← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَعَادَتْ فَقَالَ: مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ. فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ . قوله: رقيق، أي رقيق القلب، وقوله: لم يستطع، أي من البكاء. وقوله: فأتاه الرسول، بلال. وقوله: في حياة رسول الله ﷺ ، أي إلى أن مات، كما صرح به موسى بن عُقْبَة في المغازي. وهذا الحديث وما بعده إلى باب، "من دخل ليؤم الناس استوفي الكلام عليها في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، والظاهر أن حديث أبي موسى هذا من مراسيل الصحابة، ويحتمل أن يكون تَلَقّاه عن عائشة أو بلال. رجاله ستة: وفيه ذكر أبي بكر وعائشة رضي الله تعالى عنهما. الأول: إسحاق بن نصر، وقد مرَّ في التعليق الذي بعد الحادي والعشرين من العلم، ومرَّ زائدة بن قدامة في الثاني والعشرين من الغُسل، ومرَّ أبو بُرْدَةَ وأبوه أبو موسى في الرابع من الإيمان. والباقي مما لم يعرف اثنان:

стр. 3957

الأول: حُسين بن عليّ بن الوليد الجُعْفِيّ مولاهم، أبو عبد الله، وقيل أبو محمد الكوفيّ المُقْري، قال أحمد: ما رأيت أفضل من حسين وسعيد بن عامر، وقال الهَرَويّ: ما رأيت أتقن منه، وقال قُتَيْبَة: قيل لسُفْيان بن عُيَينة: قدم حُسَين الجُعْفي، فوثب قائمًا، فقيل له: فقال: قدم أفضل رجل يكون قط، وقال موسى بن داود: كنت عند ابن عُيَينة فجاء حُسَين الجُعْفيّ، فقام سفيان وقبّل يده. وقال ابن عُيَينة: عجبت لمن مرَّ بالكوفة فلم يقبّل بين عَيْنَيْ حُسين الجُعْفي، وقال يحيى بن يحيى النَّيْسابُوريّ: إن بقي أحد من الأبدال فحُسين الجُعْفيّ. وقال أبو مسعود الرّازي: أفضل من رأيت الجَفْريّ وحُسَين الجَعْفِيّ. وقال الحَجّاج بن حَمْزة: ما رأيت حُسينًا الجُعْفيَّ ضاحكًا ولا مُبْتَسمًا، ولا سمعت منه كلمة ركن فيها إلى الدنيا. وقال الكِسَائيّ: قال لي هارون الرشيد: من أقرأ الناسُ قلت: حسين بن عَليّ الجُعْفيّ. وقال حُميد الربيع الخّزْار: كان لا يحدث، فرأى منامًا، فشرع يحدث حتى كتبنا عنه أكثر من عشرة آلاف، وقال العِجليّ: ثقة، وكان يقرىء الناس رأسًا فيه، وكان صالحًا، لم أر رجلًا قط أفضل منه، وكان صحيح الكتاب، يقال إنه لم يطأ أنثى قط، وكان جميلًا، وكان زائدة يختلف إليه إلى منزله يحدثه، فكان أروى الناس عنه، وكان الثَّوريّ إذا رآه عانقه، وقال: هذا راهب جُعْفِيّ. وقال عثمان بن أبي شَيْبَةَ بَخٍ بَخٍ ثقة صدوق، روى عن خاله الحَسَنُ بن الحُرّ، والأعْمَش وزائدة وحَمْزَة الزَّيَّات وفُضَيل بن عِياض وغيرهم. وروى عنه ابن مَعين وأحمد وإسحاق وكُريب وأبو بكر بن أبي شَيْبَةَ وعباس الدُّورِيّ وأبو مسعود الرّازيّ وغيرهم. ولد سنة مئة وتسعة عشر، ومات سنة ثلاثة أو أربعة ومئتين والمُقْرِي في نسبه نسبة إلى الإقراء، لأنه كان رأسًا في القراءة والثاني: عبد الملك بن عُمير بن سُويد بن حارثة القرَشَيّ، أو الفَرَسيّ بالتحريك، كما يأتي، أبو عمرو، ويقال أبو عمر الكوفي المعروف بالقُبْطيّ، قال في المقدمة: مشهور من كبار المحدثين، لقي جماعة من الصحابة وعُمّرِ. وثّقه العِجليّ وابن مَعين والنَّسائيّ وابن نُمير. وقال ابن مهدي: كان الثَّوْرِيّ

стр. 3958

يَعْجَبُ من حفظ عبد الملك، وقال أبو حاتم: ليس بحافظ، تغير حفظه قبل موته، وإنما عني ابن مَهْدِي عبد الملك بن أبي سليمان، وقال أحمد: مضطرب الحديث، تختلف عليه الحُفّاظ. وقال ابن البَرْقيّ عن ابن مَعين: ثقة إلا أنه أخطأ في حديث أو حديثين، احتج به الجماعة، وأخرج له الشيخان من رواية القدماء عنه في الاحتجاج، ومن رواية بعض المتأخرين عنه في المتابعات، وإنما عيب عليه أنه تَغَيَّر حفظه لكبر سنه، لأنه عاش مئة وثلاث سنين، ولم يذكره ابن عَدِيّ في "الكامل" ولا ابن حِبّان. رأى عليًا وأبا موسى، وروى عن الأشْعَث بن قَيْس وجابر بن سَمُرة والمُغِيرة بن شُعْبَة وغيرهم. وروى عنه ابنه موسى والأعمش وشَهْر بن حَوْشَب ومِسْعَر والثَّوريّ وشُعْبَة وجَرير بن أبي حازم وخلق، ولد لثلاث بقين من خلافة عثمان، ومات سنة ست وثلاثين ومئة وله حينئذ مئة وثلاث سنين. واختلف في ضبط القُرشي في نسبه، فقيل بالقاف والمعجمة نسبة إلى قُرَيش، ويدل عليه قول ابن سعد إنه حليف بني عَدِي بن كَعْب، وضبطه غير واحد بالفاء والمهملة نسبة إلى فرسه، ويدل عليه قول ابن عُيينة قال رجل لعبد الملك بن عبد الملك بن عمير القُبطيّ فقال: أما عبد الملك فأنا وأما القُبْطِيّ ففرس لنا سابق كان يقال له القُبْطِيّ، والصواب أنه يجوز في نسبته الأمران. ومرَّ أبو بكر في الوضوء في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، بعد الحادي والسبعين منه، ومرت عائشة في الثاني من بدء الوحي. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الإفراد والجمع والعنعنة والقول، ونسبة الراوي إلى جده، وهو شيخ البخاريّ، ورواية تابعيّ عن تابعيّ عن الصحابيّ، ورواته كلهم كوفيون ما عدا شيخ البخاريّ. أخرجه البخاريّ أيضًا في أحاديث الأنبياء عن الربيع ومسلم في الصلاة.

стр. 3959

الحديث الثاني والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضى الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. قوله: عن عائشة، كذا رواه جماعة عن مالك موصولًا، وهو في أكثر نسخ الموطأ مرسلًا، ليس فيه عائشة. وقوله: مَهْ كلمة زجر بنيت على السكون، أي اكففْ، فإن وصلت نونت، وقد مرَّ الكلام عليه في المحل المذكور آنفًا. رجاله خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف إلى آخر السند، مرَّ بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي، وفيه ذكر أبي بَكْر وحَفْصَة رضي الله تعالى عنهما، وأبو بكر مرَّ الآن في الذي قبله ذكر محله، وحفصة أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب، قد مرت في الثالث والستين من الوضوء.

стр. 3960

الحديث الثالث والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ وَكَانَ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَخَدَمَهُ وَصَحِبَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُصَلِّي لَهُمْ فِي وَجَعِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِى تُوُفِّيَ فِيهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الاِثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلاَةِ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ سِتْرَ الْحُجْرَةِ يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَهْوَ قَائِمٌ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَهَمَمْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَارِجٌ إِلَى الصَّلاَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَتِمُّوا صَلاَتَكُمْ، وَأَرْخَى السِّتْرَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ. قوله: تبع النبي ﷺ ، لم يذكر المتبوع فيه ليشعر بالعموم، أي تبعه في العقائد والأقوال والأفعال والأخْلَاق. وقوله: وخدمه، إنما ذكر خدمته لبيان زيادة شرفه، وهو كان خادمًا له ﵊ عشر سنين، ليلًا ونهارًا وذكر صحبته معه ﷺ لأن الصحبة معه ﵊ أفضل أحوال المؤمنين، وأعلى مقاماتهم. وقوله: يوم الاثنين، بالنصب، أي كان الزمان يوم الاثنين، ويجوز أن تكون كان تامة، ويكون يوم الاثنين مرفوعًا. وقوله: وهم صفوف، جملة اسمية وقعت حالًا. وقوله: ينظر، كذلك، وروى "فنظر" وقوله: كأن وجهه ورقة مُصْحَف، الوَرَقة بفتح الراء والمصحف مثلث الميم، ووجه التشبيه عبارة عن الجمال البارع وحسن الوجه وصفاء البشرة. وقوله: يضحك، جملة حالية تقديره فتبسم ضاحكًا، وسبب تبسمه فرحه بما رأى من اجتماعهم على الصلاة، واتفاق كلمتهم وإقامتهم شريعته، ولهذا استنار وجهه، ويروى "فضحك" بالفاء، وقوله: فهممنا، أي قصدنا، وقوله:

стр. 3961

فنكص أبو بكر، أي رجع. وقوله: ليصل الصف، من الوصول لا من الوصل. وقوله: الصف، منصوب بنزع الخافض، أي إلى الصف. وقوله: فتوفي من يومه، ويروى وتوفي بالواو. وقد مرت مباحثه في المحل المذكور آنفًا. رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي بكر، وقد مروا جميعًا، مرَّ أبو اليَمَان وشُعَيْب بن أبي حَمْزة في السابع من بدء الوحي، ومرَّ الزُّهريّ في الثالث منه، ومرَّ أَنَس في السادس من الإيمان، ومرَّ ذكر محل أبي بكر في الذي قبل هذا بحديث.

