Полный текст (6 753 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قال الكِرْماني: لا مطمح لليقين فيه فللحنفِيّة أن يقولوا: هو الحسن ابن زياد. في الثانية، والطَّحاوي في الثالثة، وأمثالهما، وللمالكية: إنه أشهب في الثانية، وهلم جرا، وللحنابلة: إنه الخلّال في الثالثة، والزاغوني في الخامسة، إلى غير ذلك، وللمحدثين إنه يحيى بن مَعِين في الثانية، والنّسائي في الثالثة، ونحوهما، ولأولي الأمر: إنه المأمون، والمُقتدر، والقادر، وللزُّهَاد: إنه معروفٌ الكَرْخِيُّ في الثانية والشِّبْليُّ في الثالثة، ونحوهما، وإن تصحيح الدين متناول لجميع أنواعه، مع أن لفظة "من" تحتمل التعدد في المصحح، وقد كان قبيل كل مئة مَنْ يصحح ويقوم بأمر الدين، وإنما المراد من انقضت وهو حيٌّ عالم مُشار إليه.
الثاني: عديُّ بن عَدِي -بفتح العين فيهما- ابن عَمِيرة -بفتح العين- ابن فَرْوة بن زُرَارة بن الأرْقَم بن النُّعمان بن عَمرو بن وَهْب بن رَبيعة بن الحارِث بن عَدِيّ بن رَبيعة بن مُعَاوية الكِنْدِيُّ أبو فَرْوَةَ الجَزَرِيُّ التابعيُّ.
قال البخاري: عَدِي بن عَدِي سيد أهل الجزيرة، وقال ابن سعد: كان ناسكًا فقيها، وهو صاحب عمر بن عبد العزيز، وولي الجزيرة وأرْمِينيةَ وأذْربيجان لسليمان، وكان ثقةٌ إن شاء الله. وقال عبد الله بن أحمد: لا يُسألُ عن مثله، وقال ابن معِين، والعِجليُّ، وأبو حاتم: ثقة. وعن مَسلَمَة بن عبد الملك قال: إن في كِندةَ لثلاثة إنَّ الله لَيُنَزِّلُ بهمُ الغيثَ وينصرُ بهم على الأعداء: رَجاءُ بن حَيْوة، وعُبَادة بن نُسَي، وعَدِيُّ بن عَدِي. وقال عبد الله بن أحمد، عن أحمد: لا يُسأل عن مثله. وقال ابن سعد: كان على قضاء الجزيرة أيام عمر بن عبد العزيز.
وقد فَرَّق غيرُ واحد، منهم ابن حبان، بين عَدِيّ بن عدي الكِندي الذي روى عنه أبو الزُّبير، وبين صاحب هذه الترجمة، والله تعالى أعلم.
روى عن: أبيه، وعمه العُرس بن عَميرة وهما صحابيان، وأبي عبد الله الصُّنابِحي، ورجاء بن حَيْوة، والضّحاك بن عبد الرحمن بن عَرْزَب.
стр. 387
وروى عنه: أيوب، وجَرير بن حازِم، وأبو الزُّبير، وإبراهيم بن أبي عَبْلة، ومَيْمُون بن مهْران الجزَريّ وغيرهم.
روى له: أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجة، وليس في "الصحيحين" و"الترمذي" شيء له.
مات سنة عشرين ومئة.
والكِندِيُّ في نسبه نسبةً إلي كِندة بكسر الكاف على المشهور، قال في "تاج العروس": قال شيخنا: ورأيتُ من ضَبَطَه بالفتح أيضًا في كتب "الأنساب" قال: وسمعت أهل عُمان والبَحْرين الكِنْدِيّين، يقولون كُنْدة بالضم، وهو لقب ثَوْر بن عُقَير بن عَدِيّ بن الحارث بن مرة بن أُدَد أبو حيّ من اليمن، وقال الهَمْداني: هو ثَوْر بن مُرْتع بن معاوية، وقيل: ثَوْر ابن عُبَيد الحارث بن مُرَّة، ونقل عن العباب: ثور بن عَنْبس بن عَدِيّ، وفي "روض" السُّهَيْلي: إن كِندة بنو ثَوْر بن مُرْتَع بن أُدَد بن زَيْد، ويقال: إنهم بنو مُرْتَع بن ثَوْر، وقد قيل: إن مُرْتعًا هُو ثور، وكندةُ أبوه. وقال ابن خلكان: إن مُرْتعًا كمُحْدث هو والد ثَوْر، وإن ثَوْر بن مُرْتع هو كِندة، وفي "الصحاح" هو كندة بن ثَوْر، قال شيخنا: والذي جزم به أكثر شراح "الحماسة" و"ديوان امرئ القيس" أن ثورًا ولد كندة لا لقبه، قال ابن دُرَيد: سمي به لأنه كَنَدَ أباه النعمة، ولحق بأخواله. قيل: أصله من قولهم أرض كنود، أي: لا تنبت شيئًا، وقيل: لكونه كان بخيلًا، وقيل: لأنه كَنَدَ أباه أي: عَقَّه.
والجَزَري في نسبه نسبةً إلى الجزيرة واحدة جزائر البحر، سميت بذلك لانقطاعها عن معظم الأرض، والجزيرة أرض بالبصرة ذات نخيل، بينها وبين الأُبُلَّةِ وجزيرة قُور -بضم القاف- وهو ما بين دجلة والفرات، وبها مدن كبار، ولها "تاريخ" ألّفَهُ الإِمام أبو عَرُوبة الحَرّاني، وإذا أطلقت الجزيرة ولم تُضف إلى العرب فإنما يُراد بها هذه.
стр. 388
وهذا الأثر مع كونه معلقًا يسمى مقطوعًا، فالمعلق مر الكلام عليه في الرابع، والمقطوع هو قول التابعي وفعله إذا خلا عن قرينة الرَّفْع والوَقْف، ومثل التابعي من دونه، يُجْمع على مقاطيع ومقاطع، والشافعيُّ يعبر بالمقطوع عن المُنْقَطِع، وهو ما لم يتصل إسناده كما يأتي قريبًا إن شاء الله، والمقطوع من مباحث المتن، والمنقطع من مباحث الإِسناد، وعكس الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البَرْدَعي ما قال الشافعي فجعل المنقطع هو قول التابعي.
والبَرْدَعيُّ نسبة إلى بَرْدَعة بفتح الباء والدال المهملة، بلدة من أقصى بلاد أذْرَبيجان، مُعَرّب برده دان، لأن مَلِكًا منهم سبَا سَبْيًا وأنزلهم هنالك، وإلى المقطوع أشار العِرَاقيُّ، فقال:
وَسَمَّ بالمَقْطُوع قَوْلَ التّابِعِي ... وفِعْلَه وقد رَأى للشّافِعِيّ
تعبِيرَهُ بِهِ عَنِ المُنقَطَعِ ... قُلْتُ وعَكْسُهُ اصْطِلاَحُ البَرْدَعي
وإذا علمت الصحيح في المقطوع، ومغايرته للمنقطع، فلا بدَّ من معرفة المنقطع للتمييز بينهما، وينشأ من ذِكره ذكر المُعْضَل.
فالمُنقَطِع هو ما سَقَط من سنده راوٍ واحد غير الصحابي، وإن تَعَدَّدَ سقوطُه في مواضع بحيث لا يَزيد السّاقِط منها على واحدٍ، فيكون منقطعًا في مواضع، فخرج بالواحد المُعضل، مع أن الحاكم يسميه أيضًا منقطعًا، وخرج بغير الصحابي المُرْسَل كما مر تعريفه. وقيل: المُنقَطِع ما لم يَتَّصِل سنده، ولو سقط منه أكثر من واحد، فَيَدْخُل فيه المرسل، والمُعْضَل، والمُعَلّق. قال ابن الصلاح: إن هذا هو الأقرب معنى لا استعمالًا، لأن الانقطاع ضد الاتصال، فيصدق بالواحد وبالجميع وبما بينهما، وقد صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، ولكن أكثر استعمالهم القول الأول، فأكثر ما يُسْتَعْمَل فيه المُنقطِع ما رواه مَنْ دون التابعي عن الصحابي، كمالك عن ابن عمر، وأكثر ما يُستعمَل فيه المُرسَل ما رواه التابعي عن النبي ﷺ .
стр. 389
والمُعْضَل بفتح الضاد ما سقط منه اثنان متواليان من أي موضع كان، وإن تعددت المواضع، كان الساقط الصحابي والتابعي أو غيرهما، فيدخل فيه قول المصنفين: قال النبي ﷺ . كما قيل بمثله في المُرْسَل، والمُنْقَطِع، والمُعْضَل اسم مفعول من أعْضَلَه فلان، أي: أعياه، فهو مُعْضَل، فكان المحدث الذي حدث به أعضله وأعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه، ويقال: المعضِل للمشكل أيضًا، وهو حينئذ بكسر الضاد وبفتحها، على أنه مشترك، ومن المُعْضَل حذف النبي ﷺ والصحابي، ووقف المتن. على التابعي، كقول الأعمش، عن الشعبي: يُقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا؟ فيقول: ما عَمِلته، فيُخْتَم على فيه، فتنطِقُ جوارحُه ولسانه، فيقول لجوارحه: أبْعَدَكُنَّ الله ما خاصَمْت إلا فيكن، رواه الحاكم، وقال عُقْبَة: أعْضَلَهُ الأعمش، وهو عند الشَّعبيّ متصل مسند، رواه مسلم من حديث فُضَيل بن عُمر، عن الشَّعبِيّ، عن أنَس، قال: كنا عند النبيّ ﷺ ، فضَحِكَ، فقال: "هَلْ تَدرونَ مِمَّ ضَحِكْتُ؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "مِنْ مُخاطَبَة العبدِ ربَّهُ يوم القيامة، يَقُول: يا ربِّ ألَم تُجِرْني من الظّلم؟ فيقول بلى، فقال: فإني لا أُجِيزُ اليومَ على نفسي شاهدًا إلا مني، فيقول: كفى بنفسِك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتِبين اليوم عليك شهودًا، فيُخْتَم على فيه، ثم يقال لأركانه: "انطِقِي". الحديث، قال ابن الصَّلاح، وجَعْل هذا القسم من المعضل جيدٌ حسنٌ، لأن هذا الانقطاع بواحدٍ مضمومًا إلى الوَقْف يَشتَمِل على الانقطاع باثنين، الصحابيّ ورسول الله ﷺ ، وذلك باستحقاق اسم الإِعضال أولي، وأشار العراقيُّ إلى المُنقَطِع والمُعْضَل بقوله:
وَسَمِّ بالمنْقَطِع الّذي سَقَطْ ... قَبْلَ الصَّحابِيِّ بهِ راوٍ فَقَطْ
وقِيل ما لَمْ يَتَّصِل، وقَالَا ... بأنَّهُ أقْرَبُها اسَتِعْمالا
والمُعْضَلُ السّاقِطُ منه اثْنانِ ... فَصَاعِدًا ومِنْهُ قسمٌ ثانِ
حَذْفُ النَّبيّ والصَّحابيِّ معا ... وَوَقفُ مَتْنِهِ على مَنْ تَبعَا
ثم ذكر البخاري بعد هذا الأثر: وقال إبراهيم ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
стр. 390
أي: ليزداد بصيرة وسُكونًا بمُضامَّةِ العيان إلى الوحي والاستدلال، فإن عَيْن اليقين فيه طُمَأنينة ليست في علم اليقين، ففيه دِلالة على قَبُول التصديق اليقيني للزيادة، وعند ابن جَرير بسند صحيح إلى سعيد بن جُبَير أي: يزداد يقيني، وعن مُجَاهد: لأزداد إيمانا إلى إيماني، وإذا ثبت ذلك عن إبراهيم ﵊ مع أن نبينا ﵊ قد أُمِر باتّباع مِلّتِه كان كأنه ثبت عن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، وإنما فصل المصنف بين هذه الآية وبين الآيات التي قبلها لأن الدليل يؤخذ من تلك بالنص، ومن هذه بالإِشارة، وإبراهيم أحد أولي العزم، ومنه جميع الأنبياء ما عدا ثمانية، يجمعهم قولُ القائل:
وعَنْه حاد آدمٌ شيثُ الوَصي ... إدريسُ نوحٌ هودُ يونُسٌ يَصِي
لُوطٌ وصَالِحٌ فذي ثمانُ ... حَادُوا عن الخَلِيلِ واسْتَبَانوا
وهو ابن آزَرَ، وآزَرُ هو تارح بفتح الراء المهملة، وفي آخره حاء مهملة، فآزَرُ اسم، وتارَح لقبٌ له، وقيل: عكسه، قال ابن هشام: هو إبراهيم بن تارَح وهو آزرُ بن ناحُور بن أسْرَع بن أرْغُو بن فَالح بن شَالخْ بن أرْفَخَشْد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشلخ بن أحنج بن يرد بن مهلاييل ابن قاني بن فانوش بن شِيْت بن آدم ﵇، ولا خلاف عندهم في عدد هذه الأسماء وسردها على ما ذكرنا، وإن اختلفوا في ضبْطها، وإبراهيم اسم عِبْرانيّ، معناه: أبٌ رَحيم، وكان آزَرُ من أهل حَرّان، ووَلَدَ إبراهيم بكوثا من أرض العراق، وكان يَتَّجِرُ في البَزِّ، وهاجر من أرض العراق إلى الشام، وبلغ عمره مئة وخمسًا وسبعين سنة، وقيل مئتي سنة، ودُفن بالأرض المقدسة، وقبرُه معروفٌ بقرية حَبْرون بالحاء المهملة، وهي التي تسمى اليوم ببلدة الخليل.
