Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
ذلك، فشكر له رسول الله ﷺ مصاهرته، وأثنى عليه، ولم يزل مقيمًا على الشرك حتى كان قبل الفتح، فخرج بتجارة إلى الشام ومعه أموال قريش، فلما انصرف قافلًا لقيته سرية لرسول الله ﷺ أميرهم زيد بن حارثة، وكان أبو العاص في جماعة عِير، وكان زيد في نحو سبعين ومئة راكب، فأخذوا ما في تلك العِير من الأثقال، وأسروا ناسًا منهم، وأفلتهم أبو العاص هربًا، وقيل: إن رسول الله ﷺ بعث زيدًا في تلك السرية قاصدًا العِير التي كان فيها أبو العاص، فلما قدمت السرية بما أصابوا، أقبل أبو العاص ليلًا حتى دخل على زينب، ﵂، فاستجار بها، فأجارته، فلما خرج رسول الله ﷺ ، وكبّر وكبّر الناس معه، صرخت زينب: أيها الناس، إني قد أجرتُ أبا العاص بن الربيع، فلما سلّم رسول الله ﷺ من الصلاة أقبل على الناس فقال لهم: هل سمعتم ما سمعتُ؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده ما علمت بشيء حتى سمعتُ منه ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم، ثم انصرف رسول الله ﷺ ، فدخل على ابنته فقال: أي بُنيّة أكرمي مثواه، ولا يخلص إليك، فإنك لا تحلين له، فقالت: إنه جاء في طلب ماله، فخرج رسول الله ﷺ وبعث في تلك السرية، فاجتمعوا إليه ثم قال لهم: "إنّ هذا الرجل منا بحيث علمتم، وقد أصبتم له مالًا، وهو فيء أفاء الله عليكم به، وأنا أُحب أن تحسنوا وتردوا إليه ماله الذي له، وإن أبيتم فأنتم أحق به. قالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه" فردوا عليه ماله ما فقد منه شيئًا.
فاحتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذي مال من قريش ماله الذي كان أبضع معه، ثم قال: يا معشر قريش: هل بقي لأحد منكم مال لم يأخذه؟ قالوا: جزاك الله خيرًا، فقد وجدناك وفيًا كريمًا. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإِسلام إلا تخوُّف أن تظنوا أني آكل أموالكم، فلما أدّاها الله تعالى إليكم أسلمت، ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ مسلمًا، وحسن أسلامه، ورد رسول الله ﷺ ابنته عليه بالنكاح الأول. هذا كله خبر ابن إسحاق.
وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول ﷺ ردها
стр. 3432
بنكاح جديد، وهو قول الشّعبيّ وطائفة من أهل العلم. قال ابن حجر: والعمل على حديث عمرو بن شعيب. وأخرج الحاكم أبو أحمد بسند صحيح عن الشعبى قال: كانت زينب بنت رسول الله ﷺ تحت أبي العاص بن الربيع، فهاجرت، وأبو العاص على دينه، فاتفق أن خرج إلى الشام في تجارة، فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه، فيأخذوا ما معه، ويقتلوه، فبلغ ذلك زينب، فقالت: يا رسول الله، أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدًا؟ قال: نعم، قالت: فاشهد أني أجرت أبا العاص، فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، خرجوا إليه عُزلًا بغير سلاح، فقالوا له: يا أبا العاص، إنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ، فهل لك أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة؟ قال: بئسما أمرتمؤني به أن أنسخ ديني بغَدْرَةٍ، فمضى حتى قدم مكة، فدفع إلى كل ذي حق حقه، ثم قام فقال: يا أهل مكة، أوفيت ذمتي؟ قالوا: اللهمَّ نعم. قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قدم المدينة مهاجرًا، فدفع إليه رسول الله ﷺ ابنته بالنكاح الأول، وهذا مع صحة سنده مرسل، وهو شاذ، والصحيح ما مرَّ عن ابن إسحاق.
وقيل: إن الذي أسره في المرة الثانية أبو بصير الثقفيّ، ومن معه من المسلمين، لما أقاموا بالساحل يقطعون الطريق على تجّار قريش في مدة الهدنة بين الحديبية والفتح، وأسند البيهقيّ بسند قوي أن زينب قالت للنبي ﷺ : إن أبا العاص إن قَرُب فابن عم، وان بَغد فأب ولد، وإني قد أجرته. وكانت زينب قد استأذنت أبا العاص أن تخرج إلى المدينة، فأذن لها، ثم خرج هو إلى الشام، فلما خرجت تبعها هشام بن الأسود ومن تبعه، حتى ردها إلى بيتها، فبعث رسول الله ﷺ مَنْ حملها إلى المدينة.
وسار أبو العاص مع عليّ إلى اليمن، فاستخلفه على اليمن لما رجع، ثم كان أبو العاص مع علي يوم بويع أبو بكر. قال ابن سعد: إنه لم يشهد مع النبي ﷺ مشهدًا، وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ خطب، فأثنى عليه في مصاهرته خيرًا، وقال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي، وقال الواقديّ: كان رسول
стр. 3433
الله ﷺ يقول: "ما ذممنا صهر أبي العاص".
مات أبو العاص في خلافة أبي بكر في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وأوصى إلى الزبير بن العوام، وشذ أبو عبيد فقال: إنه مات سنة ثلاث عشرة، وأغرب منه قول ابن مَنْده: إنه قتل يوم اليمامة.
وأما أمامة فهي بنت أبي العاص بن الربيع المذكور، قيل: وهي من زينب بنت رسول الله ﷺ ، كانت تحت أبي العاص فولدت له أمامة وعليًا، وثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة أن النبي ﷺ كان يحمل أمامة بنت زينب على عاتقه، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. أخرجاه من رواية مالك، وأخرجه ابن سعد من رواية الليث أن أبا قتادة قال: بينما نحن على باب رسول الله ﷺ إذ خرج يحمل أمامة بنت أبي العاص، أمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي صبية، فصلَّى وهي على عاتقه إذا قام، حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها.
وأخرج ابن سعد عن عائشة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أُهديت له هدية فيها قلادة من جَزْع، فقال: لأدفعنها إلى أحب أهلي إليّ، فقالت النساء، ذهبت بها ابنة أبي قُحافة، فدعا رسول الله ﷺ أُمامة بنت زينب، فعلقها في عنقها. وأخرج عن حماد بن زيد "لأعطيها أرحمكن، فدعا ابنته أبي العاص من زينب، فعقدها بيده، وكان على عينها غمصٌ فمسحه بيده" وأخرج أحمد عن عائشة أن النجاشيّ أهدى إلى النبي ﷺ حلية فيها خاتم من ذهب فَصُّه حبشيّ فأعطاه أُمامة.
تزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة، زوجها منه الزبير بن العوام، وكان أبوها أوصى بها إليه، ولما قتل عليّ وآمت منه أمامة، قالت أم الهيثم النَخعيّة:
أشابَ ذوآبتي وأذلَّ رُكني ... أُمامة حين فارقت القرينا
تطيف به لحاجتها إليه ... فلما استيأست رفعت رنينا
وكان علي قد أمر المغيرة بن نوفل بن الحارث أن يتزوج أمامة بنت أبي العاص، فتزوجها المغيرة، فولدت له، وبه كان يكنى، وماتت عند المغيرة.
стр. 3434
وقيل: إنها لم تلد لعلي ولا للمغيرة. قال الزبير: ليس لزينب عقب. وروى عمر بن شبة أن عليًا لما حضرته الوفاة قال لأمامة بنت العاص: إني لا آمَن أن يخطبك هذا الطاغية بعد مؤتي، يعني معاوية، فإن كان لك في الرجال حاجة، فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيرًا، فلما انقضت عدتها، كتب معاوية إلى مروان أن يخطبها عليه، وبذل لها مئة ألف دينار، فأرسلت إلى المغيرة هذا قد أرسل أن يخطبني، فإن كان لك بنا حاجة فأقبِلْ، فخطبها إلى الحسن، فزوجها منه.
وأخرج ابن سعد عن ابن أبي ذيب أن أُمامة بنت أبي العاص، قالت للمغيرة بن نوفل: إن معاوية خطبني. فقال: أتتزوجين ابن آكلة الأكباد؟ فلو جعلتِ ذلك إليَّ. قالت: نعم، قال: قد تزوجتك. قال ابن أبي ذيب: فجاز نكاحه، وقيل: إن الذي تزوجها بعده أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في ثلاثة، ورواته كلهم مدنيون ما عدا شيخ البخاري، وفيه رواية تابعي عن تابعي عن صحابي، أخرجه البخاريّ هنا وفي الأدب، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب إذا صلى إلى فراش وفيه حائض
أي هل يكره أم لا؟ وحديث الباب يدل على أن لا كراهة قال الكرمانيّ: جواب إذا محذوف تقديره صحت صلاته، أو معناه: باب حكم المسألة الفلانية، وقد ترجم لهذا الحديث في أبواب ستر العورة، فقال: باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته، وهذه الترجمة أخصُّ من تلك
стр. 3435
الحديث العاشر والمئة
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ ﷺ فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَيَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي.
