Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
في الإسناد التحديثُ بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، وبالإفراد من الفعل المؤنث في موضع، والعنعنة في موضعين، والقول في موضعين. ورواته مدنيُّون ما عدا عبد الله بن يوسف. أخرجه البُخاريّ هنا، وفي الصلاة، ومسلم والنَّسائيّ وابن ماجه فيها، والتّرمذيّ فيها، وفي الشمائل.
стр. 3782
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ.
قوله: "بين النداء والإقامة"، قال الزَّينُ بن المُنير: حديث عائشة أبعد في الاستدلال به للترجمة من حديث حفصة؛ لأن قولها: "بين النداء والإقامة" لا يستلزم كون الأذان بعد الفجر، ثم أجاب عن ذلك بما محصله أنها عنت بالركعتين ركعتي الفجر، وهما لا يصليان إلا بعد الفجر، فإذا صلاهما بعد الأذان استلزم أن يكون الأذان وقع بعد الفجر، وهذا فيه تكلف مع انتقاد فيه، والذي يظهر أن المصنف جرى على عادته في الإيماء إلى بعض ما ورد في طرق الحديث الذي يستدل به.
وبيان ذلك فيما أورده بعد بابين من وجه آخر عن عائشة، ولفظه: "كان إذا سكت المؤذِّن قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الصبح بعد أن يستبين الفجر.
رجاله خمسة:
الأول: أبو نَعيم، وقد مرّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرّ شَيبان ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ أبو سلمة في الرابع من الوحي، ومرّت عائشة في الثاني منه.
стр. 3783
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِلاَلاً يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ".
قوله: "عن عبد الله بن دينار"، هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث. قال ابن عَبْد البَر: لم يختلف عليه فيه، واعترض ابن التَّيْميّ، فقال: هذا الحديث لا يدل على الترجمة، لجعله غاية الأكل ابتداء أذان ابن أم مكتوم، فدل على أن أذانه كان يقع قبل الفجر بقليل. وجوابه ما مر تقريره في الباب الذي قبله، عند قوله: "أصبحت أصبحت". وقال الزين بن المنير: الاستدلال بحديث ابن عمر أوجه من غيره، فإن قوله: "حتى ينادي ابن أم مكتوم" يقتضي أنه ينادي حين يطلع الفجر؛ لأنّه لو كان ينادي قبله، لكان كبلال ينادي بليل. وحديث عبد الله بن دينار هذا مجمع على صحته، رواه من أصحابه عنه، ورواه شعبة فاختلف عليه فيه، فرواه يزيد بن هارون عنه على الشك أنَّ بلالًا، كما هو المشهور، أو أن ابن أم مكتوم ينادي بليل "فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال".
ورواه أبو داود الطَّيالسيّ عنه، جازمًا بالأول، ورواه أبو الوليد عنه، جازمًا بالثاني، وكذا أخرجه ابن خُزيمة وابن حَبّان، وابن المنذر، عنه جازمًا بالثاني، عن أنيسة بنت خُبَيْب، قالت:"قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أذّن ابن أم مكتوم، فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال، فلا تأكلوا ولا تشربوا، وإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شيء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحوري". وادعى ابن عبد البرّ وجماعة، أن هذا الحديث مقلوب، ويُبعد ذلك أنه روي عن عائشة عند ابن خُزَيمة من طريقين. وفي بعض ألفاظه ما يبعد
стр. 3784
الوهم، وهو قوله: "إذا أذّن عمرو، فإنه ضرير، فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال، فلا يَطْعَمَنَّ أحدٌ".
وأخرج البَيهقيّ عن عائشة أنها كانت تنكر حديث ابن عمر وتقول: كان بلال يبصر. وقد غلط ابن عمر، وقد جمع ابن خُزَيمة والضُّبَعيّ بين الحديثين بما حاصله أنه يحتمل أن يكون الأذان كان نوبًا بين بلال وابن أم مكتوم، فكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعلم الناس أن أذان الأول منهما لا يحرم على الصائم شيئًا، ولا يدل على دخول الوقت، بخلاف الثاني. وجزم ابن حبَّان بذلك، ولم يبده احتمالًا، وأنكر ذلك عليه الضِّيَاء وغيره. وقيل: لم يكن نوبًا، وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان، فإن بلالًا كان في أول مّا شرع الأذن يؤذن وحده، ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر، وعلى ذلك تحمل رواية عروة، عن امرأة من بني النجار، قالت: "كان بلال يجلس على بيتي، وهو أعلى بيت في المدينة، فهذا رأى الفجر تَمَطّى، ثم أذن، أخرجه أبو داود بإسناد حسن.
وأخرج النّسائيّ بإسناد صحيح عن أنس أن سائلًا سأل عن وقت الصلاة، فأمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بلالًا، فأذن حين طلع الفجر الحديث، ثم أردف بابن أم مكتوم، وكان يؤذن بليل، واستمر بلال على حالته الأولى، وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها. ثم في آخر الأمر أخّر ابن أم مكتوم لضعفه، ووكل به من يراعي الفجر، واستمر أذان بلال بليل، وكان سبب ما روي أنه كان ربما أخطأ الفجر، فأذن قبل طلوعه، وأنه أخطأ مرة، فأمره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يرجع فيقول: "ألا إن العبد نام"، أي: أن غَلَبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود وغيره عن حماد بن سلمة، عن ابن عمر موصولًا مرفوعًا، ورجاله ثقات حفّاظ. قلت: لعل هذا الحديث هو مستند المالكية في وجوب إعادة المؤذن الذي أخطأ في الأذان، فأذن قبل الوقت، الأذانَ بنفسه دون أن يعيده غيره. ولكن اتفق أئمة الحديث: ابن المدينيّ وابن حَنْبَل والبُخاريّ وأبو داود والذُّهليّ والتِّرمذيّ وغيرهم، على أن حمادًا أخطأ في
стр. 3785
رفعه، وأنه تفرد بذلك، وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه، ولكن له شواهد عند البَيْهَقي وعبد الرَّزَّاق والدَّارقطني وغيرهم. فهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا قوة ظاهرة، فلأجل ذلك استقر أن بلالًا يؤذن الأذان الأول.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يوسف، والثاني: مالك، وقد مرّا في الثاني من الوحي، ومرّ عبد الله بن دينار في الثاني من الإيمان، وابن عمر أوله قبل ذكر حديث منه.
ثم قال المصنف:
باب الأذان قبل الفجر
أي ما حكمه؟ هل يشرع أولًا؟ وإذا شرع هل يكتفى به عن إعادة الأذان بعد الفجر أو لا؟ إلى آخر ما مرّ مستوفى في باب "أذان الأعمى" قبل باب.
стр. 3786
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ، أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ، أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ، لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ". وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ.
قوله: "عن أبي عُثمان النَّهديّ"، قال في "الفتح": لم يُرو هذا الحديث عن ابن مسعود إلا من رواية أبي عُثمان عنه، ولم يُرو عن أبي عثمان إلا من رواية التيمي، وله شاهد عند مسلم من حديث سَمُرة بن جُندب. وقوله: "أحدكم أو أحدًا منكم"، شك من الرّاوي، وكلاهما يفيد العموم، وإن اختلفت الحيثية. وقوله: "من سَحوره"، أي: بفتح أوله اسم لما يؤكل في السحر، ويجوز الضم، وهو اسم الفعل. وقوله: "ليرجع قائمكم"، أي: بفتح الياء وكسر الجيم المخففة، يستعمل هكذا لازمًا ومتعديًا. يقال: رجع زيدٌ ورجعتُ زيدًا، ولا يقال في المتعدي بالتثقيل. فمن رواه بالضم أخطأ؛ لأنّه لا يصير من الترجيع، وهو الترديد، وليس مرادًا هنا، فإن معناه يرد القائم، أي: المتهجد إلى راحته، ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطًا، أو تكون له حاجة إلى الصوم فيتسحر، ويوقظ النائم ليتاهب لها بالغسل ونحوه. فقوله: قائمكم ونائمكم، مفعولان.
وقوله: "ليس أن يقول الفجر أو الصبح"، شك من الراوي، والفجر اسم ليس، وخبره أن يقول. وفيه إطلاق القول على الفعل، أي: يظهر. وهذا من
стр. 3787
قول النبي ﵊. وقوله:"وقال بأصابعه ورفعها"، أي: أشار، فهو أيضًا من إطلاق القول على الفعل. وفي رواية الكُشمَيهنيّ "بأُصبعيه، ورفعهما".