الأَثر الثاني: وقال مُعاذ: اجْلِس بِنا نْؤمِن ساعةً. أي نزداد إيمانا بذكر الله، لأن معاذًا كان مؤمنًا، أيَّ مُؤمن.
وقال النَّووي معناه: نتذاكر الخير، وأحكام الآخرة، وأمور الدين، فإن ذلك إيمان. وقال أبو بكر بن العَرَبي: لا تَعَلُّق فيه للزيادة، لأن معاذًا
стр. 391
إنما أراد تجديد الإِيمان، لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضًا، ثم يكون أبدًا مجددًا كلما نَظَر أو فكر. قال في "الفتح": وما نَفَاه أوّلا، أثبته آخرًا، لأن تجديد الإِيمان إيمان، أي: فيكون زيادةً في الإِيمان الأصلي.
وفي الأثر إبهام المأمور بالجلوس، وهو الأسْوَدُ بن هِلال كما يأتي قريبًا، وهُو المُحَاربي الكُوفي أبو سلام، ذكره البارودي وجماعة ممن ألف في الصحابة لإِدراكه، وقال ابن سعد عن الأسود: هاجرت زَمَنَ عُمر فذكر قصة ذكرها ابن حِبّان، وقال أحمد: ما علمت إلَّا خيرًا، وقال ابن مَعِين والنَّسائي: ثقة، وقال العِجْلِيّ: كان جاهليًّا، وكان رجلًا من أصحاب عبد الله. روى عن معاذ بن جَبَل، وعمر وابن مسعود، وغيرهم. وروى عنه أشْعَثُ بن أبي الشَّعْثَاء، وأبو إسحاق السَّبِيعيُّ، وإبراهيم النَّخَعِيُّ، وغيرهم. مات زمن الحجّاج بعد الجَمَاجِم، قيل: سنة أربع وثمانين.
وهذا التعليق وصله أحمد، وأبو بكر أيضًا بسند صحيح إلى الأسود ابن هِلال، قال: قال لي معاذٌ .. الخ.
ومعاذ: هو مُعَاذ بن جَبَل بن عَمرو بن أوْس بن عائِد بن عَدِيّ بن كَعب ابن عمرو بن أدي بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جُشَم بن عَدِيّ ابن بابي بن تميم بن كعب بن سَلَمَة، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخَزْرَجي، الإِمام المقدم في علم الحلال والحرام.
قال الواقِديّ وغيره: كان معاذ بن جبل طُوَالًا، حسن الشَّعر أكحل العينين، أبيض، بَرَّاقَ الثَّنايا لم يولد له قَطُّ، وقيل: إنه وُلد له ولدٌ يُسَمى عبد الرحمن، وإنه قاتل معه يوم اليَرْموك، وبه كان يُكْنى أبا عبد الرحمن، وهو أحد السبعين الذين شَهِدوا العقبة من الأنصار، وآخى النبيُّ ﷺ بينه وبين عبد الله بن مَسْعود، وقيل آخى بينه وبين جَعْفر بن أبي طالب، شَهِد العقبة، وبدرًا، والمشاهد كلَّها.
وبعثه رسول الله ﷺ قاضيًا إلى الجَنَد من اليمن، يُعَلِّم الناس شرائع الإِسلام، ويقضي، وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين
стр. 392
باليمن، وكان رسول الله ﷺ قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سَعيد على صَنْعاء، والمهاجر بن أبي أميّة على كِندة، وزياد بن لَبيد على حَضْرَمُوت، ومعاذ بن جَبَل عَلى الجَنَد، وأبي موسى الأشْعَري على زَبِيد وزَمْعَة وعَدَن والساحل، وقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين وجهه إلى اليمن: "بِمَ تقضي؟ " قال: بما في كتاب الله، قال: "فإن لَمْ تجِد؟ " قال: بما في سنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال أجتهد رأيي، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يُحِبُّ رسولُ الله".
قال ابن إسحاق: والذين كَسَروا آلهة بني سَلَمَة معاذُ بن جبل، وعبد الله بن أُنيس، وثَعْلبة بن غنمة.
وقال رسول الله ﷺ : "أعلَمُهم بالحلالِ والحرامِ معاذُ بن جَبَل" وقال رسول الله ﷺ : "يأتي معاذُ بن جَبَلٍ يوم القيامة إِمامَ العلماءِ".
وروي عن خالد بن مَعْدان، قال: كان عبد الله بن عُمر، يقول: حدِّثونا عن العاقِليْن العالميْن، قيل: من هما؟ قال: هما معاذُ بن جَبَل وأبو الدَّرْدَاء. وروى الشعبيُّ عن فَرْوة الأشجعِيّ، قال: كنت جالسًا مع ابن مسعود، فقال: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يَكُ من المشركين.
فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠] فأعاد قوله: إن معاذًا ... فلما رأيته أعاد عرفت
أنه تَعَمَّد الأمر فسكت، فقال: أتدري ما الأمة؟ ومن القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمة الذي يعلَم الخيرَ ويُؤتَمُّ به ويُقتدى، والقانِتُ: المطيعُ لله تعالى، وكان مُعاذ بن جَبَل معلمًا للخير مطيعًا لله تعالى ولرسوله. وَوَرَدَ: يأتي معاذٌ يومَ القيامة أمام الناس برَتْوَة، أي: بمهلة، وهي بفتح الراء، وسكون التاء، وواو مفتوحة، وعَدَّه أنَس بن مالك من الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، وهو في "الصحيح". وفيه عن عبد الله بن عَمرو: "اقْرَؤوا القرآن مِن أرْبَعَة"، فذكره فيهم.
стр. 393
وكتب النبيُّ ﷺ وحين بعَثه إلى أهل اليمن: "بَعَثْتُ لكم خَيْرَ أهْلي" وقال له ﷺ حين بعثه إليه: "إنىِ قد عَرَفتُ بلاءك في الدِّين، والذي قد رَكِبَك في الدَّيْن، وقد طيبت لك الهدية، فإن أُهْدي لك شيءٌ فاقْبَل"، فرَجَع حين رَجَعَ بثلاثين رأسًا أُهْديت له، وقال له لما ودعه: "حفِظَك الله من بين يديك، ومن خلفِك، وعن يمينِك، وعن شِمالِك، ومن فوقِك، ومن تحتِك، ودَرَأ عنك شرور الإِنْسِ والجِنِّ".
ورُوي عن كَعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جَبل رَجُلًا شابًّا جميلًا، من أفضل شباب قومه، سَمْحا لا يُمسك. فلم يزل يدان حتى أغلق ماله كله من الدين، فأتى النبيّ ﷺ ، فطلب إليه أن يسأل غرماءه أن يضعوا له، فأبوا، ولو تركوا لأحد من أجل أحد لتركوا لمعاذ من أجل رسول الله ﷺ ، فباع رسول الله ﷺ ماله كله في دينه، حتى قام معاذ بغير شيءٍ، حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه النبي ﷺ إلى طائفة من أهل اليمن لِيَجْبُرَهُ فمكث معاذ باليمن أميرا، وكان أول من اتَّجَر في مال الله هو، فمكث حتى أصاب وحتى قُبِض رسول الله ﷺ ، فلما قدم قال عُمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل، فدع له ما يُعِيشُهُ وخذ منه سائره، فقال له أبو بكر: إنما بعثه النبي ﷺ ليَجْبُرَه ولست بَآخذ منه شيئًا إلا أن يُعطيني، فانطلق إليه عُمر إذ لم يطعه أبو بكر، فذكر ذلك لمُعاذ، فقال له معاذ: إنما أرسلني إليه النبي ﷺ لِيَجْبُرَني، ولست بفاعل، ثم أتى معاذٌ عمرَ، وقال: قد أطَعْتُك، وأنا فاعل ما أمرتني به، فإني رأيت في المنام أني في حَوْمَة ماء قد خشيت الغرق، فخلصتني منه يا عمر، فأتى معاذٌ أبا بكر، فذكر ذلك كله له، وحلف أنه لا يكتُمُه شيئًا، فقال أبو بكر: لا آخذ منك شيئًا، قد وهَبْته لك، فقال عمر: هذا حين حَلَّ وطاب، فخرج معاذٌ عند ذلك إلى الشام.
وفي "سنن" أبي داود عنه، قال لي النبي ﷺ : "إني لأُحِبُّكَ" الحديث، في القول دُبُرَ كل صلاة.
стр. 394
وقال أبو نُعَيم في "الحِلية" إمام الفقهاء، وكنز العلماء، وكان من أفضل شباب الأنصار حِلمًا وحياءً وسَخاءً، وكان وسيمًا جميلًا.
وعن الزُّهريِّ قال: أصاب الناسَ طاعون في الجابية، فقام عمرو بن العاص، فقال: تَفَرَّقوا عنه فإنما هو بمنزلة نار، فقام مُعاذ بن جَبَل، فقال: لقد كنت فينا وأنت أضلُّ من حمار أهلك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هُو رَحْمَةٌ لهذِه الأُمَّة" اللهم اذكر معاذًا، وآل معاذٍ فيمن تذكره بهذه الرحمة. وقال عمر: عَجَزَتِ النِّساء أن يلِدْن مثل معاذٍ، ولولا معاذٌ لَهَلَك عمر.
له عن رسول الله ﷺ مئة وسبعة وخمسون حديثًا، اتفقا على حديثين منها، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بواحد.
روى عنه ابن عبّاس، وأبو قَتادة، وجَابرٌ، وأنس، وابن عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي أوْفَى، وأبو أُمَامة الباهِليُّ، وأبو ثَعلبة الخُشَني، وعبد الرحمن بن سَمُرة العَبْشَمِيّ، وجابر بن سَمُرة السُّوائي.
وروى عنه: جمع من كبار التابعين،
استعمله عمر على الشام حين مات أبو عبيدة، فمات من عامه ذلك بالطاعون، فاستعمل موضعه عَمرو بن العاص، والطاعون الذي مات به هو طاعون عَمْواس بفتح العين المهملة وسكون الميم، موضع بين الرملة وبيت المقدس، وكان سنة ثماني عشرة، وقيل: سبع عشرة، وعمره ثلاث وثلاثون سنة.
وفي سنة سبع عشرة رجع عمر بن الخطاب من سرغ بجيش المسلمين ليلًا يقدمهم على الطاعون، ثم عاد في العام المقبل سنة ثمانين عشرة حتى أتى الجابية، فاجتمع إليه المسلمون، فَجَنَّدَ الأجْناد، ومَصَّرَ الأمْصار، وفرضَ الأُعْطِية والأرزاق ثم قَفَل إلى المدينة.
وليس في الصحابة معاذُ بن جَبَل سواه، وأما معاذ فكثيرٌ نحو أحد
стр. 395
وعشرين، وفي الرواة أيضًا كثير.
وهذا الأثر المعلق يسمى عند أهل المصطلح بالموقوف، وهو ما وقف على الصحابي، ولم يُتَجاوَز به إلى النبي ﷺ قولًا وفعلًا مع خُلُوِّه من قرينة الرَّفْع، وسواء اتصل السند بالصحابي أو انقطع، وبعض أهل الفقه من الشافعية يسمون الموقوف أثرًا، والمرفوع خبرًا، وأما المحدثون، فقد قال النَّوَوِيُّ: إنهم يطلقونه على المَرْفُوع والمَوْقُوف، وإن وُقِفَ الأثر على غير الصحابي من تابعي أو من دونه، فقَيِّدْه بمن وَقف عليه، بأن تقول: موقوفٌ على فلان، أو وقفه فلان على فلان، وأشار إليه العراقي بقوله:
وسَمِّ بالمَوْقُوفِ ما قَصَرْتَهُ ... بصَاحِبٍ وَصَلْتَ أوْ قَطَعْتَهُ
وبَعْضُ أهْلِ الفِقهِ سَمّاهُ الأثَرْ ... وإِنْ تَقِفْ بغيرِهِ قَيِّدْ تَبَرْ
الأثر الثالث: وقال ابنُ مسعود: اليقينُ الإِيمانُ كلَّه.
