Полный текст (6 753 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
٣ - باب أمور الإِيمان
بالإِضافة البيانية، أي: بيان الأمور التي هي الإِيمان، لأن الأعمال عند المؤلف هي الإِيمان، أو بمعنى اللام، أي: باب الأمور الثابتة للإِيمان في تحقيق حقيقته، وتكميل ذاته، وفي رواية أبي ذَرٍّ: "أمْر الإِيمان" بالإِفراد على إرادة الجنس، ثم قال:
"وقول الله تعالى" بالجر عطف على أمور، وفي رواية: " " بدل قوله: "تعالى".
وقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] البرُّ قُرىء بالنصب على أنه خبر مقدم، وأن تولوا هو الاسم، وقُرىء بالرفع على أنه اسم وأن تُولوا خبر، والبِرُّ اسم جامعٌ لكل خير وفعل مَرْضِيّ.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بتخفيف لكن، والبرُّ مبتدأ، وخبره من آمن بالله، وقُرىء لكن بالتشديد، ونصب البر على الاسمية.
وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] على حذف مضاف، أي. برُّ من آمن، أو يؤول البر بالبارّ باسم الفاعل، قيل: الخطاب لأهل الكتاب، لأن اليهود تُصلي قِبَل المغرب إلى بيت المَقدس، والنّصارى قِبَل المشرق، وذلك أنهم أكْثَر والخَوْض في أمر القبلة حين تَحَوَّل رسول الله ﷺ إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم، وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ﴾ جنس كتاب الله أو القرآن، وقوله: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ قيل: الضمير للمال، أي: على حبِّ المال والشح به كما قال ﵊ لما سئل أيُّ الصَّدقةِ أفْضَلُ؟ قال: "أنْ تَتَصَدَّق وأنْتَ صَحيحٌ شَحيحٌ تأْملُ الغِنَى وتَخْشَى الفقر ولا تمهل حتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُوم قُلتَ لِفُلان كذا ولِفلانٍ كذا، ألا وَقَد كَانَ لِفُلان كذا" أخرجه الشيخان وغيرهما. أو الضمير للإِيتاء المفهوم من: ﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ وعلى فيهما
стр. 422
بمعنى مع، أو الضمير لله تعالى، وعلى أجلية، كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ أي: القرابة، واليَتَامى المحاويج منهما، ولم يُقَيِّد لعدم الإِلباس، لأن إيتاء الأغنياء هِبة لا صدقة، وقدم ذوي القُربى لأن إيتاءهم أفضل، لقَوْله ﵊ كما في أحمد والتِّرْمِذيّ: "الصَّدَقَة عَلَى المِسْكِين صَدَقَةٌ، وعلى ذِي الرَّحِم صَدَقَةٌ وصلةٌ".
وقوله: ﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ جمع مسكين، وهو الدائم السكون لما أن الحاجة أسْكَنَتْهُ بحيث لا حراك به، أو دائم السكون والالتجاء إلى الناس كالمِسْكير الدائم السكر.
وقوله: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المراد به المسافر المُنْقطع، وجُعِلَ ابنًا للسبيل لملازمته له، كمَا يُقال للصِّ القاطع: ابن الطريق، وقيل: هو الضيف، لأن السبيل يُعرف به.
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ أي: الذين ألجأتهُمُ الحاجة إلى السؤال، قال ﵊ كما أخرجه أحمد وأبو داود وابن أبي حاتم: "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وإن جَاءَ عَلَى فرسٍ" وقيل: المساكين السابق ذكرهم، الذين لا يَسْألون وتُعْرَف حاجتهم بحالهم، وإن كان ظاهرهم الغنى، وأراد بالسّائلين المساكين الذين يَسْألون، فتُعرف حالهم بسؤالهم.
وقوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي في تخليصها، عامٌّ في إعانة المُكاتَبِين، وفكِّ الأُسارى، وابتياع الرِّقاب للعِتْق قُربةً، والرَّقَبَة مجازٌ عن الشخص.
وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ عطف على صلة من، والمراد المفروضة، كالزكاة في قوله: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ والمراد بما مر من إيتاء المال نوافلُ الصدقات، أو حقوق كانت في المال غير مقدرة سوى الزكاة، واختُلف هل هي باقيةٌ أو نُسِخَت؟ والصحيحُ بقاؤها، لقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ
стр. 423
لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].
وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ عَطف على من آمن. ﴿إِذَا عَاهَدُوا﴾ أي: الله أو الناس.
وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ منصوب على المَدْح، بتقدير أخُصُّ أو أمدح، ولم يعطِف لبَيانِ فضلِ الصَّبر على سائرِ الأعمال، والبَأساءُ شِدَّةُ الفقر لأن البأساءَ في الأموال، والضَّرّاء في الأبْدان.
وقوله: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: وقت شدة القتال في سبيل الله، وهذا من باب الترقي في الصبر من الشديد إلى الأشد، لأن الصبر على المرض فوق الصبر على الفقر، والصبر على القتال فوق الصبر على المرض، وعدّى الصبر إلى الأوَّلَيْن بفي لأنه لا يعد الإِنسان من الممدوحين إذا صَبَرَ علي شيء من ذلك إلا إذا صار الفقر والمرض كالظرف له، وأما إذا أصاباه وقتًا ما، وصَبَرَ، فليس فيه مدحٌ كثيرٌ إذ أكثر الناس كذلك، وأتى بحين في الأخير لأن القتال حالة لا تكاد تدوم في أغلب الأوقات.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: أولئك الموصوفون بما ذَكَرَهم الذين صدقوا في إيمانهم وادعاء البر واتباع الحق.
وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ عذاب الله بتجنب معاصيه، وامتثال أوامره، وأتى بخبر أولئك الأول موصولًا بفعل ماض إيذانا بتحقق اتصافهم به، وأن ذلك قد وقع منهم، وغاير في خبر الثانية ليدل على أن ذلك ليس بمتجدد، بل صار كالسَّجِيّة لهم، وهذه الآية جامعة للكمالات الإِنسانية بأسرها، إذ هي تنحصر في ثلاثة أشياء، صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة للخلق، وتهذيب النفس في المعاملة مع الله، وقد أشير إلى الأول بقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إلى ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾، وإلى الثاني بقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ إلى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، وإلى الثالث بقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخرها، ولذلك وُصِف المسْتَجْمِع لها بالصدق، نظرًا إلى
стр. 424
إيمانه واعتقاده، وبالتقوى اعتبارًا لمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق.
ووجه استدلال المؤلف بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب، يظهر من الحديث الذي رواه عبد الرزاق وغيره أن أبا ذَرٍّ سأل النبي ﷺ عن الإِيمان، فتلا عليه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ ....﴾ إلخ.
ورجاله ثقات، ولم يسقه المؤلف لأنه ليس على شرطه، وروي عنه ﵊ أنه قال: من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإِيمان، ووجه الاستدلال هو أن الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه الصفات، والمراد المتقون من الشرك والأعمال السيئة، فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون، والجامع بين الآية والحديث هو أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة في مسمى البر كما هي داخلة في مسمى الإِيمان، فإن قيل ليس في المتن ذكر التصديق، أجيب بأنه ثابت في أصل هذا الحديث عند مسلم وغيره، والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الذي يذكر أصله، ولم يسقه تمامًا. من فتح الباري.
ثم استدل المؤلف لذلك أيضًا بآية أخرى فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية بلا أداة عطف، والحذف جائز، والتقدير وقول الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وثبت المحذوف في رواية الأصيلي، ويُحتمل أن يكون ذكر ذلك تفسيرًا لقوله: ﴿الْمُتَّقُونَ﴾، أي المتقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى آخرها، وكان المؤلف أشار إلى إمكان عد الشعب من هاتين الآيتين وشبههما.
ومن ثم ذكر ابن حِبّان أنه عد كل طاعة عدها الله تعالى في كتابه من الإِيمان، وكل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإِيمان، وحذف المكرر فبلغت تسعًا وتسعين، وقوله: الآية، يجوز فيها النصب بتقدير اقرأ، والرفع مبتدأ حذف خبره أي والآية دليل.
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ قد لتحقيق ما يحصل في المستقبل وتنزيله منزلة الواقع، فإنها تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه، و ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي:
стр. 425
فاز المؤمنون، ظفروا بمقصودهم، ونَجَوْا من كل مكروه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] والمؤمنون جمع مؤمن، وهو المصدق بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره، وكان المؤمنون يتوقعون نوع البشارة منه تعالى، فصَدَّر السورة بما دَلَّ على ثبوت متوقعهم على أبلغ وجه، بأن أدخل قد على المضارع البارز في صورة الماضي الدالِّ على التحقيق، فكأنه قال: قد تحقق أن المؤمنين من أهل الفلاح بالإِيمان، ويجوز أن يكون جواب قسم محذوف فيزداد تأكيدًا على تأكيد.
وقوله: ﴿خَاشِعُونَ﴾ ظاهرًا وباطنًا، فالخشوع الظاهري التمسك بآداب الصلاة كقصر الأبصار في مواضع السجود، لأن الخشوع فعل قلب يظهر أثره في الجوارح، لحديث: "لَوْ خَشَعَ قَلبُ هذا لَخَشعتْ جوارحُه" والباطني استحضار عظمة الله تعالى، ومنه أن لا يحدث نفسه بأمر لا يتعلق بالصَّلاة، وأن يتدبر ما يجري على لسانه من القراءة والذكر، وأن لا يلتفت، لحديث: "لَا يَزَال الله مقبلًا على العَبْد ما لم يَلْتَفِت، فإذا التفتَ أعْرَضَ عنه" قال في "الجواهر": قد نَصَّ أئمتنا على وجوب الخُشوع في الصلاة، قال الغَزّالي: كل ما يَشغَلُك عن معاني قراءتك فهو وسواسٌ، ثم أتبع وصفهم بالخشوع وصفهم بالإِعراض عن اللغو، جمعًا لهم بين فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي، بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:٣] والمراد باللغو كل ما لا يَعُودُ على الشخص منه فائدة في الدين أو الدنيا، قولًا كان أو فعلًا أو مكروهًا أو مباحًا، كالهَزْل واللَّعب، وضياع الأوقات فيما لا يعني، والتوغل في الشهوات، وغير ذلك مما نهى الله تعالى عنه، فبالجملة ينبغي للإِنسان أن يُرى ساعيًا في حسنةٍ لمعادِهِ، أو دِرهم لمعاشِه، ومن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، وهذا كالتتمة للصلاة، فلذا فَصَّلَ به بينها وبين الزكاة التي هي أختها، وفيه مبالغات بجعل الجملة اسمية، وبناء الحكم على الضمير، والتعبير عنه بالاسم، وتقديم الصلة عليه، وأقَامَ الإِعراض مقام الترك
стр. 426
ليدل على بعدهم عنه رأسًا مباشرة، وتسببًا وميلًا وحضورًا، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٤] الزكاة الواجبة أو كل عمل صالح، وفاعلون مؤدون عبر عن المزكي بالفاعل تحاشيًا عن التكرار، والزكاة تقع على المعنى والعين، والمراد الأول لأن الفاعل يفعل الحدث لا المحل الذي هو موقعه، أو الثاني على تقدير مضافٍ، وإنما وصفهم بأدائها بعد الوصف بالخشوع ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، أي: مانعون لها عن كل ما لا يَحِلُّ وطؤَه بوجه من الوجوه.
وقوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦] على هنا بمعنى من أي مانعون لها إلا من أزواجهم، أو المعنى حافظون لها على أزواجهم لا يبذُلونها إلا على أزواجهم، فعلى هذا "على" صلة لحافظون، من حفِظْت المال على اليتيم، وأحْفَظُ على عِنَان فرسي، أي حافظون فروجهم. على الأزواج لا تَتَعدّاهُنَّ ولا يبذُلونها إلا عليهن، فهو تأكيدٌ.
وقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] أي السَّراري، عبر بما دون من وإن كان المقام يقتضي من لأن الإِناث ناقصات، ولا سيما الأرقاء ففيهن شبه بالبهائم في حل البيع والشراء، والسراري جمع سرية بالضم، وهي في الأصل الأمَة التيِ بُوِّئَتْ ببيت، مأخوذة من السر وهو الجماع أو الإِخفاء لأن الإِنسان كثيرًا ما يُسِرُّها ويَسْتُرُها عن حرَّتِهِ، أو من السرور لأنها تَسُرُّ مالِكَها.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ فإنهم أي الحافظون غير ملومين في إتيانهن، وفيه إشارة إلى أنه مباح لا ثواب فيه ولا عِقاب، وهذا ما لم يُقْصَد به التعفف عن الحرام، وإن قصد فندبٌ يثاب عليه، وربما وجب في بعض الأحوال لما في "البخاري" أنهم قالوا: يا رسول الله أيأْتي أحدنا
стр. 427
شهوتَهُ ويكون له فيها أجرٌ. قال: "نَعَم أرَأيْتُم لَوْ وَضَعها في حَرام كان لَهُ وزرٌ" الحديث والاستمتاع بالمملوك خاصٌّ بالرجال، فلا يجوز للمرأة الاستمتاع بفَرْجِ مَمْلُوكِها.
الحديث الثاني
٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».
قوله: "الإِيمان" مبتدأ، خبره بضع، وهو بكسر الباء، وحُكِيَ الفتحُ لغةً، وهو عدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلى التسع، كما جزم به القَزَّازُ، وقيل: إلى العشر، وقيل: من واحد إلى تسع، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وقيل: من أربعة إلى تسعة، ويرجح ما قاله القَزَّاز ما اتفق عليه المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ من أن لبث يوسف ﵇ في السجن سبع سنين، وما رواه الترمذي بسند صحيح أن قريشًا قالوا ذلك لأبي بكر، وكذا رواه الطَّبَري مرفوعًا وقال الفَرّاء: هو خاصٌّ بالعشرات إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومئة ولا بضع وألف، وفي بعض الروايات بضعة بتاء التأنيث، وتحتاج إلى تأويل، وهو أن تُؤوَّلَ الشعبة بالنوع إذا فسرت بالطائفة من الشيء وبالخلق إذا فسرت بالخَصْلة والخلَّة.
وقوله: "وستّون" هو الذي في طرق أبي عامر، وفي رواية عند أبي عَوانة بضع وستون، أو بضع وسبعُون، وفي رواية لمسلم كذلك، ورواه أصحاب السنن بضع وسَبْعون من غير شكٍّ، ورُجِّحَت رواية بضع وستون لأنه المتيقن، وترجيح عِياضٍ والحَلِيمِيِّ رواية بضع وسبعين بكونها زيادة ثقة مردودٌ بأن الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج، وهل المراد حقيقة العدد أو المبالغة. قال الطِّيبِيُّ: الأظهر معنى
стр. 428
التكثير، ويكون ذكر البضع للتَّرَقّي، يعني أن شعب الإِيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لها، ولو أراد التحديد لم يُبْهم، وقال آخرون: المراد حقيقة العدد، ويكون النص وقع أولًا على البِضْع والستين، لكونه الواقع، ثم تجددت العشر الزائدة، فنص عليها.
وقوله: "شُعبة" بضم الشين، أي قطعة، والمراد الخَصْلة، أو الجزء، قال القاضي عِياض: تكلف جماعة حَصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم يكون ذلك هو المراد صعوبةٌ، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإِيمان، وقد لَخَّصَ في "الفتح" ما أورده، فقال: إن هذه الشعب تتفرع من أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، فأعمال القلب المعتقدات والنيّات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة، وأعمال اللسان تشتمل على سبع خِصال، وأعمال البدن تشتمل على ثلاث وثلاثين خَصْلة.
فالأربع والعشرون المشتملة على أعمال القلب هي الإِيمان بالله، ويدخل فيه الإِيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأنه ليس كمثله شيءٌ، واعتقادُ حدوث ما دونه، والإِيمان بالملائكة وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، والإِيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المسألة في القبر والبعث والنشور، والحساب، والصراط، والجنة، والنار، ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبي ﷺ ، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته، والإِخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء، والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة، والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكبر، والعجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب.
وأعمال اللسان المشتملة على سبع خصال هي: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم، وتعليمه، والدعاء، والذكر، ويدخل فيه الاستغفار، واجتناب اللغو.
стр. 429
وأعمال البدن المشتملة على ثمان وثلاثين خصلة منها ما يختص بالأعيان وهي خمس عشرة خصلة: التطهير حسًّا وحكمًا، ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضًا ونفلًا، والحج، والعمرة كذلك، والطواف، والاعتكاف، والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك، والتحري في الإِيمان، وأداء الكفارات، ومنها ما يتعلق بالاتباع وهي ست خِصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والرفق بالعبيد، ومنها ما يتعلق بالعامّة وهو سبع عشرة خصلة: القيام بالإِمرة مع العَدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإِصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة، والمعاونة على البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد، ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله، وإنفاق المال في حقه، ومنه ترك التبذير والإِسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذى عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق، فهذه تسع وستون خصلةً، ويمكن عدها تسعًا وسبعين خصلة باعتبار إفراد ما ضُمَّ بعضه إلى بعض مما ذكر.
وفي رواية مسلم زيادة: "أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" وتمسك بها القائلون بأن الإِيمان فعل الطاعات بأسرها.
والقائلون بأنه مركب من التصديق والإِقرار والعمل جميعًا، وأجيب بأن المراد شعب الإِيمان قطعًا لا نفس الإِيمان، فإن إماطة الأذى عن الطريق ليس داخلًا في أصل الإِيمان حتى يكون فاقده غير مؤمن، فلا بُدَّ في الحديث من تقدير مضاف، أي فروع الإِيمان.
وقوله: "والحياءُ شُعبة من الإِيمان" مبتدأ وخبره، ومن الإِيمان نعت
стр. 430
لشعبة، وهو بالمد، وفي اللغة هو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خَوْف ما يعاب به، وقد يُطلَقُ على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه. وفي الشرع خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: "الحياءُ خيرٌ كلُّه".
وقال الرّاغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركب من جُبْن وعِفَّة، فلذلك لا يكون المستَحي فاسقًا، وقَلَّما يكون الشجاع مستحيًا، وقد يكون لمطلق الانقباض كما في بعض الصبيان.
وقال غيره: هو انقباض النفس خَشْية ما يكره أعم من أن يكون شرعيًّا أو عقليًّا أو عرفيًّا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله، وقال الحَلِيميُّ: حقيقة الحياء خوف الذم بنسبة الشرِّ إليه، وقال غيره: إن كان في مُحَرَّم فهو واجبٌ، وفي مكروهٍ فهو مندوبٌ، وفي مباحٍ فهو العُرفيُّ، وهو المراد بقوله: "الحياء لا يأتي إلا بخير" ويجمع كل ذلك أن المباح إنما هو ما يقعُ على وِفْقِ الشرع إثباتًا ونفيًا. وحُكِي عن بعض السلف: رأيتُ المعاصي مَذَلَّةً، فتركتها مروءةً، فصارت ديانةً. وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته، وقد قال بعض السلف: خَفِ الله على قَدْرِ قُدْرَتِه عليك، واستحي منه على قدر قربه منك.
وإنما خصه هنا بالذكر لأنه كالداعي إلى باقي الشعب، لأنه يبعث على الخوف من فضيحة الدنيا والآخرة، فَيَأتَمِر ويَنْزَجِرُ، ومن تَأمَّل معنى الحياء، ونظر فيما أخرجه التِّرمِذيُّ من قوله ﵊: "اسْتَحيُوا من الله حقَّ الحَيَاءِ". قالوا: إنا لَنَسْتَحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله. قال: "لَيْس ذلك، ولكن الاستحياءُ من الله حق الحياء أن يُحْفَظَ الرَّأسُ ومَا وَعَى، والبَطْن وما حَوَى، ويُذْكر الموتُ والبلا، ومن أراد الآخرة تَرَكَ زينة الدنيا، وآثَرَ الآخرةَ على الأولى، فمن يَعْمَل ذلك فقد استحيى من الله حقَّ الحياء، ورأى العجب العجاب" ومن مُنح الفضل
стр. 431
الإلهي ورزق الطبع السليم ذاق معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب، كأنه يقول هذه شعبة واحدة من شعبه، فهل تحصى وتعد شعبها؟ هيهات!
واعلم أنه لا يقال: إن الحياء من الغرائز، فكيف جُعِل شعبَةً من الإِيمان؟ لأنا نقول: إنه قد يكون غريزة، وقد يكون تَخَلُّقًا، ولكن استعماله على وِفق الشرْعِ يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فلهذا كان من الإِيمان، ولكونه باعثًا على فعل الطاعة وحاجزًا عن فعل المعصية، ولا يُقال: رُبَّ حياءٍ يمنع عن قول الحق، أو فعل الخير، لأنا نقول: إن ذلك ليس بحياء شرعيٍّ وإنما هو خَجَلٌ، وهو انقباض النفس عن الفعل مطلقًا.
وفي هذا الحديث دلالة على قبول الإِيمان الزيادة والنقصان، لأن معناه كما قال الخَطَّابي: إن الإِيمان الشرعيَّ اسم لمعنى ذي أجزاء، له أعلى وأدنى، والاسم يتعلق ببعض تلك الأجزاء، كما يتعلق بكلها.
وفيه أيضًا تشبيه الإِيمان بشجرة ذات أغصان وشعب، ومبناه على المجاز لأن الإِيمان كما مر في اللغة التصديق، وفي عرف الشَّرع تصديق القلب واللسان، وتمامه وكماله بالطاعات، فحينئذ الإِخبار عن الإِيمان بأنه بضع وستون يكون من إطلاق الأصل على الفَرع لأن الإِيمان هو الأصل، والأعمال فروعٌ منه، وإطلاق الإِيمان على الأعمال مجازٌ، لأنها تكون عن الإِيمان. وهذا مبنيٌّ على القول بقَبُول الإِيمان الزيادة والنقصان.
أما على القول بعدم قبوله لهما، فليست الأعمال داخلة في الإِيمان، واستدل لذلك بأن حقيقة الإِيمان التصديق، وبأنه قد وَرَدَ في الكتاب والسنة عطف الأعمال على الإِيمان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] مع أن العطف يقتضي المغايرة، وعدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، وقد ورد أيضًا جعلُ الإِيمان شرطًا لصحة الأعمال كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَات
стр. 432
وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢] مع القطع بأن المشروط لا يدخل في الشرط، لامتناع اشتراط الشيء لنفسه، وورد أيضًا إثبات الإِيمان لمن ترك بعض الأعمال، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] مع القطع بأنه لا يتحقق الشيء بدون رُكنه، ولكن هذه الوجوه إنما تقوم حجة على من يجعل الطاعاتِ ركنًا من الإِيمان، بحيث إن تاركها لا يكون مؤمنًا كما مر عن الخوارج والمعتزلة، لا على من ذَهَبَ إلى أنها ركن من الإِيمان الكامل، بحيث لا يَخْرُجُ تاركها عن حقيقة الإِيمان، كما مر عن السلف.
