Полный текст (6 753 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
ومرت عائشة في الثاني منه، ومرَّ عمر في الأول منه، ومرَّ ابن عبّاس في الخامس منه أيضًا، ومرَّ محل ذكر أبي بكر في السادس والثلاثين قبل هذا بثلاثة أحاديث، ومرَّ علي في السابع والأربعين من العلم، ومرَّ العباس في الثالث والستين من الوضوء، ولم أر من ذكر الرسول الذي أرسله ﷺ إلى الناس بأن يصلوا، ولعله بلال؛ لأنه هو الذي يعلمه ﵊ بالصلاة، وقد مرَّ في التاسع والثلاثين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع، وفيه العنعنة والقول، والثلاثة الأول من الرواة كوفيون، وشيخ البُخاري مذكور فيه باسم جده. أخرجه البُخاريّ في مواضع عديدة مُطَوّلاً ومُقَطَّعًا ومختصرًا، وأخرجه مسلم في الصلاة، والنَّسائيّ في الصلاة، وفي الوفاة.
стр. 3992
الحديث الحادي والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهْوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا.
قوله: في بيته، في المشْرُبة التي في حجرة عائشة، كما بَيَّنَه أبو سُفيان عن جابر، وهو دال على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنَّه ﷺ عجز عن الصلاة بالناس في المسجد، فكان يُصَلّي في بيته بمن حضر، لكنه لم ينقل أنه استخلف، ومن ثَمّ قال عِياض: إن الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتم به من حضر عنده ومن كان في المسجد، وهذا محتمل، ويحتمل أيضًا أن يكون استخلف وإن لم ينقل، ويلزم على الأول صلاة الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عِياض خلافه، لكن له أن يقول محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد، وهنا كان معه بعض أصحابه.
وقوله: وهو شاك، بتخفيف الكاف بوزن قاض من الشكاية، وهي المرض، وكان سبب ذلك ما في حديث أنس المذكور بعده، أنه سقط عن فرس. وقوله: فصلى جالسًا، قال عِيَاض: يحتمل أن أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام، وليس كما قال، وإنما كانت قدمه صلى الله تعالى عليه وسلم قد انفكت، كما للإسماعيليّ عن أنس، وكذا لأبي داود وابن خُزَيْمَة عن جابر. وأما
стр. 3993
قوله في رواية الزُّهريّ عن أنَسَ "جُحِشْ شقه الأيمن" فقد مرَّ ما فيه في باب الصلاة على السطوح، وهو غير مناف لكون قدمه قد انفكت، لاحتمال وقوع الأمرين.
وحاصل ما في القصة أن عائشة في هذا الحديث أبهمت الشكوى، وبيّن جابر وأنس السبب، وهو السقوط عن الفرس، وعين جابر العلة في الصلاة قاعدًا، وهي انفكاك القدم أو قوله: صلى وراءه قوم قيامًا، ولمسلم "فدخل عليه قوم من أصحابه يعودونه" الحديث، وقد سموه منهم أنس كما في الحديث الذي بعده، كما مرَّ قريبًا وأبو بكر كما في حديث جابر، وعمر كما في رواية الحسن مرسلًا عن عبد الرَّزَّاق، وكل هؤلاء قد مرَّ تعريفهم. مرَّ أنس في السادس من الإيمان، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، وعمر في الأول منه، ومرَّ أبو بكر في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة.
وقوله: فأشار إليهم، كذا للأكثر هنا، من الإشارة، وكذا لجميعهم في الطب، وللحَمَوِي هنا فأشار عليهم من المَشُورة، والأول أصح، فقد رواه أيوب بلفظ "فأومأ إليهم" ورواه عبد الرزاق بلفظ "فأخلف بيده يومىء بها إليهم" وفي مرسل الحسن "ولم يبلغ بها الغاية" وقوله: إنما جعل الإمام ليؤتم به، قد تقدمت مباحثه مستوفاة غاية الاستيفاء عند ذكر حديث أنس في باب الصلاة على السطوح. وقوله: فقولوا ربنا ولك الحمد، أي بالواو، ولجميع الرواة في حديث عائشة وكذا لهم في حديث أبي هُريرة وأنس، إلا في رواية الليث عن الزّهري في باب إيجاب التكبير، فللكُشْمِيَهني، بحذف الواو ورجح إثبات الواو بأن فيها معنى زائدًا لكونها عاطفة على محذوف تقديره "ربنا استجيب لنا" أو ربنا أطعناك ولك الحمد، فيشتمل على الدعاء والثناء معًا وقد قال العلماء ثبوت الواو أرجح وهي عاطفة كما مرَّ، وقيل زائدة، وقيل هي واو الحال. قاله ابن الأثير، وضعف ما عداه، ورجح قوم حذفها لأنّ الأصل عدم التقدير، فتكون عاطفة على كلام غير تام، والأول أوجه.
стр. 3994
قال النّوَويّ: ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها، والوجهان جائزان بغير ترجيح، وليس في هذه الرواية زيادة، اللهم ربنا، وفي أبواب صفة الصلاة عن أبي هُرَيْرة "فقولوا اللهم ربنا" واستدل بحديث الباب وحديث أبي هُرَيرة الآتي على أن الإمام يقتصر "على سمع الله لمن حمده" وأن المأموم يقتصر "على ربنا ولك الحمد" وهذا قول مالك وأبي حَنِيفة، ورواية عن أحمد، واحتجوا من حيث المعنى بأن معنى "سمع الله لمن حمده" طلب التحميد، فيناسب حال الإمام، وأما المأموم فتناسبه الإجابة بقوله "ربنا ولك الحمد". ويقويه حديث أبي موسى الأشعريّ عند مسلم وغيره، ففيه "وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد، يسمع الله لكم" وأجيب عن هذا بأنه لا يدل على أن الإمام لا يقول "ربنا ولك الحمد" إذ لا يمتنع أن يكون طالبًا ومجيبًا.
وقال الشافعيّ وأحمد في رواية, وأبو يوسف ومحمد "إن الإِمام يجمعهما" وزاد الشافعيّ أن المأموم يجمع بينهما أيضًا، لكن لم يصح في ذلك شيء، ولم يثبت عن ابن المنذر أنه قال إن الشافعيّ انفرد بذلك, لأنه قد نقل في الإشراف عن عطاء وابن سِيريِن وغيرهما القولَ بالجمع للمأموم، وأما المنفرد فحكَى الطَّحاوِيّ وابن عبد البَرّ الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاويّ حجة على كون الإمام يجمع بينهما للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد، لكن أشار صاحب الهداية إلى خلاف عندهم في المنفرد، واستدل الشافعيّ ومن معه بحديث أبي هُرَيرة عند المصنف في باب التكبير إذا قام من السجود، ففيه "ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول، وهو قائم: ربنا لك الحمد".
فدل هذا الحديث على أن التسميع ذكر النهوض، وأن التحميد ذكر الاعتدال، وفيه دليل على أن الإمام يجمع بينهما, لأن صلاة النبي ﷺ الموصوفة، محمولة على حال الإمامة، لكون ذلك هو أكثر الأغلب من أحواله، ويأتي باقي مباحثه في باب فضل: "اللهم ربنا لك الحمد" وتقدم باقي
стр. 3995
مباحث هذا الحديث في باب الصلاة على السطوح.
رجاله خمسة:
قد مروا بهذا النسق في الثاني من بدء الوحي، أخرجه البُخَاريّ أيضًا في التفسير عن قتيبة، وفي السهو عن إسماعيل وأبو داود في الصلاة.
стр. 3996
الحديث الثاني والأربعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ.
قوله: فصلى صلاة من الصلوات، في رواية سفيان عن الزّهريّ فحضرت الصلاة، وكذا في رواية أحمد عن أنس عند الإسماعيليّ. قال القُرْطُبيّ: اللام للعهد ظاهرًا، والمراد الفرض, لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة، وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلًا، وتعقب بأن في رواية جابر عند ابن خُزَيْمَة وأبي داود الجزم بأنها فرض. قال في "الفتح" لم أقف على تعيينها إلا أن في حديث أنَس "فصلى بنا يومئذ" فكأنها نهارية الظهر أو العصر. وقوله: فصلينا وراءه قعودًا، ظاهره يخالف حديث عائشة الذي قبله، والجمع بينهما أن في رواية أنَسَ هذه اختصارًا، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره بالجلوس، وقد مرَّ في باب الصلاة في السطوح من رواية حميد عن أنس بلفظ "فصلّى بهم جالسًا وهم قيام، فلما سلم قال: إنما جعل الإمام" وفيها أيضًا اختصار, لأنه لم يذكر فيه قوله لهم "اجلسوا".
