← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

الحديث الثامن والخمسون حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. قوله: "شهد عندي"، أي: أعلمني أو أخبرني، ولم يرد شهادة الحكم. وقوله: "بعد الصبح"، أي: بعد صلاة الصبح، لأنه جائز أن يكون الحكم فيه معلقًا بالوقت، إذ لابد من أداء الصبح، فتعين التقدير المذكور. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث مفعول به عند فقهاء الأمصار، وخالف بعض المتقدمين وبعض الظاهرية من بعض الوجوه. قال في "الفتح": لم تقع لنا تسمية الرجال المرضيين الذين حدثوا ابن عباس بهذا الحديث. وقوله: "حتى تُشرق الشمس"، بضم أوله، من أشرق. يقال: أشرقت الشمس ارتفعت وأضاءت. ويؤيده حديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده، بلفظ: "حتى ترتفع الشمس"، ويروى بفتح أوله وضم ثالثه، بوزن تَغْرب، يقال: شَرَقت الشمس، أي: طلعت. ويؤيده رواية البيهقيّ عن ابن عمر شيخ البخاري، بلفظ: "حتى تشرق الشمس أو تطلع" على الشك. ويأتي في رواية مسدد: "حتى تطلع الشمس" بغير شك، وكذا في حديث أبي هُريرة الآتي آخر الباب، بلفظ: "حتى تطلع الشمس" بالجزم. ويجمع بين الحديثين بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص، أي: حتى تطلع مرتفعة. قال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب،

стр. 3642

كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وصلاة الجنازة، وقضاء الفائتة، فيذهب الشافعيّ وطائفة معه إلى جواز ذلك كله بلا كراهة، وذهب مالك إلى كراهة النافلة خاصة، كان لها سبب أم لا، بعد صلاة عصر نفسه وبعد الفجر إلى أن تصلى المغرب والى أن ترتفع الشمس قدر رمح من رماح العرب، وهي اثنا عشر شبرًا متوسطًا، وتحرم النافلة عند أول غروب الشمس، وأول طلوعها إلى أن تتكامل في الغروب أو الطلوع. ويُستثنى من النوافل بعد طلوع الفجر الشفع والوتر، وركعتا الفجر، والوِرْدُ لنائمٍ عنه قبل الفرض في هذا كله، فإن صلى الفرض سقط الجميع إلا الفجر، فيؤخرها محل النفل، ويستثنى أيضًا الجنازة التي لم يخش تغيرها، وسجود التلاوة، فيجوزان قبل الإسفار في الصبح، وقبل الاصفرار في العصر، وأما التي يُخشى عليها التغير فيصلى عليها في كل وقت، وكذلك الفرض من حاضر وفائت دون المنذور، ومن أحرم في النافلة في الأوقات المنهي عنها قطع وجوبًا في وقت التحريم، وندبًا في وقت الكراهة. وذهب أحمد إلى تحريم النافلة بعد العصر إلى أن تغيب الشمس، وبعد طلوع الفجر إلى أن ترتفع قيد رمح سواء كان لها سبب أم لا. واستثنى ركعتي الفجر وركعتي الطواف في الأوقات المنهي عنها، وكذا الصلاة المنذورة، والصلاة على الجنازة بعد الفجر والعصر، ما لم يخف عليها. فإن خيف عليها صلَّى عليها في كل وقت. وكذلك تجوز الفوائت عنده في كل وقت. وذهب أبو حنيفة إلى أن الجميع يحرم سوى عصر يومه، وتحرم المنذورة أيضًا، واحتج الشافعيّ بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قضي سنة الظهر بعد العصر، وهو صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أَوْلى، والفريضة المقضية أولى، ويلتحق ما له سبب. وعند المالكية: النهي لا يتناول الفرائض، وذهب أبو حنيفة إلى أن الفوائت داخلة في عموم النهي، وقد مرَّ عند حديث: "من دخل المسجد فليركع ركعتين" في أبواب المساجد، أن الأمر بالصلاة لكل داخل من غير تفصيل، والنهي عن

стр. 3643

الصلاة في أوقات مخصوصة، فلابد من تخصيص أحد العمومين، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم الأمر، وهو الأصح عند الشافعية. وذهب جمع إلى عكسه وهو الحنفية والمالكية، على ما مرَّ تحريره قريبًا، وحُكي عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا، وأن أحاديث النهي منسوخة، وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر، وبذلك جزم ابن حزم، واستندت الظاهرية في النسخ إلى حديث: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فليصلّ إليها أخرى"، فدلّ على إباحة الصلاة في الأوقات المنهي عنها. وقال غيرهم: ادعاء التخصيص أَولى من ادعاء النسخ، ولا سبيل إلى إثباته بثبوت تأخر هذا الحديث الذي هو شرط في النسخ، فيحمل النهي على غير الفرائض، أو على ما لا سبب له من النوافل، جمعًا بين الأدلة. رجاله خمسة: وفيه ذكر عمر بن الخطاب: الأول: حفص بن عمر، وقد مرَّ في الثالث والثلاثين من الوضوء ومرّ هشام الدستوائيّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ قتادة في السادس منه، ومرّ أبو العالية في التعاليق الكائنة بعد الثاني من العلم، ومرّ ابن عباس في الخامس من الوحي، ومرّ عمر في الأول منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والقول في موضعين، والعنعنة في ثلاثة. ورواية تابعي عن تابعي، وشيخ البخاري من أفراده. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

стр. 3644

الحديث التاسع والخمسون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِا نَاسٌ بِهَذَا. السر في إيراد المصنف طريق يحيى القطّان، مع أن طريق هشام أعلى منها، هو التصريح بسماع قتادة من أبي العالية، فأمن تدليسه. وقوله: "ناس بهذا"، أي: الحديث بمعناه، فإن مسددًا رواه في مسنده، ومن طريقه البيهقيّ، ولفظه: "حدثني ناس أعجبهم إليَّ عمر"، وقال فيه: "حتى تطلع الشمس"، وفي التِّرمذيّ عنه: "سمعت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، منهم عمر، وكان من أحبهم إليَّ. رجاله ستة: الأول: مسدّد، والثاني: يحيى القطّان، وقد مرّا في السادس من الإيمان، وكذلك قتادة، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ أبو العالية بعد الثاني من العلم، ومرّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.

стр. 3645

الحديث الستون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لاَ تَحَرَّوْا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا". قوله: "لا تحَرُّوا"، أصله: لا تتَحرّوا، فحذفت إحدى التاءين، والمعنى: لا تقصدوا، واختلف أهل العلم في المراد بذلك، فمنهم من جعله تفسيرًا للحديث السابق، ومبينًا للمراد به. فقال: لا تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر، إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها، وإلى ذلك جنح أهل الظاهر، وقواه ابن المنذر، واحتج له بما رواه مسلم عن عائشة، قالت: وهم ابن عمر "إنما نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يتحرّى طلوع الشمس وغروبها". وسيأتي من قول ابن عمر بعد بابين ما يدل على ذلك. وربما قوى بعضهم ذلك بحديث: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها أخرى"، فأمر بالصلاة حينئذ، فدلَّ على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت، لا من وقع له ذلك اتفاتًا، ومنهم من جعله نهيًا مستقلاً، وكره الصلاة في تلك الأوقات سواء قصد أم لم يقصد، وهو قول الأكثر، قال البيهقي: إنما قالت عائشة ذلك لأنها رأت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي بعد العصر، فحملت نهيه على من قصد ذلك، لا على الإطلاق، وقد أجيب عن هذا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم إنما صلَّى حينئذ قضاءً، كما يأتي، وأما النهي فهو ثابت عن جماعة من الصحابة، غير ابن عمر، فلا اختصاص له بالوهم.