رجاله ستة:
الأول: عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن جَعْفر بن اليمان بن أخْنَس ابن خُنَيس أبو جعفر الجُعْفيّ البُخاريّ الحافظ المعروف بالمُسْنِدِيّ سُمي بذلك لأنه كان يطلب المسندات، ويرغب عن المرسلات والمنقطعات.
وقال الحاكم: لأنه أول من جمع مسند الصحابة فيما وراء النهر، وهو إمام الحديث في عصره هنالك بلا مدافعة.
وقال الخَلِيليُّ: ثقة متقن. وقال البُخاريُّ: قال لي الحَسن بن شُجاع: من أين يفوتك الحديث وقد وقعت على هذا الكنز؟ وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان متقنًا. وقال أحمد بن سَيّار: من المعروفين بالعدالة والصدق، صاحب سنة، عرف بالإِتقان، وقد رأيته بواسط حسن القامة، أبيض الرأس واللحية، ورجع إلى بخارى، ومات بها. وفي "الزهرة" روى له البخاري أربعة وأربعين حديثًا، وجدُّه اليَمَان هو مولى أحد أجداد البخاري ولاءَ إسلام.
روى عن: ابن عُيَينة، وعبد الرزاق، وحَرَميّ بن عُمارة، وإسحاق الأزرق، ومُعْتَمر بن سليمان، وجماعة.
وروى عنه: البُخاريّ، وروى الترمذي عن البخاري عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأحمد بن سَيّار، والذُّهْليّ، وعبيد الله بن واصل البُخاري، وغيرهم.
стр. 433
مات ببخارى في ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومئتين.
وعبد الله بن محمَّد في الستة ثلاثون.
والجُعْفِيّ في نسبه نسبةً إلى جُعفي ككرسي، وهو ابن سعد العشيرة ابن مذحج أبو حي من اليمن، والنسبة إليه جُعْفِي كما في الصحاح، وأنشد للبيد:
قَبَائلُ جُعْفِيِّ بن سَعْدٍ كأنَّما ... سَقَى جَمْعَهُم ماءً الزُّعافِ مُنيمُ
فإذا نسبت إليهَ قدَّرت حذف الياء المشددة، وإلحاق ياء النسب مكانها، فالاسم والمنسوب إليه واحد كما عرفت، غير أنه يجمع جمع رومي، فقيل: جُعْفٌ، وللشاعر:
جُعْفٌ بِنجرانَ تَجُرٌّ القَنَا
وأعقب جعفي من ولديه مروان وصَرِيم، فمن وَلَدِ مروان جابر بن زيد الفقيه، ومن صَرِيم عبيد الله بن الحذّاء، والفاتِك، وغيرهما.
والبُخاريُّ في نسبه نسبةً إلى بُخارى -بضم الباء- يمد ويقصر، والقصر أرجح وأشهر، وهي بلدة من أعظم مدن ما وارء النهر، بينها وبين سمرقند ثمانية أيام أو سبعة، خرج منها جماعة من العلماء في كل فَنٍّ، وعلى بُخارى وقُراها ومزارعها سور واحد، نحو اثني عشر فرسخًا في مثلها.
قال ابن حَوْقَل: رَسَاتِيق بُخارى تزيد على خمسة عشر رُسْتاقًا، جميعها داخل الحائط المبني على بلادها، ولها خارج الحائط أيضًا عدة مدن، منها فِرَبر وغيرها، ولها تاريخ عجيب.
الثاني: عبد الملك بن عمرو بن قَيْس القَيْسيّ أبو عامر العَقَدي -بالتحريك- البصري.
قال سليمان بن داود القَزَّاز: قلت لأحمد: أريد البصرة، عمن أكتب؟
стр. 434
قال: عن أبي عامر العَقَديّ، ووهيب بن جَرير. قال عثمان الدَّارِميُّ، عن ابن مَعين: صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النَّسائي: ثقة مأمون.
وقال ابن مَهْدي: كتبت حديث ابن أبي ذِئبٍ عن أوثق شيخ، أبي عامر العَقَديّ. قال أبو زَكريّا الأعْرج النَّيْسابورِيّ: كان إسحاق إذا حدثنا عن أبي عامر، قال: حدثنا أَبو عامر الثقة الأمين. وقال ابن سَعْد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال عُثمان الدّارميّ: أبو عامر ثقة عاقل، روى عن أيمن بن نابِل، وعِكْرمة بن عَمّار، وقُرَّة بن خالد، وفُلَيْح بن سُليمان، والثَّوريّ، وشُعبة، وسليمان بن بلال، ومالك، وابن أبي ذئب، وهشام الدَّسْتُوائي، وغيرهم.
وروى عنه: أحمد، وإسحاق، وعلي، ويحيى، والمُسْندي، وأبو خَيْثَمة، والذُّهْلِيّ، وأبو قِلابة، وأبو قُدامة السَّرْخَسِيّ، وحَجّاج بن الشاعر، وأبو بكر بن نافع، وغيرهم.
مات سنة أربع ومئتين.
والعَقَديُّ في نسبه نسبةً إلى العَقَد بالتحريك، وهم قوم من قيس، وهم صِنْف من الأزْد، وقيل: العَقَد بطن من بَجِيلة. وقيل: من قَيْس عَيْلان بالولاء، قال أبو الشيخ: إنما سُمّوا عَقَدًا لأنهم كانوا لئامًا. وقيل: العَقَد مولى الحارث بن عبّاد بن ضبيعة بن قَيس بن ثَعْلبة. وقيل: قبيلة من اليمن من بني عَبْد شمس بن سعد. وفي "القاموس" العقد بالتحريك قبيلة من بَجيلة أو اليمن، منها بشر بن معاذ، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو.
الثالث: سُليمان بن بِلال التَّيْمي القُرَشيّ مولاهم مولى آل الصديق أبو محمَّد، ويقال: أبو أيوب المَدَنيّ.
قال أحمد: لا بأس به، ثقة. وقال ابن مَعين: ثقة صالح. وقال عُثمان الدارِمِيّ: قلت لابن مَعين سليمان أحب إليك أو الدَّراوَرْديّ؟ فقال: سليمان، وكلاهما ثقة. وقال ابن سَعْد: كان بَرْبَريًّا جميلًا عاقلًا حسن الهيئة، وكان يُفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، وكان ثقة كثير
стр. 435
الحديث. وقال الذُّهْلِيُّ: ما ظننت أن عند سليمان بن بلال من الحديث ما عنده، حتى نظرت في كتاب ابن أبي أُوَيْس، فإذا هو قد تَبَحَّر في حديث المدنيين. وقال ابن مَهْدي: ندمت على أن لا أكون أكثرت عنه.
وقال أبو زُرْعة: سليمان بن بلال أحب إلي من هشام بن سَعْد. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الخَليليّ: ثقة ليس بمكثر، لقي الزُّهْريّ، ولكنه يروي كثير حديثه عن قدماء أصحابه، وأثنى عليه مالك، وآخر من حدث عنه لُوَيْن. وقال ابن الجُنَيْد، عن ابن مَعِين: إنما وضعه عند أهل المدينة أنه كان على السوق، وكان أروى الناس عن يحيى بن سعيد. قال عثمان بن أبي شَيْبة: لا بأس به، وليس ممن يُعتمد على حديثه. وقال ابن حَجَر: قال ابن عَدِيّ: رأيت رواية مالك عنه في كتاب "مكة" للفاكِهانيّ.
روى عن زيد بن أسْلم، وعبد الله بن دينار، وصالح بن كَيْسان، وحُمَيْد الطويل، وهشام بن عُروة، وموسى بن عُقبة، ويحيى بن سعيد، وجَعْفر الصادق، وخلق.
وروى عنه: أبو عامر العَقَديّ، وعبد الله بن المُبارك، ومُعَلَّى بن منصور الرّازي، وأبو سلمة الخُزاعيّ، ويحيى بن يحيى النَّيْسابُوري، وإسماعيل بن أبي أُوَيْس، والقَعْنَبِيُّ، ومحمد بن سُليمان لُوَيْن، ومرّ أنه آخر من روى عنه.
مات بالمدينة سنة سبع وسبعين ومئة، وقيل: سنة اثنتين وسبعين.
وليس في الكتب الستة من اسمه سُليمان بن بلال سواه، وأما سليمان فكثير.
والتَّيْميُّ في نسبه نسبةً إلى تَيْم بن مُرة جد أبي بكر الصديق ﵁. والتيمي في قبائل من العرب، ففي قريش تَيْم بن مرة هذا، وفي الرَّباب تيم بن عبد مَناة بن أُدَ بن طابِخة، قال مَعْمر بن المُثَنى: تَيْم الرَّباب: عَدِيّ وثور وعُكْل، ومُزَيْنة، وضَبَّة بنو عبد مناة، وقيل: سُمّوا بذلك لأنهم غمسوا أيديهم في رُبٍّ وتحالفوا عليه، وقيل: سموا به لأنهم
стр. 436
تَربَّبوا، أي: تحالفوا مع تميم علي بني سعد بن زيد مَناة، والرُّبُّ بضم الراء، وتشديد الباء الموحدة، الطلاء الخاثِر، وفي النَّمِر بن قاسِط تَيْم الله بن النَّمِر بن قاسِط، وفي شَيْبان تَيْم بن شيبان، وفي ربيعة بن نزار تيم الله بن ثَعْلبة، وفي قُضاعة تيم الله بن رُفَيدة، وفي ضَبَّة تيم بن ذُهْل.
الرابع: عبد الله بن دينار العَدَويُّ، أبو عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر.
قال صالح بن أحمد، عن أبيه: ثقة مستقيم الحديث. وقال أبو زُرْعة، وأبو حاتم، وابن مَعين، ومحمد بن سَعْد، والنَّسائي: ثقة. زاد ابن سَعْد: كثير الحديث. وقال العِجْليّ: ثقة. وقال ابن عُيينة: لم يكن بذاك، ثم صار. وقال اللَّيْث، عن ربيعة: حدثني عبد الله بن دينار، وكان من صالحي التابعين، صدوقًا دينًا، وذكره ابن حِبان في "الثقات". وقال السَّاجِيُّ: سئل أحمد عنه، فقال: نافع أكبر منه، وهو ثبت في نفسه، ولكن نافع أقوى منه. وفي "العلل" للخَلّال: أن أحمد سئل عن عبد الله ابن دينار الذي روى عنه موسى بن عُبيدة النهي عن بَيْع الكالىء بالكالِىء، فقال: ما هو الذي روى عنه الثَّوْرِيُّ. قيل: فمن هو؟ قال: لا أدري. وجزم العُقَيْليُّ بأنه هو، فقال في ترجمته: روى عنه موسى بن عُبيدة ونظراؤه أحاديث مناكير العمل فيها عليهم، وروى عنه الأثبات حديثه عن ابن عمر في النهي عن بيع الوَلاء وعن هِبَته، ومما انفرد به حديث شُعب الإِيمان. رواه عنه ابنه، وسُهَيل، وابن عَجْلان، وابن الهاد، ولم يروه شُعبة ولا الثوري ولا غيرهما من الأثبات.
