Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
وسُئل أبو عبد الله بن لُبَابة عن الذي يدع مسجده ويصلي في المسجد الجامع للفضل في كثرة الناس، قال: لا يدع مسجده، وإنما فضل المسجد الجامع الجمعة فقط، وعن أنس بن مالك أنه كان يجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة؛ وفعله مُجَاهد وأبو وائل، وأما الحسن، فسئل أَيَدَعُ الرجلُ مسجدَ قومه ويأتي غيره؟ فقال: كانوا يحبون أن يُكَثّر الرجل قومه بنفسه. قال القُرْطبيّ: هذه الأحاديث تدل على أن البُعد من المسجد أفضل، فلو كان بجوار المسجد، فهل له أن يجاوزه للأبعد؟ فكرهه الحسن، وهو مذهبنا، وفي تخطي مسجده إلى المسجد الأعظم قولان.
رجاله أربعة:
الأول: سَعيد بن أبي مَرْيم، وقد مرَّ في الرابع والأربعين من العلم، ومرَّ يحيى بن أثوب في التعليق الكائن بعد الثاني من أبواب القبلة، ومرَّ حُمَيد الطَّويل في الثاني والثلاثين من الإيمان، ومرَّ أَنَس في السادس منه. ثم قال المصنف:
باب فضل صلاة العشاء في الجماعة
أورد فيه الحديث الدال على فضل العشاء والفجر، فيحتمل أن يكون مراد الترجمة إثبات فضل العشاء في الجملة، وإثبات أفضليتها على غيرها، والظاهر الثاني، ووجهه أن الفجر ثبتت أفضليتها كما مرَّ، وسوّى في هذا بينها وبين العشاء ومُساوي الأفضل يكون أفضل جزمًا.
стр. 3887
الحديث الحادي عشر
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً يَؤُمُّ النَّاسَ ثُمَّ آخُذَ شُعَلاً مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لاَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ بَعْدُ.
وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب "وجوب صلاة الجماعة"
وقوله في آخر هذا الحديث: "على من لم يخرج إلى الصلاة بعدُ" كذا للأكثر بلفظ "بعد" ضد قبل، وهي مبنية على الضم، ومعناه بعد أن يسمع النداء إليها، أو بعد أن يبلغه التهديد المذكور، وللكُشْمِيْهَنيّ بدلها "يقدر" أي لا يخرج، وهو يقدر على المجيء، ويؤيده ما مرَّ في الباب المذكور من رواية أبي داود "وليست بهم علة" وعند الداوُديّ هنا "لا لعذر" وهي أوضح من غيرها، لكن ليست في شيء من الروايات عند غيره.
رجاله خمسة:
الأول: عمر بن حَفْص.
والثاني: حَفْص، وقد مرا في الثاني عشر من الغُسل، ومرَّ الأَعْمَش في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو صالح وأبو هُرَيرة في الثاني من الإيمان أيضًا. ثم قال المصنف:
стр. 3888
باب اثنان فما فوقهما جماعة
هذه الترجمة لفظ حديث ورد من طرق ضعيفة في ابن ماجَه عن أبي موسى الأَشْعَرِيّ مرفوعًا "اثنان فما فوقهما جماعة" وفي معجم البَغَوِيّ عن الحَكَم بن عُمَير، وفي أفراد الدارَقُطنيّ عن عبد الله بن عمرو، وفي البَيْهَقِيّ عن أنس، وفي الأوسط للطَّبرانيّ، وعند أحمد عن أبي أُمامة "أنه ﷺ رأى رجلًا يصلي وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ فقام رجل فصلى معه فقال: هذان جماعة". والحديث أخرجه أبو داود والتِّرمِذِيّ من وجه آخر صحيح، بدون قوله "هذان جماعة".
стр. 3889
الحديث الثاني عشر
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا.
الحديث مرَّ في باب الأذان للمسافر من هذا الوجه، وأوله "أتى رجلان النبيَّ ﷺ يريدان السفر، فقال لهما .. " إلخ ومرَّ الكلام عليه هناك، وقد اعترض على الترجمة بأنه ليس فيه تسمية صلاة الاثنين جماعة، وأجيب بأن ذلك مأخوذ بالاستنباط من لازم الأمر بالإمامة؛ لأنه لو استوت صلاتهما معًا مع صلاتهما منفردين، لاكتفى بأمرهما بالصلاة، كان يقول: أذِّنا وأقيما وصليا، وهما اثنان، فكان الاثنان جماعة، واعترض أيضًا على أصل الاستدلال بهذا الحديث بأن مالك بن الحُوَيْرث كان مع جماعة من أصحابه، فلعل الاقتصار على التثنية كان من تصرف الرواة، وأجيب بأنهما قضيتان كما مرَّ، واستدل به على أن أقل الجمع إمام ومأموم أعم من أن يكون المأموم رجلًا أو امرأة، أو صبيًا.
رجاله خمسة:
الأول: مُسَدَّد، وقد مرَّ في السادس من الإيمان، ومرَّ يزيد بن زريع في الخامس والتسعين من الوضوء، ومرَّ خالد الحذّاء في السابع عشر من العلم، ومرَّ أبو قِلَابَةَ في التاسع من الإيمان، ومرَّ مالك بن الحُوَيْرِثِ في تعليق الثامن والعشرين منه، ثم قال المصنف:
باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد
أي ليصليها جماعة.
стр. 3890
الحديث الثالث عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ لاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَتِ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ لاَ يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ الصَّلاَةُ.
قوله: لا يزال أحدكم .. إلخ، هذا القدر أفرده مالك في "الموطأ" عما قبله، وأكثر الرواة ضموه إلى الأول فَجعلوه حديثا واحدًا، ولا بأس في ذلك، هذا الحديث مرَّ الكلام عليه في محلين في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من كتاب الوضوء وفي باب الحدث في المسجد من أبواب المساجد.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن مسلمة، وقد مرَّ في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ مالك في الثاني من الوحي، ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان، ومرَّ أبو هُريرة في الثاني من الإيمان.
стр. 3891
الحديث الرابع عشر
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ.
قوله عن أبي هُرَيرة لم تختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك، ورواية مالك في الموطأ عن خُبَيْب بن عبد الرحمن فقال: عن أبي سَعيد أو أبي هُرَيرة على الشك، ورواه أبو قُرَّةَ عن مالك بواو العطف، فجعله عنهما، وتابعه مصعب الزُّبَيرِيّ، وشذ في ذلك عن أصحاب مالك، والظاهر أن عُبَيد الله حفظه لكونه لم يشك فيه، ولكونه من رواية خالد وجده؛ لأن خُبَيْبًا خاله، وحَفْص بن عاصم جده.
وقوله: سبعة، ظاهرة اختصاص المذكورين بالثواب المذكور، ووجهه الكِرْمَانِيّ بما محصله أن الطاعة إِما أن تكون بين العبد وبين الرب، وبينه وبين الخلق، فالأول باللسان، وهو الذكر، أو بالقلب وهو المعلق بالمسجد، أو بالبدن وهو الناشىء على الطاعة، والثاني عامّ وهو العادل، أو خاص بالقلب وهو التّحَابّ، أو بالمال وهو الصدقة، أو بالبدن وهو العفة، وقد نظم السبعة المذكورة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل فقال:
وقال النبي المصطفى إن سبعة ... يظلهم الله الكريم بظله
стр. 3892
محب عفيف ناشىء متصدق ... وباك مصل والإمام بعدله
وقد وردت زيادة على السبعة، ففي صحيح مسلم عن أبي اليَسَرَ مرفوعًا "من أنظر مُعْسرًا، أو وضع له، أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وروى ابن حبَّان وغيره عن عمر "إظلال المغازي" وروى أحمد والحاكم "إظلال مُعين المجاهد" عن سَهْل بن حُنَيْف، وفي هذا الحديث أيضًا زيادة "إرفاد الغارم وعون المكاتب". وروى البَغَويّ في السنة عن سَلْمان "التاجر الصدوق" وأخرج الطَّبَرانيّ عن أبي هُرَيرة بإسناد ضعيف زيادة "تحسين الخلق" وذيّل العَسْقَلاَنيّ البيتين بقوله:
وزد سبعة إظلالُ غازٍ وعَوْنُه ... وإنظارُ ذي عُسْر وتخفيفُ حمله
وإرفادُ ذي غُرْم وعَوْنُ مُكاتَبٍ ... وتاجرُ صِدْقٍ في المقال وفعله
وزاد ابن حجر ببيتين آخرين فقال:
وزد سبعةً حُزْنٌ ومَشْيٌ لمسجدِ ... ودوامُ وضُوْء ثم مُطْعِمُ فضله
وآخدُ حقٍ باذِلٌ ثم كافلٌ ... وتاجرُ صدقِ في المقال وفعله
وموجودة زيادة على ما ذكر ولكن بأحاديث ضعاف، وقد قال في الفتح: إنه أفرد هذا بجزء سماه معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال. وقوله: في ظله، قال عياض: إضافة الظل إلى الله تعالى إضافة ملك، وكل ظل فهو ملكه، والحق أنها إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره، كما قيل الكعبة بيت الله، مع أن المساجد كلها ملكه. وقيل: المراد بظله كرامته وحمايته، كما يقال فلان في ظل الملك، وهذا قول عيسى بن دينار، وقوّاه عِياض. وقيل: المراد ظل عرشه، ويدل عليه ما أخرجه سَعيد بن منصور عن سَلْمان بإسناد حسن "سبعة يظلهم الله بظل عرشه .. " الحديث، وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس، فهو أرجح وبه جزم القُرْطُبيّ، ويؤيده تقييد ذلك بيوم القيامة، كما صرح به ابن المبارك في روايته عند المصنف، في كتاب الحدود، وبهذا يندفع قول من قال: المراد ظل طوبى أو ظل الجنة؛ لأن
стр. 3893
ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة، ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها، والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة، فيترجح أن المراد ظل العرش.
