Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
معاوية الآتي، يدلان على أنه يستثنى من ذلك: "حيّ على الصلاة"، و"حيّ على الفلاح"، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، كذلك استدل به ابن خزيمة، وهو المشهور عند الجمهور.
قلت: مشهور مذهب مالك أن الحكاية تنتهي عند منتهى الشهادتين، والراجح عنده مذهب الجمهور. وقال ابن المنذر: يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح، فيقول تارة كذا، وتارة كذا. وحكى بعض المتأخرين عن أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما، وجب إعمالهما. قال: فلم لا يقال: يستحب للسامع أن يجمع بين الحَيْعلة والحَوْقَلَة، وهو وجه عند الحنابلة، وأجيب عن المشهور من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشرك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحَيْعَلَة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن، فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة.
ولقائل أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزاد إيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن، ومن نفسه. وقال الطَّيبيّ: معنى الحيعلتين هلمّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول: هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به، إلا إذا وفقني الله تعالى بحوله وقوته، ومما لوحظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرزّاق عن ابن جُريج، قال: حدَّثت أن الناس كانوا ينصِتون للمؤذن إنصاتهم للقراءة، فإذا قال شيئًا قالوا مثله، حتى إذا قال: حي على الصلاة، قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح، قالوا: ما شاء الله. وبهذا قالت الحنفية في المشهور عندهم، إلا أنهم يزيدون فيقولون: ماشاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وروي عن سعيد بن جُبير، قال: في جواب الحَيْعَلة: "سمعنا وأطعنا"، وقيل: لا يجيبه إلا في التشهدين فقط، وقيل: هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره، وقيل: مهما أتى به مما يدل على التوحيد
стр. 3747
والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطّحاوي، وحكوا أيضًا خلافًا: هل يجيب في الترجيع أو لا؟ وفيما أذّن مؤذّن آخر: هل يجيبه بعد إجابته للأول أو لا؟ قال النوويّ: لا أعلم فيه شيئًا لأصحابنا. وقال ابن عبد السلام: يجيب كل واحد بإجابة، لتعدد السبب. وإجابة الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة، فإنهما سواء، لأنهما مشروعان.
قلت: المشهور عند المالكية أنه لا يحكى الترجيع، وقيل: يحكيه. والمشهور عندهم أنه يكتفي بحكاية الأول مطلقًا. واختار اللخميّ تكرر الحكاية، واستدل به على جواز إجابة المؤذن في الصلاة، عملًا بظاهر الأمر، ولأن المجيب لا يقصد المخاطبة. وقيل: يؤخر الإجابة حتى يفرغ، والمشهور عند المالكية التفصيل بين النافلة، فتندب الحكاية في أثنائها، وبين الفريضة فتكره في أثنائها، ولا تبطل إلا إذا لم يبدل الحيعلتين بالحوقلتين، فتبطل إن فعل ذلك عمدًا أو جهلًا لا سهوًا.
قال في "الفتح": وقيل: يجيب إلا في الحيعلتين؛ لأنهما كالخطاب للآدميين، والباقي من ذكر الله فلا يمنع، لكن قد يقال: من يبدل الحيعلتين بالحوقلة لا يمنع؛ لأنها من ذكر الله. وفرق ابن عبد السلام بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناء على وجوب موالاتها، وإلا فيجيب. وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنف. قال: والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة، بل يؤخرها حتى يفرغ، وكذا في حال الجماع والخلاء. لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت.
ونصّ الشافعيّ في "الأم" على عدم فساد الصلاة بذلك، واستدل به أيضًا على مشروعية إجابة المؤذن في الإقامة. قالوا: إلا في كلمتي قد قامت الصلاة، فيقول: أقامها الله وأدامها. وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجيء هنا، لكن قد يفرق بأن الأذان إعلام عام، فيعسر على الجميع أن يكونوا دعاة إلى الصلاة، والإقامة إعلام خاص، وعدد من سمعها محصور، فلا يعسر أن يدعو بعضهم بعضًا، قاله في "لفتح". ومقتضى كلامه هذا أن الإبدال في
стр. 3748
الإقامة غير منصوص عندهم.
ونصت الحنفية والحنابلة على مساواة الإقامة للأذان في ابدال الحيعلتين بالحوقلة، وعلى إبدال لفظ الإقامة أقامها الله وأدامها كما مرّ.
وأما المالكية فلا تندب عندهم حكاية الإقامة أصلًا، قلت: ولعل منشأ الخلاف بينهم ويين غيرهم أن غيرهم جعلها داخلة في قوله عليه الصلاة واللام: "إذا سمعتم المؤذن"، والمالكية لم يجعلوا الأذان شاملًا للإقامة، وحديث أبي هُريرة الماضي في فضل الأذان قال لهم في كون الإقامة غير متناول لها الأذان لتفريقه بينهما في الحديث، واستدل به أيضًا على وجوب اجابة المؤذن لدلالة الأمر على الوجوب، وبه قالت الحنفية والظاهرية وابن وهب من المالكية، قالوا: ألا ترى أن السامعين يتركون القراءة والكلام ورد السلام وكل عمل غير الإجابة؟ فهذا أمارة الوجوب.
وقال الجمهور: أن الأمر في الحديث للاستحباب لا للوجوب، وهو اختيار الطحاوي من الحنفية، واستدل الجمهور بحديث أخرجه مسلم عن أنس: "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سمع رجلًا يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: خرجت من النار، فنظروا فهذا هو راعي معزى"، فلما قال ﵊ غير ما قال المؤذن، علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب، وأجيب بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال، فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة، ونقل القول الزائد، وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر، ويحتمل أن يكون الرجل لم يقصد الأذان، لكن يرد هذا الأخير أن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة، واستدل به على أن لفظ المثل لا يقتضي المساواة من كل وجه؛ لأن قوله: "مثل ما يقول" لا يقصد به رفع الصوت المطلوب، وفيه بحث؛ لأن المماثلة وقعت في القول لا في صفته، والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك أن المؤذن مقصوده الإعلام، فاحتاج إلى رفع الصوت، والسامع مقصوده ذكر الله، فيكتفي بالسر أو الجهر لا مع الرفع. نعم لا يكفيه أن يجريه
стр. 3749
على خاطره من غير تلفظ لظاهر الأمر بالقول.
وأغرب ابن المنير حيث قال فيما مرّ عنه: أن حقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة، وتعقب بأن الأذان معناه الإعلام لغة، وخصّه الشرع بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا وجدت وجد الأذان، وما زاد على ذلك من قول أو فعل وهيئة يكون من مكملاته، ويوجد الأذان من دونها. ولو كان على ما أطلق لكان ما أحدث من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة، ومن الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من جملة الأذان، وليس كذلك لا لغةً ولا شرعًا.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرا في الثاني من بدء الوحي، ومرّ عطاء بن يزيد في العاشر من الوضوء ومرَّ أبو سعيد في الثاني عشر من الإيمان، ومرّ ابن شِهاب في الثالث من الوحي. أخرجه البُخاريّ هنا ومسلم، والتِّرمذيّ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه في الصلاة، والنَّسائيّ في "اليوم والليلة".
стр. 3750
الحديث العاشر
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا، فَقَالَ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ: "وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ".
قوله: "فقال مثله، إلى قوله: وأشهد أن محمدًا رسول الله"، استشكل بعضهم قوله: "إلى" هنا، بأنها للغاية، وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، فيلزم أن لا يقول في أشهد أن محمدًا رسول الله مثله، وأجيب بأن "إلى" بمعنى "مع"، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾، وقد أورد المصنف هذا المتن مختصرًا، وقد رواه أبو داود الطيالسيّ في مسنده عن هشام، ولفظه: "كنا عند معاوية، فنادى المنادي بالصلاة، فقال مثل ما قال، ثم قال: هكذا سمعت نبيّكم".
رجاله ستة:
الأول: معاذ بن فضالة، وقد مرّ في التاسع عشر من الوضوء، وهشام الدَّستوائيّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ محمد بن إبراهيم التَّيميّ في الأول من الوحي، ومرّ عيسى بن طلحة في الخامس والعشرين من العلم، ومرّ معاوية في الثالث عشر منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، والعنعنة في موضعين، والقول في موضعين، والسماع. ورواته ما بين بَصريٍّ وأهوازيٍّ ومدنيٍّ ويمانيٍّ. أخرجه النسائي في "اليوم والليلة".
стр. 3751
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى نَحْوَهُ. وَقَالَ يَحْيَى: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ إِخْوَانِنَا أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ. قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. وَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْنَا نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ.
