← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

بلادكم، فعلمتموهم، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون عرض ذلك عليهم على طريق الإيناس بقوله: لو رجعتم" إذ لو بدأهم بالأمر بالرجوع، لأمكن أن يكون فيه تنفيذ، فيحتمل أن يكونوا أجابوه بنعم، فأمرهم حينئذ بقوله: "ارجعوا"، واقتصار الصحابي على ذكر سبب الأمر برجوعهم بأنه الشوق إلى أهليهم، دون قصد التعليم، هو لما قام عنده من القرينة الدالة على ذلك، ويمكن أن يكون عرف ذلك بصريح القول منه صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن كان سبب تعليمهم قومهم أشرف في حقهم، لكنه أخبر بالواقع، ولم يتزين بما ليس فيهم، ولما كانت نيتهم صادقة، صادف شوقهم إلى أهلهم الحظ الكامل في الدين، وهو أهلية التعليم، كما قال الإِمام أحمد في الحرص على طلب الحديث: حظ وافق حقًا. وقوله هنا: "ونحن شيبة"، وفي الذي قبله: "أتى رجلان النبي"، وفي رواية الجهاد: "أنا وصاحب لي" كما مرّ يجمع بينها بأنهم حين أذن لهم في السفر كانوا جميعًا، فلعل مالكًا ورفيقه عادا إلى توديعه، فأعاد عليهما بعض ما أوصاهم به تأكيدًا. وأفاد ذلك زيادة بيان أقل ما تنعقد به الجماعة. وقوله: "اشتهينا أهلنا"، في رواية الكُشميهنيّ: "أهلِينا" بكسر اللام وزيادة ياء، وهو جمع أهل، ويجمع مكسرًا على أَهال، بفتح الهمزة مخففًا، وفي رواية وهيب: "فلما رأى شوقنا إلى أهلنا" والمراد بأهل كل منهم زوجته أو أعم من ذلك. وقوله: "سأَلَنا"، بفتح اللام، أي: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، سأل المذكورين. وقوله: "ارجعوا إلى أهليكم"، إنما أذن لهم في الرجوع؛ لأن الهجرة كانت قد انقطعت بفتح مكة، فكانت الإقامة بالمدينة باختيار الوافد، فكان منهم من يسكنها، ومنهم من يرجع بعد أن يتعلم ما يحتاج إليه. وقوله: "وعلموهم ومروهم"، بصيغة الأمر، ضد النهي، فالمراد به أعم من ذلك؛ لأن النهي عن الشيء أمر بفعل خلاف ما نهى عنه اتفاقًا، وعطف الأمر على التعليم لكونه أخص منه، أو هو استئناف كأنَّ سائلًا قال: ماذا نعلمهم؟ فقال: مروهم بالطاعات، وكذا وكذا.

стр. 3817

وفي رواية حماد بن زيد في أبواب الإمامة: "مروهم فليصلوا صلاة كذا، في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا"، فعرف بذلك المأمور المبهم في رواية الباب، ولم ير في شيء من الطرق بيان الأوقات في حديث مالك بن الحُويرث، فكأنه ترك ذلك لشهرتها عندهم. وقوله: "وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها" قائل هذا هو أبو قِلابة راوي الخبر. وفي رواية أخرى: "أو لا أحفظهما" وهو للتنويع لا للشك. وقوله: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، أي: ومن جملة الأشياء التي يحفظها أبو قِلابة عن مالك، قوله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا، وفي رواية وهيب السابقة: "وصلوا" فقط، ونسبت إلى الاختصار، وتمام الكلام هو الذي وقع عنا. قال ابن دقيق العِيد: استدل كثير من الفقهاء على مواضع كثيرة، على الوجوب بالفعل مع هذا القول، وهو: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، قال: وهذا إذا أخذ مفردًا عن ذكر سببه وسياقه أشعر بأنه خطاب للأمة بأنّ يصلوا كما كان يصلي، فيقوي الاستدلال به على كل فعل ثبت أنه فعله في الصلاة، لكن هذا الخطاب إنّما وقع لمالك بن الحُويرث وأصحابه، بأنّ يوقعوا الصلاة على الوجه الذي رأوه صلى الله تعالى عليه وسلم يصليه، نعم يشاركهم في الحكم جميع الأمة بشرط أن يثبت استمراره صلى الله تعالى عليه وسلم على فعل ذلك الشيء المستدل به دائمًا، حتى يدخل تحت الأمر، ويكون واجبًا، وبعض ذلك مقطوع باستمراره عليه، وأما ما لم يدل دليل على وجوده في تلك الصلوات التي تعلق الأمر بإيقاع الصلاة على صفتها. فلا نحكم بتناول الأمر له. وقوله: "وليؤمكم أكبركم"، ظاهره تقديم الأكبر بكثير السن وقليله، وأما من جوز أن يكون مراده بالكبر ما هو أعم من السن أو القدر، كالتقديم في الفقه والقراءة والدِّين فبعيد، لما رواه ابن خُزيمة عن خالد راوي الحديث حيث قال لأبي قِلابة: فأين القراءة؟ قال: إنهما كانا متقاربين، فإنه دال على أن خالدًا فهم أن المراد كبر السن، ودعوى أن قوله: "وليؤمكم أكبركم"، مُعارض لقوله في حديث أبي مسعود الأنصاريّ عند مسلم مرفوعًا: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله،

стр. 3818

فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فليؤمهم أكبرهم سنًا"، الحديث؛ لأن الأول يقتضي تقديم الأكبر على الأقرأ، والثاني عكسه، يجاب عنه بأن قصة مالك بن الحويرث واقعة عين قابلة للاحتمال، بخلاف الحديث الآخر، فإنه تقرير قاعدة تفيد التعميم، فيحتمل أن يكون الأكبر منهم كان يومئذ هو الأفقه، لكن التنصيص فيما مر على تقاربهم في العلم. هذا والأولى في الجمع ما قال الزين بن المنير، وحاصله: إن تساوى هجرتهم وإقامتهم وغرضهم بها مع ما في الشباب غالبًا من الفهم، ثم توجه الخطاب إليهم بأن يعلّموا من وراءهم من غير تخصيص بعضهم دون بعض، دال على استوائهم في القراءة والتفقه في الدين. قلت: فلم يبق إلا الكبر في السنن. وقيل: المراد بقوله في حديث أبي مسعود: "أقرؤهم"، أفقههم. وقيل: هو على ظاهره، وبحسب ذلك اختلف الفقهاء. قال النّوويّ: قال أصحابنا الأفقه مقدم على الأقرأ، فإن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط. فقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه، ولهذا قدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا بكر في الصلاة على الباقين، مع أنه ﵊ نص على أن غيره أقرأ منه، يعني حديث: "أقرؤكم أُبيّ"، قال: وأجابوا عن الحديث، يعني حديث أبي مسعود بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه، لكن هذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على أنه أقرأ من أبي بكر يكون أفقه منه، فيفسد الاحتجاج بأنّ تقديم أبي بكر كان لأنه الأفقه. قلت: مذهب المالكية تقديم الأفقه على الأقرأ. ثم قال النَّوويّ بعد ذلك: أن قوله في حديث أبي مسعود: "فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم في الهجرة" يدل على تقديم الأقرأ مطلقًا، وهو واضح للمغايرة، وهذه الرواية أخرجها مسلم أيضًا من وجه آخر على إسماعيل بن رجاء، ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما

стр. 3819

هو حديث حيث يكون عارفًا بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلًا بذلك، فلا يقدم اتفاقًا والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم بل القارىء كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم. وفي الحديث فضل الهجرة والرحلة في طلب العلم، وفضل التعليم، وما كان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم من الشفقة، والاهتمام بأحوال الصلاة، وغيرها من أمور الدين. وإجازة خبر الواحد، وقيام الحجة. رجاله خمسة: الأول: محمد بن المُثنَّى، وقد مرّ هو وأيّوب وأبو قلابة في التاسع من الإيمان، وكذلك عبد الوهاب الثَّقفيّ، ومرّ محل ذكر مالك في الذي قبله.