وروى التِّرمِذِيّ، وَحَسّنَهُ عن أبي سعيد مرفوعًا "أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلساً إمام عادل". وقوله: الإِمام العادل، اسم فاعل من العدل، وذكر ابن عبد البر أن بعض الرواة رواه عن مالك بلفظ "العدل قال" وهو أبلغ؛ لأنه جعل المسمى نفسه عدلًا والمراد به صاحب الولاية العظمى ويلتحق به كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين فعدل فيه، ويؤيده رواية مسلم عن عبد الله بن عمرو، ورفعه "أن المُقْسِطِين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" وأحسن ما فسر به العادل "أنه الذي يتّبع أمر الله تعالى، بوضع كل شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، وقدمه في الذكر لعموم النفع به، فالإمام العادل يصلح الله به أمورًا عظيمة.
وقوله: وشاب، خص الشاب، وهو مَن لم يبلغ الأربعين، لكونه مظنة غلبة الشهوة، لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى، فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد، وأدل على غلبة التقوى. وقوله: في عبادة ربه، في رواية أحمد "بعبادة الله" وهي رواية مسلم، وهما بمعنى، وأخرجه الجَوْزَقيّ بزيادة "حتى توفي على ذلك" وفي حديث سلمان "أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله" وقوله: معلق في المساجد، هكذا هو في الصحيحين، وظاهره أنه من التعليق، كأنّه شبهه بالشيء المعلق في المسجد كالقنديل مثلًا، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإن كان جسده خارجًا عنه، ويدل عليه الجوزقيّ "كأنما قلبه معلق في المسجد" ويحتمل أن يكون من العلاقة، وهي شدة الحب. وتدل عليه رواية أحمد "معلق في المساجد" وكذا رواية سلمان "من حبها"وزاد مالك "إذا خرج منه يعود إليه" وفي رواية المُسْتَمِلْي والحَمَوِيّ، متعلقإ بزيادة مثناة بعد الميم وكسر اللام، وهذه الخصلة هي المقصودة من هذا الحديث للترجمة، ومناسبتها للركن الثاني من الترجمة، وهو فضل المساجد، ظاهرة. وللأول من جهة ما دل عليه من
стр. 3894
الملازمة للمسجد، واستمرار الكون فيه بالقلب، وإن عرض للمسجد عارض.
وقوله: تحابّا، بتشديد الباء، وأصله تحاببا، أي اشتركا في جنس المحبة، وأحب كل واحد منهما الآخر حقيقة، لا إظهارًا فقط. وفي رواية حماد بن زيد "ورجلان قال كل منهما للآخر أنا أحبك في الله، فصدرا على ذلك" وقوله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، في رواية الكُشْمِيْهَنيّ "اجتمعا عليه" وهي رواية مسلم، أي على الحب المذكور، والمراد أنهما داما على المحبة الدينية، ولم يقطعاها بعارض دنيوي، سواء اجتمعا حقيقة أم لا، حتى فرّق بينهما الموت. وفي الجمع للحميدي "اجتمعا على خير" قال في الفتح: ولم أر ذلك في شيء من نسخ الصحيحين، ولا غيرهما من المستخرجات، وإنما عدت هذه الخصلة واحدة، مع أن متعاطيها اثنان؛ لأن المحبة لا تتم إلا باثنين، أو لما كان المتحابان بمعنى واحد، كان عد أحدهما مغنيًا عن عد الآخر؛ لأن الغرض عد الخصال لا عد من اتصف بها.
وقوله: رجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، ولمسلم والمصنف في الحدود عن ابن المبارك "دعته امرأة" وكذا في رواية أحمد ببيان المحذوف هنا، والمَنْصِب بفتح الميم وكسر الصاد المهملة، الأصل أو الشرف. وفي رواية مالك "دعته ذات حسب" وهو يطلق على الأصل وعلى المال أيضًا. وقد وصفها بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه، وهو المنصب الذي يستلزمه الجاه، والمال مع الجمال، وقيل من يجتمع ذلك فيها من النساء، زاد ابن المبارك "إلى نفسها". وللبَيْهَقِي في الشُّعَب عن أبي هُرَيرة "فعرضت نفسها عليه" والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة، وبه جزم القرْطبيّ، ولم يحك غيره، وقيل: يحتمل أن تكون دعته إلى التزويج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها أو خاف أن لا يقوم بحقها، لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها، والأول أظهر، ويؤيده وجود الكناية في قوله "إلى نفسها"، ولو كان المراد التزويج لصرح به، ويقوّيه جدًا قوله في جوابها: إني أخاف الله، فإن خوف الله لا يحصل من التزويج الذي هو سنة المرسلين، والصبر عن الموصوفة بما ذكر
стр. 3895
من أكمل المراتب لكثرة الرغبة في مثلها وعسر تحصيلها، لاسيما وقد أغنت عن مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها.
وقوله: إني أخاف الله، زاد في رواية كريمة "رب العالمين" والظاهر أنه يقول ذلك بلسانه، إما ليزجرها عن الفاحشة، أو ليعتذر إليها. ويحتمل أن يقوله بقلبه، قاله عِيَاض. قال القُرْطبيّ: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله تعالى، ومتين تقوى وحياء. وقوله: تصدق أخفى، بلفظ الماضي جملة حالية بتقدير "قد" وفي رواية أحمد "تصدق فأخفى" وكذا للمصنف في الزكاة بلفظ "تصدق بصدقة .. فأخفاها" ومثله لمالك في الموطأ، فالظاهر أن راوي الأُولى حذف العاطف، وفي رواية الأصيلي "تصدق إخفاء" بكسر الهمزة ممدودًا على أنه مصدر، أو نعت لمصدر محذوف، ويحتمل أن يكون حالًا من الفاعل أي مختفيًا.
وقوله: بصدقة، نكّرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل أو كثير، وظاهره أيضًا يشمل المندوبة والمفروضة، لكن نقل النَّوويّ عن العلماء أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها؛ لأنها من شعائر الإِسلام، وليقتدي به غيره. وقوله: حتى لا تعلمُ، بفتح الميم وضمها، نحو مرض حتى لا يرجونه، وسرت حتى تغيبُ الشمس. وقوله: شماله ما تنفق يمينه، شماله فاعل تعلم، هكذا وقع في معظم الروايات، ووقع في مسلم مقلوبًا "حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله" ووجه القلب هو أن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين، وقد ترجم عليه البُخاريّ في الزكاة باب الصدقة باليمين، وهذا النوع الواقع في مسلم من أنواع علوم الحديث يسمّى بالمقلوب، وسماه بعضهم بالمعكوس، والأولى تسميته مقلوبًا، فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن، كما قالوا في المدرج سواء. وقد أفرد ابن الصلاح المقلوب، ولكنه قصره على مقلوب الإسناد.
قال "في الفتح": لم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه إلا عن أبي هُرَيْرَةَ، إلا ما وقع عند مالك من التردد: هل هو عنه أو عن أبي سعيد كما مرَّ، ولم نجده عن أبي هُريرة إلا من رواية حفص، ولا عن حفص إلا من رواية
стр. 3896
خبيب. وأخرجه البيهقيّ في الشعب بإسناد حسن في المتابعات، ووافق في قوله "تصدق بيمينه" وفي مسند أحمد بإسناد حسن عن أنس مرفوعًا "أن الملائكة قالت: رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالت: فهل أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالت: فهل أشد من النار؟ قال: نعم، الريح. قالت: فهل أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم، يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله". ثم إن المقصود من الحديث المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث إن شماله مع قربها من يمينه، وتلازمها، لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمين، لشدة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه.
ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجوزقي "تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه عن شماله" ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف، والتقدير: حتى لا يعلم ملك شماله، وأبعد من زعم أن المراد بشماله نفسه، وأنه من تسمية الكل باسم الجز، فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه. وقيل: هو من مجاز الحذف، والمراد بشماله من على شماله من الناس، كأنّه قال: مجاور شماله، وقيل المراد أنه لا يرائي بصدقته، فلا يكتبها كاتب الشمال. وحكى القرطبيّ أن معناه أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته، أو رفع قيمتها واستحسنه، فإن أراد أن هذه الصورة مراد الحديث خاصة فغير صحيح، وإن أراد أنها من صور الصدقة المخفية فمسلم.