أكده بكل لدِلالتها كأجْمَع على التبعيض للإِيمان، إذ لا يؤكد بهما إلا ذو أجزاء يَصِحُّ افتراقهما حِسًّا أو حكمًا، وتعلق بهذا الأثر من يقول: إن الإِيمان هو مجرد التصديق، وأجيب بأن مراد ابن مسعود أن اليقين هو أصل الإِيمان، فإذا أيقن القلب انبعثت الجوارح كلها للقاء الله تعالى بالأعمال الصالحة، حتى قال سفيان الثوري: لو أن اليقين وَقَعَ في القلب كما يَنْبغي، لطار اشتياقًا إلى الجنة هربًا من النار، وهذا التعليق طرف من أثر وصله الطَّبَرَانيٌّ بسند صحيح، وبقيته: والصَّبْرُ نصف الإِيمان. وأخرجه أبو نُعَيم في "الحلية" والبَيْهَقيّ في "الزهد" من حديثه مرفوعًا، ولا يَثْبُت رفعه.
وعبد الله بن مسعود هو: ابن مسعود بن غَافِل بالغين المعجمة والفاء ابن حَبيب بن شمخ بن مَخزوم ويقال ابن شمخ بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهِل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هُذَيل بن خُزَيمة بن مُدْرِكة بن الياس بن مُضَر أبو عبد الرحمن الهذَلِيّ حليف بني زُهْرَة، كان أبوه مسعود بن غافِل قد حالف في الجاهلية عبد الله بن الحارث بن زُهْرة،
стр. 396
وأم عبد الله بن مسعود أم عبد بنت عبد وُدِّ بن سَواء بن قديم بن صَاهِلة بن كاهِل من بني هُذَيل أيضًا.
كان إسلامه قديمًا في أول الإِسلام، حين أسلم سعيد بن زَيْد وزوجته فاطمة بنت الخطاب، قبل إسلام عمر بزمانٍ، وسبب إسلامه ما رواه زِرُّ ابن حُبَيش، عن ابن مسعود، قال: كنت أرعى غنمًا لِعُقْبَة بن أبي مُعَيط، فمر بي رسول الله ﷺ ، فقال لي: "يا غلامُ، هل من لبن؟ " فقلت: نعم، ولكني مؤتمنٌ، فقال: "هل من شاة حائل لم يَنْزُ عليها الفحل؟ " فأتيته بشاة، فمسح ضَرْعَها، فنزل لبن، فحلبه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضَّرع: "اقلِص" فقَلَص، ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله علِّمني من هذا القول، فمسح برأسي، وقال: يرحمك الله فإنك غُلَيم مُعَلَّم.
وهو أحد العبادلة الأربعة على قولٍ كما مر، وأحد الذين لهم أتباع في الفقه كما مر في ترجمة ابن عباس.
قال ابن عبد البرّ: ثم صحب رسول الله ﷺ ، فكان يَلجُ عليه ويُلبِسُه نعليه، وإذا جلس أدخلهما في ذِراعه، ويمشي أمامه، ويَسْتُرُه إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له رسول الله ﷺ : "إذْنك على أن تَرْفَعَ الحجابَ وتَسْمَعَ سوادي، حتى أنْهاك" وكان يُعْرف في الصحابة بصاحب السِّواد والسِّواك، قال علقمة: قال لي أبو الدرداء: أليس فيكم صاحبُ النعلين والسِّواك والوِساد، شهد بدرًا والحُديبيَّة، وهاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين.
وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة في حديث العشرة كما رُوي بإسناد حسن جيد، عن سعيد بن زيد، قال: كنا مع رسول الله ﷺ على حراء، فذكر عشرة في الجنة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحةُ، والزُّبير، وعبد الرحمن بن عَوْف، وسَعد بن مالك، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود.
стр. 397
رُوي عنه أنه قال: رأيتني سادس ستة وما على وجه الأرض مسلم غيرنا.
آخى النبيُّ ﷺ بينه وبين الزُّبير قبل الهجرة، وبعدها بينه وبين سَعْد ابن مُعاذ، وقيل: أنس، وهو أول من جَهَرَ بالقرآن بمكة. ورُوِي عن علي يرفعه: "لو كنتُ مؤمرًا أحدًا" وفي رواية: "مُستخلفًا من غيرِ مشورةٍ لأَمَّرْتُ ابن أمِّ عبد" وفي رواية: "لاسْتخلَفْت" وقال فيه ﷺ : "من سَرَّهُ أن يقرَأ القرآن كما أُنْزِل فلْيقْرأ على قراءة ابن أمِّ عبد" ورُوي عن زِرٍّ عن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ أتى بين أبي بكر وعمر، وعبد الله بن مسعود يُصلي، فافتتح بالنِّساء، فقال النبي ﷺ : "مَن أحَبَّ أن يقرأ القرآنَ غَضًّا كماْ أُنْزِل فلْيَقْرأ على قراءةِ ابنِ أمِّ عبد" ثم قعد يسأل، فجعل النبيُّ ﷺ يقول: "سَلْ تُعْطَهْ" وقال فيما سأل: اللهُمَّ إني أسألُك إيمانًا لا يَرْتَدُّ، ونَعيمًا لا يَنفدُ، ومُرافَقَة نَبيِّكَ ﷺ في أعلى جنة الخُلْد، فأتى عمرُ عبد الله يُبَشِّرُهُ، فوجد أبا بكر خارجًا قد سبقه، فقال: إن فَعَلْتَ لقد كُنت سبّاقًا للخير. وقال فيه أيضًا: "رَضِيتُ لأُمَّتِي ما رَضِي لها ابنُ أُمِّ عبد وسَخِطْتُ لأُمَّتي ما سَخِط لها ابنُ أمِّ عبد" وقال أيضًا: "اهْدُوا هَدْي عمّار، وتمَسَّكُوا بهَدْي ابنِ أُمِّ عبد" ورُوي عن علي أن رسول الله ﷺ أمره أن يَصْعَد شجرة، فيأتيه بشيءٍ منها، فنظر أصحابه إلى حموشة ساقَيْه، فضَحِكوا، فقال النبيُّ ﷺ : "ما يُضْحِككُم؟ لَرِجْلاهُ عند الله أثقل في الميزان من أُحُد".
وعن أبي موسى، قال: قدمت أنا وأخي المدينة، وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجلٌ من أهل البيت، لما نَرَى من دُخوِله ودُخول أمّه على النبيِّ ﷺ .
وبعثه عمر بن الخطاب ﵁ إلى الكوفة مع عمار بن ياسر، وكتب إليهم: إنيّ قد بعثت اليكم بعمارٍ أميرًا، وعبد الله معلمًا ووزيرًا، وهما من نُجباء أصحاب رسول الله ﷺ ، من أهل بدر، فاقتدوا بهما، واسمعوا من قولهما، وقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي. وقال فيه
стр. 398
عمر: كَنِيفٌ مُلىءَ علمًا.
وعن أبي وائل قال: لما أمَرَ عثمانُ في المصاحف بما أمَرَ، قام عبد الله بن مسعود خطيبًا، فقال: أيأمُرُني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت؟ والذي نفسي بيده لقد أخَذْتُ مِن في رسول الله ﷺ سبعين سورةً، وإن زيدَ بن ثابت لَذُو ذُؤابَةٍ يلعبُ به الغِلمان، والله ما نزل من القرآن شيءٌ إلا وأنا أعلم في أيِّ شيءٍ نَزَلَ، وما أحدٌ أعلم بكتاب الله منّي، ولو أعلم أحدًا تُبَلِّغنِيه الإِبِلُ أعلم بكتاب الله مني لأتَيْتُه، ثم استحيا مما قال، فقال: وما أنا بخيرِكم، وفي الخَلْق أصحاب رسول الله ﷺ ، فما أنكر أحد عليه ذلك، وَلا رَدَّ ما قال.
ومن طريق الأعْمَشِ، قال: قال زَيْد بن وَهْب: لما بَعَثَ عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالقدوم إلى المدينة، اجتمع الناس إليه، وقالوا: أقِم، ونحن نَمْنَعُك أن يصل إليك شيءٌ تكرهُه، فقال: إنه له عليَّ حق الطاعة، وإنها ستكون أمور وفِتَنٌ لا أحِبُّ أن أكون أولَ مَن فَتَحَها، فَرُدَّ الناس، وخرج إليه.
وعن أبي وائل أن ابن مسعود رأى رجلًا قد أسْبَلَ إزاره، فقال: ارفع إزارَكَ، فقال: وأنت يا ابن مسعود فَارْفَع إزارك، فقال: إني لست مثلَكَ إن بساقيَّ حموشة، وأنا آدم الناس، فبلغ ذلك عمر، فضرب الرجل، وقال له: أتَرُدُّ على ابن مسعود؟! كان ﵁ رجلًا قصيرًا نحيفًا، يكاد طُوال الرِّجال توازيه جلوسًا وهو قائم، وكانت له شعرةٌ تبلُغُ أذُنيه، وكان لا يُغَيِّرُ شيبَه.
وقال حُذَيفة: لقد عَلِمَ المحفُوظُون من أصحاب رسول الله ﷺ أن عبد الله بن مسعود كان من أقربهم وسيلةً، وأعْلَمِهم بكتاب الله. وروى عليُّ ابن المَدِينيّ أنه حَلَفَ بالله مَا أعلم أحدًا أشبه دَلًّا وهَدْيًا برسول الله ﷺ من حين يخرجُ من بيته إلى أن يرجِعَ إليه من عبد الله بن مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمَّد ﷺ أنه من أقربهم وسيلةً إلى الله يومَ
стр. 399
القيامة، وفي رواية: من حين يخرجُ إلى أن يرجِعَ لا أدري ما يَصْنعُ في بيته. وفي رواية: حتى يواريه جدارُ بيته.
وروى وَكِيعٌ من طريق أبي طَبْيان، قال: قال لي عبد الله بن عبّاس: أيَّ القراءتين تقرَأُ؟ قلت: القراءة الأولى. قراءة ابن أُمِّ عَبْد، فقال: أجَلْ، هي الآخِرَةُ، إن رسول الله ﷺ كان يَعْرضُ القرآن على جِبرائيل في كلِّ عام مرةً، فلما كان العام الذي قُبِض فيه رسول الله ﷺ عَرَضَه عليه مرَّتيْن، فَحَضَر ذلك عبد الله، فعلم ما نُسِخ من ذلك وما بُدِّل.
وعن عَلْقَمةَ قال: جاء رجلٌ إلى عُمر وهو بعرفاتٍ، فقال: جئتُك من الكوفة، وتركت بها رجلًا يحكي المصحف عن ظهرِ قلبه، فَغَضِبَ عمر غضبًا شديدًا، فقال: ويْحَك، ومن هو؟ قال: عبد الله بن مسعود، قال: فسكن عنه ذلك الغضب، وعاد إلى حاله، وقال: والله ما أعلم أحدًا من الناس أحقَّ بذلك منه.
وسئل علي ﵁ عن قوم من الصحابة منهم عبد الله بن مسعود، فقال: أما ابن مسعود فَقَرَأ القرآن، وعَلِمَ السنة، وكفى بذلك.
وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خُذُوا القرآن من أربعة: من ابن أمِّ عبد فبدأ به، ومعاذ بن جَبَل، وأُبَيِّ بن كعب، وسالم مولى أبي حُذَيفة. وقال ﷺ : "مَن أحَبَّ أنْ يَسْمَع القرآنَ غضًّا فلْيسمَعْهُ من ابن أمِّ عَبْد". وعن تميم بن حَرام: جالسْتُ أصحاب النبي ﷺ فما رأيت أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أحبَّ إليَّ أن أكون في صلاحه من ابن مَسْعود. وقال فيه أبو الدَّرْداء لما بلغه نَعْيُه: ما ترك مثله، وهو من الستة الذين قال مسروق: إنهم انتهى إليهم العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ونظمها العِراقيُّ بقوله:
وقَالَ مَسرُوقُ انْتَهى العِلْمُ إلى ... سِتَّةِ أصحابٍ كِبارٍ نُبَلا
زَيْدٍ أبي الدَّرْداء مَعْ أُبَيِّ ... عُمَرَ عبد الله مَعْ عَليّ
ثُمَّ انتَهَى لِذَيْن والبَعْضُ جَعَلْ .... الأشْعَرِيّ عن أبي الدَّرْدَا بَدَلْ
стр. 400
رُوي له عن رسول الله ﷺ ثمان مئة حديث وثمانية وأربعون، اتّفقا
على أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحدٍ وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين.