стр. 3646

رجاله خمسة: الأول: مسدّد، والثاني: يحيى القطّان، وقد مرّا في السادس من الإيمان، ومرّ هشام بن عروة وأبوه عُروة في الثاني من الوحي، ومرّ ابن عمر أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة والإخبار بصيغة الإفراد في موضعين، والقول في أربعة. ورواية الابن عن الأب. أخرجه البخاريّ هنا وفي صفة إبليس، ومسلم والنَّسائيّ في الصلاة.

стр. 3647

الحديث الحادي والستون وَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ". هذا مقول عُروة أيضًا، وهو حديث آخر، وقد أفرده الإسماعيليّ، فأخرج الأول عن عدة رجال، كلهم عن هشام، عن أبيه. وأخرج الثاني عن عبد الله بن نُمير، عن هشام. وقوله: "ترتفع"، جعل ارتفاعها غاية النهي، وقد مرَّ الجمع بين رواية حتى تطلع وحتى ترتفع. وقوله: "حاجب الشمس"، أي: طرف قُرصها، قال الجوهريّ: حواجب الشمس نواحيها. وقد مرَّ محل عروة وابن عمر في الذي قبله. ثم قال: تابعه عبدة، يعني ابن سليمان، والضمير يعود على يحيى بن سعيد، وهو القطّان، يعني تابعَ يحيى القطان على روايته لهذا الحديث عن هشام، ورواية عبدة هذه موصولة في بدء الخلق، وفيه الحديثان معًا. وقال فيه: "حتى تبرز" مكان "ترتفع". وقال فيه: "لا تحيَّنوا" بالياء التحتانية والنون، وزاد فيه: "فإنها تطلع بين قرني شيطان". وفيه إشارة إلى علة النهي عن الصلاة في الوقتين المذكورين، وزاد مسلم من حديث عمرو بن عنبسة: "وحينئذ يسجد لها الكفار". فالنهي حينئذ لترك مشابهة الكفار، وقد اعتبر ذلك الشارع في أشياء كثيرة، وفي هذا تعقب على أبي محمد البغويّ، حيث قال: إن النهي عن ذلك لا يدرك معناه، وجعله من قبيل التعبد الذي يجب الإيمان به. وقرنا الشيطان جانبا رأسه، يقال: إنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس، حتى إذا طلعت كانت بين جانبي رأسه، لتقع السجدة له إذا سجد عَبَدَةُ الشمس

стр. 3648

لها، وكذا عند غروبها، وعلى هذا، فقوله: "تطلع بين قرني الشيطان"، أي: بالنسبة إلى من شاهد الشمس عند طلوعها، فلو شاهد الشيطان لرآه منتصبًا عندها. وقيل: معنى القرن القوة، أي: حين تطلع قوة الشيطان، فتكون التثنية للدلالة على قوة تلك القوة، كأنهما قوتان، واستعمال القَرْن في القوة من استعمال اسم السبب في المسبب، لأنه يتسبب عن القرن القوة، وهذا الاستعمال شائع في كلام العرب، والراجح الأول، لأن الأصل إبقاء اللفظ على ظاهره إلا لداعٍ، ولا داعيَ هنا. وعبدة بن سليمان مرّ في الثالث عشر من الإيمان، ومرّ معنى المتابعة في الرابع من الوحي.

стр. 3649

الحديث الثاني والستون حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ صَلاَتَيْنِ، نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الاِحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلاَمَسَةِ. قوله: "نهى عن بَيْعتين، وعن لبستين، وعن صلاتين"، البيعتان واللبستان قد مرَّ الكلام عليهما عند ذكر الجميع في باب ما يستر من العورة، و"الصلاتان"، هما اللتان بعد الفجر وبعد العصر، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليهما في الأبواب التي قبله. رجاله ستة: الأول: عُبيد بن إسماعيل، وقد مرّ في الثاني والعشرين من الغُسل، ومرّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ عُبيد الله العمريّ في الرابع عشر من الوضوء. الرابع: خُبيب بن عبد الرحمن بن خُبيب بن يَساف الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الحارث المَدينيّ. قال ابنُ مَعين والنَّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، روى عن حفص بن عاصم وعبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وروى عنه مالك وإسحاق وشعبة ويحيى بن سعيد الأنصاريّ وغيرهم.

стр. 3650

الخامس: حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال النَّسائيّ وأبو زرعة والعجليّ: ثقة. وقال هبة الله: ثقة مُجْمَع على ثقته. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى عن أبيه وعمه عبد الله بن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدريّ. وروى عنه خبيب بن عبد الرحمن وسعد بن ابراهيم وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد، وهما من أقرانه. وليس في الستة حفص بن عاصم سواه. السادس: أبو هريرة، وقد مرّ في الثاني من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في خمسة، وشيخ البخاريّ من أفراده، ورواته ما بين كوفيّ، وهو عبدة، والبقية مدنيون. أخرجه البخاريّ هنا وفي اللباس، ومسلم في البيوع، والنَّسائيّ فيها، وابن ماجه في الصلاة، وفي التجارات. ثم قال المصنف: باب لا تُتَحرَّى الصلاة قبل غروب الشمس قوله: "لا تُتَحرَّى"، بضم المثناة الفوقانية، والصلاةُ بالرفع نائب الفاعل، أو بفتح المثناة التحتية والصلاة بالنصب مفعول به، والفاعل مستتر، أي: المصلّي.

стр. 3651

الحديث الثالث والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا". قوله: "لا يتحرى أحدكم"، أي بلفظ الخبر. قال السهيلي: يجوز الإخبار عن مستقر أمر الشرع، أي: لا يكون إلا هذا. وقوله: "فيصلي"، بالنصب، والمراد نفي التحري والصلاة معًا، ويجوز الرفع، أي: لا يتحرى أحدُكم الصلاة في وقت كذا فهو يصلي فيه. وقال ابن خروف: يجوز في يصلي ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، أي: لا يتحرى ولا يصلي، والوجهان المتقدمان. قلت: الجزم هنا لا يصح، لو كانت الرواية بحذف حرف العلة في الفعلين، وأما مع إثباتها فلا احتمال للجزم، اللهم إلا أن يقال: إن الإثبات إشباع، كقراءة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، وفي رواية القعنبيّ في "الموطأ": "لا يتحرى أحدكم أن يُصلي"، ومعناه: لا يتحرى الصلاة. وفي الحديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، وهو مُجْمَعٌ عليه في الجملة، واقتصر فيه على حالتي الطلوع والغروب. وفي قوله: "في غيره بعد الصبح وبعد العصر"، أن النهي مستمر بعد الطلوع حتى ترتفع، وأن النهي يتوجه قبل الغروب من حين اصفرار الشمس وتغيرها. وقد مرَّ باقي الكلام على الحديث في الباب الذي قبله. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرّا في الثاني من الوحي،

стр. 3652

ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرّ ابن عمر أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 3653