стр. 3820

الحديث التاسع والعشرون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ قَالَ أَذَّنَ ابْنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِهِ، أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ. فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ. قوله: بضَجْنان. هو بفتح الضاد والمعجمة وبالجيم بعدها نون على وزن فَعْلَان غير مصروف، قيل: هو جبل بناحية مكة، وقيل: موضع أو جبل بين مكة والمدينة. وقيل: هو جبل على بريد من مكة، وقيل بينه وبيّن مكة خمسة وعشرون ميلًا، وبينه وبين وادي مريسة أميال، ويؤيد هذا ما حكاه أبو عُبَيْد البَكْرِيّ قال: وبيّن قديد وضَجْنان يوم، قال معبد الخزاعيّ: قد جعلتْ ماءَ قُديد مَوْعِدي ... وماءَ ضَجْنان لها ضحى الغَدِ وقوله: كان يأمر مؤذنًا. في رواية مسلم "كان يأمر المؤذِّن" وقوله: ثم يقول على إثره. صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان. وقال القرطبيّ: لما ذكر رواية مسلم بلفظ "يقول في آخر ندائه" يحتمل أن يكون المراد في آخره قُبيل الفراغ منه، جمعًا بينه وبين حديث ابن عباس. وقد مر في باب الكلام في الأذان عن ابن خُزيمة أنه حمل حديث ابن عباس على ظاهره، وأن ذلك يقال بدلًا من الحَيْعَلة نظرًا إلى المعنى؛ لأن معنى حيّ: على الصلاة: هلموا إليها، ومعنى: الصلاة في الرحال: تأخروا عن المجيء، ولا يناسب إيراد اللفظين معًا؛ لأن أحدهما نقيض الآخر. ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى: هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضل، ولو تحمل المشقة.

стр. 3821

ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فمُطرنا فقال: "ليصل من شاء منكم في رحله". وقوله: في الليلة الباردة أو المطيرة. قال الكرمانيّ: فعيلة بمعنى فاعلة، وإسناد المطر إليها مجاز، ولا يقال: إنها بمعنى مفعولة، أي ممطورة فيها، لوجود الهاء في قوله "مطيرة" ولا يصح ممطورة فيها. وقوله: أو، للتنويع لا للشك، وفي رواية أبي عَوانة "ليلة باردة أو ذات صر أو ذات ريح" ودل ذلك على أن كلًا من الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة. ونقل ابن بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند المالكية والشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، لكن في السنن عن نافع في الحديث "في الليلة المطيرة، والغداة القرة". وفيها بإسناد صحيح عن أبي المُلَيْح عن أبيه "أنهم مُطروا يومًا، فرخص لهم". قال "في الفتح" لم أر في شيء من الأحاديث، الترخص بعذر الريح نهارًا صريحًا، لكن القياس يقتضي إلحاقه، وقد نقله ابن الرّفْعَة وجهًا. قلت: مذهب المالكية أن البرد والحر الشديدين يُبيحان التخلف عن الجُمُعة والجماعة، وقوله: في السفر، ظاهر اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية في أبواب صلاة الجماعة مطلقة، وبها أخذ الجمهور، ولكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقًا، ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر، دون من لا تلحقه. رجاله خمسة: الأول: مُسَدَّد. والثاني: يحيى القطّان، وقد مرا في السادس من الإيمان، ومرَّ عُبَيد الله بن عمر في الرابع عشر من الوضوء ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرَّ ابن عمر أول الإيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 3822

الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ فَجَاءَهُ بِلاَلٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ خَرَجَ بِلاَلٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأَبْطَحِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ. قوله: "بالأبطح" موضع معروف خارج مكة، وقد بيناه في باب سترة الإِمام سترة لمن خلفه، وفهم بعضهم أن المراد بالأبطح موضع جمع لذكره لها في الترجمة، وليس بمراد، بل بين الأبطح وجمع مسافة طويلة، وإنما أورد حديث أبي جحيفة لأنه يدخل في أصل الترجمة، وهي مشروعية الأذان والإقامة للمسافرين، وفذا الحديث مرت مباحثه مستوفاة في كتاب الوضوء في باب "استعمال فضل وضوء الناس" وباب "الصلاة في الثوب الأحمر". رجاله خمسة: الأول: إسحاق، والمراد به ابن منصور، أو ابن إبراهيم، وقد مرَّ كل منهما في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ جَعْفَر بن عَوْن وأبو العُمَيس في الثامن والثلاثين من الإيمان، ومرَّ عَوْن بن أبي جُحَيْفَةَ في السابع والعشرين من الصلاة، ومرَّ أبو جُحَيْفةَ في الحادي والخمسين من العلم. ثم قال المصنف. باب هل يتتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا وهل يلتفت في الأذان قوله: يَتَتبَّع، بياء تحتانيّة ثم بتاءين مفتوحتين ثم بموحدة مشدده من التتبع، وفي رواية الأصيليّ "يُتتبع" بضم أوله من الاتباع، والمؤذن بالرفع فاعل التتبع، وفاه منصوب على المفعولية، وهاهنا وهاهنا ظرف مكان، والمراد بهما جهة

стр. 3823

اليمين والشمال، كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى. وقال الكِرْمَانيّ: لفظ المُؤذِّن بالنصب، وفاعله محذوف تقديره الشخص، وفاه بالنصب بدل من المؤذن. قال: ليوافق قول أبي جُحَيْفَة في الحديث "فجعلت اتتبع فاه" وليس ذلك بلازم لما عرفت من طريقة المصنف، أنه لا يقف مع اللفظ الذي يورده غالبًا، بل يترجم له ببعض ألفاظه الواردة فيه، وكذا وقع هنا، فإن في رواية عبد الرحمن بن مَهْدِيّ عن سفيان عند أبي عَوانة في صحيحه "فجعل يتتبع بفيه يمينًا وشمالًا" وفي رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيلي "رأيت بلالًا يؤذن يتتبع بفيه" ووصف سفيان "يميل برأسه يمينًا وشمالًا" والحاصل أن بلالًا كان يتتبع بفيه الناحيتين، وكان أبو جُحَيْفَة ينظر إليه، فكل منهما متتبع باعتبار. وقوله: وهل يلتفت في الأذان، يشير إلى ما مرَّ في رواية وكيع، وعند النّسائي من رواية الأزرق "فجعل ينحرف يمينًا وشمالا" وعند مسلم من رواية وكيع عن أبي جُحَيْفَة "فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينًا وشمالًا، يقول حي على الصلاة، حي الفلاح" وهذا فيه تقييده للالتفات في الأذان، وأن محله عند الحَيْعَلَتين وبوب عليه ابن خزيمة باب "انحراف المؤذن عند قوله حيّ على الصلاة، حي على الفلاح" بفمه لا ببدنه كله "قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثم ساقه عن وكيع أيضًا بلفظ "فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يمينًا وشمالًا" وعند التِّرْمِذِي من رواية عبد الرّزّاق عن الثّوريّ "رأيت بلالًا يؤذن ويدور، ويتبع فاه هاهنا وهاهنا، وأصبعاه في أذنيه" ففي هذا الحديث زيادتان، إحداهما الاستدارة، والأخرى وضع الأصبع في الأذن. وقوله: يدور، مُدْرَج في رواية سفيان عن عون، بيّن ذلك يحيى بن آدم عن سفيان عن عَوْن عن أبيه قال: رأيت بلالًا أذّن فاتبع فاه هاهنا وهاهنا، والتفت يمينًا وشمالًا". قال سفيان كان حجاج، يعني ابن أرطأة، يذكر لنا عون أنه قال "فاستدار في أذانه، فلما لقينا عونًا لم يذكر فيه الاستدارة"، أخرجه الطّبَرانيّ وأبو الشَّيْح، وأخرجه البَيْهَقيّ، لكنه لم يسم حجاجًا، ولم ينفرد به حَجَّاج، بل وافقه إدريس الأَوْدِي ومحمد العَرْزَميّ عن عَوْن، لكن الثلاثة ضُعَفاء، وقد خالفهم من هو أمثل منهم، قيس بن الربيع، فقد رواه أبو داود عنه عن عَوْن فقال في

