى فليجعل يده في صدره ويدفعه" وهو صريح في الدفع باليد. ونقل البيهقيّ عن الشافعيّ أن المراد بالمقاتلة دفع أشد من الدفع الأول، وما مرَّ عن ابن عمر يقتضي أن المقاتلة إنما تشرع إذا تعينت في دفعه. قال في الفتح: وبنحوه صرح أصحابنا فقالوا: يرده بأسهل الوجوه، فإن أبى شد، ولو أدّى إلى قتله، ولو قتله فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها. ونقل عياض وغيره أن عندهم خلافًا في وجوب الدية في هذه الحالة، قلت: مشهور مذهب المالكية هو أن المصلي يدفع المار دفعًا خفيفًا لا يشغله، فإن كثر أبطل، ولو دفعه فسقط منه دينار أو انخرق ثوبه ضمن، ولو دفعًا مأذونًا فيه. قال ابن عرفة ولو مات كانت ديته على العاقلة عند أهل المذهب، وذلك

стр. 3401

لأنه لما كان مأذوناً فيه في الجملة، كان كالخطأ، فلذلك لم يقتل به، وكانت الدية على العاقلة، والدفع عندهم مندوب لا غير. وقال النوويّ: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدفع، بل صرح أصحابنا بأنه مندوب. قال في الفتح: قد صرح بوجوبه أهل الظاهر، فكأنّ الشيخ لم يراجع كلامهم. فيه، أو لم يعتد بخلافهم. ونقل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكان ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته، لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور، وذهب الجمهور إلى أنه إذا مرّ ولم يدفعه، فإنه لا ينبغي له أن يرده، لأن فيه إعادة للمرور. وروى ابن شَيبة عن ابن مسعود وغيره أن له ذلك، ويمكن حمله على ما إذا رده فامتنع وتمادى. لا حيث يقصر المصلي في الرد. وقوله: فإنما هو شيطان، أي: فعله فعل الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش على المصلّي، وإطلاق لفظ الشيطان على المار من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. وقال ابن بطال: في هذا الحديث جواز إطلاق لفظ الشيطان على من يفتن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء، لاستحالة أن يصير المار شيطانًا بمجرد مروره، وهو مبني على أن لفظ الشيطان يطلق حقيقة على الجِنّي، ومجاز على الإنسي. قال في الفتح: وفيه بحث، قلت: لا وجه للبحث فيه مع نص الآية المتقدمة، ويحتمل أن يكون المعنى: وإنما الحاصل له على ذلك الشيطان، وفي رواية للإسماعيليّ "فإن معه الشيطان" ونحوه لمسلم من حديث ابن عمر، بلفظ "فإنّ معه القَرين" واستنبط ابن أبي جَمرة من قوله "فإنما هو شيطان" أن المراد بقوله "فليقاتله" المدافعة اللطيفة لا حقيقة القتال؛ لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة، والتستر عنه بالتسمية ونحوها. وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشد على صلاته من المار. قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلّي من المرور، أو لدفع الإثم

стр. 3402

عن المار؟ الظاهر الثاني. وقال غيره: بل الأول أظهر، لأن إقبال المصلي على صلاته أولى من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره، وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته، وروى أبو نعيم عن عمر "لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء يستره عن الناس" فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، وهما، وإن كانا موقوفين لفظًا، فحكمهما حكم الرفع؛ لأن مثلهما لا يقال بالرأي. رجاله ثمانية: وفيه ذكر شاب من بني مُعيط. الأول: أبو معمر، وقد مرَّ هو وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ يونس بن عبيد في الرابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو صالح في الثاني منه، ومر آدم بن أبي إياس في الثالث منه، ومرَّ أبو سعيد الخُدريّ في الثاني عشر منه. الخامس: من السند حُميد بن هلال بن هُبيرة. ويقال ابن سُويد بن هبيرة العَدَويّ أبو نصر البَصريّ. قال القطان كان ابن سيرين لا يرضاه. قال أبو حاتم: لأنه دخل في عمل السلطان، وكان ثقة في الحديث. وقال ابن مَعين والنَّسانيّ: ثقة. وقال أبو هلال الراسبيّ: ما كان بالبصرة أعلم منه. وقال ابن عديّ: له أحاديث كثيرة. وقد حدث عنه الأئمة، وأحاديثه مستقيمة. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حِبّان في الثقات، ووَثّقه العجليّ، وفي أحاديث القهقهة من السنن للدارقطني من طريق وهيب عن ابن عون عن ابن سيرين قال: كان أربعة يصدقون من حدثهم، ولا يبالون ممن يسمعون: الحسن وأبو العالية وحميد بن هلال، ولم يذكر الرابع، وفي بعض النسخ منه، وداود بن أبي هند. قال ابن حجر في مقدمته: بيّن أبو حاتم أن سبب عدم ارتضاء ابن سيرين له كونه دخل في شيء من عمل السلطان، وقد احتج به الجماعة. قلت: لكن ما مرّ قريبًا عن الدارقطنيّ من كون ابن سيرين قال: إنه لا يبالي بمن ينقل عنه،

стр. 3403

ينافي ذلك. روى عن عبد الله بن مغفل وأنس بن مالك وأبي قتادة وهشام بن عامر الأنصاريّ. وقال أبو حاتم: لم يلقَ هشام بن عامر، والحفاظ لا يدخلون بينهما أحدًا حماد بن زيد وغيره. وروى عنه أيوب وعاصم الأحول، وحجّاج بن أبي عثمان، وقتادة ويونس بن عبيد وغيرهم. مات في ولاية خالد على العراق، وليس في الستة حميد بن هلال سواه. السادس: سُليمان بن المُغيرة القيسيّ، مولاهم أبو سعيد البصريّ، قال شُعبة: سليمان بن المغيرة سيد أهل البصرة. وقال أبو داود الطيالسيّ: حدثنا سليمان بن المغيرة، وكان خيارًا من الرجال. وقال عبد الله الخُريبيّ: ما رأيت بالبصرة أفضل منه ومن مرحوم بن عبد العزيز. وقال أحمد: ثَبْتٌ ثبت. وقال ابن مَعين: ثقة ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا. وقال ابن المَدِيني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد. وقال النّسائيّ: ثقة. وقال سليمان بن حرب: حدثنا سليمان بن المغيرة الثقة المأمون. وقال عبد الله بن مسلمة: ما رأيت بصريًا أفضل منه. وقال عثمان بن أبي شيبة: ثقة، وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال البزار: كان من ثقات البصرة، ووثَّقه العجليّ وابن نُمير. وقال أبو مسعود الدِّمشقيّ: ليس لسليمان بن المغيرة عند البخاري. إلا هذا الحديث الواحد، وقرنه بغيره. روى عن أبيه وثابت وحميد بن هلال وابن سيرين والجريريّ وغيرهم. وروى عنه الثّوري وشعبة، وماتا قبله، وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيّان، وابن مهدي ومعمر بن سليمان وابن المبارك وخلق. مات سنة خمس وستين ومئة وفي الستة سليمان بن المغيرة العبسي أبو عبد الله الكوفي لا غير. والشاب الذي هو من بني أبي معيط قد مرّ ما قيل فيه من أنه الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، واسم أبي معيط أَبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وقيل إنّ ذكوان كان عبدًا لأمية، فاستلحقه، والأول