روى عن ابن عمر، وأنس، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وأبي صالح السمان، وغيرهم. وأما قول ابن الحذّاء في رجال الموطأ: قيل: لا نعلم له رواية عن أحد إلا ابن عمر، فهو قصور شديد ممن قاله.
وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ومالك، وسليمان بن بلال، وشُعبة،
стр. 437
والسفيانان، وعبيد الله بن عُمر، وموسى بن عُقبة، ووَرْقاء بن عُمر، ويحيى بن سعيد، وغيرهم.
مات سنة سبع وعشرين ومئة.
وفي الستة عبد الله بن دينار البَهْراني، وأما عبد الله فأكثر من أن يُحصى.
والعَدَويُّ في نسبه نسبةً إلي عَدِيّ بن كَعْب وهو في قُريش، وفي الرَّباب عَدِيّ بن عبد مَناة، وفي خُزاعة عَدِيّ بن عمرو، وفي الأنصار عَديّ بطن من بني النجار، وفي طيِّىء عدي بن أخرم، وفي قُضاعة عدي ابن خَبّاب.
الخامس: ذَكْوان السَّمّان الزَّيات أبو صالح المَدَنِي مولى جُويرية بنت الأحْمَس الغَطَفَاني، وقيل: مولى جُوَيرية بنت الحارث امرأة من قيس.
قال أحمد بن حَنْبل: ثقة ثقة من أجلِّ الناس وأوثقهم، سمع منه الأعمش ألف حديث. وقال الأعمش: كان أبو صالح مؤذنًا، فأبطأ الإِمام، فأمَّنا، فكان لا يكاد يُجيزها من الرقة والبكاء. وقال ابن مَعين: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، يحتج بحديثه. وقال أبو زُرْعَة: ثقة مستقيم الحديث. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو داود: سألت ابن مَعين من أثبت الناس في أبي هُريرة؟ قال: ابن المُسَيِّب، وأبو صالح، وابن سِيرين، والمَقْبُريّ، والأعْرج، وأبو رافع.
وقال السَّاجيُّ: ثقة صدوق. وقال الحرْبي: كان من الثقات. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال العِجْليّ: ثقة، كان يَقْدم الكوفة يجلِب الزيت، فينزل في بني أسد، شهد الدار زمن عثمان، وسأل سعد بن أبي وَقَّاص مسألة في الزكاة، وروى عنه، وعن أبي هريرة، وأبي الدَّرداء، وأبي سعيد الخُدْريّ، وعقيل بن أبي طالب، وجابر، وابن عمر، وابن عبّاس، ومُعاوية، وعائِشة، وأم حَبيبة، وأم سَلَمَة، وغيرهم. وقال أبو زُرْعة: لم يلق أبا ذرّ.
стр. 438
روى عنه: أولاده: سهيل وصالح وعبد الله، وروى عنه عطاء بن أبي رَباح، وعبد الله بن دينار، وسُميٌّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، والحكم بن عُتيبة، وعاصم بن بَهْدلة، وعمرو بن دينار، والزُّهريّ، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وآخرون.
مات سنة مئة وواحد.
وذكوان في الستة سواه اثنان، ذكوان أبو عمرو المَدَني مولى عائشة، روى عنها، وذكوان بن كَيْسان اليَماني الحِمْيَري.
والغَطَفاني في نسبه -بمعجمة ومهملة مفتوحتين وبغاء- نسبةً إلى غَطَفان بن سعد بن قَيس عَيْلان حي من قيس عظيم.
السادس: أبو هُرَيرة الدَّوْسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو ابن عامر ابن ذي الشَّرى بن طَريف بن عَتّاب بن أبي صَعْب بن مُنَبِّه بن سعد بن ثعلبة ابن سُليم بن فهم بن غنم بن دَوْس بن عُدثان بن عبد الله بن زهران أو أزهر ابن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد بن الغوث.
قال النَّوويّ في مواضع من كتبه: اسم أبي هُريرة عبد الرحمن بن صَخْر على الأصح من ثلاثين قولًا. وقال القُطْب الحَلَبيُّ: اجتمع في اسمه واسم أبيه أربعة وأربعون قولًا مذكورة في "الكنى" للحاكم.
وسبب تكنيته أبا هريرة هو ما أخرجه التِّرمذي بسند حسن عن عُبيد الله ابن أبي رافع، قال: قلت لأبي هريرة: لم كُنِيت بأبي هُريرة؟ قال: كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هرة صغيرة، فكنت أضعها في الليل في شجرة، وإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكَنَوْني أبا هريرة.
وعن ابن إسحاق، قال حدثني بعض أصحابي عن أبي هُريرة، قال: كان اسمي في الجاهلية عَبْد شمس، فسُمّيت في الإِسلام عبد الرحمن، وإنما كُنيت بأبي هريرة لأني وجدت هرة، فحملتها في كمي، فقيل لي:
стр. 439
ما هذه؟ قلت: هرة، قيل: فأنت أبو هُريرة.
وأخرج البَغَويّ بسند حسن عن الوليد بن رباح، عن أبي هُريرة، قال: كان يقول لا تكنُوني أبا هُريرة، فإن النبي ﷺ كَناني أبا هِرّ، والذكر خيرٌ من الأنثى.
قال ابن حَجَر: كان إسلامه بين الحُديبية وخَيْبر، قدم المدينة مهاجرًا، وسكن الصُّفَّة. وقال ابن عَبد البَرّ: أسلم أبو هريرة عام خَيبر مع رسول الله ﷺ ، ثم لزمه وواظَبَ عليه رغبةً في العلم راضيًا بِشبَع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيث دار، وكان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان يحضُر ما لا يحضُر سائر المهاجرين والأنصار، لاشتغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار بحَوائِطِهم، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه حريصٌ على العلم والحديث، وقال له: يا رسول الله إني أسمع منك حديثًا كثيرًا، وأنا أخشى أن أنسى، فقال: "ابسُط رداءك" قال: فَبَسَطته، فغَرَف بيده فيه، ثم قال: "ضُمّه" فضممته، فما نسيت شيئًا بعدُ.
وفي الصّحيح عن الأعرج قال: قال أبو هُريرة: إنكم تزعُمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ ، والله الموعد إني كنت امرأً مسكينًا أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يَشْغَلهم الصَّفق في الأسواق، وكانت الأنصار يَشْغَلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي ﷺ مجلسًا، فقال: "من يَبْسُط رداءه حتى أقضِيَ مقالتي، ثم يقبضُه إليه، فلن يَنْسى شيئًا سمعه مني" فبسطت بُردةً عليّ حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إلي، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد.
وأخرج أبو نُعيم من طريق سعيد بن أبي هِند، عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ألا تسألني من هذه الغنائم؟ " قلت: يا رسول الله أسألك أن تُعلمني مما علَّمَكَ الله، قال: فَنَزَع نَمِرةً على ظهري وَوَسَّطَها بيني وبينه، فحدثني حتى استوعبت حديثه، قال: اجمَعْها فصُرها إليك" فأصبحت لا
стр. 440
أُسْقط حرفًا مما حدثني.
وله طرق أخرى عن الحسن، عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ ، قال: "مَن يأخُذ مني كلمة أو كلمتين أو ثلاثًا فيَصُرهن في ثوبه فيتعلَّمهن ويُعلِّمهن" قال: فنشرت ثوبي وهو يحدث، ثم ضممته، فأرجو أن لا أكون نسيت حديثًا.
قال ابن حَجَر: ووقع لي بيان ما كان حدث به النبي ﷺ في هذه القصة، فقد أخرج أبو يعلى من طريق أبي سَلَمة، جاء أبو هريرة، فسلم على النبي ﷺ في شكواه يَعُوده، فأُذِن له، فدَخَل، فسَلَّم وهو قائم، والنبي ﷺ مُتَسانِدٌ إلى صدر علي، ويده على صدره ضامّة إليه، والنبي ﷺ باسط رجليه، فقال: "ادن يا أبا هريرة" فدنا ثم قال: "ادنُ يا أبا هريرة" فدنا حتى مسَّت أطراف أصابع أبي هُريرة أصابع النبي ﷺ ، ثم قال له: "اجلِس" فجلس، فقال له: "أدْنِ مني طرف ثوبك" فمد أبو هريرة ثوبه، فأمسك بيده، ففتحه وأدناه من النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "أوصيك يا أبا هُريرة بثلاثٍ لا تَدَعْهُن ما بَقيتَ" قال: أوصني ما شئت، فقال له: "عليك بالغُسل يوم الجمعة، والبُكُور إليها، ولا تَلْغُ ولا تَلْهُ، وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر فإنه صيام الدهر كله، وأوصيك بركعتي الفجر لا تدعهما وإن صليت الليل كله فإن فيهما الرغائب" قالها ثلاثًا، ثم قال "ضُمَّ إليك ثوبك" فضم ثوبه إلى صدره، فقال: يا رسول الله بأبي وأمي، أسرُّ هذا أو أعلنه؟ قال: "بل أعلنه يا أبا هُريرة" قالها ثلاثًا.
وأخرج النسائي بسند جيد أن رجلًا جاء إلى زيد بن ثابت، فسأله، فقال له زيد: عليك بأبي هُريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله تعالى ونذكره، إذ خرج علينا رسول الله ﷺ ، حتى جلس إلينا، فقال: "عُودوا لِلذي كنتم فيه" قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي، فجعل رسول الله ﷺ يُؤمِّنُ على دعائِنا، ودعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك ما سألَك صاحباك، واسألك علمًا لا يُنسى،
стр. 441
فقال رسول الله ﷺ "آمين" فقُلنا: يا رسول الله، ونحن نسأَلُك علمًا لا يُنسى، فقال: "سَبَقكم بها الغُلام الدَّوْسي".
وقال طَلْحة بن عبيد الله: لا أشُكُّ أن أبا هُريرة سمع من رسول الله ﷺ ما لم نسمع.
وقال ابن عُمر: أبو هُريرة خيرٌ مني، وأعلم بما يُحدث.
وأخرج الترمذي عن عمر أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزمنا لرسول الله ﷺ واحفظنا لحديثه وأخرج البخاري في "الصحيح" عن أَبي هريرة، قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك، قال: "لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث".
وأخرج أحمد من حديث أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره.
وقال أبو نعيم كان أحفظ الصحابة لأخبار رسول الله ﷺ ، ودعا له بأن يحببه إلى المؤمنين.
وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة أنه قال: أما والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني، قيل له: وما علمك بذلك يا أبا هريرة، قال: إن أمي كانت مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإِسلام، وكانت تأبى علي، فدعوتها يومًا، فأسْمَعَتْني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فذكرت له، فقال: "اللهم اهْدِ أمَّ أبي هريرة" فخرجت عدوًا فإذا الباب مجافٍ، وسمعت خضخضة الماء، ثم فتحت الباب، فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فرجعت وأنا أبكي من الفرح، فقلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين، فدعا.
وأخرج ابن سَعْد من طريق قُرة بن خالد، قلت لمحمد بن سيرين: أكان أبو هريرة مُخْشَوْشِنًا؟ قال: لا كان لينًا، قلت: فما كان لونه؟ قال: أبيض، وكان يخضِب، وكان يَلبسُ ثوبين مُمَشَّقين، وتمخط يومًا،
стр. 442
فقال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان.