والجمع بينهما أنهم ابتدؤا الصلاة قيامًا، فأومأ إليهم بأن يقعدوا فقعدوا، فنقل كل من الزُّهْريّ وحُميد أحد أمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جمعهما جابر
стр. 3997
عند مسلم، وجمع القُرْطُبيّ بين الحديثين باحتمال أن يكون قعد من أول الحال، وهو الذي حكاه أنس, وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس، وهذا الذي حكته عائشة، وتعقب هذا باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه ﵊, لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد, لأنّ فرض القادر في الأصل القيام.
وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة، وفيه بُعد, لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة، لزم منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قوله "إنما جعل الإمام ليؤتم به" إلى آخره, لأنهم قد امتثلوا أمره السابق، وصلوا قعودًا لكونه قاعدًا. وفي رواية جابر عند أبي داود "أنهم دخلوا يعودنه مرتين، فصلى بهم فيهما، لكن بين أن الأُولى كانت نافلة، وأقرهم على القيام وهو جالس، والثانية كانت فريضة، وابتدؤا قيامًا فأشار إليهم بالجلوس.
وفي رواية بشر عن حُمَيد عن أنَس عند الإسماعيليّ نحوه، قلت: هذا الذي في أبي داود يجمع به ما مرَّ من الخلاف في الصلاة، هل هي فرض أو نفل. وقوله: أجمعون، كذا في جميع الطرق في الصحيحين بالواو، إلا أن الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هُرَيرة الآتية في باب إقامة الصف، فمنهم من قال أجمعين بالياء، والأول تأكيد لضمير الفاعل في قوله "صلوا" وأخطأ من ضعفه، فإن المعنى عليه، والثاني نصب على الحال، أي جلوسًا مجتمعين، أو على التأكيد لضمير مقدر منصوب، كأنه قال: أعنيكم أجمعين، وقد مرت مباحث الحديث عند ذكره في باب الصلاة في السطوح.
رجاله خمسة:
مروا جميعًا، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ في السادس من الإيمان.
ثم قال: قالَ أبو عبدِ اللهِ: قالَ الحُمَيدِيّ: قوله: إذا صلّى في جالسًا فصلّوا
стр. 3998
جُلوسًا، هو في مرضهِ القديمِ، ثمّ صلّي بعدَ ذلكَ النبيُّ ﷺ جالسًا والناسُ خلفهُ قيامأ، لم يأمرهمْ بالقعودِ، وإنما يؤخذُ بالآخِر، فالآخِرِ منْ فعلِ النبيِّ ﷺ .
وما قاله البخاري هنا يفهم منه اختياره لما قاله شيخه الحميديّ من صلاة المأمومين قيامًا خلف الجالس عجزًا، وهو مذهب أبي حَنِيفة والشافعيّ وأبي ثَوْر وجمهور السلف، وقد مرَّ استيفاء الكلام على هذا في باب الصلاة على السطوح، عند ذكر حديث أنس هناك، وأبو عبد الله المراد به البُخَاريّ نفسه، والحميديّ شيخه، وقد مرَّ في أول الحديث الأول من الكتاب. ثم قال المصنف:
باب متى يسجد من خلف الإمام
يعني إذا اعتدل أو جلس بين السجدتين.
ثم قال: وقال أنسٌ: فإذا سجدَ فاسْجُدُوا.
ومناسبته لحديث الباب مما قدمناه أنه يقتضي تقديم ما يسمى ركوعًا من الإمام بناء على تقدم الشرط على الجزاء، وحديث الباب يفسره، وهذا التعليق أخرجه موصولًا في باب إيجاب التكبير، وهو حرف أيضًا من حديثه الماضي في الباب الذي قبل هذا، لكن في بعض طرقه دون بعض، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان.
стр. 3999
الحديث الثالث والأربعون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ.
قوله: حدثني أبو إسحاق، الخ أبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب، ولكنه سمع هذا عنه بواسطة. وقوله: وهو غير كذوب، الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يَزِيد، وعلى ذلك جرى الحُميديّ في جمعه وصاحب العمدة، ويقوي كونه من كلام عبد الله بن يزيد قولُ أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد الله بن يزيد وهو يخطب، يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب. وهذا وإن كان محتملًا، لكنه أبعد من الأول، وأخرج أبو عوانة في صحيحه عن غير أبي إسحاق عن مُحَارِب بن دِثار عن عبد الله بن يزيد: حدثنا البراء، وهو غير كذوب. وأصله في مسلم، لكن ليس فيه قوله "وهو غير كذوب" لكن روى عياش الدُّوريّ عن ابن مَعِين أنه قال: قوله: "وهو غير كذوب" إنما يريد عبد الله بن يزيد الراويّ عن البراء لا البراء، إذ لا يقال لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ غير كَذُوب؛ لأن هذه العبارة إنما تحسن في مشكوك في عدالته، والصحابة كلهم عدول لا يحتاجون إلى تزكية.
وتعقبه الخَطّابيّ وغيره بأن هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي، وإنما يوجب حقيقة الصدق له، وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي، والعمل بما روى، وقد كان أبو هُريرة يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق. وقال ابن مسعود: حدثني الصادق المصدوق. وقال أبو مُسْلِم الخَولانيّ: حدثني
стр. 4000
الحبيب الأمين. وقد قال ابن مسعود وأبو هُرَيرة، فذكرهما، فهذا قالوه تنبيهًا على صحة الحديث، لا أن قائله قصد به تعديل رواية، وأيضًا فتنزيه ابن مَعين للبراء عن التعديل لأجل صحبته، ولم ينزه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له، فإن عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة، والإلزام المذكور لابن مَعين ليس بلازم له, لأنّ يحيي بن مَعين لا يثبت صحبة عبد الله بن يزيد، وقد نفاها أيضاً مُصْعَبُ الزُّبَيريّ، وقد توقف فيها أحمد بن حنبل وأبو حَاتم وأبو داود، وأثبتها ابن البَرقيّ، والدارَقُطني، وآخرون.
وقد اعترض بعض المتأخرين على التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يلم بشيء من علم البيان، للفرق الواضح بين قولنا فلان صدوق، وفلان كذوب، لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدها عنه، فهما مفترقان، والسر في ذلك أن نفي الضد كأنّه يقع جوابًا لمن أثبته، بخلاف إثبات الصفة، والظاهر أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين ,لأن كلا منهما يرد عليه أنه تزكية في حق مقطوع بتزكيته فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر، وتقويته في نفس السامع.
قلت: جميع ما قالوه من أن قول القائل "غير كذوب" يفيد تأكيد العلم بالراوي، والتنبيه على صحة الحديث، وأن إثبات الصدق فيه يحصل بالالتزام غير موافق للفظ، ولا يعطيه عربية؛ لأن لفظ كذوب صيغة مبالغة فنفيها نفي للمبالغة في الكذب لا نفي للكذب من أصله حتى يثبت الصدق لمن لم يتصف به، فهو دال عربية على الاتصاف بقليل الكذب حين النفي، اللهم إلا أن يقال فيه ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] من أن ظلامًا للنسبة لا للمبالغة، فنفيه على هذا نفي للظلم من أصله، أي: وما ربك بمنسوب للظلم.
وقد قال ابن مالك:
стр. 4001
ومع فاعل وفعال فعل ... في نسب أغنى عن اليا فقبل
فيكون معنى غير كذوب، أي غير منسوب إلى الكذب، لكني لم أر بعد التتبع إلحاق فعول بفعال في كتب النحو، فيبقى الإشكال على بابه من كون اللفظ نفيًا للكذوبية لا نفيا للكاذبية، وكان الحق نفي الكذب من أصله سواء كان عن البراء وعبد الله بن يزيد وقد روى الطبراني ما يدل على سبب رواية عبد الله بن يزيد لهذا الحديث فإنه أخرج عنه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم.