أحال بقوله: "نحوه" على الذي قبله، وقد عرفت أنه لم يسق لفظه كله، وقوله: "قال يحيى، وحدثني بعض إخواننا، أنه لما قال حي على الصلاة ... إلخ "، وهذا ليس تعليقًا من البخاريّ كما قال بعضهم، بل هو عنده بإسناد إسحاق، وأبدى الحافظ قطب الدين احتمالًا أنه عنده بإسنادين، وقد جاء هذا الحديث من طرق عن هشام المذكور تامًا، منها ما أخرجه الإسماعيلي عنه عن عيسى بن طلحة، قال: دخلنا على معاوية، فنادى منادٍ بالصلاة، فقال: الله كبر، الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر، الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله. قال يحيى: فحدثني صاحب لنا أنه لما قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: هكذا سمعنا نبيكم ﵊، فاشتمل هذا السياق على فوائد:
أحدها: تصريح يحيى بن أبي كثير في هذه الرواية بالسماع له من محمد بن إبراهيم، فأُمِنَ ما يُخشى من تدليسه.
ثانيها: بيان ما اختصر من روايتي البخاري.
ثالثها: أن قوله في الرواية الأُولى أنه سمع معاوية يومًا فقال مثله، فيه حذف
стр. 3752
تقديره أنه سمع معاوية يسمع المؤذن يومًا، فقال مثله.
رابعها: أن الزيادة في رواية وَهْب بن جَرِير لم ينفرد بها لمتابعة معاذ بن هشام في هذه الرواية، وأما المبهم الذي حدث يحيى به عن معاوية، فقد قال في "الفتح": لم أقف على تعيينه، وما حكاه الكِرْمانيّ من أنه الأوزاعيّ فيه نظر، لأن قائل ذلك حدث به عن معاوية، وأين عصر الأوْزاعيّ من عصر معاوية؟ والظاهر أنه علقمة بن وقّاص أن كان يحيى بن أبي كثير أدركه، وإلا فأحد ابنيه عبد الله بن عَلْقَمة أو عمرو بن علقمة، لوروده عن كل منهما. فقد أخرجه النَّسائيّ، واللفظ له، وابن خزيمة وغيرهما، عن عبد الله بن علقمة بن وقّاص، عن أبيه، قال: إني لعند معاوية إذ أذن مؤذن، فقال معاوية كما قال، حتى قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول ذلك.
ورواه ابن خُزَيْمة أيضًا عن عمرو بن علقمة، قال: كنت عند معاوية، فذكر مثله، وأوضح سياقًا منه، وقد تبين بهذه الرواية أن ذكر الحوقلة في جواب: حي على الفلاح اختُصر من رواية حديث الباب، بخلاف ما تمسك به بعض من وقف مع ظاهره. وقد أخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب نحو حديث معاوية، وإنما لم يخرجه البُخاريّ لاختلاف وقع في وصله وإرساله، كما أشار إليه الدارقطنيُّ، ولم يخرج مسلم حديث مُعاوية؛ لأن الزيادة المقصودة منه ليست على شرط الصحيح، للمبهم الذي فيها، لكن إذا انضم أحد الحديثين إلى الآخر قوي جدًا، وفي الباب أيضًا عن الحارث بن نوفل الهاشميّ وأبي رافع، وهما في الطبراني وغيره، وعن أنس في البزَّار وغيره.
وقوله: "لا حول ولا قوة ... " إلخ، قيل: الحول الحركة، أي: لا حركة وإلا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله. وقيل: لا حول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته. رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قال:
стр. 3753
"ثم ضَرَب بيديه على منكبيّ وقال: هكذا أخبرني جبريل ﵇".
قال الأزهري: يقال في التعبير عن لا حول ولا قوة إلا بالله الحوقلة. وقال الجَوهَري: الحولقة، فعلى الأول: وهو الشهور، الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، واللام من اسم الله تعالى، وعلى الثاني: الحاء واللام من الحول، والقاف من القوة، قلت: وكذلك الواو من الحول أيضًا، فحروف الحول كاملة على الأخير، ومثلها الحَيْعَلَةُ والبَسمَلَة والحَمْدَلةُ والهَيْلَلَة والسَّبْحَلة، في حي على الصلاة، وحي على الفلاح، وبسم الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله.
رجاله أربعة:
الأول: إسحاق بن راهويه، وقد مرّ في الحادي والعشرين من العلم، ومرّ وَهْب بن جرير في الخامس والأربعين من الوضوء ومرّ يحيى في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ هِشام في السابع والثلاثين من الإيمان.
ثم قال المصنف:
باب الدعاء عند النداء
أي: عند تمام النداء، وكأنّ المصنف لم يقيده بذلك اتباعًا لإطلاق الحديث، ويأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا.
стр. 3754
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ حَدَّثَنَي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِى وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
قوله: "عن محمد بن المنكدر"، قال الترمذي: تفرد به شُعيب عن مُحمد بن المُنكدر، فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المُنكدر عليه عن جابر، أخرجه الطَّبرانيّ في "الأوسط"، عن أبي الزبير، عن جابر نحوه، وفي زوائد الإسماعيليّ: "أخبرني ابن المُنكدر، وقوله: "من قال حين يسمع النداء"، أي: الأذان، واللام للعهد، ويحتمل أن يكون التقدير: من قال حين يسمع نداء المؤذن، وظاهره أنه يقول الذكر المذكور حال سماع الأذان، ولا يتقيد بفراغه، لكن يحتمل أن يكون المراد من النداء تمامه، إذ المطلق يحمل على الكامل، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم بلفظ: "قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، ثم سلوا الله لي الوسيلة"، ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان، واستدل به ابن بزيزة على عدم وجوب ذلك الظاهر إيراده، لكن لفظ الأمر في رواية مسلم المتقدمة، قد يتمسك به من يدعي الوجوب، وبه قال الحنفية وابن وهب من المالكية، وخالف الطَّحاويّ أصحابه، فوافق الجمهور.
وقوله: "ربّ هذه الدعوة"، أي: بفتح الدال، زاد البيهقيّ: اللهمَّ إنِّي أسألك بحق هذه الدعوة التامة، والمراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾، وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشركة نقص، أو التامة التي لا يدخلها
стр. 3755
تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم القيامة، وقيل: لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمعرّض للفساد. وقيل: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول، وهو لا إله إلا الله. وقال الطيبيّ: من أوله إلى قوله محمد رسول الله، هي الدعوة التامة، والصلاة القائمة في قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾، هي الحيعلة، ويحتمل أن يراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة الدائمة، مِن أقام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فالصلاة القائمة بيان للدعوة التامة. ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهذا أظهر.
وقوله: "والوسيلة هي ما يُتقرب به إلى الكبير"، يقال: توسلت، أي: تقربت. وتطلق على المنزلة العلية. ووقع ذلك في حديث عبد الله بن عمرو وعند مسلم بلفظ: "فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو ... "، إلخ، ونحوه عند البزار عن أبي هريرة، ويمكن ردها إلى الأول، بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقربة التي يتوسل بها.
وقوله: "والفضيلة"، أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرًا للوسيلة. وقوله: "مقامًا محمودًا"، أي: يحمد القائم فيه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، واختلف في فاعل الحمد من قوله: "مقامًا محمودًا"، فالأكثر على أن المراد به أهل الموقف، وقيل: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أي أنه هو يحمد عاقبة ذلك المقام، لتهجده في الليل، والأول أرجح لما ثبت في حديث عبد الله بن عمر الآتي في الزكاة بلفظ: "مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم"، ويجوز أن يحمل على ما هو أعم من ذلك، أي: مقامًا يحمده القائم فيه، وكل من عرفه، واستحسن هذا أبو حَيّان وأيّده بأنه نكرة، فدل على أنه ليس المراد مقامًا مخصوصًا، ونصب مقامًا على الظرفية، أي: ابعثه يوم القيامة، فأقمه مقامًا محمودًا، أو ضَمّن ابعثه، معنى أقمه، أو على أنه مفعول به، ومعنى ابعثه أعطه، ويجوز أن يكون حالًا، أي: ابعثه ذا مقام محمود.
стр. 3756
قال النّوويّ: ثبتت الرواية بالتنكير، وكأنه حكاه للفظ القرآن، وقال الطَّيبيّ: إنما نكره لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل: مقامًا، أي: مقام محمود بكل لسان، وقد ورد معرفًا عند النسائي وصحيح ابن خزيمة وابن حِبّان وفي الطَّحاويّ والطبرانيّ في "الدعاء" والبيهقيّ.