стр. 3962

الحديث الرابع والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ ﷺ ثَلاَثًا، فَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَقَدَّمُ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجَابِ فَرَفَعَهُ، فَلَمَّا وَضَحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ مَا نَظَرْنَا مَنْظَرًا كَانَ أَعْجَبَ إِلَيْنَا مِنْ وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وَضَحَ لَنَا، فَأَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ، وَأَرْخَى النَّبِيُّ ﷺ الْحِجَابَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ. قوله: ثلاثًا، أي ثلاثة أيام، وقد مرَّ غير مرة أن المميز إذا كان محذوفًا يجوز تذكير العدد وتأنيثه، وكان ابتداؤها من حين خرج النبي ﷺ ، فصلّى بهم قاعدًا كما مرَّ. وقوله: فذهب أبو بكر يتقدم، وفي رواية "فتقدم" وقوله: فقال النبي ﷺ بالحجاب، أي أخذ الحجاب فرفعه، وهذا من إجراء "قال" مجرى "فعل"، وهو كثير. وقوله: فلما وضح، أي ظهر، قال ابن التين: أي ظهر لنا بياضه وحسنه، لأن الوضّاح عند العرب هو الأبيض اللون لحسنه. وقوله: ما رأينا، وفي رواية الكُشْمَيهنيّ: ما نظرنا. وقوله: فأومأ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم، ليس مخالفًا لقوله في أوله "فتقدم أبو بكر" والحاصل أنه تقدم، ثم ظن أن النبيّ ﷺ خرج، فتأخر، فأشار إليه حينئذ أن يرجع إلى مكانه. وفي حديث ابن عباس عند مسلم في نحو هذه القصة أنه ﷺ قال لهم في تلك الحالة: "ألا وإني نُهيت أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا". وقوله: فلم يُقدر عليه، أي على النبي ﷺ ، ويُقدر بضم أوله وفتح الدال، بلفظ المفرد والغائب مبني للمجهول، ويروى فلم "نَقْدِر" بفتح النون وكسر الدال، بلفظ المتكلم. وفي الحديث أن أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، كان خليفته في الصلاة إلى موته ﵊، ولم يعزله عنها كما زعمت

стр. 3963

الشيعة أنه عزل بخروج النبي ﷺ ، وتقدم النبيّ ﷺ ، وفيه أن الإشارة باليد تقوم مقام الأمر في هذا الموضع، وقد مرت مباحثه في المحل المذكور آنفًا. رجاله أربعة: قد مروا جميعًا، وفيه ذكر أبي بكر، مرَّ أبو مَعْمَر بن عبد الله بن عمرو، وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ عبد العزيز بن صُهَيْب في الثامن من الإيمان، ومرَّ أنَس في السادس منه ومرَّ قريبًا ذكر محل أبي بكر، رواته كلهم بصريون، أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة.

стр. 3964

الحديث الخامس والثلاثون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعُهُ قِيلَ لَهُ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ. قَالَ مُرُوهُ فَيُصَلِّي فَعَاوَدَتْهُ. قَالَ مُرُوهُ فَيُصَلِّي، إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ. قوله: عن حَمْزَة بن عبد الله، أي ابن الخَطّاب، وفي كلام ابن بطال ما يوهم أنه حمزة بن عمرو الأسْلَمي، وهو خطأ. وقوله: فعاودَتْه، أي بفتح الدال وسكون المثناة، أي عائشة، وبسكون الدال وفتح النون، أي هي ومن معها من النساء. رجاله ستة: وفيه ذكر أبي بكر، قد مروا كلهم إلا شَيْخ البخاريّ مرَّ ابن وَهْب في الثالث عشر من العلم، ومرَّ يونُس بن يزيد في المتابعات بعد الرابع من بدء الوحي، ومرَّ ابن شِهاب في الثالث منه، ومرَّ حمزة بن عبد الله في الرابع والعشرين من العلم، ومرَّ أبوه عبد الله بن عمر في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ ذكر محل أبي بكر في الذي قبل هذا بثلاثة أحاديث. وأما شيخ البخاريّ يحيى بن سُليمان بن يحيى بن سَعيد بن مُسْلِم بن عبد الله بن مسلم الجُعْفِيّ، أبو سعيد الكُوفيّ المُقْرِىء، سكن مصر، قال أبو حاتم، شيخ، وقال النَّسائيّ: ليس بثقة، وذكره ابن حبَّان في الثقات. وقال: ربما أغرب، وقال الدارَقُطنيّ: ثقة، وقال مَسْلَمة بن قاسم: لا بأس به، وكان عند

стр. 3965

العَقِيليّ ثقة، وله أحاديث مناكير. قال في مقدمة الفتح: لم يكثر البخاريّ من تخريج أحاديثه، وإنما أخرج له أحاديث معروفة من حديث ابن وهب خاصة، روى عن عمه عمرو بن عثمان بن سعيد الجُعْفِيّ وعبد الله بن وهب وعبد الله بن نُمَير ووَكِيع وحَفْص بن غياث وغيرهم، وروى عنه البُخاريّ والتِّرمِذِيّ بواسطة، وأبو زُرْعَة وأبؤحاتم والذُّهْلِيّ وغيرهم، مات بمصر سنة سبع وثلاثين ومئتين وقيل سنة ثمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد، والإخبار بصيغة الإفراد. وفيه العنعنة، وفيه القول، وشيخ البخاريّ من أفراده، ورواته ما بين كوفيّ وأيْليّ وبصريّ ومَدَنيّ، أخرجه النَّسائيّ. ثم قال: تَابَعَهُ الزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى الْكَلْبِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ. يعني موصولًا عنه، مرفوعًا كما يأتي لا موقوفًا، أما متابعة الزّبيديّ فقد وصلها الطَّبرانيّ في مسند الشاميين، من طريق عبد الله بن سالم الحُمصيّ مرفوعًا، وزاد فيه قولها "فمر عمر" وقال فيه: فراجعته عائشة، والزُّهريّ هو محمد بن الوليد أبو الهديل، وقد مرَّ في التاسع عشر من العلم، وأما متابعة ابن أخي الزُّبيديّ: فقد وصلها ابن عديّ من رواية الدراوَرْدِيّ عنه، وهو محمد بن عبد الله بن مُسْلم، وقد مرَّ في المتابعة بعد العشرين من الإيمان. وأما متابعة إسحاق بن يحيى، وصلها أبو بكر بن شاذَان البغداديّ في نسخة إسحاق بن يحيى في رواية يحيى بن صالح عنه، وإسحاق هو ابن يحيى بن علقمة الكلبيّ الحمصيّ المعروف بالعَوصِيّ، يروي عن الزُّهريّ، وعنه يحيى بن صالح الوُحَاظيّ، ذكره محمد بن يحيى الذُّهليّ في الطبقة الثانية من أصحاب الزُّهريّ، وقال: مجهول لم أعلم له راوية غير يحيى بن صالح الوُحَاظيّ، فإنه أخرج اليّ له أجزاء من حديث الزُّهريّ، فوجدتها متقاربة. قال

