← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

خاتمة اشتمل كتاب الأذان وما معه من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثًا، المعلق منها ستة أحاديث، المكرر فيه وفي ما مضى ثلاثة وعشرون حديثًا، والخالصُ أربعةٌ وعشرون، ووافقه مُسْلِم على تخريجها سوى أربعة أحاديث؛ حديث أبي سَعيد "لا يسمع مدى صوت المؤذن" وحديث معاوية وجابر في القول عند سماع الأذان، وحديث بلال في جعل أصبعيه في أذنيه، وفيه من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم ثمانية آثار، والله أعلم. ثم قال المصنف: أبواب صلاة الجماعة والإمامة لم يفرده البخاري بكتاب، بل أتبع به كتاب الأذان لتعلقه به، لكن ترجم عليه أبو نُعيم في "المستخرج" كتاب صلاة الجماعة، فلعلها رواية شيخه أبي أحمد الجرجانيّ ثم قال: باب وجوب صلاة الجماعة هكذا بت الحكم في هذه المسألة، وكان ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية، ويأتي ما قيل في ذلك. ثم قال: وقالَ الحَسَنُ: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شَفَقَةً عليهِ لمْ يُطْعِها. ذكره لهذا الأثر مُشْعِرٌ باختياره أن وجوبها عيني، لما عرف من عاداته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها، وتعيين أحد الاحتمالات في

стр. 3852

حديث الباب. وبهذا يجاب عمن اعترض عليه بأن قول الحسن يستدل له لا به. واللفظ المرويّ عن الحسن في رجل يصوم تطوعًا فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم وأجر البر. قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة، وهذا المروي عنه اثم، وأصرح مما ذكره المصنف. والحسن المراد به البصريّ، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان، وهذا التعليق قال ابن حَجَر: لم ينبه أحد من الشُّرَّاح على من وصله، وقد وجدته بمعناه، وأتم منه وأصرح في كتاب الصيام للحسن بن الحسن المَرْوَزِيّ بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم تطوعًا إلخ.

стр. 3853

الحديث الأول حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ". قوله: عن الأعرج، في رواية السّراج عن أبي الزناد "سمع الأعرج". وقوله: والذي نفسي بيده، هو قسم كان النبي ﷺ كثيرًا ما يقسم به، والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله، أي بتقديره وتدبيره. وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهًا على عظم شأنه. وفيه الرد على من كره أن يحلف بالله مطلقًا. وقوله: لقد هممت، اللام جواب القسم، والهَمّ العزم، وقيل: دونه، وزاد مسلم في أوله "أنه ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات، فقال: لقد هممت" فأفاد ذكر سبب الحديث. وقوله: بحطب ليحطب، كذا للحَمَويّ، والمُسْتَملي بلام التعليل، وللكُشْمِيْهَنِيّ والباقين "فيحطب" بالفاء، وكذا هو في "الموطأ" منصوبًا عطفًا على الذي قبله مبنيًا للمجهول. وفي روية وحطب واحتطب بمعنى واحد. قال "في الفتح": أي يكسر ليسهل اشتعال النار فيه، ويحتمل أن يكون أطلق ذلك عليه قبل أن يتصف به تجوزًا، بمعنى أنه سيتصف به. وقال العَيْنِيّ: لم يقل أحد من أهل اللغة أن معنى يحطب يكسر، بل المعنى يجمع. وقوله: ثم آمر بالصلاة، وقد اختلف في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، قيل: هي العشاء، وقد يومىء إلى أنها العشاء حديث الباب، لقوله في

стр. 3854

آخره "لشهد العشاء" وفي رواية مسلمًا "يعني العشاء" وفي رواية لهما الإيماء إلى أنها العشاء، وعينها السّراج في رواية أنها العشاء، حيث قال في صدر الحديث "أخّر العشاء ليلة، فخرج فوجد الناس قليلًا، فغضب" فذكر الحديث. ولابن حبَّان يعني الصلاتين العشاء والغداة. وعند أحمد التصريح بتعيين العشاء، وسائر الروايات عن أبي هُرَيرةَ على الإبهام. وأخرجه عبد الرَّزَّاق والبَيْهَقِيّ عن معمر فقال: الجمعة، ولكن قال البَيْهَقِيّ بشذوذ هذه الرواية، ويدل على ذلك ما رواه أبو داود والطَّبَرانيّ عن أبي هُرَيرة من هذا الوجه أن أبا هُرَيرة لم يذكر جمعة ولا غيرها. وفي حديث ابن مسعود وعند مسلم الجزم بأنها الجمعة، وهو حديث مستقل مخرجه مغاير لحديث أبي هُرَيرة، فلا يقدح أحدهما في الآخر، فيحمل على أنهما واقعتان. كما أشار إليه النوويّ والمُحبّ الطَّبَرِيّ، وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هُرَيْرة على تعيين العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خُزَيْمَةَ وأحمد والحاكم عنه "أن رسول الله ﷺ استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: لقد هممت أني آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأُحَرِّق عليهم بيوتهم، فقام أم ابن مكتوم فقال: يا رسول الله، قد علمت ما بي وليس قائد" زاد أحمد "وأن بيني وبين المسجد شجرًا ونخيلًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال: أتسمع الإقامة؟ قال: أسمعها قال: فاحضرها" ولم يرخص له. ولابن حبان من حديث جابر قال: أتسمع الأذان؟ قال: نعم، قال: فأتها ولو حبوًا. وقد حمله العلماء على أنه كان لا يَشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العُميان، وعلل اختصاص العشاء والفجر بهذا بأن غيرها مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فإنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت والأكل، ولاسيما للصائم مع ضيق وقتها بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنها عذر غير الكسل المذموم. وفي المحافظة عليهما أيضًا انتظام الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويختموه كذلك. وفي رواية عن أبي هريرة عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد،

стр. 3855

ويأتي في الحديث أن العشاء والفجر أثقل على المنافقين من غيرهما، وإنما كانتا أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما لأن العشاء وقت السكون والراحة، والصبح وقت لذة النوم. وقيل: وجهه كون المؤمنين يفوزون بما ترتب عليهما من الفضل لقيامهم بحقها دون المنافقين. وقوله: ثم أخالف إلى رجال، أي آتيهم ملأ خلفهم. قال الجَوْهَريّ: خالف إلى فلان، أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أُخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، وأتركه وأسير إليهم، أو معنى أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، أو أخالف أتخلف، أي عن الصلاة إلى قصد المذكورين، والتقييد بالرجال يُخرج النساء والصبيان. وقوله: فَأُحَرِّقُ بالتشديد، والمراد به المبالغة، يقال: حرّقه إذا بالغ في تحريقه، وقوله: عليهم، يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين والبيوت تبعًا للقاطنين فيها. وفي رواية مسلم "فأحرق بيوتًا على من فيها". وقوله: والذي نفسي بيده، فيه إعاده اليمين للمبالغة في التأكيد. وقوله: أنه يجد عرقًا، أي بفتح المهملة وسكون الراء بعدها قاف. قال الأَزْهَرِي: العَرْق بالفتح واحد العُراق، بالضم، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق فيكسرويطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عرقت العظم واعترقته وتعرقته إذا أخذت اللحم منه نهشًا. وقال الأصْمَعيّ: العَرْق بسكون الراء قطعة لحم، ونقل جمع العَرْق على العِراق بكسر العين، وهو أقيس. وقال الخليل: العِراق العظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم فهو عَرْق. وقوله: ومِرمَاتين، تثنية بكسر الميم، مثل مِنسأة ومِيضأة، وهي ما بين ظلفي الشاة من اللحم أو الظلفان نفسهما. قال عِيَاض: فالميم على هذا أصلية. قلت: لم أفهم وجه أصالتها مع أنها شبهت بمِنسأة ومِيضأة والميم فيهما زائدة، وأيضًا القاعدة التصريفية أن الميم إذا سبقت ثلاثة أحرف أصلية يحكم عليها بالزيادة، وهي كذلك. وقيل: المِرماة لعبة كانوا