وقوله: "إلى فوق"، بضم القاف على البناء، وكذا أسفل لينة المضاف إليه دون لفظه، نحو: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، وقوله: "وطأْطَأَ" بوزن دحرج، أي: خفض أصابعه إلى أسفل. وقال أبو ذر: إلى فوقٍ، بالجر والتنوين، لأنه ظرف متصرف، وبالضم على البناء، وقطعه عن الإضافة. قال في "المصابيح": ظاهره أن قطعه عن الإضافة يختص بحالة البناء على الضم دون حال تنوينه، وقد ذهب إليه البعض ففرق بين جئت قبلًا، وجئت من قبلُ، بأنه أعرب الأول لعدم تضمين الإضافة، ومعناه جئت متقدمًا، وبنى الثاني لتضمنها، ومعناه جئت متقدمًا على كذا، والذي اختاره بعض المحققين أن التنوين عِوض عن المضاف إليه، وأنه لا فرق في المعنى بين ما أعرب من هذه الظروف المقطوعة، وما بُني منها. قال: وهو الحق، وما ذكر هنا إشارة منه ﵊ إلى الفجر الكاذب، المسمى عند العرب بذَنَبِ السرحان، وهو الضوء المستطيل من العلو إلى السفل، وهو من الليل، فلا يدخل فيه وقت الصبح. ويجوز فيه التسحر.
وقوله: "حتى يقول هكذا"، أي: حتى يظهر من إطلاق القول على الفعل كما مر. وقوله: "وقال زهير"، أي: الراوي. وقوله: "بسبابتيه"، أي: اللتين تليان الإبهام، وسميتا بذلك لأنهما يشار بهما عند السب، والمعنى أشار بهما، ففيه أيضًا إطلاق القول على الفعل. وقوله: "ثم مدهما عن يمينه وشماله"، يعني: أنه مد أصبعيه متفرقتين عن يمينه وشماله، أي: إحداهما ذاهبة إلى جهة اليمين، والأخرى ذاهبة إلى جهة الشمال. كأنه جمع بين أصبعيه ثم فرقهما ليحكي صفة الفجر الصادق؛ لأنّه يطلع معترضًا، ثم يعمم الأفق ذاهبًا يمينًا وشمالًا، بخلاف الفجر الكاذب كما مرّ.
وفي رواية الإسماعيليّ: "فإن الفجر ليس هكذا ولا هكذا، ولكن الفجر
стр. 3788
هكذا"، فكأنّ أصل الحديث كان بهذا اللفظ، مقرونًا بالإشارة الدالة على المراد، وبهذا اختلفت عبارة الرواة، وأحصر ما وقع فيها رواية جرير عن سليمان عند مسلم: "لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا".
رجاله خمسة:
الأول: أحمد بن يُونُس، وقد مرّ في التاسع عشر من الإيمان، ومرّ زُهير بن مُعاوية في الثالث والثلاثين منه، ومرّ عبد الله بن مسعود أوله قبل ذكر حديث منه، ومرّ سُليمان بن طَرَخان في التاسع والستين من العلم، ومرّ أبو عثمان النَّهديّ في الخامس من كتاب المواقيت.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في ثلاثة، والقول في موضعين، وأحد الرواة من المُخَضرمين، وهو أبو عثمان، ورواية تابعي عن تابعي، والأولان من الرواة كوفيّان، والاثنان الأخران بصريّان. أخرجه البخاريّ هنا وفي الطلاق، وفي خبر الواحد، ومسلم وأبو داود والنَّسائيّ في الصوم، وابن ماجه في الصلاة.
стр. 3789
الحديث العشرون
حَدَّثَنَي إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ".
قوله: "قال عبيد الله، حدثنا عن ابن القاسم"، فاعل قال أبو أسامة، وعُبيد الله هو الذي حدث أبا أسامة، والتقدير حدث أبا أسامة، والتقدير: قال أبو أسامة: حدَّثنا عُبيد الله. وقوله: "وعن نافع"، معطوف على عن القاسم بن محمد، والحاصل أنه أخرج الحديث عن عُبيد الله بن عمر من وجهين: الأول ذكر فيه إسنادين: نافع عن ابن عمر، والقاسم عن عائشة. وأما الثاني: فاقتصر فيه على الإسناد الثاني. وقوله: "حتى يؤذن"، في رواية الكُشمَيْهنيّ: "حتى ينادي"، وقد أورده في الصيام بلفظ: "يؤذن"، وزاد في آخره: "فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"، قال القاسم: لم يكن بين أذانيهما إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا. وفي هذا تقييد لما أطلق في الروايات الأخرى من قوله: "إن بلالًا يؤذن بليل"، ولا يقال إنه مرسل، إلى آخر ما مرّ مستوفى في باب "أذان الأعمى".
رجاله تسعة:
الأول: إسحاق، غير منسوب، يحتمل ابن راهَوَيه، أو ابن منصور، أو ابن نصر، وقد مرت الثلاثة هي وأبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، وعُبيد الله بن عبد الله بن عمر العمريّ في الرابع عشر من الوضوء ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرّ القاسم بن محمد في الحادي عشر من الغسل، ومرّ
стр. 3790
يوسف بن عيسى والفضل بن موسى في السادس والعشرين منه، ومرّت عائشة في الثاني من الوحي، ومرّ عبد الله بن عمر أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
فيه العنعنة في سبعة مواضع، والقول في أربعة، والتحديث بصيغة الجمع في ثلاثة، وفيه جاء التحويل. وقد مرَّ في الرابع من بدء الوحي.
ثم قال المصنف:
باب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر إقامة الصلاة
باب بلا تنوين، أو به، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب. وكم استفهامية، ومميزها محذوف، وتقديره ساعة أو صلاة أو نحو ذلك. ولعله أشار بذلك إلى ما أخرجه التِّرمذيّ والحاكم بإسناد ضعيف عن جابر: "أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لبلال: اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتضر إذا دخل لقضاء حاجته"، وله شاهد من حديث أبي هُريرة، ومن حديث سُليمان أخرجهما أبو الشيخ، ومن حديث أبيّ بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وكلها واهيةٌ، فكأنّه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت.
وقال ابن بطّال: لا حدّ لذلك غير تمكن دخول الوقت، واجتماع المصلين. ونَصَّت الحنَفية على أن الوصل بين الأذان والإقامة مكروه؛ لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت، ليتأهبوا للصلاة بالطهارة، فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة. وبالوصل ينتفي هذا المقصود، واختلفوا في حد الفصل، فقيل: يقعد المؤذن مقدار ركعتين أو أربع أو مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه والحاقن من قضاء حاجته. وقيل: مقدار ما يقرأ عشر آيات، ثم يثوِّب، ثم يقيم.
وللطحاويّ: يفصل بينهما مقدار ركعتين، يقرأ في كل ركعة نحوًا من عشر
стр. 3791
آيات، وينتظر المؤذن الناسَ، ويقيم للضعيف المستعجل، ولا ينتظر رئيس المحلة وكبيرها، وهذا كله إلا في غير صلاة المغرب عند أبي حنيفة؛ لأن تأخيرها مكروه، فيكتفي بأدنى الفصل، وهو سكتة يسكت قائمًا، ثم يقيم، ومقدار السكتة عنده قدر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة. وروى عنه: "ما يخطو ثلاث خطوات"، وقال أبو يوسف ومحمد: يفصل بينهما بجلسة خفيفةٍ، مقدار الجلسة بين الخطبتين. ومذهب الشافعيّ: قال النوويّ: يستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها فصلًا يسيرًا بقعدة أو سكوت أو نحوهما، ولم يختلف العلماء في التطوع بين الأذان والإقامة إلا في المغرب، كما سيأتي قريبًا. وقوله: "ومن ينتظر إقامة الصلاة" للكُشميهنيّ، وصوب عدمها؛ لأنها لفظ ترجمة تالية لهذه، ولذا ضرب عليها في فرع اليونينية.
стр. 3792
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ -ثَلاَثًا- لِمَنْ شَاءَ".
قوله: "بين كل أذانين"، أي: أذان وإقامة، ولا يصح حمله على ظاهره، لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة، والخبر ناطق بالتخيير، لقوله: "لمن شاء". وأجرى المصنف مجرى البيان للخبر، لجزمه بأن ذلك المراد، ويمكن حمله على ظاهره، بأن يكون التقدير بين كل أذانين صلاة نافلة غير المفروضة، وقد توارد الشُّرَّاح على أن هذا من باب التغليب، كقولهم: القمران للشمس والقمر، ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة الأذان؛ لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت.