وقوله: ذكر الله، أي بقلبه من التذكر، أو بلسانه من الذكر. وقوله: خاليًا، من الخلو؛ لأنه يكون حينئذٍ أبعد من الرياء، والمراد خاليًا من الالتفات إلى غير الله تعالى، ولو كان في ملأ ويؤيده رواية البَيْهَقِيّ "ذكر الله بين يديه" ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد "ذكر الله في خلاء" أي في موضع خال، وهو أصح. وقوله: "ففاضت عيناه" أي فاضت الدموع من عينيه، وأسند الفيض إلى العين مبالغة كأنها هي التي فاضت. قال القُرْطُبيّ: فيض العين بحسب حال الذاكر، ويحسب ما يكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق. وقد جاء في بعض
стр. 3897
الروايات تخصيصه بالأول، فعند الجوزقيّ من رواية حماد بن زيد "ففاضت عيناه من خشية الله" ونحوه في رواية البَيْهَقِيّ، وعند الحاكم عن أنس مرفوعًا "من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة" وذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له، فإن النساء يشتركن معهم فيما ذكر، إلا إن كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى، وإلا فيمكن دخول المرأة، حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم، وتخرج خصلة ملازمة المسجد لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن، حتى الرجل الذي دعته المرأة، فإنه يتصور في امرأة دعاها مَلِك جميل مثلًا فامتنعت خوفًا من الله تعالى مع حاجتها، أو شاب جميل دعاه ملك إلى أن يزوجه ابنته مثلًا، فخشي أن يرتكب منه الفاحشة، فامتنع مع حاجته. وحكم الصوم كحكم الصدقة، إعلان الفريضة منه أفضل، وإخفاء النوافل أفضل، واختلف في السنن كالوتر وركعتي الفجر، هل إعلانهما أفضل أم كتمانهما؟ وفيه فضل ملازمة المسجد للصلاة مع الجماعة؛ لأن المسجد بيت الله وبيت كل تقي، وحقيق على المزور، إكرام الزائر، فكيف بأكرم الكرماء؟
وفيه فضيلة التحاب في الله، فإن الحب في الله، والبغض في الله تعالى، من الإيمان، وعند مالك من الفرائض. وروى ابن مسعود والبراء بن عازب مرفوعًا "أن ذلك من أوثق عُرى الإيمان" وروى ثابت عن أنس، رفعه "ما تحابَّ رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبًا لصاحبه" وروى أبو رزين قال قال لي رسول الله ﷺ يا أبا رزين: إذا خلوت حرك لسانك بذكر الله، وأحب في الله، وأبغض في الله، فإن المسلم إذا زار في الله شيعه سبعون ألف ملك، يقولون: اللهم وصله فيك فصله. ومن فضل المتحابين في الله أن كل واحد منهما إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، أمَّن المَلَكُ على دعائه" رواه أبو داود مرفوعًا، وفيه فضيلة من يخاف الله، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
وروى أبو معمر عن كعب الأحبار قال: إن في الجنة لدارا، درة فوق درة،
стр. 3898
ولؤلؤة فوق لؤلؤة، فيها سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف دار، في كل دار سبعون ألف بيت، لا ينزلها إلا نبي أو صديق أو محكم في نفسه أو إمام عادل. قال سَلمة: فسألت عُبَيْدًا عن المحكم في نفسه، قال: هو الرجل يطلب الحرام من النساء أو من المال، فيعرض له، فإذا ظفر به تركه مخافة الله تعالى، فذلكم المحكم في نفسه، وفيه فضيلة ذكر الله تعالى في الخلوات مع فيضان الدمع من عينه. وروى أبو هُرَيرَة مرفوعًا "لا يلج النار أحدكم بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضَّرْع" وروى أبو عمران عن أبي الخُلد قال "قرأت في مسألة داود ﵊ ربه تعالى: ما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه؟ قال: أسَلِّم وجهه من لفح النار".
رجاله ستة:
الأول: مُحَمَّد بن بَشار، وقد مرَّ في الحادي عشر من العلم، ومرَّ يحيى بن سَعيد القطّان في السادس من الإيمان، ومرَّ عُبيد الله بن عمر العُمَرِيّ في الرابع عشر من الوضوء، ومرَّ خُبَيْبُ بن عبد الرحمن، وحَفْص بن عاصم في الثاني والستين من المواقيت، ومرَّ أبو هُرَيْرَةَ في الثاني من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإفراد في أربعة مواضع، والقول في موضعين، ورواية الرجل عن خاله وجده، ورواته بصريان، وهما محمد ويحيى، والبقية مدنيون. أخرجه البُخَاريّ هنا وفي الزكاة والرِّقاق والمحاربين، ومسلم في الزكاة والتِّرمِذِيّ في الزُّهْد والنَّسائيّ في القضاء والرقاق.
стр. 3899
الحديث الخامس عشر
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ هَلِ اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا فَقَالَ نَعَمْ، أَخَّرَ لَيْلَةً صَلاَةَ الْعِشَاءِ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ بَعْدَمَا صَلَّى فَقَالَ: صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلاَةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا. قَالَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ.
قوله: سئل أَنَسٌ، تقدم التصريح بسماع حميد له من أنس في باب وقت العشاء. وقوله: صلى الناس، أي غير المخاطبين ممن صلى في داره ومسجد قبيلته، ويسأنس به لمن قال إن الجماعة غير واجبة، وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه، ومرَّ الكلام على الخاتم في باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم للبلدان، والكلام على فضل انتظار الجماعة في باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، من كتاب الوضوء وفي باب الحدث في المسجد من أبواب المساجد.
رجاله أربعة:
الأول: قُتَيْبة، وقد مرَّ في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ حُمَيد في الثاني والأربعين منه، ومرَّ أَنَسٌ في السادس منه، ومرَّ إسماعيل بن أبي جَعْفر في السادس والعشرين منه. ثم قال المصنف:
باب فضل من غدا إلى المسجد ومن راح
هكذا للأكثر موافقًا للفظ الحديث في الغُدُوّ والرواح، ولأبي ذَرٍّ بلفظ "خرج" بدل غدا، وله عن المُسْتَمِلي والسَّرخَسِيّ بلفظ "من يخرج" بصيغة
стр. 3900
المضارع، وعلى هذا فالمراد بالغدو الذهاب، وبالرواح الرجوع، والأصل في الغدو المضي من بُكرة النهار، والرواح بعد الزوال، ثم قد يستعملان في كل ذهاب ورجوع توسعًا.
стр. 3901
الحديث السادس عشر
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ.
قوله: أعد الله، أي هيأ له، وقوله: نزله من الجنة، للكُشْمِيْهَنِيّ "نزلا" بالتنكير، والنُّزُل بضم النون والزاي: المكان الذي يهيأ للنزول فيه، وبسكون الزاي ما يهيأ للقادم من الضيافة ونحوها، فعلى هذا "من" في قوله "من الجنة" للتبعيض على الأول، وللتبيين على الثاني. ورواه مسلم وابن خُزَيْمَةَ وأحمد بلفظ "نزلا" كرواية الكُشْمِيْهَنيّ، وهو محتمل للمعنيين، وقوله: كلما غدا أو راح، أي بكل غدوة وروحة، وفي بعض الروايات "وراح" بواو العطف، والفوق بين الروايتين أنه على الواو لابد له من الأمرين حتى يعدّ له النزاع، وعلى كلمة "أو" يكفي أحدهما في الإعداد. وقيل: الغُدُوّ والرَّواح في الحديث كالبكرة والعشي في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢] يراد بهما الدَّيْمُومة لا الوقتان المعينان. وظاهر الحديث حصول الفضل لمن أتى المسجد مطلقًا، لكن المقصود منه اختصاصه بمن يأتيه للعبادة والصلاة رأسها.
رجاله ستة:
الأول: عليّ بن عبد الله المَدِينيّ، وقد مرَّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ يزيد بن هارون في الخامس عشر من الوضوء.
الثالث: محمد بن مُطَرِّف بن عبد الله بن سَارية التّيْمِيّ اللّيْثيّ أبو غسّان المَدَنِيّ. يقال إنه من موالي عمر، نزل عَسْقَلان، أحد الأثبات العلماء، كان
стр. 3902
من أهل وادي القُرى، قدم بغداد أيام المَهْديّ، وقال يزيد بن هارون: حدثنا محمد بن مطرف وكان ثقة، وقال أحْمَد وأبو حاتم ويعقوب بن شَيْبَةَ: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال: ذكره أحمد فجعل يثني عليه. وقال ابن مَعين: ثقة ثبت شيخ، وفي رواية عنه: أرجو أن يكون ثقة. وقال أبو داود والنَّسائيّ: كان شيخًا صالحًا، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: يغرب.
روى عن زيد بن أسلم ومحمد بن الْمنكدِر وأبي حازم سَلَمة بن دينار وحسان بن عطية وغيرهم. وروى عنه إبراهيم بن أبي عَبْلة وهو أكبر منه، والثَّوْرِيّ، وهو من أَقْرانه، وابن المُبارك وابن وَهْب وعَلِي بن عياش وغيرهم، وليس في الستة مُحَمْد بن مُطَرِّف سواه.
الرابع والخامس: زَيْد بن أَسْلَم، وعَطَاء بن يَسَار، وقد مرا في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو هُرَيرة في الثاني منه. ثم قال المصنف:
باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة
هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن وابن خُزَيْمَةَ وابن حِبّان، عن عمرو بن دينار عن أبي هُريرة، واختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه، وقد قيل إن ذلك هو السبب في كون البخاري لم يخرجه، ولما كان الحكم صحيحًا ذكره في الترجمة، وأخرج في الباب ما يغني عنه، لكن حديث الترجمة أعم من حديث الباب، لأنه يشمل الصلوات كلها، وحديث الباب يختص بالصبح كما سنوضحه. ويحتمل أن تكون اللام في حديث الترجمة عهدية فيتفقان، هذا من حيث اللفظ، وأما من حيث المعنى فالحكم في جميع الصلوات واحد.
وقد أخرجه أحمد من وجه آخر بلفظ "فلا صلاة إلا التي أقيمت". وقوله: إذا أقيمت، أي إذا شرع في الإقامة، كما أخرجه ابن حِبّان تصريحًا عن عمرو بن في ينار بلفظ "إذا أخذ المؤذن في الإقامة". وقوله: فلا صلاة، أي صحيحة، أي كاملة، والتقدير الأول أَولى لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة، لكن لم
стр. 3903
يقطع النبي ﷺ صلاة المصلي، واقتصر على الإنكار، دل على أن المراد نفي الكمال، ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهي، أي فلا تصلوا حينئذ.
ويؤيده ما رواه البُخاريّ في التاريخ، والبزار عن أنس مرفوعًا في نحو حديث الباب، وفيه "ونهى أن يصليا إذا أقيمت الصلاة" وورد بصيغة النَّهْي أيضًا عند أحمد عن ابن بُحينة في قصته هذه فقال: "لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر، واجعلوا بينهما فصلًا" والنهي المذكور للتنزيه، لما مرَّ من كونه لم يقطع صلاته. وقوله: إلا المكتوبة، فيه منع التنقل بعد الشروع في إقامة الصلاة، سواء كانت راتبة أم لا؛ لأن المراد بالمكتولة المفروضة، وزاد مسلم عن عمرو بن دينار في هذا الحديث "قيل: يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال: ولا ركعتي الفجر" والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة، لكن المراد الحاضرة، صرح بذلك أحمد والطحاويّ عن أبي هريرة بلفظ "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت".