стр. 3856

يلعبونها بنصال محددة يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المِرماة والمِدحاة، ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث، لأجل التثنية، وقيل: المرماة سهم الهدف، ويؤيده ما في حديث أبي هُريرة "لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي، كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل" وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرميّ وهو سهم دقيق مستوي غير محدد، قال ابن المُنِير: ويدل على ذلك التثنية فإنها مشعرة بتكرار الرامي بخلاف السهام المحددة الحربية، فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزَّمَخْشَريّ: تصير المِرْمَاة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، ووجهه ابن الأَثير بأنه لما ذكر العظم السمين، وكان مما يؤكل، أتبعه بالسهمين لأنهما مما يُلَهّى به، ووصف العَرْق بالسمين، والمِرماة بالحسن، ليكون ثَمّ باعثٌ نفسانيّ على تحصيلهما. وقوله: لشهد العشاء أي صلاتها، فالمضاف محذوف، والمعنى لو علم أنه لو حضر الصلاة يجد نفعًا دنيويا، وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها، لقصور همته على الدنيا، ولا يحضرها لمالها من مثوبات الأخرى ونعيمها، فهو وصف بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل به رفيع الدرجات ومنازل الكرامات، وحديث الباب ظاهر في كون الجماعة فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه، ويحتمل أن يقال إن التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية، كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة، ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك. وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عَطَاء والأَوْزَاعيّ وأحمد وجماعة من محدِّثي الشافعية، كأبي ثَور وابن خُزَيْمَة وابن المُنذر وابن حِبّان، وبالغ داود ومن تبعه فجعلها شرطًا في صحة الصلاة، وهذا مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وهذا هو الغالب، ولكن لما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد، ومن قال بقوله: إنها واجبة غير شرط. وظاهر ما نص

стр. 3857

الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وصححه النَّوَوِيّ في "المنهاج" كأصل الروضة، وبه قال بعض المالكية، واختاره الطَّحَاويّ والكَرْخِيّ وغيرهما من الحنفية، لحديث أبي داود، وصححه ابن حَبّان وغيره، "ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان" أي غلب. ومشهور مذهب مالك وأبي حنيفة أنها سنة مؤكدة، وهو وجه عند الشافعية، لقوله ﵊، فيما رواه الشيخان "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" ولمواظبته ﷺ ، وبما رواه الحاكم، وصححه عن أُبيّ بن كَعْب رضي الله تعالى عنه "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع رجل، وما كثر فهو أحب إلى الله " وبقوله ﷺ للذين صليا في رحالهما من غير جماعة "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد، فصليا فإنهما لكما نافلة، فلو كانت فرضًا لأمرهما بالإعادة" ومثل هذا جرى لمحجن الدُئليّ: ذكره في الموطأ. وعند المالكية قول بأنها ندب وجمع ابن رشد بين الأقوال الثلاثة، فقال: فرض في حق أهل البلد سنة في حق كل مسجد ندب في حق كل فصل. وأجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة: منها ما قال ابن بُزَيْزة أن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب، لكونه ﷺ هَمّ بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما همّ بتركها إذا توجه، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين. الثاني: قال ابن بطّال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعده بالإحراق: من تخلف عن الجماعة لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت البيان، وتعقب بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون بالدلالة، فلما قال ﷺ "لقد هممت" إلخ دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان.

стр. 3858

ثالثها: أن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة، التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك، وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا، كما يدل عليه حديث أبي هُريرة الآتي في الجهاد، الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع. رابعها: كونه ﷺ ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. وقال عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة؛ لأنه ﵊ هم ولم يفعل. زاد النَّوَوِيّ: ولو كان فرض عين ما تركهم، قال ابن دَقِيق العِيْد: هذا ضعيف؛ لأنه ﵊ لا يهم إلا بما يجوز له فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب، لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو ما رواه أحمد عن المَقْبريّ عن أبي هُريرة "لولا ما في البيوت من النساء والذرية، لأقمت صلاة العشاء، وأمرتُ فِتياتي يحرقون .. " الحديث. خامسها: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة، وهو متعقب بأن في رواية مسلم "لا يشهدون الصلاة" أي لا يحضرون، وفي رواية عجلان عن أبي هُرَيرة عند أحمد "لا يشهدون العشاء في الجميع" أي في الجماعة. وفي حديث أُسَامة بن زيد عند ابن ماجَه مرفوعًا "لَيَنْتَهِينَّ رجالٌ عن تركهم الجماعات أو لأحرِّقن بيوتهم". سادسها: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، وهذا قريب من الثالث. سابعها: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل، وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على

стр. 3859

تركهم الجماعة، مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان معرضًا عنهم وعن عقويتهم، مع علمه بطويتهم. وقد قال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" وتعقب ابن دَقيق العِيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلا إذا ادعى أنّ ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيرًا فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقويتهم. والذي يظهر أن الحديث ورد في حق المنافقين، لقوله في صدر الحديث الآتي بعد أربعة أبواب "ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر" ولقوله "لو يعلم أحدهم .. " إلخ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عَجْلاَن "لا يشهدون العشاء في الجميع" وقوله في حديث أُسامة "لا يشهدون الجماعة" ولما هو أصرح من ذلك في رواية يزيد بن الاسم عن أبي هُرَيرة عند أبي داود "ثم آتي قومًا يُصَلُّون في بيوتهم، ليست بهم علة" فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا نفاق كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، قاله القرطبي. وأيضًا فقوله في رواية المقْبريّ "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته. قلت: هذا خلاف مذهبنا معاشر المالكية، فإن تحريق الكافر وتغريقه يمنعه عندنا وجود النساء والذرية، إلا لخوف على المسلمين. وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها، قال الطِّيبيّ: خروج المؤمن من هذا الوعيد، ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود عند مسلم

стр. 3860

"لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق" ويدل عليه ما رواه ابن أبي شَيْبَةَ وسَعِيد بن مَنْصور بإسناد صحيح عن ابن عُمَير بن أَنَس "حدثني عمومتي من الأنصار قالوا: قال رسول الله ﷺ : ما يشهدها منافق" يعني العشاء والفجر، ولا يقال هذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد تخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأنا نقول هذا يقوي ما هو الظاهر أولًا من أن المراد بالنفاق نفاق المعصية لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل، لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازًا، لما دل عليه مجموع الأحاديث. ثامنها: ما ادَّعاه بعضهم من أن فرضية الجماعة كانت في أول الإِسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نسخ، حكاه عياض. ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، كما يأتي في الجهاد. وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديثُ الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، كما يأتي في الباب الذي بعد هذا، لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز. تاسعها: أن المراد بذلك الجمعة لا باقي الصلوات؛ لأن الجماعة فيها شرط صحة باتفاق، وقد مرت الأحاديث الواردة في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، هل هي الجمعة، أو العشاء والفجر معًا؟ وقد اعتمد ابن خُزَيْمَةَ وغيره من القائلين بفرضية الجماعة حديث ابن أم مكتوم المتقدم. قالوا إنه دال على فرضية الجماعة في الصلوات كلها، ورجحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكون إلا عن واجب، وفيه نظر، ووراء ذلك أمر آخر ألزم به ابن دَقِيق العِيْد من يتمسك بالظاهر، ولا يتقيد بالمعنى. وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة، فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرها، وأشار للانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نُوْزع في كون القول بما ذكر أولًا ظاهرية محضة، فإن قاعدة حمل المطلق

