Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب أبواب الأذان
سقطت التسمية في رواية القابسيّ وغيره، والأذان لغة: الإعلام. قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وَاشتقاقه من الأَذَن بفتحتين، وهو الإسماع، والأذان والأَذِين والتأذين بمعنى. وقيل: الأَذين المؤذِّن، فعيل بمعنى مفعل. وشرعًا: إعلامٌ مخصوصٌ، بألفاظ مخصوصة، في أوقات مخصوصة. قال القُرطبيُّ وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ لأنه بدأ بالأكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله. قيل: معناه أكبر من كل شيء، فحذفت من كل شيء، كما في قول الشاعر:
إذا ما ستُورَ البيتِ أَرخَيتَ لم يكن ... سِرَاجٌ لنا إِلا وَوَجهكَ أنورُ
أي: منه، وقيل: معناه كبير، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، أي: هين عليه. وكما في قول الشاعر:
فتلك طريق لست فيها بأوحد
أي: بواحد. وثنَّى بالتوحيد ونفي الشريك، ومعنى أشهد: أعلم وأبيّن، ومن ذلك شهد الشاهد عند الحاكم، ومعناه قد بيّن له وأخبره الخبر الذي عنده. وقيل: معناه: قضى، كما في: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ معناه: قضى الله. وقيل: حقيقة الشهادة هو تيقن الشيء، وتحققه من شهادة الشيء، أي: حضوره. ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم دُعاء إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة؛ لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دُعاء إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم. وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا،
стр. 3712
ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإِسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل، سهولةُ القول وتيسره لكل أحد في مكان وزمان، واختلف أيهما أفضل: الأذان أولًا أو الإِقامة. ثالثها: إنْ علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل، وإلا فالأذان. وفي كلام الشافعي ما يومىء إليه. واختلف أيضًا في الجمع بينهما، فقيل: يكره، وفي البيهقيّ، عن جابر مرفوعًا النهيُ عن ذلك، لكن سنده ضعيف. وصح عن عمر: "لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذَّنت"، رواه سعيد بن منصور وغيره. وقيل: هو خلاف الأَوْلى، وقيل: يستحب، وصححه النووي.
وقد كثر السؤال: هل باشر ﵊ الأذان بنفسه؟ فعند السُّهَيليّ، أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أذّنَ في سفر، وصلّى بأصحابه وهم على رواحلهم، السماء من فوقهم، والبِلَّة من أسفلهم. أخرجه التِّرمِذيّ عن أبي هُريرة، وليس من حديث أبي هُريرة، وإنما هو من يَعلي بن مُرة، وكذا جزم النوويّ أن النبي ﵊ أذّنَ مرة في السفر، وعزاه للتِّرمذيّ، وقوّاه. ولكن هذا في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه التِّرمذيّ منه، ولفظه: "فأمر بلالًا فأذَّن"، فعرف أن في رواية الترمذي اختصارًا، وأن معنى قوله: "أذَّن" أمر بلالًا به، كما يقال: أعطى الخليفةُ العالم الفلانيَ ألفًا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه آمرًا.
ثم قال:
باب بدء الأذان
أي: ابتداؤه، وسقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذَرٍّ، ثم قال: وقول الله : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ يُشير بذلك إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة؛ لأن الآية مدنية، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان قالوا: لقد ابتدعت شيئًا يا محمد، لم يكن فيما مضى،
стр. 3713
فنزلت: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، يعني: إذا أذن المؤذِّن للصلاة، وإنّما أضاف النداء إلى جميع المسلمين؛ لأن المؤذن يؤذن لهم، ويناديهم، فأضافه إليهم.
وقوله: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، يعني أن الكفار إذا سمعوا الأذان استهزؤوا بهم، وإذا رأوهم ركوعًا وسجودًا ضحكوا عليهم، واستهزؤوا بذلك. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾، أي: ذلك الاستهزاء بانهم قوم لا يعلمون ثوابهم. وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السّدّيّ، قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: حُرِقَ الكاذب، فدخلت أمَتُه ليلةً من الليالي بنار، وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله.
وقوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾، يشير بذلك أيضًا إلى الابتداء، لأن ابتداء الجمعة إنما كان بالمدينة، كما يأتي في بابه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس، أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية، والفرق بين ما في الآيتين من التعدية بإلى واللام، أن صِلات الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام، فقصد في الأولى معنى الانتهاء، وفي الثانية معنى الاختصاص. ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى أو العكس. ويأتي عند حديث ابن عمر الآتي في الباب "إتمام الكلام على كونه شرع بالمدينة".
وقد وردت أحاديث ضعيفة تدل على أنه شرع بمكة قبل الهجرة، منها ما أخرجه الطبرانيّ عن ابن عمر، قال: "لما أُسري بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أوحى الله إليه الأذان، فنزل به، فعلَّمه بلالًا، وفي سنده طَلْحة بن زيد، متروك. وما أخرجه الدارقطني في الأطراف عن أنس: "أن جبريل أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالأذان حين فرضت الصلاة"، وإسناده ضعيف. ولابن مردويه عن عائشة مرفوعًا: "لما أَسرى بي جبريل، فظنت الملائكة أنه يُصلي بهم، فقَدَّمني فصليت". وفيه من لا يُعرف، وللبزار وغيره عن عليّ رضي الله تعالى عنه، قال: لما أراد الله أن يعلِّم رسوله الأذان، أتاه
стр. 3714
جبريل بدابة يقال لها البراق، فركبها. وفيه: إذا خرج مَلَكٌ من وراء الحجاب، فقال: الله أكبر الله أكبر"، وفي آخره: "ثم أخذ المَلَك بيده، فأمَّ بأهل السماء"، وفي سنده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك أيضًا.
ويمكن على تقدير الصحة أن يحمل على تعدد الإسراء، فيكون ذلك وقع بالمدينة، وقد مرّ القول بتعدد الإسراء عند حديث الإسراء أول كتاب الصلاة. وأما قول القُرطبيّ لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعًا في حقه، ففيه نظر، لقوله في أوله: "لما أراد الله أن يعلِّم رسوله الأذان"، وكذا قول المُحبّ الطَّبريّ: يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللُّغويّ، وهو الإعلام لتصريحه بالكيفية المشروعة فيه، والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه ﵊ كان يصلي بغير أذان، منذ فرضت الصلاة بمكة، إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور في ذلك، على ما في حديث ابن عمرو، وحديث عبد الله بن زيد الآتيين.
ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ، بسند فيه مجهول، عن عبد الله بن الزُّبَير، قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم، من قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، قال: فأذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وما رواه أبو نعيم في "الحلية" بسند فيه مجاهيل: "أن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أُهبط من الجنة". قال الزَّين بن المُنير: "أعرض البخاريُّ عن التصريح بحكم الأذان، لعدم الإفصاح من الآثار الواردة فيه عن حكم معين، فأثبت مشروعيته، وسلم من الاعتراض".
وقد اختلف في ذلك، ومنشأ الخلاف أن مبدأ الأذان، لمّا كان بمشورة أوقعها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين أصحابه، حتى استقر برؤيا بعضهم فأقره، وكان ذلك بالمندوبات أشبه، ثم لما واظب على تقريره، ولم يُنقل أنه تركه، ولا أمر بتركه، ولا رخص في تركه، كان ذلك بالواجبات أشبه. وقد قال بوجوبه مطلقًا الأوزاعيُّ وداود وابن المنذر، وهو ظاهر قول مالك في "الموطأ" وبه قال مُحمّد بن الحسين، وقال الأوزاعي: يعيد تاركه في الوقت، واختلف
стр. 3715
الظاهرية في صحة الصلاة بدونه، وقيل: واجب في الجمعة فقط، وقيل: فرض كفاية، ومشهور مذهب مالك أنه سنة في حق كل مسجد، فرض كفاية على أهل كل بلد، وإن تركوه قوتلوا، والجمهور على أنه من السنن المؤكدة. واستدل من قال بوجوبه بورود الأمر به، وتعقب بأن الأمر إنما ورد بصفة الأذان، كما يأتي، لا بنفسه. وأجيب بأنه إذا ثبت الأمر بالصفة، لزم أن يكون الأصل مأمورًا به.
стр. 3716
الحديث الأول
حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ.