والحكم عن المالكية هو ما ذكر في هذا الحديث، فإنه يحرم عندهم على المشهور ابتداء صلاة بعد إقامة الإِمام الراتب، وقيل يكره، وإن أقيمت على مُصَلٍّ وهو في صلاة قطع ما هو فيها إن خشي فوات ركعة من المقامة، وإن لم يخشَ ذوات ركعة أتم النافلة وفريضة غير المقامة، وان كان في المُقامة وهو لا يخشى ذوات ركعة إن كان عقد الركعة الأولى أضاف لها ثانية وانصرف عن شفع، وإن كان في الثالثة انصرف عن شفع إلا في المغرب، فإنه يتمها مغربًا لعدم مشروعية التنفل حينئذ، كما أنه إذا عقد ركعة منها أو من الصبح لا يكملها شفعاً للعلة المذكورة، بل يقطعها ويدخل مع الإِمام، والقطع لابد فيه من سلام أو مناف للصلاة.
стр. 3904
الحديث السابع عشر
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ. قَالَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ سَمِعْتُ حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ مَالِكٌ ابْنُ بُحَيْنَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاَثَ بِهِ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ أَرْبَعًا، الصُّبْحَ أَرْبَعًا.
قوله: مر النبي ﷺ برجل، لم يسق المصنف لفظ رواية إبراهيم بن سعد، بل تحول إلى رواية شُعْبةَ، فأوهم أنهما متوافقتان، وليس كذلك، فقد ساق مسلم رواية إبراهيم بن سَعْد بالسند المذكور، ولفظه "مرَّ برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح" فكلمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرفنا أحطنا به نقول: ماذا قال لك رسول الله ﷺ ، قال قال لي "يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعًا" ففي هذا السياق مخالفة لسياق شعبة، في كونه ﷺ كلم رجلًا وهو يصلي، ورواية شعبة تقتضي أنه كلمه بعد أن فرغ، ويمكن الجمع بينهما بأنه كلمه أولًا سرًا، فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانيًا جهرًا فسمعوه، وفائدة التكرار تأكيد الإنكار، ثم قال: وحدثني إلخ.
هذا إسناد آخر في الحديث الأول، وفي بعض النسخ ذكر حاء التحويل، وقوله: سمعت رجلًا من الأزْد، في رواية الأصيلي "من الأسْد" بالمهملة الساكنة بدل الزاي الساكنة، وهي لغة صحيحة. وقوله: يقال له مالك بن بُحينة، هكذا يقول شُعْبَة في هذا الصحابيّ وتابعه على ذلك أبو عَوانةَ وحماد بن سلمة وحكم
стр. 3905
الحفّاظ يحيى بن مَعين وأحمد والبخاريّ ومسلم والنَّسائيّ، وغيرهم عليهم بالوهم فيه في موضعين أحدهما أن بحينة والدة عبد الله لا مالك، والثاني أن الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك.
قال ابن سعد قدم مالك بن القِشْب مكة، يعني في الجاهلية، فحالف بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بُحينة بنت الحارث بن المطلب واسمها عَبْدَة، وبُحيْنَةُ لقب، وأدركت بحيْنَةُ الإِسلام. وأسلمت وصحبت، وأسلم ولدها عبد الله. وعلى أنها أم عبد الله ينبغي أن يكتب ابن بُحَيْنَةَ بزيادة ألف، ويعرب إعراب عبد الله، كما في عبد الله بن أُبيّ بن سَلُول، ومحمد بن عَليّ بن الحَنَفية.
وقوله: رأى رجلًا، هو عبد الله الراوي كما رواه أحمد عن محمد بن عبد الرحمن بن ثَوبان عنه "أن النبي ﷺ مرَّ به وهو يصلي" وفي رواية أخرى له "خرج وابن القِشْب يصلي" ووقع نحو هذه القصة لابن عباس أيضًا قال: "كنت أصلي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني النبيّ ﷺ وقال: أتصلي الصبح أربعًا" أخرجه ابن خُزَيْمة وابن حِبَّان والبَزَّاز والحاكم وغيرهم، فيحتمل تعدد القصة.
وقوله: لاث، مثلثة خفيفة، أي دار وأحاط. قال ابن قُتيبة: أصل اللوث الطي يقال لاث عمامته إذا أدارها. وقوله: به الناس، ظاهره أن الضمير للنبي ﷺ ، لكن طريق إبراهيم بن سعد المتقدمة تبين أن الضمير للرجل، وقوله: آلصبح أرْبعًا، بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهي استفهام إنكار، وأعاده تأكيدًا للإنكار، والصبحَ بالنصب بإضمار "أتصلي" الصبح، وأربعًا منصوب على الحال، وقيل على البدلية، ويجوز الرفع، أي الصبحُ تصلى أربعًا؟
واختلف في حكمة هذا الإنكار، فقال عياض: لئلا يتطاول الزمان فيظن وجوبها، ويؤيده قوله في رواية إبراهيم بن سَعْد "يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعًا" وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره ذلك، وهو متعقب بعموم حديث
стр. 3906
الترجمة. وقال النوويّ: فيه أن يتفرع للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإِمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أَولى من التشاغل بالنافلة، وقيل لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل، وقيل: الحكمة في الإنكار هي عدم الفصل بين الفرض والنفل، لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطَّحَاويّ، واحتج له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، وتعقبه في الفتح قائلاً: لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكار أصلًا؛ لأن ابن بحينة سلّم من صلاته قطعًا، ثم دخل في الفرض، وتعقب هذا الاستدلال بأن المراد فصل بغير السلام طويل، لا مجرد السلام. ثم قال: ويدل على ذلك حديث قيس بن عمر الذي أخرجه أبو داود وغيره "إذا صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلما أخبر النبي ﷺ حين سأله، لم ينكر عليه قضاءها بعد الفراغ من صلاة الصبح" متصلًا فدل على أن الإنكار على ابن بُحَيْنَة إنما كان للتنفل حال صلاة الفرض، وهو موافق لعموم حديث الترجمة، وقد مرَّ عنده تحرير مذهب المالكية، وأنهم استدلوا به على أن لا تُبتدأ صلاة بعد الإقامة، واستدلوا بقوله أيضًا "فلا صلاة إلا المكتوبة" على قطع الصلاة التي هو فيها إذا أقيمت صلاة الراتب. قال ابن عبد البَرّ وغيره: الحجة عند التنازع السنة، فمن أدلى بها فقد أفلح وترك التنفل عند إقامة الصلاة، وتداركها بعد أداء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأكد ذلك من حيث المعنى، بأن قوله في الإقامة "حي على الصلاة" معناه: هلموا على الصلاة التي يقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره.
وقالت الشافعية والحنابلة بكراهة صلاة ركْعَتَي الفجر عند الإقامة، مستدلين بحديث الترجمة. وقال أبو حامد وكثير من الشافعية: إنه يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة، وخص آخرون منهم النَّهْيَ بمن ينشىء النافلة عملًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أعْمَالَكُم﴾ [محمد: ٣٣] وقيل: يفرق بين من يخشى فوت الفريضة في الجماعة فيقطع، وإلا فلا. وقالت الحنفية: لا بأس أن يصليهما خارج المسجد عند بابه، إذا تيقن أنه يدرك الركعة الأخيرة مع الإِمام، لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين، فضيلة السنة وفضيلة الجماعة، وإنما قيدوا
стр. 3907
بباب المسجد لأنه لو صلاهما في المسجد كان متنفلًا فيه مع اشتغال الإِمام بالفرض، وذلك مكروه لقوله ﵊ "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوب" وخصت سنة الفجر بهذا لقوله ﷺ "لا تدعوها وإن طردتكم الخيل" رواه أبو داود عن أبي هُرَيرة، وإذا لم يكن عند باب المسجد موضع يصليهما فيه، صلاهما في المسجد خلف سارية من سواريه، خلف الصف.
وأشدها كراهة أن يصليهما مخالطًا للصف مخالفًا للجماعة، والذي يلي ذلك خلف الصف من غير حائل بينه وبين الصف، وفي "المحيط" قيل: يكره ذلك كله؛ لأنه بمنزلة مسجد واحد، وقد فهم ابن عمر اختصاص المنع بمن يكون في المسجد لا خارجًا عنه، فصح عنه أنه كان يحصب من يتنفل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، وصح عنه "أنه قصد المسجد فسمع الإقامة، فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة، ثم دخل المسجد فصلى مع الإِمام" واستدل بقوله "التي أقيمت" على أن المأموم لا يصلي فرضًا ولا نفلًا خلف من يصلي فرضًا آخر، كالظهر مثلًا خلف من يصلي العصر، وإن جازت إعادة الفرض خلف من يصلي الفرض.
رجاله تسعة:
الأول: عبد العزيز الأُوَيْسِيّ، وقد مرَّ في الأربعين من العلم، ومرَّ إبراهيم بن سَعْد في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ حَفْصُ بن عُمَر في الثاني والستين من المواقيت. ومرَّ عبد الله بن مالك في الثاني والأربعين من الصلاة، ومرَّ سعد بن إبراهيم أبو إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ بَهْز بن أسَد في الرابع من الغُسل، ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث من الإيمان.
الثامن من السند: عبد الرحمن بن بِشر بن الحَكَم بن حَبيب بن مِهْران العَبْدِيّ، أبو محمد النَّيْسَابوريّ قال صالح بن محمد: صدوق، وقال أبو بكر الجَارُوديّ: كان يحيى بن سعيد يحله محل الولد، وقال الحاكم: العالم ابن العالم ابن العالم. وقال إبراهيم بن أبي طالب: سمعت عبد الرحمن بن بشر
стр. 3908
يقول: حملني بِشْر بن الحَكَم على عاتقه في مجلس ابن عُيَيْنَة فقال: يا معشر أصحاب الحديث، أنا بِشر بن الحكم بن حبيب سمع أبي الحكم بن حَبيب من سُفيان، وقد سمعت أنا منه وحدثت عنه بخراسان، وهذا ابني عبد الرحمن قد سمع منه، وذكره في الثقات، وقال أبو جَعْفَر الزاهد: أمر عبد الله بن طاهر الأمير أن يكتب أسامي الأعيان بِنَيْسابُور، فكتبوا أسماء مئة مسن، وفيهم عبد الرحمن ثم قال: يختار من المئة عشرة، فكتبوهم وفيهم عبد الرحمن. ثم قال: يختار من العشرة أربعة، فاختيروا وفيهم عبد الرحمن، وقال ابن أبي حاتم: كتب إليّ ببعض فوائده، وكان صدوقًا ثقة.