стр. 3861

على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتباع المعنى؛ لأن غير العشاء والفجر مظنة الشغل بالتكسب وغيره، إلى آخر ما مرَّ بيانه. ولمشروعية الجماعة حكم منها قيام نظام الألفة بين المصلين، ولذا شرعت المساجد في المحال ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران، ومنها قد يتعلم الجاهل من العالم ما يجهله من أحكامها، ومنها مراتب الناس متفاوتة في العبادة فتعم بركة الكامل على الناقص، فتكمل صلاة الجميع. وفي الحديث من الفوائد أيضًا تقديمُ الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفى به عن الأعلى من العقوبة عليه، وفيه جواز العقوبة بالمال، كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم، وفيه نظر، لما مرَّ ولاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به، إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم. وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غِرة؛ لأنه ﷺ هَمّ بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأرادوا أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه البُخَاري في كتاب الأشخاص والأحكام باب "إخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة" يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو امتنع في بيته لددًا ومطلًا أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها، كما أراد ﷺ إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. واستدل به ابن العَرَبيّ وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها، ونوزع في ذلك. ورواية أبي داود فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم كما مرَّ، تعكر عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر، وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها، سواء قلنا واجبة أو مندوبة، كان من تركها أصلًا رأسًا أحق بذلك لكن لا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل، لا دائمًا ولا

стр. 3862

غالبًا؛ لأنه يمكن الفرار منه، أو الإخماد له بعد حصول المقصود من الزجر والإرهاب. وفي قوله في رواية أبي داود "وليست بهم علة" دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا إنها فرض، وكذا الجمعة، وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لإخراج من يستخفي في بيته. ويتركها، ولا بُعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حق الإِمام، كالغُرَمَاء. واستدل به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة، قال ابن بُزَيْزة: وفيه نظر، لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا لا يختلف في جوازه. واستدل به ابن العَرَبيّ علي جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك، وتعقب بأنه منسوخ كما قيل في العقوبة بالمال. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف. والثاني: مالك، وقد مرا في الثاني من الوحي، ومرَّ أبو الزِّناد والأعْرج في السابع من الإيمان، ومرَّ أبو هُريْرَةَ في الثاني منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، والعنعنة في ثلاثة، ورواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاريّ. أخرجه البخاري هنا وفي الأحكام، والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب فضل الجماعة أشار الزَّيْنُ بن المُنِير إلى أن ظاهر هذه الترجمة ينافي الترجمة التي قبلها، ويكفي من الجواب عن ذلك أن كون الشيء واجبًا لا ينافي كونه ذا أفضلية، ولكن الفضائل تتفاوت، فالمراد منها بيان زيادة ثواب صلاة الجماعة على صلاة الفذ.

стр. 3863

ثم قال: وكانَ الأسْودُ إذا فاتَتْهُ الجماعةُ ذهبَ إلى مسجدٍ آخَرَ. يعني أنه إذا فاتته الجماعة في مسجد قومه ذهب إلى مسجد آخر يطلب جماعة، ومناسبته للترجمة هي أنه لولا ثبوت فضيلة الجماعة عنده لما ترك فضيلة أول الوقت والمبادرة إلى خلاص الذمة، وتوجه إلى مسجد آخر. كذا قال المُنِير. والظاهر أن البُخَاريّ قصد الإشارة بأثر الأَسْود وأَنَسْ إلى أن الفضل الوارد في أحاديث الباب مقصور على من جمع في المسجد دون من جمع في بيته مثلًا، لأن التجميع لو لم يكن مختصًا بالمسجد لجمع الأسود في مكانه، ولم ينتقل إلى مسجد آخر لطلب الجماعة، ولما جاء أنس إلى مسجد آخر، كما يأتي قريبًا. وقد مرَّ الكلام على الجماعة في البيت في باب الصلاة في مسجد السوق، وهذا التعليق وصله أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ بإسناد صحيح، والأَسْودُ بن يَزيد قد مرَّ في السابع والستين من العلم. ثم قال: وجاءَ أنسٌ إلى مسجد قد صُلَّي فيهِ، فأذّنَ وأقامَ وصلّى جماعةً. وصله أبو يَعْلى في مسنده عن الجَعْديّ أبي عثمان قال: مرَّ بنا أنَس بن مالك في مسجد بني ثَعْلَبَةَ نحوه، قال: وذلك في صلاة الصبح، فأمر رجلًا فأذّن وأقام وصلّى بأصحابه. وأخرجه ابن أبي شَيْبَةَ عن الجَعْد، وعند البَيْهَقِيّ عن الجَعْدِ نحوه. وقال: مسجد بني رِفاعة. وقال: فجاء أنَس في نحو عشرين من فتيانه، وهو يؤيد ما مر من إرادة التجميع في المسجد، وذكر الطَّحاوِيّ عن الكوفيين ومالك: إن شاء صلى في مسجده وحده، وان شاء أتى مسجدًا آخر يطلب فيه الجماعة، إلا أن مالكًا قال: إلا أن يكون في المسجد الحرام أو مسجد رسول الله ﷺ أو القدس، فلا يخرج منه، ويصلي فيه وحده؛ لأن الصلاة في هذه المساجد أعظم أجرًا ممن صلى في جماعة. وقال الحسن: ما رأينا المهاجرين يبتغون المساجد، وقد اختلف العلماء في الجماعة بعد الجماعة في المسجد، فروي عن ابن مسعود أنه صلى بعلقمة والأسود في مسجد قد جمع فيه، وهو قول عطاء والحسن في رواية، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأشهب عملًا بظاهر قوله ﵊ "صلاة الجماعة

стр. 3864

تفضل على صلاة الفذ .. " إلخ وقال طائفة: لا يجمع في مسجد جمع فيه مرة أخرى. رُوي ذلك عن سالم والقاسم وأبي قِلابَة، وهو قول مالك واللَّيْث وابن المُبَارك والثّوريّ والأوْزَاعيّ وأبي حَنِيفة والشافعيّ إلا أن مالكًا قال: لا يعيد في جماعة إلا في أحد المساجد الثلاثة، وقد مرَّ ما عنده من التفضيل في ذلك، في باب الصلاة في مسجد السوق، وقال: مخالفة الجماعة، وقال مالك والشافعي: إذا كان المسجد على طريق الإِمام له أن يجمع فيه قوم بعد قوم، وحاصل مذهب الشافعي أن لا يكره في المسجد المطروق، وكذا غيره إنْ بَعُد مكان الإِمام، ولم يخف فيه. وقد مر أنَس في السادس من الإيمان

стр. 3865

الحديث الثاني حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. قوله: صلاة الفذ، بالمعجمة، أي المنفرد، ويقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي منفردًا وحده، وقد رواه مسلم عن نافع بسياق أوضح، ولفظة "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده" هذا الحديث واللذان بعده تقدمت مباحثها مستوفاة غاية الاستيفاء في باب الصلاة في مسجد السوق، عند ذكر حديث أبي هُرَيرة هناك. رجاله أربعة: الأول: عبد الله بن يوسف. الثاني: مالك، مرَّ ذكر محلهما في الذي قبله، ونافع قد مرَّ في الثالث والسبعين من العلم، ومرَّ ابن عمر أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. أخرجه مسلم والنَّسائيّ في الصلاة.

