Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
الحديث الرابع والسبعون
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا". فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ.
قوله: "إن عمر بن الخطاب"، اتفق الرواة على أن هذا الحديث من مسند جابر إلا حجاج بن نصر، فإنه جعله من مسند عمر، تفرد بذلك، وهو ضعيف. وقوله: "يوم الخندق"، أي: يوم حَفْره، وهو لفظ أعجميّ تكلمت به العرب. وقوله: "بعدما غربت الشمس"، وفي رواية شيبان عند المصنف: "وذلك بعدما أفطر الصائم"، والمعنى واحد. وقوله: "يسب كفار قريش"، أي: لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إما المختار كما وقع لعمر، وإما مطلقًا كما وقع لغيره.
وقوله: "ما كدت أصلي العصر"، لفظة "كاد" من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يقوم، فهم منها أنه قارب القيام ولم يقم، والراجح فيها أن لا تقترن بأن، بخلاف عسى، فإن الراجح فيها أن تقترن بها، ووقع في مسلم في هذا الحديث: "حتى كادت الشمس أن تغرب". وفي البخاري في باب "غزوة تبوك" أيضًا، وهو من تصرف الرواة، وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا أو لا؟ الظاهر الجواز؛ لأن المقصود الإخبار عن صلاة العصر، كيف وقعت لا الإخبار عن عمر؟ هل تكلم بالراجحة أو المرجوحة؟ وإذا تقرر أن معنى كاد المقاربة، فقول عمر: ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب، قيل:
стр. 3677
معناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس؛ لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فيحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. قاله اليعمريّ، وهو مبنيّ على مرجوح من أن كاد إذا دخل عليها حرف النفي كانت للإثبات، وإذا جردت من النفي كانت للنفي.
والراجح أنها كسائر الأفعال، معناها الإثبات عند تجردها من النفي، ومعناها النفي عند دخول النفي عليها، وعلى هذا فعمر لم يصل، لأن كاد هنا دخل عليها النفي، فصار معناها نفيًا، يعني نفي قرب الصلاة، كما في قولك: ما كاد زيد يفعل، نفي قرب الفعل، وإذا نفي قرب الصلاة فنفي الصلاة بطريق الأَوْلى، وعلى أن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان صلى. يقال فيه إن عمر كان مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فكيف اختص بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس دون بقية الصحابة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر بالصلاة، ثم جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء.
وقد اختلف في سبب تأخير النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد عن أبي جمعة، "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلى المغرب يوم الأحزاب، فلما سلم قال: "هل علم رجل منكم أني صليت العصر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر، ثم صلى المغرب".
وفي صحة هذا الحديث نظر؛ لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لعمر: "والله ما صليتها". وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك، وهو أقرب، لاسيما وقد وقع عند أحمد والنسائي عن أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
стр. 3678
وقوله: "إلى بُطحان"، بضم أوله وسكون ثانيه، واد بالمدينة، وقيل: هو بفتح أوله وكسر ثانيه. وقوله: فصلى العصر، وفي "الموطأ" من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر. وفي حديث أبي سعيد المارّ قريبًا: الظهر والعصر والمغرب، وأنهم صلوا بعد هوي من الليل. وفي حديث ابن مسعود عند الترمذيّ والنسائيّ: "أنَّ المشركين شغلوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله"، وفي قوله: "أربع، تجوز لأن العشاء لم تكن فاتت، ورجح ابن العربى ما في الصحيحين، وقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شغل عنها واحدة، وهي العصر، ويؤيده حديث مسلم عن علي: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر".
ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، وهذا أولى. ويؤيده أن روايتَيْ أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب. وأما رواية حديث الباب، ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس.
ودلالة الحديث على صلاة الجماعة، إما أنه يحتمل أن في السياق اختصارًا من الراوي، ويدل عليه ما في رواية الإسماعيليّ بلفظ: "فصَلَّى بنا العَصْرَ"، وإمَّا أنه من إجراء الراوي الفائتة، التي هي العصر، والحاضرة التي هي المغرب، مجرى واحدًا، ولا شك أن المغرب كانت بالجماعة، كما هو معلوم من عادته، وبالاحتمال الأول جزم ابن المنير، قال: مقصود الترجمة مستفاد من قوله: "فقام وقمنا، وتوضأ وتوضأنا"، وهو الواقع في نفس الأمر.
وفي الحديث من الفوائد ترتيب الفوائت، والأكثر على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان. وقال الشافعيّ: لا يجب الترتيب. وقال بعضهم: إن الحديث غير دال على وجوبه، إلا إذا قلنا إن أفعاله ﵊ المجردة للوجوب. نعم لهم أن يستدلوا بعموم قوله ﵊: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، واختلفوا فيما إذا تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق، هل يبدأ بالفائتة، وان خرج وقت الحاضرة؟ أو يبدأ بالحاضرة أو يتخيّر؟ أقوال. وبالأول قال مالك
стр. 3679
وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق، لكن مشهور مذهب مالك سقوط ترتيب بالنسيان. وعند الحنفية: لا يسقط بالنسيان ولا بكثرة الفوائت. وبالثاني قال الشافعيّ وأصحاب الرأي وأبو ثور وابن القاسم، وهو مذهب الظاهرية. وبالثالث قال أشهب. وقال عِياض: محل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات، أما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة، وهذا خلاف في حد القليل، فقيل: صلاة يوم. وقيل: أربع صلوات. ولو تذكر اليسير في أثناء الحاضرة قطع الفذ، وشفع ندبًا إن ركع. وإمام ومأمومه، وتمادى المأموم إن تذكر، وأعاد الصلاة الحاضرة بعد أن يصلي الفائت ندبًا إن كانت الفائتة غير مشركة مع الثانية كالظهر والعصر، وإلا أعاد الثانية وجوبًا أبدًا. وعند أحمد: لو تذكر الفائتة في الوقتين أتمّها، ثم يصلي الفائتة، ثم يعيد الوقتية، وظاهره من غير تفصيل.
وفيه جواز الحلف من غير استحلاف إذا ثبت في ذلك مصلحة دينية. قال النوويّ: هو مستحب إذا كان فيه مصلحة من توكيد أمر، أو زيادة طمأنينة، أو نفي توهم نسيان، أو غير ذلك من المقاصد الحسنة، وإنما حلف صلى الله تعالى عليه وسلم تطييبًا لقلب عمر لما شق عليه تأخيرها. وفيه ما كان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وتألفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك، وفيه دليل على عدم كراهية قول ما صليت.
وروى البخاري عن ابن سيرين أنه كره أن يقال: فاتتنا، وليقل: لم ندرك. قال البخاريّ: وقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أصحّ، واستدل به بعضهم على أن وقت المغرب متسع؛ لأنه قدم العصر عليها، فلو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب، ولاسيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو قائل بأن وقت المغرب ضيق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث، وهذا في حديث جابر. وأما حديث أبي سعيد، فلا يتأتى فيه هذا، لما تقدم أن فيه أنه ﵊ صلى بعد مضي هَوي من الليل، وقد مرّ عند حديث عِمران بن حصين في باب "الصعيد الطيب"، من كتاب التيمم الكلام على الأذان للفائتة، وعلى صلاتها جماعة، وعلى غير ذلك مما لم يذكر هنا.
стр. 3680
رجاله ستة:
الأول: معاذ بن فَضالة، وقد مرّ في التاسع عشر من الوضوء.
الثاني: هشام الدَّستوائيّ، وقد مرّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سَلَمة وجابر بن عبد الله في الرابع من الوحي، ومرّ عمر في الأول منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والقول في موضع، ورواته ما بين مدنيّ وبصريّ، وشيخ البخاريّ من أفراده. أخرجه البخاريّ هنا وفي صلاة الخوف والمغازي، ومُسلم والتِّرمذيّ والنِّسائيّ في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة
قال عليّ بن المنير: صرّح البخاريّ بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكونه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر، فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه ظاهر الخطاب لقول الشارح، فليصلها، ولم يذكر زيادة. وقال أيضًا: لا كفارة لها إلا ذلك، فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك، فيما مرّ عنه في الحديث السابق، إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها، فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاّها مراعاة للترتيب. ويحتمل أن يكون البخاريّ أشار بقوله: ولا يعيد إلا تلك الصلاة، إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة، حيث قال: فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها، فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين: عند ذكرها، وعند حضور مثلها من الوقت الآتي. ولكن اللفظ المذكور ليس نصًا في ذلك؛ لأنه يحتمل أن يريد بقوله: "فليصلها عند وقتها"، أي: الصلاة التي تحضر؛ لأنه يريد أَن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها، لكن في رواية أبي
стр. 3681
داود من حديث عمران بن حصين في قصة النوم: "من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحًا، فليقض معها مثلها". قال الخطابيّ: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا. ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب، ليحوز فضيلة الوقت في القضاء، ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا، بل عدوا الحديث غلطًا من راويه، وحكى. ذلك التِّرمذيّ وغيره عن البُخاريّ، ويؤيد ذلك ما رواه النّسائيّ من حديث عِمران بن حصين أيضًا "قالوا: يا رسول الله، ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم".