وقوله: "صلاة"، أي: وقت صلاة، أو المراد نافلة، ونُكِّرت لكونها تتناول كل عدد نواه المصلي من النافلة، كركعتين أو أربع أو أكثر، ويحتمل أن يكون المراد به الحث على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان، لانتظار الإقامة، لأن منتظر الصلاة في صلاة. وقوله: "ثلاثًا"، أي: قالها ثلاثًا، وسيأتي بعد باب "بين كل أذانين صلاة". ثم قال في الثالثة: لمن شاء، وهذا يبين أنه لم يقل لمن شاء إلا في المرة الثالثة، بخلاف ما يشعر به ظاهر رواية الباب من أنه قيد كل مرة بقوله: "لمن شاء". ولمسلم والإسماعيلي قال في الرابعة: "لمن شاء". وكأن المراد بالرابعة في هذه الرواية المرة الرابعة، أي: أنه اقتصر فيها على قوله: "لمن شاء"، فأطلق عليها رابعة، باعتبار مطلق القول، وبهذا توافق رواية البخاري، وقد مر في العلم حديث أنس "أنه ﵊ كان
стр. 3793
إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا"، وكأنه قال هنا: بعد الثلاث لمن شاء، ليدل على أن التكرار لتأكيد إلاستحباب.
وقال ابن الجَوزي: فائدة هذا الحديث أنه يجوز أن يتوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أذن لها، فبين أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز. وقد وقع في رواية أحمد: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت. وهذه أخص من الرواية المشهورة "إلا المكتوبة".
رجاله خمسة:
الأول: إسحاق بن شاهين، وقد مرّ في الرابع عشر من الحيض، ويحتمل أن يكون إسحاق بن وهب العَلّاف، أبو يعقوب الواسطيّ. قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال: كان هو والمدائنيّ جميعًا علّافَين صدوقَين. روى عن عمر بن يونس اليمامي، ويعقوب بن محمد الزُّهريّ وغيرهم. وروى عنه البُخاريّ وابن ماجه وأبو زُرعة وأبو حاتم وابنه عبد الرحمن، وبنته فاطمة.
والثاني: خالد بن عبد الرحمن، وقد مرّ في السادس والخمسين من الوضوء.
الثالث: سعيد بن إياس الجُريريّ، بالضم، أبو مسعود البصريّ. قال أبو طالب عن أحمد: كان محدث أهل البصرة. وقال أبو حاتم: تغير قبل موته، فمن كتب عنه قديمًا فسماعه صالح. وقال ابن أبي عَديّ: سمعنا منه بعدما تغير. وقال يحيى بن سعيد القَطان، عن كَهْمَس: أنكرنا الجُريريّ أيام الطاعون. وقال ابن حبان: اختلط قبل موته بثلاث سنين، ولم يفحش اختلاطه. قال ابن حجر: اتفقوا على ثقته حتى قال النّسائي: هو أثبت من خالد الحذّاء. وقال العِجليّ: بصريٌّ ثقة. وقال أيضًا: عبد الأعلى من أصحهم عنه حديثًا، سمع منه قبل أن يختلط بثمان سنين، وما أخرج البخاريّ من حديثه إلا عن عبد
стр. 3794
الأعلى وعبد الوارث وبشر بن المفضّل، وهؤلاء سمعوا منه قبل الاختلاط.
وأخرج له البخاريّ أيضًا من رواية خالد الواسطيّ عنه، ولم يتحرر لي أمره إلى الآن، هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده؟ لكن بمتابعة بشر بن المفضل كلاهما عنه عن أبي بَكْرة، عن أبيه. وروى له الباقون. وروى عن أبي الطُّفَيل وأبي عُثمان النَّهديّ وعبد الرحمن بن أبي بَكرهَ وعبد الله بن بُريدة وغيرهم. وروى عنه بشر بن المفضل وابن عُليّة والحمّادان وشعبة والثَّوريّ وابن المبارك ويزيد بن زُرَيع وغيرهم. مات سنة أربع وأربعين ومئة، وليس في الستة سعيد بن إياس سواه، ومرَّ عبد الله بن بُريدة في الخامس والثلاثين من الحيض، وعبد الله بن مغفل في الأربعين من المواقيت.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والقول في موضع، والراويان الأولان واسطيان، والاثنان بصريان، وشيخ البخاريّ من أفراده. أخرجه البخاريّ هنا وفي الصلاة أيضًا، ومسلم وأبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه فيها.
стр. 3795
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ.
قوله: "كان المؤذن إذا أذَّن"، في رواية الإسماعيليّ: "إذا أخذ المُؤذِّن في أذان المغرب"، وقوله: "قام ناسٌ" في رواية النّسائيّ: "قام كبار أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، وكذلك تقدم للمؤلف في أبواب ستر العورة. وقوله: "يبتدرون"، أي: يستبقون والسَّوَاري جمع سارية، وكان غرضهم بالاستباق إليها للاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى. وقوله: "وهم كذلك"، أي: في تلك الحال. زاد مسلم عن أنس: "فيجيء الغريب فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها".
وقوله: "ولم يكن بينهما"، أي: الأذان والإقامة. وقوله: شيء، التنوين فيه للتعظيم، ونفي الكثير لا يستلزم نفي القليل. وبهذا يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة، بل هي مبينة لها لأن نفي الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرجها الإسماعيليّ موصولة عن عُثمان بن عمر، عن شعبة، بلفظ: "وكان بين الأذان والإقامة قريب"، ولمحمد بن نصر عن أبي عامر، عن شُعبة نحوه. وقال ابن المُنير: يُجمع بين الروايتين بحمل الغني المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات للقليل على الحقيقة، وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره. فقال: دل قوله: "ولم يكن بينهما شيء" على
стр. 3796
أنَّ عموم قوله: "بين كل أذانين صلاة" مخصوص بغير المغرب، فإنهم لم يكونوا يصلّون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان، ويفرغون مع فراغه. قال: ويؤيد هذا ما رواه البَزَّار عن حَبّان بن عُبيد الله، بفتح المهملة والتحتانية مشددة، عن بُريدة مثل الحديث الأول، أي: حديث ابن مُغفَّل، وزاد في آخره: إلا المغرب.
وفي قوله: "يفرغون مع فراغه"، نظر لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك، قاله في "الفتح". قلت: ظاهره أن شروعهم في أثناء الأذان في الحديث، وليس كذلك، بل هو جمع من بعض العلماء كما مر. وأما رواية حَيّان فشَاذّة؛ لأنّه وإن كان صَدوقًا عند البَزّار وغيره، فقد خالف الحفاظ من أصحاب ابن بُريدة في إسناد الحديث ومتنه. وعند الإسماعيليّ: "وكان بُريدةُ يُصلِّي ركعتين قبل صلاة المغرب"، فلو كان الاستثناء محفوظًا لم يخالف فيه بُريدة روايته.
وقد نقل ابن الجَوزِيّ في الموضوعات عن الفَلَّاس أنه كذب حيّانَ المذكور. وقال القُرطبيُّ وغيره: ظاهر حديث أنس أن صلاة الركعتين بعد المغرب قبل صلاة المغرب، كان أمرًا قرر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه عليه، وعملوا به حتى كانوا يستبقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب، وكان أصلُه قوله ﵊: "بين كل أذانين صلاة"، وأما كونه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يصلهما، فلا ينفي الاستحباب، بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب. وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث، وذهب مالك والشافعي في الشهور عنهما وأبو حنيفة إلى عدم استحبابها، بل عند المالكية مكروهتان تنزيهًا، وعن مالك قول باستحبابها، وكذا عند الشافعية وجه رجّحه النَّوويّ ومن تبعه.
وقال في شرح مسلم: قول من قال إن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها خيال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. قال في "الفتح": مجموع الأدلة يدل على استحباب تخفيفهما
стр. 3797
كما في ركعتي الفجر، قيل: الحكمة في الندب إليهما رجاء إجابة الدعاء، لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر. وادعى بعض المالكية نسخهما، فقال: إنما كان ذلك في أول الأمر، حيث نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فَبَيّن لهم بذلك وقت الجواز، ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها، لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها. وتعقب هذا بأن دعوى النسخ لا دليل عليها.
