Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
الصلاة، وأنه أراد أن يتهيأ للخروج إليها فأغمي عليه.
وقوله: مُرُوا أبا بكر فليصل بالناس، استدل به على أن الأمر بالأمر بالشيء يكون أمرًا به، وهي مسألة معروفة في أصول الفقه، وأجاب المانعون بأن المعنى: بلغوا أبا بكرًا أني أمرته، وفصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمرًا حقيقة فمسلم؛ لأنه ليس فيه صيغة أمر للثاني، وإن أراد أنه لا يستلزمه فمردود. قلت: محل الخلاف عند أهل الأصول إنما هو حيث لم تقم قرينة على أنه آمر للثالث، وإلا فهو آمر له اتفاقًا كما في حديث ابن عمر في الصحيحين "مره فليراجعها". فقوله: فليراجعها قرينة على أنه آمر له. وكما في هذا الحديث "فليصل بالناس" فإنه قرينة على أنه آمر له.
وقوله: فقيل له، قائل ذلك عائشة كما يأتي، وقوله: أسِيف، بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل من الأسف، وهو شدة الحزن، والمراد أنه رقيق القلب. ولابن حِبان عن عاصم عن عائشة في هذا الحديث، قال عاصم: والأسِيف الرقيق الرحيم، وسيأتي في حديث ابن عمر في هذه القصة بعد ستة أبواب "فقالت له عائشة إنه رجل رقيق، إذا قرأ غلبه البكاء" ومن رواية مالك عنها قالت عائشة: "إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر".
وقوله: فأعادوا له، أي من كان في البيت، والمخاطب بذلك عائشة كما ترى، لكن جمع لأنهم كانوا في مقام الموافقين لها على ذلك. وفي رواية أبي موسى بالإفراد "فعادت" ولابن عمر "فعاودته". وقوله: إنكنّ صواحب يوسف فيه حذف بينه مالك في روايته المذكورة، وأن المخاطب له حينئذ حَفصة بنت عمر بأمر عائشة، وفيه أيضًا "فمر عمر" فقال "مه إنكن لأنتن صواحب يوسف" وصواحب جمع صاحبة، والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن، ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة، وهي عائشة فقط. كما أن صواحب جمع والمراد به زَلِيخا فقط. ووجه المناسبة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها زيادة على ذلك، وهي أن ينظرن إلى حسن يوسف، ويعذرنها في
стр. 3922
محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهي أن لا يتشاءم الناس، وقد صرحت بذلك فيما يأتي في آخر المغازي فقالت "لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبى أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا". وأخرجه مسلم أيضًا، وبهذا التقرير يندفع اشكال من قال إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن. وفي "أمالي" ابن عبد السلام أن النسوة أتين امرأة العزيز يُظهرن تعنيفها، ومقصودهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن، كذا قال: وسياق الآية يخالف ما قال.
وفي مُرْسَل الحسن عند ابن أبي خَيْثَمة أن أبا بكر أمر عائشة أن تكلم النبي ﷺ أن يصرف ذلك عنه، فأرادت التوصل إلى ذلك بكل طريق، فلم يتم، وكًذلك أخرج الدَّوْرَقيّ في مسنده عن حمّاد بن أبي سُليمان عن إبراهيم "أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله ﷺ بأن يأمر عمر بالصلاة" وزاد مالك في روايته: فقالت حَفْصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا. ومثله للإسماعيليّ، وإنما قالت حفصة ذلك لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاوَدة، وكان النبي ﷺ لا يراجع بعد ثلاث، فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهن صواحب يوسُف، وجدت في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك، ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضًا في قصة المغافير المتقدمة في باب التناوب في العلم.
وقوله: فليصلّ بالناس، في رواية الكُشْمَيْهَنِيّ "فليصل للناس" وقوله: فخرج أبو بكر، فيه حذف دل عليه سياق الكلام، وقد بينه في رواية موسى بن أبي عائشة، ولفظه فأتاه الرسول، أي بلال؛ لأنه هو الذي أعلم بحضور الصلاة كما مرَّ، فأجيب بذلك. وفي روايته: فقال له "إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر، وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر، صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك" وقول أبي بكر هذا لم يرد به ما أضمرت عائشة. قال النَّوَوِيّ: تأوله بعضهم على أنه قال ذلك تواضعًا. وليس كذلك، بل قاله للعذر المذكور،
стр. 3923
وهو كونه رقيق القلب كثير البكاء، فخشي أن لا يسمع الناس، ويحتمل أن يكون رضي الله تعالى عنه فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى، وعلم ما في تحملها من الخطر، وعلم قوة عمر على ذلك، فاختاره. ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عُبَيدة بن الجَرّاح، والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة، وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك، سواء باشر بنفسه أو استخلف. قال القُرْطبي: ويستفاد منه أن للمستخلَف في الصلاة أن يستخلِف، ولا يتوقف على إذن خاص له في ذلك.
وقوله: فصلى، في رواية المُسْتَملِي والسَّرْخَسِيّ "صلي" وظاهره أنه يشرع في الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد أنه تهيأ للدخول فيها، ويأتي في رواية أبي معاوية الآتية في باب "الرجل يأتم بالإمام" بلفظ "فلما دخل في الصلاة" وهو محتمل أيضًا بأن يكون المراد دخل في مكان الصلاة، وحمله بعضهم على ظاهره، وقوله: فوجد النبي ﷺ من نفسه خفة، ظاهره أنه صلى الله تعالى عليه وسلم وجد ذلك في تلك الصلاة بعينها، ويحتمل أن يكون ذلك بعد ذلك، وأن يكون فيه حذف كما تقدم مثله في قوله "فخرج أبو بكر" وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة الآتية "فصلّى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة" وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العِشاء، وقد مرَّ قريبًا ما قيل في تعيينها.
وقوله: يُهادَى، بضم أوله وفتح الدال، أي يعتمد على الرجلين، إلى آخر ما مرَّ في باب الغسل والوضوء من المخضب. وقوله: فأراد أبو بكر، زاد أبو مُعاوية "فلما سمع أبو بكر حسّه". وفي رواية أرقم بن شُرحبيل عن ابن عباس "فلما أحس الناس به سبحوا" أخرجه ابن ماجه وغيره بإسناد حسن، وقوله: أنْ مكانك، في رواية عاصم أن أثبتْ مكانك، وفي رواية بن أبي عائشة "فأومأ إليه بأن لا يتأخر".
وقوله: ثم، أتي به، كذا هنا بضم الهمزة، وفي رواية ابن أبي عائشة أن ذلك كان بأمره ولفظه. فقال "أجلساني إلى جنبه، فأجلساه" وعين أبو معاوية في
стр. 3924
روايته المتقدمة محل ذكرها مكان الجلوس، فقال "حتى جلس عن يسار أبي بكر" وهذا هو مقام الإِمام. وقد أغرب القُرْطُبيّ فحكى الخلاف هل كان أبو بكر إمامًا أو مأمومًا؟ فقال: لم يقع في الصحيح بيان جلوسه ﷺ ، هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره، ورواية أبي معاوية هذه عند مُسْلِم أيضًا، فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه.
وقوله: فقيل للأعْمش: ظاهره الانقطاع؛ لأن الأعمش لم يسنده، لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلًا بالحديث، وكذلك في رواية موسى بن أبي عائشة. وقوله: فقال برأسه نعم، يعني جوابًا عن كون أبي بكر كان يصلي بصلاة النبي ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر. وقد وقع في هذا اختلاف كثير، ففي رواية أبي داود والطَّيَالِسيّ المعلقة عند المؤلف، فيما وصله البَزّار، بلفظ "كان رسول الله ﷺ المقدم بين يدي أبي بكر" وهذا موافق لقضية حديث الباب، لكن رواه ابن خُزَيْمَة في صحيحه عن محمد بن بَشّار عن أبي داود عن عائشة قالت "من الناس من يقول كان رسول الله ﷺ المقدم بين يدي أبي بكر، ومنهم من يقول كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله ﷺ في الصف". ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ "إن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر" أخرجه ابن المنذر، وهذا عكس رواية أبي موسى، وهو اختلاف شديد، وفي رواية مسروق عنها أيضًا اختلاف، فأخرجه ابن حبَّان عن عاصم عن شقيق عنه بلفظ "كان أبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر" وأخرجه التِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن خُزَيْمَة عن شقيق أيضًا بلفظ "إن النبي ﷺ صلى خلف أبي بكر".