ثم قال: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلاَةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلاَّ تِلْكَ الصَّلاَةَ الْوَاحِدَةَ.
مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة؛ لأن قوله: "من نسي صلاة فليصلِّ إذا ذكر"، أعم من أن يكون ذكره إياها بعد النسيان بعد سنة أو شهر أو أكثر من ذلك، وقيده بعشرين سنة للمبالغة، والمقصود أنه لا يجب عليه إلا إعادة الصلاة التي نسيها خاصة، في أي وقت ذكرها. وهذا التعليق وصله الثَّوريُّ في جامعه، وإبراهيم النَّخعيّ مرّ في الخامس والعشرين من الإيمان.
стр. 3682
الحديث الخامس والسبعون
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالاَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِىَ صَلاَةً، فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَاكَ. وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي". قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي.
قوله: "من نسي صلاة فليصلِّ"، وقع في جميع الروايات بحذف المفعول، ورواه مسلم بلفظ: "فليُصلِّها"، وهو أبين للمراد، وزاد مسلم في رواية: "أو نام عنها" وقد تمسك بدليل الخِطاب منه القائل: إن العامد لا يقضي الصلاة؛ لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن مَن لم ينس لا يصلي، وقال: من قال: يقضي العامد، بأن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب، فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا أوجب القضاء على الناسي مع سقوط الإثم، ورفع الحرج عنه، فالعامد أولى. وادّعى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله: "نسي" لأن النسيان يطلق على الترك سواء كان عن ذهول أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، ويقول ذلك قوله: "لا كَفَّارَةَ لها"، والنائم والناسي لا إثم عليهما، ويرد هذا البحثَ أن الخبر بذكر النائم ثابتٌ، وقد قال فيه لا كفارة لها، والكفارة قد تكون عن الخطأ، كما تكون عن العمد في قتل الخطأ، والقائل بأن العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالًا من الناسي، بل يقول إنه لو شرع القضاء لكان هو والناسي سواء، والناسي غير مأثوم بخلاف العامد، فالعامد أسوأ حالًا من الناسي، فكيف يستويان؟
ويمكن أن يقال: إن إثم العامد بإخراجه الصلاة عن وقتها باق عليه ولو
стр. 3683
قضاها، بخلاف الناسي، فإنه لا إثم عليه مطلقًا، أو يقال: إن القائل بعدم وجوب القضاء على العامد، وهو داود، ويروى عن عمر وابنه وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وسلمان رضي الله تعالى عنهم، والقاسم بن محمد وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز جعل إثمه أشد من الكفارة، كما قال مالك في يمين الغَموس، فإنه لا يكفر عنده، لعظم إثمه، ويمكن أن يجاب عن الحديث بأن القيد بالنسيان فيه لخروجه على الغالب، أو لأنه ورد على سبب خاص، مثل أن يكون ثمة سائل عن حكم قضاء الصلاة المنسية، وشرط اعتبار مفهوم المخالفة عدم الخروج على الغالب، وعدم وروده على السبب الخاص.
وقد يقال: وجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول؛ لأنه قد خوطب بالصلاة، وترتبت في ذمته، فصارت دينًا عليه، والدَّين لا يسقط إلا بأدائه، فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها، ويسقط عنه الطلب بأدائها، فمن أفطر في رمضان عامدًا فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه.
وفي الحديث دلالة على أن أحدًا لا يصلي عن أحد. قال العينيّ: وهو حجة على الشافعيّ، وفيه أيضًا أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره، اللهم إلا إذا كانت صلوات فائتة فحضره الموت، فأوصى بالفدية عنها، فإنه يجوز. قاله العينيّ. قلت: لعل هذا جائز في مذهبه لا في مذهبنا.
وقوله: قال موسى، قال همام: سمعته يقول بعدُ للذكرى، أي: قال هذا موسى أحد الشيخين المذكورين دون أبي نعيم، وبعدُ بالضم، أي: في وقت آخر، والحاصل أن همامًا سمعه من قتادة مرة بلفظ للذكرى، بلامين وفتح الراء بعدها ألف مقصورة، وعند مسلم أن الزهري كان يقرؤها كذلك، ومرة كان يقولها قتادة بلفظ لذكري بلام واحدة وكسر الراء، وهي القراءة المشهورة.
واختلف في ذكر هذه الآية، هل هو من كلام قتادة، أو من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ وفي رواية لمسلم قال قتادة: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وفي رواية أخرى له عن قتادة، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "إذا
стр. 3684
رَقدَ أحدكم عن الصلاة، أو غَفَل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وهذا ظاهر في أن الجميع من كلامه ﵊، واستدل به على أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا؛ لأن المخاطب بالأية المذكورة موسى ﵊، وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ.
واختلف في المراد بقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾، فقيل: المعنى لتذكرني فيها، وقيل: لأذكرك بالمدح، وقيل: إذا ذكرتها لتذكيري لك إياها، وهذا يعضد قراءة من قرأ للذكرى. وقال النخعيّ: اللام للظرف، أي: إذا ذكرتني، أي: إذا ذكرت أمري بعدما نسيت. وقيل: لا تذكر فيها غيري، وقيل: شكرًا لذكري، وقيل: ذكري ذكرُ أمري. وقيل: المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني؛ لأن الصلاة عبادة الله تعالى، فمتى ذكرها ذكر المعبود، فكأنه أراد لذكر الصلاة. وقال التوربشتيّ: الأولين أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث، وكأنَّ المعنى: (أقم الصلاة لذكرها)؛ لأنه إذا ذكرها ذكر الله تعالى، أو يقدر مضاف، أي: لذكر صلاتي، أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها.
رجاله خمسة:
الأول: أبو نعيم، وقد مرّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من الوحي، ومرّ همام في الثالث والثمانين من الوضوء ومرّ قتادة وأنس في السادس من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والقول في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، ورواه البُخاريّ عن شيخين أحدهما كوفيّ وهو أبو نعيم، والبقية من الرواة بصريُّون أخرجه البخاريّ هنا، ومسلم وأبو داود في الصلاة.
ثم قال: وقال حِبّان: حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبيِّ ﷺ نحوه. زاد بهذا التعليق بيان سماع قَتادة له من أنس، لتصريحه فيه
стр. 3685
بالتحديث، وفيه أن همَّامًا سمعه من قَتادة مرتين، وهذا التعليق وصله أبو عَوَانة في صحيحه.
رجاله أربعة:
الأول: حِبَّان، وقد مرّ في الحادي والخمسين من هذا الكتاب، ومرّ همَّام في الثالث والثمانين، ومرّ قتادة وأنس في السادس من الإيمان.
ثم قال المصنف:
باب قضاء الصلاة الأولى فالأُولى
وللكشميهنيّ: الصَّلوات الأولى فالأُولى، وهذه الترجمة عبر عنها بعضهم بقوله: باب ترتيب الفوائت، وقد مرّ ما قيل فيه قبل هذا الباب بباب.
стр. 3686
الحديث السادس والسبعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ، وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ.
هذا الحديث أورده هنا مختصرًا، وقد مرّ مطولًا قريبًا في باب "من صلى بالناس جماعة"، واستوى الكلام عليه هناك.
رجاله ستة:
الأول: مُسدّد، وقد مرّ في السادس من الإيمان، ومرّ هِشام الدَّسْتَوائيّ في السابع والثلاثين منه، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين، ومرّ أبو سَلَمة وجابر في الرابع من الوحي، ومرّ عمر في الأول منه، وهذا الحديث مرّ الكلام عليه في الذي قبله بحديث.
ثم قال المصنف:
باب ما يكره من السمر بعد العشاء
أي: بعد صلاتها. قال عِيَاض: السَّمَر بفتح الميم. وقال أبو مَروان بن سِرَاج: الصواب سكونها؛ لأنه اسم الفعل، وأما بالفتح فهو اعتماد السمر للمحادثة، وأصله من لون ضوء القمر؛ لأنهم كانوا يتحدثون فيه، والمراد بالسمر في الترجمة ما يكون في أمر مباحٍ؛ لأن المحرم لا اختصاص لكراهته بما بعد صلاة العشاء، بل هو حرام في الأوقات كلها، وقد مرّ الكلام على السمر بأزيد
стр. 3687
من هذا في باب "السمر في العلم" من كتاب العلم.
وقوله: "السامر من السمر"، الخ، هكذا وقع في رواية أبي ذرٍّ وحده، واستشكل ذلك لأنه لم يتقدم للسامر ذكر في الترجمة، والذي يظهر أن المصنف أراد تفسير قوله تعالى: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ وهو المشار إليه بقوله هاهنا، أي: في الآية. والحاصل أنه لما كان الحديث بعد العشاء يسمى السمر، والسمر والسامر مشتقان من السمر، وهو يطلق على الجمع والواحد، ظهر وجه مناسبة ذكر هذه اللفظة هنا. وقد أكثر البخاريّ من هذه الطريقة إذا وقع في الحديث لفظة توافق لفظة في القرآن، يستغنى بتفسير تلك اللفظة من القرآن، وقد استُقري للبُخاريّ أنه إذا مرّ له لفظ من القرآن أن يتكلم على غريبه.