стр. 3866

الحديث الثالث حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً. قوله: بخمس وعشرين، في رواية الأصيليّ "خمسًا وعشرين" زاد ابن حبَّان وأبو داود من وجه آخر، عن أبي سعيد "فإن صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة" إلى آخر ما مرَّ مستوفى في الباب المذكور. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف، وقد مرَّ في الثاني من الوحي، ومرَّ اللَّيْث بن سعد في الثالث منه، ومرَّ يَزِيد بن عبد الله اللَّيْثيّ في السابع من المواقيت، ومرَّ أبو سَعيد الخُدْرِيّ في الثاني عشر من الإيمان. الخامس: عبد الله بن خَبَّاب الأنصاري البُخّاري مولاهم، ويقال إنه أخو مُسْلم بن خَبَّاب، وليس بصحيح. ذكره ابن حبَّان في الثقات. وقال ابن عَديّ: أحد أئمة الناس، وهو صَدُوق لا بأس به، وقال أبو حاتم والنَّسائيّ: ثقة. وقال الجوزجاني: سألتهم عنه فلم أرهم يتفقون على جده ومعرفته. روى عن أبي سعيد الخُدريّ، وروى عنه القاسم بن محمد، وهو من أقرانه، ويزيد بن عبد الله اللَّيثيّ ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وبُكَير بن عبد الله الأشجّ. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع وبصيغة الإفراد في موضعين، والعنعنة في موضعين، والقول في موضعين، ورواته ما بين مصري ومدني، وهذا الحديث من أفراد البخاريّ.

стр. 3867

الحديث الرابع حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لاَ يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ. قوله خمسًا وعشرين ضعفًا. كذا في الروايات الموقوف عليها، وحكى الكِرْمَانيّ أن فيه خمسًا وعشرين درجة بتأويل الضعف بالدرجة أو الصلاة، قلت: ما حكاه الكِرْمَانيّ هو الرواية السابقة عن أبي هُرَيْرَةَ في باب الصلاة في مسجد السوق، وقوله: لا يخرجه إلا الصلاة، أي قصد الصلاة في جماعة، واللام فيها للعهد لما بيناه. وقوله: لم يَخْطُ خُطوة، بفتح أوله وضم الطاء، وخُطوة بضم أوله، ويجوز الفَتح. قال الجَوْهريّ: الخُطوة بالضم، ما بين القدمين، ويالفتح المرة الواحدة. وجزم اليَعْمُرِيّ أنها هنا بالفتح. وقال القُرْطُبيّ إنها في روايات مسلم بالضم. وقوله: فإذا صلى، قال ابن أبي جمرة أي: صلى صلاة تامة؛ لأنه ﷺ قال للمسيء صلاته "ارجع فصل، إنك لم تصل" وقوله: في مصلَّاه، أي المكان الذي أوقع الصلاة فيه من المسجد، وكأنّه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرًا على نية انتظار الصلاة، كان كذلك وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث في باب "من لم ير الوضوء إلا من المَخْرَجَين" في

стр. 3868

كتاب الوضوء وفي باب "الحَدَث في المسجد" من أبواب المساجد وفي "باب الصلاة في مسجد السوق". رجاله خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل، وقد مرَّ في الخامس من الوحي، ومرَّ عبد الواحد بن زِيَاد في التاسع من الإيمان، ومرَّ الأعْمَش في الخامس والعشرين منه، ومرَّ أبو صالح وأبو هُرَيرة في الثاني منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والسماع في موضعين، والقول في ستة، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ ومدنيّ. وفيه ورواية التابعيّ عن التابعيّ. باب فضل صلاة الفجر في جماعة هذه الترجمة أخص مما قبلها، ومناسبة حديث أبي هُرَيرة لها من قوله "وتجتمع ملاتكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر" فإنه يدل على مزية لصلاة الفجر على غيرها، وزعم ابن بطال أن في قوله "وتجتمع" إشارة إلى أن الدرجتين الزائدتين على خمس وعشرين تؤخذ من ذلك، ولهذا عقبها برواية ابن عمر التي فيها بسبع وعشرين.

стр. 3869

الحديث الخامس حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تَفْضُلُ صَلاَةُ الْجَمِيعِ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَتَجْتَمِعُ مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قوله: بخمس وعشرين جزءًا، كذا في النسخ، ونقل الزَّرْكَشِيّ أنه وقع في الصحيحين "خمس" بحذف الباء من أوله والهاء من آخره. قال: وخفض خمس على تقدير الباء، كقول الشاعر: أشَارَتْ كُلَيْبٍ بالأكفِ الأصابعُ أي إلى كليب، وأما حذف الهاء، فعلى تأويل الجزء بالدرجة، وقد مرَّ الكلام على اجتماع الملائكة في باب فضل صلاة العصر، وقوله: إن قرآن الفجر كان مشهودًا، أي تشهده ملانكة الليل والنهار. وقد أورد المؤلف هذا الحديث في التفسير بلفظ "فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرين درجة". رجاله ستة: الأول: أبو اليَمَان. والثاني: شُعَيْب، وقد مرَّ في السابع من الوحي، ومرَّ ابن شِهاب في الثالث منه، ومرَّ أبو سَلَمة في الرابع منه، ومرَّ سَعِيد بن المُسَيِّب في التاسع عشر من الإيمان، ومرَّ أبو هُرَيْرَةَ في الثاني منه.

стр. 3870

ثم قال: قال شُعَيْب: وحدّثني نافعٌ عن عبدِ اللهِ بن عُمر قال: تَفْضُلُها بسبعٍ وعشْرينَ درجةً. يعني أن نافعًا حدثه بالحديث مرفوعًا نحوه، إلا أنه قال "بسبع وعشرين درجة" وهو موافق لرواية مالك السابقة، وغيره عن نافع، وطريق شُعَيْب هذه موصولة معطوفة على الإسناد الأول، والتقدير حدثنا أبو اليَمَان قال شعيب: ونظائر هذا كثيرة في الكتاب. قال في الفتح: لكن لم أر طريق شُعَيب هذه إلا عند المصنف، ولم يستخرجها الإسْماعِيليّ ولا أبو نُعيم، ولا أوردها الطَّبرانيّ في مسند الشاميين في ترجمة شُعَيْب. وشُعَيب مرَّ في الأول، ونافع قد مرَّ في الثالث والسبعين من العلم، وعبد الله بن عمر قد مرَّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في موضع، وبصيغة الإفراد في موضع، والعنعنة في موضع، والسماع في موضع، والقول في ثلاثة، ورواته ما بين حمصيّ ومدنيّ، وفيه ثلاثة من التابعين.

стр. 3871

الحديث السادس حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمًا قَالَ سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهْوَ مُغْضَبٌ فَقُلْتُ مَا أَغْضَبَكَ فَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا. قوله: سمعت سالمًا، هو ابن أبي الجَعْد، وأم الدرداء هي الصغرى التابعيّة لا الكبرى الصحابية؛ لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدرداء، وعاشت الصغرى بعده زمانًا طويلًا، وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجَعْد لم يدرك أبا الدرداء، فعلى هذا لم يدرك أم الدرداء الكبرى بالأولى، وفسرها الكِرْمَانيّ هنا بصفات الكُبرى، وهو خطأ، لقول سالم سمعت أم الدَّرْداء، ويأتي تعريفهما قريبًا في السند. وقوله: من أمّة محمد كذا في رواية كَرِيمَة وأبي ذَرٍّ، وللباقين "من محمد" بحذف المضاف، وعليه شرح ابن بطّال ومن تبعه، فقال: يريد من شَريعة محمد شيئًا لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه، وفي رواية أبي الوقت "من أمْرِ محمد" بفتح الهمزة وسكون الميم بعدها راء، وكذا هو في جمع الحُمَيدِيّ ومسَند أحمد ومُسْتَخْرَج الإسماعيليّ وأبي نُعِيم من طرق عن الأعمش، وعندهم "ما أعرف فيهم" أي في أهل البلد الذي كان فيه، وكان لفظه "فيهم" لما حذفت من رواية البُخَاري صحّف بعض النقلة "أمر" بأمة، ليعود الضمير في أنهم على الأمة. وقوله: يصلون جميعًا، أي مجتمعين، وحذف المفعول وتقديره الصلاة أو الصلوات، ومراد أبي الدرداء أن أعمال المذكورين حصل في جميعها النقص والتغير إلا التجميع في الصلاة، وهو أمر نسبيّ لأن حال الناس في زمن النبوءة