وقوله: إذا قال سمع الله لمن حمده، في رواية شعبة إذا رفع رأسه من الركوع، ولمسلم فإذا رفع رأسه من الركوع فقال "سمع الله لمن حمده" لم نزل قيامًا وقوله: لم يحن، بفتح التحتانية وسكون المهملة أي لم يثن يقال: حنيت العود إذا أثنيته، وفي رواية لمسلم "لا يحنو" وهي لغة صحيحة. يقال: حنيت وحنوت بمعنى. وقوله: حتى يقع ساجدًا، في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق "حتى يضع جبهته على الأرض" ولمسلم وأحمد "حتى يسجد فيسجدون" واستدل به ابن الجَوْزِيّ على أنّ المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الأمام، وتعقب بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه، بحيث المأموم بعد شروعه وقبل الفراغ منه.
وفي حديث عمرو بن حريث عند مسلم "فكان لا يحني أحد منّا ظهره حتى يستتم ساجدًا، ولأبي يَعلى عن أنس "حتى يتمكن النبي ﷺ من السجود، وهو أوضح في انتفاء المقارنة، وعندنا المقارنة للإمام في الأفعال مكروهة، وفي الإحرام والسلام مبطلة، واستدل به على طول الطمأنينة، وفيه نظر، وعلى جواز النظر إلى الإمام لاتباعه في تنقلاته.
رجاله ستة:
مروا جميعًا. مرَّ مُسَدَّد ويحيى بن سعيد القطّان في السادس من الإيمان,
стр. 4002
ومرَّ سُفيان الثَّوريّ في السابع والعشرين منه، ومرَّ أبو إسحاق السِّبيعيّ والبراء بن عازب في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ عبد الله بن يزيد الخَطَمى في الثامن والأربعين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والعنعنة والقول، وفيه عبد الله بن يزيد صحابيّ من أفراد البخاريّ، وفيه رواية الصحابيّ بن الصحابي عن الصحابيّ. كلاهما من الأنصار، كلاهما من الأوس سكن الكوفة، أخرجه البخاريّ أيضًا عن أبي نُعيم. وعن حَجَّاج وأخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمِذِيّ والنَّسَائيّ كلهم في الصلاة.
ثم قال: حدّثنا أبو نُعيم عنْ سُفيان عن أبي إسحاقَ ونحوَهُ بهذا.
هكذا في رواية المُسْتَملي وكريمة، وسقط للباقين، وقد أخرجه أبو عوانة عن الصَّغَانيّ وغيره، عن أبي نعيم: ولفظه "كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ ، لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله ﷺ جبهته"، وأبو نُعيم المراد به الفضل بن دُكين، وقد مرَّ في الخامس والأربعين من الإيمان, وسفيان وأبو إسحاق مرَّ ذكر محلهما في الذي قبلة. ثم قال المصنف:
باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام
أي من السجود أو الركوع.
стр. 4003
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
تأليف
الامام المحدث العلامة الشيخ محمد الخضر الجكينى الشنقيطي
(المتوفى سنة ١٣٥٤هـ)
الجزء التاسع
مؤسسة الرسالة
стр. 4004
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4005
كوثر المعاني الدراري
في
كشف خبايا صحيح البخاري
стр. 4006
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٥هـ - ١٩٩٥م
مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
مؤَسَّسَة الرّسَالة بيروت - شارع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة
هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان
стр. 4007
الحديث الرابع والأربعون
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ أَوْ لاَ يَخْشَى أَحَدُكُمْ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ.
قوله: أما يخشى أحدكم، في رواية الكُشْمِيَهنِيّ "أو لا يخشى" ولأبي داود عن حفص بن عمر "أما يخشى"، وألا يخشى بالشك، "وأما" بتخفيف الميم، حرف استفتاح، مثل ألا، وأصلها النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام، وهو هنا استفهام توبيخ. وقوله: إذا رفع رأسَه قبل الإمام، زاد ابن خُزَيْمَة "في صلاته" وفي رواية حفص بن عمر المذكورة "الذي يرفع رأسه والإمام ساجد" قال في الفتح: فتبين أن المراد الرفع من السجود، ففيه تعقب علي من قال إن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معاً، وإنما هو نص في السجود، ويلتحق به الركوع، لكونه في معناه. ويمكن أن يفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية, لأنّ العبد أقرب ما يكون فيه من ربه, لأنه غاية الخضوع المطلوب منه، فلذلك خص بالتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء، وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية.
قلت: إنما احتاج صاحب الفتح لما ذكر لاتحاد المخرج في رواية البخاريّ وراوية أبي داود، فلابد من الجمع بينهما، ووجهه هو ما ذكره، وبهذا يعلم سقوط اعتراض العَيْنِيّ عليه، وأما المتقدم على الإِمام في الخفض للركوع والسجود، فقيل: يلتحق به من باب الأَولى, لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل، والركوع والسجود من المقاصد، وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة، فأولى أن يجب فيما هو مقصد، ويمكن أن يقال: ليس هذا بواضح, لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله، ودخول النقص في المفاسد أشد من دخوله في الوسائل، وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر أخرجه البزار عن أبي هريرة مرفوعًا "الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان". وأخرجه عبد الرّزّاق من هذا الوجه موقوفًا، وهو المحفوظ.
وقوله: أو يجعل الله صورته صورة حمار، الشك من شُعْبَة، فقد رواه الطَّيالسِيّ عن حماد بن سَلَمة وابن خُزَيْمة عن حماد بن زيد ومُسْلِم عن يونس بن عُبَيْد والربيع بن مسلم، كلهم عن
стр. 4008
محمد بن زياد بغير تردد، فأما الحمادان فقالا: رأس حمار، وأما يونس فقال صورة، وأما الربيع فقال وجه. والظاهر أنه من تصرف الرواة، قال عِياض: هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس، ومعظم الصورة فيه، ولفظ الصورة يطلق على الوجه أيضًا. وأما الرأس فرواتها أكثر، وهي أشمل، فهي المعتمدة، وخص رقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية، وهي أشمل، وظاهر الحديث يقتضي تحريم الرفع قبل الإمام، لكونه توعد عليه بالمسخ، وهو أشد العقوبات، وبذلك جزم النوويّ، ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم، وتجزىء صلاته، وعن ابن عمر تبطل، وبه قال أحمد في رواية، وأهل الظاهر بناء على أن النهي يقتضي الفساد، وقد مرَّ الكلام على هذه المسألة بأطول من هذا في باب" إنما جعل الإمام ليؤتم به" عند أثر ابن مسعود.
وفي المغني عن أحمد أنه قال: ليس لمن سبق الإمام صلاة، لهذا الحديث، قال: ولو كان له صلاة لرجي له الثواب، ولم يخش عليه العقاب، واختلف في معنى الوعيد المذكور، فقيل: يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنويّ، فإن الحمار موصوف بالبلادة، فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام، ويرجح هذا المجاز أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين، لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولابد، وإنما يدل على كون فاعله متعرضًا، وكون فعله ممكنًا, لأن يقع عنه ذلك الوعيد، ولا يلزم من التعرض للشيء وقوع ذلك الشيء، وقال ابن بُزَيْزَة: يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ، أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معًا، وحمله آخرون على ظاهره، إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك في هذه الأمة، ففي حديث أبي مالك الأشعريّ في الأشربة "ويمسخ آخرين قِرَدَة وخنازير إلى يوم القيامة".
قال ابن العَرَبِيّ: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السابقة، ويحتمل أن يكون كناية عن تبدل أخلاقهم. وللترمذيّ عن عائشة مرفوعًا "يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف" ولابن أبي خَيْثَمة أيضًا مرفوعًا "يكون في أمتي الخسف والمسخ والقذف" ويقوي حمله على ظاهره، أن في رواية ابن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد "أن يحول الله رأسه رأس كلب" وهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار، ومما يبعده أيضًا إيراد الوعيد بالأمر المستقبلى، وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة، ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلًا: فرأسه رأس حمار, لأن الصفة المذكورة، وهي البلادة، حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور، فلا يحسن أن يقال له: يخشى إذا فعلت كذا أن تصير بليدًا، مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة.