стр. 3688
الحديث السابع والسبعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ، وَهْيَ الَّتِى تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ. قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
وهذا الحديث قد مرّ في باب "وقت العصر"، ومرّ الكلام عليه هناك، وموضع الحاجة منه هنا قوله: "وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها"، وقد مرّ هناك استيفاء الكلام على النوم قبلها، والحديث بعدها.
رجاله ستة:
الأول: مسدّد، والثاني: يحيى القطان، وقد مرّا في السادس من الإيمان، ومرّ عَوْف بن أبي جَميلة في الأربعين من الإيمان، ومرّ أبو المنهال وأبو بَرْزَة في الثامن عشر من كتاب المواقيت، وقد مرّ هذا الحديث في باب "وقت الظهر عند الزوال".
ثم قال المصنف:
باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء
قال عليّ بن المُنير: الفقه يدخل في عموم الخير، لكنه خصّه بالذكر تنويهًا
стр. 3689
بذكره، وتنبيهًا على قدره. وقد مرّ لك الآن أن الكلام على السمر مرّ في باب "السمر في العلم"، ومرّ هناك حديث عُمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم "كان يسمر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معهما. أخرجه الترمذيّ، ومرّ ما فيه هناك.
стр. 3690
الحديث الثامن والسبعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلاَءِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا، فَقَالَ: "أَلاَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا، ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلاَةَ". قَالَ الْحَسَنُ: وَإِنَّ الْقَوْمَ لاَ يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ. قَالَ قُرَّةُ: هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: "وراث علينا"، الواو للحال، وراث، بمثلثة غير مهموز، أي: أبطأ علينا، وقوله: "من وقت قيامه"، أي: الذي جرت عادته بالقعود معهم فيه كل ليلة في المسجد، لأخذ العلم عنه. وقوله: "ثم قال"، أي: الحسن. وقوله: "قال أنس: نظرنا"، في رواية الكُشمَيهنيّ: "انتظرنا" وهما بمعنى. وقوله: "حتى كان شطرُ الليل" برفع شطر، وكان تامة. وقوله: "يبلغه"، أي: يقرب منه. وقوله: "ثم خطبنا"، هو موضع الترجمة، لما قررناه من أن المراد بقوله: "بعدها"، أي: بعد صلاتها، وأورد الحسن ذلك لأصحابه مؤنسًا لهم، ومعرفًا أنهم، وإن كانوا فاتهم الأجر على ما يتعلمونه منه في تلك الليلة على ظنهم، فلم يفتهم الأجر مطلقًا؛ لأن منتظر الخير في خير، فيحصل لهم الأجر بذلك.
والمراد أنه يحصل لهم الخير من ذلك في الجملة، لا من جميع الجهات، وبهذا يجاب عمن استَشكَل قوله: "إنهم في صلاة"، مع أنهم جائز لهم الأكل والشرب، والحديث، وغير ذلك. واستدل الحسن على ذلك بفعل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فإنه آنس أصحابه بمثل ذلك، ولهذا قال الحسن بعد:
стр. 3691
"وإن القوم لا يزالون بخير ما انتظروا الخير". وقوله: "قال قُرة"، هو من حديث أنس، يعني: الكلام الأخير على ما يظهر؛ لأن الكلام الأول ظاهر كونه من النبي ﵊، والأخير هو الذي لم يصرح الحسن برفعه ولا بوصله، فأراد قُرَّة الذي اطلع على كونه في نفس الأمر موصولًا مرفوعًا أن يعلم من رواه عنه ذلك.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن صَبَّاح الهاشِميّ العَطّار المِرْبدي البَصريّ، مولى بني هاشم. قال أبو حاتم: صالح. وقال النِّسائيّ: ثقة، ذكره ابن حَبّان في "الثقات" وفي "الزهرة". روى عنه البخاريّ ستة، ومسلم ثلاثة. روى عن مُعتمر بن سليمان ومحبوب بن الحسن وأبي علي الحَنَفيّ ويزيد بن هارون وغيرهم. وروى عنه الجماعة سوى ابن ماجه وأبو زُرعة وأبو حاتم وابن خُزيمة وغيرهم. مات سنة خمسين ومئتين، وليس في الستة عبد الله بن صباح سواه. والمِرْبَدي في نسبه نسبة إلى مِرْبَد، كمنبر، موضع بالبصرة يسمى بذلك؛ لأنه كان تحبس فيه الإبل.
الثاني: عُبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحَنَفيّ البصري. قال ابن مَعين وأبو حاتم: ليس به بأس. وذكره ابن حِبّان في "الثقات"، ووثقه العِجليّ والدارَقطنيّ، وابن قانع، وضَعَّفه العُقيلي وروى عن ابن مَعين أنه قال: ليس بشيء. وقد احتج به الجماعة. روى عن عِكرمة بن عمّار وإسرائيل بن مسلم ورَباح وقُرة بن خالد وغيرهم. وروى عنه عليّ بن المدينيّ وبندار وعبد الله بن صَبَّاح وخَيْثَمة وأبو موسى وغيرهم. مات سنة تسع ومئتين، وليس في الستة عُبيد الله بن عبد المجيد سواه.
الثالث: قُرة بن خالد، أو أبو محمد السَّدوسيّ، البصري. قال: يحيى بن سعيد: كان قرة عندنا من أثبت شيوخنا. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن قُرة وعمران بن حدير، فقال: ما فيهما إلا ثقة، قال: وسئل أبي عن قرة وأبي
стр. 3692
خَلْدة، فقال: قُرَّة فوقه، وهو دون حَبيب الشَّهيد، قيل: قُرَّة والقاسم بن الفَضْل؟ قال: ما أقربه منه. وقال مرة: ثقة، وقال ابن مَعين: ثقة، وقال ابن أبي حاتم: قرة أحب اليَّ من جرير بن حازم ومن أبي خَلدة، وقُرّة ثَبْت عندي. وقال ابن أبي حاتم: سُئل أبو مسعود الرّازيّ: قرة أثبت عندك أو حُسين المُعلّم؟ فقال: قُرَّة. وقال الآجريّ: ذكره أبو داود فرفع شأنه. وقال أيضًا: سألت أبا داود عنه، وعن الصَّعِق بن حَزْن، فقال: قرة فوقه. وقال النَّسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال الطَّحاويّ: ثبت متقن ضابط.
روى عن أبي رَجاء العُطارديّ وحُميد بن هِلال وابن سيرين والحسن وعَمرو بن دينار وبُديل بن مَيسرة وغيرهم. وروى عنه شعبة، وهو من أقرانه، وابن مهدي ويحيى بن سعيد القَطّان وبشر بن المُفضّل وغيرهم. مات سنة خمس وخمسين ومئة. وليس في الستة قُرَّة بن خالد سواه.
الرابع: الحَسَنُ البصريّ، وقد مرّ في الرابع والعشرين من الإيمان، ومرّ أنس في السادس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والقول في خمسة، ورواته كلهم بصريُّون. أخرجه البخاريّ هنا ومسلم.
стр. 3693
الحديث التاسع والسبعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاَةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ"، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ.
قوله: "فوهل الناس"، أي: غلطوا أو توهموا، أو فزعوا أو نسوا، والأول أقرب هنا، وقيل: وهل، بالفتح، بمعنى وهم بالكسر، ووهل بالكسر مثله. وقيل بالفتح غلط، وبالكسر فزع. وقوله: "في مقالة"، وللكُشميهنيّ والمُستَملي: "من مقالة"، وقوله: "إلى ما يتحدثون في هذه"، وللكُشميهنيّ: "من هذه". وقوله: "عن مئة سنة"، لأن بعضهم كان يقول: إن الساعة تقوم عند تقضّي مئة سنة، كما روى ذلك الطّبرانيّ وغيره عن أبي مسعود البَدْريّ، وردّ ذلك عليه علي بن أبي طالب، وقد بيّن ابن عمر في هذا الحديث مراد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأن مراده أن عند انقضاء مئة سنة من مقالته تلك، ينخرم ذلك القرن، فلا يبقى أحد ممن كان موجودًا حال تلك المقالة، إلى آخر ما مر مستوفى عند ذكر هذا الحديث في باب السمر في العلم من كتاب العلم.
رجاله ستة:
الأول: أبو اليّمَان، والثاني: شُعيب، وقد مرا في السابع من الوحي، ومرّ
стр. 3694
ابن شِهاب في الثالث منه، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر من الإيمان، ومرّ أبوه عبد الله أوله، قبل ذكر حديث منه. ومرّ أبو بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمة في السابع والخمسين من العلم، ومرّ هناك ذكر من أخرجه.