قوله: "قال: ذكروا النار والناقوس، فذكر اليهود والنصارى"، كذا ساقه عبد الوارث مختصرًا، ورواية عبد الوهاب الآتية في الباب بعده، أوضح قليلًا، حيث قال: لما أكثر الناس ذكروا أن يُعَلِّموا صفة الصلاة بشيء يعرفونه، فذكروا أن يُوروا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا، وأوضح من ذلك رواية روح بن عطاء عن أبي الشيخ، ولفظه: "فقالوا: لو اتخذنا ناقوسًا، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "ذاك للنَّصَارَى"، فقالوا: لو اتَّخذنا بوقًا، فقال: "ذاك لليهودِ"، فقالوا: لو رفعنا نارًا، فقال: "ذاك للمجوسِ"، فعلى هذا، ففي رواية عبد الوارث اختصار، كأنه كان فيه: "ذكروا النار والناقوس والبوق، فذكروا اليهود والنصارى والمجوس"، فيكون فيه لف ونشر معكوس، فالنار للمجوس، والناقوس للنصارى، والبوق لليهود.
وفي حديث ابن عمر الآتي التنصيصُ على أن البوق لليهود. وقال الكِرْمانيّ: يحتمل أن تكون النار والبوق جميعًا لليهود، وجمعًا بين حديثي أنس وابن عمر، ورواية روح تغني عن هذا الاحتمال، والناقوس خشبة تضرب بخشبة أصغر منها، فيخرج منها صوت، وهو من شعار النصارى، والبوق معروف، والمراد أنه يُنفخ فيه، فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويسمى أيضًا الشَّبُّور، بالشين المعجمة المفتوحة والموحدة المضمومة الثقيلة.
وقوله: "فأمر بلالًا"، في معظم الروايات على البناء للمفعول، وقد اختلف
стр. 3717
أهل الحديث والأصول في اقتضاء هذه الصيغة للرفع، والمختار عند محققي الطائفتين أنها تقتضيه؛ لأن الظاهر أن المراد بالأمر من له الأمر الشرعيّ الذي يلزم اتباعه، وهو الرسول ﵊، ويؤيد ذلك هنا من حيث المعنى، أن التقرير في العبادة إنما يؤخذ من توقيف، فيقوى جانب الرفع جدًا.
وفي رواية روح بن عطاء المذكورة: "فأمر بلالًا"، بالنصب، وفاعل أمر هو النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم، وأصرح من ذلك رواية النَّسائيّ وغيره، عن قُتيبَة بلفظ أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بلالًا. قال الحاكم: صرح برفعه إمام الحديث، بلا مدافعة، قُتيبة، ولم ينفرد به قُتيبة عن عبد الوهاب، بل أخرجه أبو عَوانة في صحيحه، والدارقطنيُّ عن يحيى بن مَعين، عن عبد الوهاب، ولم ينفرد به عبد الوهاب، بل رواه البَلاذُرِيّ، عن ابن شهاب الجنّاط، عن أبي قِلابة، وقضية وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النداء إلى الصلاة ظاهر في أن الآمر بذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا غيره، كما استدل به ابن المنذر وابن حبَّان.
وقوله: "أن يَشْفع الأذان"، بفتح أوله، وفتح الفاء، أي: يأتي بألفاظه شفعًا. قال الزَّين بن المُنِير: وصف الأذان بأنه شفع، يفسره قوله في الباب الآتي بعد هذا: "مثنى مثنى"، أي: مرتين مرتين، وذلك يقتضي أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك، لكن لم يختلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة، فيحمل قوله: "مثنى" على ما سواها. قال في "الفتح": وكأنه أراد بذلك تأكيد مذهبه في ترك تربيع التكبير في أوله، لكن لمن قال بالتربيع أن يدّعي نظر ما ادعاه لثبوت الخبر بذلك.
وقوله: "وأن يُوتر الإقامة، أي: يجعلها وترًا، واستدل بهذا الحديث مالك، ومن قال بقوله، على أن الأذان مشفع جميعًا، أي: مثنى مثنى، تكبيره الأول وغيره، إلا كلمة التوحيد الأخيرة كما مر، إشارة إلى الانفراد بالربوبية، وعلى أن الإقامة مفردة، واستثنوا من ذلك التكبير أولًا وآخرًا، فإنه مثنى. وقالت المالكية بترجيع الشهادتين في الأذان بأن يشهد بالوحدانية ثنتين، ثم بالرسالة، ثم
стр. 3718
يرجع، فيشهد كذلك، ويكون الصوت في الترجيح أرفع من الأول، وهو وإن كان في العدد مربعًا، فهو في الصورة مثنى، ويالترجيع هكذا قالت الشافعية، غير أنهم يجعلون الشهادتين الأُوليين سرًا، والترجيع جهرًا، ووافقت الشافعية أيضًا على تثنية التكبير في الإقامة، وإفراد غيره، إلا قد قامت الصلاة، فإنها تثنى عندهم أيضًا.
وقالت الحنفيّة والشافعية: إن التكبير في أول الأذان مربع، وأجابوا عن لفظ: "وأن يشفع الأذان"، بأن لفظ الشفع يتناول التثنية والتربيع، فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك، على أن تكرير تثنيته في الصورة مفردة في الحكم، ولذا يستحب أن يقالا بنَفَس واحد. واستدل مالك بظهور الشفع في الاثنين، ويرواية ذلك من وجوه صحيحة في أذان أبي محذورة، وأذان ابن زيد، والعمل على ذلك بالمدينة في آل سعد القَرَظ إلى زمانه. واحتج القائلون بتربيع التكبير بما رواه مسلم وأبو عوانة والحاكم، من حديث أبي محذورة، وهو المحفوظ عند الشافعي من حديث ابن زيد.
واحتجت الشافعية على تكرير: "قد قامت الصلاة" في الإقامة، برواية سماك بن عطية الآتية عند المصنف، بلفظ: "وأن يُوتِر الإقامة" إلا الإقامة، وقد أجابت المالكية عنه مما قاله ابن منده، من أن قوله: "إلا الإقامة" من قول أيوب، غير مسند، ولذا لم يذكره إسماعيل بن علية في روايته. قال: ففي رواية سماك هذه إدراج، وكذا قال أبو محمد الأصيلي: قوله: "إلا الإقامة"، هو من قول أيوب، وليس من الحديث. وتعقب هذا في "الفتح"، بأن عبد الرزاق رواه عن أيوب بسنده متصلًا بالخبر مفسرًا. ولفظه: "كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة، إلا قوله قد قامت الصلاة". وأخرجه أبو عوانة في صحيحه، والسراج في مسنده، وللإسماعيليّ من هذا الوجه، ويقول: قد قامت الصلاة، مرتين، والأصل أنَّ ما كان في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل، لأنّه إنما يتحصل منها أن خالدًا كان لا يذكر الزيادة، وكان أيوب يذكرها، وكل منهما روى الحديث عن أبي قِلابة، عن أنس، فكأنّ في رواية أيوب زيادة من حَافظ، فتقبل.
стр. 3719
قلت: على كل حال، الرواية التي لم يتكلم فيها أرجح، وعمل أهل المدينة مرجح، وهو عليها كما يأتي. وقول صاحب الفتح: إن عمل أهل مكة على تلك الزيادة، لم يذكر له مستندًا، وأيضًا ليس لأهل مكة عمل يرجح به، كعمل أهل المدينة، لفقدان المعنى الذي في عمل أهل المدينة فيها.
وقد قالت الحَنفية بتثنية الإقامة كلها، إلا كلمة التوحيد الأخيرة، واحتجوا مما رواه التِّرمذيّ عن أبي مَحذورة: "أنه ﵊ علَّمه الأذان مثنى مثنى، والإقامة مثنى مثنى"، وحديث أبي جُحَيْفة: "أن بلالًا رضي الله تعالى عنه كان يؤذن مثنى مثنى"، وهذا الذي احتجوا به لا يوازي ما في الصحيحين عن أنس. وأجاب بعضهم عما في الصحيح بدعوى النسخ، وأن إفراد الإقامة كان أولًا، ثم نسخ بحديثِ أبي مَحذورة، يعني الذي رواه أصحاب السنن، وفيه تثنية الإقامة، وهو متأخر عن حديث أنس، فيكون ناسخًا وعورض بأن في بعض طرق حديث أبي مَحذورة المُحسِّنة التربيع والترجيع، فكان يلزمهم القول به.
وقد أنكر أحمد على من ادّعى النسخ بحديث أبي مَحذورة، واحتج بأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "رجع بعد فتح مكة إلى المدينة، وأقر بلالًا على إفراد الإقامة، وعلّمه سعد القرظ، فأذَّن به بعده"، كما رواه الدارقطنيّ والحاكم. وقال ابن عبد البَرّ: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير، إلى أن الأذان من الاختلاف المباح، فإن رَبَّع التكبير الأول في الأذان، أو ثناه، أو رجّع في التشهد، أو لم يرجع، أو ثنى الإقامة، أو أفردها كلها، أو "إلا قد قامت الصلاة"، فالجميع جائز. وعن ابن خُزَيمة: إن ربّع الأذان ورجّع فيه ثنَّى الإقامة، وإلا أفردها. وقيل: لم يقل بهذا التفضيل أحد قبله.