وظاهر رواية محمد بن بَشّار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة، ولكن تظاهرت الروايات عنها بالجزم مما يدل على أن النبي ﷺ كان هو الإِمام في تلك الصلاة، منها رواية موسى بن أبي عائشة المشار إليها سابقًا، ففيها "فجعل أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر" وهذه رواية زائدة بن قُدَامة عن موسى، وخالفه شُعْبَةُ فرواه عن موسى بلفظ "إن أبا بكر صلى بالناس، ورسول الله ﷺ في الصف خلفه" فمن العلماء من سلك الترجيح، فقدم الرواية
стр. 3925
التي فيها أن أبا بكر كان مأمومًا للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من غيره، ومنهم من سلك عكس ذلك، ورجح أنه كان إماما، وقد جزم بذلك الضياء وابن ناصر وقال: إن صح وثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى خلف أبي بكر مقتديًا به في مرض موته، ولا ينكر هذا إلا جاهل، وقد ثبت في صحيح مسلم أنه صلى خلف عبد الرحمن بن عَوْف في غزوة تبوك صلاة الفجر، وكان رسول الله ﷺ قد خرج لحاجته، فقدم الناسُ عبدَ الرحمن، فصلى بهم، فأدرك النبيّ ﷺ إحدى الركعتين فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن قام النبيّ ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى ﵊ صلاته، أقبل عليهم ثم قال: "أحسنتم أو قد أصبتم" يغبطهم لأنهم صلوا لوقتها. ورواه أبو داود ونحوه.
وقد روى الدارقُطنِيّ عن المُغيرة بن شُعْبَة أن رسول الله ﷺ قال: "ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه" ومنهم من سلك الجمع فحمل القصة على التعدد، ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة عن غير عائشة، فحديث ابن عباس فيه أن أبا بكر كان مأمومًا كما في رواية موسى بن أبي عائشة الآتية، وكذا في رواية أرْقَم بن شُرحبيل عن ابن عباس السابقة. وفي حديث أنس أن أبا بكر كان إمامًا، أخرجه التِّرمِذِيّ وغيره، من رواية حُمَيد عن ثابت عنه بلفظ "آخر صلاة صلاها النبي ﷺ خلف أبي بكر في ثوب" وأخرجه النَّسائيّ من وجه آخر عن حُميد عن أنس، فلم يذكر ثابتًا، وقد مرَّ بيان ما يترتب على هذا الاختلاف من الحكم مستوفى في باب الصلاة في السطوح، عند ذكر الحديث الذي فيه "إنما جُعل الإِمام ليوتم به" وتأتي بقية فوائده مستوفاة في الحديث الذي بعده، جمعًا بين فوائدهما لاتحادهما.
رجاله ستة:
وفيه ذكر أبي بكر، ولفظ رجلين مبهمين، وهما عليّ والعباس. وقيل أسامة بن زَيد والفَضْل بن العباس. أما رجاله الستة:
فالأول: عُمَر بن حَفْص.
стр. 3926
والثاني: أبو حفْص، وقد مرا في الثاني عشر من كتاب الغسل، ومرَّ الأعمش وإبراهيم بن زيد في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأسْوَد بن يزيد في السابع والستين من العلم، ومرَّ علي في السابع والأربعين منه، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء ومرَّ أسامة في الخامس منه، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، بعد الحادي والسبعين منه.
وأما الفضل، فهو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ ، وأمه أم الفضل، لُبابَةُ الكبرى بنت الحارث الهِلالية، أخت أم المؤمنين مَيْمونة بنت الحارث، كان أسن إخوته، وبه كُني أبوه وأمه، يكنى أبا العباس، وقيل أبا عبد الله، وقيل أبا محمد، وبه جزم ابن السكن، غزا مع النبي ﷺ مكة وحنينًا، وثبت معه حينئذ، وشهد معه حجة الوداع. ففي الصحيحين أن النبي ﷺ أرْدَفه في حجة الوداع، وفي حديثه هذا "لما حول وجهه عن الخَثْعَمية رأيتُ شابًا وشابة، فلم آمن عليهما الشيطان" وكان أجمل الناس وجهًا، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ زوجه وأَمْهَر عنه، وسمى البَغَوِيّ امرأته صفية بنت مَحْمِيَة بن جَزْء الزبيدي.
شهد غسل النبي ﷺ ، وهو الذي كان يصب الماء عليه حينئذ، له أربعة وعشرون حديثًا اتفقا على اثنين، روى عنه أخواه وقُثَم، وأبو هُريرة وابن أخيه عباس بن عُبيد الله والشّعبيّ وغيرهم. وأخرج البَغَوِيّ عن ابن عباس عن أخيه الفَضْل فقال "جاءني رسول الله ﷺ فقال: خذ بيدي، وقد عصب رأسه، فأخذت بيده، فأقبل حتى جلس على المِنبر، فقال: نادِ في الناس، فصحت فيهم فاجتمعوا له، فذكر الحديث.
واختلف في وقت موته، فقال ابن السّكْن: قتل يوم أجنادَين في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، وقيل مات يوم مرج الصُّفَّر، وذلك أيضًا سنة ثلاث عشرة، إلا أن الأمير كان يوم الصفر خالد بن الوليد، وكان بأجنادَين أربعة أمراء، وكان عليهم جميعًا عمرو بن العاص يومئذ، وقيل: مات في طاعون عَمَوَاس بناحية
стр. 3927
الأرْدُن في خلافة عمر، سنة ثماني عشرة، وقيل في اليرموك في خلافة عمر أيضًا، سنة خمس عشرة. قال في الإصابة: والأول هو المعتمد، وبمقتضاه جزم البخاريّ فقال: مات في خلافة أبي بكر، ولم يترك ولدًا إلا أم كُلْثوم، تزوجها الحسن بن عَلي ثم فارقها وتزوجها أبو موسى الأشعريّ.
لطائف إسناده:
رواته كلهم كوفيون ما عدا عائشة، وفيه رواية الابن عن الأب، والتحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلف أيضًا في الصلاة، وكذا مسلم والنَّسائيّ وابن ماجَه.
ثم قال: رواهُ أبو داودَ عن شُعبةَ عن الأعمشِ بَعْضَهُ.
قوله: بعضَه، بالنصب بدل من الضمير، ثم قال: ورواه أبو معاوية عن الأعمش "جلس عن يسارِ أبي بكرٍ، فكانَ أبُو بكرٍ يُصلي قائمًا" يعني روى الحديث المذكور أبو معاوية عن الأعْمش، كما رواه حفْص بن غَيّاث مطولًا، وشُعْبَة مختصرًا، كلهم عن الأعمش بإسناده المذكور، فزاد أبو معاوية ما ذكر.
رجاله ثلاثة:
الأول: أبو داود الطَّيَالِسِيّ وقد مرٍ في التعليق الذي بعد الحادي والعشرين من كتاب أبواب الأذان، ومرَّ شُعْبَة في الثالث من الإيمان، ومرَّ ذكر محل الأعمش في الحديث الذي قَبل هذا. وهذا التعليق وصله البَزّار من رواية أبي داود كما مرَّ، وأما التعليق الثاني فقد وصله المصنف في باب "الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم"، وغفل مُغُلْطاي ومن تبعه، فنسبوا وصله إلى رواية ابن نُمَير عن أبي معاوية في صحيح ابن حِبّان، وليس بجيد من وجهين: أحدهما أن رواية ابن نمير ليس فيها عن يسار أبي بكر، والثاني أن نسبته إلى صاحب الكتاب فيه أولى من نسبته لغيره، وأبو معاوية المراد به محمد بن حازم الضرير، وقد مرَّ في التعليق الذي بعد الثالث من كتاب الإيمان.
стр. 3928
الحديث التاسع عشر
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاَهُ الأَرْضَ وَكَانَ بَيْنَ الْعَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَ لِي وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِى لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ قُلْتُ لاَ. قَالَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
هذا الحديث مرَّ في باب الغُسْل والوضوء من المخضب، ومرَّ هناك ما يتعلق بتفسير ألفاظه، ولنذكر هنا فوائده مجموعة مع فوائد الذي قبله، ففيه من الفوائد غير ما مرَّ، أن البكاء، وان كثر، لا يبطل الصلاة، لأنه ﷺ بعد أن علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء، لم يعدِل عنه، ولا نهاه عن البكاء، وحكمه عند الأئمة قال العَيْنيّ: قال أصحابنا: إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه، فإنْ كان من ذكر الجنة أو النار لم يقطع صلاته، وإن كان من وجع في بدنه أو مصيبة في ماله أو أهله أبطلها، وبه قال مالك وأحمد. وقال الشافعيّ: البكاء والأنين والتأوه يبطل الصلاة إذا كانت حرفين، سواء بكى للدنيا أو للآخرة، وتحرير القول في هذه المسألة عند المالكية هو ما نظمه شيخنا أحمد بن محمد سالم بقوله:
بكاءَ مَن صَلّى بلا بُهتْانِ ... مُنْحَصِرٌ في صُوَرٍ ثمانِ
لأنه إما بصوت أو لا ... غَلَبَةً أو اختيارًا حَلاَّ
فالكُلُّ من حوادث المصائب ... أو الخُشوع من مُنِيب تائب
ففي الجميع الصوت مهما فُقِدا ... فَعَدَمُ البُطلانِ عنهم وُجدا
إلا إذا ما كثر اختيارا ... فيقع البطلان لا اضطرارا
стр. 3929
كذا إذا بصوت، والنحيبِ ... غَلَبَة من خَشْيَة الرقيبِ
وفي الثلاثة البواقي بطلت ... أقسامه محكمة هنا انتهت
وفيه تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة، وفضيلة عمر بعده، وجواز الثناء في الوجه لمن أُمن عليه الإعجاب، وملاطفة النبي ﷺ لأزواجه، وخصوصًا لعائشة، وجواز مراجعة الصغير الكبير، والمشاورة في الأمر العام، والأدب مع الكبير لِهَمِّ أبي بكر بالتأخر عن الصف، وإكرام الفاضل لأنه أراد أن يتأخر حتى يستوي مع الصف، فلم يتركه النبي ﷺ يتزحزح عن مقامه، وفيه أن الإيماء يقوم مقام النطق. واقتصار النبي ﷺ على الإشارة يحتمل أن يكون لضعف صوته، ويحتمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق.