وروى عن: عمر، وسعد بن معاذ.
وروى عنه: ابناه عبد الرحمن، وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عُتْبَة، وامرأته زَيْنب الثَّقفِيَّة، والعبادِلَةُ، وأبو موسى، وأبو رافع، وأبو شُرَيح، وجابر، وأنس، وأبو جُحَيْفَة، وغيرهم، وروى عنه من التابعين: عَلْقَمَة، وأبو الأسود، ومسروقٌ، والرّبيع بن خَيْثَم، وشُرَيْح القاضي، وأبو وائل، وأبو عثمان النَّهْدِيّ، وزِرُّ بن حُبَيش، وعمرو بن مَيْمون، وخَلْقٌ كثيرٌ.
مات بالمدينة قبل قَتْل عُثمان سنة اثنتين وثلاثين، ودُفن بالبقيع، وقيل: بالكوفة، والأول أصح، وصلى عليه عثمان، وقيل: صلى عليه الزُّبير، ودفنه ليلًا بإيصائه إليه بذلك، ولم يَعْلم عثمان بدفنه، فعاتب الزُّبير على ذلك، وكان يوم توفي ابنَ بضعٍ وستين سنة.
قال بعض أصحابه: ما سمعت عبد الله بن مسعود يقول سُبَّةً في عثمان، وسمعته يقول: لَئِن قَتَلُوه لا يسْتَخْلِفُون مثله بعده.
وفي الصحابة عبد الله بن مسعود غيره اثنان، أحدُهُما ثَقَفِيٌّ أخو أبي عُبَيد، والثاني غِفَاريٌّ. وأما عبد الله فلا يُحصى.
وعبد الله هُو الذي قتل أبا جَهْل على قول، فرُوي عنه أنه قال: أتَيْتُ النبي ﷺ فقلت له: إني قَتَلْتُ أبا جهل. فقال: "الله الذي لا إله غيره لَأنْتَ قَتَلْتَه" فقلت: نعم، فاستَخَفَّه الفرح، ثم قال: انطلق بنا إليه" قال: "فانطلقت معه حتى قُمْتُ به على رأسه، فقال: "الحمدُ لله الذي أخْزاكَ، هذا فِرْعون هذه الأمّة، جُرُّوه إلى القَليب" قال: وكنتُ ضربتُهُ بسيفي فَلَم
стр. 401
يعْمل فيه، فأخذتُ سيفَه فضربتُهُ به حتى قَتَلْتُهُ، فَنَفَّلَني رسول الله ﷺ سيفه.
الأثر الرابع: وقال ابنُ عُمر: لا يَبْلُغُ العَبْدُ حقيقةَ التَّقوى حتى يَدَعَ ما حاكَ في الصَّدر. والمراد بالتقوى: وقاية النفس عن الشرك. والأعمال السيئة، والمواظبة على الأعمال الصالحة، وسُئِل عليٌّ رضي الله تعالى عنه عن التَّقوى، فقال: هي الخوفُ من الجَليل، والعملُ بما في التنزيل، والاستعدادُ ليوم الرَّحيل.
وقوله: "يدع" أي يترك، وقد أماتوا ماضي يَدَعُ ويَذَرُ، ولكن جاء في قراءة: "مَا وَدَعَكَ ربك" بالتخفيف.
وقوله: "حَاك" بالمهملة والكاف الخفيفة، أي: تَرَدَّدَ، واضطرب، ولم ينشرِح له الصدر، وخاف الإِثم فيه، وفي بعض النسخ ما حَكَّ بتشديد الكاف، وفي بعضها ما حاك بالألف والتشديد من المحاكّة.
وفي أثر ابن عُمر إشارة إلى أن بعض المؤمنين بَلَغَ كُنْهَ الإِيمان، وبعضهم لم يَبْلُغه، فتجوز الزيادة والنقصان، وقد أخرج ابن أبي الدُّنيا عن أبي الدَّرْداء، قال: تمام التقوى أن تَتَّقي الله حتى تَتْرُك ما يُرى أنه حلالٌ خشيةَ أن يكون حرامًا.
قال في "الفتح" لم أر أثر ابن عمر هذا موصولًا إلى الآن، وقد ورد معناه عند مسلم من حديث النَّوَّاس مرفوعًا، وعند أحمد من حديث وابصة، وليس فيها
شيءٌ على شرط البخاري، فلذلك اقتصرعلى أثر ابن عمر.
وابن عمر: هو عبد الله بن عمر بن الخطاب القُرَشيُّ العَدَوِيُّ، ونسبه في نسب أبيه المتقدم في الحديث الأول، أبو عبد الرحمن، أمه زَيْنَب بنت مَظْعُون الجُمَحِيَّة، وهو شقيقُ أم المؤمنين حَفْصة، ولد سنة ثلاث من المَبْعَث النبويِّ، وهاجر وهو ابن عشر سنين، وقيل: ابن إحدى عشرة ونصف، أسلم مع أبيه، وهاجر معه، وقول من قال: إنه أسلم قبلَ أبيه،
стр. 402
وهاجر قبله، لا يُعْبأُ به، عُرِضَ يوم بدرٍ وأُحُد فاستُصْغِر، وأُجيز في الخَنْدَقِ، وهو ابن خَمْسَ عشرةَ سنة، كما ثَبَتَ في "الصحيح"، وشهد الحُدَيْبيةَ، وقال بعض أهل السِّيَر: إنه أول من بايع يومئذ، ولا يَصِحُّ، والصحيح أن أول من بايَعَ تحت الشجرة بَيْعَة الرُّضوان أبو سِنان الأسَدِيّ، وهو أحد الستة المكثرين في الحديث كما مر في ترجمة عبد الله بن عبّاس، وأحد العبادلة الأربعة كما مر هُناك أيضًا.
قال ابن عبد البَرِّ: كان لا يَتَخَلَّف عن السَّرايا على عهد رسول الله ﷺ ، ثم كان بعد مؤتة مُولعًا بالحجّ قبل الفِتْنَة، وفي الفتنة إلى أن مات، ويقولون: إنه من أعلم الصحابة بمناسِكِ الحجّ، كان ﵁ شديد الوَرَع، وكان كثير الاتّباع لأثار رسول الله ﷺ ، شديدَ التَّحَرّي والاحتياط والتَّوَقِّي في فَتْوَاه. وكلِّ ما يأخذ به نفسه. قال جابر: ما مِنّا أحدٌ أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها، ما خلا عُمر وابنه عبد الله. وقال مَيْمون بن مِهران: ما رأيت أوْرَعَ من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس.
وفي "الصحيح" عنه: كان مَنْ رأى رُؤيا في حياة النبي ﷺ قصَّها عليه، فتمنيت أن أرى رؤيا، وكنت غلامًا عَزَبًا أنام في المسجد، فرأيت في المنام كأن ملَكَين أتياني، فذهبا بي .. الحديث، وفي آخره فقَصَصْتُها على حَفْصة، فَقَصَّتها حفصة على رسول الله ﷺ ، فقال: "نِعْمَ الرَّجل عبد الله لو كان يُصلي من الليل" فكان بعد ذلك لا ينام من الليل إلا القليل، وقال ﷺ لأخته حَفْصة حين قَصَّت عليه رؤياه التي في "الصحيح" أيضًا من أنه قال: إني رأيت في يديَّ سرَقَةً من حرير، فما أهوي بها إلى مكانٍ من الجنة إلا طارَت بي إليه: "إنَّ أخاكِ" أو "إن عبد الله رجلٌ صالحٌ".
وقال عبد الله بن مسعود: لقد رأيتنا ونحن متوافرونَ فما بينَنا شابٌّ أمْلَكَ لنفسه من عبد الله بن عُمر. وعن السُّديّ: رأيت نفرًا من الصّحابة كانوا يَرَوْن أنه ليس أحدٌ فيهم على الحالةِ التي فارق عليها النبيَّ ﷺ إلا ابن عمر.
стр. 403
وعن سَعِيد بن المُسَيِّب: لو شهدت لأحد أنه من أهل الجنة لشهدت لعبد الله بن عمر. وكان ابن عمر حين مات خير من بقي، وما لَعَن ابن عمر خادمًا قطُّ إلا واحدًا فأعْتَقَه، كما رُوي عن الزُّهري. ورُوي عنه أنه قال: أراد ابن عمر أن يَلْعَنَ خادمًا، فقال: اللَهُمَّ العَ، فلم يُتِمَّها، وقال: إنها كلمة ما أحب أن أقولها. وعن نافع أن ابن عمر اشتكى، فاشتُري له عُنقودٌ بدِرهم، فأتاه سائل، فقال: أعطوه إياه، فخالف إنسان آخر فاشتراه منه بدِرهم، ثم أراد أن يرجِع، فمُنِع، ولو علم ابن عمر بذلك ما أكله. وعن حَمْزة بن عبد الله بن عُمر، قال: لو أن طعامًا كثيرًا كان لابن عمر: لما شَبِع منه بعد أن يجد له آكلًا. وعن زَيْد بن أسلم، قال: جعل رجلٌ يَسُبُّ عبد الله بن عُمر، وهو ساكتٌ، فلما بَلَغَ باب داره التَفَتَ إليه، فقال: أنا وأخي عاصم لا نَسُبُّ الناس، وعن أبي الدّارِع: قلت لابن عمر: لا يزالُ الناس بخير ما أبقاك الله لهم، فغَضِبَ، وقال: إني لأحسِبُك عراقيًّا، وما يُدريك علامَ أُغْلِق بابي؟ وعن مالك: أقام ابن عمر بعد النبي ﷺ ستين سنة، يقدم عليه وفود الناس، ولم يَخْفَ عليه شيء من أمر رسول الله ﷺ ولا أصحابه، وهو من أئمة الدين. وعنه أيضًا: كان إمام الناس عندنا بعدَ عمر زيد بن ثابت، وكان إمام الناس عندنا بعد زيد بن عمر. وعن يَحْيى ابن يَحْيى: قلت لمالِك: سمعت المشايخ يَقُولون: من أخَذَ بقول ابن عمر لَم يَدَع من الاستقصاءِ شيئًا، قال: نعم. وعن أبي سَلمة بن عبد الرحمن: كان عُمر في زمانه له نُظَراء، وكان ابن عُمر في زمانه ليس له نظيرٌ. وعن عُقْبَة بن مُسلم أن ابن عمر سُئل عن شيء فقال: لا أدري، أتُريدون أن تَجْعلوا ظُهورنا جُسورًا في جَهَنَّم، تقولون: أفْتانا بهذا ابن عُمر؟ وأخرج البَغَويُّ، عن سعيد، قال: ما رأيت أحدًا أشدَّ اتقاء للحديث عن رسول الله ﷺ من ابن عُمر. ورُوي عن مُجاهد: صَحِبت ابن عمر إلى المدينة، فما رأيتُه يًحَدِّث عن رسول الله ﷺ حديثًا واحدًا.
وعن مَيْمون بن مِهران، قال: مر أصحاب نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ بإبِلٍ لابن عمر، فاسْتاقُوها، فجاءَه الرّاعي، وقال: يا أبا عبد الرحمن، احتسب
стр. 404
الإِبل، وأخبره الخبر، فقال: كيف تَرَكُوك؟ قال: انْفلَتُّ منهم لأنك أحب إلي منهم، فاسْتَحْلَفَه، فحَلَف، فقال: إني احْتسَبْتُك معها، فأعتقه، فقيل له بعد ذلك: هل لك في ناقتك الفلانية تُباع في السوق؟ فأرَاد أن يَذْهب إليها، ثم قال: كنت احْتَسَبْتُ الإِبل، فلأيِّ معنًى أطلب الناقة؟
وعن عبد الله بن أبي عُثمان أعْتَقَ عبد الله بن عُمر جاريةً له، يقال لها: رفثة، كان يُحِبُّها، وقال: سمعت الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وعن نافع كانت لابن عمر جارية معجبة، فاشتد عجبُهُ بها، فأعتقها، وزوجها مولى له، فأتَتْ منه بولدٍ، فكان ابن عمر يأخُذُ الصبيَّ، فيقبِّلُه، ويقول: واهًا لريح فلانة.