قيل: الحكمة في تثنية الأذان وإفراد الإقامة أن الأذان لإعلام الغائبين، فيكرر ليكون أوصل إليهم، بخلاف الإقامة، فإنها للحاضرين، ومن ثَمَّ استُحب أن يكون الأذان في مكان عال، بخلاف الإقامة، وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في الإقامة، وأن يكون الأذان مُرتلًا، والإقامة مسرعة، وإنما اختص الترجيح بالشهادتين؛ لأنهما أعظم ألفاظ الأذان، واختص التكرير في الإقامة
стр. 3720
بعد "قامت الصلاة" عند القائل به؛ لأنها المقصودة من الإقامة بالذات.
رجاله خمسة ، وفيه ذكر بلال.
الأول: عمران بن مَيْسرة، وقد مرّ في الثاني والعشرين من العلم، ومرّ عبد الوارث وخالد الحَذَّاء في السابع عشر منه، ومرّ أبو قِلابة في التاسع من الإيمان، ومرّ أنس في السادس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضعين، والقول في موضعين، وشيخ البخاري من أفراده، ورواته كلهم بصريُّون. أخرجه البخاريّ هنا، وفي ذكر بني إسرائيل، ومسلم وأبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه في الصلاة، ومرّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم.
стр. 3721
الحديث الثاني
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاَةَ، لَيْسَ يُنَادَى لَهَا، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلاَ تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بِالصَّلاَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قُمْ يَا بِلاَلُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاَةِ".
قوله: "إن ابن عمر كان يقول، في رواية مسلم عن عبد الله بن عمر أنه قال. وقوله: "حين قدموا المدينة"، أي: من مكة في الهجرة. وقوله: "فيتحينون"، بحاء مهملة بعدها مثناة تحتية، ثم نون، أي: يقدرون أحيانها ليأتوا إليها، والحين: الوقت والزمان. وقوله: "ليس يُنادَى لها"، بفتح الدال على البناء للمفعول. قال ابن مالك: فيه جواز استعمال ليس حرفًا لا اسم لها ولا خبر، وقد أشار إليه سِيبَوَيه. ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبر. ورواية مسلم تؤيد هذا، فإن لفظه "ليس يُنادي بها أحد"، وقوله: "فقال بعضهم: اتخذوا"، لم يعلم المتكلمين في ذلك. واختصر الجواب في هذه الرواية. ووقع لابن ماجه من وجه آخر، عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم استشار الناس لما يَجْمعهم إلى الصلاة، فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى، وقد مرت رواية روح بن عطاء نحوه.
وقوله: "بل بوقًا"، أي: بل اتخذوا. وفي بعض النسخ: "بل قرنًا"، وهي
стр. 3722
رواية مسلم والنَّسائيّ، والبوق والقرن معروفان. وقد مرّ ما يفعل به. وقوله: "فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا"، زاد الكشميهنيّ: "منكم". وقوله: "أو" الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، كما في نظائره. قال الطيبيّ: الهمزة إنكار للجملة الأولى المقدرة، وتقرير للجملة الثانية.
وقوله: "يُنادي بالصلاة"، قال القرطبي: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدَّقه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، بادر عمر، فقال: أوَلا تبعثون رجلًا ينادي، أي: يؤذن للرؤيا المذكورة، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "قم يا بلال"، فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي الفصيحة، والتقدير: فافترقوا فرأى عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقص، فصدّقه، فقال عمر. لكن سياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه أنه لما قص رؤياه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قال له: "ألقها على بلال فليؤذن بها". قال: فسمع عمر الصوت، فخرج، فأتى النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فدل على أن عمر لم يكن حاضرًا لما قَصّ عبد الله بن زيد رؤياه، والظاهر أن شارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة، كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك.
وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي عمير بن أنس، عن عمومته من الأنصار، قالوا: اهتم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها؟ فقيل: إنصب راية عند حضور وقت الصلاة، فإذا رأوها آذَنَ بعضُهم بعضًا، فلم يعجبه الحديث. وفيه ذكر القُنْع، بضم القاف وسكون النون، يعني البوق، وذكروا الناقوس، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم، فأُري الأذان، فغدا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال: وكان عمر رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، ثم أخبر به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: "ما منعك أن تخبرنا؟ " فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت. فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد، فافعله". ترجم له أبو داود "بدء الأذان".
стр. 3723
قال ابن عبد البَرّ: روى قصة عبد الله بن زيد جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة، وهي من وجوه حسان، وهذا أحسنها، وهذا لا يخالف ما رواه ابن خُزيمة وابن حبَّان في حديث عبد الله بن زيد، من أنه لما قضى منامه، فسمع عمر الأذان، فجاء فقال: قد رأيت مثل ذلك؛ لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إِخبار عبد الله، بل متراخيًا عنه، لقوله: "ما منعك أن تخبرنا؟ "، أي: عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء، فدل على أنه لم يخبر بذلك على الفور، وليس في حديث أبي عمير التصريح بأن عمر كان حاضرًا عند قص عبد الله رؤياه، بخلاف ما وقع في روايته التي ذكرتها: "فسمع عمر الصوت، فخرج فقال"، فإنه صريح في أنه لم يكن حاضرًا عند قصّ عبد الله.
وحديث ابن عمر هذا ظاهر في أن الأذان إنما شرع بعد الهجرة، فإنه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقًا. وقوله في آخره: "يا بلال، قُمْ فنادِ بالصلاة"، كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد، ويأتي تقريره قريبًا إن شاء الله تعالى، وسياق حديثه يدل على ذلك فيما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان، ففيه نحو حديث ابن عمر، وفي آخره: "فبينما هم على ذلك أُري عبد الله النداء"، فذكر الرؤيا، وفيها صفة الأذان، لكن بغير ترجيع، وفيه تربيع التكبير، وإفراد الإقامة، وتثنية: "قد قامت الصلاة". وفي آخره قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "إنها لرؤيا حق إِن شاء الله تعالى، فقم يا بلال فألقها عليه، فإنه أندى صوتًا منك". وفيه مجيء عمر وقوله إنه رأى مثل ذلك.
وقد أخرج التِّرمذيّ في ترجمة بدء الأذان حديث ابن عمر، وإنما لم يخرجه المؤلف؛ لأنه ليس على شرطه، وقد روي عن عبد الله بن زيد من طرق، وحكى ابن خُزَيْمة عن الذُّهليّ أنه ليس في طرقه أصح من هذه الطريق، وشاهده حديث عبد الرزاق عن ابن المسيب مرسلًا، ومنهم من وصله عن سعيد، عن عبد الله بن زيد، والمرسل أقوى إسنادًا. قلت: روايةُ أبي داود لحديث عبد الله بن زيد ليس فيها تربيع التكبير، ولا تثنية: "قد قامت الصلاة"، فهي موافقة لمذهب مالك، إِلا أنه لم يذكر فيها الترجيح، وقد مر دليله. وفي "الأوسط" للطبرانيّ أن
стр. 3724
أبا بكر أيضًا رأى الأذان، وفي "الوسيط" للغزاليّ أنه رآه بضعة عشر رجلًا، وعبارة الحيليّ: "أربعة عشر رجلًا"، وأنكره ابن الصَّلاح والنَّوويّ. ونقل مغلطاي عن بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعة، ولا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت في بعض طرقه كما مر. وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسند واهٍ، قال: "أول من أذّن بالصلاة جبريل في سماء الدنيا، فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالًا، فأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم جاء بلالٌ، فقال: سبقك بها عمر".
واستشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد؛ لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي. وأُجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أَمَرَ بمقتضاه، لينظر أيقر على ذلك أم لا، ولاسيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوساوس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده ﵊ في الأحكام، وهو المنصور في الأصول، ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق وأبو داود في "المراسيل" عن عُبَيد بن عُمَير اللَّيثي، أحد كبار التابعين، أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي ﵊: "سبقك بذلك الوحي"، وهذا أصح مما حكى الداوديّ عن ابن إسحاق: "أن جبريل أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام".
وذكر السُّهَيليّ أن الحكمة في إعلام الناس به على غير لسانه ﵊، التنويهُ بقدره، لذكره بلسان غيره، ليكون أقوى لأمره، وأفخم لشأنه. وبُني على صحة هذه الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصحابة، أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سمعه فوق سبع سموات، وهو أقوى من الوحي، فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة، وأراد إعلامهم بالوقت، فرأى الصحابي المنام فقصها، فوافقت ما كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سمعه، فقال: "إنها لرؤيا حق"، وعلم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء
стр. 3725
أن يكون سنّة في الأرض، وتقوّى ذلك بموافقة عمر؛ لأن السكينة تنطق على لسانه، ولم يكتف برؤيا عبد الله حتى أضيف إليه عمر للتقوية، ولم يقتصر على عمر ليصير في معنى الشهادة.