стр. 3404

أكثر، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه، أمهما أروى بنت كُرَيز، وأمها البيضاء بنت عبد المطلب، يكنى أبا وهب، قتل أبوه بعد الفراغ من غزوة بدر صبرًا، وكان شديدًا على المسلمين، كثير الأذى لرسول الله ﷺ ، فكان ممن أُسر ببدر، فأمر النبي ﷺ بقتله. فقال: يا محمد من للصبية؟ قال: النار. وأسلم الوليد وأخوه عمارة يوم الفتح. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ..﴾ الآية، نزل فيه، وذلك أن رسول الله ﷺ بعثه مصدقًا إلى بني المصطلق، فعاد فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، ومنعوا الصدقة، وكانوا خرجوا يتلقونه وعليهم السلاح، فظن أنهم خرجوا يقاتلونه. فرجع فبعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت فيهم، فلما دنا منهم بعث عيونًا ليلًا، فإذا هم ينادون بالصلاة ويصلون، فأتاهم خالد فلم ير منهم إلا طاعة وخيرًا، فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره، فنزلت هذه الآية. ويعارض هذا ما أخرجه أبو داود عن الوليد بن عقبة قال: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيمسح على رؤوسهم، فأُتي بي إليه وأنا مُخْلَق، فلم يمسني من أجل الخَلُوق. قال ابن عبد البر: أبو موسى مجهول. وهو من رواة الحديث. ومن يكون صبيًا لا يبعثه النبي ﷺ مصدقًا بعد الفتح بقليل. وقد ذكر الزبير وغيره من أهل العلم بالسير أن أم كلثوم بنت عقبة لما خرجت إلى النبي ﷺ مهاجرة في الهدنة سنة سبع، خرج أخواها الوليد وعمارة ليرداها. قال: فمن يكون صبيًا كيف يكون ممّن خرج ليرد أخته قبل الفتح؟ ومما يؤيد أنه كان في الفتح رجلًا أنه كان قدم في فداء عم أبيه الحارث بن أبي وَجْزة بن أبي عمرو بن أمية، وكان أسر يوم بدر، فافتداه بأربعة آلاف. حكاه أصحاب المغازي، ونشأ الوليد بعد ذلك في كنف عثمان إلى أن استخلف، فولاه الكوفة، وعزل عنها سعد بن أبي وقاص، واستعظم الناس ذلك، ولما قدم الوليد

стр. 3405

على سعد قال له سعد: والله ما أدري أكِسْتَ بعدنا أم حمقنا بعدك؟ فقال: يا أبا إسحاق، لا تجزعنٌ فإنما هو المُلْك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون. فقال سعد: أراكم، والله، ستجعلونها مُلكًا. وروي عن ابن سيرين أنه قال: لما قدم الوليد بن عُقبة أميرًا على الكوفة، أتاه ابن مسعود فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أميرًا. فقال ابن مسعود: ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس. وله أخبار فيها نَكارة وشناعة، تقطع على سره حاله وقبح أفعاله. قال الأصمعي وغيره: كان من رجال قريش ظرفًا وحِلمًا وشجاعة وأدبًا، وكان من الشعراء المطبوعين، وكان كريمًا تجاوز الله عنه. قال أبو عمر: أخباره في شرب الخمر ومنادمته أبي زبيد الطائي مشهورة كثيرة، فمنها ما روي عن ابن شَوْذب قال: صلى الوليد بن عقبة بأهل الكوفة الصبحَ أربعًا، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم. وفي ذلك يقول الحُطيئة: شهد الحطيئة يوم يلقى ربَّه ... أن الوليد أحق بالعذر نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيدكم سكرًا وما يدري فأبوا أبا وهب ولو إذ قد نَسُوا ... لقرنت بين الشفع والوتر كفوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري وقال أيضًا: تكلم في الصلاة وزاد فيها ... علانية وجاهر بالنفاق ومجَّ الخمر في ستر المصلى ... ونادى والجميع إلى افتراق أأزيدكم على أن تحمدوني ... فما لكم ومالي من خلاق ولما وقع هذا ركب حُصين بن المنذر بن أبي ساسان إلى عثمان، فأخبره بقصة الوليد، وقدم على عثمان رجلان فشهدا عليه بشرب الخمر، وأنه صلى الغداة بالكوفة أربعًا، ثم قال: أأزيدكم؟ فقال أحدهما: رأيته يشربها. وقال الآخر: رأيته يتقيأها، فقال عثمان: لم يتقيأها حتى شربها. وقال لعلي رضي الله

стр. 3406

عنه: أقم عليه الحد، فقال علي لأبن أخيه عبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد، فأخذ السوط وجلده وعثمان يَعُدّ حتى بلغ أربعين. فقال عليّ: أمسك جلد رسول الله ﷺ في الخمر أربعين، وجلد أبو بكر أربعين. وجلد عمر ثمانين. وكل سُنة. وروي عن أبي جعفر محمد بن علي قال: جلد عليَّ، رضي الله تعالى عنه، الوليدَ بن عقبة في الخمر أربعين جلدة، بسوط له طَرَفان. قال أبو عمر: أضاف الجلد إلى عليّ لأنه أمره به على الوجه الذي تقدم في الخبر قبله. قال أبو عمر: لم يرو الوليد بنِ عقبة سنة يحتاج فيها إليه. وروى ابن إسحاق عنه أنه قال: ما كانت نبوّة إلا كان بعدها مُلْك. وقد روى الطبريّ أنه تعصب عليه قوم من أهل الكوفة بغيًا وحسدًا وشهدوا عليه زورًا أنه تقيأ الخمر، وذكر القصة، وفيها أن عثمان قال له: يا أخي اصبر، فإن الله تعالى يأجرك ويبوء القوم بإثمك. قال ابن عبد البر: وهذا الخبر من نقل أهل الأخبار، ولا يصح عند أهل الحديث، ولا له عند أهل العلم أصل. والصحيح عندهم ما مرّ، ولمّا عزله عن الكوفه ولّى عليها سعيد بن العاص، وفي ذلك يقول شاعرهم: فررت من الوليد إلى سعيد ... كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا يلينا من قريش كل عام ... أميرٌ محدِثٌ أو مستثار لنا نار نُخوَّفها فنخشى ... وليس لهم، ولا يخشون، نار ولما قتل عُثمان اعتزل الوليد الفتنة، فلم يشهد مع علي ولا مع غيره، ونزل الرقة، ولكنه كان يحرض معاوية على قتال عليّ بكتبه وشعره، ومن ذلك ما كتب به إلى معاوية حين أرسل إليه عليٌّ جريرًا يأمره بأن يدخل في الطاعة، ويأخذ البيعة على أهل الشام، فبلغ ذلك الوليد، فكتب إليه من أبيات: أتاك كتاب من عليّ بخطه ... هي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه فإن كنت تنوي أن تجيب كتابة ... فقبّح ممليه وقُبحّ كاتبه وكتب إليه أيضًا في أبيات:

стр. 3407

فإنك والكتاب إلى عليّ ... كدابغة وقد حلم الأديم وهو القائل: فوالله ما هند بأمك إن مضى النـ ... ـهار ولم يثأر بعثمان ثائر أيقتل عبدُ القوم سيدّ أهله ... ولم يقتلوه، ليت أمك عاقر وإنا متى نقتلهم لا يقد بهم ... مقيد وقد دارت عليه الدوائر وهو القائل: أما من لليلي لا تغور كواكبه، ... إذا لاح نجم غار نجم يراقبه بني هاشم ردوا سلاح أخيكم ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه بني هاشم لا تعجلونا فإنه ... سواء علينا قاتلوه وسالبه فإنا وإياكم وما كان بيننا ... كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه بني هاشم كيف التقاعد بيننا ... وعند عليّ سيفه وحرائبه؟ لعمرك لا أنسى ابن أروى وقتله ... وهل ينسينَّ الماءَ، ما عاش، شاربُه هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يومًا بكسرى مرازبه فأجابه الفضل بن عباس بن عُتبة بن أبي لهب: فلا تسألونا بالسلاح فإنه ... أضيع وألقاه لدى الروع صاحبه وإني لمجتاب إليكم بجحفل ... يَصم السميعَ جرسُه وجلائبه وشهبّهته كسرى وما كان مثله ... شبيهًا بكسرى هديه وضرائبه وهو القائل في عثمان: ألأنّ خير الناس بعد ثلاثة ... قتيل التُّجَيبيّ الذي جاء من مصرِ ومالي لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد حجبت عنا فضول أبي عَمْرِو أقام بالرقة إلى أن مات بها. روى عن النبي ﷺ الحديث الذي مرّ في دخول مكة، وروى عن عثمان وغيره، وروى عنه حارثة بن مُضَرّب والشّعبيّ وأبو موسى الهمدانيّ وغيرهم. كانت ولايته على الكوفة سنة خمس