وقوله: "الذي وعدته"، زاد البيهقي: "إنك لا تخلف الميعاد"، وقال الطِّيبيّ: المراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله واقع، لما صح عن ابن عُيينة وغيره، والموصول إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة. وفي رواية تعريف المقام المحمود الماضية يصح وصفه بالموصول، قال ابن الجَوْزيّ: الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش، فقد روى الطَّبريّ عن ابن نجِيح، عن مُجاهد: المقام المحمود: الشفاعة
وروي عن ليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ يجلسه معه على عرشه، ثم أسنده وقال: الأول أَوْلي، على أن الثاني ليس بمدفوع، لا من جهة النقل ولا من جهة النظر. وقال ابن عَطِيّة: هو كذلك إذا حمل على ما يليق به، وبالغ الواحِديّ في رد هذا القول، وقال أبو داود، صاحب السنن: من أنكره فهو متهم، وقيل: هو إجلاسه على الكرسيّ، فقد أخرج الطَّبريّ، عن ابن مسعود عند الثَّعلبيّ، وعن ابن عباس عند أبي الشيخ، وعن عبد الله بن سَلام: "أنَّ محمدًا يوم القيامة على كُرسيّ الرب بين يدي الربّ"، ويحمل هذا وما جاء عن مجاهد، على أن الإضافة فيه إضافة تشريف، وحديث ابن مسعود، وأخرجه أحمد والنَّسائيّ والحاكم، وعلى تقدير صحة الإجلاس لا ينافي الأول، لاحتمال أن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة.
وفي صحيح ابن حبان عن كعب بن مالك مرفوعًا: "يَبعث الله الناسَ فيكسونيّ حُلّة خضراء، فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود"، ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر
стр. 3757
أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة، ويشعر قوله في آخر الحديث: "حلت له شفاعتي" بأن الأمر المطلوب له الشفاعة، وقيل: المقام المحمود هو إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة. قاله الماوردي. قال القرطبيّ: هذا لا يغاير القول الأول. وقيل: المقام هو ما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سَعِيد بن أبي هِلال، أحد صغار التابعين، أنه بلغه أن المقام المحمود أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكون يوم القيامة بين الجبار وجبريل، فيغبطه بمقامه ذلك أهل الجمع، ويمكن رد الأقوال كلها إلى الشفاعة العامة، فإن إعطاءه لواء الحمد، وثناءه على ربه، وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه، وقيامه أقرب من جبريل، كل ذلك صفات للمقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضي بين الخلق. وأما شفاعة إخراج المذنبين من النار، فمن توابع ذلك.
وقوله: "حلّت له شفاعتي"، أي: استحقت ووجبت أو نزلت عليه، يقال: حلّ يحُل بالضم، إذا نزل، واللام بمعنى على، ويؤيده رواية مسلم: "حلت عليه". وعند الطحاويّ، عن ابن مسعود: "وجبت له"، ولا يجوز أن تكون حلّت من الحِل؛ لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة، واستشكل بعضهم جعل الشفاعة ثوابًا لقائل ذلك مع ما ثبت من أن الشفاعة للمذنبين، وأجيب بأن له ﵊ شفاعات أخرى، كإدخال الجنة بغير حساب، وكرفع الدرجات إلى ما أذكره قريبًا إن شاء الله تعالى، فيعطى كل أحد ما يناسبه.
ونقل عِياض عن بعض شيوخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلصًا مستحضرًا إجلال النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، لا من قصد بذلك مجرد الثواب، ونحو ذلك، وهو تحكم غير مرضي، ولو كان أخرج الغافل اللاهي لكان أشبه، وقد عبد العلماء له نحو إحدى عشرة شفاعة.
الأولى: وهي خاصة به ﵊ في الإراحة من هول الموقف، وقد وردت في حديث الشفاعة الكبرى.
стр. 3758
والثانية: شفاعته في إدخال قوم الجنة بغير حساب، ويأتي حديثها في الرِّقَاق.
والثالثة: في إدخال قوم حوسبوا فاستحقوا العذاب، أن لا يعذبوا.
والرابعة: في إخراج من أدخل النار من العصاة، ويأتي دليلهما في الرقاق أيضًا.
والخامسة: في رفع الدرجات. وأشار النّوويّ إلى أن هذه من خصائصه، ولم يذكر لذلك مستندًا.
والسادسة: التخفيف عن أبي طالب كما يأتي في الرِّقاق وغيرها، وهذه من خصائصه قطعًا.
والسابعة: شفاعته لأهل المدينة، لحديث سعد، رفعه: "لا يثبت على لأوائها أحد إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا"، أخرجه مسلم، ولحديث أبي هُريرة، أخرجه التِّرمذي مرفوعًا: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليفعل، فإني أشفع لمن مات بها"، قيل: إن هذه غير واردة لأن متعلقها لا يخرج عن واحدة من الخمس الأُوَل، ولو عد مثل هذا لعد حديث عبد الملك بن عباد: "سمعت النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: أول من أشفع له أهل المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف"، أخرجه البزَّار والطَّبرانيّ عن ابن عمر، رفعه: "أول من أشفع له أهل بيتي، ثم الأقرب، فالأقرب، ثم سائر العرب، ثم الأعاجم"، قاله في "الفتح". قلت: ما قاله من الحديثين غير وارد على اختصاص أهل المدينة بشفاعة خاصة؛ لأن الحديثين ليس فيهما اختصاص بشفاعة، كما ورد في المدينة، وإنما فيهما ترتيب الشفاعة.
وذكر القزوينيّ ثامنة وهي شفاعته لجماعة من الصلحاء في التجاوز عن تقصيرهم، ولم يذكر لها مستندًا، ويمكن اندراجها في الخامسة.
والتاسعة: شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وهذه مندرجة في الثالثة أو الرابعة.
стр. 3759
والعاشرة: أنه أول شافع في دخول أمته الجنة قبل الناس، ودليلها في حديث الشفاعة الطويل.
الحادية عشرة: الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته، أن يدخل الجنة، ودليلها ما أخرجه الطبرانيّ عن ابن عباس، قال: "السابق يَدْخُل الجنة بغير حساب، والمقتصد برحمة الله، والظالم لنفسه وأهل الأعراف يدخلونها بشفاعة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم"، والراجح في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم.
الثانية عشرة: شفاعته فيمن قال: لا إله إلا الله، ولم يعمل خيراً قط، ودليلها يأتي في الرقاق، ولا يمنع من عدها قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ ذلكَ إلَيكَ﴾، لأن النفي يتعلق بمباشرة الإخراج، وإلا فنفس الشفاعة منه صدرت، وقبولها قد وقع، وترتّب عليها أثرها. قلت: هذه عندي مندرجة في إخراج من أُدخل النار من العصاة، لشمول العصاة لهؤلاء؛ لأنهم لو كانوا كفّارًا ما أمكنت الشفاعة فيهم. وأما شفاعته ﵊ في التخفيف عن صاحبي القبرين ونحو ذلك، فلا يعد من هذا، لكونه من جملة أحوال الدنيا.
قال المُهلّب: في الحديث الحض على الدعاء في أوقات الصلوات؛ لأنه حال رجاء الإجابة، وقد جاء: "ساعتان لا يرد فيهما الدعاء: حضرة النداء بالصلاة، وحضرة الصف في سبيل الله"، وفيه إثبات الشفاعة للأمة صالحًا وطالحًا، لزيادة الثواب أو إسقاط العقاب؛ لأن لفظة "من" عامة، فهو حجة على المعتزلة، حيث خصصوها بالمطيع لزيادة درجاته فقط، وكذا جوزوا الشفاعة الكبرى. وفي كونهم أجازوا الأولى نظر، ويأتي استيفاء الكلام على هذا في كتاب الرقاق.
رجاله أربعة:
الأول: عليّ بن عَيّاش بن مسلم الإلْهانيّ أبو الحسين الحِمصيّ البَكّاء. قال أحمد: عليّ بن عياش من عصام بن خالد. وقال العِجليّ والنَّسائيّ: ثقة.
стр. 3760
وقال الدارقطني: ثقة حجة، وقال يحيى بن أكثم: أدخلت علي بن عياش على المأمون، فتبسم ثم بكى، فقال: يا يحيى أدخلت عليّ مجنونًا. فقلت: أدخلت عليك خير أهل الشام، وأعلمهم بالحديث، ما خلا أبا المغيرة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنًا. وفي "الزُّهرة" روى عنه البخاريّ أربعة أحاديث، روى عن جرير بن عثمان وشعيب بن أبي حمزة والليث بن سعد وابن علية وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، وروى له الأربعة بواسطة، ومحمود بن خالد ويحيى بن مَعين وغيرهم. ولد سنة ثلاث وأربعين ومئة، ومات سنة تسع عشرة ومئتين.
ومرّ شعيب بن أبي حَمْزة في السابع من الوحي، ومرّ جابر في الرابع منه. ومرّ محمد بن المُنكَدِر في التاسع والخمسين من الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والقول في موضع، ورواته ما بين حِمصيين ومَدنيين. وفيه شيخ البُخاريّ من أفراده. أخرجه البخاريّ هنا وفي التفسير، ومسلم والترمذي وابن ماجه في الصلاة، والنَّسائيّ فيها وفي اليوم والليلة.
ثم قال المصنف:
باب الاستهام في الأذان
أي: الاقتراع، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، قال الخطابى وغيره: قيل له: الاستهام لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشيء، فمن خرج سهمه غلب، والقرعة أصل من أصول الشريعة في حال من استوت دعواهم في الشيء، لترجيح أحدهم. وفيها تطييب القلوب.