قوله: حِيال، بكسر المهملة بعدها ياء تحتانية، أي بجنبه كما ذكره في الطريق الأخرى، وقد مرَّ الكلام على الحديث آخر كتاب الحيض.
رجاله خمسة:
الأول: عمرو بن زُرارة، وقد مرَّ في التاسع والثمانين من أبواب القبلة هذه.
والثاني: هُشيم بن بشير، وقد مرَّ في الثاني من كتاب التيمم.
والثالث: أبو إسحاق الشيبانيّ، وقد مرَّ في السابع من الحيض، ومرَّ عبد الله بن شداد في الثامن منه، ومرَّت ميمونة بنت الحارث في الثامن والخمسين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة، وفيه القول. ورواته ما بين واسطيّ وكوفيّ، ومرَّ ذكر مَحالّ إخراجه عند ذكره في كتاب الحيض.
стр. 3436
الحديث الحادي عشر والمئة
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِي ثَوْبُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ. وَزَادَ مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَنَا حَائِضٌ.
قوله: فإذا سجد أصابني ثوبه، كذا للأكثر، وللمستملي والكشميهنيّ "ثيابه" وللأصيلي "أصابتني ثيابه" وقوله: وأنا حائض، كذا لأبي ذَرٍّ، وسقطت هذه الجملة لغيره، لكن في رواية كريمة بعد قوله "أصابني ثوبه" زاد مسدد عن خالد عن الشيبانيّ "وأنا حائض" ورواية مسدد هذه ساقها المصنف في باب "إذا أصاب ثوب المصلي" وفيها هذه الزيادة، وهي أصرح بمراد الترجمة. قال ابن بطال: هذا الحديث وشبهه من الأحاديث التي فيها اعتراض المرأة بين المصلي وقبلته، يدل على جواز القعود لا على جواز المرور، وتعقب بأن ترجمة الباب ليست معقودة للاعتراض، بل مسألة الاعتراض تقدمت، والظاهر أن المصنف قصد بيان صحة الصلاة، ولو كانت الحائض بجنب المصلي، ولو أصابتها ثيابه، لا كون الحائض بين المصلي والقبلة، وتعبيره بقوله: إلى أعم من أن تكون بينه وبين القبلة، فإن الانتهاء يصدق على ما إذا كانت أُمامه أو عن يمينه أو عن شماله، وقد صرح في الحديث بكونها كانت إلى جنبه.
وهذا الحديث قد مرَّ في آخر كتاب الحيض، ومرَّ الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
الأول: أبو النعمان، وقد مرَّ في الحادي والخمسين من الإيمان، ومرَّ
стр. 3437
عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين منه، ومرَّ ذكر محل سليمان الشيبانيّ وابن شداد وميمونة في الذي قبله. ثم قال المصنف:
باب يغمز الرجل امرأته عند السجود لكي يسجد
في الترجمة التي قبلها "باب صحة الصلاة، ولو أصابت المرأة بعض ثياب المصلي" وفي هذه الترجمة بيان صحتها، ولو أصابها بعض جسده.
стр. 3438
الحديث الثاني عشر والمئة
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ: بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَيَّ فَقَبَضْتُهُمَا.
قوله: بئسما عَدَلتمونا، بتخفيف الدال، وما نكرة مميزة لفاعل بيس، وقيل هي الفاعل، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره عدلكم، أي تسويتكم إيانا بما ذكر، وقد مرَّ الكلام على جل مباحث هذا الحديث عند ذكر روايات منه في باب الصلاة على الفراش، ومرَّ باقيها في باب مَنْ قال إن الصلاة لا يقطعها شيء، قريبًا.
رجاله خمسة:
الأول: عمرو بن علي الفلاّس، وقد مرَّ في السابع والأربعين من كتاب العلم، ومرَّ يحيى القطّان في السادس من الإيمان، ومرَّ عُبيد الله العمريّ في الرابع عشر من كتاب الوضوء، ومرَّ القاسم بن محمد في الحادي عشر من كتاب الغسل، ومرّت عائشة في الثاني من بدء الوحي. فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، ورواته ما بين بصريّ ومدني. ثم قال المصنف:
باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى
قال ابن بطّال: هذه الترجمة قريبة من التراجم التي قبلها، وذلك أن المرأة إذا تناولت ما على ظهر المصلّي، فإنها تقصد إلى أخذه من أي جهة أمكنها تناوله، فإنْ لم يكن هذا المعنى أشد من مرورها بين يديه، فليس بدونه.
стр. 3439
الحديث الثالث عشر والمئة
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلاَ تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلاَنٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلاَهَا فَيَجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ ﵍ وَهْيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى وَثَبَتَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاَةَ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً.
قوله: إلى هذا المرائي، مأخوذ من الرياء، وهو التعبد في الملأ دون الخلوة، ليرى. وقوله: جَزُور آل فلان، قال في الفتح: لم أقف على تعيينهم، لكن يشبه أن يكونوا آل أبي مُعيط، لمبادرة عقبة بن أبي مُعيط إلى إحضار ما طلبوه منه، وهو المعنيّ بقوله: "أشقاهم". وقوله: فانطلق منطلق، قال في الفتح: لم أقف على تسميته، ويحتمل أن يكون هو ابن مسعود الراوي، وهذا
стр. 3440
الحديث استوفيت مباحثه عند ذكره في الوضوء في باب "إذا ألقي على ظهر المصلي قذر".
رجاله ستة:
وفيه ذكر فاطمة.
الأول: أحمد بن إسحاق بن الحصين بن جابر السلمي، أبو إسحاق السورَماريّ، كان يضرب بشجاعته المثل. قال ولده أبو صفوان: وهب المأمون لأبي ثلاثين ألف درهم، فلم يقبلها. وأخباره في المغازي والشجاعة كثيرة. وذكره ابن حِبّان في الثقات، فقال: كان من الغَزَّائين، وكان من أهل الفضل والنُّسُك مع لزوم الجهاد. وقال البخاريّ: ما يعلم في الإِسلام مثله. وقال عُبيد الله بن واصل: سمعته يقول: أعلم يقينًا أني قتلت به ألف تركيّ، ولولا أن يكون بِدعة لأمرت أن يدفن معي، يعني سيفه.
روى عن يعلي بن عبيد وعثمان بن عمر بن فارس وعبد الله بن موسى وغيرهم، وروى عنه البخاريّ وابنه أبو صفوان إسحاق بن أحمد، وبكر بن منير، وعُبيد الله بن واصل وعدة، والسورَماريّ في نسبه نسبة إلى سُوْرَمارِي بضم السين وسكون الواو وفتح الراء الأولى وكسر الأخيرة، وفيه حذف الواو وسكون الراء، وفيه ضم السين وفتحها وكسرها، قرية على ثلاثة فراسخ من بخارى، وضبطه الغَسّانيّ بفتح السين، والرَّشاطيّ بكسر السين، وفي الستة أحمد بن إسحاق سواه اثنان: الحضرميّ والأهوازيّ.
الثاني من السند: عُبيد الله بن موسى، وقد مرَّ في الأول من الإيمان، ومرَّ إسرائيل في السابع والستين من العلم، ومرَّ أبو إسحاق الشيبانيّ في السابع من الحيض، ومرّ عمرو بن ميمون في الرابع والمئة من كتاب الوضوء، ومرّ عبد الله بن مسعود أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرت فاطمة الزهراء في الرابع والمئة من الوضوء.
стр. 3441
خاتمة
قال في فتح الباري: اشتملت أبواب استقبال القبلة، وما معها من أحكام المساجد، وسترة المصلّي من الأحاديث المرفوعة على ستة وثمانين حديثًا، المكرر منها ستة وثلاثون حديثًا، عشرة تقدمت، وستة وعشرون فيها الخالص، منها خمسون حديثًا وافقه مسلم على تخريج أصولها، سوى حديث أنس "من استقبل قبلتنا" وحديث ابن عباس في الصلاة في قُبُل الكعبة، لكن أوضحنا أن مسلمًا أخرجه عن ابن عباس عن أسامة، وحديث جابر في الصلاة على الراحلة، وحديث عائشة في قصة الوليدة صاحبة الوشاح، وحديث أبي هريرة "رأيت سبعين من أصحاب الصّفَّة" وحديث ابن عمر "كان المسجد مبنيًا باللَّبنِ" وحديث ابن عباس في قصة عمّار في بناء المسجد، وحديثه في الخطبة في خوخة أبي بكر، وحديث عمر في رفع الصوت في المسجد، وحديث ابن عمر في المساجد التي على طرق المدينة، وهو مشتمل على عشرة أحاديث، وحديث عائشة "لم أعقل أَبويّ إلا وهما يَدِينان الدِّين".