стр. 3408

وعشرين، وكان في سنة ثمان وعشرين، غزا أذربيجان وهو أمير القَوم، وعزل سنة تسع وعشرين وكان موته في خلافة معاوية. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع من الماضي في سبعة مواضع، والعنعنة في موضعين، والقول والرؤية، ورواية تابعيّ عن تابعيّ عن صحابيّ، ورواته كلهم بصريون إلا أبا صالح فإنه مدنيّ، وآدم فإنه عسقلاني. وآدم من أفراد البخاري. وفيه التحويل من إسناد إلى آخر، وقد مرّ الكلام عليه في السادس من بدء الوحي. أخرجه البخاريّ هنا وفي كتاب بدء الخلق بهذا السند، وفي صفة إبليس. ومسلم وأبو داود في الصلاة. ثم قال المصنف: باب إثم المار بين يدي المصلي

стр. 3409

الحديث الثالث والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو النَّضْرِ لاَ أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً. قوله: إن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جُهيم، هو كذلك في الموطأ، لم يختلف على مالك فيه أن المرسل هو زيد والمرسل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثَّوري عن أبي النضر عند مسلم، وابن ماجه وغيرهما، وخالفهما ابن عُيينة عن أبي النضر، فقال ابن بُسر بن سعيد: أرسلني أبو جُهيم إلى زيد بن خالد أسأله. قال ابن عبد البَرّ: رواية ابن عُيينة مقلوبة. وقال يحيى بن مَعين، حين سئل عنها: هي خطأ، إنما هو أرسلني زيد إلى أبي جُهيم، كما قال مالك. وتعقب ذلك ابن القطّان فقال: ليس خطأ ابن عُيينة بمتعيّن، لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بُسرًا إلى زيد بن خالد، وبعثه زيد إلى أبي جُهيم يستثبت كل واحد منهما ما عند الآخر. قال في الفتح: تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال، فيعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ، وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح. قلت: يجاب عن ابن القطّان بأن ما قاله صاحب الفتح محله

стр. 3410

حيث لا يمكن الجمع بين الروايات، وما قاله ابن القطّان إنما هو إظهار لإمكان الجمع بين الروايتين، فليتأمل. وقوله: بين يدي المصلي، أي أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون أكثر الشغل يقع بهما، وقد مرَّ ما في تحديد ذلك من الخلاف. وقوله: ماذا عليه، زاد الكشميهنيّ "من الإثم" وهذه الزيادة شاذة ليست في شيء من الروايات عن مالك، ولا في السنن، ولا في المسانيد، ولا في المستخرجات، لكن في مصنف ابن أبي شيبة "يعني من الإثم" فيحتمل أن تكون ذكرت في حاشية على البخاري، فظنها الكشميهنيّ أصلا وقد قال النوويّ في شرح المهذَّب: رويناها في الأربعين لعبد القادر الهرويّ "ماذا عليه من الإثم". وقوله: لكان أن يقف أربعينَ، يعني أن المار لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يَدَي المصلي، لاختار أن يقف المدة المذكورة، حتى لا يلحقه ذلك الإثم. وقال الكرمانيّ: جواب ليس هو المذكور، بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له، وما قاله ليس بمتعين. قال: وأبهم المعدود تفخيمًا للأمر وتعظيمًا له. قال في الفتح: ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، ولكن شك الراوي فيه، وفي ابن ماجه وابن حبّان عن أبي هريرة "لكان أن يقف مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها" وهذا يُشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معين. وجنح الطحاويُ إلى أن التقييد بالمئة وقع بعد التقييد بالأربعين، زيادة في تعظيم الأمر على المار، لأنهما لم يقعا معًا، إذ المئة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المئة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر. ومميز الأربعين، إن كان هو السنة ثبت المدعى أوما دونها فمن باب الأولى، وفي مسند البزار عن ابن عُيينة "لكان أن يقف أربعين خريفًا" وجعل ابن القطّان الجزم في طريق ابن عُيينة، والشك في غيره، والأعلى على التعدد. ورواه أحمد وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور، وغيرهم من الحفاظ، عن ابن عيينة عن أبي النضر، على الشك أيضًا، وزاد فيه "أو ساعة" فيبعد أن يكون

стр. 3411

الجزم والشك وقعا معًا من راوٍ واحدة، إلا أنْ يقال: لعله تذكر في الحال فجزم، وفيه بُعد. وأبدى الكرمانيّ لتخصيص الأربعين بالذكر حكمتين: الأولى كون الأربعة أصل جمع الأعداد، فلما أريد التكثير ضربت في عشرة، والثانية كون كمال أطوار الإنسان بأربعين، كالنطفة والعلقة والمضغة، وكذا بلوغ الأَشُد، ويحتمل غير ذلك. درقوله: خيرًا له، بالنصب في رواية عليّ أنه خبر كان، ولبعضهم خير بالرفع، وهي رواية التِّرمذيّ، وأعربها ابن العربيّ على أنها اسم كان، وأشار إلى تسويغ الابتدا بالنكرة، لكونها موصوفة، ويحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها. وقوله: من أن يمر بين يديه، أي المصلي، لأن عذاب الدنيا، وإن عَظُم، يسيرٌ. وقوله: قال أبو النضر، وهو كلام مالك، وليس من تعليق البخاريّ، لأنه ثابت في الموطأ في جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية الثَّوري وابن عُيينة. قال النوويّ: فيه دليل على تحريم المرور، فإن معنى الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد على ذلك. ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر. وفيه أخذ القرين عن قرينه ما فاته، أو استثباته فيما سمع معه، وفيه الاعتماد على خبر الواحد؛ لأن زيدًا اقتصر على النزول مع القدرة على العلو، واكتفاء رسوله المذكور. وفيه استعمال لو في باب الوعيد، ولا يدخل في ذلك في النهي، لأن محل النهي أن يُشعر بما يعاند المقدور، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب القدر. واستنبط ابن بطال من قوله "لو يعلم" أن الإثم يختص بمن يعلم بالنهي، وارتكبه، وأخذه من ذلك فيه بعد، ولكنه معروف من أدلة أخرى. وظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مرَّ، لا بمن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلي، أو قعد أو رقد، لكنْ إن كانت العلة هي التشويش على المصلي فهو في معنى المار. قلت: مذهب مالك تناول المرور لكل مشوّش من تناول شيء بين يديه أو كلام نحو ذلك، وظاهره أيضًا عموم النهي في كل مصلٍ. وخصه بعض المالكية بالإمام والفَذّ، لأن المأموم لا يضره من مرَّ بين يديه، لأن سترة