الحديث الرابع والستون حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ". قوله: "عن صالح"، هو ابن كيسان، ولم يخرج البخاريّ لصالح بن أبي الأخضر شيئًا. وقوله: "لا صلاة"، قال ابن دقيق العيد: صيغة النفي في ألفاظ الشارع، إذا دخلت على فعل، كان الأولى حملها على نفي الفعل الشرعيّ لا الحسيّ، لأنَّا لو حملناه على نفي الفعل الحسي لاحتجنا في تصحيحه إلى إضمار، والأصل عدمه. وإذا حملناه على الشرعي لا نحتاج إلى إضمار، فهذا وجه الأولوية، وعلى هذا فهو نفي بمعنى النهي، والتقدير: لا تُصلُّوا. وحكى أبو الفتح اليعمريّ عن بعض السلف أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي، كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب، ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنَّسائيّ بإسناد حسن عن علي، عن النبىّ صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: "لا تصلُّوا بعد الصبح، ولا بعد العصر، إلا أن تكون الشمس نقية"، وفي رواية: "مرتفعة"، فدلَّ على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه، وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب وما قاربهما. قلت: قد مرّ عند حديث ابن عباس عن عمران مذهبُ مالك: اختصاص التحريم بوقت الطلوع ووقت الغروب، وكره ما سواهما. وكأنَّ هذا هو المراد عند هذا البعض من السلف. وممن قال بقول مالك: محمد بن سيرين ومحمد بن

стр. 3654

جرير الطبريّ، واحتجّ بما ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى بعد العصر، فدلَّ على أنه لا يحرم، وكأنَّه يحمل فعله على بيان الجواز، وسيأتي ما فيه بعد باب. وروى ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وإباحتها بعد العصر حتى تصفرّ، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث عليّ المتقدم قريبًا. قال في "الفتح": والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع، فقيل كراهة تحريم، وقيل كراهة تنزيه، ولعله عنى بذلك في مذهبه لما علمت. وقوله: "بعد الصبح"، أي: بعد صلاة الصبح، وصرح به مسلم من هذا الوجه في الموضعين، ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الصلاة المنهية غير صحيحة، فلازمه أن لا يقصد لها الكلف، إذ العاقل لا يشتغل بما لا فائدة فيه. رجاله ستة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله الأُويسيّ، وقد مرّ في الأربعين، ومرّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرّ أبو سعيد الخُدري في الثاني عشر منه، ومرّ صالح بن كيسان في السابع من الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ عطاء بن يزيد في العاشر من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإِفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، والسماع في موضعين، والقول في ثلاثة، ورواته كلُّهم مدنيُّون، وشيخ البخاري من أفراده، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن صحابيّ. أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم والنَّسائيّ في الصلاة.

стр. 3655

الحديث الخامس والستون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلاَةً لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. قوله: "عن معاوية"، في رواية الإسماعيليّ: خطبنا معاوية، واتفق أصحاب شعبة على أنه من رواية أبي التَّيّاح، عن حمران، وخالفهم عثمان بن عمر وأبو داود الطيالسيّ فقالا: عن أبي التّيّاح، عن مَعْبَد الجُهَنيّ، عن معاوية. والطريق التي اختارها البخاريّ أرجح، ويحتمل أن يكون لأبي التياح فيه شيخان. وقوله: "يصليهما"، أي: الركعتين، وللحمويّ: يصليها، أي: الصلاة، وكذا وقع الخلاف بين الرواة في قوله: "عنها" أو "عنهما" وكلام معاوية مشعر بأن من خاطبهم كانوا يصلون بعد العصر على سبيل التطوع الراتب، لها كما يصلى بعد الظهر، وما نفاه من رؤية صلاة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لهما، قد أثبته غيره، والمثبت مقدَّم على النافي، وسيأتي قول عائشة في الباب الذي بعده: "كان لا يصليهما في المسجد"، وليس في رواية الإثبات معارضة لأحاديث النهي، لأن رواية الإثبات لها سبب، كما سيأتي في الباب الذي بعده، فألحق بها ماله سبب عند من يحمل النهي على ما لا سبب له. وعند من يرى عموم النهي، يحمل إنكار معاوية على من تطوع، ويحمل الفعل على الخصوصية. رجاله ستة: الأول: محمد بن أبان بن وزير البلخيّ، أبو بكر بن إبراهيم المستملي

стр. 3656

الحافظ، ويعرف بحَمْدَويه، كان مستملي وكيع، يقال بضع عشرة سنة. قال النَّسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان من المذاكرة ممن جمع وصنف، وكان مستملي وكيع، وقال الخليليّ: ثقة متفق عليه. وقال المروزيّ: قلت لأبي عبد الله: فأبو بكر مستملي وكيع تعرفه؟ قال: نعم، قد كان يكتب معنا الحديث. قلت: إنه حدّث بحديث أنكروه، ما أقل من هو عنده عن عبد الرزاق، وهو عندك وعند خلف، يعني ابن سالم. قال: قد كان معنا تلك السنة. وقال عمرو بن حماد: قدمت الكوفة، فأتيت أبا بكر بن أبي شيبة، فسألني عن محمد بن أبان المستملي، فقلت: قد خلفته على أنه يقدم. قال: ليته قدم حتى ننتفع به. وقال أبو حاتم: صدوق. وفي "الزهرة" روى عنه البخاريّ ثمانية وثلاثين، فانظروا كم بين هذا وبين قول أبي الوليد الباجي: حديث واحد. لكن يحتمل أن يكون مراده عن غندر. روى عن وكيع وابن عُيينة وابن علية وعبد الرزاق وابن مهدي وعبدة بن سليمان وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى مسلم، فروى عنه في غير الجامع، وموسى بن هارون وابن خُزيمة والسّراج وغيرهم. مات سنة أربع وأربعين ومئتين في المحرم. وفي الستة محمد بن أبان سواه اثنان. الثاني من السند: غندر، وقد مرَّ في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرّ أبو التّيّاح في الحادي عشر من العلم، ومرّ معاوية في الثالث عشر منه، ومرّ حمران بن أبان في الخامس والعشرين من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، والقول في أربعة، والسماع، ورواته ما بين بلخيٍّ وواسطيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ.

стр. 3657

الحديث السادس والستون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلاَتَيْنِ: بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. قوله: "حتى تغرب الشمس"، سقط ذكر الشمس عند الأصيلي، واتفق من قال بالنهي فيما مرَّ، على أن النهي فيما بعد العصر متعلق بفعل الصلاة، فإن قدَّمها اتسع النهي، وان أخَّرها ضاق، وأما الصبح فاختلفوا فيه؛ فقال الشافعيّ: هو كالذي قبله، إنما تحصل الكراهة بعد فعله، كما هو مقتضى الأحاديث. وذهبت المالكية والحنفية والحنابلة إلى ثبوت الكراهة من طلوع الفجر، سوى ما مرَّ استئناؤه عندهم، وهو وجه عند الشافعية. قال ابن الصّبّاغ: إنه ظاهر المذهب، وقطع به المتولي في "التتمة"، وفي سنن أبي داود، عن يسار مولى ابن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما، قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار، إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: "ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين"، وفي لفظ الدارقطنيّ: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتان"، واستثنى الشافعية من كراهية الصلاة في هذه الأوقات مكة، فلا تكره الصلاة فيها في شيء منها، لا ركعتا الطواف ولا غيرهما، لحديث جُبير مرفوعًا: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة شاء من الليل والنهار". رواه أبو داود وغيره. قال ابن حزم: إسلام جُبير متأخر، إنما أسلم بعد الفتح، فلا شك أن هذا بعد نهيه عليه