стр. 3824

حديثه "ولم يَسْتَدِر" ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عني استدارة الرأس، ومن نفاها عني استدارة الجسد كله، ومشى ابن بَطال ومن تبعه على ظاهره، فاستدل به على جواز الاستدارة بالبدن كله، وما مشى عليه هو مذهب مالك، فإن الدوران عنده حالة الأذان جائز أو مندوب لإسماع الناس، وقيل عند الحَيْعَلة. وقال ابن دَقيق العيد: فيه دليل على استدارة المؤذنين للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين، واختلف هل يستدير ببدنه كله، وهو المشهور عند المالكية، أو بوجهه فقط وقدماه قارّتان مستقبلَ القبلة؟ واختلف أيضًا هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة، وفي الثانيتين مرة، أو يقول حي على الصلاة عن يمينه، حي على الفلاح عن شماله، وكذا في الأخرى؟ قال "في الفتح": ورجح الثاني لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما، والأول أقرب إلى لفظ الحديث. وقال صاحب التوضيح من الشافعية: الالتفات في الحَيْعَلَتين سُنّة، ليعم الناس بإسماعه، وخص بذلك لأنه دعاء، وعند الحنابلة يلتفت يمينًا لحي على الصلاة، وشمالًا لحي على الفلاح، ولا يزيل قدميه سواء كان على منارة أو غيرها، أو على الأرض على المشهور. وفي "المغني" عن أحمد: ولا يدور إلا إذا كان على منارة، يقصد إسماع أهل الجهتين. ثم قال: ويُذكرُ عن بلالٍ أنَّهُ جعلَ أُصْبَعَيهِ في أُذنيهِ. يشير بذلك إلى ما مرَّ في رواية عبد الرَّزَّاق عن سفيان عند التِّرمذِيّ، وقد رواه مُؤَمِّلْ أيضًا عن سفيان عند أبي عَوانَةَ، وله شواهد أصحها ما رواه أبو داود وابن حِبّان، أن عبد الله الهَوْزيّ قال: قلت لبلال: كيف كانت نفقة النبي ﷺ ؟ فذكر الحديث، وفيه قال بلال "فجعلت أصبعي في أذني، فأذنت" ولابن ماجه والحاكم من حديث سعد القرظ "أن النبي ﷺ أمر بلالًا أن يجعل أصبعيه في أذنيه" وفي إسناده ضعف، وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن سيرين، أي قالوا بندبه. وقال مالك: ذلك واسع. قال العلماء: في ذلك فائدتان؛

стр. 3825

إحداهما أن يكون أرفع لصوته، وفيه حديث ضعيف أخرجه أبو الشيخ عن سعد القَرَظ عن بلال، "أنه ﵊ أمره أن يجعل أصْبَعَيه في أذنيه". ثانيتهما أنه علامة للمؤذن، يعرف من رآه على بعد أو كان به صمم أنه يؤذن. ومن ثم قال بعضهم: يجعل يده فوق أذنيه فحسب، وهو مَرْويٌّ عن أبي حنيفة. وقال التّرمذيّ: استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن أصبعيه في أذنيه في الأذان، قال: واستحبه الأوزاعي في الإقامة أيضًا، وصرح الرَّوْيانيّ بأنه لا يستحب في الإقامة لفقد المعنى الذي علل به، ولم يبين في الحديث تعيين الأصبع التي يستحب وضعها. وجزم النووي بانها المُسَبحة، وإطلاق الأصبع مجاز عن الأنملة، على حد قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] ولو كان في إحدى يديه علة جعل الأصبع الأخرى في صِماخه. وهذا التعليق أخرجه ابن ماجه، ووصله عبد الرَّزَّاق وغيره عن سُفيان، وبلال قد مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال: وكانَ ابنُ عُمَرَ لا يجعلُ أصْبَعَيهِ في أُذُنيهِ. ذكر هذا التعليق بصيغة التصحيح، فكأنّ ميله إليه، وهذا التعليق أخرجه عبد الرَّزَّاق وابن أبي شَيْبَة من طريق نُسَير، وابن عمر مرَّ أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال: وقالَ إبراهيمُ: لا بأس أنْ يؤذِّن على غير وُضوءِ. يعني ثم يخرج فيتوضأ ثم يرجع فيقيم. وهذا وصله سَعيد بن مَنْصور وابن أبي شَيْبَة عن جرير، وإبراهيم النَّخَعِيُّ قدر في الخامس والعشرين من الإيمان. ثم قال: وقال عَطَاء: الوضوء حق وسنّةٌ. تمامه وسنة مسنونة ألا يؤذّن المُؤذِّن إلا متوضأً هو من الصلاة، وهو فاتحة الصلاة، ولابن أبي شَيْبَة والبَيْهقيّ عن أبي هُريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يؤذِّن

стр. 3826

إلا متوضىء" وفي إسناده ضعف، والصحيح أنه مُرْسَل عن الزُّهريّ وعند ابن أبي شَيْبَة أمر مُجاهد مؤذِّنه أنه لا يؤذن حتى يتوضأ، وهذا التعليق وصله عبد الرَّزّاق عن جَرير، وعَطَاء هو ابن أبي رَبَاح وقد مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال: وقالتْ عائشةُ رضي الله تعالى عنها "كان النبيُّ ﷺ يذكرُ الله على كلِّ أحيانهِ". وفي إيراد البخاري له هنا إشارة إلى اختيار قول النَّخَعِي، وهو قول مالك والكوفيين؛ لأن الأذن ليس من جملة الأركان، فلا يشترط فيه ما يشترط في الصلاة والطهارة، ولا من استقبال القبلة، كما لا يستحب فيه الخشوع الذي ينافيه الالتفات، وجعل الأُصْبَعَ في الأذن، فعند مالك وأبي حَنيفة وأَحْمد: يكره أذان الْمُحْدِث حدثًا أكبر، وإقامته. والكراهة في الإقامة أشد، ولا يكره أذان المحدث حدثًا أصغر، وتكره إقامته لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة بالاشتغال بأعمال الوضوء. وقال الكَرْخيّ من الحنفية: لا تكره الإقامة على غير وضوء وقال محمد بن الحَسَنُ: إذا أَذّن الجُنُبُ أحب إلى أن يعيد الأذان، وإن لم يعد أجزأه. وقال صالح "الهداية": الأشبه بالحق أن يعاد أذان الجنب، ولا تعاد الإقامة، لأن تكرر الأذان مشروع في الجملة. وقال عَطَاء والأوْزَاعيّ وبعض الشافعية: تشترط فيهما الطهارة، وفائدة شدة الكراهة في الإقامة، مع تقرر من أن المكروه لا ثواب في فعله ولا عقاب، وإنما يثاب على تركه هي أن ما اشتدت كراهته يكون الثواب في تركة أكثر من الثواب في ترك ما لم تشتد كراهة فعله، أو أن المعاتبة على ما اشتدت كراهته، آكد من المعاتبة على ما دونه. وقال الشافعيّ في "الأم": يكره الأذان بغير وضوء، ويجزىء إن فعل، وللجنب أشد كراهة، لغلظ الجنابة، والإقامة أغلظ من الأذان في الحدث والجنابة لقربها من الصلاة وبهذا تعرف مناسبة ذكره لهذه الآثار في هذه الترجمة، ولاختلاف نظر العلماء فيها أوردها بلفظ الاستفهام، ولم يجزم بالحكم. وهذا التعليق وصله مسلم، وقال التّرمذيّ حسن غريب، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.

стр. 3827

الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى بِلاَلاً يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا بِالأَذَانِ. وهذا الحديث مرَّ ما فيه من المباحث في التعاليق قبله والترجمة. رجاله أربعة: وفيه ذكر بلال. الأول: محمد بن يُوْسُف الفِرْيابيّ، وقد مرَّ في العاشر من العلم، ومرَّ سُفْيان الثَّوريّ في السابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ محل عَوْن بن أبي جُحَيْفَة وأبو جُحَيْفَةَ في الذي قبله، ومرَّ بلال في التاسع والثلاثين من العلم. ثم قال المصنف: باب قول الرجل فاتتنا الصلاة أي: هل يكره أم لا. ثم قال: وكرهَ ابنُ سِيرينَ أنْ يقولَ فاتتنا الصلاةُ، ولكنْ ليقُلْ: لمْ نُدْرِكْ. وهذا وصله ابن أبي شَيْبَة في مصنفه عن أزْهَر، وابن سيرين قد مرَّ في الأربعين من الإيمان. ثم قال: وقولُ النبيِّ ﷺ أصَحُّ، هو بالرفع مبتدأ، وخبره أصح، وهذا كلام المؤلف ردّ على ابن سيرين، ووجه الرد أنّ الشارع أطلق لفظ الفوات، فدل على الجواز، وابن سيرين مع كونه كرهه فإنما كرهه من جهة اللفظ؛ لأنه قال: وليقل لم ندرك، وهذا محصل معنى الفوات، لكن قوله لم

стр. 3828

ندرك، فيه نسبة عدم الإدراك إليه، بخلاف فاتتنا، فلعل ذلك هو الذي لحظه ابن سيرين. وقوله: أصح، معناه صحيح بالنسبة إلى قول ابن سيرين، فإنه صحيح لثبوت النص بخلافه، وعند أحمد من حديث أبي قتادة في قصة نومهم عن الصلاة، "فقلت: يا رسول الله فاتتنا الصلاة" ولم ينكر عليه النبي ﷺ . وموقع هذه الترجمة، وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة، أن المرء عند إجابة المؤذن يحتمل أن يدرك الصلاة كلها أو بعضها، أو لا يدرك شيئًا، فاحتيج إلى جواز إطلاق الفوات، وكيفية الإتيان إلى الصلاة، وكيفية العمل عند ذوات البعض ونحو ذلك.