стр. 3412

إمامه سترة له، وإمامه حائل بينه وبين سترته. والتعليل المذكور لا يطابق المدعى، لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي لا عن المار، فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك. وقد قسمت المالكية أحوال المار والمصلي في الإِثم وعدمه على أربعة أقسام: يأثم المار دون المصلي، وعكسه، ويأثمان جميعًا، وعكسه. فالقسم الأول أن يصلي إلى سترة في غير مَشْرَع، وللمار مندوحة، فيأثم المار دون المصلي. الثاني أن يصلي في مشرع مسلوك دون سُترة أو متباعدًا عن السترة، ولا يجد المار مندوحة، فيأثم المصلي دون المار، الثالث مثل الثاني لكن المار يجد مندوحة، فيأثمان. الرابع مثل الأول لكن لم يجد المار مندوحة، فلا يأثمان جميعًا. وظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقًا، ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، ويؤيده قصة أبي سعيد السابقة، فإن فيها "فنظر الشاب فلم تجد مساغًا" وفي رواية أبي السّراج عن أبي النضر "لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلي" فحمله بعضهم على ما إذا قصر المصلي في دفع المار، أو بأن صلى في الشارع، ويحتمل أن يكون قوله "والمصلَّى" بفتح اللام، أي بين يدي المصلَّى من داخل سترته، وهذا أظهر. رجاله ستة: الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو النضر في السابع والستين من الوضوء، ومرَّ بُسر بن سعيد في التاسع والستين من أبواب القبلة، ومرَّ زيد بن خالد في الثالث والثلاثين من العلم، ومرَّ أبو الجهم في الثالث من التيمم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك، والعنعنة في موضعين، وفيه تابعي وصحابيان. أخرجه البخاري هنا، وبقية الستة. ثم قال المصنف:

стр. 3413

باب استقبال الرجل الرجل وهو يصلي في نسخة الصَّغانيّ استقبال الرجل صاحبه أو غيره في صلاته، أي هل يكره أو لا؟ أو يفرق بين ما إذا ألهاه أو لا؟ الرجل الأول مجرور باستقبال، والثاني مفعول به، ولفظ هو يحتمل عوده إلى الثاني، فيكون الرجلان متواجهين، وإلى الأول فلا يلزم التواجه، ثم قال: وكره عثمان أن يستقبل الرجل، وهو يصلي، يُستقْبَل، بضم الياء مبني للمجهول، والرجل نائب عن الفاعل، ويجوز فتح الياء على صيغة المعلوم. قال في الفتح: لم أر هذا الأثر إلى الآن عن عثمان، وإنما رأيته في مصنَّفيْ عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما، عن عمر أنه زجر عن ذلك، وفيهما أيضا عن عثمان ما يدل على عدم كراهة ذلك، فليتأمل لاحتمال أن يكون فيما وقع في الأصل تصحيف عن عمر إلى عثمان. وقوله: وهو يصلي، جملة اسمية وقعت حالًا. ثم قال: وهذا إذا اشتغل به، فأما إذا لم يشتغل به، فقد قال زيد بن ثابت: ما باليت، إن الرجل لا يقطع صلاة الرجل. هذا التفصيل من كلام البخاريّ، جمع به بين ما ظاهره الاختلاف من الأثرين اللذين ذكرهما عن عثمان وزيد بن ثابت، وهو أن استقبال الرجلِ الرجلَ في الصلاة إنما يكره إذا شغل المصلي المُستقْبِل، لأن علة الكراهة هي كف المصلي عن الخشوع، وحضور القلب، وأما إذا لم يشغله فلا بأس به. وقول زيد: ما باليتُ، أي الاستقبال المذكور، يريد أنه لا حرج في ذلك. وقوله: إن الرجل بكسر إن، لأنه استئنافٌ ذكر لعدم تعليل المبالاة، وقد مرَّ عن مالك جواز الاستتار بظهر الرجل. وأن في جنبه قولين، ولا يجوز بوجهه، وأكثر العلماء على كراهة استقباله بوجهه. وقال نافع: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية المسجد قال لي: ولِّ ظهرك. وقال الحسن وقتادة: يستره، إذا كان جالسًا. وعن الحسن "يستره" ولم يشترط الجلوس، ولا تولية الظهر. وقال ابن سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي. قال ابن بطال: وأجاز الكوفيون والثَّوريّ والأوزاعيّ الصلاة خلف المتحدثين، وكرهه ابن مسعود. وقد مرَّ في الحديث الذي قبله أنه من المرور

стр. 3414

عند مالك، وكان ابن عمر لا يستقبل من يتكلم إلا بعد الجمعة، ولم أر مَن وصل أثر زيد بن ثابت أيضًا، والأثران فيهما ذكر عثمان وزيد بن ثابت، فأما عثمان، فقد مرَّ بعد الخامس من العلم في باب ما يذكر في المناولة، ومرَّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثالث من كتاب الصلاة.

стр. 3415

الحديث الرابع والمئة حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ فَقَالُوا يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. قَالَتْ قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلاَبًا، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُّ انْسِلاَلاً. قوله: وأكره أن أستقبله، كذا للأكثر بالواو، وهي حالية، وللكشميهنيّ "فأكره" بالفاء. قال ابن المنير: الترجمة لا تطابق حديث عائشة، لكنه يدل على المقصود بالأَوْلى، لكن ليس فيه تصريح بأنها كانت مستقبلة، فلعلها كانت منحرفة أو مستدبرة. وقال ابن رشيد: قصد البخاريّ أن شغلَ المصلي بالمرأة، إذا كانت في قبلته، على أي حال كانت، أشدُّ من شغله بالرجل، ومع ذلك لم تضر صلاته صلى الله تعالى عليه وسلم، لأنه غير مشتغل بها، فكذلك لا تضر صلاة من لم يشتغل بها، والرجل من باب الأولى. واقتنع الكرمانيّ بأن حكم الرجل والمرأة واحد في الأحكام الشرعية. وهذا الحديث والأحاديث الأربعة المذكورة بعده قد استوفيت مباحثها في باب الصلاة على الفراش، عند ذكر الحديث من رواية مالك، إلا يسيرًا من الألفاظ أبينه عند ذكره. رجاله ستة: الأول: إسماعيل بن خليل، وقد مرَّ في السابع من الحيض. الثاني: علي بن مُسْهر، بضم الميم، القرشيّ أبو الحسن الكوفيّ، الحافظ قاضي الموصل، قال العجلي: قرشيّ من أنْفسِهم، كان ممن جمع الحديث

стр. 3416

والفقه، ثقة في الحديث ثبت فيه، صاحب سنة، صالح الكتاب، كثير الرواية عن الكوفيين. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حبّان في الثقات. وقال أبو زرعة: صدوق ثقة، وقال النسائيّ: ثقة، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صالح الحديث، أثبت من أبي معاوية. وقال عثمان الدارميّ: قلت لابن معين: هو أحب إليك أو أبو خالد الأحمر؟ فقال: ابن مسهر، فقلت: ابن مسهر أو إسحاق بن الأزرق؟ قال: ابن مسهر. قلت: ابن مسهر أو يحيى بن أبي زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال يحيى بن معين: قال ابن نُمير: كان قد دَفَن كتبه. قال يحيى: وهو أثبت من ابن نُمير. وعن يحيى بن معين أنه ولي قضاء أرمينية، فاشتكى عينه، فدَسّ القاضي الذي كان بأرمينية إليه طبيبًا فكحله، فذهبت عينه، فرجع إلى الكوفة أعمى. وقال أحمد، لما سئل عنه: لا أدري كيف أقول، كان قد ذهب بصره، فذهب يحدثهم من حفظه. روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة والأعمش وداود بن أبي هند وعاصم الأحول وغيرهم. وروى عنه أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة وإسماعيل بن خليل وخالد بن مَخْلَد وزكرياء بن عديّ وهنّاد بن السَّريّ. وغيرهم. مات سنة تسع وثمانين ومئة، وليس في الستة علي بن مُسْهر سواه. الثالث: الأعمش، وقد مرّ في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومسلم: قيل: المراد به ابن صُبيح أبو الضحى، وقيل: المراد به ابن عمر البطين، وقد مر كل منهما في الخامس عشر من كتاب الصلاة، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي. ثم قال: وعن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة نَحْوَه، أي بالنصب مفعول أخبرنا، أي نحو حديث مسلم عن مسروق عنها من جهة معناه، ونحو لا تقتضي المماثلة من كل وجه، وفي نسخة "مثله"، والحاصل أن علي بن مسهر روى هذا الحديث عن الأعمش بإسنادين إلى عائشة: عن مسلم عن مسروق عنها، وعن إبراهيم عن الأسود عنها بالمعنى، وقد تقدم لفظه في باب

стр. 3417

الصلاة على السرير، فهذا ليس بتعليق، بل هو عطف على السند الأول، وإبراهيم بن يزيد مرّ مع الأعمش في الخامس والعشرين المذكور قريبًا، ومرَّ الأسود في السابع والستين من العلم. ثم قال المصنف: باب الصلاة خلف النائم أورد فيه حديث عائشة أيضًا من وجه آخر، بلفظ آخر، للإشارة إلى أنه قد يفرق بين كونها نائمة أو يقظى، وكأنه أشار أيضًا إلى تضعيف الحديث الوارد في النّهي عن الصلاة إلى النائم، وقد مرَّ الحديث المذكور، وما قيل في الصلاة خلف النائم، في الحديث المار في باب الصلاة على الفراش.

