Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
الحديث الثاني والأربعون
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْر، وهُوَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ.
وهذا الحديث مرَّ في باب وقت المغرب، ومرَّ الكلام عليه.
رجاله خمسة:
الأول: مسلم بن ابراهيم، وقد مرَّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ شعبة في الثالث منه، ومرّ سعد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء ومرّ محمد بن عمرو بن الحسن في السابع والثلاثين من كتاب المواقيت هذا، ومرّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي، ومرّ الكلام على مواضع إخراجه عند ذكره في السابع والثلاثين.
ثم قال المصنف:
باب فضل العشاء
قال في "الفتح": لم أر من تكلم على هذه الترجمة، فإنه ليس في الحديثين اللذين ذكرهما المؤلف في هذا الباب ما يقتضي اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة، وكأنَّه مأخوذ من قوله: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، فعلى هذا في الترجمة حذفٌ تقديره: "باب فضل انتظار العشاء".
стр. 3607
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلاَمُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ".
قوله: "عن عروة"، عن مسلم في رواية يونس عن ابن شهاب: "أخبرني عروة"، وقوله: "وذلك قبل أن يفشو الإسلام"، أي: في غير المدينة، وإنما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكة. وقوله: "حتى قال عمر"، زاد المصنف في رواية صالح عن ابن شهاب، في باب "النوم قبل العشاء": "حتى نادى عمر الصلاة" وهي بالنصب بفعل مضمر تقديره صل الصلاة مثلًا، وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه. وقوله: "نام النساء والصبيان"، أي: الحاضرون في المسجد، وإنما خصهم بذلك لأنهم مِظنة قلة الصبر عن النوم، ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال. وسيأتي في حديث ابن عمر قريبًا: "حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا" ونحوه في حديث ابن عباس، وهو محمول على أن الذي رقد بعضهم لا كلهم، ونسب الرقاد إلى الجميع مجازًا.
وقوله: "ما ينتظرها أحد غيركم"، وذلك إما لأنه لا يُصَلّى حينئذ إلا بالمدينة، أي: لا يصلّى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة، إلا بها. وبه صرح الداووديّ، لأن من كان بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلُّون إلا سرًّا"، وأما غير مكة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها. وقوله: "غيركم"، يحتمل الرفع على أنه نعت لأحد، أو بدل منه، والنصب على
стр. 3608
الاستثناء. ودل لفظ: "أعتم ليلةً" على أن غالب أحواله ﵊ كان تقديم العشاء.
رجاله ستة: وفيه ذكر عمر.
الأول: يحيى بن بكير، وقد مرَّ هو والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من الوحي، ومرّ عروة وعائشة في الثاني منه، ومرَّ عمر في الأول منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والإخبار بتأنيث الفعل، والقول، ورواية التابعيّ عن التابعيّ، عن الصحابية.
стр. 3609
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولاً فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، فَأَعْتَمَ بِالصَّلاَةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ". أَوْ قَالَ: "مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ". لاَ يَدْرِى أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: "في بقيع بطحان"، بفتح الموحَّدة وكسر القاف، المكانُ المتسع من الأرض، ولا يسمى بقيعًا إلا وفيه شجرٌ أو أُصولها. وبُطحان، بضم الموحدة وسكون الطاء، واد بالمدينة، وحكي فيه فتح الباء وكسر الطاء. وقوله: "نفر"، مرفوع لأنه فاعل يتناوب، والنفر عدة رجال من الثلاثة إلى عشرة. وقوله: "وله بعض الشغل في بعض أمره"، وروى الطبريّ من وجه صحيح عن جابر أن الشغل المذكور كان في تجهيز جيش. وقوله: "فأعتم في صلاة"، فيه دلالة على أن تأخير النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا، ومثله في حديث ابن عمر الآتي قريبًا "شغل عنها ليلة"، وكذا قول عائشة: "أعتم بالصلاة ليلةً" فهذا كلّه يدل على أن ذلك لم يكن من شأنه، والفصل في ذلك حديث جابر: "كانوا إذا اجتمعوا عجل، وإذا أبطأوا أخَّر".
стр. 3610
وقوله: "حتى ابْهارَّ الليل"، أي: طلعت نجومه واشتبكت، والباهر: الممتلىء نورًا، وقيل: ابهارّ الليل: كَثُرَت ظُلمته، وابهارّ القمر: كَثُر ضوءُه. وقيل: ابهارٌ انتصف، مأخوذ من بهرة الشيء، وهو وسطه، ويؤيده أن في بعض الروايات: "حتى إذا كانَ قريبًا من نصف الليل، وتأتي عن أبي سعيد، ويأتي في حديث أنس عند المصنف: "إلى نصف الليل"، وفي الصحاح: "ابهار الليل: ذهب معظمه وأكثره، وعند مسلم من رواية أم كلثوم عن عائشة: "حتى ذهب عامة الليل".
وقوله: "على رِسلِكم" بكسر الراء ويجوز فتحها، والمعنى تأنَّوا. وقوله: "أبشروا"، من الإبشار. يقال: بَشَر وبَشَّر وأبْشَر بمعنى. وقوله: "إنَّ من نعم الله أنه"، بكسر همزة إن، وفتح همزة أنه خبر إن. واستدل بذلك على فضل تأخير صلاة العشاء، ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصح ذلك الآن للأئمة، لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بالتخفيف، وقال: "إن فيهم الضعيف وذا الحاجة"، فتَرْكُ التطويل عليهم في الانتظار أَوْلى، وقد روى أبو داود والنَّسائيّ وابنُ خُزيمة وغيرهم، عن أبي سعيد: "صلينا مع رسول الله ﷺ العَتَمة، فلم يخرج حتى مضى نحوٌ من شطر الليل، فقال: "إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم، وحاجة ذي الحاجة، لأخَّرتُ الصلاة إلى شطر الليل".
ويأتي في حديث ابن عباس قريبًا: "لولا أن أَشُقَّ على أُمَّتي لأَمرتهم أن يصلُّوها هكذا"، وللتِّرمذيَّ وصححه، عن أبي هُريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه"، فعلى هذا من وجد قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقه أفضل. وقال العيني: قال أصحابنا: إن كان القوم كسالى يستحب التعجيل، وإن كانوا راغبين يستحب التأخير، وقد مرّ باقي الكلام عليه في باب "وقت المغرب"، عند حديث جابر.
стр. 3611
وقوله: "فرجعنا فرحى"، جمع فرحان على غير قياس، ومثله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ في قراءة، أو تأنيث فَرِح، وهو نحو: الرجال فعلت، وللكشميهنيّ: "فرجعنا وفرحنا"، ولبعضهم: "فرجعنا فَرَحًا" بفتح الراء على المصدر. وعند مسلم كالرواية الأولى، وسبب فرحهم علمهم باختصاصهم بهذه العبادة التي هي نعمة عظمى، مستلزمة للمثوبة الحسنى، مع ما انضاف إلى ذلك من تجميعهم خلف النبي ﷺ .