стр. 3966

ابن عَون، يقال إن إسحاق قتل أباه، وقال الدارَقُطنيّ: أحاديثه صالحة، وذكره ابن حبَّان في الثقات، والعوصي في نسبه، بفتح العين، نسبة إلى عَوص بن عَوْف بن عُذْرَة بن زيد اللّات بن رُفَيْدَة بن ثَوْر بن كلْب بن وَبْرَة، بطن من كلب، يقول الشاعر: متى يفترشْ يومًا غُلَيْم بغارة ... تكونوا كعَوْصٍ أو أذلَّ وأضرعا ثم قال: وقال عُقِيل ومَعْمر، عن الزُّهرِيّ، عن حَمْزة عن النبي ﷺ . قال الكِرْمانيّ: الفرق بين رواية الزّبيديّ وابن أخي الزُّهريّ وإسحاق بن يحيى، وبين رواية عُقِيل ومَعْمر، أن الأُولى متابعة والثانية مقاولة، ومراده بالمقاولة الإتيان فيها بصيغة "قال" وليس في اصطلاح المحدثين صيغة مقاولة، وإنما السر في تركه عطف رواية عُقيل ومَعْمَر على رواية يونُس ومن تابعه، أنهما أرسلا الحديث، وأولئك وصلوه، أي أنهما خالفا يونس ومن تابعه، فأرسلا الحديث. فأما رواية عُقيل فقد وصلها الذُّهليّ في الزُّهْرِيات، وعقيل مرَّ في الثالث من بدء الوحي. وأما رواية معمر فاختلف عليه، فرواه عبد الله بن المبارك عنه مرسلًا، كذلك أخرجه ابن سَعِيد وأبو يَعْلى من طريقه، ورواه عبد الرَّزَّاق عن مَعْمَر موصولًا، لكن قال "عن عائشة" بدل قوله "عن أبيه" كذلك أخرجه مسلم، وكأنّه رجح عنده، لكون عائشة صاحبة القصة، ولقاء حمزة لها ممكن، ورجح الأول عند البُخاريّ لأن المحفوظ في هذا عن الزُّهريّ من حديث عائشة روايته كذلك عن عبيد الله عنها، ومما يؤيده أن رواية عبد الرّزّاق عن معمر متصلًا بالحديث، أن عائشة قالت "وقد عاودته وما حملني على معاودته إلا أني خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر" وهذه الزيادة إنما تحفظ من رواية عُبيد الله عنها، من رواية الزُّهريّ عن حمزة، ومعمر هو ابن راشد، وقد مرَّ في المتابعات بعد الرابع من بدء الوحي، وحمزة مرَّ قريبًا ذكر محله. ثم قال المصنف:

стр. 3967

باب من قام إلى جنب الإِمام لعلة أي لسبب اقتضى ذلك وقد مرَّ ما فيه في باب حدِّ المريض.

стр. 3968

الحديث السادس والثلاثون حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي مَرَضِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ. قَالَ عُرْوَةُ فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ يَؤُمُّ النَّاسَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ اسْتَأْخَرَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِذَاءَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ. قوله: قال عروة فوجد، هو بالإسناد المذكور، ووَهِم من جعله معلقًا، ثم إن ظاهره الإرسال من قوله "فوجد .. " إلى آخره، لكن رواه ابن أبي شَيْبَةَ عن ابن نُمَير بهذا الإسناد متصلًا بما قبله، وأخرجه ابن ماجَه عنه، وقد وصله المصنف عن عروة عنها فيما تقدم، ويحتمل أن يكون عُرْوة أخذه عن عائشة وعن غيرها، فلذلك قطعه عن القدر الأول الذي أخذه عنها وحدها، والأصل في الإِمام أن يكون متقدمًا على المأمومين إلا إن ضاق المكان، أو لم يكن إلا مأموم واحد، وكذا لو كانوا عُراة، وما عدا ذلك يجوز ويجزىء، ولكن تفوت الفضيلة. وقوله: كما أنت، كلمة ما موصولة، وأنت مبتدأ، وخبره محذوف، أي كما أنت عليه، أو فيه. الكاف للتشبيه أي كن مشابهًا لما أنت عليه، أي يكون مالك في المستقبل مشابهًا لحالك في الماضي، ويجوز أن تكون الكاف زائدة، أي التزمْ الحال التي أنت عليها، وهي الإمامة. وقوله: حذاء أبي بكر، أي محاذيًا من جهة الجَنْب لا من جهة القُدام والخلف، ولا منافاة بين قوله في الترجمة "قام إلى جنب الإِمام" وهنا قال: جلس إلى جنبه لأن القيام إلى جنب الإِمام قد يكون

стр. 3969

إنهاؤه بالجلوس في جَنْبه، ولا شك أنه كان قائمًا في الابتداء ثم صار جالسًا، أو قاس القيام على الجلوس في جواز كونه في الجَنْب، أو المراد قيام أبي بكر لا قيام رسول الله ﷺ ، والمعنى قام أبو بكر بجنب رسول الله ﷺ محاذيًا له لا متخلفًا عنه، لغرض مشاهدة أحواله ﵊. وفي الحديث إشعار بصحة صلاة المأموم وإن لم يتقدم الإِمام عليه كما هو مذهب المالكية، وأجيب بأنه قد يكون بينهما المحاذاة مع تقدم العقب على عقب المأموم، أو جاز محاذاة العقبين لاسيما عند الضرورة أو الحاجة، وفيه جواز جلوس المأموم بجنب الإِمام عند الضرورة أو الحاجة. وفي قوله: استأخر، دليل واضح أنه لم يكن عنده مستنكرًا أن يتقدم الرجل عن مقامه الذي قام فيه في صلاته ويتأخر، وذلك عمل في الصلاة من غيرها، فكل ما كان نظير ذلك وفعله فاعل في صلاته لأمر دعاه إليه، فذلك جائز. وفيه أن العمل القليل لا يفسد الصلاة، وقد مرت مباحث هذا الحديث في باب حد المريض. رجاله خمسة: قد مروا جميعًا. وفيه ذكر أبي بكر. الأول: زكرياء بن يحيى، يحتمل أن يكون اللؤلؤيّ، ويحتمل أن يكون أبا السّكين، وقد مرَّ أيضًا في الثالث عشر من الوضوء ومرَّ عبد الله بن نُمَير في الثالث من التيمم، ومرَّ هِشام بن عُرْوَة وأبوه عُرْوَة وعائشة في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق من الوضوء، بعد الحادي والسبعين منه. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع، والإخبار كذلك، والعنعنة والقول. أخرجه مسلم في الصلاة، وابن ماجَه. ثم قال المصنف:

стр. 3970

باب من دخل ليؤم الناس فجاء الإِمام الأول فتأخر الأول أو لم يتأخر جازت صلاته قوله: فجاء الإِمام الأول، أي الراتب. وقوله: فتأخر الأول، أي الداخل في الصلاة، فكل منهما أول باعتبار، والمعرفة إذا أعيدت كانت عين الأولى إلا بقرينة كونها غيرها هنا ظاهرة. ثم قال: فيه عائشةُ عن النبيِّ ﷺ . يشير بالشق الأول، وهو ما إذا تأخر إلى رواية عُرْوَة عنها في الباب الذي قبله، حيث قال "فلما رآه استأخر"، وبالثاني، وهو ما إذا لم يستاخر إلى رواية عبد الله عنها، حيث قال "فأراد أن يتأخر" وقد تقدمت في باب حد المريض، والجواز مستفاد من التقرير، وكلا الأمرين قد وقعا في حديث الباب، وقد مرَّ الآن محل تعريف عائشة.

стр. 3971

الحديث السابع والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتِ الصَّلاَةُ فَجَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ أَتُصَلِّي لِلنَّاسِ فَأُقِيمَ قَالَ نَعَمْ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ فِي الصَّلاَةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ، فَصَفَّقَ النَّاسُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ الْتَفَتَ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِ امْكُثْ مَكَانَكَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى اسْتَوَى فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَثْبُتَ إِذْ أَمَرْتُكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَىْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لِي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرْتُمُ التَّصْفِيقَ مَنْ رَابَهُ شَىْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ. قوله: عن سَهْل بن سَعْد، في رواية النّسائيّ من طريق سُفْيان عن أبي حازم "سمعتُ سَهْلًا" وقوله: ذهب إلى بني عَمْرو بن عَوْف، أي ابن مالك بن الأوْس، والأوس أحد قبيلَتَيْ الأنصار، وهما الأوْس والخَزْرَج، وبنو عمرو بن عَوْف بطن كبير من الأوس، فيه عدة أحْياء كانت منازلهم بقباء، منهم بنو أمَيّة بن زيد بن مالك بن عَوْف بن عمرو بن عَوْف وبنو ضُبَيْعَة بن زَيْد، وبنو ثَعلبة بن عمرو بن عَوْف. والسبب في ذهابه ﷺ إليهم ما في رواية سُفيان المذكورة قال: وقع بين حَيَّيْن من الأنصار كلام، وللمؤلف في الصلح عن أبي حازم أن أهل قباء اقتتلوا

стр. 3972

حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال: اذهبوا بنا فأصلح بينهم. وله فيه من رواية أبي غسان عن أبي حازم "فخرج في أناس من أصحابه" وسمى الطبرانيّ منهم أُبَيّ بن كَعْب وسُهَيل بن بيضاء، وقد مرَّ تعريف أُبَيّ في السادس عشر من كتاب العلم، وجاء تعريف سُهيل بن بيضاء في الثاني والأربعين والمئة من التفسير، وللمؤلف في الأحكام عن أبي حازم أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر، وللطبرانيّ أن الخبر جاء بذلك، وقد أذن بلال لصلاة الظهر. وقوله: فحانت الصلاة، أي صلاة العصر، وصرح به في الأحكام بلفظ "فلما حضرت صلاة العصر أذن وأقام وأمر أبا بكر فتقدم" ولم يسم فاعل ذلك، وأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبَّان، فبيّن أن ذلك كان بأمر النبي ﷺ ، ولفظه "إنْ حضرت الصلاة ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت العصر أذّن بلال ثم أقام، ثم أمر أبا بكر فتقدم" ونحوه للطَّبرانيّ، وعرف بهذا أن المؤذن بلال، وأما قوله: لأبي بكر أتصلي للناس، فلا يخالف ما ذكر، لأنه يحمل على أنه استفهمه هل يبادر أول الوقت أو ينتظر قليلًا، ليأتي النبي ﷺ ؟ ورجح عند أبي بكر المبادرة، لأنها فضيلة متحققة، فلا تترك لفضيلة متوهمة. وقوله: فأقيم، بالنصب، ويجوز الرفع. وقوله: قال نعم، زاد في رواية أبي حازم عند المؤلف، في باب رفع الأيدي "إن شئت" وإنما فوض ذلك له لاحتمال أن يكون عنده زيادة علم من النبي ﷺ في ذلك في قوله: فصلى أبو بكر، أي دخل في الصلاة، ولفظ عبد العزيز المذكور "وتقدم أبو بكر فكبر"، وفي رواية المسعوديّ: "فاستفتح أبو بكر الصلاة" وهي عند الطَّبرانيّ، وبهذا يجاب عن الفرق بين المقامين، حيث امتنع أبو بكر هنا أن يستمر إمامًا، وحيث استمر في مرض موته ﷺ حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح، كما صرح به موسى بن عُتْبَة في المغازي، فكأنه لما أن مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار، ولما أن لم يمض منها إلا اليسير لم يستمر، وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف، حيث صلى النبي ﷺ خلفه الركعة الثانية من الصبح، فإنه