ثم قال: ويذكر أن قومًا اختلفوا في الأذان، فأقرع بينهم سعد رضي الله
стр. 3761
عنه، وكان هذا التَّشاحّ في الأذان وقع في القادسية، وسعد بن أبي وقاص هو الأمير عليها حينئذ، وسبب التشاح إصابة المؤذن، فخرجت القرعة لرجل فأذَّنَ. والقادسية قرية على طريق الحاج على مرحلة من الكوفة، قيل: سبب تسميتها بذلك أن إبراهيم ﵊ مر بها فوجد هناك عجوزًا فغسلت رأسه، فقال: قدست من أرض، فسميتْ القادسية. وقيل: سميت بذلك لنزول قادس بها، وقادس قرية بمرو الرّوذِ.
وهذا التعليق وصله سَعِيد بن منصور والبَيهقيّ والطَّبريّ، وفي رواية الأولين انقطاع، وسعد بن أبي وقاص قد مرّ في العشرين من الإيمان.
стр. 3762
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا".
قوله: "لو يعلم الناس"، وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم. وقوله: "ما في النداء"، أي: الأذان، وهي رواية بشر بن عمر، عن مالك، عند السراج. قال الطيبيّ: أطلق مفعول "يعلم" وهو "ما"، ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربًا من المبالغة، وأنه مما لا يدخل تحت الوصف والإطلاق، إنما هو في قدر الفضيلة، وإلا فقد روى أبو الشيخ عن أبي هُريرة من "الخير والبركة". وقوله: "والصف الأول"، المراد به ما يلي الإِمام مطلقًا، وقيل: أول صف تام يلي الإِمام، لا ما تخلله شيء كمقصورة. وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصف. قال ابن عبد البرّ: واحتج بالاتفاق على أن من جاء أول الوقت ولم يدخل في الصف الأول فهو أفضل ممن جاء في آخره وزاحم عليه، ولا حجة له في ذلك.
قال النّوويّ: القول الأول هو الصحيح المختار، وبه صرح المحققون، والقولان الآخران غلط صريح، وكأنّ صاحب القول الثاني لحظ أن المطلق ينصرف إلى الكامل، وما فيه خلل، فهو ناقص. وصاحب القول الثالث لحظ المعنى في تفضيل الصف الأول دون مراعاة لفظه، وإلى القول الأول أشار البخاريّ حيث ترجم فيما يأتي بالصف الأول، وذكر فيه الحديث المعبر فيه
стр. 3763
بالصف المتقدم، وهو الذي لا يتقدمه إلا الإِمام.
وقد قال العلماء في الحض على الصف الأول: فيه المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإِمام، واستماع قراءته، والتعلم منه، والفتح عليه، والتبليغ عنه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين. وقوله: "ثم لم يجدوا"، في رواية المستملي والحموي: "ثم لا يجدون"، وحكى الكِرْمانيّ أن في بعض الروايات: "ثم لا يجدوا" ووجهه بجواز حذف النون تخفيفًا. قال في "الفتح": لم أقف على هذه الرواية.
وقوله: "إلا أن يستهموا"، أي: يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية، إما في الأذان فبأن استووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته، وإما في الصف الأول، فبأن يَصِلوا دفعة واحدة ويستووا في الفضل، فيقرع بينهم إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين، واستدل بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد، وليس بظاهر، لصحة استهام أكثر من واحد، ولأن الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإِمام، لما فيه من المزية. وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام، وأنه أخرج مخرج المبالغة، واستأنس بحديث لفظه: "لَتَجالَدُوا عليه بالسيوف"، لكن الذي فهمه البخاريّ منه أولى، ولذلك استشهد له بقصة سعد. ويدل عليه رواية لمسلم: "لكانت قرعة".
وقوله: "عليه"، أي: على ما ذكر ليشمل الأمرين: الأذان والصف الأول، وبذلك يصح تبويب المصنف. وقال ابن عبد البر: الهاء عائدة على الصف الأول، لا على النداء، وهو حق الكلام؛ لأن الضمير يعود لأقرب مذكور. ونازعه القرطبيّ فقال: إنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعًا لا فائدة له. والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم. ومثله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، أي: جميع ذلك. وقد رواه عبد الرزاق، عن مالك بلفظ: "لاستهموا عليهما"، وهذا مفصح بالمراد من غير تكلف.
стр. 3764
وقوله:"التهجير"، أي: التبكير إلى الصلاة. قاله الهَرَويّ وحمله الخَليل وغيره على ظاهره، فقالوا: المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت؛ لأن التهجير مشتق من الهاجرة، وهي شدة الحر نصف النهار، وهو أول وقت الظهر، وإلي ذلك مال المصنف لما سيأتي عنه، ولا يرد على ذلك مشروعية الإبراد، لأنه أريد به الرفق، وأما من ترك قائلته وقصد المسجد لينظر الصلاة، فلا يخفى ما له من الفضل.
وقوله: "لاستبقوا إليه"، قال ابن أبي جمرة: المراد بالاستباق معنىً لا حِسًّا؛ لأن المسابقة على الأقدام حسًا تقتضي السرعة في المشي، وهو ممنوع منه. وقوله: "لأتوهما ولو حبوًا"، أي: لو يعلمون ما فيها من مزيد الفضل لأتوهما، أي: الصلاتين. والمراد: لأتوا إلى المحل الذي يصليان فيه جماعة، وهو المسجد، ولو حبوًا، أي: يزحفون إذا منعهم مانع من المشي لما يزحف الصغير. ولابن أبي شيبة عن أبي الدرداء: "ولو حبوًا على المرافق والركب".
وقد روى مسلم في فضل الصف الأول: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أوّلها". وفي "الأوسط" للطبرانيّ: "استَغْفَر ﵊ للصف الأول ثلاث مرات، وللثاني مرتين، وللثالث مرة". وعند مسلم عن جابر بن سمرة: "ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها، يتمون الصف الأول"، وعند ابن ماجه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: "لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله إلى النار"، وعن عبد الرحمن بن عوف: "أن الله وملائكته يصلُّون على الصف الأول"، وعند ابن حبان، عن البراء بن عازب: "أن الله وملاتكته يصلُّون على الصف الأول".
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرّا في الثاني من بدء الوحي.
الثالث: سُمَيّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هِشام
стр. 3765
المَخْزومي، أبو عبد الله المَدَني. قال أحمد وأبو حاتم: ثقة، وقال عُثمان الدارميّ: قلت لابن مَعين: سُهَيلُ بن أبي صالح، عن أبيه أحب إليك أو سُميّ؟ فقال: سُميّ خيرٌ منه. وذكره ابن حِبَّان في "الثقات". وقال النسائي: ثقة. وقال ابن المَدِينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: سُميّ أثبت عندك أو القَعْقَاع؟ فقال: القعقاع أحب إليَّ منه. روى عن مولاه وسعيد بن المسيَّب وأبي صالح ذَكوان والقَعقاع وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الملك ويحيى بن سعيد وسُهيل بن أبي صالح، وهما من أقرانه، والسفيانان ومالك ومحمد بن المنكدر وغيرهم. قتله الحَرَوْرِية يوم قُدَيد، وذلك سنة خمس وثلاثين ومئة، وفي الستة سميّ سواه واحد، وهو ابن قيس اليمانى.
ومرّ أبو صالح وأبو هُريرة في الثاني من الإيمان.
فيه التحديث بصيغته في موضع، وبصيغة الإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في ثلاثة، ورواته مدنيُّون ما خلا شيخ البخاريّ. أخرجه البخاريّ هنا وفي الشهادات، ومسلم والتِّرمذيّ والنَّسائيّ في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب الكلام في الأذان
أي: في أثنائه بغير ألفاظه، وجرى المصنف على عادته في عدم الجزم بالحكم الذي دلالته غير صريحة، لكن الذي أورده فيه يشعر بأنه يختار الجواز، وحكى ابن المنذر الجواز مطلقًا عن عُرْوة وعطاء والحسن وقتادة، وبه قال أحمد. وعن النَّخعيّ وابن سيرين والأوزاعيّ الكراهة، وعن الثَّوريّ المنع، وعن أبي حنيفة وصاحبيه أنه خلاف الأَوْلى، وعليه يدل كلام مالك والشافعي. قاله في "الفتح". قلت: مذهب مالك كراهية الفصل بين كلمات الأذان بكلام، بل ولو بإشارة لسلام وبأكل وشرب، وإذا لم يحصل الطول بنى، وإذا حصل ابتدأ الأذان، وعن إسحاق بن راهويه أنه يكره إلا إن كان مما يتعلق بالصلاة، واختاره ابن المنذر لظاهر حديث ابن عباس المذكور في الباب، وقد نازع في ذلك
стр. 3766
الدَّاوديّ، فقال: لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان، بل القول المذكور من جملة الأذان في ذلك المحل، وتعقب هذا بأنه وإن ساغ ذكره في هذا المحل، لكنه ليس من ألفاظ الأذان المعهود. وبيان مطابقته للترجمة هو أن هذا الكلام، لما جازت زيادته في الأذان للحاجة إليه، دل على جواز الكلام في الأذان لمن يحتاج إليه.