وقد قيل إن مناسبة اختصاص بلال بالأذان دون غيره، هي لكونه كان لما عُذّب ليرجع عن الإِسلام يقول: أحد أحد، فجوزي بولاية الأذان المشتملة على التوحيد في ابتدائه وانتهائه، وهي مناسبة حسنة. وقوله: "يا بلال، قم فناد بالصلاة"، في رواية الإسماعيلي: "فأذَّن بالصلاة"، قال عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقتها، لا خصوص الأذان المشروع. وأغرب ابن العربيّ فحمل قوله: "أذّن" على الأذان المشروع، وطعن في صحة حديث ابن عمر، وقال: عجبًا لأبي عيسى كيف صححه؟ والمعروف أن شرع الأذان إنّما كان برؤيا عبد الله بن زيد، ولا تدفع الأحاديث الصحيحة بمثل ما قاله، مع إمكان الجمع كما مرّ.
وقد قال ابن منده: إن حديث ابن عمر مُجْمَع على صحته، وقد قال عِياض وغيره: فيه حجة لمشروعية الأذان قائمًا، وكذا احتج به ابن خُزَيمة وابن المُنذر، وتعقبه النّوويّ بأن المراد بقوله: "قم"، أي: اذهب إلى موضع بارز فنادِ فيه بالصلاة، ليسمعك الناس. قال: وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان، وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ، فإن الصيغة محتملة للأمرين، وإن كان ما قاله أرجح. ونقل عِياض أن مذهب العلماء كافة أن الأذان قاعدًا لا يجوز، إلا عند أبي ثَوْر، ووافقه أبو الفَرَج المالكي. وتعقب بأن هذا خلاف المعروف عند الأئمة، وأن الصواب ما قال ابن المنذر، أنهم اتفقوا على أن القيام من السنة، ومذهب مالك أن القيام مستحب لا غير.
وقد قال النَّوويّ: ومذهبنا الشهور أنه سُنّة، فلو أذن قاعدًا من غير عذر صحّ أذانه، لكن فاتته الفضيلة. وما قاله هو مذهب الحَنَفيّة، وكذلك الحنابلة، يسن عندهم القيام فيه. وأخرج ابن سعد من مراسيل سعيد بن المسيَّب أن اللفظ الذي كان ينادي به بلال للصلاة هو: "الصلاة جامعة". وفي حديث ابن عمر
стр. 3726
دليل على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة دون الاقتصار على الظواهر، يعني من قول عمر، وعلى مراعاة المصالح والعمل بها، وذلك أنه لما شق عليهم التبكير إلى الصلاة فتفوتهم أشغالهم، أو التأخير، فيفوتهم وقت الصلاة، نظروا في ذلك، وفيه مشروعية التشاور في الأمور المهمة، وأنه لا حرج على أحد من المتشاورين إذا أخبر بما أداه إليه اجتهاده. وفيه منقبة ظاهرة لعمر، وفيه التحين لأوقات الصلاة.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عمر، الأول محمود بن غيلان، وقد مرّ في السابع والأربعين من كتاب المواقيت، ومرّ عبد الرَّزَّاق في الخامس والثلاثين من الإيمان، ومرّ ابن جُرَيج في الثالث من الحيض، ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرّ ابن عمر أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرّ عمر في الأول من بدء الوحي.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار في موضعين: أحدهما بالجمع، والآخر بالإفراد. أخرجه مسلم والتِّرمذيّ والنَّسائيّ في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب الأذان مثنى
وفي رواية الكُشْمَيهنيّ: "مثنى مثنى"، أي: مرتين مرتين، ومثنى معدول عن أثنين، أو هو بغير تنوين، فتحمل رواية الكُشمَيهنيّ على التوكيد؛ لأن الأول يفيد تثنية كل لفظ من ألفاظ الأذان، والثاني يؤكد ذلك، وثبت لفظ هذه الترجمة في حديث لابن عمر مرفوع، أخرجه أبو داود والطيالسيّ في مسنده، فقال: مثنى مثنى، وهو عند أبي داود والنَّسائيّ، وصححه ابن خُزيمة وغيره من هذا الوجه، لكن بلفظ مرتين مرتين.
стр. 3727
الحديث الثالث
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، إِلاَّ الإِقَامَةَ.
قوله: "أمر بلال أن يشفع الأذان، مرّ الكلام عليهما في الحديث الأول. وقوله: "وأن يوتر الإقامة إلا الإقامة"، المراد بالمنفي غير المراد بالمثبت، فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة، والمراد بالمنفي خصوص قوله: "قد قامت الصلاة" كما يأتي ذلك صريحًا. وحصل من ذلك جناس تام، وقد استوفي الكلامُ عليها في الحديث.
رجاله ستة ، وفيه ذكر بلال.
الأول: سليمان بن حرب، وقد مرّ في الرابع عشر من الإيمان، ومرّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ أيوب وأبو قِلابة في التاسع منه، ومرّ أنس في السادس منه.
والسادس: سِماك بن عطية البَصريّ المِرْبديّ، قال ابن مَعين: ثقة، وقال حماد بن زيد: كان من جُلساء أيّوب. وقال النَّسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في "الثقات". روى عن الحسين البصريّ وعمرو بن دينار والقَهْرمانيّ وأيوب. وروى عنه حماد بن زيد وحَرْب بن ميمون والهَيْثَم بن الربيع.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والقول في موضعين، والعنعنة في أربعة. ورواته كلّهم بصريُّون.
стр. 3728
الحديث الرابع
حَدَّثَنَي مُحَمَّدٌ، وهو ابنُ سَلام، قَالَ: حَدَّثَنَي عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقفيّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِى قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ، قَالَ: ذَكَرُوا أَنْ يَعْلَمُوا وَقْتَ الصَّلاَةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ، فَذَكَرُوا أَنْ يُورُوا نَارًا، أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ.
قوله: "أن يوروا نارًا"، أي: يوقدوها، يقال: وَرَى الزَّنْد إذا خرجتْ ناره، وأوريته إذا أخرجتها. وفي رواية مسلم: "أن ينوروا نارًا"، أي: يظهروا نورها، وهذا هو الحديث الأول. وقد مرّ الكلام عليه.
رجاله خمسة:
الأول: محمَّد بن سَلام، وقد مرّ في الثالث عشر من الإيمان، ومرّ عبد الوهاب في التاسع منه، وكذلك أبو قِلابة وأنس في السادس منه، ومرّ خالد الحَذَّاء في السابع عشر من العلم، وقد مرّ في الحديث الأول ذكر مواضعه المخرج فيها.
ثم قال المصنف:
باب الإقامة واحدة إلا قوله قد قامت الصلاة
قال الزَّينُ بنُ المُنير: خالف البخاريّ لفظ الحديث في الترجمة، فعدل عنه إلى قوله: "واحدة" لأن لفظ "الوتر" غير مختصر في المرة، فعدل عن لفظ فيه الاشتراك إلى ما لا اشتراك فيه، وإنما لم يقل واحدة واحدة مراعاة للفظ الخبر
стр. 3729
الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبّان، ولفظه: "الأذان مثنى، والإقامة واحدة"، وروى الدارقطنيّ وحسَّنه في حديث لأبي محذورة: "وأمره أن يقيم واحدة واحدة"، وقوله: "إلا قوله قد قامت الصلاة"، هو لفظ معمر، عن أيوب، كما مرّ في الحديث الأول، أعني حديث أنس.
стр. 3730
الحديث الخامس
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلاَّ الإِقَامَةَ.
قوله: "قال إسماعيل: ليس معلقًا، وإنما هو بالسند الأول. وقوله: "فذكرت، كذا للأكثر، بحذف المفعول، وللكُشمَيهنيّ والأصيلي: فذكرته، أي: حديثا خالد. واعترض الإسماعيليّ بأن إيراد حديث سماك بن عطية في هذا الباب أولى من إيراد حديث ابن علية. والجواب أن المصنف قصد رفع توهم من يتوهم أنه موقوف على أيوب؛ لأنّه أورده في مقام الاحتجاج به، ولو كان عنده مقطوعًا لم يحتج به، وقد مرت مباحث هذا الحديث في الرواية الأولى من هذا الكتاب.
رجاله خمسة:
الأول: عليّ بن عبد الله المَدِينيّ، وقد مرّ في الرابع عشر من العلم.