стр. 3973

استمر في صلاته إماما لهذا المعنى، وقصة عبد الرحمن عند مسلم من حديث المغيرة بن شُعْبَة كما مرَّ. وقوله: فتخلص، في رواية عبد العزيز "فجاء النبي ﷺ يمشي في الصفوف يشقها شقًا حتى قام في الصف الأول" ولمسلم "فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المتقدم" وقوله: فصفق الناس، وفي رواية عبد العزيز "فأخذ الناس في التصفيح" قال سهيل: أتدرون ما التصفيح؟ هو التصفيق، وهذا يدل على ترادفهما عنده، وبه صرح الخَطّابيّ وأبو عليّ القالي والجَوْهَريّ، وادعى ابن حَزْم نفي الخلاف في ذلك، وتعقب بما حكاه عياض في الإكمال أنه بالحاء الضرب بظاهر إحدى اليدين على الأخرى، وبالقاف بباطنها على باطن الأخرى. وقيل: بالحاء الضرب بأصبعين للإنذار والتنبيه، وبالقاف بجميعها للهو واللعب، وأغرب الداوُدِيّ فزعم أن الصحابة ضربوا بأكفهم على أفخاذهم. قال عياض: كأنه أخذه من حديث معاوية بن الحكم الذي أخرجه مسلم، ففيها "فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم". وقوله: وكان أبو بكر لا يلتفت، قيل كان ذلك لعلمه بالنهي عن ذلك، وقد صح أنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، كما يأتي للمصنف في باب الالتفات في الصلاة. وقوله: فلما أكثر الناس التصفيق، في رواية حماد بن زيد "فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت" والجمهور على أن النهي عن الالتفات للتنزيه. وقال المُتَوَلّي: يحرم إلا للضرورة، وهو قول أهل الظاهر، وورد في كراهية الالتفات صريحًا على غير شرطه، عدةُ أحاديث منها عند أحمد وابن خزيمة عن أبي ذَرٍّ، رفعه "لا يزال الله مقبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه عنه انصرف" ومن حديث الحارث الأشعريّ نحوه، وزاد "فإذا صليتم فلا تلتفتوا" وأخرج أبو داود والنَّسائيّ الأول. والمراد بالالتفات المذكور ما لم يستدبر القبلة بصدره أو عنقه، وعند المالكية لا تبطل ما دامت رجلاه إلى القبلة، وسبب كراهة الالتفات يحتمل أن يكون لنقص الخشوع أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن. وقيل: كونه يؤثر في

стр. 3974

الخشوع كما وقع في قصة الخَمِيصة. وقوله: فأشار إليه أن امكث في رواية عبد العزيز "فأشار إليه يأمره أن صَلّ" وفي رواية عمر بن عَليّ "فدفع في صدره ليتقدم، فأبى". وقوله: فرفع أبو بكر يديه فحمد الله، ظاهره أنه تلفظ بالحمد، لكن في رواية الحُميْديّ "فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكرًا لله، ورجع القَهْقرى" وادّعى ابن الجَوْزيّ أنه أشار بالشكر والحمد بيده، ولم يتكلم، وليس في رواية الحُمَيْديّ ما يمنع أن يكون تلفظ، ويقوي ذلك ما عند أحمد عن أبي حازم "يا أبا بكر لم رفعت يديك، وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك؟ قال: رفعت يدي لأني حمدت الله على ما رأيت منك" زاد المسعوديّ "فلما تنحى تقدم النبي ﷺ " ونحوه في رواية حمّاد بن زيد. وقوله: أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، في رواية الحمادين والماجشون "أن يؤم النبيّ ﷺ ". وقوله: أكثرتم التصفيق، ظاهره أن الإنكار، إنما حصل عليهم لكثرته لا لمطلقه، وسيأتي قريبًا ما في ذلك. وقوله: من نابه، أي أصابه. وقوله: فليسبح، في رواية يعقوب بن عبد الرحمن "فليقل سبحان الله" كما يأتي في باب الإشارة في الصلاة. وقوله: التفت إليه، بضم المثناة على البناء للمفعول، وفي رواية يعقوب المذكورة "فإنه لا يسمعه أحد حين يسبح إلا التفت إليه". وقوله: وإنما التصفيح للنساء، في رواية عبد العزيز وإنما التصفيق للنساء" زاد الحُمَيْديّ "والتسبيح للرجال" وفي رواية حمّاد بن زيد بصيغة الأمر، ولفظه "إذا نابكم أمر فليسبح الرجال وليصفق النساء" وبالتسبيح للرجال قال مالك والشافعيّ وأحمد وأبو يوسف والجمهور، وقال أبو حنيفة ومحمد متى أتى بالذكر جوابًا بطلت صلاته، وإن قصد به الإعلام بأنه في الصلاة لم تبطل، فحملا التسبيح المذكور على قصد الإعلام بأنه في الصلاة، وحملا قوله "من نابه" على نائب مخصوص، وهو إرادة الإعلام بأنه في الصلاة، والأصل عدم هذا التخصيص؛ لأنه عام لكونه في سياق الشرط، فيتناول كلا منهما، فالحمل على أحدهما من غير دليل لا يصار إليه، لاسيما التي هي سبب الحديث، لم يكن القصد فيها إلا تنبيه

стр. 3975

الصديق على حضوره ﷺ ، فأرشدهم، صلاة الله وسلامه عليه، إلى أنه كان حقهم عند هذا النائب التسبيح. وعند أبي حنيفة لو حمد العاطس في نفسه من غير تحريك اللسان لم تفسد صلاته، ولو حرك فسدت. وإذا فتح على إمامه لم تفسد، وعلى غير إمامه فسدت، وهذا الأخير موافق لمذهب مالك، إلا أن المالكية يقولون من هو معه في الصلاة، سواء كان إمامًا أو مأمومًا على قول، والمشهور اختصاص الفتح بالإمام والحامد لعُطَاس أو بشارة، والمسترجع لمصيبة، صلاته صحيحة. وقوله: مكروه، على المشهور، والتسبيح واجب عند خوف وقوع أعمى في بئر أو نحو ذلك. وعند المالكية كل ذكر من قرآن أو غيره، إذا قصد التفهيم به في محله، كأنْ يرفع صوته بقوله ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] عند قراءة ذلك لم تبطل صلاته، وإذا قصد التفيهم به في غير محله بطلت، ولو خالف الرجل المشروع في حقه وصفق لم تبطل صلاته, لأن الصحابة صفقوا في صلاتهم ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة، لكن ينبغي أن يقيد بالقليل، فلو فعل ذلك ثلاث مرات متواليات بطلت صلاته, لأنه ليس مأذونا فيه، قاله القَسْطَلانيّ، وعند المالكية البُطلان يجري على ما مرَّ في حديث إمامه من تحديد العمل المبطل بما يخيل للناظر إعراضه عن الصلاة. وأما قوله ﵊ "مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ " مع كونه لم يأمرهم بالإعادة، فلأنهم لم يكونوا علموا امتناعه، وقد لا يكون حينئذ ممتنعًا، أو أراد إكثار التصفيق من مجموعهم، ولا يضر ذلك إذا كان كل واحد منهم لم يفعله ثلاثًا، وعند مالك أن التسبيح عام للرجال والنساء, لأن كلمة "مَن" في الحديث تقع على الذكور والإناث، ومذهب الشافعيّ والأوزاعيّ تخصيص النساء بالتصفيق، وهو ظاهر الحديث، وكان منع النساء من التسبيح على هذا، لأنها مأمورة بخفض صوتها في الصلاة مطلقًا، لما يخشى من الافتتان، ومنع الرجال من التصفيق, لأنه من شأن النساء.