стр. 3872

كان أتم مما صار إليه بعدها، ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدهما، وكان ذلك صدر من أبي الدَّرْدَاء في آخر عمره، وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان. قال في "الفتح" فيا ليت شعري إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدَّرْداء، فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان؟ قلت: قال ابن حجر هذا، وكان في القرن الثامن والإِسلام ممتد الأطراف والبلاد ممتلئة بالعلماء وعليها أمراء المؤمنين، فما يقوله صار في زمن لا يرى فيه إلا كافرًا صريحًا أو ملحدًا تصريحًا؟ ونبه الزَّيْنُ بن المُنِير على مناسبة حديث أبي الدَّرْدَاء هذا للترجمة، فقال: تدخل صلاة الفجر في قوله "يصلُّون جميعًا" وهي أخص بذلك من باقي الصلوات، وذكر ابن رَشِيد نحوه، وزاد أن استشهاد أبي هُريْرَةَ في الحديث الأول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] يشير إلى أن الاهتمام بها آكد. وفي هذا الحديث جواز الغضب عند تغيير شيء من أمور الدين، وانكار المنكر بإظهار الغضب، إذا لم يستطع أكثر منه، والقسم على الخبر لتأكيده في نفس السامع. رجاله ستة: الأول: عُمَر بن حَفْصٍ. والثاني: أبوه حَفْص، وقد مرا في الثاني عشر من الغُسل، ومر الأَعْمَشُ في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ سالم بن أبي الجَعْد في السابع من الوضوء ومرَّ أبو الدَّرْداء في باب "من حمل معه الماء لطهوره" بعد السادس عشر منه. والسادس: أم الدَّرْداء، واسمها خَيْرَة بنت أبي حَدْرَد، أم الدَّرْداء الكُبرى، واسم أبي حَدْرَد عبد، وأم الدرداء الصغرى اسمها هُجَيْمَة، وقيل جُهَيمة، قال أبو عمر: كانت أم الدرداء الكبرى من فضلى النساء، وعقلائهن وذوات الرأي فيهن، مع العبادة والنُّسُك، توفيت قبل أبي الدرداء، وذلك بالشام في خلافة عثمان. وكانت حفظت عن النبي ﷺ ، فقد رُوي عن مَيْمون بن مِهْران أنه قال:

стр. 3873

قلت لأم الدرداء: سمعتِ من النبي ﷺ شيئًا؟ قالت: نَعِم، "دخلت عليه وهو جالس في المسجد، فسمعته يقول: ما يوضع في الميزان أثقل من خُلُقٍ حَسن". وأخرج الطَّبَرانيّ عنها أنها قالت: "خرجت من الحمّام فلقيني رسول الله ﷺ فقال: من أين أقبلت يا أم الدرداء؟ قلت: من الحمام، قال: ما منكن امرأة تضع ثيابها في غير بيت إحدى أمهاتها أو زوج، إلا كانت هاتِكَةً سِتْر بينها وبين الله .. " الحديث، وسنده ضعيف جدًا. قال أبو عمر: وأم الدرداء الصغرى لا أعلم لها خبرًا يدل على صحبة ولا رؤية، ومن خبرها أن معاوية خطبها فأبت أن تتزوجه، وذلك كما روى أبو الزاهرة أنها قالت لأبي الدَّرْداء: إنك خطبتني إلى أبويّ في الدنيا فأنكحوني، وإني أخطبك إلى نفسك في الآخرة، قال: فلا تنكحي بعدي، فخطبها معاوية، فأخبرته بالذي كان، فقال لها: عليك بالصيام، وإنما تزوجها أبو الدرداء بعد وفاة النبي ﷺ . ويقال لها هُجَيْمة الوصابية، ووهم من جعلهما واحدة، فإن أبا الدرداء كانت عنده اثنتان كلتاهما يقال لهما أم الدرداء، إحداهما أدركت النبي ﷺ ، روت عن النبي ﷺ كما مرَّ، وعن زوجها، روى عنها جماعة من التابعين، منهم مَيْمُون بن مِهران وصَفْوَان بن عبد الله وزَيْد بن أَسْلَم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والقول في سبعة، والسماع في موضعين، ورواية الابن عن الأب، ورواية التابعى عن الصحابية، ورواية الصحابية عن الصحابيّ، ورواته الأربعة كوفيون، وهذا من أفراد البخاريّ.

стр. 3874

الحديث السابع حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلاَةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى، وَالَّذِى يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِى يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ. قوله: أبعدهم فأبعدهم مَمْشى، أي إلى المسجد، ويأتي في باب إتمام الكلام على هذا إن شاء الله تعالى، وقوله: مع الإِمام، زاد مسلم "في جماعة" وهي عند رواية محمد بن العلاء الذي أخرجه البخاري عنه. وقوله: من الذي يصلي ثم ينام، أي سواء صلى وحده أو في جماعة، ويستفاد منه أن الجماعة تتفاوت كما مرَّ، واستشكل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب؛ لأنه ليس فيه ذكر لصلاة الفجر، بل آخره يشعر بأنه في العشاء، ووجهه ابن المُنِير بأنه دل على أن السبب في زيادة الأجر وجود المشقة بالمشي إلى الصلاة، وإذا كان كذلك فالمشي إلى صلاة الفجر أشق من غيرها؛ لأنها، وإن شاركتها العشاء في المشي في الظلمة، فإنها تزيد عليها بمفارقة النوم المشتهى طبعًا. وقد قال في الفتح تفنن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب، إذ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هُرَيرة بطريق الخصوص، ومن حديث أبي الدَّرداء بطريق العموم، ومن حديث أبي موسى بطريق الاستنباط، ويمكن أن يقال لفظ الترجمة يحتمل أن يراد به فضل الفجر على غيرها من الصلوات، وأن يراد به ثبوت الفضل لها في الجملة، فحديث أبي هُرَيْرَةَ شاهد للأول، وحديث أبي الدَّرداء شاهد للثاني، وحديث أبي موسى شاهد لهما.

стр. 3875

رجاله خمسة: الأول: محمد بن العَلَاء. والثاني: أبو أسَامة، وقد مرّا في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ بُرَيْد وأبو بُرْدَة وأبو مُوسى في الرابع من الإيمان. ثم قال المصنف: باب فضل التهجير إلى الظهر كذا للأكثر شرح وعليه ابن التّين، وفي بعضها إلى الصلاة، وعليه شرح ابن بطّال، وقد مرَّ الكلام عليه في باب الاستفهام في الأذان.