وقال مسدد بن قَطَن: لما مات محمد بن يحيى عقد مسلم مجلس الإملاء لخالي عبد الرحمن بن بشر، وانتقى عليه. وفي الزّهْرَة روى عنه البخاري ثلاثة أو أربعة، ومسلم ثلاثة وعشرين، روى عن ابن عُيَيْنَة وعبد الرّزّاق بن هَمّام، وبَهْز بن أسَد ويحيى القطّان والنضر بن شميل وغيرهم، وروى عنه البُخاريّ وأبو داود بن محمد الأَسَديّ وابن خُزَيْمَة وأبو عَوَانَةَ الأَسْفَرايِيني وغيرهم، مات سنة ستين ومئتين.
التاسع: مالك بن بُحينة، قال ابن عبد البَرّ: لعبد الله ولأبيه مالك صحبه، وبحينة قيل: أم مالك، وقيل: أم ولده عبد الله، وتوفي عبد الله بن بُحينة أيام معاوية. وقال في الإصابة: لا أعرف لمالك شيئًا يتمسك به في أنه صحابي إلا حديثين اختلف بعض الرواة فيهما، هل هما لعبد الله أو لمالك؟ ولا ترجم البُخاري ولا ابن أبي حاتم ولا تبعهما لمالك في الصحابة قال: والصحيح أن الحديثين مرويان عن عبد الله، لا عن أبيه مالك، والحديثان أحدهما هذا، والثاني في السهو عن التشهد الأول، والحديثان كل منهما في الصحيحين.
فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضعين، والعنعنة في ثلاثة، والسماع في موضعين، والقول في سبعة، وفيه جاء التحويل، وقد مرَّ الكلام عليه في الرابع من الوحي، ورواته ما بين نَيْسابُوريّ وبَصْريّ ومَدَنيّ وواسِطيّ، وشيخ البخاريّ من أفراده، وفيه تابعيان: سَعْد بن
стр. 3909
إبراهيم وحَفْص بن عاصم، وفيه صحابيان، على أن مالكًا صحابي راو هنا. أخرجه البُخاري هنا، ومسلم والنَّسائيّ وابن ماجَهَ في الصلاة.
ثم قال: تابَعَهُ غُنْدَر ومُعَاذٌ عنْ شُعْبَة في مالكٍ.
أي تابعا بَهْز بن أسَد في روايته عن شُعْبَة بهذا الإسناد، فقالا: عن مالك بن بُحينة، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيّ عن شُعْبَة عن مالك، أي بإسناده، والأول يقتضي اختصاص المتابعة بقوله: عن مالك بن بحينة، فقط. والثاني يشمل جميع الإسنادين والمتن، وهو الأَولى، لأنه الواقع في نفس الأمر.
وغندر مرَّ في الخامس والعشرين من الإيمان، ومتابعته وصلها أحمد في مسنده، ومُعَاذ المراد به ابن مُعاذ، وقد مرَّ في تعليق بعد الثامن عشر من كتاب المواقيت، ومتابعته وصلها الإسماعيليّ من رواية عبيد الله بن مُعاذ عن أبيه.
ثم قال: وقال ابن إسحاق: عن سَعْد عن حَفْص عن عبد الله بن بُحينَةَ.
وهذه الرواية موافقة لرواية إبراهيم بن سعد عن أبيه، وهي الراجحة، وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يَسَار بن خيار، ويقال: كَوْمان المَدَنيّ أبو بكر، ويقال: أبو عبد الله المُطَّلِبيّ مولاهم، نزيل العراق، قال المُفَضَّل الفُلاحيّ: سألت ابن مَعين عنه فقال: كان ثقة وكان حسن الحديث، فقلت: إنهم يزعمون أنه رأى ابن المُسَيِّب؟ فقال: إنه لقديم. وقال ابن المَدِينيّ: مدار حديث رسول الله ﷺ ستة فذكرهم، ثم قال: فصار علم السنة عند اثنين، فذكر ابن إسحاق فيهم. وقال ابن عُيينة: رأيت الزّهريّ قال لمحمد بن إسحاق: أين كنت؟ فقال: هل يصل إليك أحد؟ قال: فدعا حاجبه وقال: لا تحجبه إذا جاء وقال ابن شهاب: وسئل عن مَغَازِيه فقال: أعلم الناس بها. وقال عاصم بن عمر بن قتادة: لا يزال في الناس علم ما بقي ابن إسحاق. وقال أبو معاوية: كان ابن إسحاق من أحفظ الناس، فكان إذا كان عند الرجل خمسة أحاديث أو أكثر، فاستودعها ابن إسحاق.
وقال عبد الله بن فائد: كنا إذا جلسنا إلى ابن إسحاق، فأخذ في فن من
стр. 3910
العلم، قضى مجلسه في ذلك الفن. وقال الميْمُونيّ: حدثنا عبد الله بحديث استحسنته عن ابن إسحاق، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما أحسن هذه القصص التي يجيىء بها ابن إسحاق، فتبسم إليّ متعجبًا. وقال عليّ بن المَدينيّ، عن ابن عُيينة قال: جالست ابن إسحاق منذ بضع وسبعين سنة، وما يتهمه أحد من أهل المدينة ولا يقول فيه شيئًا. قلت لسفيان: كان ابن إسحاق جالس فاطمة بنت المنذر؟ فقال: أخبرني ابن إسحاق أنها حدثته وأنه دخل عليها، وروى عن هشام بن عروة أنه قال: يحدث ابن إسحاق عن امرأتي فاطمة بنت المنذر، والله إنْ رآها قط. قال أحمد: لِمَ ينكر هشام، لعله جاء فاستأذن عليها فأذنت له ولم يعلم.
وقال ابن الأَثْرَم عن أحمد: هو حسن الحديث. وقال مالك: دَجّال من الدجاجلة، وقال البخاريّ: رأيت علي بن عبد الله يحتج بحديث ابن إسحاق. قال: وقال عليّ: ما رأيت أحدًا يتهم ابن إسحاق. وقال يعقوب: سألت ابن المَدينيّ كيف حديث ابن إسحاق عندك؟ فقال: صحيح. قلت له: فكلام مالك فيه؟ قال: مالك لم يجالسه ولم يعرفه. ثم قال: على أي شيء حدث بالمدينة؟ قلت له: وهشام بن عروة قد تكلم فيه قال: على الذي قال هشام ليس بحجة، لعله دخل على امرأته وهو غلام فسمع منها. قال: على أن حديث ابن إسحاق لَيُتَبيَّنُ فيه الصدق، يروي مرة حدثني أبو الزّناد، وهو من أروى الناس عن سالم أبي النصر. وروى عن رجل عنه، وهو من أروى الناس عن عمرو بن شُعَيْب، وروى عن رجل عن أيوب عنه.
وقال عمر بن عثمان: إن الزُّهْرِيّ، كان يتلقف المغازِي عن ابن إسحاق فيما يحدثه عن عاصم بن عمر بن قَتَادة، والذي يذكر عن مالك فيه لا يكاد يتبين، وكان إسماعيل بن أبي أُويس من اتبع من رأينا لمالك. أخرج إليّ كتب ابن إسحاق عن أبيه في المغازي وغيرها، فانتخبت منها كثيرًا، وكان عند إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق نحو من سبعة عشر ألف في الأحكام، سوى المغازي، وإبراهيم بن سعد من أكثر أهل المدينة حديثًا في زمانه، ولو صح عن
стр. 3911
مالك تناوله من ابن إسحاق فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبه بشيء، ولا يتهمه في الأمور كلها، وقال محمد بن فُلَيْح: نهاني مالك عن شيخين من قريش، وقد أكثر عنهما في "الموطأ" وهما ممن يحتج بهما، قال: ولم ينج كثير من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبى، وكلام الشَّعْبِيّ في عكرمة، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم تسقط عدالتهم إلا ببرهان وحجة.
وقد قال شُعْبَةُ: ابن إسحاق أمير المؤمنين لحفظه، وفي رواية عنه: لو سُوِّد أحد في الحديث لَسُوِّد محمد بن إسحاق. وقال ابن سعد: كان ثقة، ومن الناس من تكلم فيه، وكان خرج من المدينة قديمًا فأتى الريّ والكوفة وبغداد، وأقام بها حتى مات، ورواته من أهل البلدان أكثر من رواته من أهل المدينة، لم يرو عنه منهم سوى إبراهيم بن سعد. وقال ابن عَدِيّ: ولمحمد بن إسحاق حديث كثير، وقد روى عنه أئمة الناس، ولو لم يكن له من الفضل إلا أنه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لا يحصل منها شيء، إلى الاشتغال بمغازي رسول الله ﷺ ، ومبعثه ومبدأ الخلق، لكانت هذه فضيلة سبق إليها.
وقد صنف بعده قوم فلم يبلغوا مبلغه، وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد فيها ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف، وربما أخطأ أو يهم في الشيء كما يخطىء غيره، وهو لا بأس به. وقال ابن المَدينيّ: لم أر لابن إسحاق إلا حديثين منكرين: نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة" والزهري عن عروة عن زيد بن خالد "إذا مس أحدكم فرجه" والباقي، يعني المناكير، يقول في حديثه "ذكر فلان" ولكن هذا فيه حديثًا. وقال أيوب بن إسحاق: سألت أحمد إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله؟ قال: لا، والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا. قال أيوب: وكان ابن المدينيّ يثني عليه ويقدمه. وقال أبو داود: سمعت أحمد ذكر محمد بن إسحاق فقال: كان رجلًا يشتهي الحديث، فيأخذ كتب الناس فيضعها في كتبه. وقال أيضًا: كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم إذا
стр. 3912
كان سماعًا قال: حدثني، وإذا لم يكن قال: قال.