قلت: دليل النسخ ما رواه أبو داود عن ابن عمر، قال: ما رأيت أحدًا يصليهما على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأي دليل فوق هذا؟ فكيف تكون الصحابة داومت عليهما إلى موته ﵊، ولم يري ابن عمر أحدًا يصليهما؟ وهو قد بلغ في الأحزاب، وما رواه محمد بن نصر وغيره عن إبراهيم النَّخعيّ أن الخلفاء الأربعة كانوا لا يصلونهما، وهذا هو أقوى دليل على النسخ عند مالك. قال: لأن الخلفاء هم أعلم الناس بآخر فعله ﵊، فكانوا يتبعون الأحدث من فعله فالأحدث، فهذا دالٌّ على أنه لم يفعلهما، أو أن كان فعلهما تركهما أخيرًا.
وقول صاحب "الفتح" فيما مرّ عنه: إن عدم فعله ﵊ لهما لا ينافي الاستحباب، فيه نظر، فإنه شافعي، والمستحب عند الشافعية ما فعله صلى الله تعالى عليه وسلم من غير مداومة، والمستحب عندنا معاشر المالكية مرادف للندب، وهو ما أمر به أمرًا غير جازم، أو أعلم صلى الله تعالى عليه وسلم فيه بالثواب، ولم يثبت حديث فيه الأمر بهاتين الركعتين، والإخبار بثوابهما. وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي موسى وغيرهم أنهم كانوا يواظبون عليهما، ويأتي في أبواب التطوع أن عقبة بن عامر سُئل عن الركعتين قبل المغرب، فقال: كنا نفعلهما على عهد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، قيل له: فما منعك الآن؟ قال: الشغل.
стр. 3798
وقال أبو بكر بن العربيّ: اختلف فيها الصحابة، ولم يفعلها أحد بعدهم، وخالف هذا محمد بن نصر، فقال: رَوَيْنا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب، ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن بُريدة ويحيى بن عقيل والأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير وعِراك بن مالك، ومن طريق الحسين أنه سُئل عنهما، فقال: حَسَنَتين والله لمن أراد بهما. وعن سعيد بن المُسيَّب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين، ولكن هذا لفظ عام لا يستدل به لهاتين الركعتين؛ لأن الخلاف الحاصل في استثنائهما وعدمه.
قلت: يمكن أن يجاب عما قاله ابن العربيّ بأنه لم يثبت عنده ما نقله محمد بن نصر، ومطابقة حديث أنس هذا للترجمة من جهة الإشارة إلى أن الصحابة إذا كانوا يبتدرون إلى الركعتين قبل صلاة المغرب مع قصر وقتها، فالمبادرة إلى التنفل قبل غيرها من الصلوات تقع من باب الأولى، ولا يتقيد بركعتين إلا ما ضاهى المغرب في قصر الوقت، كالصبح. قلت: الصبح وقته ليس بضيق، بل هو من أوسع الأوقات.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن بشّار، وقد مرّ في الحادي عشر من العلم، ومرّ غُندر في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرّ شُعبة في الثالث منه، ومرّ أنس في السادس منه، ومرّ عمرو بن عامر في الثامن والسبعين من الوضوء.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في موضع، والسماع والقول في أربعة، ورواته ما بين مدنى وبَصْريّ وواسطيِّ. أخرجه البُخاريّ في الصلاة أيضًا، والنَّسائيّ فيها.
ثم قال: قال: وقال عثمان بن جبلة وأبو داود، عن شُعبة: لم يكن بينهما إلا قليل. قال ابن حجر: لم تتصل لنا رواية عثمان بن جَبَلَةَ ولا رواية أبي داود، وزعم مُغَلْطاي أن الإسماعيليّ وصلها في مستخرجه، وليس كذلك، وإنما
стр. 3799
أخرجه الإسماعيليّ من رواية عثمان بن عمر، كما مرّ، ورجال التعليق ثلاثة:
الأول: عثمان بن جبلة، وقد مرّ في الرابع والمئة من الوضوء.
الثاني: أبو داود، يحتمل أن يكون الطَّيالسيّ، ويحتمل أن يكون الحَفَريّ، ولابد من تعريف ذين.
فالأول: سُليمانُ بن داود بن الجارود أبو بكر الطَّيالسيّ البصريّ الحافظ، فارسيّ الأصل. قال ابن مَعين: هو مولى لآل الزُّبير، وأمه فارسية. قال عمرو بن علي الفَلّاس: ما رأيت في المحدثين أحفظ من أبي داود، سمعته يقول: أسرد ثلاثين ألف حديث ولا فخر، وهو ثقة. وقال ابن المَدِينيّ: ما رأيت أحفظ منه. وقال عمر بن شَبّة: كتبوا عن أبي داود بأصبهان أربعين ألف حديث عن أبي داود، وليس معه كتاب. وقال بندار: ما يكتب على أحد من المحدثين ما يكتب عليه، لما كان من حفظه ومعرفته وحسن مذاكرته.
وقال ابن مَهْدي: أبو داود أصدق الناس، وقال النعمان بن عبد السلام: ثقة مأمون، وقال أبو مسعود الرازيّ: ما رأيت أحدًا أكثر في شعبة منه. قال: وسألت أحمد عنه، فقال: ثقة صَدوق. فقلت: إنه يخطىء. فقال: يحتمل له. وقال النَّسائيّ: ثقة من أصدق الناس لهجة. وقال وكيع: أبو داود جبل العلم، وقال العجليّ: بصريّ ثقة. وكان كثير الحفظ، رحلت إليه فأصبته قد مات قبل قدومي بيوم، وكان قد شرب البلاذُر هو وعبد الرحمن بن مهدي، فجَذِمَ هو، وبَرِصَ عبد الرحمن، فحفظ أبو داود أربعين ألفًا، وحفظ عبد الرحمن عشرة آلاف حديث. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن مَعين: أبو داود أحب إليك في شُعبة، أو حرميّ؟ فقال: أبو داود صدوق، وأبو داود أحبّ إليّ. قلت: فأبو داود أحب إليك أو عبد الرحمن بن مهدي؟ قال: أبو داود أعلم به. قال عثمان: عبد الرحمن أحب إلينا في كل شيء، وأبو داود أكثر رواية عن شُعبة. وقال وكيع أيضًا: ما بقي أحفظ لحديث طويلٍ من أبي داود.
وذكر يونُس بن حَبيب الزبيري أن أبا داود ذاكرهم بحضرة شُعبة، فقال شُعبة
стр. 3800
له: يا أبا داود، لا نجيء بأحسن مما جئت به. وقال الخطيب: كان حافظًا متقنًا ثبتًا. وقال يونس بن حبيب: قدم علينا أبو داود، وأملى علينا من حفظه مئة ألف حديث، أخطأ في سبعين موضعاً، فلما رجع إلى البصرة كتب الينا بأني أخطأت في سبعين موضعًا، فأصلحوها. وقال عامر بن إبراهيم الأصبهانيّ: سمعت أبا داود قال: كتبت عن ألف شيخ. وقال سليمان بن حرب: كان شُعْبَة إذا قام أملى عليهم أبو داود ما مر لشُعبة. وقال أحمد بن سعيد الدَّارميّ: سألت أحمد بن حنبل عن من يكتب حديث شُعبة، قال: كلنا نقول: وأبو داود حتى يكتب عن أبي داود، ثم عن وهب، أما أبو داود فللسماع، وأما وهب فللإتقان.
وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم: قيل أن أبا داود كان محله أن يذكر شُعبة. قال عبد الرحمن: وسمعت أبي يقول: أبو داود محدث صدوق، كان كثير الخطأ، وهو أحفظ من أبي. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما غلط. وقال إبراهيم الجَوْهريّ: أخطأ أبو داود في ألف حديث. وقال ابن عديّ: قال محمد بن المنهال الضَّرير: قلت لأبي داود صاحب الطيالسة يومًا: سمعت من ابن عون شيئًا، قال: فتركته سنة، وكنت أتهمه بشيء قبل ذلك، حتى ينسى ما قال، فلما كان سنة قلت له: يا أبا داود، سمعت من ابن عون شيئًا؟ قال: نعم، قلت: كم؟ قال: عشرون حديثًا ونيف. قلت: عدّها عليّ، فعدّها كلها، فإذا هي أحاديث يَزيد بن زُرَيع ما خلا واحدًا له ما أعرفه. قال ابن عَديّ، وأبو داود الطَّيالسيّ في زمانه كان أحفظ من بالبصرة، مقدمًا على أقرانه لحفظه ومعرفته، وما أدري لأي معنى قال فيه ابن المنهال ما قال، وهو كما قال عمرو بن عليّ: ثقة، وإذا جاوزت في أصحاب شُعبة مُعاذ بن مُعاذ وخالد بن الحارث ويحيى القطّان وغندر، فأبو داود خامسهم.