وفيه تأكيد أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد، وإن كان المرض يرخص في تركها، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأشد، وإن كانت الرخصة أولى، وقال الطّبريّ: إنما فعل ذلك لئلا يعذر أحد من الأئمة بعده نفسه بأدنى عذر، فيتخلف عن الإمامة، ويحتمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر كان لأهليته لذلك، حتى إنه صلى خلفه، واستدل به على جواز استخلاف الإِمام لغير ضرورة، لصنيع أبي بكر، وعلى جواز مخالفة موقف المأموم للضرورة، كمن قصد أن يبلغ عنه ويلتحق به من زحم عن الصف، وعلى جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض، وهو قول الشَّعبيّ واختيار الطَّبريّ، وأومأ إليه البُخاري فيما يأتي، وتعقب بأن أبا بكر إما كان مبلغًا كما يأتي في باب "من أسمع الناس التكبير" من رواية أخرى عن الأعمش، وكذا ذكره مسلم، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤهم بصوته، ويؤيده أن النبي ﷺ كان جالسًا، وكان أبو بكر قائمًا، فكان بعض أفعاله يخفى على بعض المأمومين، فمن ثمَّ كان أبو بكر كالإمام في حقهم، واستدل به الطَّبريّ على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به، ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة. وعلى جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة، وعلى جواز تقدم إحرام المأموم على الإِمام بناء على أن أبا
стр. 3930
بكر كان دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله ﷺ .
ويؤيد هذا ما مرَّ في رواية أرْقَم بن شُرَحبيْل عن ابن عباس "ثم ابتدأ النبي ﷺ القراءة من حيث انتهى أبو بكر" وفيه اتباع صوت المكبر، وصحة صلاة المستمع والسامع، ومنهم من شرط في صحته تقدم إذن الإمام، واستدل به على صحة صلاة القادر على القيام قائمًا خلف القاعد، خلافاً للمالكية مطلقًا، ولأحمد حيث أوجب القعود على من يصلي خلف القاعد، على ما مرَّ مستوفى في باب الصلاة على السطوح، في أبواب سَتْر العَورة.
رجاله ستة:
قد مروا جميعًا:
الأول: إبراهيم بن موسى.
والثاني: هِشام بن يوسُف، وقد مرا في الثالث من كتاب الحيض، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ مَعْمَر بن راشد في المتابعات التي بعد هذا الثالث منه، ومرَّ عُبيد الله في السادس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والإخبار بالإفراد، وفيه القول، وفيه هشام من أفراد البخاريّ، ورواية تابعيّ عن تابعيّ عن صحابية، ورواته ما بين رازيّ ويمانيّ وبَصْريّ ومَدَنيّ أخرجه البخاريّ هنا وفي الغسل وفي الوضوء وفي المِخْضَب والقَدَح والخشب والحجارة وفي المغازي والطِبّ والهِبَة والخُمس واستئذان أزواجه، ومسلم والنَّسائيّ وابن ماجَه. ثم قال المصنف:
باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله
ذكر العلة من عطف العام على الخاص، لأنها أعم من أن تكون بالمطر أو غيره، والصلاة في الرحل أعم من أن تكون بجماعة أو منفردًا، ولكنها مظنة الانفراد، والمقصود الأصْليّ في الجماعة إيقاعها في المسجد.
стр. 3931
الحديث العشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلاَةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ ثُمَّ قَالَ أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ.
وهذا الحديث مرَّ في باب الأذان للمسافر، ومرَّ الكلام عليه هناك مستوفى.
رجاله أربعة:
قد مروا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ عبد الله بن عمر في الأثر الرابع من كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين من كتاب العلم، والحديث مرَّ في الأذان وتكلم على مواضع إخراجه هناك.
стр. 3932
الحديث الحادي والعشرون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهْوَ أَعْمَى وَأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ. فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
مناسبة الحديث للترجمة ظاهرة، والحديث مرَّ في باب المساجد في البيوت بأتم من هذا السياق، وقد مرَّ الكلام عليه هناك مستوفى وفي هذه الرواية هنا تكون وهي تامة لا تحتاج إلى خبر، وقوله هنا: اتخذه، بالرفع والجزم، وقوله: مُصَلّى، بضم الميم، أي موضعًا للصلاة، وجمع هنا بين الظلمة والسيل والعمى ليعلم أنه شديد الحرص على الجماعة، لا يتركها إلا عند كثرة الموانع.
رجاله خمسة:
قد مروا كلهم، مالك، مرَّ ذكر محله في الذي قبله، وابن شهاب مرَّ ذكر محله في الذي قبل ذلك، وإسماعيل المراد به إسماعيل بن أبي أُوَيْس، وقد مرَّ في الخامس عشر من كتاب الإيمان، ومرَّ محمود بن الربيع في التاسع عشر من كتاب العلم، ومرَّ عَتْبان بن مالك في التاسع والعشرين من أحاديث أبواب استقبال القبلة. ثم قال المصنف:
стр. 3933
باب هل يصلي الإِمام بمن حضر وهل يخطب يوم الجمعة في المطر
قوله: بمن حضر، يعني مع وجود العلة المرخصة للتخلف، فلو تكلف قوم الحضور فصلى بهم الإِمام لم يكره، فالأمر بالصلاة في الرحال على هذا للإباحة لا للندب، ومطابقة ذلك لحديث ابن عباس من قوله "فنظر بعضهم إلى بعض لما أمر المؤذن أن يقول الصلاة في الرحال" فإنه يدل على أن بعضهم حضر وبعضهم لم يحضر، ومع ذلك خطب وصلى بمن حضر، وأما قوله: وهل يخطب يوم الجمعة، فظاهر من حديث ابن عباس.
стр. 3934
الحديث الثاني والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ صَاحِبُ الزِّيَادِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ قَالَ خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ. قَالَ قُلِ الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا فَقَالَ كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِى النَّبِيَّ ﷺ إِنَّهَا عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ.
قوله: أن أحْرجكم، بضم الهمزة وسكون الحاء المهملة وكسر الراء، من الإحراج، ومعناه أن أوثمكم من الإثم، وروي أن أخْرِجكم، من الإخراج بالخاء المعجمة، وقد مرَّ هذا الحديث في باب الكلام في الأذان، واستوفي الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
قد مروا جميعًا:
الأول: عبد الله بن عبد الوهاب الحجبيّ، وقد مرَّ في السادس والأربعين من العلم، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين من الإيمان، ومرَّ عبد الحميد صاحب الزِّياديّ وعبد الله بن الحارث في الثالث عشر من أبواب الأذان، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
ثم قال: وَعَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ، فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ.
قوله: وعن حماد، وهو معطوف على قوله حدثنا حماد، وليس بمعلق، وقد
стр. 3935
مرَّ في باب الكلام في الأذان عن مسدد عن حماد عنهما معًا. وقوله: نحوه، أي بمعظم لفظه وجميع معناه، ولهذا استثنى لفظ "أحرجكم" وإن في هذا بدلها أُؤثكم إلى آخره، ويحتمل أن يكون المراد بالاستثناء أنهما متفقان في المعنى، وفي الرواية الثانية هذه الزيادة وهي قوله "فتجيئون" بإثبات النون، وهو على حذف مقدر، وفي رواية الكُشْمَيْهِنِيّ فتجيئوا بحذف النون، عى لغة حذف نون الجمع من غير ناصب ولا جازم، كما في الحديث "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا .. " إلخ. وقوله: وتدوسون الطين، من الدَّوْس، وهو الوطء، والحديث مرَّ في الباب المذكور.
رجاله ذكروا في الذي قبله: إلا عاصمًا، والمراد به عاصم بن سُلَيمان الأحْول، وقد مرَّ في الخامس والثلاثين من الوضوء.
стр. 3936
الحديث الثالث والعشرون
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَقَالَ جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ السَّقْفُ وَكَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.