стр. 3829

الحديث الثاني والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: "مَا شَأْنُكُمْ". قَالُوا اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ. قَالَ: فَلاَ تَفْعَلُوا إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا. وفي رواية مسلم التصريح بإخبار عبد الله به ليحيى، وبإخبار أبي قتادة لعبد الله. وقوله: جلبة الرجال، بالألف واللام للعهد الذهني، وجَلَبَة الرجال بالتحريك: أصواتهم حال حركاتهم. وفي رواية كريمة والأصيلي "جلبة رجال" بغير ألف ولام، وقد سمي منهم أبو بكرة فيما رواه الطبراني عنه في نحو هذه القصة، وقد مرَّ أبو بكرة في الرابع والعشرين من الإيمان. واستدل به على أن التفات خاطر المصلي إلى الأمر الحادث لا يفسد صلاته، وأخرت الكلام على هذا الحديث إلى الجائي في الباب بعده؛ لأنه أوفى منه. رجال خمسة: الأول: أبو نُعيم، وقد مرَّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ شَيْبان ويحيى بن أبي كَثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ عبد الله بن أبي قَتَادَةَ وأبوه قَتَادَةَ في التاسع عشر من الوضوء. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والقول في موضعين، ورواته ما بين بَصري وكُوفي، والحديث أخرجه أيضًا مُسْلِم في الصلاة. ثم قال المصنف:

стр. 3830

باب لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار وقالَ ما أدْركتمْ فصلُّوا وما فاتكمْ فأتِمُّوا، قالَه أبو قَتَادة عنْ النبيِّ ﷺ . سقطت هذه الترجمة من رواية الأصِيليّ ومن رواية أبي ذر عن غير السَّرْخَسِيّ وثبوتها أصوب، لقوله فيها: قاله أبو قتادة؛ لأن الضمير يعود على ما ذكر في الترجمة، ولولا ذلك لعاد الضمير إلى المتن السابق، فيكون ذكر أبي قتادة تكرارًا بلا فائدة؛ لأنه ساقه عنده.

стр. 3831

الحديث الثالث والثلاثون حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلاَةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ وَلاَ تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا. قوله: وعن الزُّهْرِيّ، أي بالإسناد الذي قبله، وهو آدَمُ عن ابن أبي ذئب عنه، أي أن ابن أبي ذِئب حدث به عن الزُّهْرِيّ عن شيخين حدثاه به عن أبي هُرَيرة، وقد جمعهما المصنف في باب المشي إلى الجمعة عن آدم، فقال فيه: عن سَعيد وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هُريرة. وأخرجه التّرمِذيّ عن الزُّهريّ عن أبي سَلَمة وحده، وأخرجه أيضًا عن الزُّهْريّ عن سَعيد وحده، والحق كما قال الدّارقُطنِيّ أنه عنده عنهما جميعًا. قال: وربما اقتصر على أحدهما. وقوله: إذا سمعتم الإقامة، وفي الرواية السابقة "إذا أتيتم الصلاة" وهذه أخص من السابقة، لكن الظاهر أنه من مفهوم الموافقة؛ لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى ونحو ذلك، فقد نهى عن الإسراع، فغيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع؛ لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها، فينهى عن الإسراع من باب أولى. وقد لحظ بعضهم فيه معنى غير هذا، فقال: الحكمة في التقييد بالإقامة أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها وقد انبهر، فيقرأ وهو في تلك الحالة، فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره، بخلاف من جاء قبل ذلك، فإن الصلاة قد لا تقام حتى يستريح. وقضية هذا أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة، وهو مخالف لصريح قوله "إذا أتيتم

стр. 3832

الصلاة" لأنه يتناول ما قبل الإقامة، وإنما قيد في الحديث الثاني بالإقامة؛ لأن ذلك هو الحامل في الغالب على الإسراع. وقوله: وعليكم بالسكينة، كذا في رواية أبي ذَرٍّ، ولغيره "وعليكُمُ السَكِينَة" بغير باء، وكذا في رواية مُسْلم. وأعربها القُرْطُبيّ بالنصب على الإغراء، والنَّوَويّ بالرفع على أنها جملة موضع الحال، واستشكل بعضهم دخول الباء. قال لأنه متعد بنفسه، كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] وفيه نظر، لثبوت زيادة الباء في الأحاديث "الصحيحة" كحديث "عليكم برخصة الله" وحديث "فعليه بالصوم فإن له وجاء" وحديث "فعليكَ بالمرأة" قاله لأبي طلحة في قصة صفية، وحديث "عليك بعيبتك" قالته عائشة لعمر، وحديث "عليكم بقيام الليل وحديث "عليك بخويصة نفسك" وغير ذلك. ثم إن الذي علل به هذا المعترض غير موف بمقصوده إذ لا يلزم من كونه يَتَعَدّى بنفسه امتناع تعديه بالباء، وإذا ثبت ذلك دل على أن فيه لغتين. والحكمة في هذا الأمر تستفاد من زيادة وقعت في مُسْلم عن أبي هُرَيرة، فذكر نحو حديث الباب وقال في آخره "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" أي أنه في حكم صلاة فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه. وقوله: والوَقار، بفتح الواو، قال عِياض. والقُرْطُبيّ هو بمعنى السكينة، وذكر على سبيل التأكيد. وقال النَّوَوِيّ: الظاهر أن بينهما فرقًا. وأن السكينة الثاني في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات، ونظم بعض أشياخنا هذا المعنى فقال: وخفضُ صوتِ ثم غَضُّ البَصَرِ ... هو الوقار عندهم في الأشهرِ أما السكينة فبالتأني ... وعدم الفعل لما لا يعني وقوله: لا تسرعوا، فيه زيادة التأكيد، ويستفاد منه الرد على من أوّل قوله في حديث أبي قتادة السابق "لا تفعلوا" أي الاستعجال المفضي إلى عدم الوقار، وأما الإسراع الذي لا ينافي الوقار، كمن خاف فوت التكبيرة، فلا، وهو

стр. 3833

محكي عن إسحاق بن راهَوَيه. قلت: وهو مذهب مالك، فإن الإسراع عنده جائز إذا لم تكن فيه هَرْوَلَة؛ لأن الهرولة تذهب السكينة والخشوع، وقد مرت رواية مسلم "فهو في صلاة". قال النّوَويّ: نبه على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئًا لكان محصلًا لمقصوده لكونه في صلاة، وعدم الإسراع أيضًا يستلزم كثرة الخطأ وهو معنى مقصود لذاته، ووردت فيه أحاديث، كحديث جابر عند مُسْلم "أن بكل خطوة درجة" وحديث أبي داود عن رجل من الأنصار مرفوعًا "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليُمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليُسرى إلا حط عنه سيئة، فإن أتى المسجد فصلى في جماعة غفر له، فإن أتى وقد صلوا بعضاً وبقي بعض فصلى ما أدرك، وأتم ما بقي كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك". وقلت: ما ذهبت إليه المالكية من التفصيل محصل لإدراك الصلاة والتزام الوقار. وقوله: فما أدركتم فصلوا، الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا، أو التقدير: إذا فعلتم الذي أمرتكم به من السكينة وترك الإسراع فما أدركتم فصلوا، أو استدل بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة، لقوله: "فما أدركتم فَصَلّوا" ولم يفصل بين القليل والكثير. قال "في الفتح": وهذا قول الجمهور. وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة، للحديث السابق من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك" وهذا هو مذهب مالك، وقد مرَّ الكلام عليه في باب "من أدرك ركعة من العصر" وفي غيره، واستدل به أيضًا على استحباب الدخول مع الإِمام في أي حالة وجده عليها، وفيه حديث أصرح منه، أخرجه ابن أبي شَيْبَة عن رجل من الأنصار مرفوعًا "من وَجَدني راكعًا أو قائمًا أو ساجدًا فليكن على حالتي التي أنا عليها". وقوله: فأتموا، هذا هو الصحيح في رواية الزُّهريّ، ورواه عنه ابن عُيَينة بلفظ "فاقضوا" وكذا رواه أحمد عن أبي هُريْرَة بلفظ "فاقضوا" وعند مسلم بلفظ "فأتموا" وحديث أبي قَتَادَةَ رواية الجمهور فيه "فأتموا" وعند ابن أبي شَيْبَة بلفظ