وقد أخرج أبو داود عن معاذ بن جبل، قال: "بقينا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في صلاة العَتَمة، فتأخر حتى ظن ظان أنه ليس بخارج، والقائل منا يقول: صلَّى، وأنا كذلك، حتى خرج صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا له كما قالوا، فقال: "أعتموا بهذه الصلاة، فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم". وقوله: "بقَيْنا"، بفتح القاف، أي: انتظرناه.
رجاله خمسة:
الأول: أبو العلاء، والثاني: أبو أسامة، وقد مرّا في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ بريد وأبو بردة وأبو موسى في الرابع من الإيمان.
لطائف إسناده:
ومواضع إخراجه تقدمت، عند ذكره في باب "من أدرك من العصر ركعة".
ثم قال المصنف:
باب ما يكره من النوم قبل العشاء
стр. 3612
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا.
وهذا الحديث طرف من حديث أبي برزة المتقدم في باب وقت العصر، وقد مرَّ الكلام هناك على ما قيل في النوم قبلها والحديث بعدها. وقد رُوِي أن ابن عمر كان يسُبُّ من ينام قبلها فيما حكاه ابن بطال، ورُوي عنه أنه كان يرقد قبلها ويوكِّل من يوقظه. أخرجه عبد الرزاق. ويأتي قريبًا للمؤلف أنه كان يرقد قبلها. وكتب عمر أن لا ينام قبل أن يصليها، ومن نام فلا نامت عيناه. ورُوي عن عليّ أنه ربما أغفى قبل العشاء. وعن عروة وابن سيرين والحكم أنهم كانوا ينامون قبل العشاء، وكان أصحاب عبد الله يفعلون ذلك، وبه قال بعض الكوفيين.
وقالوا: إنما كره ذلك لمن خشي فوات الوقت والجماعة، أما من وَكّل به ما يوقظه لوقته فمباح، فدل على أن النهي ليس للتحريم فعل الصحابة، لكن الأخذ بظاهر الحديث أحوط، وكره ذلك أبو هريرة وابن عباس وعطاء وابراهيم ومجاهد وطاووس ومالك والكوفيُّون. ورُوي عن أنس: "كنا نجتنب الفرش قبل العشاء".
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن سلام، وقد مرّ في الثالث عشر من الإيمان، ومرّ عبد الوهاب الثقفيّ في التاسع منه، ومرّ خالد الحذّاء في السابع عشر من العلم،
стр. 3613
ومرّ أبو المنهال وأبو برزة في الثامن عشر من كتاب المواقيت.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين.
ثم قال المصنف:
باب النوم قبل العشاء لمن غُلِب
أي: هذا باب في بيان حكم النوم قبل العشاء لمن غُلب، بالبناء للمجهول، أي: غَلَب عليه النوم.
стр. 3614
الحديث السادس والأربعون
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بن بلالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، هو ابن بلالٍ، قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ: الصَّلاَةَ، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ". قَالَ: وَلاَ تُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلاَّ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ.
قوله: "ولا تُصلَّى"، بضم المثناة الفوقية وفتح اللام المشددة مبنيًا للمجهول، أي: صلاة العشاء، والمراد أنها لا تُصلى بالهيئة المخصوصة، إلى آخر ما مرَّ في باب "فضل العشاء". وقوله: "وكانوا"، أي: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه. وقوله: "إلى ثلث الليل"، في هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء، لما يشعر به السياق من المواظبة على ذلك. وقد ورد هذا الحديث عند النَّسائيّ بصيغة الأمر، ولفظة: "صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل"، وليس بين هذا وبين حديث أنس: "أنَّه أخَّر الصلاة إلى نصف الليل" معارضة، لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته صلى الله تعالى عليه وسلم.
وزاد مسلم في هذا الحديث: قال ابن شهاب: وذُكر لي أن رسول الله ﷺ قال: "وما كان لكم أن تَنْزُروا رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم للصلاة، وذلك حين صاح عمر"، وقوله: "أن تَنْزُروا"، بفتح الفوقانية وضم الزاي بعدها راء، أي: تُلِحُّوا عليه. وروي بضم أوله بعدها موحدة ثم راء مكسورة، ثم زاي، أي: تخرجوا.
стр. 3615
رجاله سبعة:
الأول: أيوب بن سُليمان، وقد مرّ في الثاني عشر من كتاب المواقيت هذا، ومرّ أبو بكر عبد الحميد بن أبي أُويس في الحادي والستين من العلم، ومرّ سليمان بن بلال في الثاني من الإيمان، ومرّ صالح بن كيسان في السابع من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ عروة وعائشة في الثاني منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، وبصيغة الإخبار بالإفراد في موضع، والعنعنة في ثلاثة، والقول في أربعة، ورواية الرجل عمن روى عن أبيه، ورواية التابعي عن التابعي عن الصحابية، وشيخُ البخاريّ من أفراده.
стр. 3616
الحديث السابع والأربعون
حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ غَيْرُكُمْ". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لاَ يُبَالِي أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا إِذَا كَانَ لاَ يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ، فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلاَةَ. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَقْطُرُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا". فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثُمَّ ضَمَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ، وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لاَ يُقَصِّرُ وَلاَ يَبْطُشُ إِلاَّ كَذَلِكَ، وَقَالَ: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا".
وقوله: "شغل عنها ليلة فأَخَّرها"، هذا التأخير مغاير للتأخير المذكور في حديث جابر وغيره، المقيد بتأخير اجتماع المصلين، وسياقه يشعر بأن ذلك لم يكن من عادته. قلت: الحديث هنا مصرح بأن التأخير كان لشغل، كما مرَّ في حديث أبي موسى، فيحتمل أن يكون للشغل الذي ذكره أبو موسى، ويحتمل أن يكون شغلًا آخر. وقوله: "حتى رقدنا في المسجد"، استدل به من ذهب الى
стр. 3617
أن النوم لا ينقض الوضوء ولا دلالة فيه لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان قاعدًا متمكنًا، أو لاحتمال أن يكون مضطجعًا لكنه توضأ، وإن لم ينقل اكتفاء بما عرف من أنهم لا يصلون على غير وضوء.