مطابقة حديث أبي سعيد هذا للترجمة من جهة أن العادة في يوم المطر أن يتخلف بعض الناس، وأما قول بعض الشُّرَّاح يحتمل أن يكون ذلك في الجمعة، فمردود لما يأتي في الاعتكاف من أنها كانت الصبح. وقوله: سألت أبا سعيد، أي عن ليلة القدر. وقوله: فَمَطَرت، بفتحتين، وفي رواية "فاسْتَهَلَّت السماء فأمطرت". وقوله: حتى سأل السقف، أي سقف المسجد، كما هو صريح رواية الاعتكاف، وفي رواية مالك "فوكف المسجد" أي قطر الماء من سقفه، وكان على عَريش، أي مثل العَرِيش، وإلا فالعريش هو نفس سقفه، والمراد أنه كان مظللاً بالجَريد والخُوص، ولم يكن محكم البناء، بحيث يُكِنّ من المطر الكثير.
وقوله: حتى رأيت أثر الطين في جبهته، وفي رواية مالك "على جبهته أثر الماء والطين" وفي رواية أبي حازم الآتية في الاعتكاف "انصرف من الصبح ووجهه ممتلىء طينًا وماء" وهذا يشعر بأن قوله "أثر الماء والطين" لم يرد به محض الأثر، وهو ما يبقى بعد إزالة العين. وفي هذا الحديث ترك مسح جبهة المصلي، والسجود على الحائل، وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يعكر عليه قوله في بعض طرقه كما مرَّ "ووجهه ممتلىء طينًا وماء" وأجاب النوويّ بأن الامتلاء المذكور لا يستلزم ستر جميع الجبهة، وفيه جواز السجود في
стр. 3937
الطين، وهذا الحديث يأتي في الاعتكاف مطولًا، ويأتي تمام الكلام عليه هناك حيث ذكر تامًا.
رجاله خمسة:
الأول: مُسْلِم بن إبراهيم.
والثاني: هِشام بن أبي عبد الله، وقد مرا في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ أبو سَلَمة في الرابع من بدء الوحي، ومرَّ أبو سَعيد الخُدْرِيّ في الثاني عشر من الإيمان.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع، والعنعنة، وفيه السؤال، وفيه القول، ورواته ما بين بصريّ وأهوازيّ ويمانيّ ومدنيّ. أخرجه البُخاريّ في الاعتكاف، وفي الصلاة أيضًا والصوم، وأخرجه مسلم في الصوم، وأبو داود في الصلاة، والنَّسائيّ في الاعتكاف، وابن ماجه في الصوم.
стр. 3938
الحديث الرابع والعشرون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الصَّلاَةَ مَعَكَ وَكَانَ رَجُلاً ضَخْمًا، فَصَنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا فَدَعَاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَبَسَطَ لَهُ حَصِيرًا وَنَضَحَ طَرَفَ الْحَصِيرِ فَصَلَّى عَلَيْهِ رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ آلِ الْجَارُودِ لأَنَسٍ أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّى الضُّحَى قَالَ مَا رَأَيْتُهُ صَلاَّهَا إِلاَّ يَوْمَئِذٍ.
قوله: قال رجل من الأنصار، قيل إنه عِتْبان بن مالك، وهو محتمل لتقارب القصتين، لكن لم يوجد ذلك صريحًا. قلت: ويبعد كونه عِتبان أن عِتبان في الحديث السابق ذكر أن علته الظلمة والسيل والعمى، وهذا هنا ذكر أن علته الضخامة فقط وقوله: معك أي في الجماعة في المسجد، وقوله: وكان رجلًا ضخمًا، أي سمينًا، وفي هذا الوصف إشارة إلى علة تخلفه، وقد عده ابن حبان من الأعذار المرخصة في التأخر عن الجماعة، وزاد عبد الحميد عن أنس "وإني أحب أن تأكل في بيتي وتصلي فيه".
وقوله: فبسط له حصير، سبق الكلام على الصلاة على الحصير في حديث أنس في أوائل الصلاة في باب الصلاة على الحصير. قلت: وهذا مما يدل على أنه غير عتبان، لعدم ذكره في قصة عتبان. وقوله: فصلى عليه ركعتين، زاد عبد الحميد "فصلى وصلينا معه". وقوله: فقال رجل من آل الجارود، في رواية علي بن الجعد الآتية للمصنف في صلاة الضحى "فقال فلان بن فلان بن الجارود" وكأنّه عبد الحميد بن المُنْذر بن الجارُود البَصْريّ، وذلك أن البخاريّ أخرج هذا الحديث من رواية شُعْبَة، وأخرجه في موضع آخر عن خالد الحَذّاء، كلاهما عن أَنَس بن سيرين عن عبد الحميد بن المُنْذر بن الجارُود عن أنَس،
стр. 3939
وأخرجه ابن ماجَه وابن حِبّان عن عبد الله بن عَوْن عن أَنَس بن سيرين عن عبد الحميد عن أَنَس، فاقتضى ذلك أنّ في رواية البخاريّ هنا انقطاعًا، وهو مندفع بتصريح أنس بن سيرين عنده هنا، بسماعه من أنس، وحينئذ رواية ابن ماجَه ومن معه إما من المزيد في متصل الأسانيد، وإما أن يكون فيها وهم، لكون ابن الجارود كان حاضرًا عنده لما حدث بهذا الحديث، وسأله عما سأله من ذلك، فظن بعض الرواة أن له فيه رواية.
وقوله: ما رأيته صلاها إلا يومئذ، وقد مرَّ الكلام مستوفى غاية الاستيفاء على صلاة الضحى، عند حديث أم هانىء في باب الصلاة في الثوب الواحد، في أوائل الصلاة، ومطابقة هذا الحديث للترجمة، إما من جهة ما يلزم من الرخصة لمن له عذر أن يتخلف عن الحضور، فإن ضرورة مواظبته ﷺ على الصلاة بالجماعة أن يصلي بمن بقي، وإما من جهة ما ورد في طريق عبد الحميد المذكورة سابقًا حيث قال أنس: فصلى وصلينا معه، فإنه مطابق لقوله "وهل يصلي بمن حضر" وليس فيه ذكر للخطبة، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر لفظ رجل مبهم مرتين، وقد مروا إلا أنَسَ بن سيرين، ومرآدَم وشُعْبَة في الثالث من الإيمان، ومرَّ أنَسُ بن مالك في السادس منه.
وأنس بن سِيرين أخو محمد بن سِيرين مولى أنس بن مالك، كنيته أبو موسى، ولد لسنة أو سنتين بقيتا من خلافة عثمان. ودخل على زيد بن ثابت. قال ابن مَعين: وَلَدُ سيرين ستة أثبتهم محمد، وأنس دونه، ولا بأس به. وقال ابن مَعين وأبو حاتم والنَّسائيّ: ثقه. وقال ابن سَعْد: توفي بعد أخيه محمد، وكان ثقة قليل الحديث، وقال العِجْليّ: تابعيّ ثقة، وسئل ابن المَدينِيّ عن حديث رواه شُعبة عن أنَس بن سِيرين قال: رأيت القاسم يتطوع في السفر، قال: ليس هذا بشيء، لم يرو أنس عن القاسم شيئًا. روى عن مولاه وابن عباس وابن عمر وجُنْدُب البَجْليّ، وروى عنه شُعبة والحمّادان وابن عَوْن وخالد
стр. 3940
الحَذَّاء وهِشام بن حسّان ويونس بن عُبَيد وغيرهم. قيل: مات سنة مئة وثمانية عشرة سنة، وقيل: سنة عشرين ومئة.
والرجل المبهم الذي قال إنه لا يستطيع، قيل: إنه عتبان بن مالك، وقد مرَّ في التاسع والعشرين من أبواب استقبال القبلة، وقد مرَّ ما قيل في ذلك، والرجل الآخر المبهم الذي هو من آل الجارود، قيل إنه عبد الحميد بن المنذر بن الجارود العَبْديّ البَصْريّ، قال النَّسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبَّان في الثقات. روى له ابن ماجَه حديثًا واحدًا في السؤال عن صلاة الضحى. روى عن أنس، وروى عنه أنس بن سيرين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والسماع والقول، وشيخ البخاريّ من أفراده، ورواته ما بين عَسْقَلانيّ وواسطيّ وبَصْريّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في صلاة الضحى، وأبو داود في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة
حذف جواب الشرط في الترجمة إشعارًا بعدم الجزم بالحكم لقوة الخلاف في ذلك كما ترى.
ثم قال: وكانَ ابن عُمر يبدأ بالعَشَاء. وقال أبو الدَّرداء: مِنْ فقهِ المرءِ إقبالهُ على حاجتهِ حتى يُقبل على صلاته وقلبُهُ فارغٌ.
وكأنه أشار بالأثرين المذكورين في الترجمة إلى منزع العلماء في ذلك، فإن ابن عمر حمله على إطلاقه، وأشار أبو الدَّرْدَاء إلى تقييده بما إذا كان القلب مشغولًا بالأكل، وأثر ابن عمر المذكور في الباب بمعناه، وابن عمر مرَّ في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، وأثر أبي الدرداء وصله ابن المبارك في كتاب الزهد، وأخرجه محمد بن نَصْر المَرْوَزِيّ في كتاب تعظيم قدر الصلاة، وأبو الدرداء مرَّ في باب من حمل معه الماء لطهوره، بعد السادس عشر من كتاب الوضوء.
стр. 3941
الحديث الخامس والعشرون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ.