وفيها من المعلقات ثمانية عشر حديثًا، كلها مكررة إلا حديث أنس في قصة العباس ومال البحرين، وهو من أفراده أيضًا عن مسلم، فجملة ما فيها من الأحاديث بالمكرر مئة وأربعة أحاديث، وفيها من الآثار ثلاثة وعشرون، كلها معلقات إلا أثر مساجد ابن عباس، وأثر عمر وعثمان أنهما كانا يستقبلان في المسجد، وأثرهما أنهما زادا في المسجد، فإن هذه موصولة، والله أعلم. ثم قال المصنف:
стр. 3442
كتاب مواقيت الصلاة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كذا للمستملي بعده البسملة، ولرفيقيه: الكشميهنيّ والحمويّ البسملة مقدَّمة وبعدها باب مواقيت الصلاة وفضلها . وكذا لكريمة لكن بلا بسملة، وكذا للأصيلي لكن بلا باب، وقد جرى رسمهم أن يذكروا الأبواب بعد الكتاب، فإنه يشمل الأبواب والفصول، والمواقيت جمع ميقات، وهو مِفعال من الوقت، وهو القدر المحدود للفعل من الزمان أو المكان.
ثم قال: وقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وقته عليهم، كذا في أكثر الروايات، وسقط في بعضها لفظ "موقتًا" واستشكل ابن التين بتشديد القاف من وقّته، وقال: المعروف في اللغة التخفيف. وقال العيني: "إن التشديد موجود ذكره في المحكم، وفسر موقوتًا بقوله: وقته عليهم، أي: وقَّت الله تعالى الكتاب، أي: المكتوب الذي هو الصلاة عليهم، أي: على المسلمين". وأراد المصنف بقوله: موقتًا، بيان أن قوله موقوتًا من التوقيت، فقد جاء عن مجاهد في معنى قوله موقوتًا، قال: مفروضًا، وعن غيره: محدودًا. وقال "صاحب المنتهى": كل شيء جُعل له حين وغاية فهو موُقّت، يقال: وقّتَه ليوم كذا: أجّله.
стр. 3443
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلاَةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُ. فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلاَةِ. قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِى مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.
هذا الحديث أول شيء في "الموطأ"، وقوله: "أخر الصلاة يومًا"، للمصنف في "بدء الخلق" عن الليث: أخر العصر شيئًا. قال ابن عبد البر: ظاهر سياقه أنه فعل ذلك يومًا، لا أن ذلك كان عادة له، وإن كان أهل بيته معروفين بذلك، وفي رواية عبد الرزاق: "أخر الصلاة مرة" يعني العصر، وللطبراني أن عروة حدث عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ أمير المدينة في زمان عبد الملك، وكان ذلك زمان تؤخِّر فيه بنو أمية الصلاة.
قال ابن عبد البر: المراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس، ويؤيده رواية الليث السابقة، وأما ما رواه الطبرانيّ عن ابن شهاب في هذا الحديث، قال: دعا المؤذن لصلاة العصر فأمسى
стр. 3444
عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها، فمحمول على أنه قارب المساء، لا أنه دخل فيه. وقد رجع عمر بن عبد العزيز عن ذلك، فيما رواه الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز في خلافته كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة، والعصر في الساعة العاشرة حن تدخل. وقوله: أخر الصلاة يومًا، في رواية عبد الرزاق أن الصلاة المذكورة العصر أيضًا، ولفظه: "أمسى المغيرة بن شعبة بصلاة العصر".
وقوله: "وهو بالعراق"، في "الموطأ" وغيره: "وهو بالكوفة"، والكوفة من جملة العراق، فالتعبير بها أخص من التعبير بالعراق. وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان. وقوله: "ما هذا"، أي: التأخير. وقوله: "أليس كذا؟ " في الرواية، وهو استعمال صحيح، لكن الأكثر في مخاطبة الحاضر: ألست، وفي مخاطبة الغائب: أليس. وقوله: "قد علمت"، قال عياض: يدل ظاهره على علم المغيرة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظن من أبي مسعود، لعلمه بصحبة المغيرة، ويؤيد الأول رواية الزُّهريِّ عند المصنف في غزوة بدر: لقد علمت بغير أداة استفهام، وقوله: "إن جبريل نزل"، بيَّن ابن إسحاق في "المغازي" أن ذلك كان في صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء، فقد روى ابن إسحاق وعبد الرزاق، عن نافع بن جبير وغيره: لما أصبح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من الليلة التي أُسري به، لم يرعه إلا جبريلِ، نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت، أي: صلاة الظهر الأولى، فأمرَ فصِيح بأصحابه: الصلاةُ جامعة، فاجتمعوا، فصلى به جبريل، وصلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالناس، فذكر الحديث.
وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، ووقع بعدها ببيان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقوله: "نزل فصلى"، فصلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال عياض: ظاهره أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل، لكن المنصوص في غيره أن جبريل أَمَّ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فيحمل قوله صلى فصلى،
стр. 3445
على أن جبريل كان كلما فعل جزءًا من الصلاة تابعه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بفعله، وبهذا جزم النووي. وقال: غيره: الفاء بمعنى الواو، واعترض بأنه يلزم أن يكون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتقدم في بعض الأركان على جبريل، على ما يقتضيه مطلق الجمع، وأجيب بمراعاة الحيثية، وهي التبيين، فكان لأجل ذلك يتراخى عنه، وقيل: الفاء للسببية، كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، وفي رواية الليث عند المصنف: "نزل جبريل فأَمَّني، فصليت معه"، وفي رواية عبد الرزاق: "نزل فصلى، فصلى رسول الله ﷺ ، فصلى الناس معه"، وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة، وإنما دعاهم إلى الصلاة بقوله: "الصلاة جامعة"، كما مرَّ، لأن الأذان لم يكن شُرع حينئذ.
واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره، ويجاب عنه بما يجاب به عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغًا فقط، كما يأتي تقريره في أبواب الإِمامة. واستدل به أيضًا على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل، من جهة أن الملائكة ليسوا بمكلفين بمثل ما كلف به الإنس. قاله ابن العربيّ وغيره.
وأجاب عنه عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة كانت واجبة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حينئذ، وتعقبه بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة، وأجاب باحتمال أن الوجوب عليه كان معلقًا على البيان، فلم يتحقق الوجوب إلا بعد تلك الصلاة. قال: وأيضًا لا نُسَلِّم أن جبريل كان متنفلًا، بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه؛ لأنه مكلف بتبليغها، فهي صلاة مفترض خلف مفترِض. وقال ابن المنير: قد يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بفرض، خلف مفترض بفرض آخر، قال في "الفتح": وهو مسلم له في صورة المؤداة مثلًا خلف المقضية، لا في صورة الظهر خلف العصر. قلت: مذهب مالك يشترط في صحة الاقتداء المساواة في عين الصلاة، فلا يصح ظهر خلف المصلي للعصر، وفي الصفة، فلا يصح الأداء خلف القضاء ولا العكس، وفي
стр. 3446
الزمان، فلا يصح ظهر يوم بعد ظهر يوم آخر، وليس في الحديث ما يرد على مذهبهم.
وقوله: "بهذا أمرت"، أي: بفتح المثناة على المشهور، والمعنى: هذا الذي أمرت به أن تصليه كل يوم وليلة، وروي بالضم، أي: هذا الذي أمرت بتبليغه لك، وعلى كلا الأمرين، فالضمير المرفوع عائد إلى جبريل ﵇، ولا يقال: إن الحديث ليس فيه بيان لأوقات هذه الصلوات، لأنه إحالة على ما يعرف المخاطب الذي هو عمر بن عبد العزيز من تفاصيل الأوقات. وفيه بُعد، لإنكار عمر على عروة، حيث قال لهُ: اعلمْ ما تحدث به يا عروة. ولكن ظاهر هذا الإنكارأنه لم يكن عنده علم من إمامة جبريل، ولا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها، أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات من جهة العمل المستمر، لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل، فلهذا استثبت فيه وكأنه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد، وكذا يحمل عمل المغيرة وغيره من الصحابة.
وقوله: "اعلم ما تحدث به"، بصيغة الأمر، وسقط لفظ به لغير أبي ذَرٍّ. وقوله: "أَوَ أنَّ جبريل" بفتح همزة الاستفهام والواو العاطفة، وبكسر همزة إن على الأشهر، وبفتحها على تقدير أو علمت بأن جبريل ﵇. وقوله: "وقوت الصلاة" كذا للمستملي بصيغة الجمع، وللباقين وقت الصلاة بالإفراد، وهو للجنس. وقوله: "كذلك كان بشير"، قال ابن عبد البر: هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء؛ لأن ابن شهاب لم يقل: حضرت مراجعة عروة لعمر، وعروة لم يقل: حدثني بشير، لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة، لا بالصيغ.