стр. 3976

وقالوا إن التقييد بالرجال في الحديث لكون التسبيح لا يشرع للنساء، ووجهه أن دلالة العموم لفظية وضعية، ودلالة المفهم من لوازم اللفظ عند الأكثرين، وقد قال في الحديث "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" فكأنه قال: لا تسبيح إلا للرجال، ولا تصفيق إلا للنساء، وكأنه قدم المفهوم على العموم للعمل بالدليلين, لأن في أعمال العموم إبطالًا للمفهوم، ولا يقال إن قوله "للرجال" من باب اللقب, لأنا نقول: بل هو من باب الصفة, لأنه في معنى الذكور البالغين. وقال مالك في قوله "التصفيق للنساء" هو من شأنهن في غير الصلاة، وهو على جهة الذم له، ولا ينبغي فعله في الصلاة لرجل ولا امرأة، وتعقب برواية حماد بن زيد المار ذكرها بصيغة الأمر "فليسبح الرجال وليصفق النساء" فهذا نص يدفع ما تأوله أهل هذا القول. وقال القُرْطُبي: القول بمشروعية التصفيق للنساء هو الصحيح خبرًا ونظرًا، وقد مرَّ ما قيل في صفته في أول الكلام على الحديث. وفي الحديث من الفوائد، غير ما تقدم، فضل الإصلاح بين الناس، وجمع كلمة القبيلة، وحسم مادة القطيعة، وتوجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك، وتقديم مثل ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه، واستنبط توجه الحاكم لسماع الدعوى بعض الخصوم إذا رجح ذلك على استحضارهم، وفيه جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر، وأن الإمام الراتب إذا غاب استخلف غيره، وأنه إذا حَضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة، يتخير بين أن يأتم به أو يؤم هو، ويصير النائب مأموما من غير أن يقطع الصلاة، ولا يبطل شيء من ذلك صلاة أحد من المأمومين، وادَّعى ابن عبد البَرّ أن ذلك من خصائص النبي ﷺ , وادَّعى الإجماع على عدم جواز ذلك لغيره ﵊، ونوقض بأن الخلاف ثابت، فالصحيح المشهور عند الشافعية الجواز، وعن ابن القاسم في الإمام يُحْدِث فسيتخلِف، ثم يرجع فيخرج المستخلَف، ويتم الأول إن الصلاة صحيحة. قلت: ما استدل به من كلام ابن القاسم مع ضعفه في المذهب إن

стр. 3977

كان موجودًا فيه، لي فيه دلالة؛ لأنّ ما قاله ابن القاسم، على تقرير وجوده، لا يشبه المسألة المستدل لها, لأن مسألة ابن القاسم تقدم فيها انعقاد الإمامة للأول، والمسألة المذكورة لم يقع فيها انعقاد إمامة للقادم في هذه الصلاة، فبينهما فرق، مع أن مذهب مالك أن المستخلَف إذا عاد لإتمام الصلاة تبطل، إلا إذا كان الإمام الأول خرج لأجل رُعاف بناء ولم يستخلف ولم يعملوا بعده عملًا، فيصح عوده حينئذ لإتمامها, لأنّ صلاته لم تبطل، وهم لم ينقطعوا عن الاقتداء به بسبب عمل عملوه بعد. وقال العَيْنيّ: إن قول الشافعية بهذا خرق للإجماع السابق قبلهم، وخرق الإجماع باطل، وفيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام، وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إماماً وفي بعضها مأموماً وأن من أحرم منفردًا ثم أقيمت الصلاة جاز له الدخول مع الجماعة من غير قطع لصلاته، كذا استنبطه الطَّبَرِيّ في من هذه القصة، وهو مأخوذ من لازم جواز إحرام الإمام بعد المأموم كما مرَّ. قال العينيّ: قوله فيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام غير صحيح، يرده قوله ﵊ "إذا كبر الإمام فكبروا" فقد رتب تكبير المأموم على تكبير الإمام، فلا يصح أن يسبقه. وقد قال ابن بطال: لا أعلم من يقول إن من كبر قبل إمامه صلاته تامة، إلا أن الشافعيّ بني على مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، وسائر الفقهاء لا يجيزون ذلك، وفيه أن أبا بكر عند الصحابة كان أفضلهم، لأنهم اختاروه دون غيره، وعلى جواز تقديم الناس لأنفسهم إذا غاب إمامهم، قالوا: ومحل ذلك إذا أمنت الفتنة والانكار من الإمام، وأن الذي يتقدم نيابة عن الإمام يكون أصلحهم لذلك الأمر وأقومهم به، وأن المؤذن وغيره يعرض التقدم على الفاضل، وأن الفاضل يوافقه بعد أن يعلم أن ذلك برضى الجماعة، وكل ذلك مبنيّ على أن الصحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد، وقد مرَّ أنهم فعلوا ذلك بأمر النبي ﷺ . وفيه أن الإقامة واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن، وأنه لا يقيم إلا بإذن

стр. 3978

الإمام، وأن فعل الصلاة، لاسيما العصر، في أول الوقت مقدم على انتظار الإمام الأفضل. قلت: قد مرَّ مثل هذا في الصبح في صلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس، في خروج النبي ﷺ لقضاء الحاجة، فيدل على أن المبادرة لا تختص بصلاة دون صلاة، وفيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة, لأنه من ذكر الله، ولو كان مراد المسبح إعلام غيره بما صدر منه، وقد مرَّ الكلام عليه مستوفى. وفيه رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء والثناء، وفيه استحباب حمد الله تعالى لمن تجددت له نعمة، ولو كان في الصلاة، وفيه جواز الالتفات للحاجة، وقد مرَّ ما قيل فيه أن مخاطبة المصلي بالإشارة أَوْلي من مخاطبته بالعبارة، وأنها تقوم مقام النطق، لمعاتبة النبي ﷺ أبا بكر على مخالفة إشارته. وفيه جواز شق الصفوف، والمشي بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول، لكنه مقصور على من يليق ذلك به، كالإمام أو من كان بصدد أن يحتاج الإمام إلى استخلافه، أو من أراد سد فرجة في الصف الأول، أو ما يليه مع ترك من يليه سدها، ولا يكون ذلك معدودًا من الأذى. قال المُهَلَّب: لا تَعَارُض بين هذا وبين النهي عن التخطي, لأن النبي ﷺ ليس كغيره في أمر الصلاة ولا غيرها, لأن له أن يتقدم بسبب ما ينزل عليه من الأحكام، وأطال في تقرير ذلك، وتعقب بأن هذا ليس من الخصائص. وقد أشار هو إلى المعتمد في ذلك، فقال: ليس في ذلك شيء من الأذى، والجفاء الذي يحصل من التخطي. وليس كمن شق الصفوف والناس جلوس، لما فيه من تخطي رقابهم. وفيه الحمد والشكر على الوجاهة في الدين، وأن من أكرم بكرامة يتخير بين القبول والترك إذا فهم أن ذلك الأمر غير جهة اللزوم، وكان القرينة التي بينت لأبي بكر ذلك، هي كونه ﵊ شق الصفوف إلى أن انتهى إليه، فكأنّه فهم من ذلك أن مراده أن يؤم الناس، وأن أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له، والتنويه بقدره، فسلك هو طريق الأدب والتواضع، ورجح

стр. 3979

ذلك عنده احتمال نزول الوحي في حال الصلاة لتغيير حكم من أحكامها. وكأنّه لأجل هذا لم يتعقب ﷺ اعتذاره برد عليه. قلت: اختلف العلماء في النقل، أي الامتثال والأدب أيهما المتبع، فاعتبر عليّ رضي الله تعالى عنه في قصة الحديبية الأدب، وكذلك أبو بكر اعتبر في هذه القصة أيضًا الأدب، واعتبر الامتثال في قصة مرضه الماضية، وقد مرَّ في أول الحديث الفرق في امتثاله في قصة المرض، وعدم امتثاله في هذه، وكذلك عبد الرحمن بن عوف اعتبر الامتثال في صلاته كما مرَّ، وقد قال سيدي عبد الله: النقل والأَدَابُ كُلٌّ يُتَّبَع ... وآخرٌ لدى عَليٍّ مُتَّبَع وفيه جواز إمامة المفضول للفاضل، وفيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك، وفيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية، واعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يشعر بالتواضع، من جهة استعمال أبي بكر خطاب الغيبة مكان الحضور، إذا كان حد الكلام أن يقول أبو بكر: ما كان لي، فعدل عنه إلى قوله: ما كان لابن أبي قُحَاَفَةَ, لأنه أدل على التواضع من الأول. وفيه جواز العمل القليل في الصلاة، لتأخر أبي بكر عن مقامه إلى الصف الذي يليه، وإن من احتاج إلى مثل ذلك يرجع القهقرى ولا يستدبر القبلة، ولا ينحرف عنها، واستنبط ابن عبد البَرّ منه جواز الفتح على الإمام, لأن التسبيح إذا جاز جازت التلاوة من باب الأَوْلي. وفيه دليل على جواز استخلاف الإمام إذا أصابه ما يوجب ذلك، وهو قول أبي حَنِيفة ومالك واحد قولي الشافعي، وهو قول عمر وعليّ والحسن وعَلْقَمة وعطاء والنَّخَعِي، والثَّوْرِيِّ وعن الشافعيّ وأهل الظاهر لا يستخلف الإمام. رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي بكر، والمؤذن الذي هو بلال، وقد مرَّ الجميع، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو حازم وسَهْل بن سعد في الثامن

стр. 3980

والمئة من الوضوء ومرَّ بلال بن حمامة في التاسع والثلاثين من العلم، ومرَّ ذكر محل أبي بكر في الذي قبل هذا. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع، والإخبار بالإفراد والعنعنة والقول، أخرجه البخاريّ في سبعة مواضع هنا، وفي الصلاة فيما يجوز من التسبيح، والحمد للرجال، ورفع الأيدي ينزل به، والإشارة فيها والسهو والصلح والأحكام، وأخرجه مسلم في الصلاة، والنَّسائيّ. ثم قال المصنف: باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم هذه الترجمة منتزعة من حديث أبي مسعود الأنصاريّ عند مسلم، مرفوعًا "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى، فإن كانت قراءتهم سواء، فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا" ومداره على إسماعيل بن رجاء عن أوْس بن ضَمْعَج، بالعين المهملة على وزن جعفر، عنه، وليسا جميعًا على شرط البُخاريّ، ولكنه في الجملة صالح للاحتجاج به عنده، وقد علق منه طرفًا بصيغة الجزم فيما يأتي عنه، فاستعمله هنا في الترجمة، وأورد في الباب ما يؤدي معناه، وهو حديث مالك بن الحُوَيْرِث.