قوله: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة، العَشاء بفتح العين والمد الطعام بعينه، وهو خلاف الغداء، وقد أخرجه المصنف هنا عن يحيى بن سعيد القَطّان بلفظ "إذا وضع العشاء" وأخرجه السّراج عن يحيى بن سعيد الأُمَويّ بلفظ "إذا حضر" وأخرجه المصنف في الأطعمة عن سفيان بلفظ "إذا حضر" أيضًا، وأخرجه مسلم بلفظ "إذا حضر" لكن الذين رووه بلفظ "إذا وضع" أكثر كما قال الإسماعيليّ، والفرق بين اللفظين أن الحضور أعم من الوضع، فيحمل قوله حضر أي بين يديه، لتأتلف الروايات لاتحاد المخرج.
ويؤيده حديث أنس الآتي بلفظ "إذا قدم العشاء" ولمسلم "إذا قرب العشاء" وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء، لكنه لم يقرب للأكل، كما لو لم يفرغ ونحوه. وقوله: وأقيمت الصلاة، قال ابن دَقيق العيد: الألف واللام في الصلاة لا ينبغي أن تحمل على الاستغراق، ولا على تعريف الماهية، بل ينبغي أن تحمل على المغرب، لقوله: فابدؤا بالعشاء، ويترجح حمله على المغرب لقوله في الرواية الأخرى "فابدؤا به قبل أن تصلوا المغرب" والحديث يفسر بعضه بعضًا وفي رواية صحيحة، أخرجها ابن حِبّان والطبرانيّ "إذا وضع العشاء وأحدكم صائم" وقال الفاكهانيّ: ينبغي حمله على العموم نظرًا إلى العلة، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع، وذكر المغرب لا يقتضي حصرًا فيها لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم،
стр. 3942
وحمله على العموم إنما هو بالنظر إلى المعنى إلحاقًا للجائع بالصائم، وللغداء بالعشاء، لا بالنظر إلى اللفظ الوارد.
وقوله: فابدؤا بالعَشاء، أي بفتح العين، وقد حمل الجمهور الأمر على الندب، ثم اختلفوا، فمنهم من قيده بمن كان محتاجًا للأكل، وهو المشهور عن الشافعية، وزاد الغزاليّ: ما إذا خشي فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده، وهو قول الثَّوْريّ وأحمد وإسحاق، وعليه يدل فعل ابن عمر الآتي قريبًا. وأفرط ابن حَزْم فقال: تبطل الصلاة، ومنهم اختار البداءة بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفًا، نقله ابن المُنْذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل؛ قالوا: يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل أو كان متعلقًا به لكنه لا يعجله عن صلاته، فإن كان يعجله عن صلائه بدأ بالطعام، واستحبت له الإعادة.
قال النّوويّ: في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله، لما فيه من ذهاب كمال الخشوع، ويلتحق به ما في معناه مما يشغل القلب، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صلى على حاله، محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز التأخير. وحكى المتولي وجهًا أنه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته، وهذا إنما يجيء على قول من يوجب الخشوع، وفيه نظر، لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع، بدليل صلاة الخوف وغير ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة، وتستحب الإعادة عند الجمهور.
وادعى ابن حَزْم أن في الحديث دلالة على امتداد الوقت في حق من وضع له الطعام، ولو خرج الوقت المحدد، وقال مثل ذلك في حق النائم والناسي، واستدل النّوَوِيّ وغيره بحديث أنس الآتي بعد هذا، على امتداد وقت المغرب، واعترضه ابن دقيق بأنه إن أُريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر، وإن أريد به مطلق التوسعة فمسلم. ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدرًا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول فيه لقيمات يكسر بها سورة الجوع، واستدل به القُرْطُبيّ على أن شهود صلاة الجماعة ليس
стр. 3943
بواجب، لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل، وإن فاتته الصلاة في الجماعة، وفيه نظر، لأن بعض من ذهب إلى الوجوب، كابن حبَّان، جعل حضور الطعام عذرًا في ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقًا. وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت، واستدل بعض الشافعية والحنابلة بقوله "فابدؤا" على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل، وأما من شرع ثم أقيمت الصلاة، فلا يتمادى بل يقوم إلى الصلاة، لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل البال، وبحديث الحز من الكتف الآتي قريبًا قال ابن بطال: يرد هذا التأويل حديث ابن عمر الآتي قريبًا، ولا يعجل حتى يقضي حاجته، وقيل: لا رد عليه، لأنه يقول إنه قضى حاجته كما في الحديث، وليس من شرطه أن يستوفي أكل الكتف، لاسيما قلة أكله ﵊، وأنه يكتفي بحزة واحدة.
وقد روى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسناد حسن، عن أبي هُرَيرة وابن عباس أنهما كانا يأكلان طعامًا شواء في التَّنُّور، فأراد المؤذن أن يقيم فقال له ابن عباس: لا تعجل، لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شيء. وفي روايته ابن أبي شَيْبَةَ: لئلا يعرض لنا في صلاتنا، وله عن الحسن بن علي قال: العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة، وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام، فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودًا وعدمًا ولا يتقيد بكل ولا بعض، ويستثنى من ذلك الصائم، فلا تكره صلاته بحضرة الطعام، إذ الممتنع بالشرع لا يشغل العاقل نفسه به. لكن إذا غلب استحب له التحول من ذلك المكان.
وقد قال ابن الجوزيّ: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله، وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق الله ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة، ثم إن طعام القوم كان يسيرًا لا يقطع عن إلحاق الجماعة غالبًا، وقد يقع في بعض كتب الفقه: إذا حضر العِشاء والعَشاء فابدؤا بالعَشاء، ولا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفظ، وقد قال قطب الدين: إن ابن أبي شَيْبَةَ أخرج عن
стр. 3944
إسماعيل بن علية عن أم سلمة مرفوعًا "إذا حضر العَشاء، وحضرت العِشاء فابدؤا بالعِشاء" قال في الفتح: وقد رواه أحمد عن إسماعيل بلفظ "وحضرت الصلاة" قال: وراجعت مصنف ابن أبي شَيْبَةَ فوجدت الحديث فيه كما أخرجه أحمد، وقد نظم بعض العلماء الحكم في حضور الصلاة والطعام فقال:
تَقْدِيْمُكَ الصّلاةَ للطعام ... هو الذي حُكِيْ عن الأعلام
والشافعي للطعام قدَّما ... وابن حَبِيب حَبْر مَنْ تَقَدَّما
وبعضهم مال إلى وفاق ما ... للشافعيّ مع إمام العُلَما
فالشافعيّ قال ذا في حق من ... يشغَلُه حُبُّ الطعام فاعلمنْ
ومالك في غيره تكلما ... وذاك في الحَطّاب جاء مسلمًا
رجاله خمسة:
وقد مروا، مرَّ مسدد ويحيى بن سعيد في السادس من الإيمان، ومرَّ هشام وعُرْوَة وعائشة في الثاني من بدء الوحي.
стр. 3945
الحديث السادس والعشرون
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاَةَ الْمَغْرِبِ وَلاَ تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ.
قوله: عن عُقيل: في رواية الإسماعيليّ "حدثني عقيل" وعنده أيضًا عن ابن شهاب "أخبرني أنس" وقوله: إذا قدم العشاء، زاد ابن حبَّان والطَّبَرانيّ في الأوسط، عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب "وأحدكم صائم" وأخرجه مسلم عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب بدون هذه الزيادة، وذكر الطَّبَرانيّ أن موسى بن أعْيَن تفرد بها، وموسى ثقة متفق عليه. وقوله: ولا تَعْجَلُوا، بفتح المثناة والجيم، ويروى بضم أوله وكسر الجيم.
رجاله خمسة:
مروا جميعًا، مرَّ يحيى بن بكير والليث وعقيل وابن شهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان. أخرجه البخاريّ أيضًا في مواضع وأخرجه مسلم.
стр. 3946
الحديث السابع والعشرون
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ وَلاَ يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ وَتُقَامُ الصَّلاَةُ فَلاَ يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ.
قوله: إذا وضع عشاء أحدكم، هذا أخص من الرواية الماضية حيث قال: إذا وضع العشاء، فيحمل العشاء في تلك الرواية على عشاء من يريد الصلاة، فلو وضع عشاء غيره لم يدخل في ذلك، ويحتمل أن يقال بالنظر إلى المعنى لو كان جائعًا واشتغل خاطره بطعام غيره، كان كذلك، وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناول مأكولًا يزيل شغل باله ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ. ويؤيد هذا الاحتمال عموم قوله في رواية مسلم عن عائشة "لا صلاة بحضرة طعام" الحديث، وقول أبي الدَّرداء الماضي "إقباله على حاجته".