وقال الكرمانيُّ: اعلمْ أن الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد، إذ لم يقل أبو مسعود: شاهدت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والحق أن هذا لا يسمى منقطعًا اصطلاحًا، وإنما هو مرسل صحابي، لأنه لم يدرك القصة، فاحتمل أن يكون
стр. 3447
سمع ذلك من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أو بلّغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه كصحابي آخر. على أن رواية الليث عند المصنف تزيل الإشكال كله، ولفظه: "فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعود يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم يقول ... " فذكر الحديث.
وفي رواية عبد الرزاق، عن ابن شهاب، قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز، فذكره، وفي رواية شعيب عنه: سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز الحديث، فهذا يرد ما قيل من أن الحديث ليس فيه التصريح بسماع ابن شهاب له من عروة، وأن ابن شهاب قد جرب عليه التدليس، ولم يبين في شيء من الروايات جواب المغيرة لأبي مسعود، والظاهر أنه رجع إليه، ويدل على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط، حتى حدثه عروة بالحديث المذكور، ما رواه عبد الرزاق عن الزهري في هذه القصة قال: فلم يزل عمر يعلِّم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا. وما رواه أبو الشيخ عنه، قال: ما زال عمر بن عبد العزيز يتعلم مواقيت الصلاة حتى مات. وما رواه ابن إسحاق عنه، قال: فما أخّرها حتى مات.
وقد ورد في هذه القصة من وجه آخر عن الزُّهريِّ بيان أبي مسعود للأوقات، وفي ذلك ما يرفع الإشكال، ويوضح احتجاج عروة به، فقد روى أبو داود وصححه ابن خزيمة، ورواه الطبرانيّ عن أسامة بن زيد، عن الزُّهريِّ هذا الحديث بإسناده، وزاد في آخره: قال أبو مسعود: "فرأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي الظهر حين تزول الشمس ... " فذكر الحديث. وروى الباغنديّ في مسند عمر بن عبد العزيز أن البيان من فعل جبريل، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" عن أبي بكر بن حزم، أنه بلغه عن أبي مسعود، فذكره منقطعًا، لكن رواه الطبراني عن أبي بكر، عن عروة، فرجع الحديث إلى عروة، ووضح أن له أصلًا، وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارًا، وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفي الزيادة، فلا توصف، والحالة هذه، بالشذوذ.
وفي الحديث من الفوائد: دخول العلماء على الأمراء، وإنكارهم عليهم
стр. 3448
ما يخالف السنة، واستثبات العالم فيما يستغربه السامع، والرجوع عند التنازع إلى السنة، وفيه فضيلة عمر بن عبد العزيز، وفضيلة المبادرة بالصلاة في الوقت الفاضل، وقبول خبر الواحد المثبت، واستدل به ابن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل دون المنقطع، لأن عروة أجاب عن استفهام عمر له، لما أرسل الحديث بذكر من حدثه به، فرجع إليه، فكأنَّ عمر قال له: تأمل ما تقول، فلعله بلغك من غير ثبت، فكأنّ عروة قال له: بل قد سمعته ممن سمع صاحب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والصاحب له قد سمعه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
واستدل به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة، كصنيع عروة حين احتج على عمر، قال: وإنما راجعه عمر لتثبته فيه، لا لكونه لم يرض به مرسلًا، كذا قال. وظاهر السياق يشهد لما قاله ابن بطال. وقال ابن بطال أيضًا: في هذا الحديث دليل على ضعف الحديث الوارد في أن جبريل أَمّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في يومين لوقتين مختلفين، لكل صلاة، قال: لأنه لو كان صحيحًا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجًا بصلاة جبريل، مع أن جبريل قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت، وقال: الوقت ما بين هذين.
والحديث المشار إليه هو ما رواه أبو داود والتِّرمِذيّ وغيرهما من أصحاب السنن، والحاكم في "المستدرك"، وقال: هو حديث صحيح. وقال الترمذيّ: حديث حسن، واللفظ للترمذيّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "أمَّنِي جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في المرة الأُولى حين كان الفيء قَدْر الشِّراك، ثم صلى العصر حين كان كل شيء مثل ظله، ثم صلى المغرب حين وَجَبَت الشمس، وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم، وصلَّى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كشيء مثليه، ثم صلى المغرب
стр. 3449
لوقته الأول، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض، ثم التفت إليّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين".
وأجيب عما قال ابن بطال باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار، وهو مصير ظل الشيء مثليه، لا عن وقت الجواز، وهو مغيب الشمس، فيتجه إنكار عروة، ولا يلزم منه ضعف الحديث، أو يكون عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو الصلاة في أول الوقت، ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما كانت لبيان الجواز، فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضًا.
قلت: الحديث لا يصح أن يوسف بالضعف مع ما قدمناه فيه، وإنما تكلم فيه بأن في إسناده عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة مختلف فيه، وقد توبع، كما أخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس، وقال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة، وصححه ابن العربيّ، وابن عبد البر، وحديث بُريدة عند مسلم قريب منه، إلا أن بينهما اختلافًا في ألفاظ، ويؤيد الاحتمال الأخير ما رواه سعيد بن منصور عن طَلْق بن حبيب مرسلًا: "إن الرجل ليصلِّي الصلاة وما فاته خير له من أهله وماله"، ورواه عن ابن عمر من قوله، ويؤيد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة في كونه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حُجرتها، وهي الصلاة التي وقع الإنكار بسببها، وبذلك تظهر مناسبة ذكره لحديث عائشة بعد حديث أبي مسعود، لأن حديث عائشة يشعر بمواظبته على صلاة العصر في أول الوقت، وحديث أبي مسعود يشعر بأن أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل.
وقوله: "قال عروة: ولقد حدثتني عائشة"، هذا من مقول ابن شهاب، وليس بتعليق، فقد ذكره مسندًا عن ابن شهاب، عن عروة في باب "وقت العصر". وقوله: "والشمس في حُجرتها" بضم الحاء، أي: بيتها، وقد سميت بذلك لمنعها الداخل من الوصول إليها، وتجمع حُجَر، كغرفة وغُرَف، وعلى
стр. 3450
حُجُرات. وقوله: "أن تظهر"، أي: ترتفع، وفي الرواية الآتية في باب وقت العصر: "والفيء لم يظهرْ بعدُ"، أي: في الموضع الذي كانت الشمس فيه، وهذا الظهور غير ذلك الظهور، ومُحَصِّلُه أن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة، وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف، لأن انبساط الفيء لا يكون إلا بعد خروج الشمس. ويأتي تحرير الكلام على هذا الحديث في باب وقت العصر.
رجاله تسعة:
الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرَّ في الثاني عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي، وكذلك عائشة، ومرّ عروة بن الزبير في الثاني من بدء الوحي، ومرّ المغيرة بن شعبة في آخر كتاب الإيمان في الحادي والخمسين منه، ومرّ أبو مسعود الأنصاريّ في الثامن والأربعين منه.
والتاسع: بَشير، بفتح الباء، ابن أبي مسعود، وعقبة بن عمرو الأنصاريّ المدنيّ، قيل: إن له صحبة. قال العجلي: مدنيّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حِبّان والبخاريّ ومسلم وأبو حاتم الرازيّ في ثقات التابعين، وذكر ابن مَنْدَه أنه من الصحابة، وذكر مغُلَطاي أنه ولد في حياة النبي ﷺ أو بعد وفاته بيسير، روى عن أبيه، وروى عنه ابنه عبد الرحمن وعروة بن الزبير وهلال بن جبر وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار بصيغة الإِفراد من الماضي، والقراءة على الشيخ، والعنعنة في موضع، ورواته كلهم مدنيون. وتكلم ابن عبد البر في اتصال سنده. أخرجه البخاريّ هنا، وفي بدء الخلق والمغازي، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب قول الله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
стр. 3451
هكذا في رواية غير أبي ذَرٍّ بإضافة "باب" إلى قول الله تعالى، ولأبي ذَرٍّ "بابٌ منيبين إليه" بالتنوين، والمنيب التائب، من الإنابة، وهي الرجوع مرة بعد أخرى. وقيل: منقطعين، وهذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة، لما يقتضيه مفهومها. وأجيب بأن المراد أن ترك الصلاة من أفعال المشركين، فورد النهي عن التشبه بهم، لا أنَّ من وافقهم في الترك صار مشركًا، وقد تكلمنا على هذا المعنى في كتاب الإيمان عند حديث ابن عمر، وهي من أعظم ما ورد في القرآن من فضل الصلاة، ومناسبتها لحديث وفد عبد القيس أن في الآية اقتران نفي الشرك بإقامة الصلاة، وفي الحديث اقتران إثبات التوحيد بإقامتها. وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، أي: بل كونوا من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه.