وقوله: "وكان يرقد قبلها"، أي: ابن عمر، قبلها، أي: قبل صلاة العشاء، وهو محمول على ما إذا لم يخش أن يغلبه النوم عن وقتها، كما صرح به قبل هذا حيث قال: "وكان لا يبالي أَقَدَّمَها أَم أخَّرها". وروى عبد الرزاق فيما مرّ أن ابن عمر كان ربما رقد عن العشاء الآخرة، ويأمر أن يوقظوه، والمصنف حمل ذلك في الترجمة على ما إذا غلبه النوم، وهو اللائق بحال ابن عمر.
وقوله: "قال ابن جريج"، هو بالإسناد الذي قبله، ووهم من زعم أنه معلق، وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بالإسنادين، وأخرجه من طريقه الطبرانيّ، وعنه أبو نعيم في مستخرجه. وقوله: "فقام عمر، فقال: الصلاة"، زاد في "التمني": "رقد النساء والصبيان"، وهو مطابق لحديث عائشة الماضي. وقوله: "واضعًا يده على رأسه"، كأنَّه كان اغتسل قبل أن يخرج.
وقوله: "فاستثبت"، هو مقول ابن جريج. وقوله: "فبدد لي"، أي: فرق والتبديد التفريق. وقوله: "على قَرْن الرأس"، قَرْن الرأس بالفتح جانبه. وقوله: "ثم ضمّها"، كذا له بالضاد المعجمة والميم، ولمسلم "وصبها" بالصاد المهملة والموحدة، وصوَّبه عياض، قال: لأنه يصف عصر الماء في الشعر باليد. ورواية المصنف أوجه، لأن ضم اليد صفة للعاصر. وقوله: "حتَّى مسّت إبهامه طرفَ الأُذن"، كذا بإفراد الإبهام للكشميهنيّ، وهو فاعل، وطرف منصوب على المفعولية، ولغير الكشميهنيّ "إبهاميه" منصوب مفعول به، والفاعل طرف الأذن، ويؤيد الرواية الأُولى ما عند النَّسائيّ وأبي نعيم، عن ابن جريج: "حتى مست إبهاماه طرفَ الأذن".
وقوله: "لا يقصر ولا يبطش"، أي: لا يبطىء ولا يستعجل، ويقصر بالقاف للأكثر، وعند الكشميهنيّ: لا يعصر بالعين، والأُولى أصوب وقوله: "لأَمرتهم
стр. 3618
أن يصلوها هكذا"، أي: في هذا الوقت. بيّن ذلك المصنّف في كتاب التمني، عن ابن جريج في هذا الحديث، فال: إنه للوقت. وزاد الطبرانيّ عن ابن عباس، في هذا الحديث: "قال: وذهب الناسُ إلا عثمان بن مظعون، في ستة عشر رجلًا، فخرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ما صلَّى هذه الصلاة أمَّةٌ قبلَكُم".
قلت: كيف يصح أن يكون ابن عباس حضر القصة كما في الحديث، كأني أنظر إليه، ويكون عثمان بن مظعون حاضرًا لها، مع كون عثمان توفي بكثيرٍ قبل قدوم ابن عباس المدينة؟ اللهمَّ إلا أن تكون القصة متعددة. وفي الحديث دلالة على أن النوم لا ينقض الوضوء، لأنه محال أن يذهب على أصحابه أن النوم ناقض، ويصلُّون معه، والجواب عنه ما مرّ، واختلف العلماء في النوم، فعند مالك: ينقض الثقيل مطلقًا، ولا ينقض الخفيف مطلقًا، من غير اعتبارٍ لهيئة النائم على المشهور في مذهبه.
ومذهب الشافعي: أنه إذا نام جالسًا ممكنًا مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا انتقض فسواء قلَّ أو كثر، وسواء كان في الصلاة أو خارجها.
ومذهب أبي حنيفة: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لم ينتقض وضوءه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، وإن نام مضطجعًا أو مستلقيًا على قفاه انتقض، وهو قول داود، وبه قال الشافعي في قول غريب.
ومذهب أحمد: ينقض النوم الثقيل، إلا يسيرًا عرفًا من جالس وقائم، لا من راكع وساجد ومضطجع ومستند ومتكىء ومحتبٍ فناقض، ومذهب البعض أن النوم ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى وسعيد بن المسيب وأبي مُجلز وشعبة وحُميد الأعرج. ومذهب البعض أنه ينقض بكل حال، وهو مذهب الحسن البصريّ والمُزنيّ وأبي عُبيد القاسم بن سَلاّم وإسحاق بن راهويه، وهو قولٌ غريبٌ للشافعيّ.
стр. 3619
وقال ابن المنذر: وبه أقول، وقد روي معناه عن ابن عباس وأبي هريرة، ومذهب البعض أن كثيره ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بكل حال، وهو مذهب الزُّهريّ وربيعة والأوزاعيّ ومالك في رواية عنه، وأحمد في رواية عنه أيضًا. وقد مرّ الكلام على ما قيل في النوم في باب "الوضوء من النوم" من كتاب الوضوء، وأَعدت الكلام عليه هنا لبعض زيادات لم تذكر هناك.
رجاله سبعة:
الأول: محمود بن غَيلان العدويّ، نزل بغداد، أبو أحمد المروزيّ. قال أحمد: أعرفه بالحديث صاحب سنّة، قد حُبس بسبب القرآن. وقال النَّسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، سمع من إسحاق بن راهويه حديثين. وقال السّرّاج: رأيت إسحاق واقفًا على رأس محمود بن غيلان وهو يحدِّثنا. وقال مسلمة المروزيّ: ثقة. روى عن وكيع وابن عُيينة والنضر بن شميل وعبد الرزاق وغيرهم. وروى عنه الجماعة سوى أبي داود، وأبو حاتم وأبو زرعة والذهليّ وابن خزيمة وآخرون. مات في رمضان سنة تسع وثلائين ومئتين، وليس في الستة محمود بن غيلان سواه.
الثاني: عبد الرزاق، وقد مرّ في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرّ ابن جُريج في الثالث من الحيض، ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرّ عطاء بن أبي رباح في التاسع والثلاثين منه، ومرّ ابن عمر أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والإخبار بصيغة الجمع في موضع، وبالإفراد في موضع، والقول في أربعة، ورواته ما بين مروزيّ ويمانيّ ومكيّ ومدنيّ. أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم في الصلاة، وأبو داود في الطهارة، والنَّسائيّ.
ثم قال المصنف:
стр. 3620
باب وقت العشاء إلى نصف الليل
في هذه الترجمة حديث صريح عند مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، في بيان أول الأوقات وآخرها، وفيه: "فإذا صلّيتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل". قال النووي: معناه وقت لأدائها اختيارًا، وأما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر، لحديث أبي قتادة عند مسلم: "إنَّما التفريط على من لم يصلّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى"، وقال الإصطخريّ: إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء، ودليل الجمهور حديث أبي قتادة المذكور، وعمومه مخصوص بالإجماع في الصبح.