стр. 3658

الصلاة والسلام عن الصلاة في الأوقات، فوجب استثناء ذلك من النهي. قلت: الحديث لا يدل على استئناء سوى ركعتي الطواف، ولأجل ذلك استثنتهما الحنابلة، مستدلين بهذا الحديث. ولعل من لم يستثنهما لم يتحقق عنده تأخر الحديث عن النهي، وقد مرَّ عن صاحب الفتح أن في حمل النهي على التنزيه أو التحريم قولين، وصحح في "الروضة" و"شرح المذهب" التحريم، وهو ظاهر النهي في قوله: "لا تصلوا"، أو النفي في قوله: "لا صلاة"، لأنه خبر معناه النهي. وقد نص الشافعى على هذا في الرسالة. وصحح النوويّ في تحقيقه أنه للتنزيه. وهل تنعقد لو فعلها أو باطلة؟ صحح في "الروضة"، كالرافعي بطلانها، وظاهره أنها باطلة، ولو قلنا بأنه للتنزيه كما صرح به النووي في "شرح الوسيط" كابن الصلاح، واستشكله الأسنوي بأنه كيف يباح الإقدام على ما لا ينعقد وهو تلاعب ولا إشكال فيه، لأن نهي التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة كان كنهي التحريم كما هو مقرر في الأصول، وحاصله أن المكروه لا يدخل تحت مطلق الأمر، وإلا يلزم أن يكون الشيء مطلوبًا منهيًا، ولا يصح إلا ما كان مطلوبًا، وقد مرَّ عن المالكية أن القطع مطلوب وجويًا في الوقت المحرم، وندبًا في المكروه، وظاهر الطلب ولو بعد ركعة، وأما بعد تمام الركعتين فلا يقطع لخفة الأمر بالسلام، ولو لم يقطع وتمادى كانت منعقدة، لأن النهي عن الصلاة في الأوقات المذكورة لا لذات الوقت، ولا لمعنى في ذات العبادة يمنع من انعقاده، بل لمعنى خارج عن الذات، فلا يمنع الانعقاد، كالصلاة في الأرض المغصوبة، بخلاف ما لو كان النهي لمعنى في ذات العبادة، أو لذات الوقت، أو اليوم، كالنهي عن صوم زمن الحيض والليل، وصوم يوم العيد، فيمنع من انعقادها، فإن النهي عن صوم يوم العيد لذات اليوم، وهو الإعراض عن ضيافة الله تعالى، كذا قيل. وفيه بحث طويل في الأصول. رجاله ستة: الأول: محمد بن سلام البِيكنديّ، والثاني: عبدة بن سليمان، وقد مرا في

стр. 3659

الثالث عشر من الإيمان، ومرَّ عُبيد الله بن عمر العمريّ في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ خُبيب وحفص بن عاصم في الثاني والستين من هذا الكتاب، ومرّ أبو هريرة في الثاني من الإيمان. ثم قال المصنف: باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر قيل: آثر البخاري الترجمة بذكر المذاهب على ذكر الحكم، للبراءة من عهدة بت القول في موضع كثر فيه الاختلاف، ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تكره فيها الصلاة، أنها خمسة: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند الاستواء. وعند التحقيق ترجع إلى ثلاثة: من بعد صلاة الصبح إلى أن ترفع الشمس، فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس. ومن بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، وعند الاستواء، أي: استواء الشمس في كبد السماء، وكأنه لم يصح عند المصنف على شرطه، فترجم على نفيه. وفيه أربعة أحاديث: حديث عقبة بن عامر عند مسلم، ولفظه: "وحين يقوم قائم الظهيرة حتى ترتفع"، وحديث عمرو بن عَنْبَسة عند مسلم أيضًا، ولفظه: "حتى يستقل الظل بالرمح، فإذا أقبل الفيء فصلِّ". وفي لفظ لأبي داود: "حتى يعدل الرمح ظله"، وحديث أبب هريرة عند ابن ماجه والبيهقيّ، ولفظه: "حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا زالت فصلِّ"، وحديث الصنابحيّ في "الموطأ"، ولفظه: "ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها"، وفي آخره: "ونهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات"، وهو حديث مرسل مع قوة رجاله. وفي الباب أحاديث ضعيفة، وبقضية هذه الزيادة قال عمر بن الخطاب، فنهى عن الصلاة نصف النهار، وعن ابن مسعود، قال: "كنا نُنهى عن ذلك"، وعن أبي سعيد المَقْبَريّ، قال: أدركت الناس وهم يتقون ذلك. وهو مذهب

стр. 3660

الأئمة الثلاثة والجمهور، وخالف مالك، فقال: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون نصف النهار. وروى ابن أبي شيبة أن مسروقًا كان يصلي نصف النهار، فقيل له: إن أبواب جهنم تفتح نصف النهار، فقال: الصلاة أحق ما أستعيذ به من جهنم حين تفتح أبوابها. قال ابن عبد البر: قد روى مالك حديث الصنابحيّ، فإما أنه لم يصح عنده، وإما أنه ردّه بالعمل الذي ذكره، وقد استثنى الشافعيّ، ومن وافقه من ذلك، يوم الجمعة، وحجتهم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم نَدَب الناس إلى التبكير يوم الجمعة، ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام، كما يأتي في بابه، وجعل الغاية خروج الإمام، وهو لا يخرج إلا بعد الزوال، فدل على عدم الكراهة. وجاء فيه حديث عن أبي قتادة مرفوعًا: "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة"، وفي إسناده انقطاع، وقد ذكر له البيهقيّ شواهد ضعيفة، إذا ضمت قوي الخبر. ثم قال: رواه عمر وابن عمر وأبو سعيد وأبو هُريرة، يريد أن أحاديث هؤلاء الأربعة ليس فيها تعرض للاستواء، ولكن لمن قال به أن يقول إنه زيادة من حافظ ثقة، فيجب قبولها، وأحاديثهم تقدمت في البابين الذين قبل هذا الباب، ومرَّ عند ذكرها ذكر محالّهم.

стр. 3661

الحديث السابع والستون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لاَ أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلاَ نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لاَ تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا. قوله: "أصلي"، زاد الإسماعيليّ في أوله: "كان لا يصلي من أول النهار حتى تزول الشمس، ويقول: أصلي ... "، إلخ. وقوله: "أنْ لا تَحَرَّوا"، أصله أن لا تتحروا كما مرَّ، أي: أن لا تقصدوا. زاد عبد الرزاق في آخر هذا الحديث: "فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن ذلك، وقال: "إنه يطلع قرن الشيطان مع طلوع الشمس". وقد مرَّ لك أن قوله هنا يؤيد قول من قال، كابن المنذر: إن النهي مختص بمن صلى قاصدًا بصلاته طلوع الشمس أو غروبها، وهو الذي فهمته عائشة من مواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم على الركعتين بعد العصر، فلذلك قالت: ما يأتي نقله عنها، فكانت تتنفل بعد العصر. وأخرج المصنف في الحج أن ابن الزبير كان يصلي الركعتين بعد العصر، وأخبر أن عائشة حدثته أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يدخل بيتها إلا صلاهما، وكأنَّه فهم من ذلك ما فهمته خالته عائشة. وروى عبد الرزاق عن زيد بن خالد أن عمر رآه، وهو خليفة، ركع بعد العصر، فضربه، وقال له: يا زيد، لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس الناس سُلّمًا إلى الصلاة حتى الليل، لم أضرب فيهما، فلعل عمر كان يرى أن النهي عن الصلاة بعد العصر، إنما هو خشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس، وقد روى يحيى بن بكير، عن تميم الداريّ نحو رواية زيد بن خالد، وجواب عمر له، وفيه: "ولكني أخشى أن يأتي