стр. 3834

"فاقضوا" وعند مُسْلم من رواية ابن سِيْرين بلفظ "صل ما أدركت واقض ما سبقك" والحاصل أن أكثر الروايات بلفظ "فأتموا" وأقلها بلفظ "فاقضوا" وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا واختلف في لفظة منه، وأمكن رد الخلاف إلى معنى واحد، كان أولى. قلت: ومن هنا اختلف العلماء في هذا الحديث على ثلاثة مذاهب: فقالت المالكية: إنه يقضي الأقوال، يعنون القراءة خاصة، ويبني في الأفعال، فحملوا رواية "فاقضوا" على الأقوال، ورواية "فأتموا" على الأفعال جمعًا بين الروايتين، فما أدركه مع الإِمام هو أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، فيقضيها. واستدلوا أيضًا بما رواه البيهقيّ عن قتادة أن عليَّ بن أبي طالب قال: ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به الإِمام من القراءة. وأخذت الشافعية برواية "فأتموا" وجعلوا ما أدرك مع الإِمام أول صلاته؛ لأن الإتمام لا يكون إلا للآخر؛ لأنه يستدعي سبق أول. وقد روى البَيْهَقِيّ عن عَلِيّ رضي الله تعالى عنه "ما أدركت فهو أول صلاتك" وبقول الشافعية قال إسحاق والأوَزْاعيّ وابن المُسَيِّبَ والحَسَن وعَطَاء ومَكْحُول، ورواية عن مالك وأحْمَد، وحملوا رواية "فاقضوا" على معنى الأداء أو الفراغ؛ لأن القضاء، وإن كان يطلق على الفائدة غالبًا، فإنه يطلق على الأداء وعلى الفراغ، كقوله ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] وإذا حمل قوله هنا "فاقضوا" على معنى الأداء أو الفراغ، لم يغاير قوله "فأتموا" فلا حجة فيه لمن تمسك برواية "فاقضوا" على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، حتى استحب له الجهر في الركعتين الأخيرتين، وقراءة السورة وترك القنوت، بل هو أولها وإن كان آخر صلاة إمامه، لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإمام آخرًا لما احتاج إلى إعادة التشهد، وأجاب ابن بطال عنه بأنه ما تشهد إلا لأجل السَلام،

стр. 3835

لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد، واستدل ابن المنذر لذلك أيضًا على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى. وأخذت الحَنَفية برواية "فاقضوا" وقالوا إن ما أدركه هو آخر صلاته، وأن يكون قاضيًا في الأقوال والأفعال، وهو قول سُفيان ومُجَاهِد وابن سِيْرين. قال ابن الجَوْزِيّ: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبي حَنِيفَة أنه آخر صلاته، ورواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول أشْهَبُ وابن الماجِشُون، واختاره ابن حَبيب، وأجاب القائلون بهذا عن رواية "فأتموا" بأن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإِمام، فحمل قوله فأتموا على أن من قضى ما فاته فقد أتم؛ لأن الصلاة تنقضي بما فات، فقضاؤه إتمام لما نقص، وتظهر ثمرة الخلاف فيمن أدرك أخيرة المغرب، فعلى ما ذهب إليه مالك يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرًا لأنه قاضي القول، ويجلس؛ لأنه بان في الفعل، ثم بركعة بأم القرآن وسورة أيضًا جهرًا؛ لأنه قاضي القول، ويتشهد ويسلم. وعلى ما ذهب إليه الشافعيّ يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهراً ويجلس، ثم يأتي بركعة بأم القرآن فقط، هذا هو القياس. وهو قول المُزَنِي منهم، والمشهور في مذهبهم أنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السورة مع أم القرآن في الرباعية والثلاثية، إلا أنه لا تستحب له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين، وكأنَّ الحجة عندهم في ذلك قوله "ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القراءة" وقد مرَّ أن البَيْهَقِيّ أخرجه. وعلى ما ذهب إليه أبو حَنِيفَة يأتي بركعتين بأم القرآن وسورة جهرًا، ولا يجلس بينهما؛ لأنه قاضٍ فيهما قولًا وفعلًا واستدل به على أن من أدرك الإِمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته الوقوف والقراءة فيه، وهو قول أبي هُرَيرة وجماعة، بل حكاه البُخَاريّ في القراءة خلف الإِمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإِمام، واختاره ابن خُزَيْمَةَ والضُّبَعيّ وغيرهما من محدِّثي الشافعية، وقواه الشيخ تقيّ الدين السُّبْكيّ من المتأخرين. والجمهور على أنه تحسب له تلك الركعة بإدراك الركوع، وحجتهم حديث أبي بَكْرَة حيث ركع دون الصف، فقال له النبي ﷺ "زادك الله حرصًا" ولم يأمره

стр. 3836

بإعادة تلك الركعة أخرجه المصنف في صفة الصلاة، وحديث معاوية بن أبي سفيان عند أبي داود قال: "قال رسول الله ﷺ : لا تبادروني بركوع ولا سجود، فإنه مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت وإني قد بدنت". رجاله ستة: الأول: آدَمُ بن أبي إيَاس، وقد مرَّ في الثالث من الإيمان، ومرَّ ابن أبي ذِئبٍ في الستين من العلم، ومرَّ الزُّهريّ في الثالث من الوحي، ومرَّ ابن المُسَيِّب في التاسع عشر من الإيمان، ومرَّ أبو هُرَيْرة في الثاني منه، ومرَّ أبو سَلَمة في الرابع من الوحي. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في سبعة، ورواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري. ورواه الزُّهريّ عن شيخين. أخرجه مسلم والتِّرمذيّ. ثم قال المصنف: باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإِمام عند الإقامة قيل: أورد الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قوله في الحديث "لا تقوموا" نهيٌ عن القيام، وقوله: حتى تروني، تسويغ للقيام عند الرؤية، وهو مطلق غير مقيد بشيء من ألفاظ الإقامة، ومن ثم اختلف السَّلَف في ذلك كما سيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.

стр. 3837

الحديث الرابع والثلاثون حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي". قوله: كتب إلى يَحيى بن أبي كَثير عن عبد الله، ظاهره أنه لم يسمعه منه، وقد صرح أبو نُعَيم في "المستخرج" بأن يحيى كتب إلى هِشام أن عبد الله بن أبي قَتَادَةَ حدّثه فأمن بذلك تدليس يحيى وقوله: إذا أقيمت الصلاة، أي إذا ذكرت ألفاظ الإقامة. وقوله: حتى تروني، أي خرجت كما صرح به مسلم عن عبد الرزاق، ولابن حِبَّان "حتى تَرَوْني خرجت إليكم" وفيه مع ذلك حذف تقديره: فقدموا. وقال مالك في المُوَطّأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود، إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف. وذهب الأكثرون، ومنهم الشافعي إلى أنهم إذا كان الإِمام معهم في المسجد، لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة، وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المُؤَذِّن "قد قامت الصلاة" رواه ابن المُنْذر وغيره، ورواه سَعيد بن منصور عن أصحاب عبد الله وعن سَعيد بن المُسَيِّب. قال: إذا قال المؤذن "الله أكبر" وجب القيام، وإذا قال حي على الصلاة عدلت الصفوف، فإذا قال لا إله إلا الله كبر الإِمام. وعن أبي حَنِيفَة، يقومون إذا قال حي على الفلاح. فإذا قال: قد قامت الصلاة كبَّر الإمام. وقال أحمد. يقوم إذا قال حي على الصلاة. وأما إذا لم يكن الإِمام في المسجد، فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذكرنا على التفصيل السابق. وحديث الباب حجة

стр. 3838

عليهم، وفيه جواز الإقامة والإمام في منزله إذا كان يسمعها، وتقدم إذنه في ذلك. وقال القُرْطُبيُّ: ظاهر الحديث أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي ﷺ من بيته، وهو معارض بحديث جابر بن سمرة عند مسلم "أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي ﷺ " ويجمع بينهما أن بلالًا كان يراقب خروج النبي ﷺ ، فأول ما يراه يشرع في الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم، ويشهد لهذا ما رواه عبد الرَّزَّاق عن ابن شهاب "أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن "الله أكبر" يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبي ﷺ مقامه حتى تعتدل الصفوف. وأما حديث أبي هُرَيرة الآتي قريبًا بلفظ "أقيمت الصلاة فسوى الناس صفوفهم، فخرج النبي ﷺ ولفظه في "مستخرج" أبي نُعِيم "فصف الناس صفوفهم، ثم خرج علينا" ولفظه عند مُسْلِم "أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبي ﷺ ، فأتى فقام مقامه ... " الحديث. وعنه عند أبي داود "أن الصلاة كانت تقام لرسول الله ﷺ ، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجىء النبي ﷺ " فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هُرَيرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قَتَادَةَ وأنهم كانوا ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي ﷺ ، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطىء فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره، ولا يرد على هذا حديث أنس الآتي "أنه قام مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم" لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرًا أو فعله لبيان الجواز. رجاله خمسة: الأول: مُسْلِم بن إبراهيم. والثاني: هشام الدِّسْتَوَائي، وقد مرا في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ يحيى بن أبي كَثِير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ عَبد الله بن أبي قَتَادَةَ وأبوه أبو قَتَادَةَ في التاسع عشر من الوضوء.