وقال ابن الجوزيّ في الرواية التي عبر فيها بالصورة: هذه اللفظة تمنع تأويل من قال: المراد رأس حمار في البلادة، ولم يبين وجه المنع. وقال ابن العربيّ في القبس: ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال، ودواؤه أن يستحضر أنه لا يسلم قبل الإِمام، فلا يستعجل في هذه الأفعال.
وفي الحديث كمال شفقته صلى الله تعالى وسلم بأمته، وبيانه لهم الأحكام، وما يترتب عليها
стр. 4009
من الثواب والعقاب، واستدل به على جواز المقارنة، ولا دلالة فيه لأنه دل بمنطوقه على منع المسابقة، وبمفهومه على طلب المتابعة، وأما المقارنة فمسكوت عنها، وقد قال ابن بزيزة: استدل بظاهره قوم لا يعقلون على جواز التناسخ، وهو مذهب ردىء مبنيّ على دعاوى بغير برهان، والذي استدل بذلك منهم إنما استدل بأصل النسخ لا بخصوص هذا الحديث. والقول بتناسخ الأرواح معدود من أنواع الردة أعاذنا الله تعالى من جميع أنواعها.
قلت: حقيقة تناسخ الأرواح عند القائلين به هو انتقالها في الآدميين أو غيرهم، وأن تعذيبها وتنعيمها بحسب زكاتها وخبثها، فإن كانت شريرة أخرجت من قالبها الذي هي فيه، وألبست قالبًا يناسب شرها من كلب أو خنزير أو نحو ذلك، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد، وإن لم تأخذه انتقلت إلى قالب أشر منه، وهكذا حتى تستوفي جزاء الشر. وفي الخير تنتقل إلى أعلى، وهكذا، حتى تستوفي جزاء خيرها. والقائل بهذا مُنْكِر للجنة والنار والنشر والحشر والصراط والحساب، مكذب للقرآن والرسل والإجماع. واختار ابن مرزوق، قتله بلا استتابة.
رجاله أربعة:
مروا كلهم، ومرَّ حَجّاج بن مِنْهال في الثامن والأربعين من الإيمان، ومرَّ شُعْبَة في الثالث منه، وأبو هُرَيْرة في الثاني منه، ومحمد بن زياد الجمحيّ في الثلاثين من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسماع والقول، وهو من رباعيات البخاريّ. أخرجه الأئمة الستة. ثم قال المصنف:
باب إمامة العبد والمولى
أي العتيق. قال الزين بن المنير: لم يفصح بالجواز، لكن لوح به لإيراده أدلته.
ثم قال: وَكَانَتْ عَائِشَةُ يَؤُمُّهَا عَبْدُهَا ذَكْوَانُ مِنَ الْمُصْحَفِ. وَوَلَدِ الْبَغِيِّ وَالأَعْرَابِيِّ وَالْغُلاَمِ الَّذِى لَمْ يَحْتَلِمْ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "يَؤُمُّهُمْ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ". ولا يُمنعُ العبدُ منَ الجماعةِ بغيرِ علَّة.
وهذا التعليق وصله أبو داود في كتاب المصاحف عن أبي مَليكة أن عائشة كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف، ووصله ابن أبي شَيْبَةَ عن ابن أبي مَليكة عن عائشة أنها أعتقت غلامًا لها عن دبر فكان يؤمها في رمضان في المصحف، ووصله الشافعي وعبد الرّزّاق عن ابن أبي مَليكة أيضًا أنه كان يأتي عائشة بأعلى الوادي هو وأبوه وعُبَيْد بن عُمَيْر والمسور بن مَخْرَمَةَ وناس كثير، فيؤمهم أبو عمرو مَوْلى عائشة، وهو يومئذ غلام لم يعتق.
وأبو عَمْرو المذكور هو ذكوان، وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور، وقال مالك: لا تصح
стр. 4010
إمامته في الجمعة، وتبطل صلاته وصلاة من صلى خلفه, لأنها لا تجب عليه، وخالف أشْهَب واحتج بانها تُجْزئه إذا حضرها، وتكره إمامته راتباً، وتجوز إذا كان غير راتب، وكذا تكره عند الحَنَفِية. وقيل: جَائزة، وغيره أحب. وقوله: في المصحف، استدل به على جواز قراءة المصلي في المصحف، ومنع منه آخرون لكونه عملًا كثيرًا في الصلاة، ومذهب مالك كراهة القراءة فيه في صلاة الفرض، ولو دخل على ذلك من أوله، ويجوز ذلك في النافلة إذا ابتدأ القراءة في المصحف لا في الأثناء فيكره، وعند أبي حَنِيفَة القراءة فيه مُفْسدة للصلاة، وعند صاحبيه تجوزمع الكراهة، وعائشة مرت في الثاني من بدء الوحي.
وذكوان مولى عائشة أبو عمرو المَدَنيّ. قال أبو زُرْعَة: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال البُخاريّ في تاريخه من طريق ابن أبي مليكة: إنه أحسن على ذَكوان الثناء، وقال العِجْليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة. وقال ابن أبي مُلَيكة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يؤم عائشة, ففتاها ذَكوان إذا لم يوجد، وقال الواقِديّ: كانت عائشة دبرته، وله أحاديث قليلة، ومات ليالي الحرة. وقال الهَيثم بن عَدِيّ: أحسبه قتل بالحرة سنة ثلاث وستين. روى عن عائشة، وروى عنه عبد الرحمن بن الحارث، وهوأكبر منه، وابن أبي مُلَيكة وعليّ بن الحُسَين وغيرهم.
وقوله: وولد البغيّ، وهذا معطوف على قوله "والمولى" ولكن فصل بين المتعاطفين بأثر عائشة، وغفل القُرْطبيّ في مختصر البخاري فجعله من بقية الأثر المذكور، والبغِي، بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد المثناة، أي الزانية. ونقل ابن التين أنه رواه بفتح الموحدة وسكون المعجمة والتخفيف، والأول أولى، وإلى صحة إمامة ولد الزنى ذهب الجمهور أيضًا، وكان مالك يكره أن يتخذ إمامًا راتبًا، وعلته عنده أنه يصير معرضًا لكلام الناس فيأثمون بسببه. وقيل: لأنه ليس له في الغالب من يفقهه، فيغلب عليه الجهل، وكذا تكره إمامته عند الحَنَفِية.
وقوله: والأعرابيّ، أي بفتح الهمزة، ساكن البادية. وإلى صحة إمامته ذهب لجمهور أيضًا وخالف مالك فقال بكراهة إمامته للحاضر ولو كان أقرأ منه. علته عنده غلبة الجهل على سكان البادية، وقيل: لأنهم يديمون نقص السنن ترك حضور الجماعة غالبًا، وكذا تكره عند الحَنَفِية أيضًا. وقوله: والغلام الذي لم يحتلم، ظاهر أنه أراد المراهق، وتحتمل الأعم، لكن يخرج منه من كان دون سن التمييز بدليل آخر، ولعل المصنف راعى اللفظ الوارد في النهي عن ذلك، وهو فيما رواه عبد الرزاق عن ابن عباس مرفوعًا "لا يؤم الغلام حتى يحتلم" إسناده ضعيف، وأخرج المصنف في غزوة الفتح حديث عمرو بن سَلِمَة بكسر اللام، أنه كان يؤم قومه وهو ابن سبع سنين. وقيل: إنما لم يستدل به هنا, لأن أحمد بن حنبل توقف فيه، فقيل: لأنه ليس فيه اطلاع النبي -صلى الله عليه سلم- على ذلك وقيل: لاحتمال أن يكون أراد أنه كان يؤمهم في النافلة دون الفريضة، وأجيب عن الأول بأن زمان نزول الوحي لا يقع فيه لأحد من الصحابة التقرير على ما لا يجوز فعله، ولهذا استدل أبو سعيد وجابر على جواز العَزْل، بأنهم كانوا يَعْزِلون والقرآن ينزل، كما يأتي، وأيضًا فالوفد الذين
стр. 4011
قدموا عمرو بن سلمة كانوا جماعة من الصحابة، وقد نقل ابن حزم أنه لا يعلم لهم في ذلك مخالف منهم، وعن الثاني بأن سياق رواية المصنف تدل على أنه كان يؤمهم في الفرائض، لقوله فيه "صلوا كذا، فإذا حضرت الصلاة" الحديث وفي رواية أبي داود قال عمرو" فما شهدت مشهدًا في حرم إلا كنت إمامهم" وهذا يعم الفرائض والنوافل.