стр. 3662

بعدكم قوم يصلون ما بين العصر الى المغرب، حتى يمر بالساعة التي نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنْ يصلّى فيها" وهذا كله يدل لما مرَّ عن ابن المنذر وغيره، من اختصاص النهي بتحرِّي وقت الطلوع والغروب. وقد قال بعض العلماء: إن المراد بحصر الكراهة في الأوقات المذكورة إنما هو بالنسبة الى الأوقات الأصلية، وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت إقامة الصلاة، ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة، وهاتان محرمتان عند المالكية، وفي حالة الصلاة المكتوبة جماعة، لمن لم يصلها. قلت: عند المالكية: يحرم ابتداء الصلاة عند اقامة الإمام الراتب، سواء كان صلاها أو لم يصلها، لخبر: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة". ويكره أيضًا التنفل عند المالكية بعد الجمعة حتى ينصرف الناس أو جلّهم، وعند الحنفية والمالكية كراهة النفل قبل صلاة المغرب، وسيأتي الكلام عليه في هذا الجامع. رجاله خمسة: الأول: أبو النعمان، وقد مرّ في الحادي والخمسين من الإيمان، ومرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أيوب السَّختيانيّ في التاسع منه، ومرّ ابن عمر أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والقول في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، ورواته ثلاثة بصريُّون، ونافع مدنيّ، وابن عمر مكيّ ومدنيّ، وفيه رواية المولى عن سيده. باب ما يُصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها قال الزين بن المنير: ظاهر الترجمة إخراج النافلة المحضة التي لا سبب لها، وقال: إنَّ السرّ في قوله: "ونحوها" ليدخل فيه رواتب النوافل وغيرها. ثم قال: وقال كريب عن أم سلمة: "صلى النبي ﷺ بعد

стр. 3663

العصر ركعتين، وقال: شغلني ناس من عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر"، وهذا التعليق أخرجه البخاري مسندًا في السهو قبيل كتاب الجنائز، وفي وفد عبد القيس، وكريب مرّ في الرابع من الوضوء ومرت أم سلمة في السادس والخمسين من العلم.

стр. 3664

الحديث الثامن والستون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: وَالَّذِى ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِىَ اللَّهَ، وَمَا لَقِىَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلاَةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلاَتِهِ قَاعِدًا، تَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا، وَلاَ يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ. قوله في هذه الرواية: "والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله"، وفي الرواية الثانية: "ما ترك السجدتين بعد العصر عندي قط"، وفي الثالثة: "لم يكن يدعهما سرًا ولا علانية"، وفي الرابعة: "ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلَّى ركعتين". تمسك بهذه الروايات من أجاز التنفل بعد العصر مطلقًا ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس، وقد مرَّ ما قيل في ذلك، وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأن فعله هذا يدل على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة، وأما مواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم فهو من خصائصه. والدليل عليه ما رواه أبو داود عن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يُصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوِصال. وما رواه مسلم عن عائشة في نحو هذه القصة، وفي آخره: "وكان إذا صلَّى صلاةً أثبتها". قال البيهقيّ: الذي اختص به صلى الله تعالى عليه وسلم المداومة على ذلك، لا أصل القضاء. قلت: القضاء إنما أُخذ من هذا الفصل الذي فيه المداومة، فأين الحديث الدال على أصل القضاء؟ وأخرج الطحاويّ، واحتج به على أن ذلك كان من خصائصه صلى الله تعالى عليه وسلم، عن ذَكوان، عن أم سلمة، أنها قالت:

стр. 3665

"قلت يا رسول الله: أنقضيهما إذا فاتتا؟ فقال: لا"، وروى التِّرمذيّ، وقال: حديث حسن، عن ابن عباس، قال: "إنما صلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الركعتين بعد العصر، لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد"، وهذا شاهد لحديث أم سلمة. وروى النَّسائيّ أن معاوية سأل ابن الزبير عن ذلك، فرد الحديث إلى أم سلمة، فذكرت أم سلمة قصة الركعتين حيث شغل عنهما، فرجع الأمر إلى ما تقدم. وفي ظاهر قول ابن عباس: "ثم لم يعد" معارضة لأحاديث عائشة المذكورة في هذا الباب، فيحمل النفي على علم الراوي، فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي، وكذا ما رواه النَّسائيّ، عن أبي سلَمَة، عن أم سلمة: "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة" الحديث. وفي رواية له عنها: "لم أره يصليهما قبل ولا بعد"، فيجمع بين الحديثين بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن يصليهما إلا في بيته، فلذلك لم يره ابن عباس، ولا أم سلمة. ويشير إلى ذلك قول عائشة في هذه الرواية: "وكان لا يُصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته". قلت: أما الجواب بالنسبة لابن عباس فواضح، وأما بالنسبة لأم سلمة فغير معقول، لأن بيت أم سلمة بيته ﵊، وكون المراد بالبيت بيت عائشة تخصيصٌ بلا مخصص، لا دلالة عليه، ومراد عائشة بقولها: "ما تركهما" وما معه من الروايات، أي من الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر، فصلاهما بعد العصر، ولم ترو أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين من أول ما فرضت الصلوات مثلًا إلى آخر عمره، بل في حديث أم سلمة ما يدل على أنه لم يكن يفعلها قبل الوقت الذي ذكرت أنه قضاهما. وقولها، والذي ذهب به في رواية البيهقي والإسماعيليّ أن أيمن دخل عليها، فسألها عن ركعتين بعد العصر، فقالت: والذي ذهب بنفسه، تعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي آخره زيادة: "فقال لها أيمن: إن عمر كان ينهى عنهما ويضرب عليهما، فقالت: صدقت، ولكن كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يصليهما، فذكره.

стр. 3666

والخبر بذلك عن عمر ثابت في رواية كريب عن أم سلمة المعلقة فى هذا الباب، الآتية في السهو في باب "إذا كلم وهو يصلي". ففي الخبر عن كريب أن ابن عباس والمِسْوَر بن مَخْرمة وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى عائشة فقالوا: اقرأ ﵍ منا جميعًا، وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إنَّا أُخبرنا أنك تصلينهما، وقد بلغنا أن النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عنهما. وقال ابن عباس: وقد كنت أضرب الناس مع عمر عليهما الحديث، قد مرَّ في الحديث الذي قبل هذا سبب ضرب عمر الناس عليهما، وقوله: وكان يُحب ما يُخَفِّف عنهم، بضم أوله وتشديد الفاء مبنيًا للفاعل، ويجوز ضم الياء وفتح الفاء مشددًا مبنياً للمفعول، وللأصيلي وأَبوي ذرٍّ والوقت: "ما خفف عنهم" بصيغة الماضي. رجاله أربعة: الأول: أبو نعيم، وقد مرَّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ عبد الواحد بن أيمن وأبوه أيمن في الثالث والخمسين من أبواب القبلة، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، والقول في ثلاثة، والسماع، ورواته ما بين كوفيّ ومكيّ، وأيمن من أفراد البخاريّ. أخرجه البخاريّ ومسلم والدارقطنيّ.

стр. 3667

الحديث التاسع والستون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَتْ عَائِشَةُ: ابْنَ أُخْتِي مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ. قوله: "ابن أختي"، بالنصب على النداء، وحرف النداء محذوف، وأثبته الإسماعيليّ في روايته، والكلام عليه مرّ في الذي قبله. رجاله خمسة: الأول: مسدّد، والثاني: يحيى القطّان، وقد مرّا في السادس من الإيمان، ومرَّ هشام بن عروة وأبوه عروة وعائشة في الثاني من الوحي. وهذا الحديث أخرجه النَّسائيّ.