وله أحاديث يرفعها، وليس بعجب من يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطىء في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنّما أتى ذلك من حفظه. وأما أبو داود عندي وعند غيري إلا متيقظًا ثبتًا. روى عن أيمن بن نابل وإبراهيم بن سعد وشُعبة والثَّوريّ وزُهير بن
стр. 3801
معاوية وشَيْبان النَّحويّ وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل وابن المَدِينيّ وعمرو بن علي الفَلّاس وبندار. وروى عنه جرير بن عبد الحميد الرّازيّ، وهو من شيوخه. مات بالبصرة سنة ثلاث أو أربع ومئتين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة لم يستكملها. ذكر المزيّ أن البخاري استشهد به، وهو كما قال. ولكن وقع في الجامع في تفسير سورة المدَّثِّر: حدثنا محمد بن بشّار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي وغيره، قالا: حدثنا حرب بن شداد، فذكر حديثًا، والمكنى عنه في هذا الحديث هو أبو داود الطَّيالسيّ، بيّنه أبو عَروبة الحَرّاني.
الثاني المحتمل: عمر بن سعد بن عبيد أبو داود الحَفَري، بالتحريك نسبة إلى حَفَر، موضع بالكوفة. قال ابن مَعين: ثقة، وقدمه على قَبيصة وأبي أحمد ومحمد بن يوسف في حديث سُفيان. وقال وكيع: إن كان يدفع بأحد في زماننا فبأبي داود. وقال ابن المَدينيّ: لا أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد منه. وقال أبو حاتم: صدوق، كان رجلًا صالحًا. وقال أبو داود: كان جليلًا جدًا. وقال ابن سَعْد: كان ناسكًا زاهدًا، له فضل وتواضع. وقال ابن حِبَّان في "الثقات": كان من العباد الخُنّس. وقال عثمان بن أبي شيبة: كنا عنده في غرفته وهو يملي، فلما فرغ قلت له: أترب الكتاب؟ قال: لا، الغرفة بالكراء.
وقال العجلىّ: كان رجلًا صالحًا متعبدًا، حافظًا لحديثه، ثبتًا. وكان فقيرًا متعففًا، والذي يظهر له من الحديث ثلاثة آلاف أو نحوها. وكان أبو نُعيم يأتيه ويعظمه، وكان لا يتم الكلام من شدة توقّيه، ولم يكن بالكوفة بعد حُسين الجعفيّ أفضل منه. وقال ابن وضّاح: كان أبو داود أزهد أهل الكوفة. قال: وسمعت محمد بن مَسعود يقول: هو أحب إليَّ من حُسين الجُعفيّ، وكلاهما ثقة. روى عن الثَّوريّ ومِسعَر ومالك بن مغول وهشام بن سعد وشريك وغيرهم. وروى عنه أحمد وإسحاق بن راهويه وعليّ بن المَدينيّ وهارون الحَمّال وخلق. مات بالكوفة في جمادى الأولى سنة ثلاث ومئتين.
والثالث: شعبة، وقد مرّ في الثالث من الإيمان.
стр. 3802
ثم قال المصنف:
باب من انتظر الإقامة
موضع الترجمة من الحديث قوله: "ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن"، وأوردها مورد الاحتمال تنبيهًا على اختصاص ذلك بالإمام؛ لأن المأموم مندوب إلى إحراز الصف الأول، ويحتمل أن يشارك الإِمام في ذلك من كان منزله قريبًا من المسجد، وقيل: يستفاد من حديث الباب أن الذي ورد من الحض على الاستباق إلى المسجد هو لمن كان على مسافة من المسجد، وأما من كان يسمع الإِقامة من داره، فانتظاره للصلاة إذا كان متهيئًا لها كانتظاره إياها في المسجد. وفي مقصود الترجمة أيضًا أخرجه مسلم عن جابر بن سمُرة، قال: كان بلال يؤذن، ثم لا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
стр. 3803
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلاَةِ الْفَجْرِ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ.
قوله: "إذا سكت المؤذن"، أي: فرغ من الأذان بالسكوت عنه، بالمثناة الفوقية في الروايات المعتمدة، وحكى ابن التّين أنه رُوي بالموحدة، ومعناه صب الأذان وأفرغه في الأذان، ومنه أفرغ في أذني كلامًا حسنًا. والرواية المذكورة لم تثبت في شيء من الطرق، وإنما ذكرها الخَطّابيّ عن الأوزاعيّ، عن الزُّهريّ. وقال: إن سُويد بن نَصر، راويها عن ابن المبارك، عنه، ضبطها بالموحدة. وأفرط الصَّغانيّ فجزم بأنها الموحدة. وقال: إن المحدثين يقولونها بالمثناة، وأنها تصحيف. وقوله: "بالأولى"، أي: عن الأولى، فالباء بمعنى عن، كقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، أي: عنه، وهي متعلقة بسكت. يقال: سكت عن كذا إذا تركه، والمَراد بَالأولى الأذان الذي يؤذن به عند دخول الوقت، وهو أول باعتبار الإقامة، وثان باعتبار الأذان الذي قبل الفجر. وجاءه التأنيث إما من قبل مواخاته للإقامة، أو لأنه أراد المناداة أو الدعوة التامة. ويحتمل أن يكون صفة لمحذوف، والتقدير إذا سكت عن المرة الأولى أو في المرة الأولى. وقد أخرج البَيهقيّ "أن النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يخرج بعد النداء إلى المسجد، فإن رأى أهل المسجد قليلًا جلس حتى يجتمعوا، ثم يصلي"، وإسناده قوي مع إرساله، وليس بينه وبيّن حديث الباب تعارض؛ لأنه يحمل على غير الصبح، أو كان يفعل ذلك بعد أن يأتيه المؤذن، ويخرج معه إلى المسجد.
стр. 3804
وقوله: "فركع ركعتين خفيفتين"، مرّ البحث فيه مستوفى عند حديث حَفصة في باب "الأذان بعد الفجر". وقوله: "يَسْتَبِين"، أي؛ بموحدة، وآخره نون، وفي رواية: "يستنير" بنون، وآخره راء. وقوله: "اضطجع على شقِّه الأيمن" بكسر الشين المعجمة، قيل: الحكمة في تخصيص الأيمن أن القلب في جهة اليسار، فلو اضطجع عليه لاستغرق نومًا، لكونه أبلغ في الراحة، بخلاف اليمين، فيكون القلب معلقًا فلا يستغرق، وأيضًا يكون انحدار المثقل إلى سفل أسهل وأكثر، فيكون سببًا لدغدغة قضاء الحاجة، فينبه أسرع. وهذا في حقه ﵊ غير محتاج إليه؛ لأن قلبه لا ينام، ولا يكثر من الطعام، وإنما يفعله لأجل التعليم لأمته، وكان يحب التيامن في كل شيء، والنوم على اليمين نوم الصالحين، وعلى اليسار نوم الحكماء، وعلى الظهر نوم الجبارين، وعلى الوجه نوم الكفار.
وفائدة هذه الضجعة الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للمتهجد، وبه جزم ابن العربيّ، ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق أن عائشة كانت تقول: "إن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يضطجع لِسِنة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح"، وفي إسناده راوٍ لم يسم، وقيل: إن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص. ومن ثَمّ قال الشافعي: تتأدى السُّنة بكل ما يحصل به الفصل من مشي وكلام وغيره. وقال النوويّ: المختار أنه سنة لظاهر حديث أبي هريرة. وقد قال أبو هريرة، راوي الحديث: إن الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي، وعنى بحديثي أبي هُريرة ما أخرجه أبو داود والتِّرمذيّ بإسناد صحيح على شرط الشيخين، أنه قال: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه".