ثم قال المصنف:
باب السمر مع الأهل والضيف
قال عليّ بن المُنير ما محصله: اقتطع البُخاريّ هذا الباب من باب السمر في الفقه والخير، لانحطاط رتبته عن مسمى الخير؛ لأن الخير متمحض للطاعة لا يقع على غيرها، وهذا النوع من السمر خارج عن أصل الضيافة والعلة المأمور بهما، فقد يكون مستغنىً عنه في حقهما، فيلتحق بالسمر الجائز، أو المتردد بين الإباحة والندب. ووجه الاستدلال من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر المذكور في الباب اشتغالُ أبي بكر بعد صلاة العشاء بمجيئه إلى بيته، ومراجعته لخبر الأضياف، واشتغاله بما دار بينهم، وذلك كله في معنى السمر؛ لأنه سمر مشتمل على ملاطفة ومخاطبة ومعاتبة.
стр. 3695
الحديث الثمانون
حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ". وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلاَثَةٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، قَالَ فَهْوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي، فَلاَ أَدْرِي، قَالَ وَامْرَأَتِي وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ. وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ، أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ؟ قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لاَ هَنِيئًا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا. قَالَ: يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا. فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاَثِ مَرَّاتٍ. فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، يَعْنِى يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ.
قوله: "أن أصحاب الصُّفَّةِ"، الصُّفة بضم الصاد، مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل، أُعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى له ولا أهل. وكانوا يكثرون
стр. 3696
ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر، وقد سرد أبو نعيم أسماءهم في "الحلية" فزادوا على المئة. وقوله: "فليذهب بثالث"، أي: من أهل الصُّفة المذكورين، وفي رواية مسلم: "فليذهب بثلاثة". قال عياض: هو غلط، والصواب رواية البُخاريّ، لموافقتها لسياق باقي الحديث، وقال القُرطبيُّ: "إنْ حُمل على ظاهره فَسَد المعنى؛ لأن الذي عنده طعام اثنين إذا ذهب معه بثلاثة، لزم أن أكله في خمسة، وحينئذ لا يكفيهم ولا يسد رمقهم، بخلاف ما إذا ذهب بواحد، فإنَّه يأكله في ثلاثة، ويؤيده قوله في الحديث الآخر: "طعام الاثنين يكفي أربعة"، أي: القدر الذي يشبع الاثنين يسد رمق أربعة، ووجَّهها النووي بأن التقدير: فليذهب بمن يتم من عنده ثلاثة، أو: فليذهب بتمام ثلاثة.
وقوله: "وإن أربع فخامس أو سادس"، أو، فيه للتنويع أو للتخيير، وفي الرواية الآتية في "علامات النبوة"، و"من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس"، ومعنى هذه: فليذهب بخامس إن لم يكن عنده ما يقتضي أكثر من ذلك، وإلا فليذهب بسادس مع الخامس إن كان عنده أكثر من ذلك. والحكمة في كونه يزيد كل أحد واحدًا فقط، أن عيشهم في ذلك الوقت لم يكن متسعًا، فمن كان عنده مثلًا ثلاثة أنفس لا يضيق عليه أن يطعم الرابع من قوتهم، وكذلك الأربعة وما فوقها، بخلاف ما لو زيدت الأضياف بعدد العيال، فإنما ذلك إنما يحصل الاكتفاء فيه عند اتساع الحال.
وقوله: "وإن أربع فخامس"، في رواية الباب بالجر فيهما، والتقدير: فإن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس، فحذف عامل الجر وأبقى عمله، كما يقال: مررت برجل صالح، وإن لا صالح فطالح، أي: إلا أمر بصالح، فقد مررت بطالح. ويجوز الرفع على حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو أوجه. قال ابن مالك: تضمن هذا الحديث حذف فعلين، وعاملي جر مع بقاء عملهما بعد إن والفاء. والتقدير من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وإن قام بأربعة فليذهب بخامس أو سادس. وهذا قاله في رواية الباب، وأما الرواية الأخرى، وهي بخامس بسادس، فيكون حذف منها شيء
стр. 3697
آخر، والتقدير: أو إن قام بخمسة، فليذهب بسادس، ويحتمل أن يكون معنى قوله: "أو سادس" في رواية الباب: وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادس، فيكون من عطف الجملة على الجملة.
وقوله: "وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم بعشرة"، عبر عن أبي بكر بلفظ المجيء لبعد منزله من المسجد، وعبر عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالانطلاق لقربه، وفي رواية علامات النبوءة زيادة: "وأبو بكر ثلاثة"، أي: بالنصب للأكثر، أي: أخذ ثلاثة، فلا يكون قوله قبل ذلك جاء بثلاثة تكرارًا لأن هذا بيان لابتداء ما جاء في نصيبه، والأول بيان لمن أحضرهم إلى منزله، وأبعد من قال: "ثلاثة" بالرفع، وقدره أبو بكر أهله ثلاثة، أي: عدد أضيافه، وفي رواية الكُشْمَيهَنيّ: "وأبو بكر بثلاثة"، فيكون معطوفًا على قوله: "وانطلق النبيُّ"، أي: وانطلق أبو بكر بثلاثة، وهي رواية مسلم، والأول أوجه، ودلَّ هذا على أن أبا بكر كان عنده طعام أربعة، ومع ذلك فأخذ خامسًا وسادسًا وسابعًا، فكأنَّ الحكمة في أخذه واحدًا زائدًا عما ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أنه أراد أن يؤثر السابع بنصيبه، إذ ظهر له أنه لم يأكل أولًا معهم.
قوله: "قال: فهو أنا وأبي"، زاد الكُشميهنيّ: "وأمي"، وللمستملي: "أنا وأمي"، القائل هو عبد الرحمن بن أبي بكر. وقوله: "فهو"، أي: الشأن. وقوله: "أنا"، مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه السياق، وتقديره في الدار. وقوله: "فلا أدري، قال: وامرأتي وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر"، والقائل لا أدري، قال: هو أبو عثمان الراوي عن عبد الرحمن، كأنّه شك في ذلك. وقوله: "وخادم" بغير إضافة في رواية الكُشميهنيّ، ولغيره: "وخادمي"، بالإضافة. وقوله: "بين بيتنا"، أي: خدمتها مشتركة بين بيتنا وبيت أبي بكر، وهو ظرف للخادم، واسم امرأة عبد الرحمن أُمَيمَة بنت عَدي بن قَيْس السَّهْمِيَّة، والدة أكبر أولاده أبي عتيق ومحمد، والخادم لم يعرف اسمها.
وقوله: "وإن أبا بكر تَعشَّى عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم لبث
стр. 3698
حتى صلى العشاء، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، في رواية: "حيث صليت العشاء"، وفي رواية: "حتى صليت العشاء"، في هذا المحل ارتباك في المعنى من جهة ما يقتضيه ظاهر اللفظ من التكرار بين أول الكلام وآخره، وقد شرحه الكرماني بما لا يشفي الغليل عندي، فقال: هذا، يعني آخر الكلام، يشعر بأنَّ تعشِّي أبي بكر كان بعد الرجوع إلى النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم، والذي تقدم بعكسه، والجواب أن الأول بيان حال أبي بكر في عدم احتياجه إلى الطعام عند أهله، والثاني فيه سياق القصة على الترتيب الواقع. قلت: يصح هذا الوجه بجعل "لبث" في داره، وجعل "حتى صلى العشاء"، أو "صليت" بمعنى حان وقت صلاتها؛ لأنها صليت بالفعل؛ لأن صلاتها بالفعل معه صلى الله تعالى عليه وسلم، ويكون قوله بعد: "ثم رجع"، أي: من منزله إلى النبي ﵊، أو يقال: إن الأول تعشِّي الصديق، والثاني تعشِّي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والأول من العشاء بفتح العين، أي: الأكل، والثاني بكسرها، أي: الصلاة. قلت: وهذا لا يصح إلا بتقدير "بعد" ثم الأولى، والتقدير: ثم رجع إلى بيته، ولبث فيه حتى صلى العشاء، أي: حان وقتها، كما مرّ. وعلى هذا يكون قوله: "رجع"، أي: إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، لا إلى منزله؛ لأنه كان فيه على ما قررنا.