стр. 3876

الحديث الثامن حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ. ثُمَّ قَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ. وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. ذكر المصنِّفُ في هذا المتن ثلاثة أحاديث، قصة الذي نحّى غصن الشوك، والشهداء، والترغيب في النداء، وكأنّ قتيبة حدث به عن مالك هكذا مجموعًا، فلم يتصرف فيه المصنف كعادته في الاختصار، وتكلف الزَّيْنُ بن المُنِير في إبداء مناسبة للأول من جهة أنه دالٌ على أن الطاعة، وإن قلَّتْ، فلا ينبغي أن تترك، واعترف بعدم مناسبة الثاني. أما حديث الترغيب في النداء، فقد مرَّ الكلام عليه في باب الاستهام في الأذان، وحديث تنحية غصن الشوك، أخرجه المؤلف في المظالم، وحديث الشهداء أخرجه في الجهاد، وها أنا أتكلم عليهما هنا. قوله: فأخذه في رواية الكُشْمِيْهَنيّ "فأخّره" يعني عن الطريق، قوله: فشكر له، أي رضي بفعله وقبل منه، يقال: شكرته، وشكرت له بمعنى واحد. وفي حديث أَنَس عند أحمد "أن شجرة كانت في طريق الناس تؤذيهم فأتى رجل فعزلها" وفي هذا الحديث "ولقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة" وقد ترجم المصنف لهذا الحديث في المظالم بقوله "باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس

стр. 3877

في الطريق، فرمى به" قال الزَّيْنُ بن الْمُنِير: إنما ترجم لئلا يتخيل أن الرمي بالغصن، وغيره مما يؤذي، تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فأراد أن يبين أن ذلك لا يمتنع لما فيه من الندب إليه. وقد روى مسلم عن أبي بَرْزَةَ قال: قلت: "يا رسول الله، دُلَّني على عمل انتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين". ففي الحديث أن قليل الخير يحصل به كثير الأجر، وفيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق، وهي أدنى شُعَب الإيمان كما مرَّ في كتاب الإيمان، فإذا كان الله يشكر عبده، ويغفر له على إزالة غصن شوك من الطريق، فلا يدري ماله من الفضل والثواب إذا فعل ما فوق ذلك. وقوله: الشهداء خمس، كذا لأبي ذَرٍّ عن الحمويّ، وللباقين خمسة، وهو الأصل في المذكر، وجاز الأولُ لأن الأصل إذا كان غير مذكور يجوز الوجهان. فلذا جاز الأول هنا، والشهداء جمعٍ شهيد، وهو إما بمعنى فاعل، أو مفعول، وقد اختلف في سبب تسميته شهيدًا، فقيل: لأنه حيٌّ فكأنَّ أرواحهم شاهدة، أي حاضرة، فهو بمعنى فاعل على هذا، وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد الله له من الكرامة. وقيل: لأنه هو الذي يشهد يوم القيامة بإبلاغ الرسل. وقيل: لأنه يشاهد الملائكة عند احتضاره. وقيل: لأنه يشاهد الملكوت من دار الدنيا ودار الآخرة، وهذه كلها بمعنى فاعل. وقيل لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنة، وقيل لأنه مشهود له بالأمان من النار، وقيل لأنه عليه علامة شاهدة بأنه قد نجا، وقيل لأن عليه شاهدًا بكونه شهيدًا. وقيل لأنه لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة. وقيل لأن الملائكة تشهد له بحسن الخاتمة. وقيل الأنبياء تشهد له بحسن الاتباع لهم. وقيل لأن الله تعالى يشهد له بحسن نيته وإخلاصه، وهذه كلها بمعنى مفعول، وبعض هذه يختص بمن قُتل في سبيل الله، ويعضها يعم غيره، ويعضها قد ينازع فيه. وقوله: المطعون هو الذي يموت في الطاعون، أي الوباء، ولم يرد المطعون بالسِّنان؛ لأنه الشهيد في سبيل الله. والطاعون مرض عام يفسد له

стр. 3878

الهواء فتفسد الأمزجة والأبدان، والمبطون هو صاحب الإسهال، وقيل هو الذي به الاستسقاء، وقيل هو الذي يشتكي بطنه، وقيل من مات بداء بطنه مطلقًا، وصاحب الهَدْم هو الذي يموت تحت الهَدَم. قال ابن الجَوْزِيّ: بفتح الدال المهملة، وهو اسم ما يقع. وأما بتسكين الدال فهو الفعل، والذي يقع هو الذي يقتل، ويجوز أن ينسب القتل إلى الفعل. وقوله: والشهيد في سبيل الله، هذا هو الخامس من الشهداء، وقد قال الطيبى: يلزم منه حمل الشيء على نفسه؛ لأن قوله "خمسة" خبر للمبتدأ، والمعدود بعده بيان له، وأجاب بأنه من باب "أنا أبو النجم وشعري شعري" ويحتمل أن يكون المراد بالشهيد في سبيل الله المقتولَ؛ فكأنّه قال: والمقتول، فعبر عنه بالشهيد، ويؤيده قوله في رواية جابر بن عتيك الآتية "الشهداء سبعة سوى القتيل في سبيل الله" ويجوز أن يكون لفظ الشهيد مكررًا في كل واحد منها، فيكون من التفصيل بعد الإجمال. والتقدير الشهداء خمسة، الشهيد كذا، والشهيد كذا إلى آخره. وقوله في الحديث: الشهداء خمسة، قد جاء في كثير من الأحاديث الجيدة ما يحصل من مجموعه أكثر من عشرين خصلة، فلعله ﷺ أعلم بالأقل، ثم أعلم زيادة على ذلك فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك، وقد قال البخاريّ في الجهاد: باب الشهادة سبع سوى القتل، وعنى بالترجمة ما أخرجه مالك وأبو داود والنَّسائيّ وابن حبَّان عن جابر بن عَتيك، كأمير، "أن النبي ﷺ جاء يعود عبد الله بن ثَابت ... " فذكر الحديث، وفيه "ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: من يقتل في سبيل الله" وفيه "الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله" فذكر زيادة على حديث أبي هُرَيْرَةَ "الحريق، وصاحب ذات الجَنْب والمرأة تموت بجُمْع" فأما ذات الجَنْب فهو مرض معروف يقال له الشَّوصة. وأما المرأة تموت بجُمْع، فهو بضم الجيم وسكون الميم وقد تفتح الجيم وتكسر، وهي النُّفَساء، ويدل لهذا ما أخرجه النّسائيّ عن عقبة بن عامر، خمس

стр. 3879

من قُبِض فيهنَّ فهو شهيد" فذكر فيهن النُّفَساء، وقيل هي التي يموت ولدها في بطنها ثم تموت بسبب ذلك، وقيل التي تموت بمزدلفة، وهو خطأ ظاهر، وقيل التي تموت عَذراء. ولأحمد من حديث راشد بن حُبَيْش نحو حديث جابر بن عَتِيك، وفيه والسِّل" وهو بكسر السين، وروى أصحاب السنن، وصححه التِّرْمِذيّ، عن سعيد بن زيد مرفوعًا "من قتل دون ماله فهو شهيد" قال في الدين والدم والأهل مثل ذلك، وللنَّسائيّ عن سُوَيد بن مُقَرّن مرفوعًا "من قتل دون مظلمته فهو شهيد" وأخرج أبو داود والحاكم والطَّبَرانيّ عن أبي مالك الأَشْعَريّ مرفوعًا "من وَقَصَه فرسه أو بعيره في سبيل الله، أو لدغته هامَّة، أو مات على أي حتف شاء الله فهو شهيد" وصحح الدارَقُطني من حديث ابن عمر "موت الغريب شهادة" ولابن حِبّان عن أبي هُريرة "من مات مرابطًا مات شهيدًا" وللطَّبَرانيّ عن ابن عباس مرفوعًا "المرء يموت على فراشه في سبيل الله شهيد". وقال ذلك أيضًا في المبطون واللَّديغ والغَريق والشَّرِيق والذي يفترسه السبع والخارّ عن دابته، وصاحب الهدم، وذات الجنب، ولأبي داود عن أم حَرام "المائد في البحر الذي يصيبه القيء له أجر شهيد" وأخرج الحاكم عن أنس "من سأل القتل في سبيل الله صادقًا ثم مات أعطاه الله أجر شهيد". وللحاكم أيضًا من حديث سهل بن حنيف مرفوعًا "من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" وأخرج مسلم عن أنَس مرفوعًا "من طلب الشهادة صادقًا أُعطِيها ولو لم يصبها" أي أعطي ثوابها ولو لم يقتل. وفي كتاب الطِّب "من صبر على الطاعون فله أجر شهيد" أخرجه المؤلف، وعند الطَّبرانيّ عن ابن مسعود وبإسناد صحيح "أن من تردَّى من رؤوس الجبال، وتأكله السباع، ويغرق في البحار لشهيد عند الله" فهذه نحو سبع وعشرين وردت بالأسانيد الجيدة ووردت أحاديث أخرى في أمور أخرى لم يعرج عليها لضعفها. قال ابن التّين: هذه مِيتات فيها شدة تفضل الله تعالى على أمة محمد ﷺ ، بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، فيبلغهم بها مراتب