وقال عبد الرحمن بن الُّلتبيَّة: أتيت أبا هُريرة وهو آدم، بعيد ما بين المَنْكبين، ذو ضَفرتين، أفرق الثَّنِيَّتين.
وروى محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: لقد رأيتني وأنا أُصرع بين منبر رسول الله ﷺ وحُجرة عائشة، فيقال: مجنون وما بي جنون، وما بي إلا الجوع، ولهذا الحديث طرق في "الصحيح" وغيره.
وفيها سؤال أبي هريرة لأبي بكر وعمر عن آية، وقال: لعل أن يُشبِعني فيفتح علي الآية ولا يفعل.
وقال داود بن عبد الله، عن حُميد الحِميَري: صحبت رجلًا صحب رسول الله ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة.
وعن قيس بن أبي حازم، قال: قدم علينا أبو هريرة بالكوفة، واجتمعت إليه أحْمس، فجاؤوا ليسلموا عليه، فقال: مرحبًا صحبت رسول الله ﷺ ثلاث سنين لم أكن أحرِص على أن أعي الحديث مني فيهن.
وفي البُخاري عن أبي هريرة، قال: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد على الأرض بكبدي من الجوع، وأشد الحجر على بطني، فذكر قصة القَدَح واللبن.
وعن أبي نَضْرة، عن رجل من الطفاوة، قال: نزلت على أبي هريرة ولم أدرك رجلًا من الصحابة أشد تشميرًا ولا أقوم على ضيف منه.
وأخرج ابن سعد عن سالم مولى بني نَضْر: سمعت أبا هُريرة يقول: بعثني رسول الله ﷺ مع العلاء بن الحَضْرَمي، فأوصاه بي خيرًا، فقال لي: ما تحب، قلت: أُؤَذن لك ولا تسبقُني بآمين.
وأخرج البُخاري عن أبي هريرة أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ -
стр. 443
وعاءين، فأما أحدهما فبَثَثته، وأما الآخر فلو بثَثْته لقُطِع هذا البلعوم.
وعند أحمد عن أبي هريرة، وقيل له: أكثرت، فقال: لو حدثتكم بما سمعت لرميتموني بالقشع، أي الجلود.
وفي "الصحيح" عن نافع، قيل لابن عمر: حديث أبي هُريرة أن من اتبع جنازة فصلى عليها فله قيراط .. الحديث. فقال: أكثر علينا أبو هريرة، فسأل عائشة، فصدقته، فقال: لقد فَرَّطنا في قراريط كثيرة.
وأخرج البَغَويُّ بسند جيد عن ابن عمر أنه قال لأبي هريرة: أنت كنت ألزَمَنا لرسول الله ﷺ ، وأعلمنا بحديثه.
وأخرج ابن سعد بسند جيد عن سعيد بن عَمرو بن سعيد بن العاص، قال: قالت عائشة لأبي هريرة: إنك لَتُحَدِّثُ بشيءٍ ما سمعته، قال: يا أُمَّه طلقتها، وشغلك بها المكحلة والمرآة، وما كان يشغلني فيها شيء والأخبار في ذلك كثيرة.
وأخرج البَيْهَقيّ عن عبد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة، قال: لقي كعبًا فجعل يحدثه ويسأله، فقال كعب: ما رأيت رجلًا لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هُريرة.
وأخرج أحمد من طريق عاصم بن كُليب، عن أبيه، سمعت أبا هُريرة يبتدىء حديثه بأن يقول: قال رسول الله الصادق المصدوق أبو القاسم ﷺ : "من كَذَب عليَّ متعمِّدًا فلْيتبوَّأ مَقعدَهُ من النَّار".
وأخرج مُسدّد في "مسنده" عن أبي هريرة، قال: بلغ عمر حديثي، فقال: كنت معنا يوم كنا في بيت فلان؟ قال: نعم. قال: إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: "مَن كذب عليَّ متعمدًا .. " إلخ قال: فاذهب الآن فحدث.
وأخرج مُسدد، قال: كان ابن عمر إذا سمع أبا هُريرة يتكلم، قال: إنا نَعْرفُ ما تقول، ولكنا نَجبُن وتَجْتَرىء.
وخرج الدارقطني عن أبي هريرة رفعه: "إذا صلى أحدكم ركعتي
стр. 444
الفجر فلْيضَّجع على يمينه" فقال مروان: أما يكفي أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع، قال: لا فبلغ ذلك ابن عمر، فقال: أكثر أبو هريرة. فقيل لابن عُمر: هل تُنكر شيئًا ممّا يقول؟ قال: لا، لكنه أجرأ وجَبُنّا، فبلغ ذلك أبا هُريرة، فقال: ما ذنبي إن كنت حَفِظتُ ونَسوا.
وأخرج ابن سعد من طريق الوليد بن رَباح، سمعت أبا هُريرة يقول لمروان حين أرادوا أن يَدْفِنوا الحسن مع جده: تدخل فيما لا يعنيك -وكان الأمير يومئذ غيره- ولكنك تريد رضا الغائب، فغضب مروان، وقال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة وإنما قَدِم قبل وفاة رسول الله ﷺ بيسير، فقال أبو هُريرة: قدمت ورسول الله ﷺ بخَيْبَر، وأنا يومئذ قد زِدْت على الثلاثين، فأقَمْتُ معه حتى مات، وأدور معه في بيوت نسائه، وأخدمه، وأغزو معه، وأحج، فكنت أعلم الناس بحديثه، وقد والله سَبَقني قوم بصحبته، فكانوا يعرِفون لزومي له، فيسألونني عن حديثه، منهم عمر، وعثمان، وعلي، وطَلْحة، والزُّبير، ولا والله لا يخفى علي كل حديث كان بالمدينة، وكل من كانت له من رسول الله ﷺ منزلة، ومن أخرجه من المدينة أن يساكِنه، قال: فوالله ما زال مروان بعد ذلك كافًّا عنه.
وأخرج ابن أبي خَيْثَمة من طريق ابن إسحاق، عن عُروة، عن أبيه، قال: قال أبي أدْنِنِي من هذا اليَماني -يعني أبا هُريرة- فإنه يُكثر، فأدْنيته، فجعل يُحدِّث، والزُّبير يقول: صدق، كذب. فقلت: ما هذا؟ قال: صدق أنه سَمِعَ هذا من رسول الله ﷺ ، ولكن منها ما وضَعَه في غير موضعه.
قال البخاريّ: روى عنه نحو الثمان مئة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره، وقال وَكيع في نسخته: حدثنا الأعْمش، عن أبي صالح، قال: كان أبو هُريرة أحفظ أصحاب محمد ﷺ . وأخرجه البَغَويّ بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكن كان أحفظ.
وأخرج ابن أبي خَيْثَمة من طريق سعيد بن أبي الحسن، قال: لم يكن
стр. 445
أحد من الصحابة أكثر حديثًا من أبي هُريرة.
وقال الشّافِعيّ: أبو هُريرة أحفظ من روى الحديث في دَهْره. وقال أبو الزُّعَيْزِعَة كاتب مروان: أرسل مروان إلى أبي هريرة، فجعل يحدثه، وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحَوْل أرسل إليه، فسأله، وأمرني أن أنظُر، فما غير حرفًا عن حرفٍ.
وفي "صحيح" البخاري عن أبي هريرة، قال: لم يَكُن من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثًا مني إلا ما كان من عبد الله بن عَمرو، فإنه كان يكتُبُ ولا أكتب.
وقال الحاكم أبو أحمد: كان من أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ وألزمهم له صحبةً على شِبَع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ ، يدور معه حيثُ دار إلى أن مات، ولذلك كثُر حديثه.
وفي "الحلية" بسند صحيح عن مُضارب بن جزء: كنت أسير من الليل فإذا رجل يكبر، فلحقتُه، فقلت: ما هذا؟ قال: أُكثِر شكرًا لله على أن كنت أجيرًا لبُسرة بنت غَزْوان لنفقة رحلي وطعام بَطْني، فإذا ركبوا سبقتُ بهم، وإذا نزلُوا خدمتهم، فَزَوَّجَنِيها الله، فأنا أركب، وإذا نزلت خُدمتُ، وكانت إذا أتت على مكان سهل نزلت، فقالت: لا أرِيم حتى تُجعل لي عَصيدة، فها أنا إذا أتيتُ على نحوٍ من مكانها قلت: لا أريم حتى تُجْعل لي عَصيدة، وكان يقول: نشأتُ يتيمًا، وهاجَرْت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبُسرة بنت غَزْوان خادمًا لها، فَزوَّجَنِيها الله تعالى، فالحمد لله الذي جعل الدين قوَاما، وجعل أبا هريرة إماما.
وأخرج أحمد في الزهد بسند صحيح عن أبي عثمان النَّهْدِي، قال: تَضَيَّفتُ أبا هُريرة سبعًا، فكان هو وامرأته وخادمه يقتسمون الليل أثلاثا، يصلّي هذا ثم يُوقظ هذا.
وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عِكرمة أن أبا هريرة كان يُسبِّح كلَّ يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسَبِّحُ بقدر ذنبي.
стр. 446
وعن ابن سِيرين أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين، فقَدِم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استَأثَرْتَ بهذه الأموال فمِنْ أين لك؟ قال: خيل نُتِجت، وعَطِيَّةٌ تتابعت، وخراجُ رقيقٍ لي، فنظر، فوجدها كما قال، ثم دعاه ليستعمله، فأبى، فقال: لقد طلب العمل من كان خيرًا منك، فقال: إنه يوسُف نبي الله بن نبي الله، وأنا أبو هُريرة بن أُمَيمة، وأخشى ثلاثًا: أن أقول بغير علم، أو أقضي بغير حُكم ويُضرَبَ ظهري ويُشْتَمَ عرضي ويُنْزَعَ مالي.
وأخرج الزُّبير بن بكّار في كتاب المزاح عن سعيد عن أبي هريرة أن رجلًا قال له: إني أصبحت، فجئت أبى، فوجدت عنده خبزًا ولحمًا، فأكلت حتى شبعت، ونسيت أني صائم، فقال أبو هُريرة: الله أطعمك، قال: فخرجت حتى أتيت فلانًا، فوجدت عنده لِقحة تحلب، فشربت من لبنها حتى رويت، قال: الله سقاك، قال: ثم رجعت إلى أهلي، فقِلْت، فلما استيقظتُ دعوت بماء، فشربته، فقال له: يا ابن أخي أنت لم تَعَوَّد الصيام.
وأخرج ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، قال: دخلت على أبي هريرة، وهو شديد الوجع، فاحتضنته، قلت: اللهم اشفِ أبا هريرة، فقال: اللهم لا تُرجِعْها، قالها مرتين، ثم قال: إن استطعت أن تَمُوتَ فمُتْ، والله الذي نفس أبي هُريرة بيده لَيَأْتيَنَّ على الناس زمانٌ يَمُرُّ الرجل على قبر أخيه، فيتمنى أنه صاحبه. وروى هذا الحديث عُمَير بن هانئ. قال أبو هريرة: تَشَبَّثوا بصُدغَي معاوية، اللهم لا تُدركني سنة ستين.
ورُوي عن أبي داود أنه قال: كنت أجمع مسند أبي هريرة، فرأيته في النوم وأنا بأصْبَهان، فقال لي: أنا أول صاحب حدّث في الدنيا.