стр. 3668

الحديث السبعون حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلاَ عَلاَنِيَةً، رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ. قوله: "يدعهما"، زاد النَّسائيّ: "في بيتي"، والكلام عليه مرَّ في الرواية الأولى. رجاله ستة: الأول: موسى بن إسماعيل المنقريّ، وقد مرّ في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو إسحاق الشيبانيّ في السابع من الحيض، ومرّ عبد الرحمن بن الأسود في الثاني والعشرين من الوضوء ومرّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.

стр. 3669

الحديث الحادي والسبعون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ وَمَسْرُوقًا شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. مرَّ الكلامُ عليه أيضًا في الرواية الأولى. رجاله ستة: الأول: محمد بن عَرْعَرَة، وقد مرّ في الحادي والأربعين من الإيمان، ومرّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرّ أبو إسحاق السّبيعيّ في الثالث والثلاثين منه، ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّ محل الأسود وعائشة في الذي قبله. ثم قال المصنف: باب التبكير بالصلاة في يوم غيم قال الإسماعيليّ: جعل البخاريّ الترجمة لقول بُرَيْدَة لا للحديث، وكان حق هذه الترجمة أن يورد فيها الحديث المطابق لها، ثم أورده من طريق الأوزاعيّ بلفظ: "بكِّروا بالصلاةِ في يومِ الغَيْمِ، فإن من ترك صلاة العصر حَبِط عمله" ومن عادة البخاريّ أنه يترجم ببعض ما اشتمل عليه ألفاظ الحديث، ولو لم يوردها، بل ولو لم يكن على شرطه، فلا إيراد عليه. وفي سنن سعيد بن منصور، عن عبد العزيز بن رفيع، قال: "بلغنا أن النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: عجلوا صَلاةَ العصر في يوم الغيمِ". إسناده قوي مع إرساله.

стр. 3670

الحديث الثاني والسبعون حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ: أَنَّ أَبَا الْمَلِيحِ حَدَّثَهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَّلاَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ". قوله: "بكروا": التبكير المبادرة إلى الصلاة في أول الوقت، وأصل التبكير فعل الشيء بُكرة، ثم استعمل في فعل الشيء في أول وقته، وقيل: المراد تعجيل العصر وجمعها مع الظهر، ورُوي ذلك عن عمر، قال: إذا كان يوم غيم فأخِّروا الظهر وعجِّلوا العصر. وقد ذكرت مباحث الحديث عند ذكره في باب "من ترك العصر" وأحيل هناك على ما لم يذكر منها. رجاله ستة: الأول: معاذ بن فضالة، مرّ في التاسع عشر من الوضوء، ومرّ هشام الدَّسْتَوائيّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو قِلابة في التاسع من الإيمان، ومرّ أبو المَلِيح وبُريدة في الثلاثين من كتاب المواقيت هذا، وهذا الحديث بعينه قد مرّ في: "إثم من ترك العصر"، ومرّ هناك الكلام عليه. ثم قال المصنف: باب الأذان بعد ذهاب الوقت سقط لفظ: "ذهاب" من رواية المُسْتَملي، قال ابن المُنير: إنما صرح المؤلف بالحكم على خلاف عادته في المختلف فيه، لقوة الاستدلال من الخبر على الحكم المذكور.

стр. 3671

الحديث الثالث والسبعون حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلاَةِ". قَالَ بِلاَلٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ، فَاضْطَجَعُوا، وَأَسْنَدَ بِلاَلٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا بِلاَلُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ ". قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ. قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلاَلُ، قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلاَةِ". فَتَوَضَّأَ فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى. قوله: "سِرنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم" قد مرّ في باب "الصَّعيد الطَّيِّب"، من كتاب التيمم، ما جرى من الخلاف في تعيين تلك السفرة، ولأبي نعيم في "المُسْتخرج" من هذا الوجه في أوله: "كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يسير بنا" وزاد مُسلم، من طريق عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة في أول الحديث قصة له في مسيره مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم نَعَس حتى مال عن راحلته، وأن أبا قتادة دعمه ثلاث مرات، وأنه في الأخيرة مال عن الطريق، فنزل في سبعة أنفس، فوضع رأسَه، ثم قال: "احفظوا علينا صلاتَنا"، ولم يذكر ما وقع عند البخاري من قول بعض القوم: لو عرست بنا، ولا قول بلال: أنا أوقظكم. ولم تعرف تسمية هذا السائل، والتعريس: نزول المسافر لغير إقامة، وأصله نزول آخر الليل، وجواب لو محذوف تقديره لكان أسهل علينا. وقوله: "أنا أوقظكم"، زاد مسلم في رواية: "فمن يوقظنا". وقوله: "فغلبته

стр. 3672

عيناه"، في رواية السَّرخسي: "فغلبت" بغير ضمير. وقوله: "فاستيقظ النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد طلع حاجب الشمس"، في رواية مسلم: "فكان أول من استيقظ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والشمس في ظهره". وقوله: "يا بلال، أين ما قلت؟ "، أي: أين الوفاء بقولك: أنا أوقظكم؟. وقوله: "مثلها"، أي: مثل النومة التي وقعت له. وقوله: "إن الله قبض أرواحكم"، هو كقوله تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، ولا يلزم من قبض الروح الموت، فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرًا وباطنًا. والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط. زاد مسلم: أما أنه ليس في النوم تفريط. والرُّوحُ يُذكَّر ويؤنَّث، وهو جوهر لطيف نورانيّ يكدره الغذاء والأشياء الردية الدنية، مدرك للجزئيات والكليات، حاصل في البدن، متصرف فيه، غني عن الاغتذاء، بريء من التحلل والنماء، ولهذا يبقى بعد فناء البدن، إذ ليست له حاجة إلى البدن، ومثل هذا الجوهر لا يكون من عالم العنصر، بل من عالم الملكوت. فمن شأنه أن لا يضره خلل البدن، ويلتذ بما لا يلائمه، ويتألم بما ينافيه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ...﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية، وقوله ﵊: "إذا وُضع الميت على نعشه رفرف روحه فوق نعشه، ويقول: يا ولدي ويا أهْلِي". فإن قيل: كيف يفسر الروح وقد قال تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، أُجيب بأن معناه من الإبداعات الكائنة بـ"كن"، من غير مادة، وتولد من أصل، على أن السؤال كان عن قدمه وحدوثه، وليس فيه ما ينافي تفسيره. وقد استوفينا الكلام عليه في كتاب "متشابه الصفات". وقوله: "حين شاء"، حين في الموضعين ليست لوقت واحد، فإن نوم القوم لا يتفق غالبًا في وقت واحد، بل يتتابعون فيكون "حين" الأُولى خبرًا عن أحيان متعددة. وقوله: "قم فأَذِّن بالناس بالصلاة"، أي: بتشديد ذال أذِّن وبالموحدة فيهما. وللكشمَيهنيّ: "فأذّن" بالموحدة وحذف الموحدة من "بالناس"، وأذن