стр. 3880

الشهداء، والذي يظهر أن المذكورين ليسوا في المرتبة سواء، ويدل عليه ما رواه أحمد وابن حبَّان في صحيحه عن جابر والدارِمِي وأحمد والطَّحاويّ، عن عبد الله بن حَبَشيّ، وابن ماجَه عن عَمرو بن عَنْبَسَة أن النبي ﷺ "سئل أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده، وأُهريق دمه". وفي كتاب المعرفة، للحسن بن عَلِيّ الحَلْوانيّ بإسناد حسن عن علي بن أبي طالب، قال: كل مَوْتة يموتها المسلم فهو شهيد، غير أن الشهادة تتفاضل. وتَحصَّلَ مما ذكر في هذه الأحاديث أن الشهداء قسمان: شهيد الدنيا والآخرة، وهو من يقتل في حرب الكفار مقبلًا غير مدبر، مخلصًا، وشهيد الآخرة، وهو من ذكر بمعنى أنهم يعطون من جنس أجر الشهداء، ولا تجري عليهم أحكامهم في الدنيا. وفي حديث العِربَاض بن سارِية عند أحمد والنّسائيّ مرفوعًا "يختصم الشهداء والمتوفون على الفرش في الذين يتوفون من الطاعون، فيقول: انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم معهم ومنهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم" وإذا تقرر ذلك يكون إطلاق الشهداء على غير المقتول في سبيل الله في حديث "الشهداء خمسة" مجازًا، فيحتج به من يجيز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والمانع يجيب بأنه من عموم المجاز، فقد يطلق الشَّهيد على من قُتِل في حرب الكُفار، لكن لا يكون له ذلك في حكم الآخرة، لعارض يمنعه كالانهزام أو فساد النية. رجاله خمسة: الأول: قُتَيْبة، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ مالك في الثاني من الوحي، ومرَّ سُمَيّ مولى أبي بَكْر في الثاني عشر من المواقيت، ومرَّ أبو صالح وأبو هُرَيرة في الثاني من الإِيمان. فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد، والعنعنة في أربعة، ورواته مدنيون ما خلا قتيبة، فإنه بلخيّ. أخرجه البُخَاريّ هنا وفي الشهادة، ومسلم في

стр. 3881

الأدب والجهاد، والنَّسائيّ في الشهادات، والتِّرمذِيّ في البر، وقال حسن صحيح. ثم قال المصنف: باب احتساب الآثار أي إلى الصلاة، وكأنه لم يقيدها لتشمل كل مشي إلى طاعة.

стр. 3882

الحديث التاسع حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " يَا بَنِي سَلِمَةَ أَلاَ تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ. قوله: يا بني سَلِمة، بكسر اللام، وهم بطن كبير من الأنصار، ثم من الخَزْرج، وقول من قال: ليس في العرب سَلِمة بكسر اللام غير هذا القبيل إن أراد من الأسماء مطلقًا فخطأ؛ لأن العلماء ذكروا عددًا كثيرًا من الأسماء كذلك، وإن أراد بقيد القبيلة أو البطن فله بعض اتجاه. وقوله: ألا تحتسبون، بإثبات النون وشرحه الكِرْمَانيّ بحذفها، ووجهه بأن النحاة أجازوا ذلك تخفيفًا. قال: والمعنى ألا تعدون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد؟ فإن لكل خطوة ثوابًا، والاحتساب، وإن كان أصله العَد، لكنه يستعمل غالبًا في معنى طلب تحصيل الثواب بنية خالصة. رجاله أربعة: الأول: محمد بن عبد الله بن حَوْشَب الطائِفيّ ثم الكوفيّ، ذكره ابن شَاهِين في الثقات، وقال ابن مَعين: لا بأس به، روى عن عبد الوهاب الثّقَفيّ وإبراهيم بن سَعْد وأبي عيّاش وهُشَيم وغيرهم. وروى عنه البُخَاريّ ومحمد بن مُسْلِم بن وَارَة. الثاني: عبد الوهاب، وقد مرَّ في التاسع من الإيمان، ومرَّ حُمَيد الطَّويل في الثاني والأربعين من الإيمان، ومرَّ أَنَس في السادس منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبالإفراد في موضع، والعنعنة

стр. 3883

في موضع، والقول في أربعة، وشيخ البُخَاريّ من أفراده، ورواته ما بين طائفيّ وبصريّ. ثم قال: وقال مُجَاهد في قوله ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: خُطاهُمْ. وفي رواية أبي ذَرٍّ الآتية قريبًا. قال مجاهد: "خطاهم: آثارهم، والمشي في الأرض على أرجلهم" ووصله عبد بن حميد عن أبي نجيح عنه على لفظ الرواية الأولى، قال في قوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس: ١٢] قال: أعمالهم. وفي قوله "وآثارهم" قال: خطاهم، وأشار المصنف بهذا التعليق، إلى أن قصة بني سَلِمَة كانت سبب نزول هذه الآية، وقد ورد مصرحًا به عن ابن عباس عند ابن ماجَه وغيره، بإسناد قوي، ومرَّ مُجَاهد في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.

стр. 3884

الحديث العاشر وَحدّثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسٌ أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْرُوا الْمَدِينَةَ فَقَالَ: أَلاَ تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ. قَالَ مُجَاهِدٌ خُطَاهُمْ آثَارُهُمْ. قوله: وحدثنا ابن أبي مَرْيَم، كذا لأبي ذَرٍّ وحده، وفي رواية الباقين "وقال ابن أبي مَرْيَم" وفي رواية صاحب الأطراف بلفظ "وزاد ابن أبي مريم" وقال أبو نُعيم ذكره البُخاريّ مُعَلَّقًا، وهذا هو الصواب، وله نظائر في الكتاب في رواية يحيى بن أيّوب، لأنه ليس على شرطه في الأصول. وقوله: عن أنس، كذا لأبي ذَرٍّ وحده، وللباقين "حدثنا أَنَس" وكذا ذكره أبو نُعِيم أيضًا، وكذا هو في فوائد المخلص عن ابن أبي مَرْيم بلفظ "سمعت أنَسًا" وهذا هو السر في إيراد طريق يحيى بن أيّوب عقب طريق عبد الوهاب، ليبين الأمن من تدليس حُميد، وقد مرَّ نظيره في باب وقت العشاء، وقد أخرجه في الحج عن مروان الفَزَاريّ. عن حميد، وساق المتن. وقوله: فينزلوا قريبًا، يعني لأن ديارهم كانت بعيدة من المسجد، وقد صرح بذلك مُسْلم عن جابر بن عبد الله قال: كانت ديارنا بعيدة من المسجد، فأردنا أن نبتاع بيوتًا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله ﷺ وقال: "إن لكم بكل خطوة درجة" وفي مسند السّراج عنِ أبي نضرة عن جابر "أرادوا أن يقربوا من أجل الصلاة" ولابن مَرْدَوَيه عن أبي نضَرة عنه قال "كانت منازلنا بسَلْع" ولا يعارض هذا ما يأتي في الاستسقاء عن أنس "وما بيننا وبين سلع من دار" لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سلع، وبين سلع والمسجد قدر ميل.