وأخرج البَغَويّ عن أبي هُريرة أنه لما حضرته الوفاة بكى، فسُئِلَ فقال: من قلة الزاد، وشدة المفَازَة.
стр. 447
وأخرج أحمد والنَّسائي بسند صحيح، عن أبي هُريرة أنه قال حين حضره الموت: لا تضرِبُوا علي فُسطاطًا، ولا تَتْبَعُوني بمجْمَرة، وأسرعوا بي. وعن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرة قال: إذا مُتُّ فلا تَنُوحوا علي، ولا تَتْبَعُوني بمِجْمَرة، وأسرعوا بي.
وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق مالك، عن سعيد المَقْبُري، قال: دخل مروان بن الحَكم على أبي هريرة في شكواه التي مات فيها، فقال: شفاك الله، فقال أبو هريرة: اللهم إني أُحِبُّ لقاءك فأحْبِب لقائي، فما بلغ مروان وسط السوق حتى مات.
وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سُفيان، وفي القوم ابن عُمر وأبو سعيد الخُدْريّ، وكتب إلى معاوية يُخبره بموته، فكتب إليه: انظر مَنْ ترك، فادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم، وأحْسِن جوارهم، فإنه كان ممن نصر عثمان يوم الدار.
مات سنة سبع وخمسين على الصحيح في قصره بالعَقِيق، وحُمِل إلى المدينة، وقيل: مات سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وصلى على عائشة في رمضان سنة ثمان.
له خمسة آلاف حديث وثلاث مئة وأربعة وسبعون حديثًا، اتَّفَقا على ثلاث مئة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بتسعة وسبعين، ومسلم بثلاثة وتسعين -بتقديم التاء-.
روى عن: أبي بكر، وعُمر، والفَضْل بن عباس، وأُبَيّ بن كعب، وأسامة بن زَيْد، وعائشة.
وروى عنه: ولده المُحَرَّر بمهملات، ومن الصحابة: ابن عُمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وواثِلة بن الأسْقَع، ومن كبار التابعين: مروان ابن الحَكَم، وقَبيصَة بن ذُؤَيب، وسعيد بن المُسيِّب، وعُروة بن الزُّبير، وأبو سعيد المَقْبُري، وعِرَاك بن مالِك، وسالم بن عبد الله بن عُمر،
стр. 448
وغيرهم ممن لا يُحصى كثرةً ومرَّ قول البُخاري: إنه روى عنه نحو الثمان مئة من أهل العلم.
وليس في الصحابة من اكتنى بهذه الكُنية سواه. وفي الرواة واحد اكْتَنَى بهذه الكنية، يروي عن مَكْحول، وعنه أبو المَلِيح الرَّقِّي، لا يعرف. وآخر اسمه محمَّد بن فِراس الصَّيرفي روى له التِّرمذي، وابن ماجة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين. وفي الشافعية آخر اكْتَنَى بهذه الكُنية واسمه ثابت بن شِبْل، قال عبد الغَفّار في حقه: شيخ فاضل مناظر.
والدَّوْسيُّ في نسبه نسبةً إلى دَوْس بن عُدنان -بضم العين- المتقدم في نسبه أبو قبيلة من الأزد، ودَوْس أيضًا قبيلة من قَيْس وهم بنو قَيْس بن عَدْوان بن عَمْرو بن قَيْس عَيْلان.
لطائف إسناده: رجالُ الإِسناد كلهم مدنيون إلا العَقَديّ فإنه بَصْريّ، وإلا المُسنديّ فإنه بُخاريّ، وكلهم على شرط الستة إلا المُسْندي، وفيه رواية تابعي عن تابعي وهو عبد الله بن دينار عن أبي صالح.
أخرجه البخاري هنا، ومسلم عن عُبيد الله بن سَعيد وغيره، وأبو داوود في السنة عن موسى بن إسماعيل، والتِّرمذي في الإِيمان عن أبي كُريب، وقال: صحيح حسن، والنّسائي في الإِيمان أيضًا عن محمَّد بن عبد الله المُخَرِّمي، وابن ماجة في السنة عن علي بن محمَّد الطنافسي وغيره.
стр. 449
٤ - باب المُسلم مَنْ سَلم المسلمون من لِسانِهِ ويده
وفي رواية الأصِيليّ إسقاطها، وهو منون وتجوز فيه الإِضافة إلى جملة الحديث، لكن لم تأت به الرواية المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وهذه الترجمة هي لفظ الحديث يأتي الكلام عليه قريبًا.
الحديث الثالث
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ».
[الحديث ١٠ - طرفه في: ٦٤٨٤].
قوله: "المسلمُ" قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو زيد الرجل، أي: الكامل في الرجولية فإن إثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ولا يلزم من هذا أنَّ من اتَّصف بهذا خاصة يكون كاملًا، لأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان، قال الخَطّابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله أداء حقوق المسلمين، ويحتمل أن يريد بذلك تبيين علاقة المسلم التي يُسْتَدلّ بها على إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكر مثله في المنافق، ويحتمل أن يكون أراد بذلك الإِشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، وخرجَ لفظُ المسلمين مَخْرَجَ الغالب، ويدخُل في ذلك الذِّمِّي، لأنه يجب الكف عنه، وجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يَدْخُلْن في ذلك.
وقوله: "من لسانِه ويده" هو من جوامع كلمه ﵊، وعبر باللسان دون القول ليَدْخُل في ذلك مَنْ أخرج لسانه استهزاء
стр. 450
بصاحبه، وقدمه على اليد لأن إيذاءه أكثر وقوعًا وأشد نكاية، ولله دَرُّ القائل:
جِرَاحَاتُ السِّنانِ لها الْتئامٌ ... ولا يَلْتَامُ ما جَرَحَ الَّلسانُ
لكن يمكن أن تشاركه في ذلك اليد بالكتابة، وإن أثرها في ذلك لعظيم، وخص اليد مع أن الفعل قد يحْصُل بغيرها لأن سلطنة الأفعال إنما تظْهر بها، لأن بها البطش والقطع، ومن ثمَّ غُلِّبت، فقيل: هذا مما عملت أيديهم، وإن كان متعذر الوقوع بها، وتدخُل فيها اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير من غير حق، ويستثنى من ذلك شرعًا تعاطي الضرب باليد في إقامة الحدود والتعازير على المسلم المستحق لذلك.
وقوله: "والمهاجرُ من هَجَرَ ما نهى الله عنه" أي: المهاجر حقيقة من تَرَكَ ما نهى الله عنه، وهو بمعنى الهاجِر، وإن كان لفظ المُفِاعِل يقتضي وقوع فعل من اثنين، لكنه هنا للواحد، كالمسافر، ويُحْتَمل أن يكون على بابه، لأن من لازِم كونه هاجرًا وطنه مثلًا أنه مهجور من وطنه، وهذه الهجرة ضربان ظاهرة وباطنة، فالباطنة ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء، والشيطان، والظاهرة الفِرار بالدّين من الفتن، كأن المهاجرين خُوطبوا بذلك لئلا يَتَّكِلوا على مجرد الانتقال من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيَه، أو قيل: هذا بعد انقطاع الهجرة لَمّا فُتِحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يُهاجر، فقيل له: حقيقة الهجرة تحصُلُ لمن هَجَر ما نهى الله عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام، وزاد ابن حِبّان والحاكم في "المستدرك" هنا: "والمُؤمنُ من أمِنَهُ النّاس" وكأنه اختصر هنا لتضمنه معناه.
رجاله ستة:
الأول: آدم بن أبي إياس واسمه عبد الرحمن بن محمَّد، وقيل: اسمه ناهِية بن شُعَيب الخُرَاسَاني أبو الحسن العَسْقَلاني، نشأ ببَغداد، وارتحل في الحديث فاستوطن عَسْقلان إلى أن مات.
стр. 451
قال أبو داوود: ثقة. وقال أحمد: كان مكينًا عند شُعبة. وقال أحمد: كان من الستة أو السبعة الذين يضبطون الحديث عند شُعبة. وقال ابن مَعين: ثقة، ربما حدث عن قَوْم ضُعفاء. وقال أبو حاتم: ثقة مأمون متعبد من خيار عباد الله تعالى. وقال النَّسائي: لا بأس به. وقال ابن سَعْد: سمع من شُعبة سماعًا كثيرًا. وقال العِجْلِيّ: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وفي كتاب ابن أبي حاتم عن أبيه، عن آدم، قال: كنت أكتب عند شُعبة، وكنت سريع الخَطِّ، وكان الناس يأخذون من عندي.
روى عن ابن أبي ذئب، وشعبة، وشَيْبان النَّحْوي، وحَمّاد بن سلمة، واللَّيْث، ووَرْقاء، وجماعة.
وروى عنه: البُخاريّ، والدّارِميّ، وابنه عُبيد بن آدم، وأبو حَاتِم، وأبو زُرعة الدِّمَشْقي، وإسحاق بن إسماعيل نزيل أصبهان، وهو آخر من روى عنه.
مات في خلافة أبي إسحاق سنة عشرين ومئتين، وقيل سنة إحدى وعشرين، بلغ عمره نيفًا وتسعين سنة.
وليس في الرواة آدَم بن أبي إياس سواه، وآدم غيره في الستة اثنان: آدم بن سُليمان القُرشيّ روى عنه مسلم، والترمذي، والنَّسائي. والثاني آدم بن علي العِجْلِيّ، ويقال: الشَّيْبَاني. روى عنه البُخاري، والنَّسائي.
والخُراساني في نسبه نسبةً إلى خُراسان -بضم الخاء- بلدة مشهورة بالعجم، والنسبة إليه خُرَاسانِيّ، وخُراسِنيّ بحذف الألف الثانية مع كسر السين، وخُرْسِنيّ بحذف الألفين، وخُرْسِيّ بحذف الألفين والنون، وخُرَاسي بحذف الألف الثانية والنون، والأول من النِّسَب الخمس أجود.
والعَسْقلاني في نسبه أيضًا نسبة إلى عَسْقَلان، وهي بلدة بساحل بحر الشام، له سوق يَحُجُّهُ النّصارى في كل سنة، وانشد ثعلب:
كأنَّ الوُحُوشَ به عَسْقَلا ... نُ صَادَفَ في قرْنِ حَجٍّ دِيَافَا
стр. 452
شبه ذلك المكان لكثرة الوحوش بسوق غسْقلان، وقال الأزْهَريّ: عسقلانُ من أجناد الشام، وقال الجوهرِيُّ: وهي عروس الشام، وقال ابن الأثير: هي من فلسطين، وبها كان دار إبراهيم ﵇، وقد خَرَجَ منها خلق كثير من أهل العلم، وفي القرن الخامس استولى عليها الإِفرنج -لعنهم الله تعالى- ثم فتحها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى. وأَخْرَبَ قلعتها خوفًا من سَطْوة الكفرة، فاستولى عليها الخراب إلى زماننا هذا، وأما الآن فلم يَبْقَ بها إلا الرسوم، فسبحان الحي القيوم، وعسقلان أيضًا بلدة بِبَلخ أو مَحلّة، والأخير أرجح، منها أبو يحيى عيسى ابن أحمد بن عيسى بن وردان العَسْقَلاني البَلْخي ثقة عن عبد الله بن وَهْب، وبَقِيّة بن الوليد، وعنه النَّسائي أيضًا وأبو حاتم.