واحتج ابن حزم على عدم الصحة بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمر أن يؤمهم أقرؤهم. قال: فعلى هذا إنما يؤم من يتوجه إليه الأمر، والصبي ليس بمأمور, لأن القلم رفع عنه فلا يؤم، ولا يخفى فساد ما قال, لأنا نقول المأمور من يتوجه إليه الأمر من البالغين بأنهم يقدمون من اتصف بكونه أكثر قرآنا، فبطل ما احتج به. ومذهب الشافعية جواز إمامة الصبي في الفرض، وعندهم قولان في الجمعة. وقال الحنفية: لا تصح إمامته للرجال في فرض ولا نفل، وتصح لمثله. وقال المالكية: لا تصح في فرض وبغيره تصح، وإن لم تجز. وقال المرداويّ من الحنابلة: وتصح إمامة صبي بالغ وغيره في نفل، وفي فرض بمثله فقط، ولا تصح خلفه صلاة فرض للبالغ.
وقوله: لقول النبي ﷺ "يَؤمُّهم أقْرَؤُهم لكتاب الله" أي فكل من اتصف بذلك جازت إمامته من عبد وصبي وغيرهما. وهذا طرف من حديث أبي مسعود الذي ذكرناه في باب "إذا استووا في القراءة" وقد أخرجه مسلم وأصحاب السنن بلفظ "يؤم أقرؤهم لكتاب الله" الحديث. وفي حديث عمرو بن سَلِمة المذكور عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "وليؤمكم أكثركم قرآنًا" وفي حديث أبي سعيد عند مسلم أيضًا "إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم" واستدل بقوله "أقرؤهم" على أن إمامة الكافر لا تصح, لأنه لا قراءة له.
وقوله: ولا يمنع من الجماعة بغير علة، هذا من كلام المصنف، وليس من الحديث المعلق. وقوله: بغير علة، أي بغير ضرورة لسيده، فلو قصد تفويت الفضيلة عليه بغير ضرورة لم يكن له ذلك، وسنذكر مستنده في الكلام على قصة سالم في أول حديثي الباب.
стр. 4012
الحديث الخامس والأربعون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ الْعُصْبَةَ مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا.
قوله: لما قدم المهاجرون الأولون، أي من مكة إلى المدينة، وبه صرّح في رواية الطبرانيّ. وقوله: العُصْبَةَ، بالنصب على الظرفية، لقوله "قدم" كذا في جميع الروايات، وفي رواية أبي داود "نزلوا العصبة" أي المكان المسمى بذلك، وهو بإسكان الصاد المهملة بعدها موحدة، واختلف في أوله، فقيل بالفتح، وقيل بالضم، وفي النهاية ضبطه بعضهم بفتح العين والصاد المهملتين، وقيل المُعَصَّب بوزن محمد، وهو موضع بقُباء. وقوله: وكان يؤمهم سالم مولى أبي حُذَيْفَةَ، زاد في الأحكام عن نافع "وفيهم أبو بكر وعمر وأبو سَلَمة بن عبد الأسَد وزيد بن حَارِثَة وعامر بن رَبيعة" واستشكل ذكر أبي بكر فيهم، إذ في الحديث أن ذلك كان قبل مقدم النبي ﷺ , وأبو بكر كان رفيقه، ووجهه البَيْهَقي، باحتمال أن يكون سالم المذكور استمر على الصلاة بهم، فيصح ذكر أبي بكر، ولا يخفى ما فيه.
ووجه الدلالة منه إجماع كبار الصحابة القُرَشِيين على تقدم سالم عليهم، وكان سالم المذكور مولى امرأة من الأنصار فأعتقته، وكانت إمامته بهم قبل أن يعتق، وبذلك تظهر مناسبة قول المصنف: ولا يمنع العبد، وإنما قيل له مولى أبي حذيفة لأنه لازم أبا حُذَيْفَةَ بن عُتْبَة بن رَبيعة بعد أن عتق فتبناه، فلما نهوا عن ذلك قيل له مولاه، ويأتي تعريفهما قريبًا. وقوله: وكان أكثرهم قرآنًا إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه، وفي رواية الطَّبَرانيّ "لأنه كان أكثرهم قرآناً".
رجاله خمسة:
وفيه ذكر سَالم وأبي حُذَيْفَة، وقد مرت رجاله الخمسة، مرَّ إبراهيم بن المنذر في الأول من العلم، ومرَّ أنَسَ بن عِيَاض وعُبيد الله في الرابع عشر من الوضوء، ومر نافع في الثالث والسبعين من العلم، ومرَّ عَبْد الله في أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 4013
وأما سالم، فهو سالم بن مَعْقِل على ما قال ابن أبي داود، مولى أبي حُذَيْفَةَ بن عُتْبَة بن ربيعة بن عَبْدِ شَمْس بن عبد مناف، يكنى أبا عبد الله، كان من أهل فارس من اصْطَخْر، وقيل من عَجَم الفُرسْ من كِرمان، كان من خيار الموالي، أحد السابقين الأولين، أعتقته امرأة من الأنصار زوجة أبي حُذَيفة، سائِبَة. فوالى أبا حُذَيفة، وتَبَنَّاه كما تبنى النبي ﷺ زيدَ بن حَارِثة، فكان أبو حُذَيفة يظن أنه ابنه، فزوجه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة، فلما أنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، رد كل أحد تبنى ابنًا من أولئك إلى أبيه، ومن لم يعرف أبوه رد إلى مواليه، كما أخرجه مالك في الموطأ مع قصة إرضاعه الآتية.
واختلف في اسم الأنصارية التي عتقته، مع الاتفاق على أنها بنت يَعار، زوجة أبي حُذَيفة، كما قال ابن عبد البَرّ. فقيل: اسمها ثُبَيَّة بنت يَعار بن زَيْد بن عبيد بن زَيْد الأنصاريّ الأوْسيّ. وقيل: بَثْنَة، وقيل عَمْرَة، وقيل سَلمى، وقيل ليلى، وقيل فاطمة، فهو معدود من المهاجرين لما مرَّ من تبني أبي حُذَيفة له، ومعدود من الأنصار في بني عبيد، لعتق مولاته الأنصارية له، ومعدود في العجم لما مرَّ، وفي القراء لما في هذا الحديث "كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا" ولما رواه البُخَاريّ ومُسْلم والنَّسائيّ عن عبد الله بن عَمرو بن العاص، رفعه "خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حُذَيفة، وأُبيّ بن كَعْب، ومُعاذ بن جَبَل" ومن طريق ابن المُبارك عن ابن سابِط "أن عائشة احتبست على النبي ﷺ فقال: ما حبسك؟ قالت: سمعت قارئًا يقرأ، فذكرت من حسن قراءته فأخذ رداءه وخرج، فإذا هو سالم مولى أبي حُذَيفة، فقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك".
وأخرجه أحمدُ وابن ماجَه، والحاكم في المستدرك، من طريق الوَليد بن مُسْلم عن عائشة موصولًا، وابن المبارك أحفظ من الوليد، ولكنْ له شاهد أخرجه البَزَّار عن عائشة قالت: "سمع النبي- ﷺ سالمًا مولى أبي حذيفة يقرأ من الليل، فقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي مثله".
ورجاله ثقات، وقصته في الرضاع مشهورة، فعند مسلم عن عائشة "أن سالمًا كان مع أبي حُذَيفة، فأتت سَهْلَةُ بنت سُهَيل بن عمرو رسول الله ﷺ فقالت: إن سالمًا بلغ ما يبلغ الرجال، وإنه يدخل عليّ، وأظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً، فقال: أرضعيه تحرمي عليه" الحديث.