ثم قال: وتكلم سُلَيمان بن صُرَد في أذانه، ولفظه: "أنه كان يؤذن في العسكر، فيأمر غلامه بالحاجة في أذانه" وهذا التعليق أخرجه ابن أبي شَيْبَة، ووصله أبو نُعيم شيخ البخاريّ في كتاب الصلاة، وأخرجه البخاريّ في التاريخ عنه بإسناد صحيح. وسُليمان بن ورد قد مرّ في السابع من الغسل.
ثم قال: وقال الحسين: لا بأس أن يضحك وهو يؤذن أو يقيم. قيل: مطابقته للترجمة من جهة أن الضحك إذا كان بصوت قد يظهر منه حرف مفهم أو أكثر، فتفسد الصلاة، ومن منع الكلام في الأذان أراد أن يساويه بالصلاة. وقد ذهب الأكثر إلى أن تعمد الضحك يبطل الصلاة، ولو لم يظهر منه حرف فاستوى مع الكلام في بطلان الصلاة بعمده.
والحسن، المراد به: البصريّ، وقد مرّ في الرابع والعشرين من الإيمان، وهذا التعليق قال ابن حَجَر: لم أره موصولًا، والذي أخرجه ابن أبي شَيْبَة وغيره من طرق عنه، جواز الكلام بغير قيد الضحك.
стр. 3767
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَعَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيَادِيِّ وَعَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ. فَنَظَرَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ.
قوله: "خطبنا"، استدل به الجَوْزيّ على أنَّ الصلاة المذكورة كانت الجمعة، وفيه نظر. نعم وقع التصريح بذلك في رواية ابن عُلَيَّة، ولفظه: "أن الجمعة عزمة". وقوله: "في يوم رَزْغٍ" بإضافة يوم. ورزغ بفتح الراء وسكون الزاي بعدها غين معجمة، كذا للأكثر هنا، ولابن السكن والكُشمَيهنيّ وأبي الوقت بالدال المهملة بدل الزاي. وقال القرطبي: انها أشهر. قال: والصواب الفتح، وإنه الاسم، وبالسكون المصدر، والفتح رواية القابسيّ. قال صاحب الحكم: الرزغ: الماء القليل في الثِّماد، وقيل: انه طين ووحل، وفي العين الرَّدْغَة الوحل، والرَّزْغَة أشد منها، وفي "الجمهرة": الردغة والرزغة الطين القليل من مطر أو غيره، وفي رواية الحجبيّ الآتية: "في يوم ذي رزغ" وهي أوضح. وفي رواية ابن عُلَيّة: "في يوم مطير".
وقوله: "فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة، فأمره أن ينادي"، كذا فيه، وكأنّ هنا حذفًا تقديره: أراد أن يقولها، فأمره. ويؤيده رواية ابن علية: إذا قلت أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة. وبوّب عليه ابن خُزيمة، وتبعه ابن حِبَّان، ثم المُحبّ الطَّبَري؛ حذف حي على الصلاة في يوم المطر، وكأنه نظر إلى المعنى؛ لأن حي على الصلاة معناه: هلموا إلى الصلاة.
стр. 3768
والصلاة في الرحال، وصلوا في بيوتكم يناقض ذلك.
وعند الشافعية وجه أن يقول ذلك بعد الأذان، وآخر أنه يقوله بعد الحَيْعَلَتين، والذي يقتضيه الحديث هو ما تقدم، وقوله: "الصلاة في الرِّحال" بنصب الصلاة، والتقدير صلوا الصلاة. والرحال جمع رَحْل، وهو مسكن الرجل وما فيه من أثاثه. قال النَّوويّ فيه: أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان. وفي حديث ابن عمر الآتي في باب الأذان للمسافر، أنها تقال بعده. قال: والأمران جائزان كما نص عليه الشافعي، لكن بعده أحسن، ليتم نظم الأذان. قال: ومن أصحابنا من يقول: لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهو ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس. فكلامه يدل على أنها تزاد مطلقًا، إما في أثنائه وإما بعده، لا أنها بدل من حي على الصلاة. وقد مرَّ عن ابن خُزَيْمة وغيره ما يخالفه. وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن نُعَيْم النَّخَّام، قال: "أذّن مؤذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للصبح في ليلة باردة، فتمنيت لو قال: ومن قعد فلا حرج، فلما قال: الصلاة خير من النوم قالها".
وقوله: "فقال فعل هذا"، كأنه فهم من نظرهم الإنكار، وفي رواية الحجبي: "كأنهم أنكروا ذلك"، وفي رواية ابن عُليّة: "فكأنَّ الناس استَنكروا ذلك". وقوله: "من هو خيرٌ منه"، وللكُشميهنيّ: "منهم"، وللحجبيّ: "مني" يعني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كذا في أصل الرواية، ومعنى رواية الباب: "من هو خير من المؤذن"، يعني فعله مؤذن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو خير من هذا المؤذن. وأما رواية الكشميهني ففيها نظر، ولعل من أذن كانوا جماعة إن كانت محفوظة، أو أراد جنس المؤذنين، أو أراد خير من المنكرين.
وقوله: "وإنها عَزْمَة"، أي: الجمعة كما مرَّ، عزْمة بسكون الزاي، ضد الرخصة. زاد ابن عيينة: "وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين". وفي رواية الحجبي: "إني أؤثمكم" وهي ترجح رواية من روى: "أحرجكم" بالحاء
стр. 3769
المهملة. وفي رواية جرير عند ابن خزيمة أن أحرج الناس وأكلفهم أن يحملوا الخبث من طرقهم الى مسجدكم.
رجاله سبعة:
الأول: مُسَدَّد، وقد مرّ في السادس من الإيمان، ومرّ أيوب في التاسع منه، ومرّ حمّاد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرّ عاصم بن سُلَيمان الأحول في الخامس والثلاثين من الوضوء، ومرّ ابن عباس في الخامس من الوحي.
السادس من السند: عبد الحميد بن دينار، هو ابن كرْدِيد، وقيل: ابن واصل البَصْريّ، صاحب الزِّيادي. ومنهم من جعلهما اثنين. قال أحمد وابن مَعين: ثقة، وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين، كأنه لم يصح عنده لأنس، وفَرَّق بين ابن دينار وابن كرديد تبعًا للبُخاريّ، وكذلك فعل ابن أبي حاتم، روى عن أنس وأبي رَجَاء العُطَارِديّ والحسن البَصْريّ وثابت البُنَانيّ وغيرهم. وروى عنه شُعْبَة والثَّوريّ وحمّاد بن زيد واسماعيل بن علية وغيرهم.
السابع: عبد الله بن الحارث الأنصاري، أبو الوليد البصريّ، نسيب ابن سيرين وخَتَنُه. قال أبو زُرْعة والنَّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وذكره ابن حِبّان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال سُليمان بن حرب: كان ابن عم ابن سيرين، ثقة، والصواب أنه خَتَنُه، اللهم إلا أن يكون ابن عمه من الأم أو من الرضاع. روى عن النبي ﷺ مُرسلًا، وعن أبي هُريرة وابن عباس وابن عمرو وأنس وزيد بن أرقم وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والقول في موضعين، ورجاله كلهم بصريُّون. وفيه أربعة من التابعين: عبد الحميد وعبد الله بن الحارث وأيوب وعاصم، ورواية الثلاثة عن عبد الله بن الحارث من رواية الأقران. أخرجه البُخاريّ هنا وفي الصلاة والجمعة، ومسلم وأبو داود وابن ماجه في الصلاة.
стр. 3770
ثم قال المصنف:
باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره
أي: جواز أذانه، وليس البصير بأرجح منه، وقوله: "يخبره"، أي: بالوقت، لأن الوقت في الأصل مبني على المشاهدة فلابد للأعمى من شيء يعتمد عليه من إخبار ثقة له بذلك. وعلى هذا القيد يحمل ما روى ابن أبي شَيْبة وابن المُنذر عن ابن مسعود وابن الزُّبَير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى. وأما ما نقله النوويّ عن أبي حنيفة وداود أن أذان الأعمى لا يصح، فقد تعقبه السُّرُوجيّ بأنه غلط على أبي حنيفة، نعم في "المحيط" للحنفية أنه يكره.
стр. 3771
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِىَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ". ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ، أَصْبَحْتَ.
قوله: "إن بلالًا يؤذن بليل"، فيه إشعار بأن ذلك كان من عادته المستمرة، وزعم بعضهم أن ابتداء ذلك كان باجتهاد منه، وعلى تقدير صحة ذلك، فقد أقره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على ذلك، فصار في حكم المأمور به، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ما قيل في تعيين الوقت الذي يؤذن فيه من الليل، ومن قال به ومن منعه. وقوله: "فكلوا واشربوا"، فيه إشعار بأن الأذان كان علامة عندهم على دخول الوقت، فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك.