стр. 3418

الحديث الخامس والمئة حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ. الحديث مرَّ الكلام عليه. رجاله خمسة: الأول: مسدد، وقد مرَّ هو ويحيى بن سعيد في السادس من الإيمان، ومرَّ هشام بن عروة وأبوه عروة وعائشة في الثاني من بدء الوحي. ثم قال المصنف: باب التطوع خلف المرأة أورد فيه حديث عائشة من وجه آخر، وقد مرّ في باب الصلاة على الفراش من هذا الوجه، ودلالة الحديث على التطوع من جهة أن صلاته هذه في بيته بالليل، وكانت صلاته الفرائض بالجماعة في المسجد. وقال الكرمانيّ: لفظ الترجمة يقتضي أن يكون ظهر المرأة إليه، ولفظ الحديث لا تخصيص فيه بالظهر، ثم أجاب بأن السنة للنائم أن يتوجه إلى القبلة، والغالب من حال عائشة ذلك، ويرد هذا أن سنة ذلك للنائم إنما هو في ابتداء النوم، لا في دوامه؛ لأنه ينقلب، وهو لا يشعر. والذي يظهر أن معنى خلف المرأة وراءها، فتكون هي نفسها أمام المصلي لا خصوص ظهرها، ولو أراده لقال: خلف المرأة، والأصل عدم التقدير.

стр. 3419

الحديث السادس والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا. قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. والظاهر أن هذه الحالة غير الحالة التي تقدمت في صلاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، إلى جهة السرير، الذي كانت عليه، لأنه في تلك الحالة غير محتاج لأن يسجد مكان رجليها، ويمكن أن يوجه بين الحالتين بأن يقال: كانت صلاته فوق السرير لا أسفل منه، كما جنح إليه الإسماعيليّ فيما سبق، لكن حمله على الحالتين. والحديث هو المار في باب الصلاة على الفراش، واستوفيت مباحثه هناك. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ هو ومالك وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو سلمة في الرابع منه، ومرَّ أبو النضر في السابع والستين من الوضوء. ثم قال المصنف: باب من قال إن الصلاة لا يقطعها شيء أي من فعل غير المصلي، والجملة المترجم بها، أوردها في الباب صريحًا من قول الزُّهريّ، ورواها مالك في الموطأ عن ابن عمر من قوله، وأخرجها الدارقطنيّ مرفوعة من وجه آخر عن سالم، لكن إسنادها ضعيف. ووردت أيضًا

стр. 3420

مرفوعة عن أبي سعيد عند أبي داود، وعن أنس وعن أبي أمامة عند الدارقطني، وعن جابر عند الطبراني في الأوسط، وفي إسناد كل منها ضعف. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عليّ وعثمان وغيرهما. نحو ذلك، موقوفًا.

стр. 3421

الحديث السابع والمئة حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ * قَالَ الأَعْمَشُ وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ: ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ فَقَالَتْ شَبَّهْتُمُونَا بِالْحُمُرِ وَالْكِلاَبِ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. قوله: قال الأعمش، هو مقول حفص بن غياث، وليس بتعليق، وهو نحو ما تقدم من رواية علي بن مُسهر. وقوله: ذكر عندها، أي أنه ذكر عندها، وقوله: الكلب .. الخ، فيه حذف بيانه في رواية علي بن مُسهر "ذكر عندها ما يقطع الصلاة، فقالوا يقطعها" ورواه مسلم عن عروة قالت عائشة: ما يقطع الصلاة؟ فقلت المرأة والحمار. ولسعيد بن منصور قالت عائشة: يا أهل العراق، قد عدلتمونا .. الحديث، وكأنها أشارت بذلك إلى ما رواه أهل العراق عن أبي ذَرٍّ وغيره في ذلك مرفوعًا، وهو عند مسلم وغيره عن أبي ذَرٍّ، وقيد الكلب في روايته بالأسود، وعند ابن ماجه، عن عبد الله بن مغفل، وعند الطبرانيّ عن الحكم بن عمر من غير تقييد، وعند مسلم عن أبي هريرة كذلك، وعند أبي داود وعن ابن عباس مثله، لكن قيد المرأة بالحائض. وأخرجه ابن ماجه كذلك، وفيه تقييد الكلب أيضًا بالأسود. وقوله: شبهتمونا، هذا لفظ رواية مسروق، ورواية الأسود عنها "أعدلتمونا" والمعنى واحد، ومر من طريق علي بن مُسْهر بلفظ "جعلتمونا كلابًا" وهذا على

стр. 3422

سبيل المبالغة. قال ابن مالك: في هذا الحديث جواز تعدي شبه إلى المشبه به بالباء، وأنكره بعض النحويين، حتى بالغ فخّطأ سيبويه في قوله: شبه كذا بكذا، وزعم أنه لا يوجد في كلام من يوثق بعربيته، وقد وجد من هو فوق ذلك، وهي عائشة ﵂، والحق أنه جائز، وإن كان سقوطها أشهر في كلام المتقدمين، وثبوتها لازم في عرف العلماء المتأخرين. وقوله: فأكره أن أجلس فأوذي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، استدل به على أن التشويش بالمرأة وهي قاعدة، يحصل منه ما لا يحصل بها وهي راقدة، والظاهر أن ذلك من جهة الحركة والسكون وعلى هذا فمرورها أشد، وفي النَّسائيّ عن الأسود عنها في هذا الحديث "فأكره أن أقوم فأمر بين يديه، فأَنْسلُّ انسلالًا" فالظاهر أن عائشة إنما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات، لا المرور بخصوصه. قاله في الفتح. قلت: مرورها كمرور غيرها لا يقطع الصلاة. وقوله: فانسل، بضم اللام، عطفًا على فأكره، وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة عن ذكر رواية مالك في باب الصلاة على الفراش. رجاله ثمانية: الأول: عمر بن حفص بن غياث. والثاني: أبوه حفص، وقد مرا في الثاني عشر من كتاب الغسل، ومرَّ ذكر محل الأعمش وإبراهيم ومسروق ومسلم والأسود وعائشة في الذي قبل هذا بحديثين. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في أربعة، وفيه إسنادان بتحويل.