ومن طريق الزُّهريّ عن أم سَلَمة أن أزواج النبي ﷺ قلن لعائشة: ما نرى هذا إلا رخصة رخصها
стр. 4014
رسول الله ﷺ لسالم، وأخرج مالك في الموطأ عن عُروة بن الزُّبَير قال: جاءت سَهْلَة بنت سُهَيل وهي امرأة أبي حُذَيفة، فقالت: "يا رسول الله، إنا كنا نرى سالماً ولدًا، وكان يدخل عليّ وأنا فُضُل، فماذا ترى فيه؟ " فذكر الحديث، ووصله عبد الرزاق عن مالك، وكان عمر بن الخطّاب يُفْرط في الثناء عليه. وروي عنه أنه قال: لو كان سالم حيًا ما جعلتها شورى. قال ابن عبد البَرّ: وهذا عندي إن كان مما يصدر فيها عن رأيه. روى ابن المبارَك أن لواء المهاجرين كان مع سالم، فقيل له في ذلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إن فررت، فقطعت يمينه، فأخذه بيساره، فقطعت فاعتنقه إلى أن صرع. فقال لأصحابه: ما فعل أبو حُذَيفة؟ يعني مولاه، قيل: قتل. قال أضْجعِوني بجنبه. فأرسل عمر ميراثه إلى معتقته ثُبَيّة، فقالت: إنما أعتقته سائبة، فجعله في بيت المال.
وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه فقال كليه، هكذا قال في الإصابة، وقال ابن عبد البَرّ: قتل يوم اليمامة شهيدًا هو ومولاه أبو حُذَيْفَة، فوجد رأس أحدهما عند رجل الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة من الهجرة، وكان من البدريين، له حديثان أحدهما عند البَغَوِيّ من طريق عبدة بن أبي لُبابَة قال: "بلغني عن سالم مولى أبي حُذيفة قال: كان لي إلى رسول الله ﷺ حاجة، فقعدت في المسجد أنتظر، فخرج، فقمت إليه، فوجدته قد ركع، فقعدت قريبًا منه، فقرأ البقرة ثم النساء والمائدة والأنعام، ثم ركع ثانيهما" عند سمويه وابن شاهِين من طريق عَمرو بن دِيْنار قَهْرَمان آل الزُّبير "حدثني شيخ من الأنصار عن سالم مولى أبي حُذَيْفَة عن النبي ﷺ قال: ليجاء يوم القيامة بقوم لهم حسنات مثل جبال تِهَامة، فيجعل الله أعمالهم هباء، كانوا يصلون ويصومون، ولكن إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه. وفي السندين ضعف وانقطاع، فقول ابن أبي حاتم: أنه ما روي عنه شيء، يحمل على أنه لم يصح عنه شيء.
وأما أبو حُذَيْفَة، فهو أبو حُذَيْفَة بن عُتْبَة بن رَبيعَةَ بن عَبْدِ شمس بن عبد مناف، القُرَشي العَبْشَميّ، كان من فضلاء الصحابة من المهاجرين الأولين، جمع الله له الشرف والفضل، صلى القبلتين، وهاجر الهجرتين، كان إسلامه قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم للدعاء فيها إلى الإِسلام، هاجر مع امرأته سَهْلة بنت سُهَيل بن عمرو إلى الحبشة، ولدت له فيها محمد بن أبي حُذَيْفَة، ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة، فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وأحدًا والخَنْدَق والحُدَيْبيَة والمشاهد، وقتل يوم اليمامة شهيدًا، وهو ابن ثلاث أو أربع وخمسين سنة. يقال: اسمه مُهْشِم أو هُشَيم أو هشام، وكان رجلًا طُوالًا حسن الوجه أحول أشعل، والأشعل الذي
стр. 4015
له سن زائدة تدخل من أجلها الأخرى، وفيه تقول أخته هِنْد بنت عُتْبَة حين دعا أباه إلى البراز يوم بدر:
فما شكرت أبًا رباك من صِغَر ... حتى شببتَ شبابًا غير مَمْجونِ
الأحول الأشعل المشؤوم طائرُه ... أبو حُذَيْفَة شَرِّ الناس في الدينِ
قال ابن عبد البَرّ: وكان خير الناس في الدين، وكانت هي، إذ قالت هذا، شر الناس في الدين. وكان أسلم بعد ثلاثة وأربعين نفسًا، ثبت ذكره في الصحيحين في قصة سالم من طريق الزُّهريّ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أبا حُذَيْفَة بن عُتْبَة كان ممن شهد بدرًا.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، وفيه أن شيخ البخاريّ من أفراده، ورواته كلهم مدنيون.
стр. 4016
الحديث السادس والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ".
قوله: اسمعوا وأطيعوا، أي في ما فيه طاعة لله، وقوله: استُعْمِل، بضم المثناة على البناء للمفعول، أي جعل عاملًا بأن أَمّر إمارة عامة على البلد مثلًا، أو ولي فيها ولاية خاصة، كالإمامة في الصلاة أو في جباية الخَرَاج أو مباشرة الحرب، فقد كان في زمن الخلفاء الراشدين من تجتمع له الأمور الثلاثة، ومن يختص ببعضها. وقوله: حَبَشِي، بفتح المهملة والموحدة بعدها معجمة، منسوب إلى الحَبَشة، وللمصنف في الأحكام وإن استعمل عليكم عبد حَبَشِيّ، وهو أصرح في مقصود الترجمة. وله في رواية بعد باب عن غندر بلفظ "قال النبي ﷺ لأبي ذرٍ: اسمع وأطع، ولو لحبشيّ كأنَّ رأسه زبيبة". وأخرج مسلم عن أبي ذَرٍّ أنه انتهى إلى الرَّبذَة فإذا عبد يؤمهم، فذهب يتأخر لأجل أبي ذَرٍّ فقال أبو ذَرٍّ "إن خليلي صلى الله تعالى عليه وسلم أوصاني أنْ اسمعْ وأطعْ وإن كان عبدًا حَبَشيًا مُجدع الأطراف" وأخرجه الحاكم والبَيْهَقِيّ من هذا الوجه, وظهرت بهذه الرواية الحكمة في تخصيص أبي ذَرٍّ في هذه الرواية. وأخرج مسلم أيضًا عن أم الحُصين "أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في حِجَّة الوداع يقول: استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله".
وفي هذه الرواية فائدتان: تعيين جهة الطاعة، وتأريخ الحديث وأنه كان في أواخر عهد النبي ﷺ وقوله: كأنّ رأسه زبيبة، واحدة الزبيب المأكول. المعروف الكائن من العنب إذا جف، قيل: إنما شبه رأس الحَبَشي بالزبيبة لتجمعها، ولكون شعره أسود. وقيل شبهه بذلك لِصِغَر رأسه، وذلك معروف في الحبشة، وقيل لقصر شعر رأسه وتفلفله، وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة، وعدم الاعتداد بها. ووجه الدلالة منه على صحة إمامة العبد أنه إذا أمر بطاعته فقد أمر بالصلاة خلفه، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من جهة ما جرت به عادتهم، أن الأمير هو الذي يتولى الإمامة بنفسه أو نائبه، واستدل به على المنع من القيام على السلاطين, وإن جاروا؛ لأن القيام على السلاطين يفضي غالبًا إلى أشد مما ينكر عليهم، ووجه الدلالة منه أنه أمر بطاعة العبد الحبشيّ. والإمامة العُظْمى إنما تكون بالاستحقاق في قُرَيش، فيكون غيرهم متغلباً، فإذا أمر بطاعته استلزم النهي عن مخالفته والقيام عليه، ورده ابن الجَوْزِيّ بأن المراد بالعامل هنا من يستعمله الإمام، لا من يلي الإمامة العظمى. وقيل: المراد بالطاعة الطاعة فيما وافق الحق. قلت: هذا الحمل متعين إجماعًا،
стр. 4017
إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقد قال الله تعالى في حق نبيه ﷺ ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢].