стр. 3673

معناه: أَعْلِمْ. وقوله: "فتوضأ"، زاد أبو نعيم في "المستخرج": فتوضأ الناس، فلما ارتفعت ... ، وعند المصنف في "التوحيد": "فقضوا حوائجهم، فتوضأوا إلى أن طلعت الشمس"، وهو أبين سياقًا ونحوه لأبي داود. ويستفاد منه أن تأخير الصلاة إلى أن طلعت الشمس وارتفعت، كان بسبب الشغل بقضاء حوائجهم، لا لخروج وقت الكراهة، وقيل غير ذلك، لما مرّ في باب الصعيد الطيب. وقوله: "وابياضّت" وزنه افْعَالّ، بتشديد اللام، مثل: احْمارّ وابْهارّ، أي: صفت. وقيل: إنما يقال ذلك في كل لون بين لونين فأما الخالص من البياض مثلًا، فإنما يقال له أبيض. وقوله: "فصلى"، زاد أبو داود "بالناس". وفيه من الفوائد غير ما تقدم، جواز التماس الأتباع ما يتعلق بمصالحهم الدنيوية، والاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها بسببه، وجواز التزام الخادم القيام بمراقبة ذلك، والاكتفاء في الأمور المهمة بالواحد، وقبول العذر ممن اعتذر بأمر سائغ، وتسويغ المطالبة بالوفاء بالالتزام. وتوجهت المطالبة على بلال بذلك، تنبيهًا له على اجتناب الدعوى، والثقة بالنفس وحسن الظن بها، لاسيما في مظانّ الغلبة، وسلب الاختيار، وإنما بادر بلال إلى قوله: "أنا أوقظكم"، اتباعًا لعادته في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت، لأجل الأذان. وفيه خروج الإِمام بنفسه في الغزوات والسرايا، وفيه الرد على منكري القدر، وأنه لا واقع في الكون إلا بقدر. واستدل به بعض المالكية على عدم قضاء السنة الراتبة؛ لأنه لم يذكر فيه أنهم صلوا ركعتي الفجر، ولا دلالة فيه، لأنه لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع، لاسيما وقد ثبت أنه ركعهما في حديث أبي قتادة هذا عند مسلم، ويأتي في باب مفرد لذلك في أبواب التطوع. قلت: مذهب مالك أن سنة الفجر خصوصًا من دون الرواتب كلها تقضى إلى الزوال، وبهذا قال محمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يقضيهما إذا فاتت وحدها وإذا فاتت مع الفرض قضاهما. واستدل به المهلب على أن الصلاة الوسطى هي الصبح. قال: لأنه ﵊ لم يأمر

стр. 3674

أحدًا بمراقبة صلاة غيرها. قال: ويدل على أنها هي المأمور بالمحافظة عليها، أنه ﵊ لم تفته صلاة غيرها لغير عذر شغله عنها. وهذا كلام متدافع، فأي عذر فوق النوم؟ وقد ورد في غزوة الأحزاب: "شغلونا عن صلاة الوسطى، حتى كادت الشمس تغرب". واستدل به على قبول خبر الواحد. قال ابن بُزَيزة: وليس بقاطع فيه، لاحتمال أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يرجع إلى قول بلال بمجرده، بل حتى ينظر إلى الفجر لو استيقظ مثلًا. وقد مرت بقية فوائده مستوفاة في باب "الصعيد الطيب" من كتاب التيمم، عند ذكر حديث عِمران بن حصين. رجاله خمسة ، وفيه ذكر بلال. الأول: عِمران بن مَيْسَرة، وقد مرّ في الثاني والعشرين من العلم، ومرّ محمد بن فُضَيل في الحادي والثلاثين من الإيمان. الثالث: حُصَيْن بن عبد الرحمن السَّلمي، أبو الهُذَيل الكُوفيّ، ابن عم منصور بن المعتمر. قال أحمد: حصين بن عبد الرحمن الثقة المأمون من كبار أصحاب الحديث. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال العجلى: ثقة ثبت في الحديث، والواسطيون أروى الناس عنه. وسُئِل أبو زرعة عنه فقال: ثقة، قيل له: يحتج بحديثه؟ قال: إي والله. وقال أبو حاتم: صدوق في الحديث ثقة. وفي آخر عمره ساء حفظه. وقال عبد الرحمن: هُشَيم عن حُصين: أحب إليّ من سفيان، وهُشيم أعلم الناس بحديث حُصَين. وقال علي بن عاصم: قدمت الكوفة يوم مات منصور بن المُعْتَمِر، فاشتد عليّ، فلقيت حُصَين بن عبد الرحمن وأنا لا أعرفه. فقال: أدلك على من يعرف يوم أهديت أم منصور إلى أبيه؟ قلت: من هو؟ قال: أنا. وقال علي بن عاصم: أتانا قتل الحسين، فمكثنا ثلاثًا كأنَّ وجوهنا طُلِيَتْ رمادًا. قلت: مثل من أنت يومئذ؟ قال: رجلٌ مُناهد، أي: مراهق. وقال يزيد بن هارون: اختلط. وأنكر ابن المَدينيّ أنه اختلط وتغير. وقال ابن عديّ: له أحاديث، وأرجو أنه لا بأس به. قال ابن حجر: أخرج له البخاريّ من حديث

стр. 3675

شعبة، والثّوريّ، وزائدة، وأبي عَوانة، وأبي بكر بن عياش، وأبي كُدينة، وحُصين بن نُمَير، وهُشيم، وخالد الواسِطيّ، وسُليمان بن كثير العَبديّ، وأبي زُبيد عَبْثر بن القاسم، وعبد العزيز العمّي، وعبد العزيز بن مسلم، ومحمد بن فُضيل، عنه. فأما شُعبةُ والثَّوريّ وزائدة وهُشيم وخالد، فسمعوا منه قبل تغيُّره، وأما حُصَين بن نُمير فلم يخرّج له البخاريّ من حديثه عنه سوى حديث واحد، وأما محمد بن فضيل ومن ذكر معه، فأخرج من حديثهم ما توبعوا عليه. روى عن جابر بن سَمُرة وزيد بن وهب وعمرو بن ميمون والشَّعبيّ وهِلال بن يَساف، وقيل: إنه روى عن ستة من الصحابة. وروى عنه شعبة والثَّوريّ وزائدة وهُشيم وأبو عَوانة وغيرهم. مات سنة ست وثلاثين ومئة، وفي الستة حُصين بن عبد الرحمن سواه واحد، روى عنه أبو داود والنَّسائيّ. الرابع: عبد الله بن أبي قَتادة، وقد مرّ هو وأبوه أبو قَتادة في التاسع عشر من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والقول في ثلاثة، والعنعنة في موضعين، ورواته ما بين مدنيّ وكوفيّ. وفيه رواية الابن عن الأب، وشيخ البُخاري من أفراده. أخرجه البخاري هنا وفي التوحيد، وأبو داود والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت قال ابن المنير: إنما قال البُخاري: "بعد ذهاب الوقت"، ولم يقل مثلًا: لمن صلى صلاةً فائتة، للإشعار بأن إيقاعها كان قرب خروج وقتها، لا كالفوائت التي جهل يومها أو شهرها.