وقوله: "وكان رجلًا أعمى"، ظاهره أن فاعل قال هو ابن عمرو، جزم بذلك الشيخ الموفق في "المغني"، ورواه جمع عن القَعْنَبِيّ، وفي روايتهم تعيين أنه ابن شهاب، وعلى هذا يكون في رواية البخاري إدراج، ويجاب عن ذلك بأنه لا يمنع كون ابن شهاب قاله أن يكون شيخه قاله، وشيخ شيخه، وقد رواه البَيهقيّ عن ابنِ شِهاب، وفيه: "قال سالم: وكان رجُلًا ضريرًا"، ففي هذا التصريح بأن شيخ البخاريّ قاله، ويأتي عند المصنف في الصيام عن ابن عمر ما يؤدي معناه، فثبت صحة وصله.
وقوله: "أصبَحْتَ، أصبَحْتَ"، أي: دخلْتَ في الصبح، هذا ظاهره، وفيه إشكال لأنه جعل أذانه غاية للأكل، فلو لم يؤذن حتى دخل الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر. والإجماع على خلافه إلا من شذ كالأعمش.
стр. 3772
وأجيب عنه بأنّ المراد قاربت الصباح؛ لأن قرب الشيء قد يعبر به عنه، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، أي: قاربن؛ لأن العدة إذا تمت فلا رجعة، ويعكر على هذا الجواب أن في رواية الرَّبيع بن سُلَيمان عند البَيهقيّ: "ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذِّنْ"، وأبلغ من ذلك أن لفظ رواية المصنف في الصيام: "حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"، وإنما كانت أبلغ لكون جميعه من كلام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأيضًا، فقوله: "إن بلالًا يؤذن بليل"، يشعر بأن ابن أم مكتوم بخلافه، ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق، ولصدق أن كلاًّ منهما أذَّن قبل الوقت. وهذا الموضع في غاية الإشكال، وأقرب ما يقال فيه أن أذانه جُعل علامة لتحريم الأكل والشرب، وكأنه كان له من يراعي الوقت، بحيث يكون أذانه مقارنًا لابتداء طلوع الفجر. وهو المراد بالبزوغ. وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق، أو يقال: إنه لا يلزم من كون المراد بقولهم: أصبحت، أي: قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر، لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من الليل، وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر، وهذا وإن كان مستبعدًا في العادة، فليس بمستبعد من مؤذن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، المؤيد بالملائكة، فلا يشاركه فيه مَن لم يكن على تلك الصفة.
وقد روى أبو قرة عن ابن عمر حديثًا فيه: "وكان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه". قلت: مما يحكى عن العلماء أنه كان بجامع القيروان صاحب الوقت أعمى، وكان لا يخطىء. ويذكر أنه كان يشم لطلوع الفجر رائحة، وإذا كان هذا لغير صحابي، فما ظنك بصاحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟
وفي هذا الحديث جواز الأذان قبل طلوع الفجر، وبه قال الجمهور، واختلف هل يكتفى به عن إعادة الأذان بعد الفجر أم لا؟ وإلى الاكتفاء مطلقًا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم، وخالف ابن خُزَيمة وابن المُنذر وطائفة من أهل الحديث. وقال به الغَزاليّ في "الإحياء"، وادعى بعضهم أنه لم يرد في شيء من الحديث ما يدل على الاكتفاء، وتعقب بحديث ابن مسعود
стр. 3773
الآتي في باب الأذان قبل الفجر، وأجيب بأنه مسكوت عنه فلا يدل، وعلى التنزل فمحله فيما إذا لم يرد نطق بخلافه، وهنا قد ورد حديث ابن عمر وعائشة في الباب المذكور، بما يشعر بعدم الاكتفاء، وعند أبي داود عند زياد بن الحارث ما يدل على الاكتفاء، فإن فيه أنه أذن قبل الفجر بأمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع الفجر، فأمره فأقام. لكنْ في إسناده ضعف، وأيضًا فهي واقعة عَيْن، وكانت في سفر، ومن ثمَّ قال القرطبيُّ: إنه مذهب واضح غير أن العمل المنقول بالمدينة على خلافه، فلم يرده إلا بالعمل على قاعدة المالكية. وحاصل مذهب المالكية فيه أربعة أقوال ليس لها إلا أذان واحد يقدم لها، أذانان كل منهما سنة. الأول سنة، والثاني مستحب، وعكسه، واعتمد كون الأول سنة، والثاني مستحبًا. ونظم هذا شيخنا عبد الله بن محمد سالم، فقال:
الأذان للسُّدْسِ يُسَنُّ ونُدِبْ ... تقديمه وعند فجر استُحبْ
وقيل لا أذانَ للصبح وقد ... قيل يُسَنُّ فيهما وقد عضد
وقيل الأول أخو استحباب ... والثاني للسنة ذو استصحاب
وقال النووي وأبو حنيفة ومحمد وزُفَر: لا يجوز أن يؤذن للفجر إلا بعد دخول وقتها، كما لا يجوز لسائر الصلوات إلا بعد دخول وقتها؛ لأنه للإعلام به. وقبل دخوله تجهيل، وليس بإعلام فلا يجوز. وأجيب عن هذا بأن الإعلام قبل الوقت أعم من أن يكون إعلامًا بأنه قد دخل أو قارب أن يدخل، وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات؛ لأن الصلاة في أول وقتها مُرَغَّب فيها، والصبح يأتي غالبًا بعد نوم، فناسَبَ أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها، ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت، وتمسك الطَّحاويّ لمذهبه بما في حديث ابن مسعود الآتي من قوله: "ليرجع قائمكم ولينبه نائمكم"، فقال: قد أخبر أن ذلك النداء كان لما ذكر لا للصلاة، وتعقب بأن قوله: "لا للصلاة" زيادة في الخبر، وليس فيه حصر فيما ذكر. وادعى بعض الحنفية فيما حكاه السُّرُوجيّ منهم أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان، وإنما كان تذكيرًا أو تسحيرًا لما يقع للناس
стр. 3774
اليوم، وهذا مردود، فإن الذي يفعله الناس اليوم محدَث قطعًا، وقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان، فحمله على معناه الشرعيّ مقدم، وأيضًا لو كان الأذان الأول بألفاظ مخصوصة غير ألفاظ الأذان، لما التبس على السامعين. وسياق الخبر يقتضي أنه خشي عليهم الالتباس. وادّعى ابن القَطّان أن ذلك كان في رمضان خاصة، وفيه نظر.
وقد اختلف في الوقت الذي يؤذن للصبح فيه، فمشهور مذهب مالك أنه من سدس الليل الأخير، وعند الشافعي مختلف فيه، فالذي صححه النَّوويّ في أكثر كتبه أن وقته من أول نصف الليل الآخر؛ لأن صلاته تدرك الناس وهم نيام، فيحتاجون إلى التأهب لها، وهذا مذهب أحمد وأبي يُوسُف وابن حَبيب من المالكية، لكن يعكر على هذا قول القاسم بن محمد المَرْوزِيّ عند المؤلف في الصيام: لم يكن بين أذانهما، أي: بلال وابن أم مكتوم إلا أن يرقى هذا وينزل ذا، ولا يقال: إن هذا مرسل؛ لأن القاسم تابعي لم يدرك ما القصة المذكورة، لأنه ثبت في رواية النّسائيّ والطّحاويّ عن القاسم، عن عائشة، فذكر الحديث، وفيه: "فقالت: ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا"، وهذا ينفي كونه مرسلًا.
ومن ثمّ اختار السُّبكيّ فى "شرح المنهاج"، وحكى تصحيحه عن القاضي حسين والمُتَولِّي، وقطع به البَغْويّ أن الوقت الذي يؤذن فيه قبل الفجر هو وقت السحر، وهو كما قال في "القاموس": قبيل الصبح. وكلام ابن دقيق العيد يشعر به، فإنه قال بعد أن حكاه: يرجح هذا بأنّ قوله إن بلالًا ينادي بليل، خبر تتعلق به فائدة للسامعين قطعًا، وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبهًا محتملًا لأن يكون عند طلوع الفجر، فبيّن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب، بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصادق، قال: وهذا يدل على تقارب وقت بلال من الفجر، ويقويه أيضًا ما تقدم من أن الحكمة في مشروعيته التأهب لإدراك الصبح في أول وقتها.
واحتج الطَّحاويّ لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لما كان بين
стр. 3775
أذانيهما ما ذكر في حديث عائشة، ثبت أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال ويصيبه ابن أم مكتوم. وتعقب بأنه لو كان كذلك ما أقرّه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مؤذنًا، واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى كان وقوع ذلك منه نادرًا، وظاهر حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنه وعادته.