стр. 3839

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في موضعين، والقول في أربعة، وفيه الكتابة، وهي من طرق الحديث، وقد مرَّ الكلام عليها في التعاليق الكائنة بعد الخامس من العلم. أخرجه البُخَاريّ في الصلاة أيضًا، ومسلم والنسائي والتِّرمِذِيّ وأبو داود فيها. ثم قال المصنف: باب لا يقوم إلى الصلاة مستعجلًا وليقم إليها بالسكينة والوقار كذا في رواية الحَمَويّ، وسقط من رواية الكُشمِيْهَنيّ، وفي رواية المُسْتَملي "باب لا يسعى إلى الصلاة" وجمعا في رواية الباقين بلفظ "باب لا يسعى إلى الصلاة، ولا يقوم إليها مستعجلًا". وقوله: لا يسعى، كأنّه يشير إلى حديث أبي هُرَيْرة عند مُسلم بلفظ "إذا ثوّب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم" وعند المصنف في باب المشي إلى الجمعة "من كتاب الجمعة" إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسْعَون" ووجه الجمع بين النهي عن السعي في الحديث، وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] هو أن السعي المأمور به في الآية غير السعي المنهي عنه في الحديث؛ لأن السعي في الآية فُسّر بالعمل الذي هو الطاعة والذهاب؛ لأنه لما قابل الله بين الأمر بالسعي والنهي عن البيع، دل على أن المراد بالسعي العمل الذي هو الطاعة؛ لأنه هو الذي يقابل بسعي الدنيا، كالبيع والصناعة، وفسرت أيضًا بالمضي، فاسعوا: فامضوا، والسعي في الحديث فسر بالعدو لمقابلته بالمشي، حيث قال: لا تأتوها تسعَون وأتوها تمشون.

стр. 3840

الحديث الخامس والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ". قوله: وعليكم بالسكينة، في رواية أبي ذَرّ وكريمة بالباء، وفي رواية الأصيليّ وأبي الوقت "وعليكم السكينة" بحذف الباء، وكذا أخرجه أبو عَوَانَةَ عن شَيْبان. وقد مرت مباحث الحديث مستوفاة عند ذكر حديث أبي هريرة قبل باب. رجاله خمسة: الأول: أبو نُعَيم، وقد مرَّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ شَيْبان ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومر ذكر محل عبد الله وأبيه في الذي قبله. ثم قال: تَابَعَهُ عليّ بنُ المُبَارك. أي تابع شَيْبان عَلِيّ بن المُبَارك عن يحيى قال أبو العَبّاس الطّرفيّ تفرد شَيْبانُ وعليّ بن المُبارَك عن يحيى بهذه الزيادة، وتعقب بان مُعاوية بن سَلَام تابعهما عن يحيى، كما رواه أبو داود. وكذا الإسماعيليّ، وهذه المتابعة وصلها البُخاريّ في كتاب الجمعة، وعلي بن المبارك الهُنائِيّ بضم الهاء وتخفيف النون، البَصْريّ، ذكره ابن حبَّان في الثقات وقال: كان ضابطًا متقنًا. وقال يحيى بن سعيد: أما ما رويناه عنه نحن فما سمع، وأما ما رواه عنه الكوفيون فمن الكتاب الذي لم يسمع. وقال الآجُرِيّ عن أبي داود: ثقة، وقال أيضًا: كان عنده كتابان: كتاب سماع وكتاب إرسال، قلت لعباس العَنْبريّ: كيف يعرف

стр. 3841

كتاب الإرسال الذي عند وَكِيع عن عِكْرِمَة، من كتاب الإرسال؟ وكان الناس يكتبون كتاب السماع. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس وقال ابن عَدِيّ: ولعلى أحاديث، وهو ثبت في يحيى متقدم فيه، وهو عندي لا بأس به، ووثقه العجلّي وابن نُمَير وابن مَعين. وقال ابن المَدِينيّ: هو أحب الي من أبان. وقال أحمد: ثقة كانت عنده كتب عن يحيى بن أَبي كثير، بَعضها سمعها وبعضها عرض. وقال ابن مَعِين: قال بعض البصريين: عرض عَلِيّ بن المُبارك على يحيى بن أبي كثير وهو ثقة، وليس أحد في يحيى مثل هِشام الدَّسْتَوَائيّ والأوْزاعيّ، وهو بعدهما. وقال يَعْقُوب بن أبي شَيْبَة: علي والأوْزَاعيّ ثقتان، والأوْزَاعي أثبتهما، ورواية الأوزاعي عن الزُّهري خاصة فيها شيء ورواية عليّ عن يحيى بن أبي كثير فيها وهاء. قال ابن حَجَرَ: أخرج البُخَاري من رواية البصريين عنه خاصة، وأخرج من رواية وَكِيع عنه حديثًا واحدًا توبع عليه، وروى له الباقون، روى عن عبد العزيز بن صُهيب وأيّوب ويحيى بن أبي كثير وهشام بن عُرْوَةَ وغيرهم. وروى عنه وَكِيع والقَطّان وابن المُبارك وابن عُلَيّة ومُسْلم بن قُتَيْبَة وغيرهم. وليس في الستة عليّ بن المُبارك سواه. ثم قال المصنف: باب هل يخرج من المسجد لعلة أي: لضَرورة، كأنه يشير إلى تخصيص ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما عن أبي هُرَيرة "أن النبي ﷺ رأى رجلًا خرج من المسجد، بعد أن أذّن المؤذِّن، فقال: أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم" فإن حديث الباب يدل على أن ذلك مخصوص بمن ليس له ضرورة، فيلحق بالجُنُب المُحْدِثِ والراعف والحاقن ونحوهم. وكذا من يكون امامًا لمسجد آخر، ومن في معناه. وقد أخرجه الطبرانيّ في الأوسط عن أبي هُرَيرة، فصرح برفعه إلى النبي ﷺ ، ولفظه "لا يسمع النداء في مسجدي هذا ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق".

стр. 3842

الحديث السادس والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاَّهُ انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ قَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمْ". فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطُفُ رَأْسُهُ مَاءً وَقَدِ اغْتَسَلَ. هذا الحديث مرت مباحثه مستوفاة عند ذكره في كتاب الغسل في باب "إذا ذكر في المسجد أنه جنب". رجاله ستة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، وقد مرَّ في الأربعين من العلم، ومرَّ إبراهيم في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ أبو هُرَيرة في الثاني منه، ومرَّ صالح بنَ كيْسان في السابع من الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه. وأبو سَلَمة في الرابع منه، فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في أربعة، والقول في موضع واحد، وفيه ثلاثة من التابعين: صالح وما بعده، وشيخ البُخَاريّ من أفراده. ثم قال المصنف: باب إذا قال الإِمام مكانكم حتى نرجع انتظروه هذا اللفظ في حديث الزُّهْرِيّ في الغسل في الباب المذكور آنفًا، وقوله: حتى نرجع، بالنون للكُشْمِيْهَنِيّ، وبالهمزة للأَصيليّ، وبالتحتانية للباقين.