والثاني: إسماعيل بن إبراهيم، وقد مرّ في الثامن من الإيمان، ومرّ أيّوب وأبو قِلابة في التاسع منه، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ خالد الحذاء في السابع عشر من العلم.
ثم قال المصنف:
باب فضل التأذين
راعى المصنف لفظ التأذين، لوروده في حديث الباب، وقال الزَّيْن بن
стр. 3731
المُنير: التأذين يتناول جميع ما يصدر عن المؤذِّن من قول وفعل وهيئة. وحقيقة الأذان تعقل بدون ذلك، والظاهر أن التأذين بمعنى الأذان، لقوله في الحديث: "حتى لا يسمع التأذين"، وفي مسلم: "حتى لا يسمع صوته"، فالتقييد بالسماع لا يدل على فعل ولا على هيئة، مع أن ذلك هو الأصل في المصدر.
стр. 3732
الحديث السادس
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا. لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ ".
قوله: "إذا نودي للصلاة"، أي: لأجل الصلاة، وللنَّسائيّ ومسلم: "بالصلاة"، ويمكن حملها على معنى واحد، بجعل الباء للسببية، كقوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾. وقوله: "له ضُراط"، جملة اسمية حالية بدون واو، لحصول الربط بالضمير، وللأصيليّ: "وله ضراط" بالواو. وللمصنف في بدء الخلق من وجه آخر كذلك. قال عياض: يمكن حمله على ظاهره؛ لأنّه جسم متغذ يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنه عبارة عن شدة نفاره، وتقويه رواية لمسلم: "له حُصاص" بمهملات مضموم الأول، والحصاص: شدة العدو. قال الطّيبيّ: شبه شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضراطًا تقبيحًا له، والظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، وعليه يدل كلام كثير من الشراح. ويحتمل أن المراد جنس الشيطان، وهوكل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة.
وقوله: "حتى لا يسمع التأذين"، ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك، إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافًا كما
стр. 3733
يفعله السفهاء. ويحتمل أن لا يتعمد ذلك، بل يحصل عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها، ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث.
واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان؛ لأن قوله: "حتى لا يسمع" ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفي فيها سماعه للصوت، وقد وقع بيان الغاية في رواية مسلم عن جابر، فقال: "حتى يكون مثل الروحاء"، وحكى الأعمش عن رواية أبي سفيان، عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثين ميلًا، وهذه الرواية هي المعتمدة، وفي مسند إسحاق: "حتى يكون بالرَّوْحاء، وهي ثلاثون ميلًا من المدينة".
وقوله: "فإذا قضي النداء"، أي: بضم أوله، والمراد بالقضاء الفراغ أو الانتهاء، ويروى بفتح أوله على حذف الفاعل، والمراد المنادي، واستدل به على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل. وقوله: "حتى إذا ثُوِّب للصلاة"، بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة، قيل: هو من ثاب إذا رجع. قال القرطبيّ: ثوب بالصلاة إذا أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، وكل من ردّد صوتًا فهو مثوِّب. ويدل عليه رواية مسلم عن أبي هريرة: "فإذا سمع الإقامة ذهب"، وقيل: من ثَوّب إذا أشار بثوبه عند الفراغ، لإعلام غيره. قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الِإقامة، وبذلك جزم أبو عَوانة في صحيحه، والبيهقيّ. وقد قال الخطابى: العامة لا تعرف التَّثْويب إلا قول المؤذن في الأذان: الصلاة خير من النوم. لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة، وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة: "حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة"، وحكى ذلك ابن المُنْذر عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وزعم أنه تفرد به، لكن في سنن أبي داود عن ابن عمر أنه كره التثويب بين الأذان والإقامة، وهذا يدل على أن له سلفًا في الجملة.
وقوله: "أقبل"، زاد مسلم عن أبي هريرة: "فوسوس". وقوله: "حتى يَخطُر"، قال عياض: سمعناه من أكثر الرواة بضم الطاء، وضبطناه عن المتقنين
стр. 3734
بالكسر، وهو الوجه، ومعناه يوسوس، وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه، وأما الضم فهو من المرور، أي: يدنو منه، فيمر بينه وبين قلبه فيشغله. وضعف الهَجَريّ الضمّ وقال: هو بالكسر في كل شيء. وقوله: "بين المرء ونفسه"، أي: قلبه، وكذا هو عند المصنف في بدء الخلق من وجه آخر. والمعنى أنه يحول بين المرء وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها.
وقوله: "اذكر كذا، اذكر كذا"، هكذا بدون واو، وفي رواية كريمة: "واذكر كذا" بواو العطف، وهي لمسلم. زاد مسلم: "فهنّاه ومنّاه، وذكَّره من حاجاته ما لم يكن يذكر". وعند المصنف في صلاة السهو: "اذكر كذا وكذا". وقوله: "لما لم يكن يذكر"، أي: لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة، وفي مسلم: "لما لم يكن يذكر من قبل"، ومن ثم استنبط أبو حَنيفة للذي شكا إليه أنه دفن مالًا ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي ويحرص أن لا يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ففعل، فذكر مكان المال في الحال. قيل: خصه بما يعلم دون ما لا يعلم؛ لأنه يميل لما يعلم أكثر لتحقق وجوده، والذي يظهر أنه لأعم من ذلك، فيذكره بما سبق له به علم ليشغل باله به، وبما لم يكن سبق ليوقعه في الفكرة فيه، وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا أو في أمور الدين كالعلم، لكن هل يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك؛ لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان، وقد مرّ الكلام على هذا عند حديث عثمان: "لا يحُدِّثُ فيهما نَفْسَه" من كتاب الوضوء.
وقوله: "حتى يظل الرجل"، بالظاء المشالة المفتوحة للجمهور، ومعنى يظل في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارًا، لكنها هنا بمعنى يصير أو يبقى. وعند الأصيليّ: "يَضِل" بكسر الساقطة، أي: ينسى. ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾، أو معناه يخطىء، ومنه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، والمشهور الأول. وقوله: "لا يدري"، وفي رواية في صلاة السهو: "إن يدري" بكسر همزة إن، وهي نافية بمعنى لا، وحكى ابن عبد البر عن الأكثر في
стр. 3735
"الموطأ" فتح الهمزة. وقال القرطبيّ: ليست رواية الفتح بشيء إلا مع رواية الضاد الساقطة، فيكون أن مع الفعل بتأويل المصدر، مفعول ضل بإسقاط حرف الجر، أي: يضل عن درايته.
وقوله: "كم صلَّى"، للمصنف في بدء الخلق عن أبي هريرة: "حتى لا يدري، أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ " وقد استوفى الكلام عليه في باب التوجه نحو القبلة، حيث كان من كتاب الصلاة عند ذكر حديث عبد الله بن مسعود هناك. وقد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة، دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن إنس ولا جن إلا شهد له، كما يأتي قريبًا، ولعل البخاريّ أشار إلى ذلك بإيراده الحديث المذكور عقب هذا الحديث، ونقل عياض أن اللفظ عام، والمراد به خاص، وهم المؤمنون من الجن والإنس؛ لأنهم هم الذين تصح شهادتهم، وأما الكفار فلا تقبل لهم شهادة، ورده لما جاء من الآثار بخلافه.
وقيل: يهرب نفورًا عن سماع الأذان، ثم يرجع موسوسًا ليفسد على المصلي صلاته، فصار رجوعه من جنس فراره، والجامع بينهما الاستخفاف. وقيل: لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصى بسببه، واعترض بأنه يعود قبل السجود، فلو كان هربه لأجله لم يعد إلا بعد فراغه. وأجيب بأنه يهرب عند سماع الدعاء بذلك، ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرًا، ثم يرجع ليفسد على المصلي سجوده الذي أباه. وقيل: إنّما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق، وإقامة الشريعة. واعترض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي. وأجيب بأن الإعلان أخص من الاتفاق، فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة، ولهذا قال لعبد الله بن زيد: "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك"، أي: أقصد في المد والإطالة والإسماع، ليعم الصوت ويطول أمد التأذين، فيكثر الجمع، ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن
стр. 3736
إقامة الصلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها، أو وقت فضيلتها، فيفر حينئذ وقد يَئِسَ من أن يردهم عما أعلنوا به، ثم رجع لما طُبع عليه من الأذى والوسوسة.