стр. 3452
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ -هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ-، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَيْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. فَقَالَ: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ".
قوله: "هو ابن عباد"، سقطت الواو لغير أبي ذَرٍّ، ولأبي ذَرٍّ، "وهو" بالواو، وقوله: "نأخذه عنك"، بالرفع على الاستئنافِ، وقيل: بالجزم جوابًا للأمر، وندعو معطوف عليه على كلا الاحتمالين. وقوله: "مَنْ وَراءَنا"، مفعول به لندعو، وقد ذكر رمضان في الرواية السابقة في باب "أداء الخُمس من الإيمان" ولم يذكره هنا، مع أنه فرض في السنة الثانية من الهجرة، ووفادة هؤلاء كانت عام الفتح، فقيل: هو إغفال من الرواة، لا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قاله في موضع، ولم يقله في آخر. وقد مرّت مباحث هذا الحديث مستوفاة غاية الاستيفاء في باب "أداء الخُمس من الإيمان" في آخر كتاب الإيمان عند ذكره هناك.
رجاله أربعة:
الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من الإيمان.
الثاني: عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزْدِيّ العَتَكِيّ
стр. 3453
أبو معاوية البصريّ، وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه. قال أحمد: ليس به بأسٌ، وكان رجلًا عاقلًا أديبًا. وقال ابنُ مَعين: عباد بن عباد بن العوّام جميعًا ثقة، وعباد بن عباد أوثقهما، وكثرهما حديثًا. وقال يعقوب بن شيبة، وأبو داود، والنَّسائيّ، وابن خِراش: ثقة، ووثّقه العجليّ والعقيليّ وأبو أحمد المروزيّ وابن قتيبة. وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به. قيل له: يُحتج بحديثه؟ قال: لا. وقال قتيبة: ما رأيت مثل هؤلاء الفقهاء الأشراف: مالكاً والليث وعبد الوهاب الثقفيّ وعباد بن عباد، كنا نرضى أن نرجع من عند عباد كل يوم بحديثين.
وقال ابن سعد: كان ثقة، وربما غلط. وقال في موضع آخر: كان معروفًا بالطلب، حسن الهيئة، ولم يكن بالقويّ، وكان ثقة، غير أنه كان يغلط أحيانًا. وذكره ابن حِبّان في الثقات. وأورد ابن الجَوزيّ في الموضوعات حديثَ أنس: "إذا بلغ العبد أربعين سنة" من طريق عباد، فنسبه إلى الوضع، وأفحش القول فيه، فوهم وَهْمًا شنيعًا، فإنه التبس عليه براوٍ آخر. قال في "تهذيب التهذيب": وقد تعقبت كلامه في الخصال المكفرة، قال في المقدمة: ليس له في البخاريّ سوى حديثين، أحدهما في الصلاة عن أبي جَمرة، عن ابن عباس، حديث وقد عبد القيس بمتابعة شُعبة وغيره. والثاني في الاعتصام عن عاصم الأحول بمتابعة إسماعيل بن زكريا، واحتج به الباقون.
روى عن عاصم الأحول، وأبي جمرة نصر بن عمران، وهشام بن عروة، وعبد الله وعُبيد الله ابنَيْ عمر بن حفص وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعين، ويحيى بن يحيى، وعبد الله بن عون وغيرهم. مات سنة ثمانين ومئة. وقيل قبل حماد بن زيد بستة أشهر. وفي الستة عباد بن عباد سواه اثنان: المازنيّ البصريّ، والرمليّ الأرسوفيّ.
والثالث: أبو جمرة، وقد مرَّ في السادس والأربعين من كتاب العلم، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والقول. وفيه من وافق اسمه اسم أبيه، وهو
стр. 3454
من رباعيات البخاريّ، ورواته ما بين بَغْلاني وبصري، وقد مرَّ محلّ إخراجه. ثم قال المصنف:
باب البيعة على إقام الصلاة
وفي رواية كريمة: "إقامة الصلاة"، والمراد بالبيعة: المبايعة على الإسلام، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة، لأنها رأس العبادات البدنية، ثم أداء الزكاة، لأنها رأس العبادات المالية، ثم يعلِّم كل قوم ما حاجتهم إليه أَمَسُّ، فبايع جريراً على النصيحة، لأنه كان سيد قومه، فأرشده إلى تعليمهم بأمره بالنصيحة لهم، وبايع وفد عبد القيس على أداء الخُمس، لأنهم كانوا أهل مُحاربة مع من يليهم من كفار مُضَرَ.
стр. 3455
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
هذا الحديث قد مرَّ آخر كتاب الإيمان في باب "الدين النصيحة"، واستوفى الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن المثنى، وقد مرَّ في التاسع من كتاب الإيمان، ومرّ يحيى القطّان في السادس منه، ومرّ إسماعيل بن أبي خالد في الثالث منه، ومرّ قيس بن أبي حازم وجرير بن عبد الله في الخمسين من الإيمان.
ثم قال المصنف:
باب الصلاة كفّارَةٌ
كذا للأكثر، وللمستملي: باب تكفير الصلاة. والكفارة عبارة عن الفعلة والخصلة التي من شأنها أن تكفّر الخطيئة، أي: تسترها وتمحوها، وهي على وزن فَعّالة بالتشديد، للمبالغة، كضرّابة، وهي من الإسماء الغالبة في باب الاسمية، واشتقاقها من الكَفْر بالفتح، وهو تغطية الشيء بالاستهلاك، والتكفير مصدر من كفّر بالتشديد.
стр. 3456
الحديث الرابع
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ رضى الله عنه، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْفِتْنَةِ؟ قُلْتُ: أَنَا، كَمَا قَالَهُ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ. قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ. قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ الَّتِى تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْنَا: كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ. قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: الْبَابُ عُمَرُ.
قوله: "كنا جلوسًا"، أي: جالسين. وقوله: "فقال: أيكم يحفظ"، المخاطب بذلك الصحابة، ففي رواية ربعي عن حذيفة عند مسلم وأحمد أنه قدم من عند عمر، فقال: سأل عمر أمس أصحابَ محمدٍ: أيكم سمع قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الفتنة؟. وقوله: "في الفتنة" فيه دليل على جواز إطلاق اللفظ العام، وإرادة الخامس، إذ تبين أنه لم يسأل إلا عن فتنة مخصوصة، ومعنى الفتنة في الأصل الاختبار والامتحان، ثم استعملت في كل أمر يكشفه الامتحان عن سوء، وتطلق على الكُفْر، والغلو في التأويل البعيد، وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال، والتحول من الحسن إلى القبيح، والميل إلى الشيء، والإعجاب به. وتكون في الخير والشر، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾.
стр. 3457
وقوله: "قلت أنا كما قاله"، أي: أنا أحفظ ما قاله، والكاف زائدة للتأكيد، أو هي بمعنى "على"، ويحتمل أن يراد بها المثلية، أي: أقول مثل ما قاله. وفي رواية رِبعي المارَّة، قال: أنا أحفظُ كما قال. وفي رواية المصنف في الزكاة: "أنا أحفظه كما قاله". وقوله: "إنك عليه أو عليها لجريء"، أي: على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أو على المقالة، والشك من أحد الرواة فاللام في: لَجَريء، لام التأكيد، وهو على وزن فعيل من الجَراءة، وهي الإقدام على الشيء.
وقوله: "فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره"، المراد بالفتنة: ما يعرض للإنسان مع من ذكر من البشر أو الالتهاء بهم، أو أن يأتي لأجلهم بما لا يحل له، أو يخلّ بما يجب عليه، وقال الزين بن المنير: فتنة الرجل في أهله تقع بالميل اليهن، أو عليهن في القسمة، والإيثار حتى في أولادهن، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهن، أو يريد ما يعرض له معهن من شرٍّ أو حزن أو شبهه. وفتنة الرجل في المال أن يأخذه من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفه، أو التفريط بما يلزمه من حقوق المال، فتكثر عليه المحاسبة، أو يقع الاشتغال به عن العبادة، وبالأولاد تقع بفرط محبتهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التوغل في الاكتساب من أجلهم من غير اكتراث من أن يكون من حلال أو حرام، والفتنة بالجار تقع بالحسد والمفاخرة، والمزاحمة في الحقوق، وإهمال التعاهد، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ﴾، وليست أسباب الفتن بمن ذكر منحصرة فيما ذكر من الأمثلة.