وقوله: ولا يعجل، أي أحدكم المذكور أولًا، وقال الطّيبيّ: أفرد قوله "يعجل" نظرًا إلي لفظ أحد، وجمع قوله "فابدؤا" نظرًا إلى لفظ "كم" قال: والمعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدؤا أنتم بالعشاء، ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه. وقوله: وكان ابن عمر، هو موصول عطفًا على المرفوع، وقد رواه السّراج عن نافع فذكر المرفوع ثم قال: قال نافع: وكان ابن عمر إذا حضر عشاؤه وسمع الإقامة وقراءة الإِمام، لم يقم حتى يفرغ، ورواه ابن حِبّان عن نافع أن ابن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس، وكان أحيانا يلقاه وهو صائم، فيقدم له عشاؤه، وقد نودي للصلاة، ثم تقام وهو يسمع فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتى يقضي عشاءه، ثم يخرج فيصلي، وهذا أصرح ما ورد عنه في ذلك.
стр. 3947
وقوله: وإنه يسمع قراءة الإِمام في رواية الكُشمَيهَنِيّ "وإنه ليسمع" بزيادة لام التأكيد في أوله.
رجاله خمسة:
مروا كلهم، مرَّ عُبَيد بن إسماعيل في الثاني والعشرين من الحَيض، ومرَّ أبو أسامة في الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ نافع في الثالث والسبعين منه، ومرَّ عبيد بن عمر بن حفص في الرابع عشر من الوضوء ومرَّ ابن عمر في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة.
وَقَالَ زُهَيْرٌ وَوَهْبُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ فَلاَ يَعْجَلْ حَتَّى يَقْضِىَ حَاجَتَهُ مِنْهُ، وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ".
زهير هو ابن معاوية الجُعْفِيّ، وطريقه هذه موصولة عند أبي عَوانَةَ في مستخرجه.
ورجاله خمسة:
نافع وابن عمر ذكر محلهما الآن في الذي قبله، وزُهير بن معاوية مرَّ في الثالث والثلاثين من الإيمان، ومرَّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء، وأما رواية وهب فقد ذكر المصنف قريبًا أن إبراهيم بن المُنذر رواها عنه، وإبراهيم من شيوخ البخاريّ، وقد وافق زهيرًا ووهبًا أبو ضمرة عند مسلم، وأبو بدر عند أبي عَوانة والدراوَرْديّ عند السّراج كلهم عن موسى بن عُقْبة. ووهب هو وَهْب بن عُثمان بن المُحْتَضِر المخزوميّ المَدَنيّ، ذكره ابن حبَّان في الثقات. روى عن موسى بن عقبة وأبي حازم بن دينار، وروى عنه إبراهيم بن حمزة الزُّبيريّ وإبراهيم بن المنذر ويعقوب بن حُمَيد بن كاسِب.
ثم قال: وقال أبُو عبدِ اللهِ: رواهُ ابراهيمُ بنُ المنذرِ عنْ وَهْب بن عُثْمان.
ووهب مَدَنيّ، والمراد بأبي عبد الله البُخاري نفسه، وإبراهيم بن المنذر
стр. 3948
مرَّ في الأول من العلم، ووهب ذكر الآن. ثم قال المصنف:
باب إذا دعى الإِمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل
قيل: أشار بهذا إلى أن الأمر الذي في الباب قبله للندب لا للوجوب، وقد قدمنا قول من فصل بين ما إذا أقيمت الصلاة قبل الشروع في الأكل أو بعده، فيحمل أن المصنف كان يرى التفصيل، ولعل ذلك هو السر في إيراده حديث الباب عقب الذي قبله، ويحتمل تقييده في الترجمة بالإمام إن كان يرى تخصيصه به، وأما غيره من المأمومين فالأمر متوجه إليهم مطلقًا، ويؤيده قوله فيما سبق "إذا وضع عشاء أحدكم" وقد قدمنا تقريره قريبًا. وقال الزَّيْن بن المُنير: لعله صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة، فقدم الصلاة على الطعام، وأمر غيره بالرخصة، لأنه لا يقوى على مدافعة الشهوة قوته، وأيكم يملك إربه. ويعكر على من استدل به على أن الأمر للندب احتمال أن يكون اتفق في تلك الحالة أنه قضى حاجته من الأكل، فلا تتم الدلالة به، وقد مرَّ هذا قريبًا.
стр. 3949
الحديث الثامن والعشرون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ ذِرَاعًا يَحْتَزُّ مِنْهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقَامَ فَطَرَحَ السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
وهذا الحديث قد مرَّ في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة" من كتاب الوضوء ومرَّ الكلام هناك مستوفى على مباحثه.
رجاله ستة:
كلهم مروا، مرَّ عبد العزيز بن عبد الله في الأربعبن من الوضوء، ومرَّ إبراهيم بن سعد في السادس عشر من الإيمان، ومرَّ ابن شِهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ صالح بن كَيْسان في السابع منه، ومرَّ جَعْفَر بن عمرو بن أمَيّة وأبوه عمرو في التاسع والستين من الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث والإخبار والعنعنة والقول، ورواته كلهم مدنيون، وقد مرَّ الكلام عليه في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة. ثم قال المصنف:
باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج
كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أنه لا يلحق بحكم الطعام كل أمر يكون للنفس تشوف إليه، إذ لو كان كذلك لم يبق للصلاة وقت في الغالب، وأيضًا فوضع الطعام بين يدي الأكل فيه زيادة تشوف، وكل ما تأخر تناوله ازداد بخلاف باقي الأمور، ومحل النص إذا اشتمل على وصف يمكن اعتباره يتعين عدم إلغائه.
стр. 3950
الحديث التاسع والعشرون
حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.
قوله: في مِهنة أهله، بكسر الميم وفتحها وسكون الهاء فيهما، وقد فسرها في الحديث بالخدمة، وهو من تفسير آدم بن أبي إيَاس شيخ المؤلف، لأنه أخرجه في الأدب والنفقات عن غيره، وأخرجه أحمد والإسماعيليّ والطّيَالِسِيّ عن غيره بدون هذه الزيادة، وفسر في الصحاح المهنة بالخدمة أيضًا، وفسرها صاحب المحكم بأخص من ذلك، فقال: المهنة الحذق بالخدمة والعمل. وفي رواية المُسْتَمِلي "في مِهنة بيت أهله" وهي مع شذوذها موجهة، فإن البيت تارة يضاف إلى الرسول ﷺ ، وتارة يضاف إلى أهله، وهو في الواقع إما له أو لهم، ففيما إذا ثبتت الملكية فالإضافة حقيقية، وفيما لم تثبت فالإضافة فيه بأدنى ملابسة، وهي كونه مسكنًا لمن أضيف إليه، والمراد بالأهل نفسه، أو ما هو أعم من ذلك، وقد وقع مفسرًا في الشمائل للتِّرمِذِيّ عن عائشة، بلفظ "ما كان إلا بشرًا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه" ولأحمد وابن حبَّان عنها "يخيط ثوبه، ويَخْصِفُ نَعْلَه" زاد ابن حِبّان "ويَرْقَعُ دَلْوه" زاد الحاكم في "الإكليل" "وما رأيته ضَرَب بيده امرأَةً ولا خادمًا".
وقوله: فإذا حضرت الصلاة في رواية ابن عَرْعَرَةَ "فإذا سمع الأذان" وهي أخص، وفي الترجمة فأقيمت الصلاة، وكان أخذه من حديثها المتقدم في باب من انتظر الإقامة، فإن فيه "حتى يأتيه المؤذن للإقامة" واستدل بحديث الباب على أنه لا يكره التشمير في الصلاة، وأن النهي عن كف الشعر والثياب للتنزيه،
стр. 3951
لكونها لم تذكر أنه أزاح عن نفسه هيئة المهنة.
قلت: وهي في الغالب فيها التشمير للخدمة، قالها ابن بطال ومن تبعه. قال في "الفتح": وفيه نظر، لأنه يحتاج إلى ثبوت أنه كان له هيئتان، ثم لا يلزم من ترك ذكر التهيئة للصلاة عدم وقوعه، وفيه الترغيب في التواضع وترك التكبر وخدمة الرجل أهله، وترجم عليه المؤلف في الأدب كيف يكون الرجل في أهله.
وعند أبي سعيد عن عائشة قالت "كان ألين الناس وأكرم الناس، وكان رجلًا من رجالكم، إلا أنه كان بَسّامًا" قال ابن بطال: من أخلاق الأنبياء التواضع والبعد عن التنعم، وامتهان النفس ليستن بهم، ولئلا يخلدوا إلى الرفاهية المذمومة، وقد أشير إلى ذمها بقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١].
رجاله ستة:
مروا جميعًا، مرَّ آدَمُ وشُعْبَةُ في الثالث من الإيمان، ومرَّ الحكم في السابع من بدء الوحي، ومرت عائشة في الثاني منه، ومرَّ إبراهيم بن يزيد في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ الأسود بن يزيد في السابع والستين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسؤال والقول، ورواية الرجل عن خاله، وهو إبراهيم عن الأسود، أخرجه البخاريّ في الأدب أيضًا والنفقات، والتّرمذيّ في الزهد. ثم قال المصنف:
باب من صلى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي ﷺ وسنته
الحديث مطابق للترجمة.