стр. 3981

الحديث الثامن والثلاثون حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ رَحِيمًا فَقَالَ لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلاَدِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلاَةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ. وهذا الحديث ليس فيه التصريح باستواء المخاطبين في القراءة، وقد مرَّ الجواب عن ذلك، وجميع مباحث الحديث مستوفاة غاية عند ذكره في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة، وقد مرَّ هناك أن الأفقه مقدم على غيره، وهذا هو المستحب عند الجمهور، وأبين هنا مراتب التقديم عند الأئمة، فعند المالكية الأُولى بالتقديم في الإمامة السلطان أو نائبه، ولو كان غيرهما أفقه منهما، ثم يلي ذلك رب المنزل، بملك أصل أو منفعة، ومالك المنفعة مقدم على مالك الذات، ويستخلف رب المنزل غيره إذا كان لا يصلح للإمامة كامرأة أو ناقص عنها، ثم يلي ذلك الأب والعم، فيقدمان على الابن وابن الأخ ولو كانا أفقه منهما عند التَّشَاحي، وأما عند عدمه فالأَولى تقديمهما عند زيادة الفقه، ثم يلي ذلك زائد فقه، لأعلميته بأحكام الصلاة، وإن كان المحدث أفضل منه، ثم يلي ذلك زائد حديث، أي واسع الرواية والحفظ. ثم يلي ذلك زائد قراءة، أي أدرى بالقراءة وأمكن في الحروف، ويحتمل أن يكون أكثر قرآنا أو أشد إتقانًا, لأن القراءة مضمنة بالصلاة، وانظر لو وجد من يحفظ البعض وهو متقن من جهة المخارج، والثاني أكثر قرآناً، والظاهر تقديم الأول. وانظر لو كان كل يحفظ البعض، إلا أن أحدهما أكثر معرفة في

стр. 3982

المخارج، والثاني أشد حفظًا، والظاهر تقديم الأول، ولو كان محفوظ الثاني أكثر، ثم يلي ذلك زائد عبادة من صوم وصلاة, لأن من هذا شأنه أشد خشية وورعًا وتنزهًا، ثم يلي ذلك زيادة سن إسلام لزيادة أعماله، ثم يلي ذلك شرف لدلالته على صيانة المتصف به عما ينافي دينه، ويوجب له أنفة عن ذلك، ثم يلي ذلك كمال الخَلْق بفتح الخاء وسكون اللام، أي حُسن الصورة, لأن العقل والخير يتبعانه غالبًا، ثم يلي ذلك حسن الخُلُق بضمتين، أي الطبع؛ لأنه من أعظم صفات الشرف، وقدمه بعضهم على كمال الصورة، ثم يلي ذلك جميل اللباس، لدلالته على شرف النفس والبعد عن المستقذرات، وإن تشاحّ المتساوون لغير كبر اقترعوا. والترتيب عند الحَنَفية قريب من المالكية. قال العَينِيّ: قال أصحابنا أَولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة، أي الفقه والأحكام الشرعية إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة، وهذا قول الجمهور، وبه قال مالك والشافعيّ وعطاء والأوزاعيّ، وعن أبي يُوسف أقرأ الناس أَولى بالإمامة، وهو أحد الوجوه عند الشافعية، فإن تساووا في العلم والقراءة فأولاهم أورعهم، والورع الاجتناب عن الشُّبُهات، والتقوى الاجتناب عن المحرمات، فإن تساووا في الورع فأسنهم أولى بالإمامة، وفي "المحيط" الأَسَنّ أَولى من الوَرِع إذا لم يكن فيه فسق ظاهر. وقال النَّوَوِيّ المراد بالسن سن من مضى في الإِسلام، فلا يقدم شيخ أسلم قريبًا على شاب نشأ في الإِسلام، أو أسلم قبله فإن تساووا في السن فأحسنهم خُلُقًا وزاد بعضهم: فإن تساووا فأحسنهم وجهًا، وفي "مختصر الجواهر": يرجح بالفضائل الشرعية والخلقية والمكانية وكمال الصورة، كالشرف في النسب والسن، ويلتحق بذلك حسن اللباس، وقيل: وبصباحة الوجه، وحسن الخلق، وبملك رقبة المكان، أو منفعته. قال المِرْغانيّ: المستأجر أولى من المالك. وفي "الخلاصة" فإن تساووا في هذه الخصال يقرع، أو الخيار إلى القوم، وقيل: إمامة المقيم أولى من العكس. قال الكِرْمانيّ: هما سواء.

стр. 3983

وللشافعيّ قولان في القديم، قيل: بتقديم الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن وهو الأصح، والقول الثاني: يقدم الأسَنّ ثم الأشرف ثم الأقدم هجرة، وفي "تتمتهم" ثم بعد الكبر والشرف تقدم نظافة الثوب، والمراد به النظافة عن الوسخ لا عن النجاسات, لأنّ الصلاة مع النجاسة لا تصح، ثم بعد ذلك حسن الصوت, لأنه به تميل الناس إلى الصلاة خلفه فتكثر الجماعة، ثم حسن الصورة. والترتيب عند الحنابلة قالوا: الأَولى بها الأجود الأفقه، ثم الأجود قراءة الفقيه، ويقدم قارىء لا يعلم فقه صلاته على فقيه أمي، ثم الأسن، ثم الأشرف، وهو القُرَشِي، ثم الأتقى والأوْرع، وصاحب البيت وإمام المسجد ولو عبدًا أحق , والحر أولى من العبد، والحاضر والبصير والمتوضىء أولى من ضدهم، وتكره إمامة غير الأَولى بلا إذنه، وهذا الترتيب إنما هو في الأفضلية مع الاتفاق على الجواز على أي وجه كان، فإن قلت: قوله ﵊ "فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" بصيغة تدل على عدم جواز إمامة الثاني عند وجود الأول, لأن صيغته صيغة إخبار، وهي في اقتضاء الوجوب آكد من الأمر، وأيضًا فإنه ذكره بالشرط والجزاء، فكان اعتبار الثاني، إنما كان بعد وجود الأول لا قبله، فالجواب أن صيغة الإخبار لبيان الشرعية لا أنه لا يجوز غيره، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: "يمسح المقيم يومًا وليلة" ولئن سلمنا أن صيغة الإخبار محمولة على معنى الأمر لكن الأمر يحمل على الاستحباب لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع. رجاله خمسة: مروا كلهم، مرَّ سُلَيمان بن حَرْب في الرابع عشر من الإيمان, ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أيوب وأبو قِلابَةَ في التاسع منه، ومرَّ مالك بن الحُوَيْرث بعد الثامن والعشرين من العلم، في باب تحريض النبيّ ﷺ قد عَبْد القَيْس. ثم قال المصنف:

стр. 3984

باب إذا زار الإمام قوما فأمهم قيل: أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحُوَيْرِث الذي أخرجه أبو داود والتّرمِذِيّ، وحسنه مرفوعًا "من زار قومًا فلا يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم" محمول على من عدا الإمام الأعظم. وقال الزَّيْنُ بن المُنير: مراده أن الإمام الأعظم، ومن يجري مجراه، إذا حضر بمكان مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار أو المنفعة، ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له ليجمع بين الحقين: حق الإمام في المتقدم، وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه، ويحتمل أنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعود المتقدم "ولا يؤم الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه" فإن مالك الشيء سلطان عليه، والإمام الأعظم سلطان على المالك. وقوله: إلا بإذنه، يحتمل عوده على الأمرين: الإمامة والجلوس، وبذلك جزم، كما حكاه التِّرمِذِيّ عنه فيحصل بالإذن مراعاة الجانبين.