وفي "البَيْهَقِيّ": أعطى عبد الله بن جَعْفر في نافع لعبد الله بن عُمر عشرة آلاف درهم وألف دينار، فقيل له ماذا تَنْظُر؟ قال: فهَلَّا ما هو خيرٌ من ذلك، هو حرٌّ. وعن زَيْد بن أسْلَم: مرّ ابن عمر براع، فقال: هل من جَزَرَة؟ قال: ليس ها هنا ربها، قال: تقول له: أكلها الذِّيبُ، قال: فاتَّقِ الله، فاشترى ابن عُمر الراعي والغنَم وأعْتَقَه، ووهَبَها له. قال ابن خَلِّكان: كان ابن عُمر إذا اشتد عجبهُ بشيء من ماله قَرَّبه إلى ربه ، قال نافع: كان رقيقُه قد عَرَفوا ذلك منه، فرُبَّما شَمَّرَ أحدهم، فيلزم المسجد، فإذا رآه ابنُ عُمر على تلك الحالة الحسنة، أعْتَقَه، فيقول له أصحابه: يا أبا عبد الرحمن والله ما بِهم إلا أن يَخْدَعُوك، فيقول: ما خَدَعَنا أحدٌ في الله إلا انْخَدَعنا له. قال نافعٌ: ما ماتَ ابن عُمر حتى أعْتَقَ ألف إنسان أو ما زاد، ونشر نافعٌ مولاه عنه علمًا جمًّا.
ورُوِي أن مروان بن الحكم دخل عليه في نفرٍ بعد قتل عُثمان ﵁، فعرضوا عليه أن يُبايعوا له، قال: وكيفَ لي بالنّاس؟ قال: تُقاتِلُهم ونُقاتِلُهم معك. قال: والله لو اجْتَمَعَ أهل الأرض عليَّ إلا أهل فَدَك ما قاتَلْتُهم، فخرجوا من عنده وهو يقول:
والمُلْكُ بَعْدَ أبي لَيْلى لِمَنْ غَلَبَا
стр. 405
وذكر مَيْمون أن ابن عُمر دخل عليه رجل، فسأله عن تلك المشاهدِ، فقال: كَفَفْتُ يدي، فلم أُقْدِم، والمقاتِلُ على الحقِّ أفْضَل. كان ﵁ لوَرَعِهِ أشْكَلَت عليه حروبُ عليٍّ ﵇، فَقَعَد عنهُ، ثمَّ ندم على ذلك حين حضرته الوفاة، فقد روى حَبيبُ بن أبي ثابتٍ عنه أنه قال حين حَضَرَتْهُ الوفاة: ما أجِدُ في نفسي من أمر الدنيا شيئًا إلّا أنّي لم أُقاتل الفئةَ الباغية مع عليِّ بن أبي طالب ﵁ وفي رواية: ما آسى على شيءٍ إلَّا أني لم أُقاتل معَ عليٍّ الفئةَ الباغية.
وفي "البَيْهَقيِّ" ما ذَكَر ابنُ عمر رسولَ الله ﷺ إلَّا بَكَى، ولا مَرَّ بِرَبعِهم إلا غَمَّض عينيه. وعن نافع: كان ابن عُمر إذا قرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] بَكى حتى يَغْلِبه البكاء. كان ﵁ له مِهْراسٌ فيه ماء، فيُصَلي ما قُدِّر له، ثم يصيرُ إلى فراشِه، فيُغْفِي إغفاء الطائرِ ثم يَقُوم، فيتوضأ فَيُصَلّي، ثم يرجِعُ إلى فراشهِ، فيُغْفِي إغفاء الطائر، يفعلُ ذلك في الليل أربع مرات أو خمسًا. وقيل لنافع: ما كان ابنُ عمر يَصْنَع في منزله، قال: الوُضوء لكلِّ صلاة، والمُصحف فيما بَيْنَهما. وعنه أيضًا أنه كان إذا فاتَتْه صلاةُ العشاء في الجماعة أحْيى بَقيَّة ليله. وعنه أيضًا: كان ابن عُمر يُحيي الليلَ صلاةً، ثم يقول: يا نافعُ اسْحَرْنا؟ فيقول: لا، فيعاودُ فإذا قال: أسحرْنا، قعد يستغفر الله حتى يصبح، وعنه أيضًا: كان ابن عُمر لا يَصُوم في السفر، ولا يكاد يُفْطِر في الحَضَر. وفي "البَيْهَقِيِّ" كان إذا فاتته صلاة في جماعةٍ صلى إلى الصلاة الأخرى. وقال الزُّبَيْر بن بَكّار: كان ابن عُمر يَحْفَظُ ما سَمِعَ من رسول الله ﷺ ، ويَسْألُ من حَضَر إذا غابَ عن قوله وفعله، وكان يَتَّبِعُ آثار النبيّ ﷺ في كل مسجدٍ صلى فيه، وكان يَعْتَرِضُ براحلته في طريقٍ رأى رسول الله ﷺ عَرَضَ ناقته فيه، وكان لا يَتْرُكُ الحجَّ، وكان إذا وقف بعَرَفَةَ وقف في الموقف الذي وَقَفَ رسول الله ﷺ ، وكان أوصى أن يُدْفن في الحِلِّ، فلم يُقْدَر على ذلك من أجل الحَجّاج، ودُفِن بذي طُوى، بمَقَابر المُهاجرين.
стр. 406
وكان الحجاج قد أمر رجلًا فَسَمَّ زُجَّ رمح وزَحَمَه في الطريق، ووضع الزُّجَّ على ظَهْر قدمه، وذلك أن الحَجّاج خَطَبَ يومًا، وأخَّرَ الصلاة، فقال له ابن عمر: إن الشَّمْسَ لا تَنْتَظرُك، فقال له الحَجّاج: لقد هَمَمْتُ أن أضرب الذي فيه عيناك، قال: إن تَفْعَل فإنك سفيهٌ مُسَلَّطٌ. وقيل: إنه أخفى قوله ذلك عن الحجّاج، ولم يُسْمِعْه، وإنما كان يَتَقَدَّمه في المواقف بعَرَفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي ﷺ يَقِفُ فيها، وكان ذلك يَعِزُّ علي الحجّاج، فأمر الحجّاجُ رَجلًا معه حَرْبة، يقال: إنها كانت مسمومةً، فلما دَفَعَ الناس من عَرَفَة، لصِق به ذلك الرجل، فأمَرَّ الحربةَ على قدمه، وهي في غَرْزِ راحِلَتِه، فمرِض منها أيّامًا، فدخل الحجّاج يعوده، فقال له: من فَعَلَ هذا بك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: وما تَصْنَعُ به، قال: قتلني الله إن لم أقْتُلْه، قال: ما أراك فاعلًا، أنت الذي أمَرْتَ الذي نَخَسني بالحربة، فقال: لا تَفعل يا أبا عبد الرحمن، وخَرَج عنه. ورُوي أنَّه قال للحجّاج حين قال له: من فعل بك؟ أنت أمرت بإدخال السِّلاح في الحرم، فلَبِث أيّامًا، ثم مات، وصلى عليه الحَجّاج، ودُفِن بذي طُوى كما مَرَّ، وَقيل: دفن بِفَخٍّ موضع قرب مكة، وقيل: بِسَرِفَ، وقيل: بالمُحَصَّبِ سنةَ اثنتين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وسبعين، بعد قتل ابن الزُّبير بثلاثة أشهر، عاش أربعًا وثمانين، وقيل سبعًا وقيل ستًّا.
رُوِي له عن رسول الله ﷺ ألفا حديث وست مئة وثلاثون حديثا، اتَّفَقا على مئة وسبعين، وانفرد البُخاريُّ بأحدٍ وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين.
روى عن: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وأبي ذَرٍّ، ومُعاذ، وعائشة، وغيرهم.
وروى عنه من الصحابة: جَابر، وابن عبّاس، وغيرهما، وروى عنه بنوه سالمٌ، وعبد الله، وحَمْزة، وبِلال، وزيد، وعبد الله، وابن أخيه حفص بن عامِر، ومن كبار التابعين: سَعيد بن المُسيِّب، وأسلَم مولى عُمر، وعَلْقَمة بن وقّاص، ومَسْروق، وجُبَير بن نُفير، وعبد الرحمن بن
стр. 407
أبي ليلى، وممن بعدهم: مواليهم عبد الله بن دِينار، ونافِع، وزيد بن أسلم، وخالد، ومن غيرهم مُصعَب بن سَعد، وموسى بن طَلْحة، وعُروة ابن الزبيَر، وعطاء، وطارق، ومجاهِد، وابن سِيرين، والحسَن، وصَفْوان ابن مُحْرِز، وغيرهم.
وفي الصحابة أيضًا عبد الله بن عمر حرمي، يقال: إنه له صحبة، يُروى عنه حديث في الوضوء.
الأثر الخامس: وقال مُجاهِدٌ ﴿شَرَعَ لَكُمْ ...﴾: أوصَيناك يا مُحمد وإيّاهُ دِينًا واحِدًا. والمراد من هذا التعليق أن الذي تظاهرت عليه الأدِلة من الكتاب والسنة هو شرع الأنبياء كلهم، وإنما خَصَّ نوحًا ﵇، لما قيل: إنه الذي جاء بتحريم الحرام، وتحليل الحلال، وأول من جاء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ولا يقال: إن إياه تصحيف وقع في أصل البخاري في هذا الأثر، وإن الصواب وأنبياءه كما عند عَبْد بن حُميد، وغيره، كما يأتي، وكيف يُفرد مجاهد الضمير لِنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة؟ لأنه أجيب بأن نوحًا ﵊ أُفرد في الآية، وبقية الأنبياء ﵈ عَطْفٌ عليهم، وهم داخلون فيما وصّى به نوحًا، وكُلُّهُم مشتركون في ذلك، فذِكْرُ واحدٍ منهم يُغْنِي عن الكُلِّ.
على أن نوحًا أقرب مذكور في الآية، وهو أولى بعَوْد الضمير إليه في تفسير مجاهد، فتفسيرُه صحيح.
وهذا التعليق وصله عَبْد بن حُميد في تفسيره، والطَّبَريُّ والفِرْيابيُّ، وابن المُنْذر في تفاسيرهم ولكن لفظهم: يا محمَّد وأنبياءه.
ومجاهِد هو مجاهد بن جَبْر -بفتح الجيم- المكِّيُّ أبو الحجّاج المخْزُوميُّ المقرىء مولى السَّائبِ بن أبي السّائب.
وقال الفَضْل بن مَيْمون: سمعت مجاهدًا يَقُول: عَرَضْتُ القُرآن على ابن عَبّاس ثلاثين مرَّةً، وقال يحيى القطَّان: مُرسلات مجاهدٍ أحبُّ إليَّ من مرسلات عَطاء، وقال الأعْمش، عن مجاهد: لو كُنت قرأتُ على
стр. 408
قراءة ابن مسعود، لم أحْتَج أن أسأل ابن عَبّاس عن كثير من القرآن. وعن مُجاهد، قال: قرأتُ القرآن على ابن عبّاس ثلاث عَرْضاتٍ، أقِفُ عند كل آية أسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ وقال إبراهيم بن مُهاجر، عن مجاهد، قال: ربما آخُذُ لابن عُمر بالرِّكاب. وقال قَتَادة: أعْلَم من بَقِيَ بالتفسير مجاهد. وقال أبو بكر بن عَيّاش: قُلت للأعمش مالهم يقُولون تفسير مُجاهد؟ قال: كانوا يَرَوْن أنه يسأل أهل الكتاب. وقال ابن مَعِين وأبو زُرْعة: ثقة. وقال سَلَمَة بن كُهَيل: ما رأيتُ أحدًا أراد بهذا العلم وجه الله تعالى إلا عطاءً، وطاووسًا، ومجاهدًا. وقال ابن سعد: كان ثقةً فقيهًا عالمًا كثير الحديث. وقال ابن حِبّان: كان فقيهًا وَرِعًا عابدًا مُتْقِنًا. وقال أبو جعفَر الطَّبَريُّ: كان قارئًا عالمًا. وقال العِجْلِيُّ: مكيٌّ تابعيٌّ ثقة. وقال الذَّهبيُّ: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به وقال الذَّهبيُّ أيضًا: قرأ عليه عبد الله بن كثير، وقال التِّرمِذِيُّ: مجاهدٌ معلوم التَّدليس، فعَنْعَنَتُهُ لا تفيد الوصلَ، ووقوع الواسطة بينه وبين ابن عَبّاس.
روى عن: عليّ، وسعد بن أبي وَقّاص، والعبادلة الأربعة، ورافع بن خُديْج، وأُسَيْد بن ظَهير، وأبي سعيد الخُدري، وعائشة، وأم سَلَمَة، وجُوَيْرِيَةَ بنت الحارث، وأبي هُريرة، وجابر بن عبد الله، وسُراقة بن مالك، وعبد الرحمن بن صَفْوان بن قُدامة، وخلقٍ كثيرٍ.