وأفرط ابن حزم فقال: يجب على كل واحد، وجعله شرطًا لصحة صلاة الصبح، ورد عليه العلماء حتى طعن بعضهم في صحة الحديث، والحق أنه تقوم به الحجة، ولكنه محمول على الاستحباب لما ورد في الأحاديث
стр. 3805
الصحاح، من أنه ﵊ لم يداوم عليها، ومن ذهب إلى أن المراد به الفصل لا يتقيد بالأيمن، ومن قيد بالأيمن قال: يختص ذلك بالقادر، وأما غيره فهل يسقط الطلب أو يومىء بالاضطجاع، أو يضطجع على الأيسر؟ وقال ابن حزم: يومىء ولا يضطجع على الأيسر، ولم ينقل عن غيره، وذهب بعض السلف إلى استحببها في البيت دون المسجد، وهو محكى عن ابن عمر، وقوّاه بعض الشيوخ بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه فعله في المسجد، وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شَيبة.
ونقل عياض أن الاضطجاع على اليمين عند مالك، وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة بدعة مكروهة، ولكن محل كراهته عند مالك إذا فعله على وجه السُّنِّة لا على وجه الاستراحة، ويدل لمالك ومن معه ما مرّ عن عائشة عند ابن أبي شَيبة، وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يُصلي بالليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين، فهذا الاضطجاع كان بعد صلاة الليل، وقبل ركعتي الفجر، ولم يقل أحد إن الاضطجاع قبلهما سنة، فكذا بعدهما.
وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، كما عند البخاريّ، أنها قالت: "إن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع"، فهذا يدل على أنه ليس بسنة، وأنه تارة كان يضطجع قبل، وتارة بعد، وتارة لا يضطجع. وقد أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود إنكار الاضطجاع، وأخرج أيضًا عن إبراهيم النخعيّ أنها ضجعة الشيطان. وما أجاب به القائل بسنيتها من أنهما لم يبلغهما الأمر بفعله بعيد جدًا في ابن مسعود؛ لأنّه صاحب السواد. وقد مرّ عن ابن عمر حصبه لفاعلها في المسجد. وروي عنه أنه بدعة. وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا عن الحسين أنه كان لا يعجبه الاضطجاع.
стр. 3806
رجاله خمسة:
الأول: أبو اليمان، والثاني: شُعيب، وقد مرّ في السابع من الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرّ عُروة وعائشة في الثاني منه.
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة والقول في موضعين، ورواته حُمصيان ومدنيُّون. أخرجه البخاريّ هنا، والنَّسائيّ في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء
ترجم لهذا الحديث قبل باب بقوله: كم بين الأذان والإقامة؟ فترجم هنا بلفظ الحديث، وترجم هناك ببعض ما دل عليه.
стр. 3807
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ"، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: "لِمَنْ شَاءَ".
هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى عند ذكره في الترجمة المذكورة الآن.
رجاله أربعة:
الأول: عبد الله بن يزيد العدويّ، مولى آل عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن المُقري، القصير. أصله من ناحية البَصرة. وقيل: من ناحية الأهواز، سكن مكة. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النَّسائيّ: ثقة، وقال الخَليليّ: ثقة، حديثه عن الثقات يحتج به، وينفرد بأحاديث. وقال محمد بن عبد الله بن يزيد المُقْرِي: كان ابن المُبارك إذا سُئل عن أبي، قال: زِر زده، يعني ذهبًا مضروبًا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال ابن قانع: مكي ثقة، وقال محمد بن عاصم الأصبهاني: سمعت المقري يقول: أنا ما بين التسعين إلى المئة. وأقرأت القرآن بالبصرة ستًا وثلاثين سنة، وهاهنا بمكة خمسًا وثلاثين سنة، وذكر أبو العرب الحافظ أن ابن وهب روى عنه مع تقدمه، فلئن كان كذلك فبين وفاته ووفاة بشر بن موسى نيف وتسعون سنة. وفي "الزُّهرة" روى عنه البخاريّ اثني عشر حديثًا روى عن كَهْمَس بن الحسين وموسى بن علي بن رباح وأبي حنيفة وابن عون والليث وشعبة وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له الباقون بواسطة، وإسحاق بن راهَوَيه وعلي بن المدينيّ وأبو خَيْثمة وأبو بكر بن أبي شيبة وغيرهم. مات بمكة سنة ثلاث عشرة ومئتين.
стр. 3808
والثاني: كَهْمس بن الحسين التَّيميّ، أبو الحَسَنُ البصريّ. وقال أحمد وابن معين وأبو داود وابن سعد: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبَّان في "الثقات". وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة. وقال السّاجيّ: صدوق يهم، ونقل أن ابن مُعين ضَعَّفه وتبعه الأزديّ في نقل ذلك. قال ابن حجر: أخرج له البخاريّ أحاديث يسيرة من روايته عن عبد الله بن بُريدة فقط. واحتج به الباقون. روى عن أبي الطُّفيل، وعبد الله بن بُريدة وسَيّار بن منظور وغيرهم. وروى عنه ابنه عَوْن والقَطّان وابن المبارك ووكيع ومُعتَمر بن سُليمان وغيرهم. مات سنة تسع وأربعين ومئة، وفي الستة كهمس بن المنهال السدوسيّ.
الثالث: عبد الله بن بُريدة، وقد مرّ في الخامس والثلاثين من الحيض، ومرّ عبد الله بن مُغفَّل في الأربعين من المواقيت.
ثم قال المصنف:
باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد
كان يشير إلى ما رواه عبد الرَّزَّاق، بإسناد صحيح، أن ابن عمر كان يؤذن للصبح أذانين، وهذا مصير منه إلى التسوية بين الحضر والسفر، وظاهر حديث الباب أن الأذان في السفر لا يتكرر؛ لأنه لم يفرق بين الصبح وغيرها، وقد قيل: لا مفهوم لقوله: مؤذن واحد في السفر؛ لأن الحضر أيضًا لا يؤذن فيه إلا واحد، ولو احتيج إلى تعددهم لتباعد أقطار البلد أذّن كل واحد في جهة، ولا يؤذنون جميعًا. وقد قال الشافعيّ في "الأم": واجب إلى أن يؤذن مؤذن بعد مؤذن، ولا يؤذن جماعة معًا، وإن كان مسجدًا كبيرًا، فلا بأس أن يؤذن في كل جهة منه مؤذن، يسمع من يليه في وقت واحد. وقد مرّ الكلام على هذا في باب "أذان الأعمى" بأزيد من هذا.
стр. 3809
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: "ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ".
قوله: "في نفر"، هم من ثلاثة إلى عشرة. وقوله: "من قومي"، هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كِنانة، وكان قدوم وفد بني لَيْثٍ فيما ذكره ابن سعد بأسانيد متعددة، أن واثلة الليثي قدم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يتجهز لتبوك. وقوله: "رفيقًا"، من الرِّفق، وفي رواية الأَصيليّ: قيل: والكُشميهنيّ بقافين، أي: رقيق القلب. وقوله: "وصلوا"، في الرواية التي في الباب بعده زيادة: "كما رأيتموني أصلي"، ويأتي الكلام هناك عليها.
وقوله: "هذا حضرت الصلاة"، وجه مطابقته للترجمة، مع أن ظاهره يخالفها، لقوله: "فكونوا فيهم، وعلموهم، فإذا حضرت"، فظاهره أن ذلك بعد وصولهم إلى أهلهم وتعليمهم، لكن المصنف أشار إلى الرواية التي في الباب بعده، فإن فيها: "فإذا أنتما خرجتما فأذِّنا"، ولا تعارض بينهما أيضًا وبين قوله في هذه الترجمة: "مؤذن واحد"؛ لأن المراد بقوله: "أذّنا"، أي: من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل كما يأتي تقريره، ولا يعتبر في الأذان السن، بخلاف الإمامة، وهو واضح من سياق حديث الباب، حيث قال: "فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم"، واستدل بهذا على أفضلية الإقامة على الأذان، وعلى وجوب الأذان. وقد مرّ الكلام على هذا في أوائل الأذان.
стр. 3810
رجاله خمسة:
الأول: مُعَلَّى بن أسد، وقد مرّ في الرابع والثلاثين من الحيض، ومرّ وهيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرّ أيوب السَّختيانيّ وأبو قَلابة في التاسع من الإيمان، ومرّ مالك بن الحُويرث في باب تحريض وفد عبد القيس، بعد الثامن والعشرين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع، والعنعنة في ثلاثة، والقول في موضعين، ورواته كلهم بصريُّون. وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ على قول من قال إن أيوب رأى أنَس بن مالك. أخرجه البُخاريّ هنا، وفي الصلاة، وفي خبر الواحد، وفي الأدب والجهاد. ومسلم وأبو داو والتِّرمذيّ والنَّسائيّ وابن ماجه في الصلاة.