ولا مانع من حمله على أعم مما قال ابن الجَوْزِيّ، فقد وجد من ولي الإمامة العُظْمى من غير قُريش من ذوي الشوكة متغلبًا، ويأتي إنْ شاء الله تعالى بسط ذلك في غير هذا المحل، وقد عكسه بعضهم، فاستدل به على جواز الإمامة في غير قُرَيش، وهو متعقب إذ لا تلازم بين الإجزاء والجواز، ويحتمل أن يسمى عبدًا باعتبار ما كان قبل العتق، وهذا كله إنما هو فيما يكون بطريق الاختيار، وأما لو تغلب عبد حقيقة بطريق الشوكة، فإن طاعته تجب إخمادًا للفتنة ما لم يأمر بمعصية، كما مرَّ. وقيل: المراد أن الإمام الأعظم إذا استعمل العبد الحبشيّ على إمارة بلد مثلًا، وجبت طاعته. وليس فيه أن العبد الحبشيّ يكون هو الإمام الأعظم. وقال الخَطّابيّ: قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود، وهذا من ذاك، أطلق العبد الحبشيّ مبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعاً أن يلي ذلك.
رجاله خمسة:
مروا جميعًا، مرَّ محمد بن بَشّار وأبو التَّيَّاح في الحادي عشر من العلم، ومرَّ شُعْبَة في الثالث من الإيمان، ومرَّ يحيي بن سَعيد القَطّان وأنس في السادس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، ورواته بصريون إلا شعبة، فهو واسطيّ، وهو بَصريّ أيضًا أخرجه البُخاريّ في الصلاة أيضًا عن محمد بن أبان، وفي الأحكام عن مسدد، وأخرجه ابن ماجَه في الجهاد. ثم قال المصنف:
باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه
يأتي تفسير الترجمة في تفسير الحديث.
стр. 4018
الحديث السابع والأربعون
حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الأَشْيَبُ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يُصَلُّونَ لَكُمْ، فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَئُوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ.
وقوله: يصلون، أي الأئمة. وقوله: لكم، أي لأجلكم، فاللام للتعليل. وقوله: فإن أصابوا فلكم، أي ثواب صلاتكم. وقوله: ولهم، أي ثواب صلاتهم. وروى أحمد زيادة "لهم". وفي بعض الروايات بحذفها، وتمسك ابن بَطّال بظاهر الرواية المحذوفة، فزعم أن المراد بالإصابة هنا إصابة الوقت، مستدلًا بما أخرجه النَّسَائيّ وغيره من وجه حسن عن ابن مسعود مرفوعًا "لعلكم تدركون أقوامًا يصلون الصلاة لغير وقتها، فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت، ثم صلوا معهم، واجعلوها سبحة" والتقدير على هذا: فإن أصابوا الوقت أو أخطؤا الوقت، فلكم، يعني الصلاة التي في الوقت. وغفل عن الزيادة المذكورة، وهي تدل على أن المراد صلاتهم معهم، لا عند الانفراد.
وقد أخرج ابن حِبّان عن أبي هُرَيْرَة ما هو أصرح في مقصود الترجمة، ولفظه "يكون أقوام يصلون الصلاة فإن أتموا فلكم ولهم" وروى أبو داود عن عُقْبَة بن عامر "مَن أَمَّ الناسَ فأتم" وفي رواية "فأصاب، فالصلاة له ولهم، ومن انتقص من ذلك شيئًا فعليه ولا عليهم" وفي مسند ابن وَهْب عن أبي شُرَيح العَدَويّ "الإمام جُنّة، فإن أتم فلكم وله، وإن نقص فعليه النقصان ولكم التمام". وأخرج الدارَقُطنيّ عن أبي هُريرة "سيليكم بعدي وُلاة فاسمعوا وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساؤا فعليهم".وفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن أبي هُريْرَة مرفوعًا "يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة، فهي لكم وهي عليهم، فصلوا معهم ما صلوا القبلة". وروى الحاكم مصححًا عن سَهْل بن سَعْد "الإمام ضامن، فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه لا عليهم" وروى الشافعيّ عن أبي هُريرة مرفوعًا بلفظ "يأتي قوم فيصلون لكم، فإن أتموا كان لهم ولكم، وان نقصوا كان عليهم ولكم" وفي رواية أحمد في هذا الحديث "فإن صلوا الصلاة لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم" فهذا يبين أن المراد ما هو أعم من ترك إصابة الوقت.
وقوله: وإن اخطؤا، أي ارتكبوا الخطيئة، ولم يرد به الخطأ المقابل للعمد, لأنه لا إثم فيه.
стр. 4019
وقوله: فلكم وعليهم، أي لكم ثوابها وعليهم عقابها, لأن "على" تستعمل في الشر واللام في الخير. وقيل: لكم ثواب الطاعة والسمع، وعليهم إثم ما صنعوا وأخطؤا. وقيل: إن صليتم أفذاذًا في الوقت فصلاتكم تامة إن أخطؤا في صلاتهم، وأتممتم أنتم بهم، ومعنى كون غير الصواب لهم مع أنه لا خير فيه حتى يكون لهم، هو أن صلاتكم لكم، وكذا ثواب الجماعة لكم.
وقال المُهَلَّب: فيه جواز الصلاة خلف البَرّ والفاجر إذا خيف منه، يعني إذا كان صاحب شوكة. وفي "شرح السنة" للبَغَويّ فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثًا أنه تصح صلاة المأمومين خلفه، وعليه الإعادة، وهذا في مذهب الشافعيّ, لأنّ المؤتم عنده تبع الأمام في مجرد الموافقة لا في الصحة، فلأجل هذا قالوا إن خطأ الإمام في بعض غير مؤثر في صحة صلاة المأموم إذا أصاب، فلو ظهر بعد الصلاة أن الإمام جنب أو محدث أو في بدنه أو ثوبه نجاسة خفيفة، فلا تجب إعادة الصلاة على المؤتم به، بخلاف النجاسة الظاهرة لكن قطع صاحب التتمة والتهذيب وغيرهما بأن النجاسة كالحَدَث، ولم يفرقوا بين الخَفيفة وغيرها.
واستدل به غير البَغَويّ على أعم من ذلك، وهو صحة الائتمام بمن يخل بشيء من الصلاة، ركنًا كان أو غيره، إذا أتم المأموم، وهو وجه عند الشافعية، بشرط أن يكون الإمام هو الخليفة أو نائبه، والأصح عندهم صحة الاقتداء إلا بمن علم أنه ترك واجبًا، ومنهم مَنْ استدل به على الجواز مطلقًا، بناء على أن المراد بالخطأ ما يقابل العمد. قال: ومحل الخلاف في الأمور الاجتهادية كمن يصلي خلف من لا يرى قراءة البَسْمَلة، ولا أنها من أركان القراءة، ولا أنها آية من الفاتحة، بل يرى أن الفاتحة تجزىء بدونها، فإن صلاة المأموم تصح إذا قرأ هو البَسْمَلة, لأن غاية الإمام في هذه الحالة أن يكون أخطأ، وقد دل الحديث على أن خطأ الإمام لا يوثر في صحة صلاة المأموم إذا أصاب.
وقال ابن المُنْذِر: هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت تفسد صلاة من خلفه، وقيل: إن أحمد مثل الشافعيّ في عدم ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام، وعند المالكية والحنفية أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، إذا فسدت صلاته تفسد صلاته، واستثنت المالكية من ذلك مسائل مجموعة في نظم ميارة وتذييله للشيخ البُنانيّ وهو:
كل صلاة بطلتْ على الإمام ... تبطُلْ على من خلفه من الأنام
إلا لدى عشرة مع اثنينْ ... فبطلها على الإمام دون مَيْن
ذكر النجاسة سقوطها وزِدْ ... نسيانه الخبث سبق وقد يرد
وكشفُ عَوْرةٍ سجودٌ غَفَلا ... إن عن ثلاثة وطال فاقْبَلا
وإن على نفسٍ يخف أو مالِ ... أو ظهره فاعدد ولا تبالي
مسافِرٌ لدى الصلاة قد نَرَى ... إقامةً ظَنّ الرُّعاف قل سوى
مُقَهْقِه غُلِب وإذا نسيْ ... أبطلها للكلِ عامدٌ مُسِيْ
стр. 4020
وذيلها الشيخ البنانيّ بقوله:
ذكر الفوائت اليسيرة اعلما ... ترك الإمام سجدة لذا اضمما
مُسْتَخْلَفًا لم ينوِ قُلْ وراعِفًا ... كَلَّمَ مُطْلقًا وزدْ مُنْحَرفًا
فارَقَه الإمامُ نيةً وَعِي ... إمامُ خوفٍ بعد الاولى فاسْمَعِ
وذيلها بعضهم:
في كلها يستخلف الإمامُ ... إلا لدى السجودِ فالتمامُ
أغنى ولكن مقهقهًا سما ... مسافرًا وذا الفوائتِ اعلَما
مشهورُها البُطلانُ للكلِ فلا ... يَصِحّ الاستخلاف فصل مُجْمَلا
واستدلت الحنفية والمالكية بما مرَّ عن سهل بن سعد "الإمام ضامن" يعني صلاتهم في ضمن صلاته صحة وفسادًا.