الثاني: شعبة بن الحَجّاج بن الوَرْد العَتَكيّ الأزْدِيّ مولاهم أبو بِسطام الواسِطِيّ ثم البَصْريّ.
قال أبو طالب عن أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأعلم بحديث الحكم، ولولا شُعبة ذهب حديث الحكم، وشعبة أحسن حديثا من الثَّورِي لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثًا منه، قُسِم له من هذا حظ، وروى: عن ثلاثين رجلًا من أهل الكوفة، لم يَرْو عنهم سُفيان، وقال محمَّد بن العباس النَّسائي: سألت أبا عبد الله: من أثبت شعبة أو سفيان؟ فقال: كان سفيان رجلًا حافظًا، وكان رجلًا صالحًا، وكان شعبة أثبت منه، وأتْقى وجلا، وسمع من الحكم قبل سفيان بعشر سنين. وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن، يعني في الرجال، وبصره بالحديث، وتثبته، وتنقيته للرجال، وقال مَعْمر: كان قتادة يسأل شعبة عن حديثه، وقال حمّاد بن زَيْد: قال لنا أيوب: الآن يطْلُعُ عليكم رجل من أهل واسِطٍ هو فارس في الحديث، فخُذُوا عنه. وقال أبو الوليد الطَّيَالِسيُّ: قال لي حماد بن سَلَمة: إذا أردت الحديث فالزَم شعبة، وقال حمّاد بن زَيْد: ما أُبالي من خَالَفني إذا وَافقني شُعبة، فإذا خالفني شُعبة في شيء تركته.
стр. 453
وقال ابن مَهدي: كان الثَّوري يقول: شعبة أمير المؤمنين، وقال: مات الحديث بموت شعبة، وقال لِسَلْم بن قُتيبة: ما فعل أستاذنا شعبة؟ وقال أبو حَنيفة: نعم حشو المصر هو. وقال الشّافِعِيّ: لولا شُعبة ما عُرف الحديث بالعراق. وقال أبو زَيْد الهَرَويّ: قال شُعبة: لَأن انْقطع أحب إليّ من أن أقول لما لم أسمع: سمعت. وقال يَزيد بن زُرَيْع: كان شعبة من أصدق الناس في الحديث. وقال أبُو بَحْر البَكْرَاويّ؟ ما رأيت أعبد لله من شُعبة، لقد عبد الله حتى جفَّ جلده على ظهره. وقال مسلم بن إبراهيم: ما دخلت على شُعبة في وقت صلاة قَطُّ إلا وجدته قائمًا يصلّي. وقال النَّضْر ابن شُمَيل ما رأيت أرحم بمسكين منه. وقال ابن مَعِين: إمام المتقين. وقال الحَكَم: شعبة إمام الأئمة في معرفة الحديث بالبَصْرة. وقال ابن سَعْد: كان ثقة، مأمونًا، حُجّة، ثبتًا، صاحب حديث. وقال العِجلِيّ: ثقة، ثَبْت في الحديث، وكان يُخطىء في أسماء الرجال قليلًا.
وقال صالح جَزَرة: أول من تكلم في الرجال شُعبة، ثم تبعه القَطّان، ثم أحمد ويحيى. وقال ابن حِبّان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه حفظًا وإتقانًا وورعًا وفضلًا، وهو أول من فَتَّش بالعراق عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علمًا يقتدى به، وتبعه عليه بَعْده أهل العراق، وقال قراد أبو نوح: رَأى عليَّ شُعبة قميصًا، فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت: بثمانية دراهم. فقال لي. ويْحَك، أما تَتَّقي الله، تَلْبَسُ قميصًا بثمانية، ألا اشتريت قميصًا بأربعة وتصدقت بأربعة؟ قلت: إنّا مع قوم نَتَجَمّل لهم. قال: أيْشٍ تَتَجمّل لهم؟ وقال وكيع: أني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات لِذَبِّه عن رسول الله ﷺ . وقال يَحيى القَطّان: ما رأيت أحدًا قَطُّ أحسن حديثًا من شعبة. وقال إدريس: ما جَعَلتَ بينك وبين الرجال مثلَ شعبة وسفيان. وقال ابن المَدِينيّ: سألت يحيى بن سعيد. أيُّهما كان أحفظ للأحاديث الطوال شعبة أو سفيان؟ فقال: كان شُعبة أمّرَّ فيها، قال: وسمعت يحيى يقول: كان شعبة أعلم بالرجال فلان عن فلان، وكان سفيان صاحب أبواب. وقال أبو داوود: لما مات شُعبة،
стр. 454
قال سُفيان: مات الحديث، قيل لأبي داوود: هو أحسن حديثًا من سفيان. قال: ليس في الدنيا أحسن حديثًا من شُعبة ومالك على قلته، والزُّهري أحسن الناس حديثًا، وشعبة يخطىء فيما لا يَضُرُّه ولا يُعاب عليه في الأسماء. وقال الدَّارَقُطنِيّ: كان شعبة يُخطىء في أسماء الرجال كثيرًا لتشاغله بحفظ المتون. وقال ابن إدريس: شعبة قَبَّان المحدثين، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما لَزِمْتُ غيره، والقَبّان كَشَدّاد: القِسْطاس والأمين. وقال أبو قَطَن: ما رأيت شعبة ركع إلا ظننت أنه قد نسي. وقال ابن أبي خَيْثَمة: قال شُعبة: ما رويت عن رجلٍ حديثًا إلا أتيته أكثر من مرة، والذي رويت عنه عشرة أتيته أكثر من عشر مرات. وقيل لابن عَوْف: مالَكَ لا تُحدِّث عن فلان؟ قال: لأني رأيت أبا بِسطام تركه. وقال الأصمعِيُّ: لم نر أحدًا أعلم بالشعر منه. وقال بَدَل بن المحبر: سمعت شعبة يقول تعلموا العربية فإنها تزيد في العقل. وقال صالح بن سليمان: كان لشعبة أخوان يعالجان الصرف، وكان يقول لأصحاب الحديث وَيلَكُم الزموا السوق، فإنما أنا عِيال على إخوتي. وقال ابن مَعين: كان شعبة صاحب نحو وشعر، ورأى اليزيدي شعبة بن الحَجّاج، ومِسْعَر بن كِدام في النوم بعد موتهما، فقال لشعبة: ما فعل الله بك، فقال يابني احفظ ما أقول:
حَبَاني إلهي في الجِنَانِ بقُبَّةٍ ... لَهَا ألْفُ بَابٍ مِن لُجَينٍ وجوْهَرَا
وقال لِي الجَبّار يا شُعبَةُ الّذي ... تَبَحَّرَ في جَمْعِ العُلُوم وأكثَرا
تَمَتَّعْ بِقُرْبي إنَّني عَنْكَ ذُو رضًا ... وعَنْ عبديَ القوَّام بالَّليْلِ مِسْعَرا
كَفَى مِسْعَرًا عِزًّا بأنْ سَيزُورُني ... وأكشف عن وجهي ويدنو لينظُرا
وهذا جزائي بالذين تنسَّكوا ... ولَمْ يأْلَفوا في سَائِرِ الدَّهْرِ مُنْكَرًا
رأى شعبة أنس بن مالك، وعمرو بن سلمة الصحابيين، وسمع من أربع مئة من التابعين.
روى عن: أبَان بن تَغْلب، وإبراهيم بن محمَّد بن المُنتشر، وإسماعيل بن رجاء، وإسماعيل بن سَمِيع، وإسماعيل بن عبد الرحمن
стр. 455
السُّدِّي، وإسماعيل بن علية وهو أصغر منه، والأسود بن قيس، وأشعث ابن سِوار، وأشعث بن عبد الله بن جابر، وأيوب بن أبي تميمة، وخلق لا يُحصى.
وروى عنه: أيوب، والأعمش، وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن إسحاق، وهم من شيوخه، وجَرير بن حازم، والثَّوري، والحسن بن صالح، وغيرهم من أقرانه، ويَحيى القَطّان، وابن مَهْدي، ووكيع، وابن إدريس، وابن المُبارك، ويزيد بن زُرَيع، وأبو داود، وأبو الوليد الطَّيَالسيّان، وابن علية، والنَّضْر بن شُمَيل، وآدم بن أبي إياس، وخلق لا يحصى.
مات بالبصرة سنة ستين ومئة وله سبع وسبعون سنة.
والواسِطيُّ في نسبه تقدم في أبي عَوانة.
والعَتَكِيُّ والأسَدِيُّ تقدما في عَبْدان.
وأما البَصْريّ فهو نسبة إلى البَصْرة بفتح الباء في اللغة الفصحى، ويُكسر ويُضم ويُحرك، وبكسر الصّاد وليس في النسب إلا الفتح أو الكسر، والفتح أفصح كما مر بلدة معروفة بناها عُتْبة بن غَزْوان في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع عشرة من الهجرة، وسكنها الناس سنة ثماني عشرة، ولم يُعْبد الصنم قط على ظهر أرضها، وكانت تسمى قُبة الإِسلام وخِزانة العرب، وكانت تسمى في القديم تَدْمُر، والمُؤْتَفِكة لأنها ائْتَفَكَت، أي: انقلبت بأهلها في أول الدهر، قيل: سميت بالبَصرِ مثلثًا، وهو الكذَّان ككَتّان كان بها عند اختطاطها، والكَذَّان حجارة رخوة كالمَدَر، ورُبما كانت نَخِرة، قال الكُمَيت يصف الرياح:
تَرَامى بكَذَّانِ الإِكَامِ ومَرْوِها ... تَرَاميَ وُلْدانِ الأصَارِمِ بِالخَشْلِ
وقيلَ: إنها مُعرب بس راه، أي: كثير الطرق، فمعنى بس كثير، ومعنى راه طريق. والبصرة بلدة بالمغرب الأقصى قُرب السُّوس، سميت
стр. 456
بِمَنْ نَزَلَها واختَطَّها من أهل البصرة عند فتوح تلك البلاد، وقد خربت بعد الأربع مئة من الهجرة ولا تكاد تُعرف.
وليس في الكتب الستة من اسمه شُعبة بن الحَجّاج سواه. وفي "النّسائي" شعبة بن دينار الكُوفي صدوق، روى عن عكرمة، وروى عنه السفيانان. وفي "أبي داوود" شعبة بن دينار الهاشِمِيّ روى عن مولاه ابن العَبّاس، ليس بالقوي وفي الضعفاء شعبة بن عمرو يروي عن أنس، قال البخاري: أحاديثه مناكير، وفي الصحابة شُعبة العَنْبَريّ.
الثالث: عبد الله بن أبي السَّفَر بتحريك الفاء، واسم أبي السَّفَر سعيد ابن يَحْمد، ويقال: أحمد الهَمْداني الثَّوْرِيّ الكوفي.
روى عن: أبيه، وأبي بُردة بن أبي موسى، وعامر الشَّعْبِيّ، ومصعب ابن شَيْبة.
وروى عنه: شُعبة، وعمر بن أبي زَائِدة، ويونُس بن أبي إسحاق، وعيسى بن يونُس، والثَّوْريّ، وشرَيْك، وغيرهم.
قال أحمد وابن مَعين والنَّسائي: ثقة. وذكره ابن حِبّان في "الثقات" وقال ابن سَعْد: كان ثقة، وليس بكثير الحديث. وقال العِجْلِيّ: كوفي ثقة، مات في خلافة مروان بن محمَّد.