стр. 3952
الحديث الثلاثون
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا فَقَالَ إِنِّي لأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلاَةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي. فَقُلْتُ لأَبِى قِلاَبَةَ كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي قَالَ مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا. قَالَ وَكَانَ شَيْخًا يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى.
قوله: وما أريد الصلاة، استشكل نفي هذه الإرادة، لما يلزم عليها من وجود صلاة غير قربة، ومثلها لا يصح، وأجيب بأنه لم يرد نفي القربة، وإنما أراد بيان السبب الباعث له على الصلاة في غير وقت صلاة معينة جماعة، وكأنه قال: ليس الباعث على هذا الفعل حضور صلاة معينة، من أداء أو إعادة أو غير ذلك وإنما الباعث لي عليه قصد التعليم، وكأنه كان تعين عليه حينئذ لأنه أحد من خوطب بقوله "صَلّوا كما رأيتموني أصلي" كما يأتي، ورأى أن التعليم بالفعل أوضح من القول، ففيه دليل على جواز مثل ذلك، وأنه ليس من باب التشريك في العبادة، لأن قصده كان التعليم وليس للتشريك فيه دخل، ويتعين حمل قوله في الرواية الآتية في باب المُكْث بين السجدتين "وذلك في غير حين الصلاة" على أن المراد به غير وقت صلاة من المفروضة، حتى لا يدخل فيه أوقات المنع من النافلة، لتنزيه الصحابيّ عن التنفل حينئذ، وليس في اليوم والليلة وقت أجمع على أنه غير وقت لصلاة من الخمس، إلا من طلوع الشمس إلى زوالها.
وقوله: أصلي كيف رأيت، أي أصلي هذه الصلاة على الكيفية التي رأيت رسول الله في يصلي عليها، وفي الحقيقة كيف مفعول فعل مقدر تقديره أريكم كيف رأيت، وقد صرح بالمقدر في باب كيف يعتمد على الأرض عن وُهَيب،
стр. 3953
ولكني أريد أن أريكم كيف رأيت إلخ. والمراد من الرواية لازمها، وهي كيفية صلاته ﷺ ، لأن كيفية الرؤية لا يمكن أن يريهم إياها.
وقوله: فقلت لأبي قِلابَةَ القائل هو أيوب السَّختيانيّ. وقوله: مثل شيخنا هذا، هو عمرو بن سَلِمة كما صرح به في باب "اللَّبث بين السجدتين" ويأتي تعريفه قريبًا. وقوله: في الركعة الأُولى، يتعلق بقوله من السجود، أي السجود الذي في الركعة الأولى، لا بقوله قبل أن ينهض؛ لأن النهوض يكون منها لا فيها، ويجوز أن تكون الركعة الأولى خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الجلوس أو هذا الحكم به كان في الركعة الأولى، ويجوز أن تكون كلمة "في" بمعنى "من" على حد قوله:
ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال
أي من ثلاثة أحوال. وفي قوله يجلس، أن ينهض في الركعة الأولى مشروعية جلسة الاستراحة، وأخذ بها الشافعيّ وطائفة من أهل الحديث. وعن أحمد روايتان، وذكر الخَلاّل أن أحمد رجع إلى القول بها، ولم يستحبها الأكثر، بل في "العُتْبِيَّة" عن مالك كراهيتها. وقال الشافعي في الأم: يقوم من السجدة الثانية ولم يأمر بالجلوس. فقال بعض أصحابه: إن ذلك على اختلاف حالين، إن كان كبيرًا أو ضعيفًا جلس، وإلا لم يجلس، وقيل: إن أحمد أيضًا فَصّل بين الضعيف وغيره، وقال التِّرمِذِيّ: العمل عند أهل العلم على عدم الجلوس، وقال أبو الزِّناد: وتلك السنة، واحتج الأكثر النافي لها بخلو حديث أبي حُمَيد عنها، فإنه ساقه بلفظ "فقام ولم يتورّك" وأخرجه أبو داود أيضًا كذلك، قالوا: فلما تخالفا احتمل أن يكون ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد لأجلها، لا أن ذلك من سنة الصلاة، وتعقب هذا بأن الأصل عدم العلة، وبأن مالك بن الحُوَيْرث هو راوي حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي" فحكاياته لصفات صلاة رسول الله ﷺ داخلة تحت هذا الأمر، واستدل الأكثرون أيضًا بقوله ﵊ "لا تبادروني بالقيام والقعود، فإني قد بدنت" فدل على أنه كان يفعلها لهذا، فلا تشرع إلا في حق من اتفق له نحو ذلك.
стр. 3954
وقال أبو عبد الملك: كيف ذهب هذا الذي أخذ به الشافعيّ على أهل المدينة والنبي ﷺ يصلي بهم عشر سنين وصلى بهم أبو بكر وعمر وعثمان والصحابة والتابعون؟ فأين كان يذهب عليهم هذا المذهب؟ وقال الطَّحَاويّ والنظر يوجب أنه ليس بين السجود والقيام جلوس؛ لأن من شأن الصلاة التكبير فيها، والتحميد عند كل خفض ورفع وانتقال من حال، فلو كان بينهما جلوس لاحتاج أن يكبر عند قيامه من ذلك، الجلوس تكبيرة، كما يكبر عند قيامه من الجلوس في صلاته، إذا أواد القيام إلى الركعة التي بعد الجلوس.
وأجاب الشافعية عن هذا بأنها جلسة خفيفة جدًا استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام، فإنها من جملة النهوض إلى القيام، ومن حيث المعنى فكذا ينبغي أن الساجد يضع يديه وركبتيه ورأسه مميزًا لكل عضو وضع، إذا رفع رأسه ويديه، أن يميز رفع ركبتيه، وإنما يتم ذلك بأن يجلس ثم ينهض قائمًا، وبأن الروايات عن أبي حميد لم تتفق على نفي هذه الجلسة، كما يفهم مما مرَّ، بل أخرجه أبو داود من وجه آخر عنه بإثباتها. وقال الأكثرون: إن عدم ذكر أبي حميد لها في أكثر الروايات عنه يدل على أن ذكرها لبيان الجواز لا للسنة، وأما قول بعضهم: لو كانت سنة لذكرها كل من وصف صلاته، فيقويّ أنه فعلها للحاجه، ففيه نظر، فإن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف، وإنما أخذ مجموعها عن مجموعهم، وفيه دليل على أن الرجل يجوز له أن يعلم غيره الصلاة والوضوء عملًا وعيانًا، كما فعل جبريل ﵊، وفيه أن التعليم بالفعل أوضح عن القول.
رجاله خمسة:
مروا جميعًا، مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بَدْء الوحي، ومرَّ وُهَيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرَّ أيّوب وأبو قِلابَة في التاسع من الإيمان، ومرَّ مالك بن الحُوَيْرث في باب تحريض النبيّ ﷺ ، وفد عبد الفيس، من العلم بعد الثامن والعشرين منه.
لطائف إسناده:
стр. 3955
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، ورواية تابعيّ عن تابعيّ عن صحابيّ، ورواته كلهم بصريون. أخرجه البخاريّ في الصلاة أيضًا، وأبو داود والنَّسائيّ.
وقوله في الحديث مثل شيخنا هذا، المراد بالشيخ عمرو بن سَلِمة، بكسر اللام، ابن قَيْس الجَرْميّ، يكنى أبا يَزيد، بالزاي، على وزن عظيم، وقيل أبا بُرَيْد بموحدة ومهملة مصغرًا البَصري، وقد أبوه على النبي ﷺ ، وكان عَمْرو يُصلي بقومه في عهده، وهو صغير، لأنه كان أكثرهم قرآنًا. أخرجه البُخاريّ ولم يصح له سماع ولا رواية وروي من وجه غريب أنه أيضًا وفد مع أبيه، وروى ابن مَنْدَه في كتاب الصحابة حديثه من طريق صحيح، وهي رواية الحَجَّاج بن مِنهال عن حمّاد بن سَلَمة عن أيّوب عن عمرو بن سَلِمة قال: "كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﷺ وهذا تصريح بوفادته. وقد روى أبو نُعيم في الصحابة أيضًا من طرق ما يقتضي ذلك. وقال ابن حِبّان: له صحبة. روى عن أبيه، وروى عنه أبو قِلابة الجَرْميّ وعاصم الأحول وأبو الزبير ومِسْعَر بن حَبيبِ الجَرْميّ وغيرهم.
ويلتبس هذا بعمرو بن سَلِمة بن الحارث، وقيل ابن الخَرب، بخاء مفتوحة ثم راء مكسورة، الهمدانيّ الكوفيّ. ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال: مات سنة خمس وثمانين، وهو أخو عبد الله بن سَلِمة، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة، وقال: كان ثقة قليل الحديث، وهو الذي بعثه الحسن بن علِيّ في الصلح بينه وبين مُعاوية. قال أبو حاتم: أخطأ البُخاريّ، حيث جمع بينهما، ذاك جَرْميّ وهذا هَمْدانيّ. روى عن عليّ وأبي موسى الأشعريّ وسَلْمان بن رَبيعة الباهليّ، وروى عن ابنه يَحيى ويزيد بن أبي زياد وعامر الشَّعبيّ. ثم قال المصنف:
باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة
أي ممن ليس كذلك، ومقتضاه أن الأعلم والأفضل أحق من العالم والفاضل، وذكر الفضل بعد العلم من ذكر العام بعد الخاص.