ويدل لما قررنا من كونه رجع إلى منزله ما في الرواية الماضية من قوله. "وأبو بكر بثلاثة"، وما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي بكر، قال: نزل بنا أضياف، وكان أبو بكر يتحدث عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: لا أرجع إليك حتى تفرغ من ضيافة هؤلاء، وما في رواية المصنف في الأدب عنه بلفظ: "إن أبا بكر تضيّف رهطًا، فقال لعبد الرحمن: دونك أضيافك، فإني منطلق إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فافرغ من قِراهم قبل أن أجيءَ. فهذا يدل على أن أبا بكر أحضرهم إلى منزله، وأمر أهله أن يُضَيِّفوهم، ورجع هو إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
ووقع عند الإسماعيلي: "ثم ركع" بالكاف مكان: "ثم رجع"، أي: صلى النافلة بعد العشاء. قال في "الفتح": وعلى هذا فالتكرار في قوله: "فلبث حتى
стр. 3699
تعشى" فقط. قلت: ينفي التكرار ما مرّ من جعل: "لبث" الأُولى في بيته، و"لبث" الثاني عند النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى هذا يكون "تعشى" رسولُ الله الكائن بعد من العَشاء بالفتح، لا من العِشاء بالكسر. وفي رواية لمسلم والإِسماعيلي أيضًا: "فلبث حتى نَعَس" بعين وسين مهملتين مفتوحتين، من النعاس، وهو أوجه. قال عياض: إنه الصواب، وبه ينتفي التكرار من المواضع لها، إلا في قوله: "لبث"، وسببه اختلاف تعلق اللَّبْث، فالأول قال: لبث حتى صلى العشاء، ثم قال: فلبث حتى نعس. قلت: التكرار منتف بما مر من أن الأول في داره، والثاني عنده ﵊، والحاصل أنه تأخر عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى صلى العشاء، ثم تأخر حتى نعس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقام لينام، فرجع أبو بكر حينئذ إلى بيته، ولم أقف على من حرر الكلام على هذا المحل، وقد أبديت فيه من التقرير ما أبديت، راجيًا من الله تعالى أن يكون هو الصواب.
وقوله: "ما حبسك عن أضيافك؟ كذا في رواية الكشميهنيّ، ورواية مسلم، وفي رواية: "من أضيافك"، وقوله: "أو ضيفك"، شكٌّ من الراوي، والمراد به الجنس لأنهم كانوا ثلاثة، واسم الضيف يطلق على الواحد وما فوقه، وقيل: هو مصدر يتناول المثنى والجمع، وليس بواضح. وقوله: "أو عشيتهم"، في رواية الكُشميهنيّ: "أو ما عشيتهم" بزيادة ما النافية، وكذا في رواية مسلم والإسماعيلي، والهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، وفي رواية: "عشيتيهم" بإشباع الكسرة.
وقوله: "قد عُرّضوا فأبوا"، أي: بضم أوله وتشديد الراء، أي: أُطعموا من العراضة، وهي الهدية. قاله عياض: قلت: على هذا تكون الفاء في "فأبوا" سببية، أي: فبسبب ذلك أبوا. قال: وفي الرواية بتخفيف الراء، وتوجيهه، أي: عرض الطعام عليهم، فحذف الجار ووصل الفعل، أو هو من باب القلب، كعرضت الناقة على الحوض. وفي رواية: قد عرضوا عليهم، بفتح العين والراء، أي: الأهل من الابن والخادم والزوجة، يعني أن آل أبي بكر عرضوا على
стр. 3700
الأضياف العشاء فأبوا، فعالجوهم فامتنعوا حتى غلبوهم. وفي رواية: "قد عرضنا عليهم فامتنعوا"، وفي رواية: "عرصوا" بصاد مهملة، ووجه بأنها من قولهم: "عرص"، إذا نشط، فكأنه يريد أن أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم، ولا يخفى بُعده.
وفي رواية الجَريريّ: "فانطلق عبد الرحمن فأتاهم بما عنده، فقال: أطعموا، فقالوا: أين رب منزلنا؟ قال: اطعموا. قالوا: ما نحن بآكلين حتى يجيء. قال: اقبلوا عنا قِراكم، فإنه إن جاء ولم تطعموا لنلقينَّ منه، أي: شرًّا، فأبوا، وفي رواية مسلم: "ألا تقبلوا عنا قِراكم"، بتخفيف اللام على استفتاح الكلام. قال القُرطبيُّ: ويلزم عليه أن تثبت النون في "تقبلون" إذ لا موجب لحذفها، وضبطه أبو جعفر بتشديد اللام، وهو الأوجه. قلت: تكون هناك إن شرطية مدغمة في اللام، محذوف جوابها، تقديره يفعل بنا كذا.
وقوله: "قال: فذهبت فاختبأت"، أي: خوفًا من خصام أبي بكر له، وتغيظه عليّ. وفي رواية الجريريّ: "فعرفت أنه يجِد عليّ"، أي: يغضب، فلما جاء تغيبت عنه، فقال: يا عبد الرحمن، فسَكتُّ، ثم قال: يا عبد الرحمن، فسكتُّ. وقوله: فقال يا غنثر، فجدع وسبّ. وفي رواية الجريريّ: "فقال يا غُنْثَر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي لما جئت، فخرجت فقلت: والله ما لي ذنب، هؤلاء أضيافُك فسلهم. قالوا: صدق، قد أتانا".
وغُنْثَرْ بضم المعجمة وسكون النون وفتح المثلثة على الرواية المشهورة، وحُكي ضم المثلثة. وحكى عياض فتح أوله وثالثه، وحكاه الخطابيّ عنتر بلفظ اسم الشاعر المشهور، وهو بالمهملة والمثناة المفتوحتين، بينهما نون ساكنة. قيل: معناه الذباب، وأنه اسم ذباب أزرق، وأنه سمي بذلك لصوته، فشبهه به حيث أراد تحقيره وتصغيره. وقيل: معنى الرواية المشهورةِ الثقيلُ الوَخِمُ. وقيل: الجاهل، وقيل: السفيه، وقيل: اللئيم، وهو مأخوذ من الغَثَر، ونونه زائدة.
وقوله: "فجدع وسبّ"، أي: دعا عليه بالجَدْع، وهو قطع الأذن والأنف أو
стр. 3701
الشفة. وقيل: المراد به السب، والأول أصح. وسب، أي: شتم، وحذف المفعول للعلم به. وفي رواية الجريريّ: "فجزع" بالزاي بدل الدال، أىِ: نسبة إلى الجزع بفتحتين، وهو الخوف. وقيل: المجازعة المخاصمة، فالمعنى خاصم. قال القرطبيّ: ظن أبو بكر أن عبد الرحمن فرّط في حق الأضياف، فلمّا تبيّن له الحال أدبهم بقوله: كلوا لا هنيئًا. وقوله: "وقال: كلوا لا هنيئًا"، كذا في الرواية. وفي رواية مسلم: أي: لا أكلتم هنيئًا"، وهو دعاء عليهم. وقيل: خبر، أي: لم تتهنوا به في أول نضجه.
ويستفاد من ذلك جواز الدعاء على من لم يحصل منه الإنصاف، ولاسيما عند الحرج والتغيظ، وذلك أنهم تحكموا على رب المنزل بالحضور معهم، ولم يكتفوا بولده مع إذنه لهم في ذلك. وكان الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التبرك بمواكلته. ويقال: إنه خاطب بذلك أهله لا الأضياف. وأنه لم يرد الدعاء أيضًا، وإنما أخبر أنهم فاتهم الهناء به، إذ لم يأكلوه في وقته.
وقوله: "فقال والله لا أطْعَمه أبدًا"، كذا في رواية مسلم. وفي رواية الجريري: "فقال: فإنما انتظرتموني، والله لا أطعمه أبدًا، فقال الآخرون: والله لا نَطْعَمه حتى تَطْعَمه"، وفي رواية أبي داود: "فقال أبو بكر: فما منعكم؟ قالوا: مكانك. قال: والله لا أطعمه أبدًا، ثم اتفقا، فقال: لم أر في الشر كالليلة، ويلكم مالكم لا تقبلون عنا قِراكم؟ هات طعامك، فوضع فقال: بسم الله الأول من الشيطان، فأكل وأكلوا"، وهذه الرواية ترد على ابن التين قوله: "لم يخاطب أبو بكر أضيافه بذلك إنما خاطب أهله".
وقوله: "وايمُ الله"، همزته همزة وصل عند الجمهور، وقيل: يجوز القطع، وهو مبتدأ خبره محذوف، أي: أيم الله قَسَمي، وأصله أَيْمُنُ الله، فالهمزة حينئذ همزة قطع، لكنها لكثرة الاستعمال خففت فوصلت. وحكي فيها لغات، أيمن الله مثلثة النون، ومن الله مختصرة من الأولى مثلثة النون أيضًا، وأيم الله كذلك. ومُ الله كذلك، وبتثليث ميم أيمن أيضًا، مع تثليث نونها وبكسر همزة أيمن، وضم الميم، ومُن مثلث الميم والنون، وإم بكسر الهمزة، وتثليث الميم، وأيم
стр. 3702
الله بزيادة الياء بعد الهمزة، وبفتح همزة أم أيضًا، وبإبدال همزة أم هاء، فيقال: هُم الله، وليست الميم في قولك م الله بدلًا من الواو، ولا أصلها "مُنْ" بضم الميم، وليست أيمن المذكور جمع يمين، خلافًا للكوفيين؛ لأن همزة أيمن همزة وصل، بخلاف أيمن جمع يمين، فإنها همزة قطع، ولأنها قد تكسر، ويجوز فتح ميمها وكسره كما مرّ. ولا تضاف غالبًا إلا إلى الله خاصة، وقد تضاف نادراً إلى الذي والكاف والكعبة، وقد جمع المختار بن بَوْن الجكنيّ جميع لُغاتها وما تضاف إليه في احمراره، نقال:
وجرَّ بالبا وأضفه وأضف ... أَيمن لله وفيه قد أُلف
أيُمن أيَمن كذا وأيمِنُ ... إِيمَنُ اثمُ ايمُ مٌ إمُ مُنُ
وإمُ ثلث وافتح الهمز وزد ... همُ وتثليث مُن ومِ يَرِدْ
وربما إلى الذي أُضيفا ... والكاف والكعبة لا تحيفا
وقوله: "إلا ربا"، أي: زاد. وقوله: "من أسفلها"، أي: الموضع الذي أخذت منه. قلت: الظاهر أن القائل: "وايم الله"، أبو بكر، ولابد من تقديرٍ في الكلام دلت عليه رواية أبي داود المتقدمة، يعني أن أبا بكر بعد أن أقسم عن الأكل رجع فأكل معهم، ثم قال: وايم الله، الخ، ويحتمل أن يكون ابنه عبد الرحمن. وقوله: "فنظر إليها أبو بكر، فإذا هي كما هي أو أكثر"، أي: الجفنة، كما كانت أولًا أو أكثر، وهكذا رواية مسلم والإسماعيليّ، وفي رواية: "فنظر أبو بكر، فإذا شيء أو أكثر"، والتقدير: فإذا هي شيءٌ، أي: قدر الذي كان، والصواب الأولى.