وقال ابن الجوزيّ: على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء، ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة، فإن النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة، وقد ترجم عليه أبو عوانة في صحيحه الدليل على أن المؤذن في أذانه وإقامته منفى عنه الوسوسة والرياء، لتباعد الشيطان منه. وقيل: لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ من أفضل الذكر، لا يزاد فيها ولا ينقص منها، بل تقع على وفق الأمر، فيفر من سماعها. وأما الصلاة، فلما يقع من كثير من الناس فيها من التفريط، فيتمكن الخبيث من المفرط، فلو قدر أن المصلي وفى بجميع ما أُمر به فيها، لم يقربه إذا كان وحده، وهو نادر. وكذا إذا انضم إليه من هو مثله، فإنه يكون أندر. قاله ابن أبي جمرة، نفعنا الله تعالى ببركته.
قال ابن بطّال: يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن من هذا المعنى، لئلا يكون متشبهًا بالشيطان الذي يفرّ عند سماع الأذان. وقد فهم بعض السلف من الأذان في هذا الحديث الإتيان بصورة الأذان، وإن لم توجد فيه شرائط الأذان من وقوعه في الوقت وغير ذلك، ففي مسلم عن أبي صالح أنه قال: "إذا سمعت صوتًا فنادِ بالصلاةِ" واستدلّ بهذا الحديث. وروى مالك عن زيد بن أسلم نحوه، واقتصر المصنف في فضل الأذان على هذا الحديث هنا، وإن كانت فيه أحاديث كثيرة ذكر المصنف بعضها في مواضع أخرى، وسنذكر بعضها في الباب الذي يليه؛ لأن هذا الخبر تضمن فضلًا لا يُنال بغير الأذان، بخلاف غيره من الأخبار، فإن الثواب المذكور فيها يدرك بأنواع أخرى من العبادات.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسُف، والثاني: مالك، وقد مرّا في الثاني من بدء
стр. 3737
الوحي، ومرّ أبو الزِّناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرّ أبو هُريرة في الثاني منه. أخرجه أبو داود والنَّسائيّ في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب رفع الصوت بالنداء
قال الزَّينُ بنُ المُنير: لم ينص على حكم رفع الصوت؛ لأنه من صفة الأذان، وهو لم ينص في أصل الأذان على حكم كما مرّ. وقد ترجم عليه النَّسائيّ باب "الثواب على رفع الصوت بالأذان". ثم قال: وقال عُمر بن عبد العزيز: أذِّن أذانًا سمحًا، وإلا فاعتزلنا. الظاهر أنه خاف عليه من التطريب الخروجَ عن الخشوع، لا أنه نهاه عن رفع الصوت؛ لأن في لفظ الأثر أن مؤذنًا أذن فطرب في أذانه، فقال له عمر: ... ، إلخ. قال في "الفتح": لم أقف على اسم هذا المؤذن، وأظنه من بني سعد القَرَظ؛ لأن ذلك وقع حيث كان عمر بن عبد العزيز أميرًا على المدينة. وقد روى نحو هذا من حديث ابن عباس مرفوعًا، أخرجه الدارَقُطنيّ، وفيه إسحاق بن أبي يحيى الكعبيّ، وهو ضعيف عند الدارقطنيّ وابنَ عَدِيّ. وقال ابن حِبَّان: لا تحل الرواية عنه، ثم غفل فذكره في "الثقات". وعمر مرّ أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة في مُصنّفه.
стр. 3738
الحديث السابع
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ لَهُ: "إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قوله: "عن أبيه"، زاد ابن عُيينة: "وكان يتيمًا في حجر أبي سعيد، وكانت أمه عند أبي سعيد"، أخرجه ابن خُزيمة من طريقه.
وقوله: "قال له"، أي: قال أبو سعيد لعبد الله بن عبد الرحمن. وقوله: "تُحِبُّ الغنم والبادية؟ " أي: لأجل الغنم؛ لأن محبها يحتاج إلى صلاحها بالمرعى، وهو في الغالب يكون في البادية، وهي الصحراء التي لا عمارة فيها. وقوله: "في غنمك أو باديتك"، يحتمل أن تكون "أو" شكًّا من الراوي، ويحتمل أن تكون للتنويع؛ لأن الغنم قد لا تكون في البادية، ولأنه قد يكون في البادية حيث لا غنم. وكلمة "في" تأتي بمعنى بين، كقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
وقوله: "فأذنتَ للصلاة"، أي: لأجل الصلاة، وللمصنف في بدء الخلق "بالصلاة"، أي: أعلمت بوقتها. وقوله: "فارفع"، فيه إشعار بأن أذان من أراد الصلاة كان مقررًا عندهم لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل الأذان، واستدل به الرافعي للقول الصائر إلى استحباب أذان المنفرد، وهو الراجح عند الشافعية، بناء على أن الأذان حق الوقت. وقيل: لا يستحب بناء على أن الأذان لاستدعاء الجماعة للصلاة. ومنهم من فصل بين من يرجو جماعة أو لا،
стр. 3739
وعند المالكية: يندب للفذ المسافر خاصة دون الحاضر، وكذا للجماعة المسافرة التي لم تطلب غيرها يندب لها، لما رواه "الموطأ" عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: "من صلى بأرض فلاة، صلى عن يمينه ملك، وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام صلى خلفه من الملائكة أمثال الجبال".
قلت: هذا الحديث رواه النَّسائيّ مرفوعًا عن سَلْمان الفارسيّ، مع أن المرسل له حكم الرفع، إذ لا يعلم إلا بالتوقيف. وحديث الباب شاهد لمذهب المالكية؛ لأن السفر عندهم المراد به السفر اللغويّ لا الشرعيّ، والخروج في الغنم والبادية سَفَر لُغويّ، وليس في الحديث شاهد لما استدل به الرافعيّ من الندب مطلقًا في الحضر والسفر. وظاهر كلام العينيّ أن مذهبهم كمذهب الشافعية.
وقوله: "مدى صوت المؤذن"، أي: غاية صوته. قال البَيضاويّ: غاية الصوت تكون أخفى من ابتدائه، فإذا شهد له من دنا منه وسمع مبادىء صوته أولى. وقوله: "جن ولا إنس ولا شيء"، ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات، فهو من العام بعد الخاص، ويؤيده ما في رواية ابن خزيمة: "لا يسمع صوته شجر ولا مَدَر ولا حجر ولا إنس"، ولأبي داود والنَّسائيّ، عن أبي هُريرة بلفظ: "المؤذن يغفر له مدى صوته، ويشهد له كل رطب ويابسٍ"، ونحوه للنَّسائيّ وغيره من حديث البراء، وصححه ابن السكن. فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في حديث الباب: "ولا شيء"، وقد تكلم بعض من لم يطلع عليها في تأويله على غير ما يقتضيه ظاهره. قال القرطبي: قوله: ولا شيء، المراد به الملائكة، وتعقب بأنهم دخلوا في قوله: "جن" لأنهم يستخفون عن الأبصار، وقال غيره: المراد كل ما يسمع المؤذن من الحيوان حتى ما لا يعقل دون الجمادات. ومنهم من حمله على ظاهره، وذلك غير ممتنع عقلًا ولا شرعًا.
قال ابن بُزَيزة: تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا تكون إلا من حي، فهل ذلك حكاية عن لسان الحال؛ لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بجلال باريها، أو هو على ظاهره، وغير ممتنع عقلًا أن الله يخلق فيها الكلام؟
стр. 3740
وقد مرَّ البحث في ذلك في قول النار: آكل بعضي بعضًا، وسيأتي في الحديث الذي فيه: "أن البقرة قالت: إنما خلقت للحرث". وفي مسلم عن جابر بن سمرة موفوعًا: "إني لأعرف حجرًا كان يسلم عليّ". ونقل ابن التين: أن قوله هنا: "ولا شيء" نظير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، ولم يختلف أن الآية على عمومها، وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء؛ هل هو على الحقيقة أو المجاز. والظاهر مساواة الحديث والآية.
وقوله: "إلا شهد له"، للكُشميهنيّ: "إلا يشهد له"، وتوجيههما واضح، والسر في هذه الشهادة مع أنها تقع عند عالم الغيب والشهادة، أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة. قاله الزَّيْن بن المُنير. وقال التوربشتي: المراد من هذه الشهادة اشتهار الشهود له بالفضل يوم القيامة، وعلوّ الدرجة، فكما أن الله يفضح بالشهادة قومًا، فكذلك يكرم بها آخرين. ومن أحاديث فضل الأذان، ما أخرجه أبو القاسم الجوزيّ، عن أبي سعيد وغيره: "ثلاثة يوم القيامة على كُثُب من مسك أسود، ولا يهولهم فزع، ولا ينالهم حساب ... " الحديث. وفيه: "رجل أذن ودعا إلى الله ابتغاء وجه الله"، وعند السراج، عن أبي هريرة بسند جيد: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا لقولهم: لا إله إلا الله"، وفي لفظ: "يُعرَفُون بطول أعناقهم يوم القيامة". وأخرجه أيضًا ابن حبَّان في صحيحه.