وفي الحديث جواز اتخاذ مؤذنين في المسجد الوّاحد. قال ابن دَقيق العيد: وأما الزيادة على الاثنين فليس في الحديث تعرض لها، ونص الشافعي على جوازه، ونصه: ولا يتضيق إن أذن أكثر من واحد، وإذا كانوا متعددين جاز ترتيبهم واحدًا بعد واحد، إلا المغرب فيكره الترتيب فيها عند المالكية، لضيق وقتها، وإذا أدّى إلى خروج وقتها المختار حرم، وجاز جمع اثنين فأكثر على أذان واحد، ومنع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أمية، ويشترط أن يكون كل واحد على أذان نفسه وإلا كره، وهذا إذا لم يؤد إلى تقطيع اسم الله أو اسم نبيه وإلا حرم، وحينئذ لا يحكى.
وقالت الشافعية: لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش. واستدل به على جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت، وهو جائز كما مرّ. وقال في "الفتح": وفيه أوجه. واختلف فيه الترجيح، وصحح النووي في كتبه أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة، وعلى جواز شهادة الأعمى، وقيد بأنّ تكون في قول لا في فعل، وعلى جواز العمل بخبر الواحد، وعلى أن ما بعد الفجر من حكم النهار، وعلى جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر؛ لأن الأصل بقاء الليل، وخالف في ذلك مالك، ففي مذهبه يحرم عليه الأكل حينئذ، ويجب عليه القضاء، ولا كفارة اتفاقًا، وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفًا به، وإن لم يشاهد الراوي وخالف في ذلك شعبة، لاحتمال الاشتباه، وعلى جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان بقصد التعريف ونحوه، وجواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه.
رجاله خمسة: وفيه ذكر بلال وابن أم مكتوم.
стр. 3776
الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرّ في الثاني عشر من الإيمان، ومرّ سالم بن عبد الله في السابع عشر منه، ومرّ عبد الله بن عمر أوله، قبل ذكر حديث منه، ومرّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم.
وأما ابن أم مكتوم القُرَشيّ، ويقال: اسمه عبد الله وعمرو أكثر، وهو ابن قَيْس بن زائدة بن الأصمّ، ومنهم من قال: عمرو بن زائدة، ولم يذكر قيسًا. ومنهم من قال قيسًا بدل زائدة.
واسم الأصم جُندبُ بن هرم بن رَواحة بن حِمْير بن مَعيص بن عامر بن لُؤَيّ القُرشيّ العامريّ، واسم أمه أم مكتوم، عاتكة بنت عبد الله بن عَنْكَثَة، بمهملة ونون ساكنة، وبعد الكاف مثلثة، ابن عائذ بن مخزوم. وهو ابن خال خَديجة أم المؤمنين، فإن أم خديجة أخت قيس بن زائدة، واسمها فاطمة. أسلم قديمًا بمكة، وكان من المهاجرين الأولين مع مصعب، قدم المدينة قبل النبي ﷺ ، وقيل بعده، وبعد وقعة بدر بيسير. وكان النبي ﷺ يستخلفه في عامّة غزواته يصلي بالناس. يقال: إنه استخلفه في ثلاث عشرة غزوة: في الأبواء وبُوَاط وذي العشيرة، وغزوته في طلب كُرْز بن جابر، وغزوة السَّويق، وغَطَفان، وغزوة أحد وحمراء الأسد، ونجران، وذات الرِّقاع، وفي خروجه في حجة الوداع، وفي خروجه إلى بدر، ثم استخلف أبا لُبابة لما رده من الطريق. وأما رواية قتادة أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين فلم يبلغه ما بلغ غيره.
وهو المذكور في سورة عبس وتولى، ونزلت فيه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، لما نزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾، لما قال ابن أم مكتوم: "يا رسول الله، رجل ضرير". خرج إلى القادسية، فشهد القتال، وكان معه اللواء حينئذ، واستشهد هناك. وقيل: بل رجع إلى المدينة فمات بها، ولم يسمع له بذكر بعد عمر بن الخطّاب. روى عن النبي ﷺ ، وحديثه في كتب السنن. وروى عنه عبد الله بن شَدّاد بن الهاد، وعبد الرحمن بن أبي ليلي وأبو رَزِين الأسديّ وآخرون.
ثم قال المصنف:
стр. 3777
باب الأذان بعد الفجر
قال الزَّينُ بن المُنير: قدّم المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر، فخالف الترتيب الوجوديّ؛ لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد دخول الوقت، فقدم ترجمة الأصل على ما ندر عنه، واعترض ابن بطال على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر، والذي يظهر أن المراد بالترجمتين عند المصنف أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله قبل الفجر، غير المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر، وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده، وأن أذان ابن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر. قلت: اعتراض ابن بطّال دالٌّ على أن البخاريّ عنده لا يذكر ترجمة إلا إذا كان فيها خلاف، وليس الأمر كذلك، بل يذكرها لإفادة الحكم.
стр. 3778
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ الْمُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ وَبَدَا الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلاَةُ.
قوله: "كان إذا اعتكف المؤذن للصبح"، هكذا وقع عند جمهور رواة البُخاريّ، وقد استشكله كثير من العلماء، والحديث في"المُوطَّأ" عند جميع رواته بلفظ: "كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح"، ورواه مسلم كذلك، وهو الصواب، وفي رواية الهَمْدانيّ: "كان إذا أذّن" بدل "اعتكف"، وهي تشابه الرواية المصوبة، وأطلق جماعة من الحُفَّاظ بأن الوهم فيه من شيخ البخاري، عبد الله بن يوسف، ووجه ابن بطال رواية المصنف بأن معنى اعتكف المؤذِّن: أي لازم ارتفاعه ونظره إلى أن يطلع الفجر، ليؤذن عند أول إدراكه. قالوا: وأصل العكوف لزوم الإقامة بمكان واحد، وتعقب بأنه يلزم منه أنه كان لا يصليهما إلا إذا وقع ذلك من المؤذن، لما يقتضيه مفهوم الشرط، وليس كذلك لمواظبته عليهما مطلقًا.
قلت: يمكن أن يجاب عن التعقب المذكور بأنّ التعبير بذلك تعبير بالأغلب من حال المؤذن لا لإرادة الشرطية. قالوا: والحق أن لفظ اعتكف مُحَرَّف من لفظ سكت، وقد أخرجه المصنف في باب "الركعتين قبل الظهر" بلفظ: "كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر"، وقوله: "وبدا الصبح"، بغير همز، أي: ظهر. وأغرب الكرماني فقال: إنه من النداء بالنون المكسورة والهمزة بعد المد، وكأنّه ظن أنه معطوف على قوله: "للصبح" فيكون التقدير: واعتكف لنداء الصبح، وليس كذلك، فإن الحديث في جميع نسخ "الموطأ" والبخاريّ
стр. 3779
ومسلم بالباء الموحّدة المفتوحة، وبعد الدال ألف، والواو فيه واو الحال، لا واو العطف، وبذلك تتم مطابقة الحديث للترجمة.
وقوله: "صلى ركعتين خفيفتين"، وفي رواية عائشة عند المصنف في التهجد: "حتى إني لأقول: "هل قرأ بأم الكتاب؟ "، والمراد بالركعتين ركعتا الفجر، واختلف في حكمة تخفيفهما، فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح في أول الوقت، وبه جزم القُرطبيّ. وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين، كما كان يصنع في صلاة الليل ليدخل في الفرض، أو ما شابهه في الفضل بنشاط واستعداد تام. وقيل: إنهما قدر حساب الأمة المحَمَّديَّة، وقد تمسك بقول عائشة: هل قرأ بأم الكتاب؟ من زعم أنه لا قراءة في ركعتي الفجر أصلًا، وهو قول محكي عن أبي بكر الأصم وإسماعيل بن عُليّة. وتعقب هذا بما يأتي من الأحاديث في قراءته بالسورتين الآتيتين، وليس معنى هذا أنها شكت في قراءته صلى الله تعالى عليه وسلم الفاتحة، وإنما معناه أنه كان يطيل في النوافل، فلما خفف ركعتي الفَجر صار كانه لم يقرأ بالنسبة إلى غيرها من الصلوات، فلابد من القراءة، ولو وصفت الصلاة بكونها خفيفة، فكأنَّها أرادت قراءة الفاتحة فقط، أو قرأها مع شيء يسير. واقتصر المصنف على هذا، أعني في الباب الآتي؛ لأنه لم يثبت عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيهما، وفي تخصيصهما أم القرآن بالذكر إشارة إلى مواظبته لقراءتها في غيرها من صلاته.
وقد روى ابن ماجه بإسناد قوي عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي ركعتين قبل الفجر، وكان يقول: "نِعْمَ السُّورتان يُقرأ بهما في ركعتي الفجر: قل يا أيُّها الكافرون، وقُلْ هو الله أحد"، ولابن أبي شَيبة عن ابن سِيرين عنها: "كان يقرأ فيهما بهما"، ولمسلم عن أبي هُريرة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ فيهما بهما"، وللتِّرمذيّ والنَّسائيّ عن ابن عمر: "رمقت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم شهرًا، فكان يقرأ فيهما بهما"، وللتِّرمذيّ عن ابن مسعود مثله بغير تقييد، وكذا للبزار عن أنس، ولابن حبَّان عن جابر ما يدل على الترغيب في قراءتهما بهما.