وقوله: "تكفرها الصلاة والصوم والصدقة ... إلخ"، أي: تكفر فتنة الرجل في أهله، وما ذكر معه أداء الصلاة وما ذكر معها، قال بعض الشراح: يحتمل أن تكون كل واحدة من الصلاة وما معها مكفرة للمذكورات كلها، وأن يكون من باب اللف والنشر، بأن الصلاة مثلًا مكفرة
стр. 3458
للفتنة في الأهل، والصوم في الولد، وتخصيص الصلاة وما ذكر معها بالتكفير دون سائر العبادات، فيه إشارة إلى تعظيم قدرها، لا نفي أن غيرها من الحسنات ليس فيها صلاحية التكفير، ثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفس الحسنات المذكورة، ويحتمل أن يقع بالموازنة، والأول أظهر.
وقال ابن أبي جمرة: خص الرجل بالذكر، لأنه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله، وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم، ثم أشار إلى أن التكفير لا يختص بالأربع المذكورات، بل نبه بها على ما عداها، والضابط أن كل ما يشغل صاحبه عن الله فهو فتنة له، وكذلك المكفرات لا تختص بما ذكر، وإنما حصل التعيين لهذه الخمس، لأن الحقوق في الأبدان والأموال والأقوال، فنبه بالمذكورات على ما عداها، فذكر من أفعال الأبدان أعلاها وهو الصلاة والصوم. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، وذكر من حقوق المال أعلاها، وهي الصدقة، ومن الأقوال أعلاها، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستشكل ابن أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في الحرمات، والإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تسقط ذلك، فإن حمل على الوقوع في المكروه والإخلال بالمستحب لم يناسب إطلاق التكفير، والجواب التزام الأول، وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان كبيرة، فهي التي فيها النزاع، وأما الصغائر، فلا نزاع أنها تكفِّر، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
وقوله: "الأمر والنهي"، أي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما صرح به في الزكاة. وقوله: "ولكن الفتنة"، بالنصب بتقدير أريد، وبالرفع بتقدير مرادي الفتنة. وقوله: "تموج كموج البحر"، أي: تضطرب اضطراب البحر عند هيجانه، وكنى بذلك عن شدة المخاصمة، وكثرة المنازعة، وما ينشأ عن ذلك من المشاتمة والمقاتلة.
стр. 3459
وقوله: "ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين"، زاد في رواية ربعي: "تعرض الفتن على القلوب فأيّ قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى يصير أبيض مثل الصفاة، لا تضره فتنة، وأي قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداءَ، حتى يصير أسود كالكُوز منكوسًا لا يعرف معروفًا، ولا يُنكر منكرًا". وقوله: "إن بينك وبينها بابًا مغلقًا"، أي: لا يخرج منها شيء في حياتك. قال ابن المنير: آثر حذيفة الحرص على حفظ السر، ولم يصرح لعمر بما سأل عنه، وإنما كنى عنه كناية، وكأنَّه كان مأذونًا له في مثل ذلك.
وقال النووي: يحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل، لكنه كره أن يخاطبه بالقتل؛ لأن عمر كان يعلم أنه الباب، فأتى بعبارة يحصل بها المقصود بغير تصريح بالقتل، ولكن في لفظ رواية ربعيّ ما يعكر على ذلك، ففيها: "وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت"، فكأنه مثَّل الفتن بدار، ومثَّل حياة عمر بباب لها مغلق، ومثَّل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت حياة عمر موجودة فهي الباب المغلق، لا يخرج مما هو داخل تلك الدار شيء، فإذا مات فقد انفتح ذلك الباب، فخرج ما في تلك الدار.
وقوله: "مغلقًا"، من أغلق الرباعيّ، ويقال: غلّق، بتشديد اللام، وفي لغة رديئة: غَلَقَ بالتخفيف. وقوله: "قال: إذًا لا يُغلق أبدًا"، وفي رواية علامات النبوة، قال: "ذلك أحرى أن لا يغلق"، وفي الصيام: "ذلك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة"، وإذًا حرف ناصب، ولا يغلق منصوب به، لوجود ما اشترط في عملها، وهو التصدير، وكون الفعل مستقبلًا واتصاله بها. وانفصاله عنها بالقسم أو بلا النافية، لا يبطل عملها. وفي كتابتها بالنون خلاف، وللكشميهنيّ: لا يغلق بالرفع، بتقدير الباب لا يغلق، أو: هو لا يغلق. قال ابن بطال: إنما قال ذلك لأن العادة أن الغلق إنما يقع في الصحيح، فاما إذا انكسر فلا يتصور غلقه حتى يجبر، ويحتمل أن يكون كنى عن الموت بالفتح، وعن القتل بالكسر، ولهذا قال في رواية رِبعيّ: قال عمر: كسرًا لا أبا لك، وإنما قال عمر ذلك اعتمادًا على ما عنده من النصوص الصريحة في وقوع الفتن في هذه الأمة،
стр. 3460
ووقوع البأس بينهم إلى يوم القيامة، ويأتي في الاعتصام حديث جابر في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ الآية.
وقد وافق حذيفة على روايته هذه أبو ذَرٍّ، فروى الطبرانيّ بإسنادٍ رجاله ثقات أنه لقي عمر، فأخذ بيده فغمزها، فقال له أبو ذرٍّ: أرسل يدي يا قُفْل الفتنة ... الحديث، وفيه أن أبا ذَرٍّ، قال: لا تصيبنَّكم فتنة ما دام فيكم، وأشار إلى عمر، وروى البزار عن قُدامة بن مظعون، عن أخيه عثمان أنه قال لعمر: يا غَلَق الفتنة. فسأله عن ذلك، فقال: مررت ونحن جلوس عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: "هذا غَلَق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغَلَق ما عاش". وقوله: "قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ " هذا مقول شقيق. وقوله: "كما أن دون الغد الليلة"، أي: أن علمه به كعلمه بان ليلة غد أقرب إلى اليوم من الغد.
وقوله: إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، هذا بقية كلام حذيفة، والأغاليط جمع أُغلوطة بضم الهمزة، وهو ما يغالط به، أي: حدثته حديثًا صدقه محققًا من حديث النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، لا عن اجتهاد ولا رأي. وقال ابن بطال: إنما علم عمر أنه الباب، لأنه كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على حراء وأحد، هو وأبو بكر وعثمان، فرجف الجبل، فقال: أثبت فإنما عليك نبي وصدِّيق وشهيدان. أو فهم ذلك من قول حُذيفة: "بل يكسر" والذي يظهر أن عمر علم الباب بالنص، كما مرَّ عن عثمان بن مظعون وأبي ذَرٍّ، فلعل حذيفة حضر ذلك، ويأتي إن شاء الله تعالى في بدء الخلق حديث "أنه سمع خطبة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يحدث عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم"، ويأتي في علامات النبوة عن حذيفة "أنه قال: أنا أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة"، وفيه أنه سمع ذلك معه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جماعة ماتوا قبله، فإن قيل: إذا كان عمر عارفًا بذلك فَلِمَ شكَّ فيه حتى سأل عنه؟ فالجواب أن ذلك يقع مثله من شدة الخوف، أو لعله خشي أن يكون قد نسي، فسأل من يذكِّره، وهذا هو المعتمد.
стр. 3461
وقوله: "فهِبنا" بكسر الهاء، أي: خفنا، وهذا مقول شقيق أيضًا، وهذا يدل على حسن تأدبهم مع كبارهم. وقوله: "فقال الباب عمر"، هذا لا يغاير قوله قبل هذا "إنّ بينه وبين الفتنة بابًا" فلا يقال: كيف يفسر الباب بعد ذلك بأنه عمر؟ لأنا نقول إن المراد بقوله: "بينك وبينها"، أي: بين زمانك وزمان الفتنة وجودُ حياتك، أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنك، إذ الروح غير البدن، أو بين الإِسلام والفتنة.
رجاله خمسة:
الأول: مسدد.
والثاني: يحيى القطان، وقد مرّا في السادس من الإيمان، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين منه، ومرّ أبو وائل شقيق بن سلمة في الحادي والأربعين منه، ومرّ عمر بن الخطاب في الأول من بدء الوحي، ومرّ حُذيفة بن اليمان في تعليق الثاني من كتاب العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضعين، والعنعنة في موضع واحد، وفيه بصريان: مسدد ويحيى، وكوفيان: الأعمش وشقيق. أخرجه البخاريّ هنا، وفي الزكاة، وعلامات النبوة، والصوم، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه في الفتن.
стр. 3462
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِيْ هَذَا؟ قَالَ: "لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ".
قوله: "إن رجلًا أصاب من امرأة قُبلة"، وعند مسلم والإسماعيليّ: فذكر أنه أصاب من امرأة قبلة، أو مسًّا بيدٍ، أو شيئًا كأنه يسأل عن كفارة ذلك، وعند عبد الرزاق: ضرب رجل على كَفَل امرأة، الحديث، وعند مسلم وأصحاب السنن، عن ابن مسعود: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء، كير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها، فافعل بي ما شئت.