وقوله: "يا أخت بني فِراس، ما هذا"، خاطب أبو بكر بذلك امرأته أم رَومان، وبنو فراس بكسر الفاء وتخفيف الراء آخره مهملة ابن غَنْم بن مالك بن كنانة. قال النوويّ: التقدير: يا من هي من بني فِراس. وفيه نظر، فإن العرب تطلق على من كان منتسبًا إلى قبيلة أنه أخوهم، كما مرّ في العلم "ضِمام" أخو بني سعد بن بكر، وقد مرّ أن أم رومان من ذرية الحارث بن غنم، وهو أخو فراس، فلعل أبا بكر نسبها إلى بني فراس لكونهم أشهر من بني الحارث، ويقع
стр. 3703
في النسب كثير من ذلك، وينسبون أحيانًا إلى أخي جدهم، أو المعنى: يا أخت القوم المنتسبين إلى بني فراس، ولا شك أن الحارث أخو فراس، فأولاد كل منهما إخوة للآخرين، لكونهم في درجتهم.
وحكى عياض أنه قيل في أم رَومان إنها من بني فراس بن غنم لا من بني الحارث، وعلى هذا فلا حاجة إلى هذا التأويل، لكن ابن سَعْد لم يذكر لها نسبًا إلا إلى بني الحارث بن غنم. وقوله: "لا وقرة عيني"، قُرَّة العين يعبّر بها عن المسرّة، ورؤية ما يحبه الإنسان، ويوافقه. يقال: ذلك لأن عينه قَرّت، أي: سكنت حركتها من التلفّت لحصول غرضها، فلا تستشرق لشيء آخر، فكأنه مأخوذ من القرار. وقيل: أنام الله عينك، وهو يرجع إلى هذا.
وقيل: بل هو مأخوذ من القُرّ، وهو البَرد، أي أن عينه باردة لسروره، ولهذا قيل: دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. ومن ثم قيل في ضده: أسخن الله عينَه، وإنما حلفت أم رَومان بذلك، لما وقع عندها من السرور بالكرامة التي حصلت لهم ببركة الصّدِّيق رضي الله تعالى عنه. وزعم الداودي أنها أرادت بقرة عينها النبيَّ ﵊، فأقسمت به، وفيه بُعد. قلت: لا بعد فيه، لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قرة عين كل مؤمن حاضر في ذهنه، فضلًا عن الصحابة.
و"لا" في قوله: "لا وقرة عيني" زائدة، أو نافية، على حذف تقديره: "لا شيء غير ما أقول". وقوله: "لهي الآن"، أي: الجفنة أو البقية. وقوله: "أكثر مما قبل"، بالمثلثة للأكثر، ولبعضهم بالموحدة، وفي رواية مسلم: "أكثر منها قبل"، وهي أوجه. وقوله: "إنما كان الشيطان"، يعني يمينه، وقع هكذا وفيه حذف تقديره: وإنما كان الشيطان الحامل على ذلك، يعني على يمينه التي حلفها في قوله: والله لا أَطْعَمُه أبدًا. وعند مسلم والإسماعيلي: "وإنما كان ذلك من الشيطان"، يعني يمينه، وهو أوجه.
وظاهر سياق رواية سُلَيمان التَّيْمي هذه مخالف لرواية الجَريريّ. قال
стр. 3704
عِياض: والصواب ما في رواية الجَريريّ، وذلك أن رواية سُلَيمان التَّيْميّ هذه تقتضي أن سبب أكل أبي بكر من الطعام ما رآه من البركة فيه، فرغب في الأكل منه، وأعرض عن يمينه التي حلف، لما رجح عنده من التناول من البركة. ورواية الجريري تقتضي أن سبب أكله من الطعام لجاج الأضياف، وحلفهم أنهم لا يَطعَمون الطعام حتى يطعَمه أبو بكر، ولا شك في كونها أوجه.
لكن يمكن رد رواية سليمان التيمي إليها بأن يكون قوله: "فأكل منها أبو بكر" معطوفًا على قوله: "والله لا أطعمه" لا على القصة التي دلت على بركة الطعام، وغايته أن حلف الأضياف أن لا يطعموه، لم يقع في رواية سليمان التيميّ، والظاهر أن ذلك من ابنه معتمر لا منه، لما في "الأدب" عند المصنف، عن ابن أبي عديّ، عن سليمان التيميّ: "فحلفت المرأة، لا تَطعمه حتى تَطعموه، فقال أبو بكر: هذه من الشيطان، فدعا بالطعام، فأكل، وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ربا من أسفلها"، وعلى هذا الجمع يكون في رواية التيمي تقديم وتأخير، فيكون قوله: "وايم الله"، إلخ، معترضًا بين المعطوف عليه، الذي هو لا أطعمه أبدًا، والمعطوف الذي هو فأكل منها أبو بكر. ويحتمل أن يجمع بأن يكون أبو بكر أكل لأجل تحليل يمينهم شيئًا، ثم لما رأى البركة الظاهرة عاد للأكل منها لتحصل له. وقال كالمعتذر عن يمينه التي حلف: إنما كان ذلك من الشيطان، ولذلك كان أكله الأخير قليلًا، بيَّن ذلك بقوله: "ثم أكل لقمة" مفسرًا بها قوله السابق: "فأكل منها"، وبذلك ينتفي التكرار بين "فأكل منها، ثم أكل" وهذا الجمع يتنزل على ما قررناه سابقًا من الحذف قبل وايم الله.
والحاصل أن الله أكرم أبا بكر، فأزال ما حصل له من الحرج، فعاد مسرورًا، وانفك الشيطان مدحورًا، واستعمل الصديق مكارم الأخلاق، فحنث نفسه زيادة في إكرام ضيفانه، ليحصل مقصوده من أكلهم، ولكونه أكثر قدرة منهم على الكفارة. وفي رواية الجَريريّ عند مسلم: "فقال أبو بكر: يا رسول الله، برُّوا وحنثت، فقال: بل أنت أبرُّهم وخيرهم. قال: ولم يبلغني كفارة، وسقط ذلك من رواية الجريري عند المصنف، وسبب حذفه لهذه الزيادة أن فيها إدراجًا بينته
стр. 3705
رواية أبي داود، حيث جاء فيها: "فأُخبرت" بضم الهمزة أنه أصبح على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ... " إلخ.
وقوله: "أبرُّهم"، أي: أكثرهم بِرًّا، أي: طاعة. وقوله: "خيرهم"؛ لأنك حنثت في يمينك حنثًا مندوبًا إليه مطلوبًا، فأنت أفضل منهم بهذا الاعتبار. وقوله: "ولم تبلغني كفارة"، اسْتُدِلَّ به على أنه لا تجب الكفارة في يمين اللجاج والغضب، ولا حجة فيه؛ لأنه لا يلزم من عدم الذكر عدم الوجود، فلمن أثبت الكفارة أن يتمسك بعموم قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ الآية، ويحتمل أن يكون ذلك وقع قبل مشروعية الكفارة في الأيمان، لكن يعكر عليه ما يأتي عن عائشة أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين حتى نزلت الكفارة.
وقال النوويّ: قوله: "ولم تبلغني كفارة" يعني أنه لم يكفِّر قبل الحنث، وأما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه، وهذا المعنى بعيد، وقال غيره: يحتمل أن يكون أبو بكر لما حلف أن لا يطعمه، نوى وقتًا معينًا أو صفة مخصوصة، أي: لا أطعمه الآن، أو لا أطعمه معكم، أو عند الغضب، وهذا مبني على أن اليمين هل تقبل التقييد في النفس أم لا؟ ومذهب المالكية قبولها لذلك، وقول أبي بكر: لا أطْعَمه أبدًا، يمين مؤكدة لا تحتمل أن تكون من لغو الكلام، ولا من سبق اللسان.