стр. 3423

الحديث الثامن والمئة حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عَنِ الصَّلاَةِ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ فَقَالَ لاَ يَقْطَعُهَا شَيْءٌ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنِّي لَمُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ. وجه الدلالة من حديث عائشة هذا الذي استدل به ابن شهاب، هو أن حديث "يقطع الصلاة المرأة .. " الخ يشمل ما إذا كانت مارة أو قائمة أو قاعدة أو مضطجعة، فلما ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى وهي مضطجعة أمامه، دل ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه. وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد مرَّ قريبًا ما فيه، فلو ثبت أن حديثها متأخر عن حديث أبي ذَرٍّ لم يدل إلا على نسخ الاضطجاع فقط، وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجه الخ ما مرَّ في الباب المذكور قريبًا، عند ذكر الحديث المذكور فيه. قوله: على فراش أهله، كذا للأكثر، وهو متعلق بقوله "فيصلي" وللمستملي "عن فراش أهله" وهو متعلق بقوله "يقوم" والأول يقتضي أن تكون صلاته كانت واقعة على الفراش، لخلاف الثاني، ففيه احتمال. رجاله ستة: الأول: إسحاق بن راهويه، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من كتاب العلم، ومرَّ يعقوب بن إبراهيم في السادس عشر منه، ومرَّ ابن أخي ابن شهاب في التاسع عشر من الإِيمان، ومرَّ ابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ عروة

стр. 3424

وعائشة في الثاني منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، والسؤال والقول، ورواية الرجل عن عمه، ورواية التابعيّ عن صحابية، ورواته مدنيون ما عدا إسحاق فإنه مروزيّ. باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة قال ابن بطّال: أراد البخاريّ إنْ حَمل المصلي الجارية، إذا كان لا يضر الصلاة، فمرورها بين يديه لا يضر، لأن حملها أشد من مرورها، وأشار إلى نحو هذا الاستنباط الشافعيّ، لكن تقييد المصنف بكونها صغيرة، قد يُشعر بأن الكبيرة ليست كذلك.

стр. 3425

الحديث التاسع والمئة حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. قوله عن أبي قتادة، في رواية عبد الرزاق عن مالك "سمعت أبا قتادة" وفي رواية أحمد عن عمرو بن سُليم "أنه سمع أبا قتادة" وقوله: وهو حامل أُمَامَةَ، المشهور في أدروايات بالتنوين، ونصب أمامة، وروي بالإضافة كما قرىء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ بالوجهين، وتخصيص العمل في الترجمة بكونه على العنق مع أن السباق يشمل ما هو أعم من ذلك، مأخوذ من طريقة أخرى مصرحة بذلك، وهي لمسلم عن عمرو بن سليم، ورواه عبد الرزاق عن مالك بإسناد حديث الباب، وزاد فيه "على عاتقه"، وكذا لمسلم وغيره من طرق أخرى، ولأحمد عن ابن جريج "على رقبته". وقوله: بنت زينب، يجوز فيه الفتح والكسر. بالاعتبارين، وقوله: بنت رسول الله، وفي رواية "ابنة" بالجر خاصة، لأنها صفة لزينب المجرورة. وقوله: ولأبي العاص، أي وهي، أي أمامة ابنةٌ لأبي العاص. قال الكرمانيّ: الإضافة في قوله بنت زينب، بمعنى اللام، فأظهر في المعطوف، وهو قوله "ولأبي العاص" ما هو مقدر في المعطوف عليه. وقال ابن العطّار: إن الحكمة في ذلك، أي نسبتها إلى أُمها، كون والدها إذ ذاك كان مشركًا، فنسبت إلى أمها تنبيها على أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه دينًا ونسبًا، ثم بيّن أنها من أبي

стр. 3426

العاص، تبيينًا لحقيقة نسبها، وهذا السياق لمالك وحده، وعند مسلم وغيره، عن عامر بن عبد الله وغيره، نسبوها إلى أبيها، ثم بينوا أنها بنت زينب، ولأحمد عن عمرو بن سليم "يحمل أمامة بنت العاص، وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، على عاتقه". وقوله: ابن ربيعة بن عبد شمس، كذا رواه الجمهور عن مالك، ورواه يحيى بن بكير ومعن بن عيسى وأبو صعب عن مالك "فقالوا ابن الربيع" وهو الصواب، وادّعى الأصيلي أنه ابن الربيع بن ربيعة، فنسبه مالك مرة إلى جده، وهذا مردود بإطباق النسابين على خلافه، على أنه ابن الربيع بن عبد العُزّى بن عبد شمس، ولكن مالكًا نسبه إلى جده في قوله "ابن عبد شمس". وقوله: فإذا سجد وضعها، كذا لمالك، ولمسلم والنّسائيّ وأحمد وابن حبّان عن عامر بن عبد الله شيخ مالك: إذا ركع وضعها، وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث. والذي أحوجهم إلى ذلك، هو أنه عمل كثير، فحمل الخطابيّ ذلك منه ﵊ على عدم التعمد منه، لأنه عمل كثير في الصلاة، فقال: كانت أمامة أَلِفَته وأنسَت بقربه، فتعلقت به في الصلاة، ولم يدفعها عن نفسه، فإذا أراد أن يسجد وضعها على عاتقه حتى يكمل سجوده، فتعود إلى حالتها الأولى، فلا يدفعها، فإذا قام بقيت بعد محمولة، وَرُدَّ هذا بما رواه أبو داود عن عمرو بن سليم "حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده وقام، أخذها فردها في مكانها" فهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه لا منها، بخلاف ما أوّله به الخطابيّ. ولأحمد عن ابن جريج "وإذا قام حملها فوضعها على رقبته" وروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، وهو تأويل بعيدٌ كما قال القرطبيّ، واستبعده المازريّ وعياض؛ لأن ظاهر الأحاديث أنه كان في الفريضة، فقد ثبت في مسلم "رأيت النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم يؤم الناس، وأُمامة على عاتقه". قال المازريّ: إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة "ولأبي داود" بينما

стр. 3427

نحن ننتظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الظهر أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة، إذ خرج علينا، وأمامة على عاتقه، فقام في مُصَلاّه، فقمنا خلفه فكبر وهي في مكانها" وعند الزبير بن بكار وتبعه السهيليّ "الصبح" ووهم من عزاه للصحيحين. وقال القرطبي: روى أشهب وعبد الله بن نافع أن ذلك للضرورة، حيث لم يجد من يكفيه أمرها. وقال بعض أصحابه: لأنه لو تركها لبكت، وشغلت سره في صلاته، أكثر من شغله بحملها. وفرق بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة. وقال الباجي: إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. قال القرطبيّ: روى عبد الله بن يوسف التَّنيسيّ عن مالك أن الحديث منسوخ، وروى ذلك الإسماعيلي، عن التنيسى، لكنه غير صريح، ولفظه: قال التنيسيّ: قال مالك: من حديث النبي ﷺ ناسخ ومنسوخ، وليس العمل على هذا، وقال ابن عبد البر: لعله نسخ بتحريم العمل في الصلاة، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأنّ هذه القصة كانت بعد قوله ﵊ "إنّ في الصلاة لشغلًا"، لأن ذلك كان قبل الهجرة، وهذه القصة كانت بعد الهجرة بمدة مديدة، وذكر عياض عن بعضهم أن ذلك كان من خصائصه صلى الله تعالى عليه وسلم، لكونه معصومًا أن تبول وهو حاملها، ورد بأن الأصل عدم الاختصاص، وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص في أمر ثبوته في غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس في مثل ذلك، وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال، لوجود الطمأنينة في أركان صلاته. وقال النوويّ: ادْعى بعض المالكية أن هذا الحديث منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه كان لضرورة، وكل ذلك دعاوى مردودة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع، لأن الآدمي طاهر، وما في جوفه معفو عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة، حتى تتبين النجاسة. والأعماق في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، ودلائل الشرع