ثم قال: وقال أبو برزة: "كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يستحبُّ تأخيرها، وليس فيه تصريح بقيد نصف الليل، ولكن أحاديث التأخير والتوقيت لما جاءت، مرّة مقيدة بالثلث، ومرّة بالنصف، كان النصف غاية التأخير، ولم يثبت في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديث صريح، وهذا طرف من حديث أبي برزة الذي تقدم في باب "وقت العصر"، ومرّ أبو برزة في الثامن عشر من كتاب المواقيت هذا.
стр. 3621
الحديث الثامن والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا".
قوله: "صلاة العشاء"، زاد مسلم: ليلة، وفيه إشعار بأنه لم يكن يواظب على ذلك. وقوله: "قد صلى الناس"، أي: المعهودون ممن صلى من المسلمين إذ ذاك.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربيّ أبو زياد الكوفيّ، قال أبو زرعة: شيخٌ فاضلٌ ثقةٌ. وقال أبو داود: رجلٌ صالحٌ أثبتُ من أبيه، كان سقام البدن. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا. وفي "الزهرة" روى عنه البخاريّ خمسة أحاديث. روى عن أبيه وزائدة بن قدامة وسليمان بن المغيرة وغيرهم. وروى عنه البخاريّ وابن ماجه بواسطة أبي كريب عنه، وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. مات في رمضان سنة احدى عشرة ومئتين، وليس في الستة عبد الرحيم بن عبد الرحمن سواه.
الثاني: زائدة، وقد مرّ في الثاني والعشرين من الغسل، ومرّ حُميد الطويل في الثاني والأربعين من الإيمان، ومرَّ أنس في السادس منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والقول في موضعين، ورواته ما بين كوفيٍّ ويصريٍّ.
стр. 3622
ثم قال: وزاد ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: حدَّثني حُميد، سمع أنسًا: "كأني أنظر إلى وَبيصِ خاتمه ليلتئذٍ". قوله: "كأني أنظر إلى وبيص ... "، الجملة في موضع المفعول، لقوله زاد، وهذا التعليق وصله أبو طاهر المخلص في الجزء الأول من فوائده، وأوله: "سُئِل أنس: هل اتخذ النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم خاتمًا؟ قال: نعم، أخّر العشاء، فذكره. وفي آخره: "وكأنِّي أنظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذٍ".
والوييص، بالموحدة والصاد المهملة: البريق، وقد مر استيفاء الكلام على الخاتم في باب "ما يذكر في المناولة"، وكتاب أهل العلم بالعلم للبلدان، ومرّ الكلام على فضل انتظار الصلاة في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين"، من كتاب الوضوء. وفي باب "الحديث في المسجد" من أبواب المساجد.
رجاله أربعة:
الأول: سعيد بن أبي مريم، وقد مرَّ في الرابع والأربعين من العلم، ومرّ يحيى بن أيوب في تعليق بعد الثاني من أبواب القبلة، وحميد وأنس قد ذكرا، وهذا التعليق أخرجه مسلم ووصله البغويّ.
ثم قال المصنف:
باب فضل صلاة الفجر
وقع في رواية أبي ذر زيادة "والحديث"، وهي زيادة لم يظهر لها توجيه، وليست في شيء من المستخرجات، فالظاهر أنها وهم، ويدل لذلك أنه ترجم لحديث جرير أيضًا في باب فضل صلاة العصر بغير زيادة، ويحتمل أنه كان فيه باب "فضل صلاة الفجر والعصر"، فتحرفت الكلمة الأخيرة.
стр. 3623
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لاَ تُضَامُّونَ أَوْ لاَ تُضَاهُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا. ثُمَّ قَالَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا".
وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب "فضل صلاة العصر".
رجاله خمسة:
الأول: مسدد، والثاني: يحيى القطان، وقد مرّا في السادس من الإيمان، ومرّ إسماعيل بن أبي خالد في الثالث منه، ومرّ قيس بن أبي حازم وجرير بن عبد الله في الخمسين منه، وقد مرّ الكلام عليه في باب "فضل صلاة العصر".
стр. 3624
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنِى أَبُو جَمْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ".
قوله: "من صلى البَرْدين"، أي: بفتح الموحدة، وسكون الراء، تثنية بَرْد، والمراد صلاة الفجر والعصر، ويدل لذلك قوله في حديث جرير صلاة: "قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، وفي رواية مسلم: "يعني العصر والفجر". قال الخطابيّ: إنما سميت بردين لأنهما تصليان في بَرْدَي النهار، وهما طرفاه حين يطيب الهواء، وتَعْدَمُ سَوْرَةُ الحَرِّ. ونُقل عن أبي عُبيد أن صلاة المغرب تدخل في ذلك، وهو مردود بصريح التثنية، وقال البزار: إن "مَنْ" موصولة لا شرطية، والمراد الذين صلوهما أول ما فرضت الصلاة، ثم ماتوا قبل فرض الصلوات الخمس، لأنها فرضت أولًا ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس، فهو خبر عن أناس مخصوصين لا عموم فيه، ولا يخفى ما في قوله من التكلف والبعد، والأوْجه أن "مَنْ" في الحديث شرطية.
وقوله: "دخل" جواب الشرط، وعدل عن الأصل، وهو الفعل المضارع، كأنْ يقول: يدخل الجنة، إرادةً للتأكيد في وقوعه، بجعل ما سيقع كالواقع، كما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. وأما وجه التخصيص بهما فهو لزيادة شرفهما، وترغيبًا في حفظهما لشهود الملائكة لهما كما مرَّ، وقد روى الطبرانيّ وأبو القاسم الجوزيّ عن ابن مسعود موقوفًا، ينادي منادٍ عند صلاة الصبح، يا بني آدم، قوموا فأطفئوا ما أوقدتم على أنفسكم، وينادي عند العصر كذلك، فيتطهَّرون ويصلون وينامون، ولا ذنب عليهم".
стр. 3625
قلت: هذا، وإن كان موقوفًا، له حكم الرفع، إذ لا مجال للرأي فيه، ولا يقال إن مفهومه يقتضي أنَّ مَن لم يصلِّهما لم يدخل الجنة، لأنا نقول: المفهوم ليس بحجة، وأيضًا فإن قوله: "دخل الجنة" خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أنَّ من صلاهما وراعاهما انتهى عما ينافيهما من الفحشاء والمنكر، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، أو يكون آخر أمره دخول الجنة.