وعند أبي الشيخ: "من أذن خمس صلوات إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه"، وفي كتاب الصحابة لأبي موسى من حديث كثير بن مُرة الحضرميّ موفوعًا: "أو من يُكسى من حلل الجنة، بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام والشهداء، بلالٌ وصالح المؤذِّنين". وفي "شعب الإيمان" للبيهقيّ، عن عُبادة بن نسي، يرفعه: "من حافظ على النداء بالأذان سنة أوجب الجنة"، وعند أبي الفرج: "يحشر المؤذنون على نُوقٍ من نُوق الجنة، يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون". وعن جابر رضي الله تعالى عنه: "قيل: يا رسول الله، من أول الناس دخولًا الجنة؟ قال: الأنبياء، ثم الشهداء، ثم
стр. 3741
مؤذنو الكعبة، ثم مؤذنو بيت المقدس، ثم مؤذنو مسجدي هذا، ثم سائر المؤذنين"، سنده صالح. وعند عبد الرزاق، عن أنس رفعه: "إذا أُذِّن في قرية أمَّنها الله تعالى من عذابه ذلك اليوم". وعند السراج بسند صحيح: "الإِمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين".
وقوله: "قال أبو سعيد: سمعته"، أي: هذا الكلام الأخير، وهو قوله: "إنه لا يسمع ... إلخ"، وقد رواه ابن خُزيمة من رواية ابن عُيينة بلفظ: "قال أبو سعيد: إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنداء، فإني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: لا يستمع ... "، فذكره، ورواه يحيى القطان عن مالك بلفظ إن النبي ﷺ قال: "إذا أذنت فارفع صوتك فإنه لا يستمع ... " فذكره، فالظاهر أن ذكر الغنم والبادية موقوف.
وقد أورد الرافعي هذا الحديث في الشرح بلفظ: "إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لأبي سعيد: إنك رجل تحب الغنم" وساقه إلى آخره، وسبقه إلى ذلك الغزاليّ وإمامه، والقاضي حسين وابن داود، وتعقبه النوويّ، وأجاب الرفعة عنهم بأنهم فهموا أن قول أبي سعيد: "سمعته من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" عائد على ما ذكر كله. وهذا لا يدفع التعقيب الواقع عليهم.
وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له، ما لم يجهده أو يتأذى به. وفيه أن حب الغنم والبادية، ولاسيما عند نزول الفتنة، من عمل السلف الصالح. وفيه جواز التَّبدّي ومساكنة الأعراب ومشاركتهم في الأسباب بشرط حظ من العلم، وأمنٍ من غلبة الجفاء. وفيه أن أذان الفذ مندوب إليه ولو كان في قفر، ولو لم يترج حضور من يصلي معه؛ لأنه إن فاته دعاء المصلين، فلم يفته استشهاد من سمعه من غيرهم، وقد مر تحرير هذا، وأنه لصلاة الملائكة معه.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرّا في الثاني من الوحي، والثالث: عبد الرحمن بن أبي صَعْصعة، وقد مرّ هو وأبوه عبد الله، وأبو سعيد
стр. 3742
الخُدريّ في الثاني عشر من الإيمان.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين. ورواته مدنيون ما خلا شيخ البُخاريّ، وعبد الرحمن من أفراده. أخرجه البخاريّ هنا، وفي ذكر الجن، وفي التوحيد، والنَّسائيّ وابن ماجه في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب ما يحقن بالأذان من الدماء
قال الزَّيْنُ بن المُنير: قصد البخاريّ بهذه الترجمة واللتين قبلها استيفاءَ ثمرات الأذان، فالأُولى فيهما فضل التأذين لقصد الاجتماع للصلاة، والثانية فيها فضل أذان المنفرد لإيداع الشهادة له بذلك، والثالثة فيها حقن الدماء عند وجود الأذان. قال: وإذا انتفت عن الأذان فائدة من هذه الفوائد لم يُشرع إلا في حكايته عند سماعه، ولهذا عقبه بترجمة "ما يقول إذا سمع المنادي"، ووجه الاستدلال للترجمة من حديث الباب ظاهر.
стр. 3743
الحديث الثامن
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلاً، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا، رَكِبَ، وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالُوا مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. قَالَ فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ".
قوله: "لم يكن يغزو بنا"، اختلف في ضبطه، ففي رواية المُستَملي يغر من الإغارة، مجزوم على أنه بدل من قوله: "يكن"، وفي رواية الكُشميهنيّ: "يغْد" بإسكان الغين وبالدال المهملة، من الغدو، وفي رواية كريمة: "يغزو" بزاي بعدها واو من الغزو. وفي رواية الأصيليّ: "يغير" كالأول لكن بإثبات الياء، وفي رواية غيرهم بضم أوله وإسكان الغين، من الإغراء. ورواية مسلم تشهد لرواية من رواه من الإغارة. وقوله: "وينظر"، أي: ينتظر.
وقوله: "بمكاتلهم"، جمع مِكْتل بكسر الميم، وهو القفّة، أي: الزَّنْبيل، والمَسَاحي: جمع مِسحاةٍ، بكسر الميم، وهي المَجْرَفَة إلا أنها من الحَديد، وهذا الحديث مرّ جُلّ مباحثه في أوائل كتاب الصلاة في باب "ما يذكر في الفخذ" عند ذكره هناك. وقد أخرج مسلم طرفه المتعلق بالأذان عن أنس، وسياقه أوضح، قال: "كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذانًا أمسك وإلاَّ أغار". قال الخَطابيّ:
стр. 3744
فيه أن الأذان شعار الإِسلام، وأنه لا يجوز تركه، ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه. وهذا أحد أقوال العلماء المتقدمة.
وقال الشافعية: إن من نطق بالتشهد في الأذان حكم بإسلامه إلا إذا كان عِيسويًّا؛ لأن العِيْسَوية طائفة من اليهود، أُحدثت في آخر دولة بني أمية، فاعترفوا بأن محمدًا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لكن إلى العرب خاصة، وهم منسوبون إلى رجل يقال له أبو عيسى، أحدث لهم ذلك.
وعند المالكية: أن الكافر لا يكون مسلمًا بأذانه. وقال ابن عطاء الله: إنه يكون به مسلمًا، ورجحه بعضهم، وعلى أنه يكون به مسلمًا لو رجع عن الإِسلام يكون مرتدًا إن وُقِف على الدعائم، أي: عرف أركان الإِسلام من صلاة وزكاة وصيام وحج، وإن لم يوقف على الدعائم لم يكن مرتدًا، وفي العينيّ أن كونه مسلمًا به مقيد يكون ذلك في حق المشرك وحق من لم يكن بين المسلمين، بخلاف الكتابيّ، والذي يخالط المسلمين، فلا يصير مسلمًا بذلك.
رجاله أربعة:
الأول: قُتيبة، وقد مرّ في العشرين من الإيمان، ومرّ إسماعيل بن جعفر في السادس والعشرين منه، ومرّ حُمَيد الطويل في الثاني والأربعين منه، ومرّ أَنس في السادس منه، ومرّ أبو طَلْحة في السادس والثلاثين من الوضوء. أخرجه البُخاريّ هنا وفي الأذان.
ثم قال المصنف:
باب ما يقول إذا سمع المنادي
هذا لفظ رواية أبي داود الطَّيَالسيّ، عن يونس، عن الزُّهريّ في حديثِ الباب، وآثر المصنف عدم الجزم بحكم ذلك، لقوة الخلاف فيه، كما يأتي. فظاهر صنيعه يقتضي ترجيح ما عليه الجمهور، وهو أن يقول مثل ما يقول من الأذان، إلا الحَيْعَلَتين؛ لأن حديث أبي سعيد الذي بدأ به عام، وحديث معاوية الذي تلاه به خاص، والخاص مقدم على العام.
стр. 3745
الحديث التاسع
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ".
في رواية ابن وَهْب عن مالك، ويونُس عن الزُّهريّ، أن عطاء بن يزيد أخبره. أخرجه أبو عوانة. وقد اختُلف على الزُّهريّ وعلى مالك في إسناد هذا الحديث، لكنه اختلاف لا يقدح في صحته. وقوله: "إذا سمعتم"، ظاهره اختصاص الإجابة بمن يسمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلًا في الوقت، وعلم أنه يؤذن، لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لا تشرع له المتابعة، وما هو ظاهره هو الحكم عند الأئمة الأربعة. وقوله: "مثل ما يقول المؤذن"، ادَّعى ابن وضّاح أن قوله: "المؤذن" مدرج، وأن الحديث انتهى عند قوله:"مثل ما يقول". وتعقب بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى. وقد اتفقت الروايات في "الصحيحين" و"الموطأ" على إثباتها، ولم يصب صاحب العمدة في حذفها.