ثم قال المصنف:
باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجَمْعٍ وقوله المؤذن الصلاةِ في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة
قوله: "للمسافرين"، للكُشميهنيّ، وللباقين: "للمسافر" بالإفراد، وهو للجنس. وقوله: "إذا كانوا جماعة"، هو مقتضى الأحاديث التي أوردها، لكن ليس فيها ما يمنع أذان المنفرد. وقد روى عبد الرَّزَّاق بإسناد صحيح عن ابن عُمَر أنه كان يقول: إنّما التأذين لجيش أو ركب عليهم أمير، فينادي بالصلاة ليجتمعوا لها، فأما غيرهم، فإنّما هي الإقامة. وحكى نحو ذلك عن مالك، وذهب الأئمة الثلاثة والثَّوريّ وغيرهم إلى مشروعية الأذان لكل أحد. وقد مرّ حديث أبي سعيد في باب "رفع الصوت بالنداء" وهو يقتضي استحباب الأذان للمنفرد، ومرّ هناك تحرير ما قيل فيه. وقال قاضي خان الحَنَفيّ: رجل صلى في سفر أو في بيته بغير أذان وإقامة يكره. قال: والكراهة مقصورة على المسافر، ومن صلى في بيته فالأفضل له أن يؤذن ويقيم، ليكون على هيئة الجماعة، ولهذا كان الجهر في
стр. 3811
حقه أفضل. وبالغ عطاء، فقال: إذا كنت في سفر فلم تؤذن، ولم تُقِم فأعد الصلاة. ولعله كان يرى ذلك شرطًا في صحة الصلاة أو يرى استحباب الإعادة لا وجوبها.
وقوله: "والإقامة"، بالخفض عطفًا على الأذان، ولم يختلف في مشروعية الإقامة في كل حال. وقال مجاهد: إذا نسي الإقامة أعاد. وقوله: "وكذلك بعرفة"، لعله يشير إلى حديث جابر الطويل، في صفة الحج، وهو عند مسلم، وفيه: "أن بلالًا أذن وأقام لما جمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين الظهر والعصر بعرفة". وقوله: "وجَمْع"، هو بفتح الجيم وسكون الميم المزدلفة، وكأنه أشار بذلك إلى حديث ابن مسعود الذي ذكره في كتاب الحج، وفيه أنه صلى المغرب بأذان وإقامة، والعشاء بأذان وإقامة، ثم قال: "رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفعله". وقوله: "وقول المؤذن، الصلاة"، إلخ، هو بالخفض أيضًا، هو من حديث ابن عمر في الباب، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى قريبًا.
стр. 3812
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ"، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ". ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ، فَقَالَ لَهُ: "أَبْرِدْ". حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ".
هذا الحديث مرّ الكلام عليه مستوفى في المواقيت، في باب الإبراد بالظهر، وبيّن هناك أن المؤذن هو بلال، وأنه أذن وأقام، فيطابق هذه الترجمة.
رجاله خمسة:
الأول: مسلم بن إبراهيم، وقد مرّ في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرّ شُعْبة في الثالث منه، ومرّ أبو ذر في الثالث والعشرين منه. ومرّ مُهاجر وأبو الحسين وزيد بن وَهْب في الثالث عشر من المواقيت.
стр. 3813
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَى رَجُلاَنِ النَّبِيَّ ﷺ يُرِيدَانِ السَّفَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا".
قوله: "محمد بن يوسُف"، هو الفريابيّ، وسفيان هو الثَّوريّ؛ لأن محمد بن يوسف البيْكَنديّ ليست له رواية عن الثَّوريّ والفِريابيّ، وإن كان يروي عن ابن عُيينة، لكنه إذا أطلق سفيان فإنّما يريد به الثَّوريّ، وإذا روى عن ابن عُيينة بيّنه. وقوله: "أتى رجلان"، هما مالك بن الحُويرث ورفيقه، ويأتي في كتاب الجهاد، في باب "سفر الاثنين"، بلفظ: "انصرفت من عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنا وصاحب لي"، قال في "الفتح": لم أر في شيء من طرقه تسمية صاحبه. وقوله: "فأذِّنا"، قال أبو الحسين القَصّار: أراد به الفضل، وإلا فأذان الواحد يجزي، وكأنه فهم أنه أمرهما أن يؤذنا جميعًا كما هو ظاهر اللفظ، فإن أراد أنهما يؤذنان معًا، فليس ذلك بمراد، وقد مرّ ما فيه في الباب الذي قبله، وفي باب أذان الأعمى، وإن أراد أن كلا منهما يؤذِّن على حدة، فهذا قد مرّ ما فيه في البابين المذكورين، وقد مرّ في الباب الذي قبله توجيهه بوجه آخر، وأن الحامل على صرفه عن ظاهره قوله فيه: "فليؤذن أحدكم".
وللطبرانيّ في هذا الحديث: "إذا كنت مع صاحبك فأذّن وأقم، وليؤمكما أكبركما". واستروح القُرطبيّ فحمل اختلاف ألفاظ الحديث على تعدد القصة، وهذا بعيد، لاتحاد، المخرج. وقال الكِرماني: قد يطلق الأمر بالتثنية والجمع،
стр. 3814
والمراد واحد، كقولك: يا حرسي اضربا عنقه. وقولك: قتله بنو تميم، مع أن الضارب والقاتل واحد. وقوله: ثم أقيما، فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما مضى، وإلا فالذي يؤذن هو يقيم.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن يوسف الفِريابيّ، وقد مرّ في العاشر من العلم، وسُفيان المراد به الثَّوريّ، وقد مرّ في السابع والعشرين من الإيمان، ومرّ أيُّوب وأبو قُلابة في التاسع منه، ومرّ خالد الحَذَّاء في السابع عشر من العلم، ومرّ مالك بن الحُوَيرِث بعد الثامن والعشرين من العلم.
стр. 3815
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا، أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا، سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ"، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لاَ أَحْفَظُهَا، "وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ".
قوله: "ونحن شَبَبَة"، أي: بفتح المعجمة والموحدتين، جمع شاب. وقوله: "متقاربون"، المراد: تقاربهم في السنّ؛ لأن ذلك كان في حال قدومهم، أو في أعم من ذلك، فعند أبي داود: وكنا يومئذ متقاربين في العلم، ولمسلم: كنا متقاربين في القراءة، ومن هذه الزيادة يجاب عن كونه قدّم الأسنّ، فليس المراد تقديمه على الإقراء، بل في حال الاستواء في القراءة، ولم يستحضر الكِرْمانيّ هذه الزيادة، فقال: يؤخذ استواؤهم في القراءة من القصة، لأنهم أسلموا وهاجروا معًا، وصحبوا ولازموا عشرين ليلةً، فاستووا في الأخذ. وتعقب بأن ذلك لا يستلزم الاستواء في العلم، للتفاوت في الفهم، إذ لا تنصيص على الاستواء.
وقوله: "فأقمنا عنده عشرين يومًا وليلة"، بالجزم، وفي بعض الروايات: "نحوًا من عشرين ليلة". وقوله: "فلما ظن أنّا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه. قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم ... "، إلخ، وفي الرواية الآتية في أبواب الإمامة: "فقال أرجعتم إلى
стр. 3816
بلادكم، فعلمتموهم، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون عرض ذلك عليهم على طريق الإيناس بقوله: لو رجعتم" إذ لو بدأهم بالأمر بالرجوع، لأمكن أن يكون فيه تنفيذ، فيحتمل أن يكونوا أجابوه بنعم، فأمرهم حينئذ بقوله: "ارجعوا"، واقتصار الصحابي على ذكر سبب الأمر برجوعهم بأنه الشوق إلى أهليهم، دون قصد التعليم، هو لما قام عنده من القرينة الدالة على ذلك، ويمكن أن يكون عرف ذلك بصريح القول منه صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن كان سبب تعليمهم قومهم أشرف في حقهم، لكنه أخبر بالواقع، ولم يتزين بما ليس فيهم، ولما كانت نيتهم صادقة، صادف شوقهم إلى أهلهم الحظ الكامل في الدين، وهو أهلية التعليم، كما قال الإِمام أحمد في الحرص على طلب الحديث: حظ وافق حقًا.