وروى عنه: أيوب السَّختياني، وعطاء، وعِكْرمة، وابن عَوْن، وعَمْرو بن دينار، وأبو إسحاق السَّبيعي، وأبو الزُّبير المكي، وقتادة، وسليمان الأحْول، والأعْمش، وخلقٌ كثيرٌ.
وأنكر شُعبة وابن أبي حاتم سماعَه من عائشة، وكذا ابن معين، لكن حديثه عنها في "الصحيحين".
وقال مجاهد: قال لي ابن عمر: ودِدْت أن نافعًا يحفظ كحفظك.
مات بمكة وهو ساجدٌ سنة مئة، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين، وقيل: أربع ومئة، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة، وولد سنة إحدى وعشرين في خلافة عُمر بن الخطاب.
стр. 409
ومجاهد بن جبر ليس في الرواة غيره، ومُجاهد في الستة سواه ثلاثة.
الأثر السادس: وقال ابنُ عبّاس ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: سَبيلًا وسُنَّة تفسير لمنهاجًا، أي: طريقًا واضحًا، وسُنَّةً، يقال: شَرَعَ يَشرع شرعًا، أي: سَنَّ فهو تفسيرٌ لشرْعة، فيكون من باب اللَّفِّ والنَّشر الغير المرتب، وسقطت الواو من: "وقال" لابن عَسَاكر.
وهذا التعليق وصله عبد الرَّزّاق في تفسيره بسندٍ صحيح، وابن عباس مَرَّ تعريفه في الخامس من بدء الوحي.
стр. 410
٢ - باب دعاؤكم إيمانكم .
وقوله: دُعاؤكم إيمانكم.
لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ ومعنى الدعاء في اللغة الإِيمان، هو من قول ابن عباس، فسمى الدعاء إيمانًا، والدعاءُ عمل فاحتُجَّ به على أن الإِيمان عملٌ، وعطفه على ما قَبْلَه كعادته في حذف أداة العطف، حيث يَنْقُل التفسير، وقد وَصَلَه ابن جَرير من قول ابن عباس، قال في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قال: يقول: لولا إيمانكم، أخبر الله الكفار أَنه لا يعبأ بهم، ولولا إيمان المؤمنين لم يَعْبأ بهم أيضًا، وقال غيرُ ابن عباس: الدعاء هنا مصدرٌ مضاف إلى المفعول، والمرادُ دُعاء الرسل الخلق إلى الإِيمان، فالمعنى: ليس عند الله عُذْرٌ إلا أن يَدعُوَكُم الرسول، فيُؤمن من آمن، ويكفر من كفر، فقد كذبتم أنتم، فسوف يكون العذاب لازمًا لكم، وقيل: معنى الدعاء هُنا الطاعة، ويؤيده حديث النُّعْمان بن بَشير أن الدُّعاء هُو العبادة، أخرجه أصحاب "السنن" بسندٍ جيِّد.
الحديث الأول
٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
[الحديث ٨ - طرفه في ٤٥١٥].
قوله: "بُنِي الإِسلامُ" البناء: وضع شيءٍ على شيءٍ، والإِسلام: الانْقياد، وقد مر الكلام عليه في أول الكتاب.
وقوله: "خَمْس" أي: دعائم، كما صرح به عبد الرزاق، وفي روايةٍ لمسلم: "على خمسة" أي: أركان.
стр. 411
وقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله" وما بعدها مخفوض على البدل من خمس، ويجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا الله، أو على حذف المبتدأ، والتقدير: أحَدُها شهادة أن لا إله إلا الله، وإنما لم يذكر الإِيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل ﵇، لأن المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من المُعْتَقَدات، وقال الإسماعيليُّ ما محصله: هُو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأتُ الحمدَ، وتريد جميعَ الفاتحة، وكذا تقول: شهدت برسالة محمدٍ، وتريد جميع ما ذكر. واشترط البَاقِلَّانيُّ في صحة الإِسلام تقدم الإِقرار بالتوحيد على الرسالة، ولم يُتابع مع أنه إذا دُقِّق بَانَ وجهُهُ، ويزداد اتجاهًا إذا فرقهما.
و"لا" في قوله: لا إله، هي النافية للجنس، و"إله" اسمها مركبٌ معها تركيب مزج كأحدَ عشر، وفتحته فتحة بناء، وعند الزَّجاج فتحة إعراب، لأنه عنده منصوب بها لفظًا، وخبرها محذوفٌ تقديره موجودٌ، و"إلا" حرف استثناء، والاسم الكريم مرفوعٌ على البدل من الضمير المستتر في الخبر، وقيل: مرفوع على الخبرية لقوله: "لا" وعليه جماعةٌ، وهذا التركيب عند علماء المعاني والأصول يفيد القَصْر، وهو من باب قصر الصفة على الموصوف لا العكس، فإن إله في معنى الوصف، واختلف البيانيون والأصوليون في المنطوق والمفهوم في هذا التركيب، فعند البيانيين المنطوق هو إثبات الإِلهية لله تعالى، والمفهوم نفيها عن غيره، وعند الأصوليين المنطوق هو نفيُها، والمفهوم هو إثباتها، وعلى مذهبهم قالوا: كيف يُقال في لا إله إلا الله: إنَّ دِلالتها على إثبات الألوهية لله تعالى بالمَفْهوم؟ وأجاب زَكَرِيَّا: بأنه لا بُعد فيه، لأن القصد أولًا وبالذات ردُّ ما خالَفَنا فيه المشركونَ، لا إثبات ما وافَقُونا عليه، فكان المناسب للأول المنطوق، وللثاني المفهوم، وإنما قُدِّم النفي على الإِثبات، فقيل: لا إله إلا الله، ولم يقل: الله لا إله إلا هو، لأنه إذا نفى أَن يكون ثَمَّ إله غير الله، فقد فَرَّغَ قلبَه مما سوى الله بلسانه، ليُواطِىءَ القلب وليس مشغولًا
стр. 412
بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشَّريك عن الله تعالى بالجوارح الظاهرة والباطنة.
وقوله: "وإقامِ الصلاةِ" معنى إقامة الصلاة: إما تَعْديل أركانها وحفظها من أن يقع فيها زَيْغ في فرائضها وسُننها وآدابها من أقَامَ العُودَ إذا قَوَّمَه، وإما المداومة عليها من قامَتِ السُّوق إذا نَفَقَت، وإما التَّجَلُّد والتَّشَمُّرُ في أدائها من قامتِ الحرب على ساقِها، وإما أداؤها تعبيرًا عن الأداء بالإِقامة، لأن القيام بعضُ أركانها، والصلاة فَعْلَةٌ من صَلّى، كالزكاة من زكّى، وهي مُشتَقَّة من الصَّلَوين، وهما عِرقان يكتنفان الظَّهر، سُمِّيَتْ بذلك لكثرة تحركهما فيها، وقيل: من الصلاة، بمعنى الدّعاء، قال الشاعر:
وقَابَلَها الرِّيحُ في دَنِّها ... وَصَلّى عَلَى دَنِّها وارْتَسَمْ
أو من صَلَّيْت العصا بالنار إذا ليَّنْتَها وقَوَّمْتها، فالمصلي كأنه يسعى في تعديلها وتقويمها، أو لأن الصلاة تُقَوِّمُ صاحبها وتعدِّله، أو من المُصَلّي وهو ثاني حَلَبة السباق، فالأول المُجَلّي، والثاني المُصَلّي، وسميت بذلك لأنها ثانية دعائم الإِسلام، وهي شرعًا قُربة فعلية ذات إحرام وسلام، أو سجود فقط وقوله: "فعلية" أخرج القُرَبَ التَّرْكية كعبادة الأصنام، والصيام، لأنه تَرْك، وقوله: "ذات" أخرج الزكاة، وقوله: "وسلام" أخرج الحج، لأنه فيه إحرام ولا سلام فيه، وقوله: "أو سُجود" فقط هو بالرفع، وقيد به لإِدخال سجود القراءة.
وقوله: "وإيتاء الزكاة" أي: إعطائها من آتاه إيتاءً، وأما أتَيْتُه إتيانًا، فمعناه جئته، والزكاة لغة الطهارة والنَّماء واللِّياقة والتَّنعُّم، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] أي: تطهر، ويقال: زكا الزَّرعُ زكاءً بالمدِّ إذا نما، وهذا الأمر لا يزكو بفلان، أي: لا يليق به، وزَكَا الرجل يزكو إذا تنعم وكان في خِصب، وسميت بذلك لأن المال يَطْهر بها، أو لأنها تُطَهِّرُ صاحبها، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] أو لأنها سبب نماء المال وزيادته، ولها خمسة
стр. 413
أسماء في القرآن: الزكاة، والصدقة، والماعون: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] والحق: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] والنفقة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] هي شرعًا عبارة عن إعطاء جزء من المال على وجهٍ مخصوص.
وقوله: "والحج" هو لغةً القَصْد، وأصله من قولك: حَجَجْتُ فُلانًا أحُجُّهُ حَجًّا إذا عدت إليه مرةً بعد أخرى، قال الشاعر:
وَأشْهَدُ من عَوْفٍ حُلُولًا كَثيرةً ... يَحُجُّون سِبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا
أي: يأتونه مرةً بعد أخرى، والسِّبُّ بكسر السين، وتشديد الباء، شقة كِتّان، والمراد به هنا العِمَامة، والحَجُّ تأتيه الناس في كل سنة، وتُعورف استعمال الحَجِّ في القصد إلى مَكَّةَ -حرسها الله تعالى-، وهو شرعًا قَصْدٌ مخصوصٌ في وقتٍ مخصوصٍ إلى مكان مخصوص.
وقوله: "وصَوْم رَمَضان" الصوم لغةً: الإِمساك عن الكلام وغيره، قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] وصام الفَرَسُ إذا قام على غير علفٍ، قال النابِغَةُ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غيرُ صائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاج وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُمَا
وصَام النهار صومًا إذا قام قائم الظَّهيرة واعتدل، والصَّوم ركود الريح، والصوم: ذَرْق النَّعام، قال الشاعر:
صَوْم النَّعَام زَرَافاتٍ زَرافاتِ
والصَّوم شجرٌ بعينه، قال الشاعر:
مُوَكَّلٌ بِشُدُوفِ الصَّوم يَنْظُرها ... مِنَ المَخارِمِ مَخْطُوفُ الحَشَى زَرِمُ
وفيَ الشرع: الإِمساك عن شَهْوَتَي الفم والفَرْج، وما يقُوم مقامهما، مخالفةً للهوى في طاعة المولى.
ووجه الحصر في هذه الخمسة هو أن العبادة إما قولية أو غيرها،
стр. 414
الأولى: الشهادتان، والثانية: إما ترْكية أو فِعلية. الأولى: الصوم، والثانية: إما بَدَنِيَّة أو مالية. الأولى: الصَّلاة، والثانية: الزكاة، أو مركبة منهما وهي الحَجَّ، وقد ذكره مقدمًا على الصوم، وعليه بني المصنف ترتيب جامعه هذا، لكن عند مسلم من رواية سَعْد بن عُبيدة، عن ابن عُمر تأخير الصَّوم عن الحَجّ، فقال رجل، وهُو يزيد بن بِشْرٍ السَّكْسَكِيُّ: "والحَجُّ، وصَوْمُ رَمَضان" فقال ابن عُمر: لا، "صيامُ رَمَضان، والحَجّ" هكذا سمعته من رسول الله ﷺ ، فيُحْتَمَل أن يكون حنظَلَةُ رواه بالمعنى، لكونه لم يَسْمع ردَّ ابن عمر على يَزِيد، أو سمِعَه ونَسيَه، وفي روايةٍ لمسلم من طريق حَنْظَلة بتقديم الصَّوم على الحجِّ، ولأبي عَوَانَة عنه بتقديم الصوم، فتنْوِيعه هذا دالٌّ على أنه رُوي بالمعنى، ويُؤيِّدُه ما وَقَع في البُخاري في التفسير، من تقديم الصيام على الزكاة، ورواه مُسلم عن ابن عُمر من أربع طُرق تارةً بالتَّقديم، وتارةً بالتَّأخير.