стр. 3985

الحديث التاسع والثلاثون حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ قَالَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ فَقَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّي مِنْ بَيْتِكَ. فَأَشَرْتُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِى أُحِبُّ، فَقَامَ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا. قوله: "وصففنا خلفه" بفتح الفاء الأولى وسكون الثانية، جمع المتكلم، ويروى بالتشديد أي صفنا رسول الله ﷺ , وهذا الحديث قد مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب إذا دخل بيتًا يصلي حيث شاء في باب المساجد في البيوت. رجاله ستة: مروا جميعًا، إلا شيخ البُخاريّ، مرَّ عبد الله بن المَبارَك في السادس من بدء الوحي، ومرَّ معْمَر بعد الرابع منه في المتابعات، ومرَّ ابن شِهاب في الثالث منه، ومرَّ محمود بن الربيع في التاسع عشر من كتاب العلم، ومرَّ عِتبان في التاسع والعشرين من أحاديث أبواب استقبال القبلة. وأما شيخ البُخاريّ فهو معاذ بن أسَدُ بن أبي سَنْجَرة الغَنَويّ، أبو عبد الله المَرْوَزِيّ، كاتب ابن المبارك، نزل البصرة، وليس أخا لمُعَلَّى بن أَسَد شيخ البُخاريّ أيضًا. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو حاتِم وابن خِراش: ثقة. مات سنة بضع وعشرين ومئتين وحكى عنه البخاريّ أنه قال في سنة إحدى وعشرين ومئتين: أنا ابن إحدى وسبعين سنة. وقال ابن قانع: بَصريّ ثقة، والغَنَوِيّ في نسبه نسبة إلى غَنِيّ بن أعْصُر بن سَعْد بن قَيْس عَيْلان، فأعصر أخو غَطَفان، وما قاله صاحب القاموس من أنْ غنيًا حي من غَطَفَان خطأ. روى عن

стр. 3986

ابن المُبَارك وفُضيْل بن عِيَاض والنَّضْر بن شُمَيْل وغيرهم، وروى عنه البُخاريّ وأبو داود وأحمد بن حَنْبل وأبو حاتم وأبو زُرعة وغيرهم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع، والإخبار بصيغة الجمع والإفراد، والقول والسماع، ورواية صحابي عن صحابي، وفيه شيخ البخاري من أفراده، ورواته ما بين مروزيي وبصريّ ومدنيّ، وقد مرَّ ذكر مواضعه. ثم قال المصنف: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به هذه الترجمة قطعة من الحديث الآتي في الباب، والمراد بها أن الائتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه في أحوال الصلاة، فتنتفي المقارنة والمسابقة والمخالفة، إلا ما دل الدليل الشرعيّ عليه، ولهذا صَدّر المصنف الباب بقوله. "وصلى النبيُّ ﷺ في مرضهِ الذي تُوفيّ فيهِ بالناسِ وهو جالسٌ" يعني والناس خلفه قيامًا، ولم يأمرهم بالجلوس. كما يأتي، فدل على دخول التخصيص في عموم قوله "إنما جعل الإمام ليؤتم به" وهذا التعليق مر مسندًا من حديث عائشة. ثم قال: وقالَ ابنُ مسعودٍ: إذا رَفعَ قبلَ الإمام يعودُ ليمكثُ بقَدْر ما رَفعَ، ثم يَتْبَعُ الإِمامَ. وهذا وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، وسياقه أتم، ولفظه "لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد، فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبق به الإمام"، وكأنه أخذه من قوله ﷺ "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ومن قوله "وما فاتكم فاتموا". وروى عبد الرَّزَّاق عن معمر نحو قول ابن مسعود، ولفظه "أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود، فليضع رأسه بقدر رفعه إياه" وإسناده صحيح. قال الزَّيْنُ بن المُنير: إذا كان الرافع المذكور يؤمر عنده بقضاء القدر الذي خرج عن الإمام، فأولى أن يتبعه في جملة

стр. 3987

السجود، فلا يسجد حتى يسجد، وظهرت بهذا مناسبة هذا الأثر للترجمة، ومذهب مالك إن خفض أو رفع قبل إمامه أن يرجع إن علم إدراك إمامه قبل الرفع، وإلا فلا يرجع إلا إذا كان لم يأخذ فرضه مع الإِمام، فيرجع مطلقًا. ويقول مالك: قال أحمد وإسحاق والحَسَن والنَّخَعِيّ، وروى نحوه عن عمر ﵁, وقال ابن عمر: من ركع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له، وهو قول أهل الظاهر، وقال الشافعيُّ وأبو ثَوْر: إذا ركع أو سجد قبله فإن أدركه الإمام فيهما أساء, ويجزئه. قلت: وكذا عند المالكية. قال العينيّ: ولو أدرك الإمام في الركوع فكبر مقتديًا به، ووقف حتى رفع رأسه فركع لا يجزئه عندنا، خلافًا لِزُفَرْ. قلت: وكذلك لا يجزئه عندنا اتفاقًا، وابن مسعود مرَّ في كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. ثم قال: وقالَ الحسنُ فيمنْ يركعُ مع الإمام ركعتين ولا يَقْدِرُ على السجودِ، يسجدُ للركعةِ الآخرةِ سجدتينِ، ثمّ يقضي الَركعةَ الأُوْلى بسجودِهَا، وفيمنْ نسيَ سجدةً حتَّى قامَ يسجدُ. قوله: يسجد، يعني يطرح القيام الذي فعله على غير نظم الصلاة، ويجعل وجوده كالعدم. وقوله: ولا يقدر على السجود، أي لزحام ونحوه عن السجود بين الركعتين. وقوله: الآخرة في رواية "الأخيرة" وإنما سجد للركعة الأخيرة دون الأولى لإتصال الركوع الثاني به، وفي كلام الحسن فرعان: الفرع الأول وصله ابن المنذر في كتابه الكبير، ورواه سعيد بن منصور عن هُشيم عن يونس عن الحسن، ولفظه في الرجل يركع يوم الجمعة، فيزحمه الناس فلا يقدر على السجود. قال: فإذا فرغوا من صلاتهم سجد سجدتين لركعته الأولى، ثم يقوم فيصلي ركعة وسجدتين. قلت: هذا اللفظ مخالف لما في المتن, لأن لفظ المتن يسجد للركعة الأخيرة سجدتين، ولفظ هذا سجد سجدتين لركعته الأولى، ومقتضى هذا الأثر أن الإمام لا يتحمل الأركان، فمن لم يقدر على السجود معه لم تصح له الركعة،

стр. 3988

ومناسبته للترجمة من جهة أن المأموم لو كان له أن ينفرد عن الإمام لم يستمر متابعًا في صلاته التي اختل بعض أركانها حتى يحتاج إلى تداركه بعد فراغ إمامه. والفرع الثاني وصله ابن أبي شَيْبَة، وسياقه أتم، ولفظه في رجل نسي سجدة من أول صلاته فلم يذكرها حتى كان آخر ركعة من صلاته. قال: يسجد ثلاث سجدات، فإن ذكرها قبل السلام سجد سجدة واحدة، وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة استأنف. قلت: في المسألة التي هي مسألة الزحام. قال مالك: لا يسجد على ظهر أحد، فإن خالف يعيد أبدًا. قال العَيْنِيّ: قال أصحابنا والشافعيّ وأبو ثَوْر: يسجد ولا إعادة عليه، والحكم في مسألة الزحام عند معاشر المالكية، أنه إن زوحم عن الركوع فإن كان في الركعة الأُولى، أي بالنسبة للمأموم، تركه ولحق الإمام في أي محل كان من غير تفصيل، وإن كان في غير الأولى يمكنه فعله قبل عقد الإمام الركوع التي تليها ولحق الإمام وقضى تلك الركعة بعد فراغ الإمام، وإن زوحم عن سجدة أو سجدتين كان الحكم كذلك إن طمع في فعل ذلك قبل عقد الإمام للركوع فعل، وإلا تركه وقضى الركعة بعد فراغ الإمام، والحكم عندنا في الفرع الثاني أن من نسي سجدة يسجدها متى ذكرها، ما لم يعقد ركوع التي تليها برفع رأسه، فإن عقد تركها وألغى الركعة التي هي منها، وبنى على ما صح من الركعات، وإن كان سَلّم بني أيضًا على ما صح إن قرب السلام، ولم يخرج من المسجد، والحسن المراد به البَصْريّ، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان.

стр. 3989

الحديث الأربعون حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ أَلاَ تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ النبيِّ ﷺ قَالَتْ بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ أَصَلَّى النَّاسُ. قُلْنَا لاَ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ. قَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ. قَالَتْ فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِي عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ ﷺ أَصَلَّى النَّاسُ. قُلْنَا لاَ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ. قَالَتْ فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِي عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ أَصَلَّى النَّاسُ. قُلْنَا لاَ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِي عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ أَصَلَّى النَّاسُ. فَقُلْنَا لاَ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ رسول الله ﷺ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلاً رَقِيقًا يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْ لاَ يَتَأَخَّرَ. قَالَ أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ. فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهْوَ يَأْتَمُّ بِصَلاَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِىُّ ﷺ قَاعِدٌ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ أَلاَ أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ هَاتِ. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِى كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ قُلْتُ لاَ. قَالَ هُوَ عَلِيٌّ.