وقد اختلف في اسم هذا الرجل اختلافًا كثيرًا، والأصح أن اسمه كعب بن عمرو، وهو أبو اليَسَر، بفتح التحتانية والمهملة، الأنصاريّ، فقد أخرج الترمذيّ والنسائيّ والبزار عنه أنه أتته امرأة، وزوجها قد بعثه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بَعْثٍ، فقالت له: بعني تمرًا بدراهم، قال: فقلت لها، وأعجبتني: إن في البيت تمرًا أطيب من هذا، فانطلق بها معه، فغمزها وقبّلها، ثم فرغ فخرج، فلقي أبا بكر فأخبره، فقال: تُبْ ولا تَعُدْ، فلقيت عمرَ فذكرتُ له ذلك، فقال: استر على نفسك، وتُبْ ولا تُخبر أحدًا، فلم أصبر، فأتيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فذكرت له ذلك، فقال: "أخَلَفْتَ غازيًا في سبيل الله في أهله؟ " حتَّى تمنَّى أنه لم يكن أسلم إلى تلك الساعة، حتى ظن أنه من
стр. 3463
أهل النار، فأطرق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم طويلًا، حتى أُوحِي إليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ...﴾ الآية.
وفي روايته أنه صلَّى مع النبيّ، صلى الله تعالى عليه وسلم العَصْرَ. وقيل: هو فلان بن مُعَتِّب. وقيل: معتب، فقد أخرج الطبري، عن إبراهيم النخعيّ، قال: جاء فلان بن معتب الأنصاريّ، فقال: يا رسول الله، دخلت على امرأة، فنلتُ منها ما ينال الرجل من أهله، إلا أني لم أجامعها .... الحديث. وأخرجه ابن أبي خَيْثمة، لكنه قال: إن رجلًا من الأنصار يقال له معتب، وفي رواية ابن مردويه عن أبي بُريدةَ، عن أبيه: "جاءت امرأة من الأنصار إلى رجل يبيع التمر بالمدينة، وكانت حسناء جميلة، فلما نظر إليها أعجبته، فذكر نحو حديث أبي اليَسَر، ولم يسم الرجل، ولا المرأة ولا زوجها.
وقيل: اسمه نَبهان التَّمَّار، فقد أخرج الثعلبيّ وغيره أنّ نبهان التمَّار أتته امرأة حسناء تبتاع تمرًا منه، فضرب على عجيزتها، ثم ندم، فأتى النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: "إياك أن تكونَ امرأةَ غازٍ في سبيلٍ الله"، فذهب يبكي ويصوم ويقوم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ...﴾ الآية، فأخبره فحمد الله، وقال: يا رسول الله، هذه توبتي قُبِلَتْ، فكيف لي بأن يتقبل شكري؟ فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾، وهذا إن ثبت حمل على واقعة أخرى، لما بين السياقين من المغايرة.
وقيل: اسمه عمرو بن غَزِيَّة، فقد أخرج ابن مَنْدَه من طريق الكلبي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾، قال: نزلت في عمرو بن غَزِيَّة، وكان يبيع التمر، فأتته امرأة تبتاع تمرًا، فأعجبته .... الحديث. والكلبيّ ضعيف، فإنْ ثَبَتَ حُمِل أيضًا على التعدد.
وقيل: هو أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاريّ، ذكر ذلك مقاتل بن سليمان في تفسيره.
وقيل: هو عبّاد، اسم جد أبي اليَسَر، حكى ذلك القرطبيُّ، ولم يعزه،
стр. 3464
فلعله نسب أبا اليَسَر، ثم سقط شيء. وأما ما أخرجه أحمد وعبد بن حميد وغيرهما عن أبي أمامة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: إني أصبت حدًّا، فأقمه عليّ، فسكت عنه ثلاثًا، فأقيمت الصلاة، فدعا الرجل، فقال: "أرأيت حين خرجت من بيتك، ألست قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ " قال: بلى، قال: "ثم شهدت الصلاة معنا؟ " قال: نعم، قال: "فإن الله قد غفر لك"، وتلا هذه الآية، فهي قصة أخرى، ظاهر سياقها أنها متأخرة عن نزول الآية، ولعل الرجل ظن أن كل خطيئة فيها حدٌّ، فأطلق على ما فعل حدًّا.
وقوله: "فأتى النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبره" في رواية عبد الرزاق أنه أتى أبا بكر وعمر، وقال فيها كل من سأله عن كفارة ذلك، قال: أمُعْزِبة هي؟ قال: نعم. قال: لا أدري. حتى أنزل قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية، واختلف في المراد بطرفي النهار، فقيل: الصبح والمغرب، وقيل: الصبح والعصر، وعن مالك وابن حبيب: الصبح طرف، والظهر والعصر طرف. وقوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، أي: ساعات بعد ساعات، ومنه سميت المزدلفة، الزُّلَف منزلة بعد منزلة، وأما الزُّلفى، فمصدر، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: ساعات، واحدتها زُلْفة، أي: ساعة، ومنزلة وقربة. واختلف في المراد بالزلف، فعن مالك: المغرب والعشاء، واستنبط منه بعض الحنفية وجوب الوِتر، لأن زُلَفًا جمع أقلُّه ثلاثة، فيضاف إلى المغرب والعشاء الوِتر.
وقوله: "فقال الرجل: يا رسول الله، أَلِيْ هذا؟ "، أي الآية، يعني خاصة بي بأن صلاتي مُذهبة لمعصيتي؟ وظاهر هذا أن صاحب القصة هو السائل عن ذلك، ولأحمد والطبرانيّ عن ابن عباس، قال: يا رسول الله، ألي خاصةً أم للناس عامّةً؟ فضرب عمر صدره، وقال: لا ولا نعمة عين، بل للناس عامة. فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "صدق عمر".
وفي حديث أبي اليَسَر: "فقال إنسان: يا رسول الله، له خاصة؟ " عند
стр. 3465
مسلم من رواية إبراهيم النخعي: "فقال معاذ: يا رسول الله، أله وحده أو للناس كافة؟ " وللدارقطني مثله من حديث معاذ نفسه، ويحمل على تعدد السائلين عن ذلك.
وقوله: "ألي"، بفتح الهمزة استفهامًا، وقوله: هذا، مبتدأ تقدم خبره عليه، وفائدته التخصيص. وقوله: "لجميع أمتي كلهم"، وفي رواية: "لمن عمل بها من أمتي"، وتمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ المرجئة. وقالوا: إن الحسنات تكفر كل سيئة، كبيرة كانت أو صغيرة. وحمل الجمهور هذا المطلق على المقيد في الحديث الصحيح: "إن الصلاة إلى الصلاة كفّارة لما بينهما ما اجتُنِبَتِ الكبائر"، فقالت طائفة: إن اجتنبت الكبائر كانت الحسنات كفّارة لما عدا الكبائر، وكانت الحسنات كفّارة لما عدا الكبائر من الذنوب، وإن لم تُجتنب الكبائر لم تحطّ الحسنات شيئًا.
وقال آخرون: إن لم تُجتنب الكبائر لم تَحُطُّ السيئاتُ شيئًا منها، وتحطّ الصغائر. وقيل: المراد أن الحسنات تكون سببًا في ترك السيئات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ لا أنها تكفر شيئًا حقيقة. وهذا قول بعض المعتزلة. وقال ابن عبد البر: ذهب بعض أهل العصر إلى أن الحسنات تكفر الذنوب، واستدل بهذه الآية وغيرها من الآيات، وأحاديث الظاهرة في ذلك. قال: ويرده الحث على التوبة في أي كبيرة، فلو كانت الحسنات تكفر الذنوب، واستدل بهذه الآية وغيرها من الآيات، والأحاديث من هذا، في كتاب الإيمان، في باب "قيام ليلة القدر من الإيمان".
واستدل بهذا الحديث على عدم وجوب الحد في اللمس والقبلة ونحوهما، وعلى سقوط التعزير عمن أتى شيئًا منها، وجاء تائبًا نادمًا. واستنبط منه ابن المنذر أنه لا حدّ على من وُجِدَ مع امرأة أجنبية في ثوب واحد.
رجاله خمسة:
الأول: قتيبة بن سعيد، وقد مرّ في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرّ
стр. 3466
يزيد بن زريع في الخامس والتسعين من كتاب الوضوء، ومرّ سليمان بن طَرْخان في التاسع والستين من كتاب العلم، ومرَّ عبد الله بن مسعود أول كتاب الإيمان، قبل ذكر حديث منه.