стр. 3780
واستدل بقولها: هل قرأ أم الكتاب؟ على أنه لا يزيد فيهما على أم القرآن، وهو قول مالك الشهور في مذهبه، وفي البُويطيّ عن الشافعيّ استحباب قراءة السورتين المذكورتين فيهما مع الفاتحة بالحديث المذكور، وبذلك قال الجمهور، وهو قول عند المالكية أيضًا. وقالوا: معنى قول عائشة: "هل قرأ بأم القرآن؟ " أي: مقتصرًا عليها، أو ضم إليها غيرها. وذاك لإسراعه بقراءتها. فكان من عادته أن يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما، وهو قول أكثر الحنفية، ونقل عن النَّخعيّ، وأورد البيهقيّ فيه حديثًا مرفوعًا من مرسل سَعيد بن جُبير، وفي سنده راوٍ لم يسمَّ، وخصّ بعضهم ذلك بمن فاته شيء من قراءته في صلاة الليل، فيستدركها في ركعتي الفجر. ونقل ذلك عن أبي حنيفة، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسين البَصريّ، واستدل به على الجهر بالقراءة في ركعتي الفجر، ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك عرف بقراءته بعض السورة كما يأتي في صفة الصلاة عن أبي قتادة في صلاة الظهر، يسمعنا الآية أحيانًا، ويدل على ذلك أن في رواية ابن سيرين المارة: "يسرٌ فيهما القراءة" وصححه ابن عبد البر.
واستدل بالأحاديث المذكورة على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، لأنّه لم يذكرها مع سورتي الإِخلاص. وروى مسلم عن ابن عباس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم: "كان يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ التي في البقرة، وفي الأخرى التي في آل عمران"، وأُجيب بأنه ترك ذكر الفاتحة لوضوح الأمر فيها، ويؤيده أن قول عائشة: "هل قرأ الفاتحة؟ " يدل على أن الفاتحة كان مقررًا عندهم أنه لابد من قراءتها.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يُوسُف، والثاني مالك، وقد مرّا في الثاني من الوحي، ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرّ ابن عمر أول الإيمان قبل ذكر حديث منه. ومرت حفصة في الثالث والستين من الوضوء.
стр. 3781
في الإسناد التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، وبالإفراد من الفعل المؤنث في موضع، والعنعنة في موضعين، والقول في موضعين. ورواته مدنيُّون ما عدا عبد الله بن يوسف. أخرجه البُخاريّ هنا، وفي الصلاة، ومسلم والنَّسائيّ وابن ماجه فيها، والتّرمذيّ فيها، وفي الشمائل.
стр. 3782
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ.
قوله: "بين النداء والإقامة"، قال الزَّينُ بن المُنير: حديث عائشة أبعد في الاستدلال به للترجمة من حديث حفصة؛ لأن قولها: "بين النداء والإقامة" لا يستلزم كون الأذان بعد الفجر، ثم أجاب عن ذلك بما محصله أنها عنت بالركعتين ركعتي الفجر، وهما لا يصليان إلا بعد الفجر، فإذا صلاهما بعد الأذان استلزم أن يكون الأذان وقع بعد الفجر، وهذا فيه تكلف مع انتقاد فيه، والذي يظهر أن المصنف جرى على عادته في الإيماء إلى بعض ما ورد في طرق الحديث الذي يستدل به.
وبيان ذلك فيما أورده بعد بابين من وجه آخر عن عائشة، ولفظه: "كان إذا سكت المؤذِّن قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الصبح بعد أن يستبين الفجر.
رجاله خمسة:
الأول: أبو نَعيم، وقد مرّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ شَيبان ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة في الرابع من الوحي، ومرّت عائشة في الثاني منه.
стр. 3783
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلاَلاً يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ".
قوله: "عن عبد الله بن دينار"، هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث. قال ابن عَبْد البَر: لم يختلف عليه فيه، واعترض ابن التَّيْميّ، فقال: هذا الحديث لا يدل على الترجمة، لجعله غاية الأكل ابتداء أذان ابن أم مكتوم، فدل على أن أذانه كان يقع قبل الفجر بقليل. وجوابه ما مر تقريره في الباب الذي قبله، عند قوله: "أصبحت أصبحت". وقال الزين بن المنير: الاستدلال بحديث ابن عمر أوجه من غيره، فإن قوله: "حتى ينادي ابن أم مكتوم" يقتضي أنه ينادي حين يطلع الفجر؛ لأنّه لو كان ينادي قبله، لكان كبلال ينادي بليل. وحديث عبد الله بن دينار هذا مجمع على صحته، رواه من أصحابه عنه، ورواه شعبة فاختلف عليه فيه، فرواه يزيد بن هارون عنه على الشك أنَّ بلالًا، كما هو المشهور، أو أن ابن أم مكتوم ينادي بليل "فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال".
ورواه أبو داود الطَّيالسيّ عنه، جازمًا بالأول، ورواه أبو الوليد عنه، جازمًا بالثاني، وكذا أخرجه ابن خُزيمة وابن حَبّان، وابن المنذر، عنه جازمًا بالثاني، عن أنيسة بنت خُبَيْب، قالت:"قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أذّن ابن أم مكتوم، فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال، فلا تأكلوا ولا تشربوا، وإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري". وادعى ابن عبد البرّ وجماعة، أن هذا الحديث مقلوب، ويُبعد ذلك أنه روي عن عائشة عند ابن خُزَيمة من طريقين. وفي بعض ألفاظه ما يبعد
стр. 3784
الوهم، وهو قوله: "إذا أذّن عمرو، فإنه ضرير، فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال، فلا يَطْعَمَنَّ أحدٌ".
وأخرج البَيهقيّ عن عائشة أنها كانت تنكر حديث ابن عمر وتقول: كان بلال يبصر. وقد غلط ابن عمر، وقد جمع ابن خُزَيمة والضُّبَعيّ بين الحديثين بما حاصله أنه يحتمل أن يكون الأذان كان نوبًا بين بلال وابن أم مكتوم، فكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعلم الناس أن أذان الأول منهما لا يحرم على الصائم شيئًا، ولا يدل على دخول الوقت، بخلاف الثاني. وجزم ابن حبَّان بذلك، ولم يبده احتمالًا، وأنكر ذلك عليه الضِّيَاء وغيره. وقيل: لم يكن نوبًا، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلالًا كان في أول مّا شرع الأذن يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة، عن امرأة من بني النجار، قالت: "كان بلال يجلس على بيتي، وهو أعلى بيت في المدينة، فهذا رأى الفجر تَمَطّى، ثم أذن، أخرجه أبو داود بإسناد حسن.
وأخرج النّسائيّ بإسناد صحيح عن أنس أن سائلًا سأل عن وقت الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلالًا، فأذن حين طلع الفجر الحديث، ثم أردف بابن أم مكتوم، وكان يؤذن بليل، واستمر بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها. ثم في آخر الأمر أخّر ابن أم مكتوم لضعفه، ووكل به من يراعي الفجر، واستمر أذان بلال بليل، وكان سبب ما روي أنه كان ربما أخطأ الفجر، فأذن قبل طلوعه، وأنه أخطأ مرة، فأمره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرجع فيقول: "ألا إن العبد نام"، أي: أن غَلَبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره عن حماد بن سلمة، عن ابن عمر موصولًا مرفوعًا، ورجاله ثقات حفّاظ. قلت: لعل هذا الحديث هو مستند المالكية في وجوب إعادة المؤذن الذي أخطأ في الأذان، فأذن قبل الوقت، الأذانَ بنفسه دون أن يعيده غيره. ولكن اتفق أئمة الحديث: ابن المدينيّ وابن حَنْبَل والبُخاريّ وأبو داود والذُّهليّ والتِّرمذيّ وغيرهم، على أن حمادًا أخطأ في
стр. 3785
رفعه، وأنه تفرد بذلك، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، ولكن له شواهد عند البَيْهَقي وعبد الرَّزَّاق والدَّارقطني وغيرهم. فهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا قوة ظاهرة، فلأجل ذلك استقر أن بلالًا يؤذن الأذان الأول.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرّا في الثاني من الوحي، ومرّ عبد الله بن دينار في الثاني من الإيمان، وابن عمر أوله قبل ذكر حديث منه.
ثم قال المصنف:
باب الأذان قبل الفجر
أي ما حكمه؟ هل يشرع أولًا؟ وإذا شرع هل يكتفى به عن إعادة الأذان بعد الفجر أو لا؟ إلى آخر ما مرّ مستوفى في باب "أذان الأعمى" قبل باب.
следующие страницы →