وقوله هنا: "ونحن شيبة"، وفي الذي قبله: "أتى رجلان النبي"، وفي رواية الجهاد: "أنا وصاحب لي" كما مرّ يجمع بينها بأنهم حين أذن لهم في السفر كانوا جميعًا، فلعل مالكًا ورفيقه عادا إلى توديعه، فأعاد عليهما بعض ما أوصاهم به تأكيدًا. وأفاد ذلك زيادة بيان أقل ما تنعقد به الجماعة. وقوله: "اشتهينا أهلنا"، في رواية الكُشميهنيّ: "أهلِينا" بكسر اللام وزيادة ياء، وهو جمع أهل، ويجمع مكسرًا على أَهال، بفتح الهمزة مخففًا، وفي رواية وهيب: "فلما رأى شوقنا إلى أهلنا" والمراد بأهل كل منهم زوجته أو أعم من ذلك.
وقوله: "سأَلَنا"، بفتح اللام، أي: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، سأل المذكورين. وقوله: "ارجعوا إلى أهليكم"، إنما أذن لهم في الرجوع؛ لأن الهجرة كانت قد انقطعت بفتح مكة، فكانت الإقامة بالمدينة باختيار الوافد، فكان منهم من يسكنها، ومنهم من يرجع بعد أن يتعلم ما يحتاج إليه. وقوله: "وعلموهم ومروهم"، بصيغة الأمر، ضد النهي، فالمراد به أعم من ذلك؛ لأن النهي عن الشيء أمر بفعل خلاف ما نهى عنه اتفاقًا، وعطف الأمر على التعليم لكونه أخص منه، أو هو استئناف كأنَّ سائلًا قال: ماذا نعلمهم؟ فقال: مروهم بالطاعات، وكذا وكذا.
стр. 3817
وفي رواية حماد بن زيد في أبواب الإمامة: "مروهم فليصلوا صلاة كذا، في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا"، فعرف بذلك المأمور المبهم في رواية الباب، ولم ير في شيء من الطرق بيان الأوقات في حديث مالك بن الحُويرث، فكأنه ترك ذلك لشهرتها عندهم. وقوله: "وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها" قائل هذا هو أبو قِلابة راوي الخبر. وفي رواية أخرى: "أو لا أحفظهما" وهو للتنويع لا للشك. وقوله: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، أي: ومن جملة الأشياء التي يحفظها أبو قِلابة عن مالك، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا، وفي رواية وهيب السابقة: "وصلوا" فقط، ونسبت إلى الاختصار، وتمام الكلام هو الذي وقع عنا.
قال ابن دقيق العِيد: استدل كثير من الفقهاء على مواضع كثيرة، على الوجوب بالفعل مع هذا القول، وهو: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، قال: وهذا إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأنّ يصلوا كما كان يصلي، فيقوي الاستدلال به على كل فعل ثبت أنه فعله في الصلاة، لكن هذا الخطاب إنّما وقع لمالك بن الحُويرث وأصحابه، بأنّ يوقعوا الصلاة على الوجه الذي رأوه صلى الله تعالى عليه وسلم يصليه، نعم يشاركهم في الحكم جميع الأمة بشرط أن يثبت استمراره صلى الله تعالى عليه وسلم على فعل ذلك الشيء المستدل به دائمًا، حتى يدخل تحت الأمر، ويكون واجبًا، وبعض ذلك مقطوع باستمراره عليه، وأما ما لم يدل دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفتها. فلا نحكم بتناول الأمر له.
وقوله: "وليؤمكم أكبركم"، ظاهره تقديم الأكبر بكثير السن وقليله، وأما من جوز أن يكون مراده بالكبر ما هو أعم من السن أو القدر، كالتقديم في الفقه والقراءة والدِّين فبعيد، لما رواه ابن خُزيمة عن خالد راوي الحديث حيث قال لأبي قِلابة: فأين القراءة؟ قال: إنهما كانا متقاربين، فإنه دال على أن خالدًا فهم أن المراد كبر السن، ودعوى أن قوله: "وليؤمكم أكبركم"، مُعارض لقوله في حديث أبي مسعود الأنصاريّ عند مسلم مرفوعًا: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله،
стр. 3818
فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فليؤمهم أكبرهم سنًا"، الحديث؛ لأن الأول يقتضي تقديم الأكبر على الأقرأ، والثاني عكسه، يجاب عنه بأن قصة مالك بن الحويرث واقعة عين قابلة للاحتمال، بخلاف الحديث الآخر، فإنه تقرير قاعدة تفيد التعميم، فيحتمل أن يكون الأكبر منهم كان يومئذ هو الأفقه، لكن التنصيص فيما مر على تقاربهم في العلم.
هذا والأولى في الجمع ما قال الزين بن المنير، وحاصله: إن تساوى هجرتهم وإقامتهم وغرضهم بها مع ما في الشباب غالبًا من الفهم، ثم توجه الخطاب إليهم بأن يعلّموا من وراءهم من غير تخصيص بعضهم دون بعض، دال على استوائهم في القراءة والتفقه في الدين. قلت: فلم يبق إلا الكبر في السنن. وقيل: المراد بقوله في حديث أبي مسعود: "أقرؤهم"، أفقههم. وقيل: هو على ظاهره، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء. قال النّوويّ: قال أصحابنا الأفقه مقدم على الأقرأ، فإن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط. فقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه، ولهذا قدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر في الصلاة على الباقين، مع أنه ﵊ نص على أن غيره أقرأ منه، يعني حديث: "أقرؤكم أُبيّ"، قال: وأجابوا عن الحديث، يعني حديث أبي مسعود بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، لكن هذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على أنه أقرأ من أبي بكر يكون أفقه منه، فيفسد الاحتجاج بأنّ تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه. قلت: مذهب المالكية تقديم الأفقه على الأقرأ.
ثم قال النَّوويّ بعد ذلك: أن قوله في حديث أبي مسعود: "فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم في الهجرة" يدل على تقديم الأقرأ مطلقًا، وهو واضح للمغايرة، وهذه الرواية أخرجها مسلم أيضًا من وجه آخر على إسماعيل بن رجاء، ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما
стр. 3819
هو حديث حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلًا بذلك، فلا يقدم اتفاقًا والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم بل القارىء كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم.
وفي الحديث فضل الهجرة والرحلة في طلب العلم، وفضل التعليم، وما كان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم من الشفقة، والاهتمام بأحوال الصلاة، وغيرها من أمور الدين. وإجازة خبر الواحد، وقيام الحجة.
رجاله خمسة:
الأول: محمد بن المُثنَّى، وقد مرّ هو وأيّوب وأبو قلابة في التاسع من الإيمان، وكذلك عبد الوهاب الثَّقفيّ، ومرّ محل ذكر مالك في الذي قبله.
стр. 3820
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ، أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ.
قوله: بضَجْنان. هو بفتح الضاد والمعجمة وبالجيم بعدها نون على وزن فَعْلَان غير مصروف، قيل: هو جبل بناحية مكة، وقيل: موضع أو جبل بين مكة والمدينة. وقيل: هو جبل على بريد من مكة، وقيل بينه وبيّن مكة خمسة وعشرون ميلًا، وبينه وبين وادي مريسة أميال، ويؤيد هذا ما حكاه أبو عُبَيْد البَكْرِيّ قال: وبيّن قديد وضَجْنان يوم، قال معبد الخزاعيّ:
قد جعلتْ ماءَ قُديد مَوْعِدي ... وماءَ ضَجْنان لها ضحى الغَدِ
وقوله: كان يأمر مؤذنًا. في رواية مسلم "كان يأمر المؤذِّن" وقوله: ثم يقول على إثره. صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان. وقال القرطبيّ: لما ذكر رواية مسلم بلفظ "يقول في آخر ندائه" يحتمل أن يكون المراد في آخره قُبيل الفراغ منه، جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس. وقد مر في باب الكلام في الأذان عن ابن خُزيمة أنه حمل حديث ابن عباس على ظاهره، وأن ذلك يقال بدلًا من الحَيْعَلة نظرًا إلى المعنى؛ لأن معنى حيّ: على الصلاة: هلموا إليها، ومعنى: الصلاة في الرحال: تأخروا عن المجيء، ولا يناسب إيراد اللفظين معًا؛ لأن أحدهما نقيض الآخر. ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى: هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضل، ولو تحمل المشقة.
следующие страницы →