стр. 3676

الحديث الرابع والسبعون حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا". فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ. قوله: "إن عمر بن الخطاب"، اتفق الرواة على أن هذا الحديث من مسند جابر إلا حجاج بن نصر، فإنه جعله من مسند عمر، تفرد بذلك، وهو ضعيف. وقوله: "يوم الخندق"، أي: يوم حَفْره، وهو لفظ أعجميّ تكلمت به العرب. وقوله: "بعدما غربت الشمس"، وفي رواية شيبان عند المصنف: "وذلك بعدما أفطر الصائم"، والمعنى واحد. وقوله: "يسب كفار قريش"، أي: لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار كما وقع لعمر، وإما مطلقًا كما وقع لغيره. وقوله: "ما كدت أصلي العصر"، لفظة "كاد" من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يقوم، فهم منها أنه قارب القيام ولم يقم، والراجح فيها أن لا تقترن بأن، بخلاف عسى، فإن الراجح فيها أن تقترن بها، ووقع في مسلم في هذا الحديث: "حتى كادت الشمس أن تغرب". وفي البخاري في باب "غزوة تبوك" أيضًا، وهو من تصرف الرواة، وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا أو لا؟ الظاهر الجواز؛ لأن المقصود الإخبار عن صلاة العصر، كيف وقعت لا الإخبار عن عمر؟ هل تكلم بالراجحة أو المرجوحة؟ وإذا تقرر أن معنى كاد المقاربة، فقول عمر: ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، قيل:

стр. 3677

معناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس؛ لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. قاله اليعمريّ، وهو مبنيّ على مرجوح من أن كاد إذا دخل عليها حرف النفي كانت للإثبات، وإذا جردت من النفي كانت للنفي. والراجح أنها كسائر الأفعال، معناها الإثبات عند تجردها من النفي، ومعناها النفي عند دخول النفي عليها، وعلى هذا فعمر لم يصل، لأن كاد هنا دخل عليها النفي، فصار معناها نفيًا، يعني نفي قرب الصلاة، كما في قولك: ما كاد زيد يفعل، نفي قرب الفعل، وإذا نفي قرب الصلاة فنفي الصلاة بطريق الأَوْلى، وعلى أن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان صلى. يقال فيه إن عمر كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فكيف اختص بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس دون بقية الصحابة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر بالصلاة، ثم جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء. وقد اختلف في سبب تأخير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد عن أبي جمعة، "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى المغرب يوم الأحزاب، فلما سلم قال: "هل علم رجل منكم أني صليت العصر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر، ثم صلى المغرب". وفي صحة هذا الحديث نظر؛ لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر: "والله ما صليتها". وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك، وهو أقرب، لاسيما وقد وقع عند أحمد والنسائي عن أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.

стр. 3678

وقوله: "إلى بُطحان"، بضم أوله وسكون ثانيه، واد بالمدينة، وقيل: هو بفتح أوله وكسر ثانيه. وقوله: فصلى العصر، وفي "الموطأ" من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر. وفي حديث أبي سعيد المارّ قريبًا: الظهر والعصر والمغرب، وأنهم صلوا بعد هوي من الليل. وفي حديث ابن مسعود عند الترمذيّ والنسائيّ: "أنَّ المشركين شغلوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله"، وفي قوله: "أربع، تجوز لأن العشاء لم تكن فاتت، ورجح ابن العربى ما في الصحيحين، وقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شغل عنها واحدة، وهي العصر، ويؤيده حديث مسلم عن علي: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر". ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، وهذا أولى. ويؤيده أن روايتَيْ أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب. وأما رواية حديث الباب، ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس. ودلالة الحديث على صلاة الجماعة، إما أنه يحتمل أن في السياق اختصارًا من الراوي، ويدل عليه ما في رواية الإسماعيليّ بلفظ: "فصَلَّى بنا العَصْرَ"، وإمَّا أنه من إجراء الراوي الفائتة، التي هي العصر، والحاضرة التي هي المغرب، مجرى واحدًا، ولا شك أن المغرب كانت بالجماعة، كما هو معلوم من عادته، وبالاحتمال الأول جزم ابن المنير، قال: مقصود الترجمة مستفاد من قوله: "فقام وقمنا، وتوضأ وتوضأنا"، وهو الواقع في نفس الأمر. وفي الحديث من الفوائد ترتيب الفوائت، والأكثر على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان. وقال الشافعيّ: لا يجب الترتيب. وقال بعضهم: إن الحديث غير دال على وجوبه، إلا إذا قلنا إن أفعاله ﵊ المجردة للوجوب. نعم لهم أن يستدلوا بعموم قوله ﵊: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، واختلفوا فيما إذا تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق، هل يبدأ بالفائتة، وان خرج وقت الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة أو يتخيّر؟ أقوال. وبالأول قال مالك

стр. 3679

وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق، لكن مشهور مذهب مالك سقوط ترتيب بالنسيان. وعند الحنفية: لا يسقط بالنسيان ولا بكثرة الفوائت. وبالثاني قال الشافعيّ وأصحاب الرأي وأبو ثور وابن القاسم، وهو مذهب الظاهرية. وبالثالث قال أشهب. وقال عِياض: محل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات، أما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة، وهذا خلاف في حد القليل، فقيل: صلاة يوم. وقيل: أربع صلوات. ولو تذكر اليسير في أثناء الحاضرة قطع الفذ، وشفع ندبًا إن ركع. وإمام ومأمومه، وتمادى المأموم إن تذكر، وأعاد الصلاة الحاضرة بعد أن يصلي الفائت ندبًا إن كانت الفائتة غير مشركة مع الثانية كالظهر والعصر، وإلا أعاد الثانية وجوبًا أبدًا. وعند أحمد: لو تذكر الفائتة في الوقتين أتمّها، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الوقتية، وظاهره من غير تفصيل. وفيه جواز الحلف من غير استحلاف إذا ثبت في ذلك مصلحة دينية. قال النوويّ: هو مستحب إذا كان فيه مصلحة من توكيد أمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهم نسيان، أو غير ذلك من المقاصد الحسنة، وإنما حلف صلى الله تعالى عليه وسلم تطييبًا لقلب عمر لما شق عليه تأخيرها. وفيه ما كان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وتألفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك، وفيه دليل على عدم كراهية قول ما صليت. وروى البخاري عن ابن سيرين أنه كره أن يقال: فاتتنا، وليقل: لم ندرك. قال البخاريّ: وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أصحّ، واستدل به بعضهم على أن وقت المغرب متسع؛ لأنه قدم العصر عليها، فلو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب، ولاسيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو قائل بأن وقت المغرب ضيق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث، وهذا في حديث جابر. وأما حديث أبي سعيد، فلا يتأتى فيه هذا، لما تقدم أن فيه أنه ﵊ صلى بعد مضي هَوي من الليل، وقد مرّ عند حديث عِمران بن حصين في باب "الصعيد الطيب"، من كتاب التيمم الكلام على الأذان للفائتة، وعلى صلاتها جماعة، وعلى غير ذلك مما لم يذكر هنا.

стр. 3680

رجاله ستة: الأول: معاذ بن فَضالة، وقد مرّ في التاسع عشر من الوضوء. الثاني: هشام الدَّستوائيّ، وقد مرّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سَلَمة وجابر بن عبد الله في الرابع من الوحي، ومرّ عمر في الأول منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والقول في موضع، ورواته ما بين مدنيّ وبصريّ، وشيخ البخاريّ من أفراده. أخرجه البخاريّ هنا وفي صلاة الخوف والمغازي، ومُسلم والتِّرمذيّ والنِّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة قال عليّ بن المنير: صرّح البخاريّ بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر، فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه ظاهر الخطاب لقول الشارح، فليصلها، ولم يذكر زيادة. وقال أيضًا: لا كفارة لها إلا ذلك، فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك، فيما مرّ عنه في الحديث السابق، إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها، فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاّها مراعاة للترتيب. ويحتمل أن يكون البخاريّ أشار بقوله: ولا يعيد إلا تلك الصلاة، إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة، حيث قال: فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين: عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي. ولكن اللفظ المذكور ليس نصًا في ذلك؛ لأنه يحتمل أن يريد بقوله: "فليصلها عند وقتها"، أي: الصلاة التي تحضر؛ لأنه يريد أَن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها، لكن في رواية أبي
следующие страницы →