وقال: قدم ابن إسحاق بغدادَ، فكان لا يبالي عمن يحكي، عن الكلبي وغيره، فقيل له: أيما أحب إليك؟ ابن إسحاق أو موسى بن عُبَيْدة؟ فقال: ابن إسحاق. وقال أيضًا: ابن إسحاق ليس بحجة، وقال عبد الله بن أحمد: ما رأيت أبي أتقن حديثه قط، وكان يتتبعه بالعلو والنزول، قيل له: يحتج به؟ قال: لم يكن يحتج به في السنن. وقال عباس الدُّوريّ عن ابن مَعِين: ابن إسحاق ثقة، وليس بحجة. وقال يعقوب بن شَيْبَةَ: سألت ابن مَعين عنه فقلت: في نفسك من صدقه شيء؟ قال: لا، هو صدوق. وقال أبو زُرْعَة: قلت لابن مَعين، وذكرت له الحجة: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: كان ثقة، إنما الحجة مالك وعُبَيد الله بن عمر. وفي رواية عنه: ليس به بأس. وفي رواية: ليس بذلك ضعيف، وفي رواية: ليس بالقوي، وقال النَّسائي: ليس بالقويّ. وقال العِجْلي مدنيّ ثقة. وقال ابن يونس: قدم الإسكندربة، وروى عن جماعة من أهل مصر أحاديث لم يروها عنهم غيره فيما علمت، وقال ابن المدينيّ: ثقة لم يضعفه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب، وكذبه سليمان التيميّ ويحيى القطّان، ووُهَيب بن خالد، فأما وُهَيب والقَطّان فقلدا فيه هشام بن عُرْوَة ومالكا وأما سليمان التيميّ فلم يتبين لي لأي شيء تكلم فيه، والظاهر أنه لأمر غير الحديث؛ لأن سليمان ليس من أهل الجرح والتعديل.
قال ابن حِبّان في الثقات: تكلم فيه رجلان: هشام ومالك، فأما قول هشام فليس مما يجرح به الإنسان، وذلك أن التابعين سمعوا عن عائشة، من غير أن ينظروا إليها، وكذلك ابن إسحاق، كان سمع من فاطمة والستر بينهما مُسْبَل، وأما مالك، فإن ذلك كان منه مرة واحدة، ثم عاد له إلى ما يحب، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا، وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم، وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن متقن، ولما سُئِل ابن المبارك عنه قال: إنّا وجدناه صدوقًا ثلاث مرات. قال ابن حبَّان: ولم يكن أحد
стр. 3913
بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقًا للأخبار، إلى أن قال: وكان يكتب عن من هو فوقه ومثله ودونه، فلو كان ممن يستحل الكذب لم يحتج إلى النزول، فهذا يدلك على صدقه، وذكر عند يحيى بن يحيى فَوَثَّقه.
وقال الدارقُطنيّ: اختلف الأئمة فيه، وليس بحجة، إنما يعتبر به. وقال أبو يَعْلى الخَليليّ: ابن إسحاق عالم كبير، وإنما لم يخرج له البُخاريّ من أجل رواياته المطولات. وقد استشهد به وأكثر عنه فيما يحكي في أيام النبي ﷺ ، وفي أحواله، وفي التواريخ، وهو عالم واسع العلم ثقة. وقال ابن البَرْقيّ: لم أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه وروايته. وفي روايته عن نافع بعض الشيء وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: صدوق. وقال محمد بن يحيى: هو حسن الحديث عنده غرائب. وروى عن الزُّهريّ فأحسن الرواية. وقال البُوشَنْجيّ: هو عندنا ثقة ثقة، وقال البُخاريّ: محمد بن إسحاق ينبغي أن يكون عنده ألف حديث ينفرد بها، وقال مصعب: كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث.
وقال أبو زُرعة الدّمشقيّ: ابنُ إسحاق رجل أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ عنه، وقد اختبره أهل الحديث مرارًا صدقًا وخيرًا مع مدحه ابن شهاب له، وقد ذاكرت دخيمًا قول مالك فيه، فرأى أن ذلك ليس للحديث، إنما هو اتهمه بالقدر. وقال الدَّراوَرْدِيّ: جلِدَ ابنُ إسحاق في القدر. وقال الجَوْزجَانيّ: الناس يشتهون حديثه، وكان يرمى بغير نوع من البدع، وقال محمد بن عبد الله بن نُمَير: كان محمد بن إسحاق يرمى بالقدر، وكان أبعد الناس منه. وقال: إذا حدث عمن سمع منه من المعروفين فهو حسن الحديث، صدوق، وإنما أُتي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة.
رأى أَنسًا وابن سيرين وأبا سَلَمة عبد الرحمن، وروى عن أبيه وعَمَّيْه عبد الرحمن وموسى، والأعرج وعُبيد الله بن عمر والقاسم بن محمد والزُّهريّ وابن المُنكَدِر وغيرهم. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ ويزيد بن أبي حَبيب،
стр. 3914
وهما من شيوخه، وجرير بن حازم وابن عَوْن وأبو عَوَانة ويزيد بن زُرَيْع وغيرهم، مات سنة اثنتين أو ثلاث ومئة.
ثم قال: وقالَ حمّادٌ: أخبرنا سَعْدٌ عنْ حَفْصٍ عَنْ مالكٍ.
حماد: هو ابن سَلَمة كما جزم به المزيّ وآخرون، ووهم الكرماني في زعمه أنه حماد بن زيد، والمراد أن حمادًا وافق شعبة في قوله "عن مالك بن بُحيْنة" وقد وافقهما أبو عُوانة فيما أخرجه الإسماعيليّ عن قُتيبة عنه، لكن أخرجه مسلم والنَّسائيّ عن قُتيبة، فوقع في روايتهما عن ابن بُحَيْنَة مبهمًا، وكان ذلك وقع من قُتَيْبَة في وقت عمدًا ليكون أقرب إلى الصواب.
قال أبو مسعود: أهل المدينة يقولون: عبد الله بن بُحينة، وأهل العراق يقولون: مالك بن بُحينة، والأول هو الصواب، فيحتمل أن يكون السهو فيه من سعد بن إبراهيم، لما حدث به بالطرق، وقد رواه القَعْنَبيّ عن إبراهيم بن سعد على وجه آخر من الوهم. قال: عن عبد الله بن مالك بن بُحينة عن أبيه قال مسلم في صحيحه قوله: عن أبيه، خطأ ظاهر، وكأنه لما رأى أهل العراق يقولون عن مالك بن بُحينة، ظن أن رواية أهل المدينة مرسلة، فوهم في ذلك، فليس يروي أبوه عن النبي ﷺ شيئًا.
وهذا التعليق أخرجه الطَّحاويّ وابن مَنْدَه موصولًا.
رجاله أربعة:
الأول: حمّاد بن سَلَمة، وقد مرَّ في متابعة الثامن من الوضوء ومرَّ سَعْد بن إبراهيم في السابع والأربعين منه، ومرَّ حفْص بن عمر في الثاني والستين من المواقيت، ومالك بن بحينة قد مرَّ الذي قبل هذه التعاليق. ثم قال المصنف:
باب حد المريض أن يشهد الجماعة
باب بالتنوين، أي هذا باب في بيان حد المريض لأن يشهد الجماعة. قال ابن رَشيد: المعنى ما يحد للمريض أن يشهد معه الجماعة، فإذا جاوز ذلك
стр. 3915
الحد لم يستحب له شهودها، ومناسبة ذلك من الحديث خروجه ﷺ متوكئًا على غيره من شدة الضعف، فكأنّه يشير إلى أن من بلغ إلى تلك الحال لا يستحب له تكلف الخروج إلى الجماعة، إلا إذا وجد من يتوكأ عليه، وإن قوله في الحديث الماضي "لأتوهما ولو حبواً" وقع على طريق المبالغة. قال: ويمكن أن يقال: معناه باب الحد الذي للمريض أن يأخذ فيه بالعزيمة في شهود الجماعة. وقد قال ابن بطال ومن تبعه: الحد هاهنا الحِدّة، ومثله قول عمر في أبي بكر: كنت أرى منه بعض الحد، أي الحِدّة. قال: والمراد به هنا الحض على شهود الجماعة. قال ابن التّين: ويصح أن يقال هنا جد المريض، بكسر الجيم، وهو الاجتهاد في الأمر، وقد أثبت ابن قَرْقُول رواية الجيم، وعزاها للقابِسِيّ.
стр. 3916
الحديث الثامن عشر
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الأَسْوَدُ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ رضى الله عنها فَذَكَرْنَا الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلاَةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا قَالَتْ لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَأُذِّنَ، فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّىَ بِالنَّاسِ وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى، فَوَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَأَنِّى أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنَ الْوَجَعِ فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَكَانَكَ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ قِيلَ لِلأَعْمَشِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاَتِهِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ بِرَأْسِهِ نَعَمْ.
وقوله: مرضه الذي مات فيه، وقد بيّن الزُّهريّ في روايته في الحديث الذي بعده، أن ذلك كان بعد أن اشتد به المرض، واستقر في بيت عائشة. وقد اختلف في سبب مرضه، وفي محل ابتدائه ووقت ابتدائه وقدره، أما سبب مرضه فالصحيح فيه ما أخرجه البخاريّ عن عائشة في باب وفاته، أنها قالت "إنه ﵊ كان يقول في مرضه الذي مات فيه: ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بِخَيْبَرَ فهذا أوان وجدت انقطاع أَبْهَري من ذلك السم". وقوله: أوان، بالفتح عَلى الظرفية، والأبهر بفتح الهمزة، عرْق مُسْتَبْطِن بالظهر متصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه، فكان ﷺ شهيدًا.