стр. 3885

وقوله: أن يُعروا المدينة، في رواية الكُشْميْهنيّ "أن يُعْرُوا منازلهم" وهو بضم أوله وسكون العين المهملة وضم الراء، أي يتركوها خالية، يقال: أعراه إذا أخلاه، والعراء الأرض الخالية. وقيل: الواسعة، وقيل: المكان الذي لا يستتر فيه بشيء، ونبه بهذه الكراهة على السبب في منعهم من قرب المسجد، لتبقى جهات المدينة عامرة بساكنها. واستفادوا بذلك كثرة الأجر لكثرة الخطا في المشي إلى المسجد. وزاد في رواية الفَزَاريّ التي في الحج "فأقاموا" ومثله في رواية المخلص المتقدمة، وللتِّرمِذِيّ من حديث أبي سعيد "فلم ينتقلوا" ولمسلم "فقالوا ما يسرنا أنّا كنا تحوّلنا". وفي الحديث أن أعمال البِرّ إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات، وفيه استحباب السكنى بقرب المسجد، إلا لمن حصلت به منفعة أخرى، أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي ما لم يحمل على نفسه، ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي علموه منه، فما أنكر النبي ﷺ ذلك عليهم، بل رجح درء المفسدة بإخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة، وأعلمهم بأن لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد، أو يزيد عليه. واختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد فقارب الخطأ بحيث تساوي خُطا من داره بعيدة، هل يساويه في الفضل أو لا؟ وإلى المساواة جنح الطَّبرِيّ. وروى ابن أبي شيبة عن أنس قال: مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد، فقارب بين الخُطا وقال: أردت أن تكثر خُطانا إلى المسجد. وهذا لا تلزم منه المساواة في الفضل، وإن دل على أن في كثرة الخطا فضيلة؛ لأن ثواب الخُطا الشاقة ليس كثواب الخُطا السهلة، وهو ظاهر حديث أبي موسى الماضي قبل باب، حيث جعل أبعدهم ممشى أعظمهم أجرًا، واستنبط منه بعضهم استحباب قصد المسجد البعيد، ولو كان بجنبه مسجد قريب، وهذا إنما يتم إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب، وإلا فإحياؤه بذكر الله أولى، وكذا إذا كان في البعيد مانع من الكمال، كأنْ يكون إمامه مبتدعًا.

стр. 3886

وسُئل أبو عبد الله بن لُبَابة عن الذي يدع مسجده ويصلي في المسجد الجامع للفضل في كثرة الناس، قال: لا يدع مسجده، وإنما فضل المسجد الجامع الجمعة فقط، وعن أنس بن مالك أنه كان يجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة؛ وفعله مُجَاهد وأبو وائل، وأما الحسن، فسئل أَيَدَعُ الرجلُ مسجدَ قومه ويأتي غيره؟ فقال: كانوا يحبون أن يُكَثّر الرجل قومه بنفسه. قال القُرْطبيّ: هذه الأحاديث تدل على أن البُعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار المسجد، فهل له أن يجاوزه للأبعد؟ فكرهه الحسن، وهو مذهبنا، وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان. رجاله أربعة: الأول: سَعيد بن أبي مَرْيم، وقد مرَّ في الرابع والأربعين من العلم، ومرَّ يحيى بن أثوب في التعليق الكائن بعد الثاني من أبواب القبلة، ومرَّ حُمَيد الطَّويل في الثاني والثلاثين من الإيمان، ومرَّ أَنَس في السادس منه. ثم قال المصنف: باب فضل صلاة العشاء في الجماعة أورد فيه الحديث الدال على فضل العشاء والفجر، فيحتمل أن يكون مراد الترجمة إثبات فضل العشاء في الجملة، وإثبات أفضليتها على غيرها، والظاهر الثاني، ووجهه أن الفجر ثبتت أفضليتها كما مرَّ، وسوّى في هذا بينها وبين العشاء ومُساوي الأفضل يكون أفضل جزمًا.

стр. 3887

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً يَؤُمُّ النَّاسَ ثُمَّ آخُذَ شُعَلاً مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لاَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ بَعْدُ. وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب "وجوب صلاة الجماعة" وقوله في آخر هذا الحديث: "على من لم يخرج إلى الصلاة بعدُ" كذا للأكثر بلفظ "بعد" ضد قبل، وهي مبنية على الضم، ومعناه بعد أن يسمع النداء إليها، أو بعد أن يبلغه التهديد المذكور، وللكُشْمِيْهَنيّ بدلها "يقدر" أي لا يخرج، وهو يقدر على المجيء، ويؤيده ما مرَّ في الباب المذكور من رواية أبي داود "وليست بهم علة" وعند الداوُديّ هنا "لا لعذر" وهي أوضح من غيرها، لكن ليست في شيء من الروايات عند غيره. رجاله خمسة: الأول: عمر بن حَفْص. والثاني: حَفْص، وقد مرا في الثاني عشر من الغُسل، ومرَّ الأَعْمَش في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو صالح وأبو هُرَيرة في الثاني من الإيمان أيضًا. ثم قال المصنف:

стр. 3888

باب اثنان فما فوقهما جماعة هذه الترجمة لفظ حديث ورد من طرق ضعيفة في ابن ماجَه عن أبي موسى الأَشْعَرِيّ مرفوعًا "اثنان فما فوقهما جماعة" وفي معجم البَغَوِيّ عن الحَكَم بن عُمَير، وفي أفراد الدارَقُطنيّ عن عبد الله بن عمرو، وفي البَيْهَقِيّ عن أنس، وفي الأوسط للطَّبرانيّ، وعند أحمد عن أبي أُمامة "أنه ﷺ رأى رجلًا يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ فقام رجل فصلى معه فقال: هذان جماعة". والحديث أخرجه أبو داود والتِّرمِذِيّ من وجه آخر صحيح، بدون قوله "هذان جماعة".

стр. 3889

الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا. الحديث مرَّ في باب الأذان للمسافر من هذا الوجه، وأوله "أتى رجلان النبيَّ ﷺ يريدان السفر، فقال لهما .. " إلخ ومرَّ الكلام عليه هناك، وقد اعترض على الترجمة بأنه ليس فيه تسمية صلاة الاثنين جماعة، وأجيب بأن ذلك مأخوذ بالاستنباط من لازم الأمر بالإمامة؛ لأنه لو استوت صلاتهما معًا مع صلاتهما منفردين، لاكتفى بأمرهما بالصلاة، كان يقول: أذِّنا وأقيما وصليا، وهما اثنان، فكان الاثنان جماعة، واعترض أيضًا على أصل الاستدلال بهذا الحديث بأن مالك بن الحُوَيْرث كان مع جماعة من أصحابه، فلعل الاقتصار على التثنية كان من تصرف الرواة، وأجيب بأنهما قضيتان كما مرَّ، واستدل به على أن أقل الجمع إمام ومأموم أعم من أن يكون المأموم رجلًا أو امرأة، أو صبيًا. رجاله خمسة: الأول: مُسَدَّد، وقد مرَّ في السادس من الإيمان، ومرَّ يزيد بن زريع في الخامس والتسعين من الوضوء، ومرَّ خالد الحذّاء في السابع عشر من العلم، ومرَّ أبو قِلَابَةَ في التاسع من الإيمان، ومرَّ مالك بن الحُوَيْرِثِ في تعليق الثامن والعشرين منه، ثم قال المصنف: باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد أي ليصليها جماعة.

стр. 3890

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ لاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ لاَ يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ الصَّلاَةُ. قوله: لا يزال أحدكم .. إلخ، هذا القدر أفرده مالك في "الموطأ" عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول فَجعلوه حديثا واحدًا، ولا بأس في ذلك، هذا الحديث مرَّ الكلام عليه في محلين في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من كتاب الوضوء وفي باب الحدث في المسجد من أبواب المساجد. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرَّ في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ مالك في الثاني من الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من الإيمان.
следующие страницы →