ثم حملها إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأصبحت عنده، أي: الجفنة على حالها، وإنما لم يأكلوا منها في الليل لكون ذلك وقع بعد أن مضى من الليل مدة طويلة. وقوله: "فَفَرَقَنا" الفاء فيه الفصيحة، أي: فجاؤوا إلى المدينة، ففرقنا. وهو بتحريك القاف من التفريق، أي: جعلنا فرقًا، وضمير الفاعل المستتر راجع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. وقوله: اثنا عشر رجلًا، قال: من ضمير "نا" المفعول به، أي: حال كون المفرّق اثنا عشر، وجاء اثنا بالألف في حال النصب على طريق من يُلزم المثنى الألف في الأحوال الثلاثة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، وعند مسلم اثني عشر، بالنصب، وهو ظاهر. وحكى الكرمانيّ في بعض الروايات: "فقرينا" من
стр. 3706
القِرى، وهو الضيافة، ويحتمل أن يكون ففُرقنا، بضم أوله على البناء للمجهول. وفي رواية: "فعرفنا" ووقع عند الإسماعيليّ قولًا واحدًا، وسمي التعريف عريفًا لأنه يُعَرّف الإِمام أحوالَ العسكر. واختلف الرواة على مسلم، هل قال: فرقنا أو عرفنا؟ كما اختلف على البخاريّ.
وقوله: "مع كل رجل منهم أناس"، يعني مع كل رجل من الاثني عشر أناسٌ من القادمين إلى المدينة. وقوله: "غير أنه بعث معهم"، يعني أنه تحقق أنه جعل كليهم اثني عشر عريفًا، لكنه لا يدري كم كان تحت يد كل عريف منهم، لأن ذلك يحتمل الكثرة والقلة، غير أنه يتحقق أنه بعث مع كل ناس عريفًا.
وقوله: "قال أكلوا منها أجمعون"، أو كما قال، هو شك من أبي عثمان في لفظ عبد الرحمن، وأما المعنى، فالحاصل أن جميع الجيش أكلوا من تلك الجفنة التي أرسل بها أبو بكر إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وظهر بذلك أن تمام البركة في الطعام المذكور كانت عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، لأن الذي وقع في بيت أبي بكر أوائل البَرَكة، وأما انتهاؤها إلى أن تكفي الجيش كله، فما كان إلا بعد أن صارت عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، على ظاهر الخبر.
وقد روى أحمد والتِّرمذيّ والنَّسائيّ عن سَمُرة، قال: "أُتي النبي ﷺ بقصعة فيها ثريد، فأكل وأكل القوم، فما زالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكل قوم، ثم يقومون، ويجيء قوم فيتعاقبونه، فقال رجل: هل كانت تُمَدُّ بطعام؟ قال: أمّا من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تمد من السماء". قال بعض الشيوخ: يحتمل أن تكون هذه القصعة هي التي وقع فيها في بيت أبي بكر ما وقع.
هذا غاية الجهد في إظهار معاني هذا الحديث. ولم أر حديثًا مثله في الصعوبة وتداخل المعنى. وفيه من الفوائد، غير ما تقدم، التجاء الفقراء إلى المساجد عند الاحتياج إلى المواساة، إذا لم يكن في ذلك إلحاف، ولا إلحاح ولا تشويش على المصلين. وفيه استحباب مواساتهم عند اجتماع هذه الشروط،
стр. 3707
وفيه التطويف في المخمصة، وفيه جواز الغَيبة عن الأهل والولد والضيف، إذا أُعِدّت لهم الكفاية. وفيه تصرف المرأة فيما تقدم للضيف، والإطعام بغير إذن خاص من الرجل. وفيه جواز سب الوالد للولد على وجه التأديب، والتمرين على أعمال البِرّ وتعاطيه وفيه جواز الحلف على ترك المباح، وفيه توكيد الرجل الصادق لخبره بالقسم، وجواز الحنث بعد عقد اليمين. وفيه التبرك بطعام الأولياء والصُّلَحاء. وفيه عرض الطعام الذي تظهر فيه البركة على الكبار، وقولهم ذلك.
وفيه العمل بالظن الغالب؛ لأن أبا بكر ظن أن ابنه عبد الرحمن فرّط في أمر الأضياف، فبادر إلى سبه. وقوّى القرينة عنده اختباؤه منه، وفيه ما يقع من لطف الله تعالى بأوليائه، وذلك أن خاطر أبي بكر تشوش، وكذلك ولده وأهله وأضيافه، بسبب امتناعهم من الأكل، وتكدر خاطر أبي بكر من ذلك حتى احتاج إلى ما تقدم ذكره من الحرج بالحلف وبالحنث وبغير ذلك، فتدارك الله ذلك، ورفعه عنه بالكرامة التي أبداها له، فانقلب ذلك الكدر صفاءًا، والنكد سرورًا، ولله الحمد والمنة.
وفيه فضيلة الإيثار والمواساة، وأنه عند كثرة الأضياف يوزعهم الإِمام على أهل المحلة، ويعطي لكل واحد منهم ما يعلم أنه يتحمله، ويأخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، فعمله في عام الرَّمَادة على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، ويقول لهم: لم يهلك امرؤ عن نصف قوته، وكانت الضرورة ذلك العام. وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، ومعناه: أن المؤمنين تلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى، عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قال كثير من العلماء: إن في المال حقًا سوى الزكاة، وورد في التِّرمذيّ مرفوعًا، وفيه ما كان عليه الشارع من الأخذ بأفضل الأمور، والسبق إلى السخاء والجود، فإن عياله ﵊ كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذه الليلة، فأتى بنصف طعامه أو نحوه، وأتى أبو بكر، رضي الله تعالى عنه بثلث طعامه أو أكثر.
стр. 3708
وفيه الأكل عند الرئيس، وإن كان عنده، أي: الأكل، ضيق إذا كان عنده من يقوم بخدمتهم، وفيه أن الولد والأهل يلزمهم من خدمة الضيف ما يلزم صاحب المنزل، وفيه أن الأضياف ينبغي لهم أن يتأدبوا، وينتظروا صاحب الدار، ولا يتهافتوا على الطعام دونه. قلت: في أخذ هذا من الحديث نظر؛ لأن أبا بكر لم يرض بفعلهم. وفيه أن آيات النبي ﵊ تظهر على يد غيره، وفيه ما كان عليه أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، من حب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والانقطاع إليه وإيثاره في ليله أو نهاره على الأهل والأضياف.
وفيه كرامة ظاهرة للصدِّيق، وفيه إثبات كرامة الأولياء، وهو مذهب أهل السنة، وفيه جواز العُرَفاء للعسكر ونحوهم، وفيه جواز الاختفاء عن الوالد إذا خاف منه على تقصير واقع منه، وفيه جواز الدعاء بالجدع والسب على الأولاد عند التقصير، وفيه جواز الخطاب للزوجة بغير اسمها، وفيه جواز القسم بغير الله تعالى، وفيه حمل المُضِيف المشقة على نفسه في إكرام الضيفان، والاجتهاد في رفع الوحشة، وتطييب قلوبهم. وفيه جواز ادخار الطعام للغد، وفيه مخالفة اليمين إذا رأى غيرها خيرًا منها، وفيه أن الراوي إذا شك، يجب عليه أن ينبه على ذلك، كما قال: لا أدري، هل قال، وامرأتي، ومثل لفظة: "أو كما قال"، ونحوها.
وفيه أن الحاضر يرى ما لا يراه الغائب، فإن امرأة أبي بكر، رضي الله تعالى عنهما، لما رأت أن الضِّيْفان تأخروا عن الأكل، تألمت لذلك، فبادرت حين قدم تسأله عن سبب تأخره مثل ذلك، وفيه إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل، وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أُذن في ذلك، لإنكار الصديق في ذلك.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي بكر وأم عبد الرحمن أم رَومان.
الأول: أبو النعمان، وقد مرّ في الحادي والخمسين من الإيمان، ومرّ
стр. 3709
المُعتمِر بن سليمان وأبو سُليمان في التاسع والستين من العلم، ومرّ عُثمان النَّهديّ في الخامس من كتاب المواقيت هذا، ومرّ عبد الرحمن بن أبي بكر في الرابع من الغُسل، ومر أبو بكر في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" بعد السبعين من الوضوء، ومرت أم رومان في التاسع والسبعين من أبواب القبلة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، والقول في ثلاثة، والعنعنة في موضع واحد، وفيه راوٍ من المخضرمين. أخرجه البخاري هنا وفي "علامات النبوة"، وفي "الأدب"، ومسلم في الأطعمة، وأبو داود في الإيمان والنذور.