стр. 3843

الحديث السابع والثلاثون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَقَدَّمَ وَهْوَ جُنُبٌ ثُمَّ قَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمْ". فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ. قوله: فتقدم وهو جُنُب، أي في نفس الأمر، لا أنهم اطلعوا على ذلك منه قبل أن يعلمهم، وقد مرَّ في الغسل "فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب" وفي رواية أبي نُعِيم ذكر أنه لم يغتسل، وهذا هو ما قبله، وقد مرت مباحثه في الغسل في الباب المذكور آنفًا. رجاله ستة: الأول: إسحاق بن منصور، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ محمد بن يُوسُف الفِرْيابيّ في العاشر منه، ومرَّ الأوْزَاعيّ في العشرين منه، والزّهريّ وأبو سَلَمة وأبو هُريرة مرَّ محل ذكرهم في الذي قبله. ثم قال المصنف: باب قول الرجل للنبي ﷺ ما صلينا قال ابن بطال: فيه رد لقول إبراهيم النَّخَعِيّ يكره أن يقول الرجل لم نصل، ويقول نصلي، وكراهة النّخَعي إنما هي في حق منتظر الصلاة، وقد صرح ابن بَطّال بذلك، ومنتظر الصلاة في صلاة كما ثبت بالنص، فإطلاق النظر "ما صلينا" يقتضي نفي ما أثبته الشارع، فلذلك كرهه. والإطلاق الذي في حديث "إنما كان من ناس لها أو مشتغل عنها بالحرب" كما مرَّ تقريره في باب "من صلى بالناس جماعة بعد خروج الوقت" في أبواب المواقيت، فافترق حكمهما

стр. 3844

وتغايرا، والذي يظهر أن البُخَاريّ أراد أن ينبه على أن الكراهة المحكية عن النخعي ليست على إطلاقها، لما دل عليه حديث الباب. ولو أراد الرد على النَّخَعِيّ مطلقًا لأفصح به كما أفصح بالرد على ابن سيرين في ترجمته "فاتتنا الصلاة" ثم إن اللفظ الذي أورده المؤلف وقع النفي فيه من قول النبي ﷺ ، لا من قول الرجل، لكن في بعض طرقه وقوع ذلك من الرجل أيضًا، وهو عمر كما أورده في المغازي، وهذه عادة معروفة للمؤلف، يترجم ببعض ما وقع في طرق الحديث الذي يسوقه، ولو لم يقع في الطريق التي يوردها في تلك الترجمة، ويدخل في هذا ما في الطَّبراني من حديث "جُنْدُب" قصة النوم عن الصلاة فقالوا: يا رسول الله، سهونا فلم نصل حتى طلعت الشمس". قلت: اعتراض صاحب الفتح بأن لفظ "ما صلينا" صدر منه ﵊، لا من الرجل في غير محله، فإن البُخَاريّ لم يرد بقوله الرجل أن الرجل قال ذلك في الحديث، وإنما أراد أن الرجل من المسلمين، إذا قال لك: ما حكمه، ولكن هذا إنما يَتَمَشّى على نسخة باب قول الرجل فقط، دون قوله للنبى ﷺ ، وأما على هذه النسخة فالاعتراض وارد.

стр. 3845

الحديث الثامن والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا" فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بُطْحَانَ وَأَنَا مَعَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى يَعْنِى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ. قوله: ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس تغرب، وذلك بعدما أفطر الصائم. قال الكِرْمَانيّ مستشكلًا كيف يكون المجيء بعد الغروب؛ لأن الصائم إنما يفطر حينئذ مع تصريحه بأنه جاء في اليوم، ثم أجاب بأن المراد بقوله "يوم الخندق" زمان الخندق، والمراد به بيان التاريخ لا خصوص الوقت، والذي يظهر أن الإشارة بقوله "وذلك بعدما أفطر الصائم" إشارة إلى الوقت الذي خاطب به عمر النبي ﷺ ، لا إلى الوقت الذي صلى فيه عمر العصر، فإنه كان قرب الغروب، كما تدل عليه، "كاد". وأما إطلاق اليوم وإرادة زمان الوقعة لا خصوص النهار، فهو كثير، وهذا الحديث قد استوفيت مباحثه في باب "من صلى بالناس جماعة بعد خروج الوقت" في أبواب المواقيت. رجاله خمسة: الأول: أبو نُعَيم، وقد مرَّ في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ شَيْبان ويحيى في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ أبو سَلَمة وجابر في الرابع من الوحي، ومرَّ عمر في الأول منه.

стр. 3846

فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في موضع، والسماع في موضع، والقول في ثلاثة، وقد مرَّ ذكر مواضع في باب من صلى بالناس جماعة. ثم قال المصنف: باب الإِمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة أي هل يباح له التَّشَاغل بها قبل الدخول في الصلاة أو لا؟ وتَعْرِض بكسر الراء أي تظهر.

стр. 3847

الحديث التاسع والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُنَاجِي رَجُلاً فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ، فَمَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ. في رواية "سمع أنسا"، وقوله أقيمت الصلاة أي صلاة العشاء، بيّنه حَمّاد بن ثابت عن أنس عند مسلم. وقوله: يناجي رجلًا، أي يحادثه، قال "في الفتح": لم أقف على اسم هذا الرجل، وذكر بعض الشراح أنه كان كبيرًا في قومه، فأراد أن يتألفه على الإِسلام، ولم يذكر مستندًا لذلك، ويحتمل أن يكون ملكًا من الملائكة، جاء بوحي من الله تعالى، ولا يخفى بعد هذا. وقوله: حتى نام بعض القوم، زاد شُعْبَةُ عن عبد العزيز "ثم قام فصلى" أخرجه مسلم، وهو عند المصنف في الاستئذان، وفي مسند إسحاق بن راهَوَيهِ "حتى نَعَسَ بعض القوم" وكذا ابن حِبَّان، وهذا يدل على أن النوم المذكور لم يكن مستغرقًا، وقد مرَّ تحرير المسألة في باب الوضوء من النوم من كتاب الوضوء. وفي الحديث جواز مناجاة الواحد غيره بحضور الجماعة، وترجم عليه في الاستئذان طول النجوى، وفيه جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، وإلا فهو مكروه، واستدل به للرد على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذا قال: قد قامت الصلاة، وجب على الإِمام التكبير. قال الزَّيْن بن المُنِير: خص المصنف الإِمام بالذكر مع أن الحكم عام؛ لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجة النبي ﷺ لقوله "والنبي ﷺ يناجي رجلا" ولو كان لحاجة الرجل لقال أنس "ورجل يناجي رسولَ الله ﷺ " وهذا ليس بلازم؛ لأن المناجاة من الاثنين، سواء الحاجة لأيهما فيها. وفيه غفلة منه عما في صحيح مسلم

стр. 3848

بلفظ "أقيمت الصلاة فقال رجل: لي حاجة، فقام النبي ﷺ يناجيه" والذي يظهر أن الحكم إنما يتعلق بالإمام. لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين، بخلاف الإِمام. رجاله أربعة: الأول: أبو مَعْمَر. والثاني: عبد الوارِث، وقد مرا في السابع عشر من العلم، ومرَّ عبد العزيز بن صُهَيْب في الثامن من الإيمان، ومر أنَسَ في السادس منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع، والقول في ثلاثة، ورواته كلهم بصريون. ثم قال المصنف: باب الكلام إذا أقيمت الصلاة لما كانت مسألة الكلام بين الإحرام والإقامة تشمل الإِمام والمأموم، أطلق المؤلف الترجمة ولم يقيدها بالإمام، وأشار بذلك إلى الرد على من كرهه مطلقًا.

стр. 3849

الحديث الأربعون حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ سَأَلْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِىَّ عَنِ الرَّجُلِ يَتَكَلَّمُ بَعْدَمَا تُقَامُ الصَّلاَةُ فَحَدَّثَنِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَعَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بَعْدَمَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ. قوله: سألت ثابتًا، يشعر بأن الاختلاف في حكم المسألة كان قديماً، ثم إنه ظاهر في أنه أخذه عن أنس بواسطة ثابت، وقد رواه عامة أصحاب حُمَيد عنه عن أنَس بغير واسطة. أخرجه أحمد وابن حِبّان عن حُميد عن أنس. لكن ليس في شيء من طرقه تصريحه بسماعه له من أنس، وهو مدلّس، فالظاهر أن رواية عبد الأعلى هي المتصلة. وقوله: فحبسه، أي منعه من الدخول معه في الصلاة، وزاد هُشَيم في روايته "حتى نعس بعض القوم". لا يدخل في هذا الباب ما يأتي في الإمامة عن أنس. قال: أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه. زاده ابن حبَّان قبل أن يكبر "فقال أقيموا صفوفكم، وتراصوا" لكن لما كان هذا يتعلق بمصلحة الصلاة كان الاستدلال بالأول أظهر في جواز الكلام مطلقًا. رجاله خمسة: الأول: عَيّاش بن الوليد وقد مرَّ في الخامس والثلاثين من الغُسل، ومرَّ عبد الأعلى في الثالث من الإيمان، ومرَّ حُمَيد الطويل في الثاني والأربعين منه، ومرَّ أنَس في السادس منه، ومرَّ ثابت البُنَاني في تعليق بعد الخامس من العلم.