والسَّفْر كله بإسكان الفاء في الاسم، وتحريكه في الكنية، ومنهم من سكن الفاء في عبد الله المذكور.
والهَمْداني في نسبه تقدم في موسى بن أبي عائشة.
والثَّوْرِيّ نسبة إلى ثور أبي قبيلة من مُضر، وهو ثَوْر بن عبد مناة بن أُدّ بن طابِخة بن إلياس بن مُضر، منهم الإِمام سُفيان الثَّوريّ.
والكوفي في نسبه نسبةً إلى الكوفة، وهي مدينة العراق الكُبرى، وقُبّة الإِسلام، ودار هِجرة المسلمين، قيل: قدرها ستة عشر ميلًا وثُلْثَا ميل،
стр. 457
وفيها خمسون ألف دار للعرب من رَبيعة ومُضَر، وأربعة وعشرون ألف دار لسائر العرب، وستة وثلاثون ألف دار لليمن، قيل: مَصَّرَها سعد بن أبي وَقَّاص، وكانت قبل ذلك منزل نُوح ﵇، وبنى مسجدها الأعْظم، واختلف في سبب تسميتها، قيل: سميت بذلك لاستدارتها، وقيل: بسبب اجتماع الناس فيها، وقيل: لكونها كانت رملة حمراء أو لاختلاط ترابها بالحصى، ويقال لها: كُوفان -بالضم ويفتح- ويقال لها أيضًا: كوفة الجند لأنها اختطت فيها خطط العرب أيام عُثمان أو أيام عمر، خططها السَّائب بن الأقرع الثَّقَفِيّ، قال الشاعر:
ذَهَبَتْ بِنَا كُوفَانُ مَذْهَبَها ... وعَدِمْتُ عَنْ طُرَفائِها خَيْري
وقال الأخر:
إنَّ الّتي ضَرَبتْ بَيْتًا مُهاجِرةً ... بِكُوفَةِ الجُنْدِ غَالَتْ وُدَّها غولُ
وقيل: سميت بكُوفان، وهو جبيل صغير فسهلوه، واختطوا عليه، أو مشتقة من الكيف وهو القطع لأن أبرويز أقطعه لبَهْرام، أو لأنها قطعة من البلاد، والأصل كُيْفَة فلما سكنت الياء وانضم ما قبلها جعلت واوًا، أو من قولهم: هم في كوفان بالضم ويفتح، وكَوَّفان محركة مشددة الواو في عِزٍّ ومَنَعَة، أو لأن جبل ساتِيذما محيطٌ بها كالكاف، أو لأن سعدًا لما ارتاد هذه المنزلة للمسلمين قال لهم: تَكَوَّفُوا في هذا المكان، أي: اجتمعوا، أو لأنه قال: كَوِّفوا هذه الرملة أي: نَحُّوها، وانزلوا، ولما بَنَى عبيد الله بن زياد مسجد الكوفة صعد المنبر، وقال: يا أهل الكوفة، إني قد بنيت لكم مسجدًا لم يبق على وجه الأرض مثله، وقد أنفقت على كل أسطوانة منه سبع عشرة مئة، ولا يهدِمه إلا باغٍ أو حاسد، والمسافة بينها وبين المدينة نحو عشرين مرحلة، ولا تخلو الحسناء من ذَامٍّ، وقد قال فيها النَّجَاشِي يهجو أهلها:
إذَا سَقى الله قَوْمًا صَوْبَ غاديَةٍ ... فَلَا سَقَى الله أهْلَ الكُوفَةِ المَطَرَا
التَّارِكِين على طُهْرٍ نِسَاءَهُمُ ... والنَّاكِحِينَ بِجَنْبَي دِجلةَ البَقَرا
стр. 458
والسَّارِقِين إذا ما جُنَّ لَيْلُهُمُ ... والدَّارسينَ إذَا ما أصْبَحُوا السُّوَرا
الرابع: إسماعيل بن أبي خالد الأحمس مولاهم.
قال الثَّوريّ: حفاظ الناس ثلاثة إسماعيل وعبد الملك بن أبي سُفيان ويحيى بن سعيد الأنصاري يعني إسماعيل أعلم الناس في الشَّعْبي وأثبتهم فيه. وقال مروان بن مُعاوية: كان إسماعيل يسمى الميدان. وقال علي: قلت ليحيى بن سعيد: ما حملت عن إسماعيل عن الشَّعْبي صحاح؟ قال: نعم. وقال البُخاري، عن علي: له نحو ثلاث مئة حديث. وقال أحمد: أصح الناس حديثًا عن الشَّعْبي ابن أبي خالد. وقال ابن مَهْدي، وابن مَعين، والنَّسائي: ثقة. وقال ابن عمَّار المَوْصِلي: حجة. وقال العِجْلِيّ: كوفي ثقة تابعي، وكان طَحّانًا. وقال يعقوب بن أبي شَيْبة: كان ثقة ثَبْتًا.
وقال أبو حاتم: لا أُقَدِّمُ عليه أحدًا من أصحاب الشَّعبي، وهو ثقة. وقال ابن حِبّان في "الثقات" كان شيخًا صالحًا. وقال ابن عُيينة: كان أقدم طلبًا وأحفظ للحديث من الأعمش. وقال العِجْلِيّ: كان ثَبْتًا في الحديث، وربما أرسل الشيء عن الشَّعْبي، وإذا وقف أخبر، وكان صاحب سنة، وكان حديثه نحو خمس مئة حديث، وكان لا يروي إلا عن الثقة. وحكى ابن أبي خَيْثَمة عن يحيى بن سعيد أنه قال: مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء. وقال يعقوب بن سُفيان: كان أمِّيًّا حافظًا ثقةً. وقال هُشَيم: كان إسماعيل فحش اللحن، كان يقول: حدثني فلان عن أبوه. قال أبو نُعيم: أدرك إسماعيل اثني عشر نفسًا من الصحابة، منهم من سمع منه، ومنهم من رآه رؤية.
روى عن: أبيه، وأبي جُحَيْفَة، وعبد الله بن أبي أوْفى، وعمرو بن حُرَيث، وأبي كاهِل من الصحابة، وعن زَيْد بن وَهْب، ومحمد بن سَعْد، وأبي بكر بن عِمارة بن رُوَيْبة، وقيس بن أبي حازم، والشَّعبي وغيرهم من كبار التابعين.
وروى عنه: شُعبة والسُّفيانان، ويحيى القطان، ويزيد بن هارون، وعُبيد الله بن موسى، وهو آخر ثقة حدث عنه.
стр. 459
مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة.
وليس في الستة إسماعيل بن أبي خالد سواه، وأما إسماعيل فهو كثير.
والأحْمَس في نسبه نسبة إلى أحْمَس بطن من بَجيلة وهو الغَوْث بن أنْمار.
الخامس: عامر بن شَراحيل بن عبد، وقيل: عامر بن عبد الله بن شَراحيل الشَّعْبي الحِمْيَري -بفتح الشين- أبو عمرو الكُوفي من شِعْب هَمْدان، وشراحيل -بفتح الشين والراء الممدودة ثم حاء مكسورة ممدودة أيضًا- قال منصور الفداني عن الشعبي: أدركت خمس مئة من الصحابة.
وقال أشعث بن سوار: لقى الحسن الشعبي، فقال: كان والله كثير العلم، عظيم الحلم، قديم السلم، من الإِسلام بمكان. وقال عبد الملك بن عُمَير: مرَّ ابن عُمر على الشَّعْبيّ وهو يحدث بالمَغَازي، فقال: لقد شَهِدتُ القومَ، لهو أحفظ لها وأعلم مني. وقال الزُّهري: العلماء أربعة: ابن المُسَيِّب بالمدينة، والشَّعْبيّ بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، ومَكْحول بالشام. وقال مَكْحُول: ما رأيت أفقه منه. وقال أبو مجلز: ما رأيت فيهم أفقه منه. وقال ابن عُيينة: كانت الناس تقول بعد الصحابة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. وقال ابن شُبْرُمَة: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، ولا حدثني رجل بحديث فأحببت أن يُعيدَه عليَّ. وقال ابن مَعين: إذا حدث عن رجل فسماه فهو ثقة، يُحتج بحديثه. وقال ابن مَعين وأبو زُرعة: الشَّعبي ثقة. وقال ابن حِبّان في ثقات التابعين: كان فقيهًا شاعرًا على دُعابة فيه. وقال أبو جعفَر الطَّبَرِيّ: كان ذا أدب وفقه، وكان يقول: ما حللت صَبْوتي إلى شيء مما ينظر الناس إليه، ولا ضربت مملوكًا لي قَطّ، وما مات ذو قرابة لي وعليه دين إلا قضيته عنه. وقال أبو حْصَين: ما رأيت أعلم من الشَّعبي، فقال له أبو بكر
стр. 460
عَيّاش: ولا شُرَيح؟ قال له: تريدني أكذب؟ ما رأيت أعلم من الشَّعبي.
وقال أبو إسحاق الحبّال كان واحد زمانه في فنون العلم. قال ابن أبي حاتم: سُئِل أبي عن الفرائِض التي رواها الشَّعْبي عن علي، فقال: هذا عندي ما قاسه الشعبي على قول علي، ولا أرى علِيًّا يتفرغ لهذا. وقال ابن مَعين: قضى الشَّعبي لعُمر بن عبد العزيز.
وحكى الشعبي قال: أنْفَذَني عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته فيه، وكانت الرسل لا تطيل الإِقامة عنده، فحبسني أيامًا كثيرة حتى استحْثَثْتُ خُروجي، فلما أردت الانصراف، قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟ فقلت: لا ولكني رجل من العرب في الجملة، فَهَمَسَ بشيء، فدفع إليّ ورقة، وقال: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك، فأوصل إليه هذه الرُّقْعة، قال: فأدَّيتُ الرسائَل عند وصولي إلى عبد الملك ونسيت الرقعة، فلما صِرْت في بعض الدار أريد الخروج، تذكرتها، فرجعت فأوصلتها إليه، فلما قرَأهَا، قال لي: أقال لك شيئًا قبل أن يدفعَها إليك؟ قلت: نعم، قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟ قلت: لا ولكني رجلٌ من العرب في الجملة، ثم خرجتُ من عنده، فلما بلغتُ الباب رُدِدْت، فلما مَثُلْتُ بين يديه، قال لي: أتدري ما في الرقعة؟ قلت: لا. قال: اقرأها، فقرأتها، فإذا فيها: عَجِبْتُ من قومٍ فيهم مثلُ هذا كيف يُوَلّون غيره؟ فقلت: والله لو علمت ما فيها ما حملتُها، وإنما قال هذا لأنه لم يَرَك. قال: أتدري لم كتبها؟ قلت: لا. قال: حَسَدَني عليك، وأراد أن يُغْرِيَني بقتلك، قال: فَتَأدّى ذلك إلى ملك الروم، فقال: والله ما أردت إلا ما قال.
وكلم الشَّعْبي عَمرو بن هُبَيرة الفَزَاريّ أمير العراق في قوم حَبَسَهم ليُطلقهم، فأبى، فقال له: أيها الأمير، إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم، وإن حَبَسْتهم بالحق فالعفوُ يَسَعُهم، فأطلقهم، وكان كثيرًا ما يَتَمَثَّلُ بقول سُكَيْن الدّارِميّ:
следующие страницы →