وأما ما رواه أبو يَعلى بسند فيه ابن لَهِيْعَة عن عائشة "أن النبي ﷺ مات
стр. 3917
بذات الجنب" فغير صحيح لهذا الحديث الصحيح، ولما أخرجه البخاري تعليقًا، ووصله محمد بن سعد عن عائشة قالت: "كانت تأخذ النبي ﷺ الخاصرة، فاشتدت به فأُغمي عليه، فلددناه، فلما أفاق قال: هذا من فعل نساء جئن من هنا، وأشار إلى الحبشة، وإن كنتم ترون أن الله يسلط عليّ ذات الجَنْب ما كان الله ليجعل لها عليّ سلطانًا، والله لا يبقى أحد في البيت إلا لُدّ، وَلَدَدْنا مَيْمونة وهي صائمة" وفي الصحيح "إلا العباس، فإنه لم يشهدكم".
قال في الفتح، ويمكن الجمع بينهما بأن ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين، أحدهما ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع، والآخر ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة، تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع، فتحدث وجعًا، فالأول هو ذات الجَنْب الحقيقيّ الذي تكلم عليه الأطباء، وهو المنفي في الحديث، وفي رواية للمستدرك "ذات الجَنْب من الشيطان". وقد قال الأطباء: يحدث بسببه خمسة أمراض: الحمّى والسعال والنَّخْس وضيق النفس والنَّبض المِنْشاريّ، ويقال لذات الجنْب أيضًا وجع الخاصرة، وهي من الأمراض المخوفة، لأنها تحدث بين القلب والكبد، وهي من سيّء الأسقام، ولهذا قال ﷺ "ما كان الله ليسلطها عليّ".
والثاني هو الذي أثبت في حديث أبي يَعْلى، وليس فيه محذور كالأول قاله "في الفتح" قلت: كيف يمكن الجمع مع التصريح في حديث أبي يَعْلى أنه مات من ذات الجنب؟ والتصريح في حديث البُخاري بقوله انقطاع "أبهري" فالجمع مع التصريحين غير ممكن.
وأما محل ابتدائه فالصحيح أنه كان في بيت مَيْمونة، لما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أسماء بنت عُمَيْس قالت: إن أول ما اشتكى كان في بيت مَيْمونة، فاشتد مرضه حتى أُغمي عليه، فتشاورن في لَدّه، فلدوه، فلما أفاق .. إلخ الحديث، وأخرج مسلم أيضًا أنه أول ما اشتكى في بيت مَيْمُونة، وفي سيرة أبي مَعْشَر في بيت زَينب بنت جَحْش، وفي سيرة سليمان التَّيْميّ في بيت رَيحانة، وذكر الخَطّابيّ أنه ابتدأ يوم الاثنين، وقيل يوم السبت، وقال الحاكم
стр. 3918
أبو أحمد: يوم الأربعاء.
واختلف في مدة مرضه، فالأكثر على أنها ثلاثة عشر يومًا. وقيل: بزيادة يوم، وقيل بنقصه، والقولان في الروضة، وصدر بالثاني. وقيل عشرة أيام، وبه جزم سُلَيمان التَّيميّ في مغازيه، وأخرجه البَيْهَقِيّ بإسناد صحيح، وكانت وفاته يوم الاثنين، بلا خلاف، من ربيع الأول، وكاد يكون إجماعاً، لكن في حديث ابن مسعود عند البزار في حادي عشر رمضان، ثم عند ابن إسحاق والجمهور أنها في الثاني عشر منه، وعند موسى بن عُقْبَة واللَّيث والخَوارِزْميّ وابن زَبْر مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخيف والكلبيّ في ثانيه، ورجحه السُّهَيليّ. وعلى القولين يتنزل ما نقله الرافعيّ من أنه عاش بعد حجته ثمانين يومًا، وقيل أحدًا وثمانين، وعلى ما جزم به في الروضة يكون عاش بعد حجته تسعين يومًا أو أحدًا وتسعين.
وقد استشكل السُّهَيْليّ ومن تبعه كونه ﵊ مات يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول، وذلك أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس، فمهما فرضت الثلاثة توامّ "أو نواقص" أو بعضها لم يصح. قال "في الفتح": وهو ظاهر لمن تأمله. قلت تأملته فوجدته يصح على جعل الثلاثة كوامل، على القول بأنه كان في الثالث عشر في يوم الاثنين. وأجاب البارزيّ، ثم ابن كثير، باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكأنَّ أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة، فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها، فكان أول ذي الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد، وآخره الاثنين، وأول صفر الثلاناء وآخره الأربعاء، وأول ربيع النبوي الخميس فيكون ثاني عشره الاثنين.
قال "في الفتح": وهذا الجواب بعيد من حيث إنه يلزم توالي أربعة أشهر كوامل. قلت: هذا لا بعد فيه؛ لأن تتابع النقص أو الكمال في الأشهر لا تحديد له في الشريعة، وإنما التحديد فيه عند أهل النجوم، والذي قالوه هو عدم توالي
стр. 3919
خمسة كاملة لا أربعة. قال عليّ الأجهوريّ ناظمًا لكلامهم:
لا يتوالى النقضُ في أكثر من ... ثلاثة من الشهور يا فطن
كذا توالى خمسة مكمله ... هذا الصواب وسواه أبطله
وما نظمه لا عبرة به شرعًا.
وجزم سُليمان التَّيْمِي أحد الثقات بأن ابتداء مرضه ﷺ كان يوم السبت، الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين، لليلتين خلتا من ربيع الأول، وعلى هذا كان صفر ناقصًا، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت، إلا إن كان ذو الحجة والمحرم ناقصين، فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية، وأما على قول من قال: مات أول يوم من ربيع الأول، فيكون اثنان ناقصين وواحد كاملًا، ولهذا رجحه السُّهَيْليّ.
قلت: الذي مرَّ أن السُّهَيْليّ رجحه هو الثاني لا الأول، وفي المغازي لأبي مَعْشَر عن محمد بن قَيْس قال: "اشتكى النبيّ ﷺ يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر" وهذا موافق لقول سُلَيمان التَّيميّ، المقتضي لأن أول صفر كان السبت. وأما ما رواه ابن سعد عن عمر بن عَلِيّ بن أبي طالب قال "اشتكى رسول الله ﷺ يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، ومات يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول" فيرد على هذا الإشكال المتقدم، وكيف يصح أن يكون أول صفر الأحد فيكون تاسع عشرينه الأربعاء، والفرض أن ذا الحجة أوله الخميس، فلو فرض هو والمحرم كاملين، لكان أول صفر الإثنين، فكيف يتأخر إلى يوم الأربعاء؟ فالمعتمد ما قال أبو مخيف فيما مرَّ عنه، أنه ثاني ربيع الأول. وكان سبب غلط غيره أنهم قالوا: مات في ثاني شهر ربيع الأول، فتغيرت فصارت ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضًا من غير تأمل.
وقد أجاب القاضي بدر الدين بن جمَاعة بجواب آخر فقال: يحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت، أي بأيامها، فيكون موته في الثالث عشر،
стр. 3920
وبفرض المشهور كوامل فيصح قول الجمهور، ويعكر عليه ما يعكر على الذي قبله مع زيادة مخالفة اصطلاح أهل اللسان في قولهم لاثنتي عشرة، فإنهم لا يفهمون منها إلا مضي الليالي، ويكون ما أرخ بذلك واقعًا في اليوم الثاني عشر.
وقوله: فحضرت الصلاة، وقيل هي العشاء لما في رواية موسى بن أبي عائشة الآتية في باب "إنما جعل الإِمام ليؤتم به" من قول عائشة "ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة". وقيل: هي الظهر، لما في الحديث المذكور "فخرج بين رجلين أحدهما العباس، لصلاة الظهر" وقيل: إنها الصبح، واستدل هذا القائل بما في رواية أرْقَم بن شُرَحبيل عن ابن عباس "وأخذ رسول الله ﷺ القراءة من حيث بلغ أبو بكر" هذا لفظ ابن ماجَهْ، وإسناده حسن، لكن في الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون ﵊ لما قرب من أبي بكر سمع الآية التي كان انتهى إليها خاصة، وقد كان هو ﷺ يسمع الآية أحيانًا في السرية، كما يأتي عن أبي قتادة، ثم لو سلم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح، بل يحتمل أن تكون المغرب، فقد ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث قالت "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله" هذا لفظ البُخاريّ في آخر المَغازي، لكن في النَّسائيّ أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته. قلت: كونها في بيته يبعده قولها في الحديث، ثم ما صلى لنا بعدها لأن صلاته في بيته لا يقال فيها صلى لنا.
وقد صرح الشافعي بأنه ﷺ لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة، وهي هذه التي صلى فيها قاعدًا، وكان أبو بكر فيها أولًا إمامًا، ثم صار مأمومًا يُسْمع التكبير. وقوله: فأُذِّن، بضم الهمزة على البناء للمفعول، وفي رواية الأصيليّ "وأذِّن" بالواو، وهو أوجه، والمراد به أذان الصلاة، ويحتمل أن يكون معناه أعلم، ويقويه رواية أبي معاوية الآتية في باب "الرجل يأتم بالإمام" ولفظه "جاء بلال يؤذنه بالصلاة" واستفيد منه تسمية المبهم، وسيأتي في رواية ابن أبي عائشة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم بدأ بالسؤال عن حضور وقت
стр. 3921
الصلاة، وأنه أراد أن يتهيأ للخروج إليها فأغمي عليه.
وقوله: مُرُوا أبا بكر فليصل بالناس، استدل به على أن الأمر بالأمر بالشيء يكون أمرًا به، وهي مسألة معروفة في أصول الفقه، وأجاب المانعون بأن المعنى: بلغوا أبا بكرًا أني أمرته، وفصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمرًا حقيقة فمسلم؛ لأنه ليس فيه صيغة أمر للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزمه فمردود. قلت: محل الخلاف عند أهل الأصول إنما هو حيث لم تقم قرينة على أنه آمر للثالث، وإلا فهو آمر له اتفاقًا كما في حديث ابن عمر في الصحيحين "مره فليراجعها". فقوله: فليراجعها قرينة على أنه آمر له. وكما في هذا الحديث "فليصل بالناس" فإنه قرينة على أنه آمر له.