ولم يذكر البُخاريُّ الجهادَ لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال، ومن زَعَم أن الحديث كان أول الإِسلام قبل فرض الجهاد فَقَد أخطأ، لأن فرض الجهاد كان قبل فرض الزَّكاة والحجِّ. فإن قيل: الأربعة المذكورة مبنية على الشهادة، إذ لا يَصِحُّ شيءٌ منها إلا بعد وُجودِها، فكَيف يُضَمُّ مبنيٌّ إلى مبنيٍّ عليه في مسمّىً واحد؟ فالجواب هو أنه يَجُوزُ ابْتِناء أمر على أمر، يَنْبَني على الأمرين أمرٌ آخر، فإن قيل: المَبْنيُّ لا بد أن يكون غير المبني عليه، أُجيب بأن المجموع غيرٌ من حَيْث الانفراد عينٌ من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشعر يُجْعَل على خمسة أعمدة، أحدها أوسط، والبقية أركان، فما دام الأوسط قائمًا فمُسَمّى البيت موجودٌ، ولو سَقَط ما سَقط من الأركان، وإذا سَقط الأوسط سقط مُسمى البيت، فالبيت بالنَّظر إلى مجموعة شيء واحد، وبالنظر إلى أفراده أشياء، وأيضًا فبالنظر إلى أُسِّه وأركانه الأُسُّ أصل، والأركان تَبَعٌ وتكملةٌ.
وفي قوله: "بُنِيَ الإِسلام ... " إلخ. استعارة تبعية، بأن يقدر
стр. 415
الاستعارة في بُنِي والقرينة في الإِسلام، شَبَّه ثبات الإِسلام واستقامَتَه على هذه الأركان الخمسة ببناء الخِباء على هذه الأعمدة الخمسة، ثم سَرَت الاستعارة من المصدر إلى الفعل، ويجوز أن تكون استعارة بالكِناية، بأن يكون شَبَّه الإِسلام بمبنى له دعائم، فذكر المُشَبَّه، وطَوَى ذكر المُشَبَّه به، وذكر ما هو من خَواصِّ المشبه به، وهو البناء، ويسمى هذا استعارة تَرْشِيحية.
رجاله أربعة:
الأول: عُبَيد الله بن موسى بن أبي المُختار، واسمه باذَام العَبسيُّ مولاهم الكوفِيُّ أبو محمَّد الحافظ، وباذام -بالباء الموحدة والذال المعجمة- لفظٌ فارسيٌّ، ومعناه اللَّوز.
قال ابن أبي خَيْثَمة عن ابن مَعين: ثقة. وقال مُعاوية بن صالح: سألت ابن مَعين عنه، فقال: اكتب عنه. وقال أبو حَاتم: صدوق ثقة حسن الحديث، وأبو نعيم أتْقن منه، وعُبيد الله أثْبَتَهم في إسرائيل، كان يأتيه فيقرأ عليه القرآن. وقال العِجْلِيُّ: ثقة، وكان عالمًا بالقرآن، رأسًا فيه.
وقال أيضًا: ما رأيته رافعًا رأسه. وما رُئيَ ضاحكًا قطُّ. وقال أبو داود: كان مُحترفًا سَميعا، جاز حِفظه. وقال ابنَ عَدِيّ: ثقة. وقال ابنِ سَعْد: قرأ على عيسى بن عُمر، وعلى عليِّ بن صالح، وكان ثقةً صدوقًا إن شاء الله تعالى، كثير الحديث، حسن الهيئة، وكان يتشيع، ويروي أحاديث منكرة، وضُعِّفَ بذلك عند كثير من الناس، وكان صاحب قرآن، وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: كان يَتَشَيَّع. وقال ابن شَاهِين في "الثقات" قال عُثمان بن أبي شَيْبة: صدوق ثقة، وكان يضطرب في حديث سُفيان اضطرابًا قبيحًا. وقال عُثمان الدَّارميُّ عن ابن مَعين: ثقة ما أقربه من يَحيى ابن يَمان، ويَحْيى بنُ يَمان أرجو أن يكون صدوقًا، وليس حديثه بالقويّ.
وقال ابن قَانِع: كوفيٌّ صالح يتشيع. وقال السّاجِيُّ: صدوق كان يُفرطُ في التشيع. وقال المَيْمُونيُّ: ذكر عند أحمد، فرأيته كالمنكر له، وقال: كان
стр. 416
صاحب تخليطٍ، وحدَّث بأحاديث سَوْء، قيل له: فابن فُضَيل؟ قال: كان أسْتَرَ منه، وأما هو فأخرج تلك الأحاديث الرديئة. وقال يعقوب بن سُفيان: شيعي، وإن قال قائِل: رافِضيّ لم أُنْكر عليه، وهُو مُنكر الحديث. وقال الجُوزجَانيُّ: وعُبيد الله بن موسى أغلى وأسوأ مذهبًا وأرْوى للعجائب. وقال أبو مُسلم البَغْدادِيُّ: عبيد الله بن موسى من المتروكين، تركه أحمد لتشيعه، وقد عوتب أحمد على روايته عن عبد الرزاق، فذكر أن عبد الرزاق رَجَع. وقال أحمد أيضًا: رَوَى مناكير، وقد رأيته بمكةَ فأعْرَضْت عنه، وقد سمعت منه قديمًا سنة خمس وثمانين، وبعد ذلك عتبوا عليه ترك الجمعة مع إدمانه على الحجِّ.
رَوَى عن: إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عُروة، والأعمش، والأوزاعي، وابن جُرَيج، وحَنْظَلة بن أبي سُفيان، وهارون بن سُليمان الفَرّاء، وزَكريّا ابن أبي زائدة، وغيرهم.
وروى عنه: البُخاريُّ، وروى هو والباقون له بواسطة أحمد بن أبي سُريْج الرّازي، وروى عنه أبو بكر بن أبي شَيبَة، ومحمد بن يحيى الذُّهْلِيُ، ومحمود بن غَيْلان، وعُبيد، والقاسم بن زَكريّا بن دينار، وعبد الله بن محمَّد المُسْنَدي، وخلق كثير.
وليس في الكتب الستة عُبيد الله بن موسى سواه، وفي الرُّواة عُبيد الله ابن موسى الرُّويانيّ يُكنى أبا تراب، ذكره الخطيب، روى عنه عليُّ بن أحمد بن نَصْر خبرًا واحدًا.
والعَبْسِيُّ في نسبه نسبةً إلى عبْس -بسكون الباء- ابن بغيض بن رَيْث ابن غَطَفان بن سعد بن قيس عَيْلان أبو قبيلة مشهورة وعَقِبُهُ المشهور من قُطَيْعة وَوَرَقَة.
ولما كان عُبيد الله بن موسى شيعيًّا -وهذا أول ذكر للمُبْتدعة- لزم ذكر ما قيل في الرواية عنهم.
стр. 417
قال النَّوَوِيُّ: وقع في "الصحيحين" وغيرهما من كتب أئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير الدعاة إلى بدعتهم، ولم يزل الخَلَفُ والسَّلَفُ على قَبول الرواية عنهم، وما قاله أحد أقوال أربعة، وهو المعتمد، بل نقل ابن حِبّان الاتفاق عليه حيث قال: الداعية إلى البدعة لا يجوز الاحتجاج به عند أئمة الحديث قاطبة، لا أعلم بينهم فيه اختلافًا، لكن استغرب ابن حَجَر حكاية الاتفاق عليه.
وقيل: يُرَدُّ مطلقًا سواء الداعية وغيره، لأنه فاسقٌ ببدعته، وإن كان متأولا فالتحق بالفاسق غير المتأول، كما التحق الكافر المتأول بغير المتأول، وهذا يروى عن مالك وغيره، ونقله الآمِدِيُّ عن الأكثرين، وجزم به ابن الحاجب، وأنكره ابن الصَّلاح، وقال: إنه بعيدٌ مُباعِدٌ للشّائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة، كخالد بن مَخلد، وعُبيد الله بن موسى العَبْسي، وعبد الرَّزّاق بن همام، وعمرو بن دينار.
وقيل: يُرد إذا استحل الكذب نصرةً لمذهبه سواء دعا إلى مذهبه أم لا، وهو قول الشّافعيّ، فإنه قال أقبل شهادةَ أهل الأهواء إلا الخَطّابِيّة من الرّافضة، لأنهم يرون الشهادة بالزُّور لموافِقيهم، بخلاف ما إذا لم يَسْتَحِلَّ ذلك لأن اعتقاده حُرمة الكذب يمنعه منه، فيصدق.
والرابع: قول أبي الفَتْح القُشَيْريِّ وهو: إن وافَقَه أحدٌ لم يُلْتَفَت إليه إخمادًا لبدعته، وإطفاءً لنارِه، وإن لم يُوافِقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وَصَفْنا من صدقهِ، وتحرُّزه عن الكذب، واشتهاره بالدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته، فَيَنْبَغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث، ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته، وإلى الأقوال الثلاثة الأُوَل أشار العراقيُّ بقوله:
والخُلْفُ في مُبْتدعٍ ما كُفِّرا ... قِيلَ: يُرَدُ مُطلقًا واسْتُنكِرا
وقيلَ: بَلْ إذا استَحَلَّ الكَذِبَا ... نُصْرَة مَذْهَب لَهُ ونُسِبا
стр. 418
للشَّافِعِيِّ إذ يقُول أقْبَلُ ... مِنْ غَيْرِ خَطّابِيّةٍ ما نَقَلُوا
والأكْثَرُونَ وأرَاهُ الأعْدَلا ... رَدُّوا دُعاتَهم فَقَط ونَقَلا
فيه ابنُ حِبّانَ اتّفاقًا وَرَوَوْا ... عنْ أهْلِ بِدَعٍ في الصَّحِيح ما دَعَوْا
الثاني: حَنْظَلَةُ بن أبي سُفيان بن عبد الرحمن بن صَفْوان بن أُمَيَّة الجُمَحيُّ المَكِّيُّ، قيل: اسم أبي سُفيان الأسود، وهو الذي يروي عنه محمَّد بن فُضَيْل، ويقول: حدثنا حَنْظَل بن الأسود.
قال أحمد: كان وَكِيع إذا أتى على حديثه، قال: حدثنا حَنْظلَة بن أبي سُفيان، وكان ثقةً ثقة. وكذا قال الجُوزْجانيُّ، عن أحمد: إنه ثقةٌ ثقة. وقال ابن أبي مَرْيم، عن ابن مَعين: إنه ثقة حجة. وقال عبد الله بن شُعيب عنه: حَنْظَلَةٌ وأخُوه ثِقَتان. وقال أبو زُرْعة، وأبو داود، والنَّسائيُّ: ثقة. زاد أبو داود: وعثمان بن الأسْود يُقَدَّمُ عليه. وقال ابن المَدينيّ: سألت عنه يَحْيىَ بن سعيد، فقال: كان عنده كتاب، ولم يكن عندي مثلُ سيفٍ، وقال ابن عَدِيّ: عامة ما روى حَنْظَلة مستقيم، وإذا حدّث عنه ثقة فهو مستقيم. وقال يَعْقُوب بنُ شَيْبَة: هو ثقةٌ، وهو دون المتَثَبِّتين. وقال أيضًا: قيل لعلي بن المَديني: كيف رواية حَنْظلة عن سَالِم؟ قال: روايته عن سالم وَاد، ورواية موسى بن عُقبة عن سالم واد آخر، ورواية الزُّهْري عن سالم كأنها أحاديث نافع. فقيل لِعَليّ: هذا يَدُلُّ على أن سالمًا كثير الحديث، قال: أجل. وقال ابن سَعْد كان ثقة، وله أحاديث. وقال ابن المَدِيني: لا بأس به، وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال: اسم أبي سُفيان الأسود .. إلخ. ما مرَّ قريبًا. وذكره ابن عَدِيٍّ في الكامل وأورد له حديثًا استنكره، لعل العلة فيه من غيره.
روى عن سَالم بن عبد الله بن عُمر، وسعيد بن مِيناء، وطاووس، وعِكْرمة بن خالد، والقاسم بن محمَّد، ونافِع مولى ابن عُمر، وعَطاء بن أبي رَباح، ومُجاهد، وأخويه عبد الرحمن وعَمرو، وجماعة.
وروى عنه: الثَّوريُّ، وحمّاد بن عيسى الجُهَنِيُّ، وابن المُبارك،
стр. 419
وابن نُمير، وابن وَهْب، ووكيع، والقطّان، وعُبيد الله بن موسى، ومَكِّي ابن إبراهيم، وجماعة.
مات سنة إحدى وخمسين ومئة.
والجُمَحِيُّ في نسبه نسبةً إلى بني جُمَح من قريش، وهم بنو جُمح ابن عَمرو بن هُصَيْص بن كَعب بن لُؤي، وسَهْم أخو جُمح جد بني سَهمٍ، وزعم الزُّبير بن بكار أن اسم جُمِح تَيْم، واسم سَهْم زَيْد، وأن زيدًا سابَقَ أخاه إلى غابة فَجَمَحَ عنها تَيمٌ، فسُمي جُمَح، ووقف عليها زَيْد، فقيل: قد سَهَمَ زيد فسمي سَهْمًا.
وليس في الرواة حَنظلة بن أبي سُفيان سواه، وحنظلة في الستة غيره عشرة.