رجاله خمسة:
الأول: هُدبة بن خالد بن الأسود بن هُدبة القَيسيّ الثَّوبانيّ، أبو خالد البصريّ الحافظ، يقال له: هداب. قال ابن مَعين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال عبدان: كنا لا نصلي خلف هُدبة من طول صلاته، يسبح نيفًا وثلاثين تسبيحة. وقال ابن عديّ: سمعت أبا يعلى وقد سُئل عن هُدبة وشيبان أيهما أفضل، فقال: هُدبة أفضلهما وأوثقهما وأكثرهما حديثًا. وكان حديث حماد بن سلمة عنده نسختين: نسخة على الشيوخ، ونسخة على المصنفين.
وقال الحسن بن سفيان: سمعت هدبة يقول: صليت على شعبة. وقال ابن عديّ: لم أر له حديثًا منكرًا، وهو كثير الحديث، صدوق، لا بأس به. وقد وثَّقه الناس. وقال أبو داود: هدبة أعلى عندنا من شيبان. قيل له: في سماعه من أخيه من الشيوخ؟ فقال: لا ينكر سماعه. وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقة. وقال عباس بن عبد العظيم: الذي يحدِّث به هُدبة هي كتب أمية بن خالد، وقوّاه النَّسائيّ مرة وضعّفه أخرى. قال ابن حجر: لعله ضعّفه في شيء خاص، وقد أكثر عنه مسلم، ولم يخرج عنه البخاريّ سوى أحاديث يسيرة من روايته عن همام. روى عن أخيه أمية بن خالد وهمام بن يحيى والحمادَين وحمّاد بن الجَعْد وجرير بن حازم وغيرهم. وروى عنه البخاريّ ومسلم وأبو داود وأبو حاتم وحرب بن إسماعيل والبزار وغيرهم. مات سنة ثمان أو تسع وثلاثين ومئتين. وهدبة بن خالد فرد في الستة.
الثاني: همام بن يحيى، وقد مرّ في الثالث والثمانين من الوضوء ومرّ أبو
стр. 3626
جمرة في السابع والأربعين من الإيمان، ومرّ أبو موسى في الرابع منه.
والخامس: أبو بكر بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، يقال: اسمه عمرو، ويقال: عامر. قال الآجريّ: قلت لأبي داود: سمع أبو بكر من أبيه؟ قال: أراه قد سمع، وأبو بكر أرضى عندهم من أبي بُردة، وكان يذهب مذهب أهل الشام، جاءه أبو غاية الجُهنيّ قاتل عمار، فأجلسه إلى جانبه، وقال: مرحبًا. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كان أكبر من أبي بُردة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: اسمه كنيته. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: أبو بكر بن أبي موسى أفضل من أخيه أبي بردة. وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة.
وقال عبد الله بن أحمد في "العلل": قلت لأبي: فأبو بكر بن أبي موسى سمع من أبيه؟ قال: لا. وقال ابن سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث يستضعف، وكان أكبر من أخيه أبي بردة. قال ابن حجر: هذا جرح مردود، وقد أخرج له الشيخان من روايته عن أبيه أحاديث، وقد صرح بسماعه منه في روايته. روى عن أبيه والبراء بن عازب وجابر بن سمرة وغيرهم. وروى عنه أبو جمرة وبدر بن عثمان وأبو إسحاق السَّبيعي. مات سنة ستة ومئة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، والقول في موضعين. ورواية التابعيّ عن التابعيّ عن الصحابيّ، ورواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة بصريُّون بالتوالي.
ثم قال: وقال ابن رجاء: حدثنا همَّام، عن أبي جمرة: أنَّ أبا بكر بن عبد الله بن قيس أخبره بهذا. وهذا التعليق وصله محمد بن يحيى الذُّهلي، والمتن واحد.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن رجاء، وقد مرَّ في تعليق بعد الثالث من كتاب الصلاة، ومرّ ذكر محل همام وأبي جمرة وأبي بكر بن أبي موسى في الذي قبله.
стр. 3627
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ حَبَّانَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ.
فاجتمعت الروايات عن همام، بأن شيخ أبي جمرة هو أبو بكر بن عبد الله، بخلاف من زعم أنه ابن عمارة بن رُويبة. وقد أخرج مسلم حديث عمارة عن أبيه، ولفظه: "لن يلج النار أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها"، وهذا اللفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى، وإن كان معناهما واحدًا، فالصواب أنهما حديثان.
رجاله ستة:
الأول: إسحاق بن منصور، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من العلم.
والثاني: حِبّان بن هلال الباهليّ، ويقال الكِنانيّ أبو حبيب البصريّ. قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت في البصرة. وقال ابن مَعين والتِّرمذيّ والنَّسائيّ: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حجةً، وكان امتنع من التحديث قبل موته. وقال العجليّ: ثقة لم أسمع منه. وكان عسرًا. وقال البزار: ثقة مأمون على ما يحدث به. وقال ابن قانع: بصريّ صالح. وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، روى عن حماد بن سلمة وشعبة وداود بن أبي الفرات وجرير بن حازم وهمام وخلق. وروى عنه أحمد بن سعيد الرباطيّ وإسحاق بن منصور الكوسج وبندار وغيرهم. مات بالبصرة سنة ستة عشر ومئة، ومر محل ذكر همام وأبي جمرة وأبي موسى في الذي قبله. ومرّ تعريف أبي بكر فيه.
ثم قال المصنف:
باب وقت الفجر
стр. 3628
الحديث الثاني والخمسون
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ. قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ، يَعْنِي آيَةً.
قوله: "إن زيد بن ثابت حدثه"، رواية همام هذه جعلت الحديث من مسند زيد بن ثابت، ووافقه هشام، عن قتادة كما يأتي في الصيام، وترجح عند مسلم رواية همام، فإنه أخرجها وأعرض عن رواية سعيد الآتية. ويدل على رجحانها أيضًا أن الإسماعيليّ أخرج رواية سعيد، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، فقال: عن أنس، عن زيد بن ثابت.
رجاله خمسة:
الأول: عمرو بن عاصم بن عُبيد الله بن الوازع الكلابيّ القيسيّ، أبو عثمان البصريّ الحافظ. قال ابن مَعين: ثقة، وقال ابن سعد: صالح، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال إسحاق بن سيار: سمعته يقول: كتبت عن حماد بن سلمة بضعة عشر ألفًا. قال الآجريّ، عن أبي داود: لا أنشط لحديثه. قال: وسألته عنه وعن الحوضي في همام، فقدم الحوضي. قال: وقال بندار: لولا فَرَقي من آل عمرو بن عاصم لتركت حديثه. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس. وفي "الزهرة" روى عنه البخاريّ لابنه أحاديث، وروى أيضًا عن واحد عنه. قال ابن حجر: احتج به أبو داود في السنن والباقون. روى عن جده وشعبة وحماد بن سلمة وهمام بن يحيى وحرب وعدة. وروى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له بواسطة، وأبو داود السجزيّ وأبو خَيثمة وغيرهم. مات سنة ثلاثة عشرة
стр. 3629
ومئتين، وفي الستة عمرو بن عاصم سواه اثنان: الحجازيّ أخو بشر بن عاصم، والأنصاريّ.