الخامس من السيد: عبد الرحمن بن ملّ، بتثقيل اللام وتثليث الميم، ابن عمرو بن عديّ بن وهب بن ربيعة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك بن نهد، أبو عثمان النهديّ، سكن الكوفة ثم البصرة، أدرك الجاهلية وأسلم على عهد رسول الله ﷺ ، وهاجر إليه ولم يلقه. قال ابن المَدِينيّ: هاجر إلى المدينة بعد موت أبي بكر، ووافق استخلاف عمر، فسمع منه ولم يسمع من أبي ذرّ. وقال عبد القاهر بن السَّرِيِّ، عن أبيه، عن جده: كان أبو عثمان من قُضاعة، وأدرك النبي ﷺ ، ولم يره، وسكن الكوفة، فلما قتل الحسين تحول إلى البصرة، وحج ستين حجة ما بين حجة وعمرة، وكان يقول: أتت عليّ مئة وثلاثون سنة، وما مني شيء إلا وقد أنكرته، خلا أملي.
وقال سليمان التيمي: إني لأحسب أن أبا عثمان كان لا يصيب ذنبًا، كان ليله قائمًا، ونهاره صائمًا. وقال أبو حاتم: كان ثقة، وكان عريف قومه. وقال أبو زرعة والنَّسائي وابن خِراش: ثقة، وقال أبو داود: أكبر تابعِي أهل الكوفة أبو عثمان. وقال ابن سعد: كان ثقة، روى عن: عمر وعلي وسعد وسعيد وطلحة وحذيفة وأبي مسعود وأسامة بن زيد وعمرو بن العاص وغيرهم. وروى عنه: ثابت البنانيّ وقتادة وعاصم الأحول وسليمان التيميّ وأبو التَّيَّاح وحُمَيد الطويل وغيرهم. مات سنة مئة وهو ابن أربعين ومئة، وهو معدود فيمن عاش في الجاهلية ستين وفي الإِسلام أكثر. وليس في الستة عبد الرحمن بن ملّ سواه.
وقد مرَّ ما في الرجل المبهم من الخلاف، ولابد من تعريف من ذكر، فالأول أبو اليَسَر، بفتحتين، وقد مرَّ أن اسمه كعب بن عمرو، وعمرو بن عباد بن عمرو بن سواد بن غَنْم بن كعب بن سَلِمه، وقيل: كعب بن عمرو بن غنم بن كعب بن سلمة، وقيل: كعب بن عمرو بن غنم بن شداد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلميّ، مشهور باسمه وكنيته، شهد العقبة وبدرًا، وله فيها آثار كثيرة، وهو الذي أسر العباس. قال ابن إسحاق: شهد بدرًا والمَشاهد. وقال
стр. 3467
البخاريّ: له صحبة، وشهد بدرًا. وقال المدائنيّ: كان قصيرًا حدادًا عظيم البطن، ومات بالمدينة سنة خمس وخمسين. وقال ابن إسحاق: قد كان من آخر من مات من الصحابة، كأنَّه يعني أهل بدر. روى عنه عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، وحديثه مطول، وأخرجه مسلم.
وأما نبهان التمّار، فليس له من التعريف غير الحديث الذي مرّ في شأنه.
وأما عمرو بن غَزِيَّة، بغين معجمة مفتوحة، ثم زاي مكسورة وتحتانية ثقيلة، ابن عمرو بن ثعلبة بن خنساء بن مبذول بن عمر بن غَنْم بن مازن بن النجّار الأنصاريّ، يقال إنه شهد العقبة وبدرًا، ومرّ الحديث المذكور عن ابن عباس.
وأما عامر بن قيس الأنصاريّ، فه وابن عم الجُلاَس بن سُويد، ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وإنه أحد من سمع الجلاس بن سويد يقول: إن كان ما يقول محمد حقًا لنحن شرّ من الحمر، فبلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فحلف الجلاس ما قال ذلك، فنزلت: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ...﴾ الآية. وكذلك ذكره أبو الأسود عن عروة، ونقله الثعلبيّ عن قتادة، والقصة مشهورة لعمير بن سعد.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن صحابي، ورواته بصريُّون ما خلا قتيبة. أخرجه البخاريّ هنا وفي التفسير، ومسلم في التوبة، والتِّرمذيّ والنَّسائي في التفسير، وابن ماجه في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب فضل الصلاة لوقتها
كذا ترجم باللام، وأورده في الحديث بلفظ: "على وقتها" وهي رواية شعبة وأكثر الرواة. وأخرجه في التوحيد بلفظ الترجمة، وأخرجه مسلم باللفظين.
стр. 3468
الحديث السادس
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ، وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: "الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا". قَالَ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
قوله: "أخبرني"، هو على التقديم والتأخير. قوله: "صاحب هذه الدار"، كذا رواه شعبة مبهمًا، وعند المصنف عن مالك بن مِغْوَل في الجهاد، وعن أبي إسحاق في التوحيد التصريح باسم عبد الله بن مسعود. قلت: بعد التصريح بصاحب الدار، والإشارة إلى دار عبد الله بن مسعود، لم يبق إبهام في الاسم. وقوله: "وأشار بيده "، فيه الاكتفاء بالإشارة المفهمة عن التصريح. وقوله: "أيُّ العمل أحبُّ إلى الله تعالى"، في رواية مالك بن مِغْوَل: "أي العمل أفضل"، وكذا لأكثر الرواة، فإن كان هذا اللفظ هو المسؤول به، فلفظ حديث الباب ملزوم عنه.
ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره، مما اختلفت فيه الأجوبة، أنه من أفضل الأعمال، أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين، بأنْ أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان الجهاد في ابتداء الإِسلام أفضل الأعمال، لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن من أدائها، وقد
стр. 3469
تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك، ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن "أفضل" ليست على بابها، بل المراد بها الفضل المطلق، أو المراد "من أفضل" فحذفت "من" وهي مرادةٌ.
وقال ابن دقيق العيد: الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان؛ لأنه من أعمال القلوب، فلا تعارض حينئذ بينه وبين حديث أبي هريرة: "أفضل الأعمال إيمان بالله ... الحديث". وقد مرَّ هذا الكلام في باب "إطعام الطعام"، وباب "من قال إن الإيمان هو العمل". وقوله: "الصلاة على وقتها"، قد اتفق أصحاب شعبة على هذه اللفظة، وخالفهم علي بن حفص، فقال: "في أول وقتها". أخرجه الحاكم والدارقطنيّ والبيهقي. وقال النوويّ في "شرح المهذَّب" إن رواية: "في أول وقتها" ضعيفة، وكأنَّ من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظة: "على" لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت، فيتعين أوله.
قال القرطبيّ وغيره: قوله: "لوقتها" اللام للاستقبال، مثل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أي: مستقبلات عدتهن عند من عد العدة بالحيض، أو هي لام التأنيث والتأريخ، كقوله تعالى: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أي: وقتها، وهو الطهر، فإن اللام في الأزمان وما أشبهها للتأقيت. وقيل: للابتداء، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، وقيل: بمعنى: "في"، أي: في وقتها، لأن الوقت ظرف لها، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، أي: فيه. وقيل: اللام بمعنى: "على" كقوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾، أي: على الأذقان، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، أي: عليه. وقيل: "على" بمعنى اللام، ففيه ما مرَّ، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت. وفائدته تحقق دخول الوقت ليتسع الأداء فيه.
стр. 3470
قال ابن بطال: فيه أن البِدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي فيها؛ لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. قال ابن دقيق العيد: ليس في هذا الحديث ما يقتضي أولًا ولا آخرًا، وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. وتعقب بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ: "أحب" يقتضي المشاركة في الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب بأن المشاركة، إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله تعالى من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور، كالنائم والناسي، فإنّ إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا بكونه أفضل الأعمال، مع كونه محبوبًا، لكن إيقاعها في الوقت أحب.
وقوله: "ثم أي"، قيل: الصواب أنه غير منوَّن؛ لأنه غير موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه، فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة، ثم يؤتى بما بعده. قاله الفاكهاني، وحكى ابن الجوزيّ عن ابن الخشاب الجزم بتنوينه، لأنه معرب غير مضاف، وتعقب بأنه مضاف تقديرًا، والمضاف إليه محذوف لفظًا، والتقدير: أي العمل أحب، فيوقف عليه بلا تنوين. وقد نص سيبويه على أنها تعرب وتبنى إذا أضيفت.
وقوله: "قال: بر الوالدين"، كذا للأكثر، وللمستملي قال: "ثم برّ الوالدين" بزيادة "ثم". قال بعضهم: هذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ وكأنه أخذه من تفسير ابن عُيينة، حيث قال: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر لله، ومن دعا لوالديه عقبها فقد شكر لهما. وقوله: "قال: الجهاد في سبيل الله"، قيل: المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين، لأنه يتوقف على إذن الوالدين، فيكون برهما مقدّمًا عليه.
وقوله: "حدثني بهن"، هو مقول عبد الله بن مسعود، وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من أنه باشر السؤال وسمع الجواب.
وقوله: "ولو استزدته لزادني"، يحتمل أن يريد من هذا النوع، وهو المراتب
следующие страницы →