стр. 3850

لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، والقول في ثلاثة، والسؤال في موضع، ورواته كلهم بصريون، والحديث أخرجه أبو داود في الصلاة.

стр. 3851

خاتمة اشتمل كتاب الأذان وما معه من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثًا، المعلق منها ستة أحاديث، المكرر فيه وفي ما مضى ثلاثة وعشرون حديثًا، والخالصُ أربعةٌ وعشرون، ووافقه مُسْلِم على تخريجها سوى أربعة أحاديث؛ حديث أبي سَعيد "لا يسمع مدى صوت المؤذن" وحديث معاوية وجابر في القول عند سماع الأذان، وحديث بلال في جعل أصبعيه في أذنيه، وفيه من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم ثمانية آثار، والله أعلم. ثم قال المصنف: أبواب صلاة الجماعة والإمامة لم يفرده البخاري بكتاب، بل أتبع به كتاب الأذان لتعلقه به، لكن ترجم عليه أبو نُعيم في "المستخرج" كتاب صلاة الجماعة، فلعلها رواية شيخه أبي أحمد الجرجانيّ ثم قال: باب وجوب صلاة الجماعة هكذا بت الحكم في هذه المسألة، وكان ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، ويأتي ما قيل في ذلك. ثم قال: وقالَ الحَسَنُ: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شَفَقَةً عليهِ لمْ يُطْعِها. ذكره لهذا الأثر مُشْعِرٌ باختياره أن وجوبها عيني، لما عرف من عاداته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها، وتعيين أحد الاحتمالات في

стр. 3852

حديث الباب. وبهذا يجاب عمن اعترض عليه بأن قول الحسن يستدل له لا به. واللفظ المرويّ عن الحسن في رجل يصوم تطوعًا فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم وأجر البر. قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة، وهذا المروي عنه اثم، وأصرح مما ذكره المصنف. والحسن المراد به البصريّ، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان، وهذا التعليق قال ابن حَجَر: لم ينبه أحد من الشُّرَّاح على من وصله، وقد وجدته بمعناه، وأتم منه وأصرح في كتاب الصيام للحسن بن الحسن المَرْوَزِيّ بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم تطوعًا إلخ.

стр. 3853

الحديث الأول حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ". قوله: عن الأعرج، في رواية السّراج عن أبي الزناد "سمع الأعرج". وقوله: والذي نفسي بيده، هو قسم كان النبي ﷺ كثيرًا ما يقسم به، والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله، أي بتقديره وتدبيره. وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهًا على عظم شأنه. وفيه الرد على من كره أن يحلف بالله مطلقًا. وقوله: لقد هممت، اللام جواب القسم، والهَمّ العزم، وقيل: دونه، وزاد مسلم في أوله "أنه ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات، فقال: لقد هممت" فأفاد ذكر سبب الحديث. وقوله: بحطب ليحطب، كذا للحَمَويّ، والمُسْتَملي بلام التعليل، وللكُشْمِيْهَنِيّ والباقين "فيحطب" بالفاء، وكذا هو في "الموطأ" منصوبًا عطفًا على الذي قبله مبنيًا للمجهول. وفي روية وحطب واحتطب بمعنى واحد. قال "في الفتح": أي يكسر ليسهل اشتعال النار فيه، ويحتمل أن يكون أطلق ذلك عليه قبل أن يتصف به تجوزًا، بمعنى أنه سيتصف به. وقال العَيْنِيّ: لم يقل أحد من أهل اللغة أن معنى يحطب يكسر، بل المعنى يجمع. وقوله: ثم آمر بالصلاة، وقد اختلف في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، قيل: هي العشاء، وقد يومىء إلى أنها العشاء حديث الباب، لقوله في

стр. 3854

آخره "لشهد العشاء" وفي رواية مسلمًا "يعني العشاء" وفي رواية لهما الإيماء إلى أنها العشاء، وعينها السّراج في رواية أنها العشاء، حيث قال في صدر الحديث "أخّر العشاء ليلة، فخرج فوجد الناس قليلًا، فغضب" فذكر الحديث. ولابن حبَّان يعني الصلاتين العشاء والغداة. وعند أحمد التصريح بتعيين العشاء، وسائر الروايات عن أبي هُرَيرةَ على الإبهام. وأخرجه عبد الرَّزَّاق والبَيْهَقِيّ عن معمر فقال: الجمعة، ولكن قال البَيْهَقِيّ بشذوذ هذه الرواية، ويدل على ذلك ما رواه أبو داود والطَّبَرانيّ عن أبي هُرَيرة من هذا الوجه أن أبا هُرَيرة لم يذكر جمعة ولا غيرها. وفي حديث ابن مسعود وعند مسلم الجزم بأنها الجمعة، وهو حديث مستقل مخرجه مغاير لحديث أبي هُرَيرة، فلا يقدح أحدهما في الآخر، فيحمل على أنهما واقعتان. كما أشار إليه النوويّ والمُحبّ الطَّبَرِيّ، وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هُرَيْرة على تعيين العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خُزَيْمَةَ وأحمد والحاكم عنه "أن رسول الله ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: لقد هممت أني آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأُحَرِّق عليهم بيوتهم، فقام أم ابن مكتوم فقال: يا رسول الله، قد علمت ما بي وليس قائد" زاد أحمد "وأن بيني وبين المسجد شجرًا ونخيلًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال: أتسمع الإقامة؟ قال: أسمعها قال: فاحضرها" ولم يرخص له. ولابن حبان من حديث جابر قال: أتسمع الأذان؟ قال: نعم، قال: فأتها ولو حبوًا. وقد حمله العلماء على أنه كان لا يَشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العُميان، وعلل اختصاص العشاء والفجر بهذا بأن غيرها مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فإنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت والأكل، ولاسيما للصائم مع ضيق وقتها بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنها عذر غير الكسل المذموم. وفي المحافظة عليهما أيضًا انتظام الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويختموه كذلك. وفي رواية عن أبي هريرة عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد،

стр. 3855

ويأتي في الحديث أن العشاء والفجر أثقل على المنافقين من غيرهما، وإنما كانتا أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما لأن العشاء وقت السكون والراحة، والصبح وقت لذة النوم. وقيل: وجهه كون المؤمنين يفوزون بما ترتب عليهما من الفضل لقيامهم بحقها دون المنافقين. وقوله: ثم أخالف إلى رجال، أي آتيهم ملأ خلفهم. قال الجَوْهَريّ: خالف إلى فلان، أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أُخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، وأتركه وأسير إليهم، أو معنى أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، أو أخالف أتخلف، أي عن الصلاة إلى قصد المذكورين، والتقييد بالرجال يُخرج النساء والصبيان. وقوله: فَأُحَرِّقُ بالتشديد، والمراد به المبالغة، يقال: حرّقه إذا بالغ في تحريقه، وقوله: عليهم، يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين والبيوت تبعًا للقاطنين فيها. وفي رواية مسلم "فأحرق بيوتًا على من فيها". وقوله: والذي نفسي بيده، فيه إعاده اليمين للمبالغة في التأكيد. وقوله: أنه يجد عرقًا، أي بفتح المهملة وسكون الراء بعدها قاف. قال الأَزْهَرِي: العَرْق بالفتح واحد العُراق، بالضم، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق فيكسرويطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عرقت العظم واعترقته وتعرقته إذا أخذت اللحم منه نهشًا. وقال الأصْمَعيّ: العَرْق بسكون الراء قطعة لحم، ونقل جمع العَرْق على العِراق بكسر العين، وهو أقيس. وقال الخليل: العِراق العظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم فهو عَرْق. وقوله: ومِرمَاتين، تثنية بكسر الميم، مثل مِنسأة ومِيضأة، وهي ما بين ظلفي الشاة من اللحم أو الظلفان نفسهما. قال عِيَاض: فالميم على هذا أصلية. قلت: لم أفهم وجه أصالتها مع أنها شبهت بمِنسأة ومِيضأة والميم فيهما زائدة، وأيضًا القاعدة التصريفية أن الميم إذا سبقت ثلاثة أحرف أصلية يحكم عليها بالزيادة، وهي كذلك. وقيل: المِرماة لعبة كانوا
следующие страницы →