ومرّ همام في الثالث والثمانين من الوضوء ومرّ قتادة وأنس في السادس من الإيمان، ومرّ زيد بن ثابت في التعاليق الكائنة بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، والقول في موضع، ورواية الصحابي عن صحابي، ورواته كلهم بصريُّون. أخرجه البخاريّ هنا، وفي الصوم، ومسلم والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه فيه أيضًا.
стр. 3630
الحديث الثالث والخمسون
حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، سَمِعَ رَوْحًا، قالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلاَةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً.
ورواية سعيد هذه جعلت الحديث من مسند أنس، وقوله: "تسحرا" في رواية المستملي والسرخسيّ "تسحروا" بصيغة الجمع، وهي شاذة، والذي يظهر في الجمع بين الروايتين أن أنسًا حضر ذلك، لكنه لم يتسحر معهما، ولأجل ذلك سأل زيدًا عن مقدار وقت السحور، كما في رواية همام، ووقع ذلك صريحًا في رواية النَّسائيّ وابن حبّان، ولفظهما عن أنس، قال: "قال لي رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "يا أنس، انظر رجلًا يأكل معي"، فدعوتُ زيد بن ثابت، فجاء فتسحر معه، ثم قام فصلَّى ركعتين، ثم خرج إلى الصَّلاة" وعلى هذا، فقوله: "كم كان بين الأذان والسحور؟ " يعني في رواية هشام الآتية في الصيام، أي: أذان ابن أُمّ مكتوم، لأن بلالًا كان يؤذن قبل الفجر، والآخر يؤذن إذا طلع. قلت: وهذا أوضح منه ما في الرواية من قوله: "كم كان بين فراغهما ودخولهما في الصلاة؟ ".
وقوله: "قلت لأنس"، هو قول قتادة، والروايتان صحيحتان، بأن يكون أنس سأل زيدًا في رواية همام، وقتادة سأل أنسًا في رواية سعيد. وقوله: "قام نبي الله إلى الصلاة فصليا"، كذا للكشميهنيّ، بصيغة التثنية، ولغيره: "فصلينا" بصيغة الجمع. وقوله: "قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية"، يعني متوسطة، لا
стр. 3631
طويلة ولا قصيرة، لا سريعة ولا بطيئة، وقدر بالرفع على أنه خبر المبتدأ الذي هو "كم"، أو بالنصب على أنه خبر كان المقدرة.
واستدل المصنف به على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر، لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب، والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة، وهي قراءة الخمسين آية أو نحوها قدر ثلث خمس ساعة، ولعلها مقدار ما يتوضأ، فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر. وفيه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدخل فيها بغَلَس، قال المهلبُ وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال، كقولهم: قدر حَلْبِ شاةٍ، وقَدْر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إِلى التقدير بالقراءة، إِشارة إِلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة، ولو كانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلًا: قدر درجة أو ثلث خمس ساعة.
وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إِلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وفيه السحور، لكونه أبلغ في المقصود. وقال ابن أبي جمرة: كان صلى الله تعالى عليه وسلم ينظر إلى ما هو الأرفق بأمته، فيفعله، لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه، فيشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضًا على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إِلى ترك الصبح أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. وقال: فيه أيضًا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلى الطعام، ولو ترك لشق على بعضهم، ولاسيما من كان صفراويًا، فقد يُغشى عليه، فيفضي إِلى الإفطار في رمضان.
قال: وفيه تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة، لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وفيه الاجتماع في السحور، وفيه حسن الأدب في العبارة، لقوله في رواية همام هنا: "تسحروا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم"، وفي رواية هشام في الصيام: "تسحرنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، ولم يقل: "نحن ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، لما يشعر به لفظ المعية من التبعية.
стр. 3632
وقال القرطبي: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة هو النهار، إلا أن الشمس لم تطلع. رواه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والطحاويّ، والجواب أن لا معارضة بل تحمل على اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة، فتكون قصة حذيفة سابقة.
رجاله خمسة:
الأول: الحسن بن الصباح، وقد مرّ في الثامن والثلاثين من الإيمان، ومرّ روح بن عبادة في الأربعين منه، ومرّ قتادة وأنس في السادس منه، ومرّ سعيد بن أبي عروبة في الحادي والعشرين من الغسل.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والسماع والعنعنة في موضعين، وهذا الحديث من مسانيده، والذي قبله من مسند زيد.
стр. 3633
الحديث الرابع والخمسون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، يَقُولُ: كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: "ثم تكون سرعة بي"، بالرفع على أن كان تامة، ولفظ "بي" متعلق بسرعة، أو ليست تامة، وبي الخبر، أو قوله: "أن أدرك". ويجوز النصب على أنه خبر كان، والاسم ضمير يرجع إلى ما يدل عليه لفظ السرعة، وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم في الصيام: "ثم تكون سرعتي". وقوله: "أن أدرك صلاة الفجر"، وفي رواية النَّسفيّ والجمهور: "أن أدرك السجود"، وللإسماعيليّ: "صلاة الصبح"، وفي رواية أخرى: "صلاة الغداة"، وفي رواية الكشميهنيّ: "أن أدرك السحور"، وهي غير صواب.
قال عياض: مراد سهل بن سعد أن غاية إسراعه أن سحوره لقربه من طلوع الفجر، كان بحيث لا يكاد أن يدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لشدة تغليسه ﵊ بالصبح. وقال ابن المنير: إنهم كانوا يزاحمون بالسحور الفجرَ، فيختصرون فيه ويستعجلون خوف الفوات، وغرض البخاري منه هنا الإشارة إلى مبادرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بصلاة الصبح في أول الوقت.
رجاله خمسة:
الأول: إسماعيل بن أبي أويس، وقد مرّ في الخامس من الإيمان، ومرّ أخوه عبد الحميد في الحادي والستين من العلم، ومرّ سليمان بن بلال في
стр. 3634
الثاني من الإيمان، ومرّ أبو حازم وسهل بن سعد في السابع والمئة من الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والعنعنة والسماع، ورواته كلهم مدنيُّون، ورواية الأخ عن الأخ.
стр. 3635
الحديث الخامس والخمسون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ: كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاَةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلاَةَ، لاَ يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ.