стр. 3428

متظاهرة على ذلك، وإنما فعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك لبيان الجواز. وقال الفاكهانيّ: وكان السر في حمله أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهنّ، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة، للمبالغة في ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول. قلت: ظاهر ما مرَّ من النقول يدل على أن العمل الكثير المفسد للصلاة أقل عند المالكية من غيرهم من أهل المذاهب، والذي تدل عليه نصوص المالكية وغيرهم من أهل المذاهب أن العمل في الصلاة يغتفر منه عند المالكية ما لا يغتفر عند غيرهم، أو مساوون لهم وها أنا أذكر لك نصوص المذاهب كلها. فالعمل الكثير عند المالكية موكول إلى العُرف، والصحيح في تحديده عندهم هو ما يتخيل للناظر إعراضه عن الصلاة، والعمل الكثير المفسد للصلاة عند أبي حنيفة هو ما قاله صاحب "البدائع"، فإنه قال: الكثير الذي يفسد الصلاة هو ما يحتاج فيه إلى استعمال اليدين، والقليل ما لا يحتاج فيه إلى ذلك، فإذا أخذ قوسًا ورمى به فسدت صلاته، وكذا لو حملت امرأة صبيًا فأرضعته، لوجود العمل الكثير. وأما حمل الصبيّ بدون الإرضاع فلا يفسدها. قاله العيني. وعند الشافعية، قال النووي في "شرح المهذب": اختلفوا في ضبط القليل والكثير على أربعة أوجه: أحدها: القليل ما لا يسع زمانه فعل ركعة، والكثير ما يسعها. حكاه الرافعي، وهو ضعيف أو غلط. الثاني: ما مرَّ عن الحنفية. والثالث: ما مرَّ عن المالكية، وضعفوه بأن من رآه يحمل صبيًا أو يقتل حية أو عقربًا أو نحو ذلك يظن أنه ليس في صلاة، وهذا القدر لا يبطلها بلا خلاف، قلت: هذا الذي قالوا إنه لا يبطلها هو كذلك عند المالكية لا يبطلها، فيرد على ما جعلوه ضابطًا للكثرة.

стр. 3429

الرابع: وهو المشهور، الرجوع فيه للعادة، فلا يضر ما يعده الناس قليلًا كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ورفع العمامة، ولبس ثوب خفيف وأشباه ذلك، وما عده الناس كثيرًا لخطواتٍ كثيرة متوالية، وفعلات متتابعة، فتبطل الصلاة، والفعلة الواحدة كالخطوة والضربة قليل بلا خلاف، ما لم تتفاحش، كالوثبة الفاحشة، فتبطل بلا خلاف، والثلاث كثير بلا خلاف، لكن إنما يبطل الكثير إذا توالى، فإنْ تفرق بأن خطا خطوة أو ضرب ضربة وسكت زمنًا، ثُم عاد ولو إلى مئة لم يضر بلا خلاف. وحد التفريق أن يكون الثاني منقطعًا عن الأول. وقيل: بأن يكون بينهما ركعة، وهذا ضعيف، والثلاثة المتوالية التي تبطل إنما هي الخطوات والضربات ونحوها، فأما الحركات الخفيفة، كتحريك الأصابع في سبْحة أو حَكة أو حَل أو عَقد، ففيها وجهان؛ والمشهور لا تبطل وإن كثرت متوالية، لكن تكره، وفي الخطوتين والضربتين وجهان، أصحهما قليل لا تبطل. وعند الحنابلة قال في "دليل الطالب" ممزوجًا بشرحه "نيل المآرب": ويبطلها العمل المتوالي الكثير، لا القليل في العادة، من غير جنسها، كفتح باب ومشي ولف عمامة وكتابة وخياطة لغير ضرورة، فإن كان لضرورة كخوف وهرب من عدو لم تبطل. فبنقل كلام المذاهب يظهر لك أن ضابط الفعل الكثير المبطل للصلاة متساو عندهم، أو قريب من التساوي، واستدل بالحديث على ترجيح العمل بالأصل على الغالب، كما أشار إليه الشافعيّ، ولابن دقيق العيد هنا بحث من جهة أن حكايات الأحوال لا عموم لها، واستدل به على جواز إدخال الصبيان في المساجد، وعلى أن لمس الصبيان الصغار غير مؤثر في الطهارة ويشمل أن يفرق بين ذوات المحارم وغيرهن وعلى صحة صلاة مَنْ حمل آدميًا، وكذا مَنْ حمل حيوانًا طاهرًا. وللشافعية تفصيل بين المستجمر وغيره. وقد يجاب عن هذه القصة بأنها واقعةُ حالٍ، فيحتمل أن تكون أُمامة حينئذ قد غسلت، كما ثبت من أن بناتِ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كُن ينظفن صبيانهنّ للدخول عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، كما يحتمل أنه صلى الله

стр. 3430

تعالى عليه وسلم كان يمسُّها بحائل، وفيه تواضعه صلى الله تعالى عليه وسلم، وشفقته على الأطفال، وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم. رجاله خمسة: وفيه ذكر أبي العاص بن الربيع وأُمامة بنت زينب. الأول: عبد الله بن يوسف. والثاني: مالك، وقد مرَّا في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عامر بن عبد الله بن الزبير في الثامن والأربعين من كتاب العلم، ومرَّ عمرو بن سليم في الثامن والأربعين من أبواب القبلة، ومرَّ أبو قتادة في التاسع عشر من الوضوء. وأبو العاص هو ابن الربيع بن عبد العزّى بن عبد شمس بن عبد مناف العَبْشميَّ أمه هالة بنت خُوَيلد. وكان يلقب بجرْوِ البطحاء، هو وأخوهُ كان يقال لهما جروا البطحاء، وقيل: كان ذلك أبوه قال الزبير بن بكّار: كان يقال له الأمين، واختلف في اسمهِ، فقيل لَقيط، وقيل مُهْشم، وقيل هُشيم، وقيل مِقْسَم، وقيل القاسم، وقيل ياسر، وقيل لُقَيم، والأكثر على أنه لقيط. وكان قبل البعثة مؤاخيًا لرسول الله ﷺ ، وكان يكثر غشاءه في منزله، وزوجه ابنته زينب أكبر بناته، وهي من خالته خديجة، ثم لم يتفق أنه أسلم إلا بعد الهجرة. قال ابن إسحاق: كان من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وكان أبو العاص، ﵁، ممن حضر بدرًا مع كفار قريش، وأسره عبد الله بن جُبير بن النعمان الأنصاريّ، فلما بعث أهل مكة في فداء أسراهم قدم في فدائه أخوه عمرو بن الربيع بمال دفعته إليه زينب بنت رسول الله ﷺ ، من ذلك قلادة لها كانت أمها خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص حين بني عليها، فقال رسول الله ﷺ : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذي لها فافعلوا، فقالوا: نعم. وكان أبو العاص قد أبى أن يطلّق زينب، إذ مشى إليه مشركو قريش في

стр. 3431

ذلك، فشكر له رسول الله ﷺ مصاهرته، وأثنى عليه، ولم يزل مقيمًا على الشرك حتى كان قبل الفتح، فخرج بتجارة إلى الشام ومعه أموال قريش، فلما انصرف قافلًا لقيته سرية لرسول الله ﷺ أميرهم زيد بن حارثة، وكان أبو العاص في جماعة عِير، وكان زيد في نحو سبعين ومئة راكب، فأخذوا ما في تلك العِير من الأثقال، وأسروا ناسًا منهم، وأفلتهم أبو العاص هربًا، وقيل: إن رسول الله ﷺ بعث زيدًا في تلك السرية قاصدًا العِير التي كان فيها أبو العاص، فلما قدمت السرية بما أصابوا، أقبل أبو العاص ليلًا حتى دخل على زينب، ﵂، فاستجار بها، فأجارته، فلما خرج رسول الله ﷺ ، وكبّر وكبّر الناس معه، صرخت زينب: أيها الناس، إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع، فلما سلّم رسول الله ﷺ من الصلاة أقبل على الناس فقال لهم: هل سمعتم ما سمعتُ؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء حتى سمعتُ منه ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم، ثم انصرف رسول الله ﷺ ، فدخل على ابنته فقال: أي بُنيّة أكرمي مثواه، ولا يخلص إليك، فإنك لا تحلين له، فقالت: إنه جاء في طلب ماله، فخرج رسول الله ﷺ وبعث في تلك السرية، فاجتمعوا إليه ثم قال لهم: "إنّ هذا الرجل منا بحيث علمتم، وقد أصبتم له مالًا، وهو فيء أفاء الله عليكم به، وأنا أُحب أن تحسنوا وتردوا إليه ماله الذي له، وإن أبيتم فأنتم أحق به. قالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه" فردوا عليه ماله ما فقد منه شيئًا. فاحتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله الذي كان أبضع معه، ثم قال: يا معشر قريش: هل بقي لأحد منكم مال لم يأخذه؟ قالوا: جزاك الله خيرًا، فقد وجدناك وفيًا كريمًا. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإِسلام إلا تخوُّف أن تظنوا أني آكل أموالكم، فلما أدّاها الله تعالى إليكم أسلمت، ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ مسلمًا، وحسن أسلامه، ورد رسول الله ﷺ ابنته عليه بالنكاح الأول. هذا كله خبر ابن إسحاق. وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول ﷺ ردها