стр. 3990

قوله: ضَعُوني ماء، كذا للمُسْتَملي والسَّرْخَسى، بالنون، وللباقين "ضعوا لي ماء" , وهو أوجه، وكذا أخرجه مسلم، والأول كما قال الكرمانيّ محمول على تضمين الوضع معنى الإعطاء، أو على نزع الخافض "ضعوني في ماء". وقوله: فذهب، في رواية الكُشْمِيْهنيّ "ثم ذهب". وقوله: ليَنُوء, بضم النون بعدها مدة، أي لينهض بجهد. وقوله: فأغمي عليه، فيه أن الإغماء جائز, لأنه شَبِيه بالنوم. قال النَّوَويّ: جاز عليهم لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون، فلم يجز عليهم لأنه نقص. وقوله: لصلاة العشاء، كذا للأكثر بلام التعليل، وللمُسْتَمِلْي والسَّرَخْسِيّ "لصلاة العشاء الآخرة" وتوجيهه أن الراوي كأنّه فسر الصلاة المسؤول عنها في قوله ﷺ "أصلى الناس" فذكره، أي الصلاة المسؤول عنها هي العشاء الآخرة. وقوله: فخرج بين رجلين، كذا للكُشْمِيهنيّ، وللباقين "وخرج" بواو، وقوله: لصلاة الظهر، قد مرَّ ما قيل في تعيينها عند ذكر الحديث في باب حَد المريض أن يشهد الجماعة، ومرت هناك، وفي الحديث بعده جميع مباحثه، ومرَّ الكلام على الرجلين اللذين خرج بينهما في باب الوضوء والغُسل في المِخْضَب من كتاب الوضوء. وقوله هنا: فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم، كذا للأكثر وللمُسْتَملِي والسَّرَخْسِيّ "وهو يأتم" من الائتمام، واستدل بهذا الحديث على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاته بهم قاعدًا, لأنه ﷺ استخلف أبو بكر ولم يصل بهم قاعدًا غير مرة واحدة. رجاله خمسة: وفيه ذكر أبي بكر وعمر وابن عبّاس والعبّاس، رضي الله تعالى عن الجميع، وقد مرَّ الجميع مرارًا، وأحمد بن يونس في التاسع عشر من الإيمان , ومرَّ زائدة بن قدامة في الثاني والعشرين من الغُسل، ومرَّ موسى بن أبي عائشة في الخامس من بدء الوَحْي، ومرَّ عُبَيْدُ الله بن عبد الله بن عُتبَة في السادس منه

стр. 3991

ومرت عائشة في الثاني منه، ومرَّ عمر في الأول منه، ومرَّ ابن عبّاس في الخامس منه أيضًا، ومرَّ محل ذكر أبي بكر في السادس والثلاثين قبل هذا بثلاثة أحاديث، ومرَّ علي في السابع والأربعين من العلم، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء، ولم أر من ذكر الرسول الذي أرسله ﷺ إلى الناس بأن يصلوا، ولعله بلال؛ لأنه هو الذي يعلمه ﵊ بالصلاة، وقد مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع، وفيه العنعنة والقول، والثلاثة الأول من الرواة كوفيون، وشيخ البُخاري مذكور فيه باسم جده. أخرجه البُخاريّ في مواضع عديدة مُطَوّلاً ومُقَطَّعًا ومختصرًا، وأخرجه مسلم في الصلاة، والنَّسائيّ في الصلاة، وفي الوفاة.

стр. 3992

الحديث الحادي والأربعون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا. قوله: في بيته، في المشْرُبة التي في حجرة عائشة، كما بَيَّنَه أبو سُفيان عن جابر، وهو دال على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنَّه ﷺ عجز عن الصلاة بالناس في المسجد، فكان يُصَلّي في بيته بمن حضر، لكنه لم ينقل أنه استخلف، ومن ثَمّ قال عِياض: إن الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتم به من حضر عنده ومن كان في المسجد، وهذا محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون استخلف وإن لم ينقل، ويلزم على الأول صلاة الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عِياض خلافه، لكن له أن يقول محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد، وهنا كان معه بعض أصحابه. وقوله: وهو شاك، بتخفيف الكاف بوزن قاض من الشكاية، وهي المرض، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس المذكور بعده، أنه سقط عن فرس. وقوله: فصلى جالسًا، قال عِيَاض: يحتمل أن أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام، وليس كما قال، وإنما كانت قدمه صلى الله تعالى عليه وسلم قد انفكت، كما للإسماعيليّ عن أنس، وكذا لأبي داود وابن خُزَيْمَة عن جابر. وأما

стр. 3993

قوله في رواية الزُّهريّ عن أنَسَ "جُحِشْ شقه الأيمن" فقد مرَّ ما فيه في باب الصلاة على السطوح، وهو غير مناف لكون قدمه قد انفكت، لاحتمال وقوع الأمرين. وحاصل ما في القصة أن عائشة في هذا الحديث أبهمت الشكوى، وبيّن جابر وأنس السبب، وهو السقوط عن الفرس، وعين جابر العلة في الصلاة قاعدًا، وهي انفكاك القدم أو قوله: صلى وراءه قوم قيامًا، ولمسلم "فدخل عليه قوم من أصحابه يعودونه" الحديث، وقد سموه منهم أنس كما في الحديث الذي بعده، كما مرَّ قريبًا وأبو بكر كما في حديث جابر، وعمر كما في رواية الحسن مرسلًا عن عبد الرَّزَّاق، وكل هؤلاء قد مرَّ تعريفهم. مرَّ أنس في السادس من الإيمان، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، وعمر في الأول منه، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة. وقوله: فأشار إليهم، كذا للأكثر هنا، من الإشارة، وكذا لجميعهم في الطب، وللحَمَوِي هنا فأشار عليهم من المَشُورة، والأول أصح، فقد رواه أيوب بلفظ "فأومأ إليهم" ورواه عبد الرزاق بلفظ "فأخلف بيده يومىء بها إليهم" وفي مرسل الحسن "ولم يبلغ بها الغاية" وقوله: إنما جعل الإمام ليؤتم به، قد تقدمت مباحثه مستوفاة غاية الاستيفاء عند ذكر حديث أنس في باب الصلاة على السطوح. وقوله: فقولوا ربنا ولك الحمد، أي بالواو، ولجميع الرواة في حديث عائشة وكذا لهم في حديث أبي هُريرة وأنس، إلا في رواية الليث عن الزّهري في باب إيجاب التكبير، فللكُشْمِيَهني، بحذف الواو ورجح إثبات الواو بأن فيها معنى زائدًا لكونها عاطفة على محذوف تقديره "ربنا استجيب لنا" أو ربنا أطعناك ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معًا وقد قال العلماء ثبوت الواو أرجح وهي عاطفة كما مرَّ، وقيل زائدة، وقيل هي واو الحال. قاله ابن الأثير، وضعف ما عداه، ورجح قوم حذفها لأنّ الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه.

стр. 3994

قال النّوَويّ: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح، وليس في هذه الرواية زيادة، اللهم ربنا، وفي أبواب صفة الصلاة عن أبي هُرَيْرة "فقولوا اللهم ربنا" واستدل بحديث الباب وحديث أبي هُرَيرة الآتي على أن الإمام يقتصر "على سمع الله لمن حمده" وأن المأموم يقتصر "على ربنا ولك الحمد" وهذا قول مالك وأبي حَنِيفة، ورواية عن أحمد، واحتجوا من حيث المعنى بأن معنى "سمع الله لمن حمده" طلب التحميد، فيناسب حال الإمام، وأما المأموم فتناسبه الإجابة بقوله "ربنا ولك الحمد". ويقويه حديث أبي موسى الأشعريّ عند مسلم وغيره، ففيه "وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم" وأجيب عن هذا بأنه لا يدل على أن الإمام لا يقول "ربنا ولك الحمد" إذ لا يمتنع أن يكون طالبًا ومجيبًا. وقال الشافعيّ وأحمد في رواية, وأبو يوسف ومحمد "إن الإِمام يجمعهما" وزاد الشافعيّ أن المأموم يجمع بينهما أيضًا، لكن لم يصح في ذلك شيء، ولم يثبت عن ابن المنذر أنه قال إن الشافعيّ انفرد بذلك, لأنه قد نقل في الإشراف عن عطاء وابن سِيريِن وغيرهما القولَ بالجمع للمأموم، وأما المنفرد فحكَى الطَّحاوِيّ وابن عبد البَرّ الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاويّ حجة على كون الإمام يجمع بينهما للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب الهداية إلى خلاف عندهم في المنفرد، واستدل الشافعيّ ومن معه بحديث أبي هُرَيرة عند المصنف في باب التكبير إذا قام من السجود، ففيه "ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول، وهو قائم: ربنا لك الحمد". فدل هذا الحديث على أن التسميع ذكر النهوض، وأن التحميد ذكر الاعتدال، وفيه دليل على أن الإمام يجمع بينهما, لأن صلاة النبي ﷺ الموصوفة، محمولة على حال الإمامة، لكون ذلك هو أكثر الأغلب من أحواله، ويأتي باقي مباحثه في باب فضل: "اللهم ربنا لك الحمد" وتقدم باقي

стр. 3995

مباحث هذا الحديث في باب الصلاة على السطوح. رجاله خمسة: قد مروا بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي، أخرجه البُخَاريّ أيضًا في التفسير عن قتيبة، وفي السهو عن إسماعيل وأبو داود في الصلاة.
следующие страницы →