هذا الحديث استوفيت مباحثه في باب "في كم تصلي المرأة من الثياب"، من أبواب ستر العورة، ولفظه أصرح في مراد البخاري في هذا الباب من جهة التغليس بالصبح، وأن سياقه يقتضي المواظبة على ذلك، وأصرح منه ما أخرجه أبو داود عن ابن مسعود: "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أسفر بالصبح مرة، ثم كانت صلاته بعد بالغَلَس حتى مات، لم يعد إلى أن يُسفر"، وأما ما رواه أصحاب السنن، وصححه غير واحد عن رافع بن خَديج، قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر" فقد حمله الشافعيّ وغيره على أن المراد بذلك تحقق طلوع الفجر، وحمله الطحاويّ على أن المراد الأمر بتطويل القراءة فيها، حتى يخرج من الصلاة مسفرًا.
وأبعد من زعم أنه ناسخ للصلاة في الغَلَس، وتمسك الحنفية بحديث رافع بن خديج هذا، فقالوا: إن الأسفار بالصبح أفضل من التغليس، واستدلوا بأحاديث أُخر في معناه. وقالوا في التأويل المتقدم عن الشافعي وغيره: إن قوله أعظم للأجر، يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغَلَس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره لم يكن في وقت الغلس أجر، لخروجه عن الوقت. واستدلوا بأشياء أُخر واهية، ومن تأمل ما ورد في الصحيحين وغيرهما، من الأحاديث الصريحة في تغليسه في الصبح، علِمَ أن الإسفار بالصبح لم يرد من
стр. 3636
فعله ﵊ إلا المرة المتقدمة عن ابن مسعود، وأنه ﵊ كلان مداومًا على التغليس، ولا يمكن أن يدعي مسلم أنه ﵊ يداوم على غير الأفضل، وما الصبح إلا كغيره من الأوقات المطلوب فيها التقديم في أول الوقت. وأما حديث ابن مسعود الذي أخرجه المصنف وغيره، أنه قال: "ما رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلَّى صلاةً في غير وقتها، غير ذلك اليوم"، يعني في الفجر يوم المزدلفة، فمحمول على أنه دخل فيها مع طلوع الفجر من غير تأخير، فإن في حديث زيد بن ثابت وسهل بن سعد ما يشعر بتأخير تيسير، لا أنه صلاها قبل أن يطلع الفجر.
رجاله خمسة:
الأول: يحيى بن بكير، مرّ هو والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من الوحي، ومرّ عُروة بن الزُّبير وعائشة في الثاني منه.
ثم قال المصنف:
باب من أدرك من الفجر ركعة
تقدم الكلام على الحكمة في جواب الشرط من الترجمة في باب "من أدرك من العصر ركعة".
стр. 3637
الحديث السادس والخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنِ الأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ".
قوله: "يحدثونه"، أي: يحدثون زيد بن أسلم، وقد مرت مباحث هذا الحديث مستوفاة عند ذكره في باب "من أدرك من العصر ركعة"، وأورده المصنف في الباب السابق من طريق أبي سلمة، عن أبي هُريرة، وفي هذا الباب من طريق عطاء بن يسار ومن معه، عن أبي هُريرة، لأنه قدّم في طريق أبي سلمة ذكرَ العصر، وقدم في هذا ذكر الصبح، فناسب أن يذكر في كل منهما ما قدّم لما يشعر به التقديم من الاهتمام. قلت: لكن هذا لا يمكن أن يكون جوابًا عن ذكر الترجمتين مفترقتين، مع أنه كان يمكنه ذكر الحديثين في محل واحد، اللهم إلا أن يقال إن التفريق سببه ذكر أوقات الصلوات متفرقة مترتبة.
رجاله سبعة:
الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرّ في الثاني عشر من الإيمان، ومرّ مالك في الثاني من الوحى، ومرّ زيد بن أسلم وعطاء بن يسار في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرّ الأعرج في السابع منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرّ بسر بن سعيد في التاسع والستين من أبواب القبلة.
ثم قال المصنف:
стр. 3638
باب من أدرك من الصلاة ركعة
هكذا ترجم وساق الحديث بلفظ: "من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك"، وقد رواه مسلم عن عبيد الله العمريّ، وأحال به على حديث مالك، وأخرجه البيهقيّ وغيره من الوجه الذي أخرجه منه مسلم. ولفظه كلفظ ترجمة هذا الباب، قدم قوله "من الصلاة" على قوله "ركعة"، وقد علم بالاستقراء أن جميع ما يقع في البخاري مما يترجم بلفظ الحديث، لا يقع فيه شيء مغاير للفظ الحديث، إلا وقد ورد من وجه آخر بذلك اللفظ المغاير، فلله دره ما أكثر اطّلاعه.
стр. 3639
الحديث السابع والخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ".
قوله: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة"، الظاهر، أن هذا أعم من حديث الباب الماضي قبل عشرة أبواب، ويحتمل أن تكون اللام للعهد فيتحدا. ويؤيده أن كلاًّ منهما من رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهذا مطلق، وذاك مقيد، فيحمل المطلق على المقيد. وقال الكرمانيّ: الفرق بينهما أن الأول فيمن أدرك من الوقت قدر ركعة، وهذا فيمن أدرك من الصلاة ركعة. وقال بعد ذلك في الحديث: "إن من دخل الصلاة فصلى ركعة، وخرج الوقت، كان مدركًا لجميعها، وتكون كلها أداء" وهو الصحيح. وهذا يدل على اتحاد الحديثين عنده، لجعلهما متعلقين بالوقت، بخلاف الذي قال قبله.
وقال التيميّ: معناه: من أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك فضل الجماعة. وقيل: المراد بالصلاة الجمعة. وقيل غير ذلك. وقد مرّت مباحثه عند الحديث السابق في باب "من أدرك من العصر ركعة".
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرّ هو ومالك في الثاني من الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ أبو سلمة في الرابع منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان.
ثم قال المصنف:
стр. 3640
باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس
يعني ما حكمها. قال الزين بن المنير: لم يثبت حكم النهي، لأن تعيّن المنهي عنه في هذا الباب مما كثر فيه الاختلاف. وخص الترجمة بالفجر مع اشتمال الأحاديث على الفجر والعصر، لأن الصبح هي المذكورة أولًا في سائر الأحاديث، أو لأنّ العصر ورد فيها كونه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى بعدها بخلاف الفجر.
стр. 3641
الحديث الثامن والخمسون
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.
قوله: "شهد عندي"، أي: أعلمني أو أخبرني، ولم يرد شهادة الحكم. وقوله: "بعد الصبح"، أي: بعد صلاة الصبح، لأنه جائز أن يكون الحكم فيه معلقًا بالوقت، إذ لابد من أداء الصبح، فتعين التقدير المذكور. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث مفعول به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض المتقدمين وبعض الظاهرية من بعض الوجوه. قال في "الفتح": لم تقع لنا تسمية الرجال المرضيين الذين حدثوا ابن عباس بهذا الحديث. وقوله: "حتى تُشرق الشمس"، بضم أوله، من أشرق. يقال: أشرقت الشمس ارتفعت وأضاءت. ويؤيده حديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده، بلفظ: "حتى ترتفع الشمس"، ويروى بفتح أوله وضم ثالثه، بوزن تَغْرب، يقال: شَرَقت الشمس، أي: طلعت. ويؤيده رواية البيهقيّ عن ابن عمر شيخ البخاري، بلفظ: "حتى تشرق الشمس أو تطلع" على الشك.