стр. 3956
الحديث الحادي والثلاثون
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَعَادَتْ فَقَالَ: مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ. فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: رقيق، أي رقيق القلب، وقوله: لم يستطع، أي من البكاء. وقوله: فأتاه الرسول، بلال. وقوله: في حياة رسول الله ﷺ ، أي إلى أن مات، كما صرح به موسى بن عُقْبَة في المغازي.
وهذا الحديث وما بعده إلى باب، "من دخل ليؤم الناس استوفي الكلام عليها في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، والظاهر أن حديث أبي موسى هذا من مراسيل الصحابة، ويحتمل أن يكون تَلَقّاه عن عائشة أو بلال.
رجاله ستة:
وفيه ذكر أبي بكر وعائشة رضي الله تعالى عنهما.
الأول: إسحاق بن نصر، وقد مرَّ في التعليق الذي بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ زائدة بن قدامة في الثاني والعشرين من الغُسل، ومرَّ أبو بُرْدَةَ وأبوه أبو موسى في الرابع من الإيمان.
والباقي مما لم يعرف اثنان:
стр. 3957
الأول: حُسين بن عليّ بن الوليد الجُعْفِيّ مولاهم، أبو عبد الله، وقيل أبو محمد الكوفيّ المُقْري، قال أحمد: ما رأيت أفضل من حسين وسعيد بن عامر، وقال الهَرَويّ: ما رأيت أتقن منه، وقال قُتَيْبَة: قيل لسُفْيان بن عُيَينة: قدم حُسَين الجُعْفي، فوثب قائمًا، فقيل له: فقال: قدم أفضل رجل يكون قط، وقال موسى بن داود: كنت عند ابن عُيَينة فجاء حُسَين الجُعْفيّ، فقام سفيان وقبّل يده. وقال ابن عُيَينة: عجبت لمن مرَّ بالكوفة فلم يقبّل بين عَيْنَيْ حُسين الجُعْفي، وقال يحيى بن يحيى النَّيْسابُوريّ: إن بقي أحد من الأبدال فحُسين الجُعْفيّ. وقال أبو مسعود الرّازي: أفضل من رأيت الجَفْريّ وحُسَين الجَعْفِيّ.
وقال الحَجّاج بن حَمْزة: ما رأيت حُسينًا الجُعْفيَّ ضاحكًا ولا مُبْتَسمًا، ولا سمعت منه كلمة ركن فيها إلى الدنيا. وقال الكِسَائيّ: قال لي هارون الرشيد: من أقرأ الناسُ قلت: حسين بن عَليّ الجُعْفيّ. وقال حُميد الربيع الخّزْار: كان لا يحدث، فرأى منامًا، فشرع يحدث حتى كتبنا عنه أكثر من عشرة آلاف، وقال العِجليّ: ثقة، وكان يقرىء الناس رأسًا فيه، وكان صالحًا، لم أر رجلًا قط أفضل منه، وكان صحيح الكتاب، يقال إنه لم يطأ أنثى قط، وكان جميلًا، وكان زائدة يختلف إليه إلى منزله يحدثه، فكان أروى الناس عنه، وكان الثَّوريّ إذا رآه عانقه، وقال: هذا راهب جُعْفِيّ. وقال عثمان بن أبي شَيْبَةَ بَخٍ بَخٍ ثقة صدوق، روى عن خاله الحَسَنُ بن الحُرّ، والأعْمَش وزائدة وحَمْزَة الزَّيَّات وفُضَيل بن عِياض وغيرهم. وروى عنه ابن مَعين وأحمد وإسحاق وكُريب وأبو بكر بن أبي شَيْبَةَ وعباس الدُّورِيّ وأبو مسعود الرّازيّ وغيرهم. ولد سنة مئة وتسعة عشر، ومات سنة ثلاثة أو أربعة ومئتين والمُقْرِي في نسبه نسبة إلى الإقراء، لأنه كان رأسًا في القراءة
والثاني: عبد الملك بن عُمير بن سُويد بن حارثة القرَشَيّ، أو الفَرَسيّ بالتحريك، كما يأتي، أبو عمرو، ويقال أبو عمر الكوفي المعروف بالقُبْطيّ، قال في المقدمة: مشهور من كبار المحدثين، لقي جماعة من الصحابة وعُمّرِ. وثّقه العِجليّ وابن مَعين والنَّسائيّ وابن نُمير. وقال ابن مهدي: كان الثَّوْرِيّ
стр. 3958
يَعْجَبُ من حفظ عبد الملك، وقال أبو حاتم: ليس بحافظ، تغير حفظه قبل موته، وإنما عني ابن مَهْدِي عبد الملك بن أبي سليمان، وقال أحمد: مضطرب الحديث، تختلف عليه الحُفّاظ. وقال ابن البَرْقيّ عن ابن مَعين: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين، احتج به الجماعة، وأخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات، وإنما عيب عليه أنه تَغَيَّر حفظه لكبر سنه، لأنه عاش مئة وثلاث سنين، ولم يذكره ابن عَدِيّ في "الكامل" ولا ابن حِبّان. رأى عليًا وأبا موسى، وروى عن الأشْعَث بن قَيْس وجابر بن سَمُرة والمُغِيرة بن شُعْبَة وغيرهم. وروى عنه ابنه موسى والأعمش وشَهْر بن حَوْشَب ومِسْعَر والثَّوريّ وشُعْبَة وجَرير بن أبي حازم وخلق، ولد لثلاث بقين من خلافة عثمان، ومات سنة ست وثلاثين ومئة وله حينئذ مئة وثلاث سنين.
واختلف في ضبط القُرشي في نسبه، فقيل بالقاف والمعجمة نسبة إلى قُرَيش، ويدل عليه قول ابن سعد إنه حليف بني عَدِي بن كَعْب، وضبطه غير واحد بالفاء والمهملة نسبة إلى فرسه، ويدل عليه قول ابن عُيينة قال رجل لعبد الملك بن عبد الملك بن عمير القُبطيّ فقال: أما عبد الملك فأنا وأما القُبْطِيّ ففرس لنا سابق كان يقال له القُبْطِيّ، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران.
ومرَّ أبو بكر في الوضوء في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، بعد الحادي والسبعين منه، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع والعنعنة والقول، ونسبة الراوي إلى جده، وهو شيخ البخاريّ، ورواية تابعيّ عن تابعيّ عن الصحابيّ، ورواته كلهم كوفيون ما عدا شيخ البخاريّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في أحاديث الأنبياء عن الربيع ومسلم في الصلاة.
стр. 3959
الحديث الثاني والثلاثون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضى الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا.
قوله: عن عائشة، كذا رواه جماعة عن مالك موصولًا، وهو في أكثر نسخ الموطأ مرسلًا، ليس فيه عائشة. وقوله: مَهْ كلمة زجر بنيت على السكون، أي اكففْ، فإن وصلت نونت، وقد مرَّ الكلام عليه في المحل المذكور آنفًا.
رجاله خمسة:
الأول: عبد الله بن يوسف إلى آخر السند، مرَّ بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي، وفيه ذكر أبي بَكْر وحَفْصَة رضي الله تعالى عنهما، وأبو بكر مرَّ الآن في الذي قبله ذكر محله، وحفصة أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب، قد مرت في الثالث والستين من الوضوء.
стр. 3960
الحديث الثالث والثلاثون
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِى تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلاَةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَهْوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إِلَى الصَّلاَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلاَتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ.
قوله: تبع النبي ﷺ ، لم يذكر المتبوع فيه ليشعر بالعموم، أي تبعه في العقائد والأقوال والأفعال والأخْلَاق. وقوله: وخدمه، إنما ذكر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان خادمًا له ﵊ عشر سنين، ليلًا ونهارًا وذكر صحبته معه ﷺ لأن الصحبة معه ﵊ أفضل أحوال المؤمنين، وأعلى مقاماتهم. وقوله: يوم الاثنين، بالنصب، أي كان الزمان يوم الاثنين، ويجوز أن تكون كان تامة، ويكون يوم الاثنين مرفوعًا. وقوله: وهم صفوف، جملة اسمية وقعت حالًا. وقوله: ينظر، كذلك، وروى "فنظر" وقوله: كأن وجهه ورقة مُصْحَف، الوَرَقة بفتح الراء والمصحف مثلث الميم، ووجه التشبيه عبارة عن الجمال البارع وحسن الوجه وصفاء البشرة.
وقوله: يضحك، جملة حالية تقديره فتبسم ضاحكًا، وسبب تبسمه فرحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتفاق كلمتهم وإقامتهم شريعته، ولهذا استنار وجهه، ويروى "فضحك" بالفاء، وقوله: فهممنا، أي قصدنا، وقوله:
следующие страницы →