стр. 3710
خاتمة
قال في "فتح الباري": اشتمل كتاب المواقيت على مئة حديث وسبعة عشر حديثًا، المعلق منها ستة وثلاثون حديثًا، والباقي موصول. الخالص منها ثمانية وأربعون حديثًا. والمكرر منها فيه، وفيما تقدم، تسعة وستون حديثًا، وافقه مسلم على جميعها سوى ثلاثة عشر حديثًا، وهي حديث أنس في السجود على الظَّهائر، وقد أخرج معناه، وحديثه: "ما أعرف شيئًا"، وحديثه في المعنى: "هذه الصلاة قد ضيعت"، وحديث ابن عمر: "أبردوا"، وكذا حديث أبي سعيد، وحديث ابن عمر: "إنَّما بقاؤكم فيما سلف قبلكم"، وحديث أبي موسى: "مثل المسلمين واليهود"، وحديث أنس: "كنا نصلي العصر"، وقد اتفقا على أصله، وحديث عبد الله بن مُغفل: "لا يَغْلِبَنكم الأعراب"، وحديث ابن عباس: "لولا أن أشقّ"، وحديث سَهْل بن سعد: "كنت أتسحر"، وحديث معاوية في الركعتين بعد العصر، وحديث أبي قتادة في النوم عن الصبح، على أن مسلمًا أخرج أصل الحديث من وجه آخر، لكن بيّنا في الشرح أنهما حديثان لقصتين، والله تعالى أعلم. وفيه من الآثار الموقوفة ثلاثة آثار، والله أعلم.
ثم قال المصنف:
стр. 3711
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب أبواب الأذان
سقطت التسمية في رواية القابسيّ وغيره، والأذان لغة: الإعلام. قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَاشتقاقه من الأَذَن بفتحتين، وهو الإسماع، والأذان والأَذِين والتأذين بمعنى. وقيل: الأَذين المؤذِّن، فعيل بمعنى مفعل. وشرعًا: إعلامٌ مخصوصٌ، بألفاظ مخصوصة، في أوقات مخصوصة. قال القُرطبيُّ وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله. قيل: معناه أكبر من كل شيء، فحذفت من كل شيء، كما في قول الشاعر:
إذا ما ستُورَ البيتِ أَرخَيتَ لم يكن ... سِرَاجٌ لنا إِلا وَوَجهكَ أنورُ
أي: منه، وقيل: معناه كبير، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، أي: هين عليه. وكما في قول الشاعر:
فتلك طريق لست فيها بأوحد
أي: بواحد. وثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ومعنى أشهد: أعلم وأبيّن، ومن ذلك شهد الشاهد عند الحاكم، ومعناه قد بيّن له وأخبره الخبر الذي عنده. وقيل: معناه: قضى، كما في: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ معناه: قضى الله. وقيل: حقيقة الشهادة هو تيقن الشيء، وتحققه من شهادة الشيء، أي: حضوره. ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم دُعاء إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دُعاء إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم. وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا،
стр. 3712
ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإِسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل، سهولةُ القول وتيسره لكل أحد في مكان وزمان، واختلف أيهما أفضل: الأذان أولًا أو الإِقامة. ثالثها: إنْ علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان. وفي كلام الشافعي ما يومىء إليه. واختلف أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البيهقيّ، عن جابر مرفوعًا النهيُ عن ذلك، لكن سنده ضعيف. وصح عن عمر: "لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذَّنت"، رواه سعيد بن منصور وغيره. وقيل: هو خلاف الأَوْلى، وقيل: يستحب، وصححه النووي.
وقد كثر السؤال: هل باشر ﵊ الأذان بنفسه؟ فعند السُّهَيليّ، أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أذّنَ في سفر، وصلّى بأصحابه وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبِلَّة من أسفلهم. أخرجه التِّرمِذيّ عن أبي هُريرة، وليس من حديث أبي هُريرة، وإنما هو من يَعلي بن مُرة، وكذا جزم النوويّ أن النبي ﵊ أذّنَ مرة في السفر، وعزاه للتِّرمذيّ، وقوّاه. ولكن هذا في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه التِّرمذيّ منه، ولفظه: "فأمر بلالًا فأذَّن"، فعرف أن في رواية الترمذي اختصارًا، وأن معنى قوله: "أذَّن" أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفةُ العالم الفلانيَ ألفًا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه آمرًا.
ثم قال:
باب بدء الأذان
أي: ابتداؤه، وسقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذَرٍّ، ثم قال: وقول الله : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ يُشير بذلك إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة؛ لأن الآية مدنية، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان قالوا: لقد ابتدعت شيئًا يا محمد، لم يكن فيما مضى،
стр. 3713
فنزلت: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، يعني: إذا أذن المؤذِّن للصلاة، وإنّما أضاف النداء إلى جميع المسلمين؛ لأن المؤذن يؤذن لهم، ويناديهم، فأضافه إليهم.
وقوله: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، يعني أن الكفار إذا سمعوا الأذان استهزؤوا بهم، وإذا رأوهم ركوعًا وسجودًا ضحكوا عليهم، واستهزؤوا بذلك. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أي: ذلك الاستهزاء بانهم قوم لا يعلمون ثوابهم. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّيّ، قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: حُرِقَ الكاذب، فدخلت أمَتُه ليلةً من الليالي بنار، وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله.
وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، يشير بذلك أيضًا إلى الابتداء، لأن ابتداء الجمعة إنما كان بالمدينة، كما يأتي في بابه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس، أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، والفرق بين ما في الآيتين من التعدية بإلى واللام، أن صِلات الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى معنى الانتهاء، وفي الثانية معنى الاختصاص. ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى أو العكس. ويأتي عند حديث ابن عمر الآتي في الباب "إتمام الكلام على كونه شرع بالمدينة".
وقد وردت أحاديث ضعيفة تدل على أنه شرع بمكة قبل الهجرة، منها ما أخرجه الطبرانيّ عن ابن عمر، قال: "لما أُسري بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أوحى الله إليه الأذان، فنزل به، فعلَّمه بلالًا، وفي سنده طَلْحة بن زيد، متروك. وما أخرجه الدارقطني في الأطراف عن أنس: "أن جبريل أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالأذان حين فرضت الصلاة"، وإسناده ضعيف. ولابن مردويه عن عائشة مرفوعًا: "لما أَسرى بي جبريل، فظنت الملائكة أنه يُصلي بهم، فقَدَّمني فصليت". وفيه من لا يُعرف، وللبزار وغيره عن عليّ رضي الله تعالى عنه، قال: لما أراد الله أن يعلِّم رسوله الأذان، أتاه
стр. 3714
جبريل بدابة يقال لها البراق، فركبها. وفيه: إذا خرج مَلَكٌ من وراء الحجاب، فقال: الله أكبر الله أكبر"، وفي آخره: "ثم أخذ المَلَك بيده، فأمَّ بأهل السماء"، وفي سنده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك أيضًا.
ويمكن على تقدير الصحة أن يحمل على تعدد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة، وقد مرّ القول بتعدد الإسراء عند حديث الإسراء أول كتاب الصلاة. وأما قول القُرطبيّ لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقه، ففيه نظر، لقوله في أوله: "لما أراد الله أن يعلِّم رسوله الأذان"، وكذا قول المُحبّ الطَّبريّ: يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللُّغويّ، وهو الإعلام لتصريحه بالكيفية المشروعة فيه، والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﵊ كان يصلي بغير أذان، منذ فرضت الصلاة بمكة، إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك، على ما في حديث ابن عمرو، وحديث عبد الله بن زيد الآتيين.
ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ، بسند فيه مجهول، عن عبد الله بن الزُّبَير، قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم، من قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، قال: فأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وما رواه أبو نعيم في "الحلية" بسند فيه مجاهيل: "أن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أُهبط من الجنة". قال الزَّين بن المُنير: "أعرض البخاريُّ عن التصريح بحكم الأذان، لعدم الإفصاح من الآثار الواردة فيه عن حكم معين، فأثبت مشروعيته، وسلم من الاعتراض".
وقد اختلف في ذلك، ومنشأ الخلاف أن مبدأ الأذان، لمّا كان بمشورة أوقعها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين أصحابه، حتى استقر برؤيا بعضهم فأقره، وكان ذلك بالمندوبات أشبه، ثم لما واظب على تقريره، ولم يُنقل أنه تركه، ولا أمر بتركه، ولا رخص في تركه، كان ذلك بالواجبات أشبه. وقد قال بوجوبه مطلقًا الأوزاعيُّ وداود وابن المنذر، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ" وبه قال مُحمّد بن الحسين، وقال الأوزاعي: يعيد تاركه في الوقت، واختلف
стр. 3715
الظاهرية في صحة الصلاة بدونه، وقيل: واجب في الجمعة فقط، وقيل: فرض كفاية، ومشهور مذهب مالك أنه سنة في حق كل مسجد، فرض كفاية على أهل كل بلد، وإن تركوه قوتلوا، والجمهور على أنه من السنن المؤكدة. واستدل من قال بوجوبه بورود الأمر به، وتعقب بأن الأمر إنما ورد بصفة الأذان، كما يأتي، لا بنفسه. وأجيب بأنه إذا ثبت الأمر بالصفة، لزم أن يكون الأصل مأمورًا به.
следующие страницы →