وقوله: فقيل له، قائل ذلك عائشة كما يأتي، وقوله: أسِيف، بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل من الأسف، وهو شدة الحزن، والمراد أنه رقيق القلب. ولابن حِبان عن عاصم عن عائشة في هذا الحديث، قال عاصم: والأسِيف الرقيق الرحيم، وسيأتي في حديث ابن عمر في هذه القصة بعد ستة أبواب "فقالت له عائشة إنه رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء" ومن رواية مالك عنها قالت عائشة: "إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر".
وقوله: فأعادوا له، أي من كان في البيت، والمخاطب بذلك عائشة كما ترى، لكن جمع لأنهم كانوا في مقام الموافقين لها على ذلك. وفي رواية أبي موسى بالإفراد "فعادت" ولابن عمر "فعاودته". وقوله: إنكنّ صواحب يوسف فيه حذف بينه مالك في روايته المذكورة، وأن المخاطب له حينئذ حَفصة بنت عمر بأمر عائشة، وفيه أيضًا "فمر عمر" فقال "مه إنكن لأنتن صواحب يوسف" وصواحب جمع صاحبة، والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة، وهي عائشة فقط. كما أن صواحب جمع والمراد به زَلِيخا فقط. ووجه المناسبة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك، وهي أن ينظرن إلى حسن يوسف، ويعذرنها في
стр. 3922
محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهي أن لا يتشاءم الناس، وقد صرحت بذلك فيما يأتي في آخر المغازي فقالت "لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبى أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا". وأخرجه مسلم أيضًا، وبهذا التقرير يندفع اشكال من قال إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن. وفي "أمالي" ابن عبد السلام أن النسوة أتين امرأة العزيز يُظهرن تعنيفها، ومقصودهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، كذا قال: وسياق الآية يخالف ما قال.
وفي مُرْسَل الحسن عند ابن أبي خَيْثَمة أن أبا بكر أمر عائشة أن تكلم النبي ﷺ أن يصرف ذلك عنه، فأرادت التوصل إلى ذلك بكل طريق، فلم يتم، وكًذلك أخرج الدَّوْرَقيّ في مسنده عن حمّاد بن أبي سُليمان عن إبراهيم "أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله ﷺ بأن يأمر عمر بالصلاة" وزاد مالك في روايته: فقالت حَفْصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا. ومثله للإسماعيليّ، وإنما قالت حفصة ذلك لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاوَدة، وكان النبي ﷺ لا يراجع بعد ثلاث، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهن صواحب يوسُف، وجدت في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضًا في قصة المغافير المتقدمة في باب التناوب في العلم.
وقوله: فليصلّ بالناس، في رواية الكُشْمَيْهَنِيّ "فليصل للناس" وقوله: فخرج أبو بكر، فيه حذف دل عليه سياق الكلام، وقد بينه في رواية موسى بن أبي عائشة، ولفظه فأتاه الرسول، أي بلال؛ لأنه هو الذي أعلم بحضور الصلاة كما مرَّ، فأجيب بذلك. وفي روايته: فقال له "إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر، وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر، صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك" وقول أبي بكر هذا لم يرد به ما أضمرت عائشة. قال النَّوَوِيّ: تأوله بعضهم على أنه قال ذلك تواضعًا. وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور،
стр. 3923
وهو كونه رقيق القلب كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس، ويحتمل أن يكون رضي الله تعالى عنه فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى، وعلم ما في تحملها من الخطر، وعلم قوة عمر على ذلك، فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عُبَيدة بن الجَرّاح، والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة، وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك، سواء باشر بنفسه أو استخلف. قال القُرْطبي: ويستفاد منه أن للمستخلَف في الصلاة أن يستخلِف، ولا يتوقف على إذن خاص له في ذلك.
وقوله: فصلى، في رواية المُسْتَملِي والسَّرْخَسِيّ "صلي" وظاهره أنه يشرع في الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد أنه تهيأ للدخول فيها، ويأتي في رواية أبي معاوية الآتية في باب "الرجل يأتم بالإمام" بلفظ "فلما دخل في الصلاة" وهو محتمل أيضًا بأن يكون المراد دخل في مكان الصلاة، وحمله بعضهم على ظاهره، وقوله: فوجد النبي ﷺ من نفسه خفة، ظاهره أنه صلى الله تعالى عليه وسلم وجد ذلك في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعد ذلك، وأن يكون فيه حذف كما تقدم مثله في قوله "فخرج أبو بكر" وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة الآتية "فصلّى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة" وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العِشاء، وقد مرَّ قريبًا ما قيل في تعيينها.
وقوله: يُهادَى، بضم أوله وفتح الدال، أي يعتمد على الرجلين، إلى آخر ما مرَّ في باب الغسل والوضوء من المخضب. وقوله: فأراد أبو بكر، زاد أبو مُعاوية "فلما سمع أبو بكر حسّه". وفي رواية أرقم بن شُرحبيل عن ابن عباس "فلما أحس الناس به سبحوا" أخرجه ابن ماجه وغيره بإسناد حسن، وقوله: أنْ مكانك، في رواية عاصم أن أثبتْ مكانك، وفي رواية بن أبي عائشة "فأومأ إليه بأن لا يتأخر".
وقوله: ثم، أتي به، كذا هنا بضم الهمزة، وفي رواية ابن أبي عائشة أن ذلك كان بأمره ولفظه. فقال "أجلساني إلى جنبه، فأجلساه" وعين أبو معاوية في
стр. 3924
روايته المتقدمة محل ذكرها مكان الجلوس، فقال "حتى جلس عن يسار أبي بكر" وهذا هو مقام الإِمام. وقد أغرب القُرْطُبيّ فحكى الخلاف هل كان أبو بكر إمامًا أو مأمومًا؟ فقال: لم يقع في الصحيح بيان جلوسه ﷺ ، هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره، ورواية أبي معاوية هذه عند مُسْلِم أيضًا، فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه.
وقوله: فقيل للأعْمش: ظاهره الانقطاع؛ لأن الأعمش لم يسنده، لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلًا بالحديث، وكذلك في رواية موسى بن أبي عائشة. وقوله: فقال برأسه نعم، يعني جوابًا عن كون أبي بكر كان يصلي بصلاة النبي ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر. وقد وقع في هذا اختلاف كثير، ففي رواية أبي داود والطَّيَالِسيّ المعلقة عند المؤلف، فيما وصله البَزّار، بلفظ "كان رسول الله ﷺ المقدم بين يدي أبي بكر" وهذا موافق لقضية حديث الباب، لكن رواه ابن خُزَيْمَة في صحيحه عن محمد بن بَشّار عن أبي داود عن عائشة قالت "من الناس من يقول كان رسول الله ﷺ المقدم بين يدي أبي بكر، ومنهم من يقول كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله ﷺ في الصف". ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ "إن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر" أخرجه ابن المنذر، وهذا عكس رواية أبي موسى، وهو اختلاف شديد، وفي رواية مسروق عنها أيضًا اختلاف، فأخرجه ابن حبَّان عن عاصم عن شقيق عنه بلفظ "كان أبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر" وأخرجه التِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن خُزَيْمَة عن شقيق أيضًا بلفظ "إن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر".
وظاهر رواية محمد بن بَشّار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة، ولكن تظاهرت الروايات عنها بالجزم مما يدل على أن النبي ﷺ كان هو الإِمام في تلك الصلاة، منها رواية موسى بن أبي عائشة المشار إليها سابقًا، ففيها "فجعل أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر" وهذه رواية زائدة بن قُدَامة عن موسى، وخالفه شُعْبَةُ فرواه عن موسى بلفظ "إن أبا بكر صلى بالناس، ورسول الله ﷺ في الصف خلفه" فمن العلماء من سلك الترجيح، فقدم الرواية
стр. 3925
التي فيها أن أبا بكر كان مأمومًا للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من غيره، ومنهم من سلك عكس ذلك، ورجح أنه كان إماما، وقد جزم بذلك الضياء وابن ناصر وقال: إن صح وثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى خلف أبي بكر مقتديًا به في مرض موته، ولا ينكر هذا إلا جاهل، وقد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى خلف عبد الرحمن بن عَوْف في غزوة تبوك صلاة الفجر، وكان رسول الله ﷺ قد خرج لحاجته، فقدم الناسُ عبدَ الرحمن، فصلى بهم، فأدرك النبيّ ﷺ إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام النبيّ ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى ﵊ صلاته، أقبل عليهم ثم قال: "أحسنتم أو قد أصبتم" يغبطهم لأنهم صلوا لوقتها. ورواه أبو داود ونحوه.
وقد روى الدارقُطنِيّ عن المُغيرة بن شُعْبَة أن رسول الله ﷺ قال: "ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه" ومنهم من سلك الجمع فحمل القصة على التعدد، ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة عن غير عائشة، فحديث ابن عباس فيه أن أبا بكر كان مأمومًا كما في رواية موسى بن أبي عائشة الآتية، وكذا في رواية أرْقَم بن شُرحبيل عن ابن عباس السابقة. وفي حديث أنس أن أبا بكر كان إمامًا، أخرجه التِّرمِذِيّ وغيره، من رواية حُمَيد عن ثابت عنه بلفظ "آخر صلاة صلاها النبي ﷺ خلف أبي بكر في ثوب" وأخرجه النَّسائيّ من وجه آخر عن حُميد عن أنس، فلم يذكر ثابتًا، وقد مرَّ بيان ما يترتب على هذا الاختلاف من الحكم مستوفى في باب الصلاة في السطوح، عند ذكر الحديث الذي فيه "إنما جُعل الإِمام ليوتم به" وتأتي بقية فوائده مستوفاة في الحديث الذي بعده، جمعًا بين فوائدهما لاتحادهما.
رجاله ستة:
وفيه ذكر أبي بكر، ولفظ رجلين مبهمين، وهما عليّ والعباس. وقيل أسامة بن زَيد والفَضْل بن العباس. أما رجاله الستة:
فالأول: عُمَر بن حَفْص.
следующие страницы →