الثالث: عِكْرمة بن خالد بن العَاص بن هِشام بن المُغيرة بن عبد الله ابن عَمرو بن مَخزوم القُرَشيُّ المَخْزوميُّ.
قال ابن مَعين، وأبو زُرْعة، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن سَعْد: كان ثقة، وله أحاديث، ووثقه البُخاري كما قال أبو الحسن بن القطان، وقال آدم: سمعت البخاري يقول: منكر الحديث.
روى عن: أبيه، وأبي هُريرة، وابن عبّاس، وابن عُمر، وأبي الطُّفَيل، ومالِك بن أوْس بن الحَدَثان، وسعيد بن جُبَير، وجَعْفر بن عبد المطَّلب، وغير واحد.
روى عنه: أيوب، وابن جُرَيج، وعبد الله بن طَاوُوس، وحَنْظلة بن أبي سفيان، وقَتَادة، وحمّاد بن سَلَمة، وعَطاء بن عَجْلان، وآخرون.
وقال أحمد بن حَنْبل: لم يسمع من ابن عَبّاس، وقال أيضًا: لم يَسمع من عُمر، وسمع من ابنه.
стр. 420
وليس في الستة عِكْرمة بن خالد سواه، وفي الرُّواة عِكرمة بن خالد قريب الذي قبله، ذكره العُقَيليُّ في كتابه، وعِكرمة في الستة سواه خمسة.
والمَخْزُوميُّ في نسبه نسبةً إلى مَخزوم أبو حيٍّ من قُريش، وهو ابن يقظة بن مُرة بن كَعب بن لُؤي بن غالِب، وفي عَبْس أيضًا مخزوم أبو قبيلة منهم، وهو ابن مالِك بن غالِب بن قَطيعة بن عَبْس، منهم خالد بن سِنان ابن غيث بن مريطة بن مخزوم، وقيل: إنه نبيٌّ صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
الرابع: عبد الله بن عُمر، مر قريبًا في الأثر الرابع من كتاب الإِيمان.
لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعَنْعنة والإِخبار، ورواته كلهم مكِّيون إلا عُبيد الله فإنه كوفي، وكله على شرط الستة إلا عِكرمة بن خالد فإن ابن ماجة لم يُخرج له، وهو من رُباعيات البُخاري، ومن خُماسيات مسلم، فَعَلا البخاريُّ برجلٍ.
أخرجه البخاريُّ هُنا، وفي التفسير، ومسلم في الإِيمان عن محمَّد ابن عبد الله بن نمير وغيره.
ثم قال المؤلف:
стр. 421
٣ - باب أمور الإِيمان
بالإِضافة البيانية، أي: بيان الأمور التي هي الإِيمان، لأن الأعمال عند المؤلف هي الإِيمان، أو بمعنى اللام، أي: باب الأمور الثابتة للإِيمان في تحقيق حقيقته، وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذَرٍّ: "أمْر الإِيمان" بالإِفراد على إرادة الجنس، ثم قال:
"وقول الله تعالى" بالجر عطف على أمور، وفي رواية: " " بدل قوله: "تعالى".
وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] البرُّ قُرىء بالنصب على أنه خبر مقدم، وأن تولوا هو الاسم، وقُرىء بالرفع على أنه اسم وأن تُولوا خبر، والبِرُّ اسم جامعٌ لكل خير وفعل مَرْضِيّ.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بتخفيف لكن، والبرُّ مبتدأ، وخبره من آمن بالله، وقُرىء لكن بالتشديد، ونصب البر على الاسمية.
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] على حذف مضاف، أي. برُّ من آمن، أو يؤول البر بالبارّ باسم الفاعل، قيل: الخطاب لأهل الكتاب، لأن اليهود تُصلي قِبَل المغرب إلى بيت المَقدس، والنّصارى قِبَل المشرق، وذلك أنهم أكْثَر والخَوْض في أمر القبلة حين تَحَوَّل رسول الله ﷺ إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم، وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ﴾ جنس كتاب الله أو القرآن، وقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل: الضمير للمال، أي: على حبِّ المال والشح به كما قال ﵊ لما سئل أيُّ الصَّدقةِ أفْضَلُ؟ قال: "أنْ تَتَصَدَّق وأنْتَ صَحيحٌ شَحيحٌ تأْملُ الغِنَى وتَخْشَى الفقر ولا تمهل حتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُوم قُلتَ لِفُلان كذا ولِفلانٍ كذا، ألا وَقَد كَانَ لِفُلان كذا" أخرجه الشيخان وغيرهما. أو الضمير للإِيتاء المفهوم من: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ وعلى فيهما
стр. 422
بمعنى مع، أو الضمير لله تعالى، وعلى أجلية، كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ أي: القرابة، واليَتَامى المحاويج منهما، ولم يُقَيِّد لعدم الإِلباس، لأن إيتاء الأغنياء هِبة لا صدقة، وقدم ذوي القُربى لأن إيتاءهم أفضل، لقَوْله ﵊ كما في أحمد والتِّرْمِذيّ: "الصَّدَقَة عَلَى المِسْكِين صَدَقَةٌ، وعلى ذِي الرَّحِم صَدَقَةٌ وصلةٌ".
وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ جمع مسكين، وهو الدائم السكون لما أن الحاجة أسْكَنَتْهُ بحيث لا حراك به، أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس كالمِسْكير الدائم السكر.
وقوله: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المراد به المسافر المُنْقطع، وجُعِلَ ابنًا للسبيل لملازمته له، كمَا يُقال للصِّ القاطع: ابن الطريق، وقيل: هو الضيف، لأن السبيل يُعرف به.
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ أي: الذين ألجأتهُمُ الحاجة إلى السؤال، قال ﵊ كما أخرجه أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم: "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وإن جَاءَ عَلَى فرسٍ" وقيل: المساكين السابق ذكرهم، الذين لا يَسْألون وتُعْرَف حاجتهم بحالهم، وإن كان ظاهرهم الغنى، وأراد بالسّائلين المساكين الذين يَسْألون، فتُعرف حالهم بسؤالهم.
وقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي في تخليصها، عامٌّ في إعانة المُكاتَبِين، وفكِّ الأُسارى، وابتياع الرِّقاب للعِتْق قُربةً، والرَّقَبَة مجازٌ عن الشخص.
وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ عطف على صلة من، والمراد المفروضة، كالزكاة في قوله: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ والمراد بما مر من إيتاء المال نوافلُ الصدقات، أو حقوق كانت في المال غير مقدرة سوى الزكاة، واختُلف هل هي باقيةٌ أو نُسِخَت؟ والصحيحُ بقاؤها، لقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ
стр. 423
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].
وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ عَطف على من آمن. ﴿إِذَا عَاهَدُوا﴾ أي: الله أو الناس.
وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ منصوب على المَدْح، بتقدير أخُصُّ أو أمدح، ولم يعطِف لبَيانِ فضلِ الصَّبر على سائرِ الأعمال، والبَأساءُ شِدَّةُ الفقر لأن البأساءَ في الأموال، والضَّرّاء في الأبْدان.
وقوله: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: وقت شدة القتال في سبيل الله، وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد، لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر، والصبر على القتال فوق الصبر على المرض، وعدّى الصبر إلى الأوَّلَيْن بفي لأنه لا يعد الإِنسان من الممدوحين إذا صَبَرَ علي شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر والمرض كالظرف له، وأما إذا أصاباه وقتًا ما، وصَبَرَ، فليس فيه مدحٌ كثيرٌ إذ أكثر الناس كذلك، وأتى بحين في الأخير لأن القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: أولئك الموصوفون بما ذَكَرَهم الذين صدقوا في إيمانهم وادعاء البر واتباع الحق.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ عذاب الله بتجنب معاصيه، وامتثال أوامره، وأتى بخبر أولئك الأول موصولًا بفعل ماض إيذانا بتحقق اتصافهم به، وأن ذلك قد وقع منهم، وغاير في خبر الثانية ليدل على أن ذلك ليس بمتجدد، بل صار كالسَّجِيّة لهم، وهذه الآية جامعة للكمالات الإِنسانية بأسرها، إذ هي تنحصر في ثلاثة أشياء، صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة للخلق، وتهذيب النفس في المعاملة مع الله، وقد أشير إلى الأول بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إلى ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾، وإلى الثاني بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إلى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، وإلى الثالث بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخرها، ولذلك وُصِف المسْتَجْمِع لها بالصدق، نظرًا إلى
стр. 424
إيمانه واعتقاده، وبالتقوى اعتبارًا لمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق.
ووجه استدلال المؤلف بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب، يظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق وغيره أن أبا ذَرٍّ سأل النبي ﷺ عن الإِيمان، فتلا عليه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ ....﴾ إلخ.
ورجاله ثقات، ولم يسقه المؤلف لأنه ليس على شرطه، وروي عنه ﵊ أنه قال: من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإِيمان، ووجه الاستدلال هو أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات، والمراد المتقون من الشرك والأعمال السيئة، فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون، والجامع بين الآية والحديث هو أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى البر كما هي داخلة في مسمى الإِيمان، فإن قيل ليس في المتن ذكر التصديق، أجيب بأنه ثابت في أصل هذا الحديث عند مسلم وغيره، والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يذكر أصله، ولم يسقه تمامًا. من فتح الباري.
ثم استدل المؤلف لذلك أيضًا بآية أخرى فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية بلا أداة عطف، والحذف جائز، والتقدير وقول الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وثبت المحذوف في رواية الأصيلي، ويُحتمل أن يكون ذكر ذلك تفسيرًا لقوله: ﴿الْمُتَّقُونَ﴾، أي المتقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى آخرها، وكان المؤلف أشار إلى إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما.
ومن ثم ذكر ابن حِبّان أنه عد كل طاعة عدها الله تعالى في كتابه من الإِيمان، وكل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإِيمان، وحذف المكرر فبلغت تسعًا وتسعين، وقوله: الآية، يجوز فيها النصب بتقدير اقرأ، والرفع مبتدأ حذف خبره أي والآية دليل.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ قد لتحقيق ما يحصل في المستقبل وتنزيله منزلة الواقع، فإنها تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه، و ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي:
стр. 425
فاز المؤمنون، ظفروا بمقصودهم، ونَجَوْا من كل مكروه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والمؤمنون جمع مؤمن، وهو المصدق بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره، وكان المؤمنون يتوقعون نوع البشارة منه تعالى، فصَدَّر السورة بما دَلَّ على ثبوت متوقعهم على أبلغ وجه، بأن أدخل قد على المضارع البارز في صورة الماضي الدالِّ على التحقيق، فكأنه قال: قد تحقق أن المؤمنين من أهل الفلاح بالإِيمان، ويجوز أن يكون جواب قسم محذوف فيزداد تأكيدًا على تأكيد.
وقوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾ ظاهرًا وباطنًا، فالخشوع الظاهري التمسك بآداب الصلاة كقصر الأبصار في مواضع السجود، لأن الخشوع فعل قلب يظهر أثره في الجوارح، لحديث: "لَوْ خَشَعَ قَلبُ هذا لَخَشعتْ جوارحُه" والباطني استحضار عظمة الله تعالى، ومنه أن لا يحدث نفسه بأمر لا يتعلق بالصَّلاة، وأن يتدبر ما يجري على لسانه من القراءة والذكر، وأن لا يلتفت، لحديث: "لَا يَزَال الله مقبلًا على العَبْد ما لم يَلْتَفِت، فإذا التفتَ أعْرَضَ عنه" قال في "الجواهر": قد نَصَّ أئمتنا على وجوب الخُشوع في الصلاة، قال الغَزّالي: كل ما يَشغَلُك عن معاني قراءتك فهو وسواسٌ، ثم أتبع وصفهم بالخشوع وصفهم بالإِعراض عن اللغو، جمعًا لهم بين فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي، بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] والمراد باللغو كل ما لا يَعُودُ على الشخص منه فائدة في الدين أو الدنيا، قولًا كان أو فعلًا أو مكروهًا أو مباحًا، كالهَزْل واللَّعب، وضياع الأوقات فيما لا يعني، والتوغل في الشهوات، وغير ذلك مما نهى الله تعالى عنه، فبالجملة ينبغي للإِنسان أن يُرى ساعيًا في حسنةٍ لمعادِهِ، أو دِرهم لمعاشِه، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وهذا كالتتمة للصلاة، فلذا فَصَّلَ به بينها وبين الزكاة التي هي أختها، وفيه مبالغات بجعل الجملة اسمية، وبناء الحكم على الضمير، والتعبير عنه بالاسم، وتقديم الصلة عليه، وأقَامَ الإِعراض مقام الترك
следующие страницы →