وقوله: "ما يقول"، قال البخاريّ: ما يقول، ولم يقل: مثل ما قال ليشعر، بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها، والصريح في ذلك ما رواه النَّسائيّ، عن أم حبيبة، أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقولُ كما يقول المؤذن حتى يسكت. وقال أبو الفتح اليَعْمُريّ: ظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول عقب فراغ المؤذن، لكن الأحاديث التي تضمنت إجابة كل كلمة عقبها دلّت على أن المراد المساوقة يشير إلى حديث عمر بن الخطاب عند مسلم وغيره، فلو لم يجاوبه حتى فرغ، استحب له التدارك إن لم يَطُل الفصل. وظاهر قوله مثل أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات، لكن حديث عمر عند مسلم، وحديث
стр. 3746
معاوية الآتي، يدلان على أنه يستثنى من ذلك: "حيّ على الصلاة"، و"حيّ على الفلاح"، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، كذلك استدل به ابن خزيمة، وهو المشهور عند الجمهور.
قلت: مشهور مذهب مالك أن الحكاية تنتهي عند منتهى الشهادتين، والراجح عنده مذهب الجمهور. وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا، وتارة كذا. وحكى بعض المتأخرين عن أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما، وجب إعمالهما. قال: فلم لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع بين الحَيْعلة والحَوْقَلَة، وهو وجه عند الحنابلة، وأجيب عن المشهور من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشرك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحَيْعَلَة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن، فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة.
ولقائل أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزاد إيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن، ومن نفسه. وقال الطَّيبيّ: معنى الحيعلتين هلمّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به، إلا إذا وفقني الله تعالى بحوله وقوته، ومما لوحظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرزّاق عن ابن جُريج، قال: حدَّثت أن الناس كانوا ينصِتون للمؤذن إنصاتهم للقراءة، فإذا قال شيئًا قالوا مثله، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح، قالوا: ما شاء الله. وبهذا قالت الحنفية في المشهور عندهم، إلا أنهم يزيدون فيقولون: ماشاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وروي عن سعيد بن جُبير، قال: في جواب الحَيْعَلة: "سمعنا وأطعنا"، وقيل: لا يجيبه إلا في التشهدين فقط، وقيل: هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل: مهما أتى به مما يدل على التوحيد
стр. 3747
والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطّحاوي، وحكوا أيضًا خلافًا: هل يجيب في الترجيع أو لا؟ وفيما أذّن مؤذّن آخر: هل يجيبه بعد إجابته للأول أو لا؟ قال النوويّ: لا أعلم فيه شيئًا لأصحابنا. وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة، لتعدد السبب. وإجابة الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة، فإنهما سواء، لأنهما مشروعان.
قلت: المشهور عند المالكية أنه لا يحكى الترجيع، وقيل: يحكيه. والمشهور عندهم أنه يكتفي بحكاية الأول مطلقًا. واختار اللخميّ تكرر الحكاية، واستدل به على جواز إجابة المؤذن في الصلاة، عملًا بظاهر الأمر، ولأن المجيب لا يقصد المخاطبة. وقيل: يؤخر الإجابة حتى يفرغ، والمشهور عند المالكية التفصيل بين النافلة، فتندب الحكاية في أثنائها، وبين الفريضة فتكره في أثنائها، ولا تبطل إلا إذا لم يبدل الحيعلتين بالحوقلتين، فتبطل إن فعل ذلك عمدًا أو جهلًا لا سهوًا.
قال في "الفتح": وقيل: يجيب إلا في الحيعلتين؛ لأنهما كالخطاب للآدميين، والباقي من ذكر الله فلا يمنع، لكن قد يقال: من يبدل الحيعلتين بالحوقلة لا يمنع؛ لأنها من ذكر الله. وفرق ابن عبد السلام بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناء على وجوب موالاتها، وإلا فيجيب. وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنف. قال: والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة، بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء. لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت.
ونصّ الشافعيّ في "الأم" على عدم فساد الصلاة بذلك، واستدل به أيضًا على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة. قالوا: إلا في كلمتي قد قامت الصلاة، فيقول: أقامها الله وأدامها. وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يفرق بأن الأذان إعلام عام، فيعسر على الجميع أن يكونوا دعاة إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاص، وعدد من سمعها محصور، فلا يعسر أن يدعو بعضهم بعضًا، قاله في "لفتح". ومقتضى كلامه هذا أن الإبدال في
стр. 3748
الإقامة غير منصوص عندهم.
ونصت الحنفية والحنابلة على مساواة الإقامة للأذان في ابدال الحيعلتين بالحوقلة، وعلى إبدال لفظ الإقامة أقامها الله وأدامها كما مرّ.
وأما المالكية فلا تندب عندهم حكاية الإقامة أصلًا، قلت: ولعل منشأ الخلاف بينهم ويين غيرهم أن غيرهم جعلها داخلة في قوله عليه الصلاة واللام: "إذا سمعتم المؤذن"، والمالكية لم يجعلوا الأذان شاملًا للإقامة، وحديث أبي هُريرة الماضي في فضل الأذان قال لهم في كون الإقامة غير متناول لها الأذان لتفريقه بينهما في الحديث، واستدل به أيضًا على وجوب اجابة المؤذن لدلالة الأمر على الوجوب، وبه قالت الحنفية والظاهرية وابن وهب من المالكية، قالوا: ألا ترى أن السامعين يتركون القراءة والكلام ورد السلام وكل عمل غير الإجابة؟ فهذا أمارة الوجوب.
وقال الجمهور: أن الأمر في الحديث للاستحباب لا للوجوب، وهو اختيار الطحاوي من الحنفية، واستدل الجمهور بحديث أخرجه مسلم عن أنس: "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سمع رجلًا يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: خرجت من النار، فنظروا فهذا هو راعي معزى"، فلما قال ﵊ غير ما قال المؤذن، علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب، وأجيب بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة، ونقل القول الزائد، وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، ويحتمل أن يكون الرجل لم يقصد الأذان، لكن يرد هذا الأخير أن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة، واستدل به على أن لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل وجه؛ لأن قوله: "مثل ما يقول" لا يقصد به رفع الصوت المطلوب، وفيه بحث؛ لأن المماثلة وقعت في القول لا في صفته، والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك أن المؤذن مقصوده الإعلام، فاحتاج إلى رفع الصوت، والسامع مقصوده ذكر الله، فيكتفي بالسر أو الجهر لا مع الرفع. نعم لا يكفيه أن يجريه
стр. 3749
على خاطره من غير تلفظ لظاهر الأمر بالقول.
وأغرب ابن المنير حيث قال فيما مرّ عنه: أن حقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة، وتعقب بأن الأذان معناه الإعلام لغة، وخصّه الشرع بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا وجدت وجد الأذان، وما زاد على ذلك من قول أو فعل وهيئة يكون من مكملاته، ويوجد الأذان من دونها. ولو كان على ما أطلق لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة، ومن الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغةً ولا شرعًا.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرا في الثاني من بدء الوحي، ومرّ عطاء بن يزيد في العاشر من الوضوء ومرَّ أبو سعيد في الثاني عشر من الإيمان، ومرّ ابن شِهاب في الثالث من الوحي. أخرجه البُخاريّ هنا ومسلم، والتِّرمذيّ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في الصلاة، والنَّسائيّ في "اليوم والليلة".
стр. 3750
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا، فَقَالَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: "وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ".
قوله: "فقال مثله، إلى قوله: وأشهد أن محمدًا رسول الله"، استشكل بعضهم قوله: "إلى" هنا، بأنها للغاية، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، فيلزم أن لا يقول في أشهد أن محمدًا رسول الله مثله، وأجيب بأن "إلى" بمعنى "مع"، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، وقد أورد المصنف هذا المتن مختصرًا، وقد رواه أبو داود الطيالسيّ في مسنده عن هشام، ولفظه: "كنا عند معاوية، فنادى المنادي بالصلاة، فقال مثل ما قال، ثم قال: هكذا سمعت نبيّكم".
رجاله ستة:
الأول: معاذ بن فضالة، وقد مرّ في التاسع عشر من الوضوء، وهشام الدَّستوائيّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ محمد بن إبراهيم التَّيميّ في الأول من الوحي، ومرّ عيسى بن طلحة في الخامس والعشرين من العلم، ومرّ معاوية في الثالث عشر منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، والقول في موضعين، والسماع. ورواته ما بين بَصريٍّ وأهوازيٍّ ومدنيٍّ ويمانيٍّ. أخرجه النسائي في "اليوم والليلة".
следующие страницы →