стр. 3432

بنكاح جديد، وهو قول الشّعبيّ وطائفة من أهل العلم. قال ابن حجر: والعمل على حديث عمرو بن شعيب. وأخرج الحاكم أبو أحمد بسند صحيح عن الشعبى قال: كانت زينب بنت رسول الله ﷺ تحت أبي العاص بن الربيع، فهاجرت، وأبو العاص على دينه، فاتفق أن خرج إلى الشام في تجارة، فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه، فيأخذوا ما معه، ويقتلوه، فبلغ ذلك زينب، فقالت: يا رسول الله، أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدًا؟ قال: نعم، قالت: فاشهد أني أجرت أبا العاص، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، خرجوا إليه عُزلًا بغير سلاح، فقالوا له: يا أبا العاص، إنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ، فهل لك أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة؟ قال: بئسما أمرتمؤني به أن أنسخ ديني بغَدْرَةٍ، فمضى حتى قدم مكة، فدفع إلى كل ذي حق حقه، ثم قام فقال: يا أهل مكة، أوفيت ذمتي؟ قالوا: اللهمَّ نعم. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قدم المدينة مهاجرًا، فدفع إليه رسول الله ﷺ ابنته بالنكاح الأول، وهذا مع صحة سنده مرسل، وهو شاذ، والصحيح ما مرَّ عن ابن إسحاق. وقيل: إن الذي أسره في المرة الثانية أبو بصير الثقفيّ، ومن معه من المسلمين، لما أقاموا بالساحل يقطعون الطريق على تجّار قريش في مدة الهدنة بين الحديبية والفتح، وأسند البيهقيّ بسند قوي أن زينب قالت للنبي ﷺ : إن أبا العاص إن قَرُب فابن عم، وان بَغد فأب ولد، وإني قد أجرته. وكانت زينب قد استأذنت أبا العاص أن تخرج إلى المدينة، فأذن لها، ثم خرج هو إلى الشام، فلما خرجت تبعها هشام بن الأسود ومن تبعه، حتى ردها إلى بيتها، فبعث رسول الله ﷺ مَنْ حملها إلى المدينة. وسار أبو العاص مع عليّ إلى اليمن، فاستخلفه على اليمن لما رجع، ثم كان أبو العاص مع علي يوم بويع أبو بكر. قال ابن سعد: إنه لم يشهد مع النبي ﷺ مشهدًا، وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ خطب، فأثنى عليه في مصاهرته خيرًا، وقال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وقال الواقديّ: كان رسول

стр. 3433

الله ﷺ يقول: "ما ذممنا صهر أبي العاص". مات أبو العاص في خلافة أبي بكر في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وأوصى إلى الزبير بن العوام، وشذ أبو عبيد فقال: إنه مات سنة ثلاث عشرة، وأغرب منه قول ابن مَنْده: إنه قتل يوم اليمامة. وأما أمامة فهي بنت أبي العاص بن الربيع المذكور، قيل: وهي من زينب بنت رسول الله ﷺ ، كانت تحت أبي العاص فولدت له أمامة وعليًا، وثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ كان يحمل أمامة بنت زينب على عاتقه، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. أخرجاه من رواية مالك، وأخرجه ابن سعد من رواية الليث أن أبا قتادة قال: بينما نحن على باب رسول الله ﷺ إذ خرج يحمل أمامة بنت أبي العاص، أمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي صبية، فصلَّى وهي على عاتقه إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها. وأخرج ابن سعد عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أُهديت له هدية فيها قلادة من جَزْع، فقال: لأدفعنها إلى أحب أهلي إليّ، فقالت النساء، ذهبت بها ابنة أبي قُحافة، فدعا رسول الله ﷺ أُمامة بنت زينب، فعلقها في عنقها. وأخرج عن حماد بن زيد "لأعطيها أرحمكن، فدعا ابنته أبي العاص من زينب، فعقدها بيده، وكان على عينها غمصٌ فمسحه بيده" وأخرج أحمد عن عائشة أن النجاشيّ أهدى إلى النبي ﷺ حلية فيها خاتم من ذهب فَصُّه حبشيّ فأعطاه أُمامة. تزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة، زوجها منه الزبير بن العوام، وكان أبوها أوصى بها إليه، ولما قتل عليّ وآمت منه أمامة، قالت أم الهيثم النَخعيّة: أشابَ ذوآبتي وأذلَّ رُكني ... أُمامة حين فارقت القرينا تطيف به لحاجتها إليه ... فلما استيأست رفعت رنينا وكان علي قد أمر المغيرة بن نوفل بن الحارث أن يتزوج أمامة بنت أبي العاص، فتزوجها المغيرة، فولدت له، وبه كان يكنى، وماتت عند المغيرة.

стр. 3434

وقيل: إنها لم تلد لعلي ولا للمغيرة. قال الزبير: ليس لزينب عقب. وروى عمر بن شبة أن عليًا لما حضرته الوفاة قال لأمامة بنت العاص: إني لا آمَن أن يخطبك هذا الطاغية بعد مؤتي، يعني معاوية، فإن كان لك في الرجال حاجة، فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيرًا، فلما انقضت عدتها، كتب معاوية إلى مروان أن يخطبها عليه، وبذل لها مئة ألف دينار، فأرسلت إلى المغيرة هذا قد أرسل أن يخطبني، فإن كان لك بنا حاجة فأقبِلْ، فخطبها إلى الحسن، فزوجها منه. وأخرج ابن سعد عن ابن أبي ذيب أن أُمامة بنت أبي العاص، قالت للمغيرة بن نوفل: إن معاوية خطبني. فقال: أتتزوجين ابن آكلة الأكباد؟ فلو جعلتِ ذلك إليَّ. قالت: نعم، قال: قد تزوجتك. قال ابن أبي ذيب: فجاز نكاحه، وقيل: إن الذي تزوجها بعده أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في ثلاثة، ورواته كلهم مدنيون ما عدا شيخ البخاري، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، أخرجه البخاريّ هنا وفي الأدب، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب إذا صلى إلى فراش وفيه حائض أي هل يكره أم لا؟ وحديث الباب يدل على أن لا كراهة قال الكرمانيّ: جواب إذا محذوف تقديره صحت صلاته، أو معناه: باب حكم المسألة الفلانية، وقد ترجم لهذا الحديث في أبواب ستر العورة، فقال: باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته، وهذه الترجمة أخصُّ من تلك

стр. 3435

الحديث العاشر والمئة حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي. قوله: حِيال، بكسر المهملة بعدها ياء تحتانية، أي بجنبه كما ذكره في الطريق الأخرى، وقد مرَّ الكلام على الحديث آخر كتاب الحيض. رجاله خمسة: الأول: عمرو بن زُرارة، وقد مرَّ في التاسع والثمانين من أبواب القبلة هذه. والثاني: هُشيم بن بشير، وقد مرَّ في الثاني من كتاب التيمم. والثالث: أبو إسحاق الشيبانيّ، وقد مرَّ في السابع من الحيض، ومرَّ عبد الله بن شداد في الثامن منه، ومرَّت ميمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة، وفيه القول. ورواته ما بين واسطيّ وكوفيّ، ومرَّ ذكر مَحالّ إخراجه عند ذكره في كتاب الحيض.
следующие страницы →