ويأتي في رواية مسدد: "حتى تطلع الشمس" بغير شك، وكذا في حديث أبي هُريرة الآتي آخر الباب، بلفظ: "حتى تطلع الشمس" بالجزم. ويجمع بين الحديثين بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي: حتى تطلع مرتفعة. قال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب،
стр. 3642
كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وصلاة الجنازة، وقضاء الفائتة، فيذهب الشافعيّ وطائفة معه إلى جواز ذلك كله بلا كراهة، وذهب مالك إلى كراهة النافلة خاصة، كان لها سبب أم لا، بعد صلاة عصر نفسه وبعد الفجر إلى أن تصلى المغرب والى أن ترتفع الشمس قدر رمح من رماح العرب، وهي اثنا عشر شبرًا متوسطًا، وتحرم النافلة عند أول غروب الشمس، وأول طلوعها إلى أن تتكامل في الغروب أو الطلوع.
ويُستثنى من النوافل بعد طلوع الفجر الشفع والوتر، وركعتا الفجر، والوِرْدُ لنائمٍ عنه قبل الفرض في هذا كله، فإن صلى الفرض سقط الجميع إلا الفجر، فيؤخرها محل النفل، ويستثنى أيضًا الجنازة التي لم يخش تغيرها، وسجود التلاوة، فيجوزان قبل الإسفار في الصبح، وقبل الاصفرار في العصر، وأما التي يُخشى عليها التغير فيصلى عليها في كل وقت، وكذلك الفرض من حاضر وفائت دون المنذور، ومن أحرم في النافلة في الأوقات المنهي عنها قطع وجوبًا في وقت التحريم، وندبًا في وقت الكراهة.
وذهب أحمد إلى تحريم النافلة بعد العصر إلى أن تغيب الشمس، وبعد طلوع الفجر إلى أن ترتفع قيد رمح سواء كان لها سبب أم لا. واستثنى ركعتي الفجر وركعتي الطواف في الأوقات المنهي عنها، وكذا الصلاة المنذورة، والصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر، ما لم يخف عليها. فإن خيف عليها صلَّى عليها في كل وقت. وكذلك تجوز الفوائت عنده في كل وقت.
وذهب أبو حنيفة إلى أن الجميع يحرم سوى عصر يومه، وتحرم المنذورة أيضًا، واحتج الشافعيّ بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قضي سنة الظهر بعد العصر، وهو صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أَوْلى، والفريضة المقضية أولى، ويلتحق ما له سبب.
وعند المالكية: النهي لا يتناول الفرائض، وذهب أبو حنيفة إلى أن الفوائت داخلة في عموم النهي، وقد مرَّ عند حديث: "من دخل المسجد فليركع ركعتين" في أبواب المساجد، أن الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن
стр. 3643
الصلاة في أوقات مخصوصة، فلابد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية. وذهب جمع إلى عكسه وهو الحنفية والمالكية، على ما مرَّ تحريره قريبًا، وحُكي عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا، وأن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم، واستندت الظاهرية في النسخ إلى حديث: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فليصلّ إليها أخرى"، فدلّ على إباحة الصلاة في الأوقات المنهي عنها. وقال غيرهم: ادعاء التخصيص أَولى من ادعاء النسخ، ولا سبيل إلى إثباته بثبوت تأخر هذا الحديث الذي هو شرط في النسخ، فيحمل النهي على غير الفرائض، أو على ما لا سبب له من النوافل، جمعًا بين الأدلة.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عمر بن الخطاب:
الأول: حفص بن عمر، وقد مرَّ في الثالث والثلاثين من الوضوء ومرّ هشام الدستوائيّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ قتادة في السادس منه، ومرّ أبو العالية في التعاليق الكائنة بعد الثاني من العلم، ومرّ ابن عباس في الخامس من الوحي، ومرّ عمر في الأول منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والقول في موضعين، والعنعنة في ثلاثة. ورواية تابعي عن تابعي، وشيخ البخاري من أفراده. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
стр. 3644
الحديث التاسع والخمسون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِا نَاسٌ بِهَذَا.
السر في إيراد المصنف طريق يحيى القطّان، مع أن طريق هشام أعلى منها، هو التصريح بسماع قتادة من أبي العالية، فأمن تدليسه. وقوله: "ناس بهذا"، أي: الحديث بمعناه، فإن مسددًا رواه في مسنده، ومن طريقه البيهقيّ، ولفظه: "حدثني ناس أعجبهم إليَّ عمر"، وقال فيه: "حتى تطلع الشمس"، وفي التِّرمذيّ عنه: "سمعت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، منهم عمر، وكان من أحبهم إليَّ.
رجاله ستة:
الأول: مسدّد، والثاني: يحيى القطّان، وقد مرّا في السادس من الإيمان، وكذلك قتادة، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ أبو العالية بعد الثاني من العلم، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
стр. 3645
الحديث الستون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ تَحَرَّوْا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا".
قوله: "لا تحَرُّوا"، أصله: لا تتَحرّوا، فحذفت إحدى التاءين، والمعنى: لا تقصدوا، واختلف أهل العلم في المراد بذلك، فمنهم من جعله تفسيرًا للحديث السابق، ومبينًا للمراد به. فقال: لا تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر، إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها، وإلى ذلك جنح أهل الظاهر، وقواه ابن المنذر، واحتج له بما رواه مسلم عن عائشة، قالت: وهم ابن عمر "إنما نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتحرّى طلوع الشمس وغروبها". وسيأتي من قول ابن عمر بعد بابين ما يدل على ذلك.
وربما قوى بعضهم ذلك بحديث: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها أخرى"، فأمر بالصلاة حينئذ، فدلَّ على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت، لا من وقع له ذلك اتفاتًا، ومنهم من جعله نهيًا مستقلاً، وكره الصلاة في تلك الأوقات سواء قصد أم لم يقصد، وهو قول الأكثر، قال البيهقي: إنما قالت عائشة ذلك لأنها رأت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي بعد العصر، فحملت نهيه على من قصد ذلك، لا على الإطلاق، وقد أجيب عن هذا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما صلَّى حينئذ قضاءً، كما يأتي، وأما النهي فهو ثابت عن جماعة من الصحابة، غير ابن عمر، فلا اختصاص له بالوهم.
следующие страницы →