مرَّ منهم زيد بن أسلم، وعطاء بن يسار في الثاني والعشرين من الإيمان، ومرَّ أبو هُرَيرة في الثاني منه.
والرابع شيخ البُخَاريّ الفَضْل بن سَهْل بن إبراهيم الأعْرج، أبو العَبّاس، البغداديّ الحافظ، وقال ابن مَنْدَه: خُراسانيّ نزل بغداد. قال أبو داود: أنا لا أحدث عنه. قيل له: لم؟ قال: لأنه كان لا يفوته حديث جيد. وقال أحمد بن الحُسَين الصُّوفيّ: كان أحد الدَّواهي، يعني في الذكاء. وقال أبو حاتم: صَدُوق. وقال النَّسَائيّ: ثقة، وذكره ابن حِبّان، وقال: "مات سنة خمس وخمسين ومئتين وزاد السّراج في "صفر" وله نيف وسبعون سنة. روى عن شَبّابَة والحسن بن موسى الأشْيَب وزيد بن الحُبَاب ويَزيِد بن هارون وغيرهم. وروى عنه الجماعة سِوى ابن ماجَه. وأبو حاتم وعبد الله بن أحمد بن حنبل وابن أبي الدنيا والبَغَويّ وغيرهم.
الثاني من السند الحَسَنُ بن موسى الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي طَبَرسْتَان والموصل وحِمْص. قال أحمد: هو من مُتَثبّتي بغداد. وقال ابن مَعِين وابن المَدِينيّ: ثقة. وَقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا في الحديث. وذكره ابن حِبَّان في الثقات. وذكره مسلم في رجال شُعْبَة الثقات في الطبقة الثالثة. وقال أبو حاتم وصالح بن محمد وابن خِراش صَدُوق. زاد أبو حاتم: مات بالري، وحضرت جنازته. مات سنة ثمان أو تسع أو عشر ومئتين. روى عن الحمّادين وشُعْبَةَ وسُفيان وجَرير بن حازم واللَّيث بن سعد وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حَنْبَل وحَجاج بن الشاعر والفَضْل بن سَهْل الأعْرَج وهارون الجَمّال وغيرهم.
الثالث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار العَدَوِيّ، وقد مرَّ في الثامن والثلاثين من الوضوء.
стр. 4021
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بغداديّ وكُوفيّ ومَدَنيّ. قال العَيْنِيّ وعبد الرحمن: من أفراد البُخاريّ، وقد مرَّ لك قريبًا عن ابن حجر من روى عنه غيره من الستة، وهذا الحديث انفرد به البُخاريّ عن الستة، وأخرجه ابن حِبّان والدارَقُطنيّ عن أبي هُريرة. ثم قال المصنف:
باب إمامة المفتون والمبتدع
قوله المفتون، أي الذي دخل في الفتنة، فخرج على الإمام. ومنهم من فسره بما هو أعم من ذلك، وقوله: المبتَدع، أي الذي ارتكب البدعة وهو من اعتقد شيئًا مما يخالف أهل السنة والجماعة، والبدعة لغةً: كل شيء عمل على غير مثال سابق، وشرعًا إحداث ما لم يكن له أصل في عهد النبي ﷺ , وهي على قسمين: بدعة ضلالة، وهي التي ذكرنا، وبدعة حسنة، وهي ما رآه المؤمنون حسنًا، ولا يكون مخالفًا للكتاب أو السنة أو الإجماع، والمراد هنا البدعة الضلالة، وقد أشبعنا الكلام عليها في كتابنا "مشتهى الخارِف الجاني".
ثم قال: وقالَ الحسنُ: صلِّ وعليهِ بدْعَتُهُ.
وهذا التعليق وصله سَعِيد بن منصور عن ابن المُبارك، ولفظه أن الحسن سُئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة، فقال الحسن: صل خلفه وعليه بدعته، والحسن المراد به الحسن البصري، وقد مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان.
стр. 4022
الحديث الثامن والأربعون
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضى الله عنه وَهْوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ. فَقَالَ الصَّلاَةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ.
قوله: وقال لنا محمد بن يوسف، يأتي في السند قريبًا ما قيل فيه، ووصله الاسماعيليّ عن محمد بن يحيي قال حدثنا محمد بن يوسف الفِرْيابي، وقوله: عن حُمَيد بن عبد الرحمن، أي ابن عوف، وفي رواية الإِسماعيليّ " أخبرني حميد"، وخالفه يونس بن يزيد فقال: عن الزُّهْرِيّ عن عُرْوَة، أخرجه الإسماعيليّ، وكذلك رواه معمر عن الزُّهْريّ، أخرجه عمر بن شَبَّةَ في كتاب مقتل عُثمان عن غندر عنه، ويحتمل أن يكون للزّهريّ فيه شيخان.
وقوله: عن عُبَيد الله بن عَدِيّ، في رواية ابن المُبارَك عن الأوزاعيّ عند الِإسماعيليّ وأبي نُعيم: حدثني عُبيد الله بن عَديّ بن الخِيار من بني نَوْفل بن عبد مناف. وقوله: إنك إمام عامة، أي جماعة، وفي رواية يونس "وأنت الإمام" أي الأعظم. وقوله: ونزل بك ما نرى، بالنون أي من الحصار، وفي رواية "ما ترى" بتاء المخاطب، أي ما ترى من الحصار، وخروج الخوارج عليك. وقوله: ويصلي لنا، أي يؤمنا، وقوله: إمام فتنة، أي رئيس فتنة. وقال الدّاوديّ: أي إمام وقت فتنة. وعلى هذا الاختصاص له بالخارجي. قال: ويدل على صحة ذلك أن عثمان لم يذكر الذي أمهم بمكروه، بل ذكر أن فعله أحسن الأفعال، ولكن هذا مغاير لمراد المصنف من ترجمته، ولو كان كما قال لم يكن قوله "ونتحرج" مناسبًا.
واختلف في المشار إليه، فقيل: هو عبد الرحمن بن عُدَيْس البَلَويّ، أحد رؤوس المصريين الذين حَصَروا عثمان، كما قاله ابن عبد البَرّ. زاد ابن الجَوْزيّ: وإن كَنانة بن بُسْر أحد رؤوسهم، صلى بالناس أيضًا، وهو المراد هنا, لأن سَيْف بن عمرو روى حديث الباب في كتاب "الفتوح" عن الزّهريّ بسنده فقال فيه: "دخلت على عثمان وهو محصور، وكنانة يصلي بالناس، فقلت: كيف ترى ... " الحديث، وذلك أن هؤلاء لما هجموا على المدينة كان عثمان يخرج فيصلي بالناس شهرًا، ثم خرج يومًا فحصبوه حتى وقع على المنبر، ولم يستطع الصلاة يومئذ، وصلى بالناس يوم حصر عثمان أبو أمَامة بن سَهْل بن حُنَيْفِ الأنصاريّ، لكن بإذن عثمان كما قال سَيْف بن عمر وفي "الفتوح".
ورواه عمر بن شَبَّة بسند صحيح وكذلك صلّى بهم عَلِيّ بن أبي طالب فيما رواه إسماعيل
стр. 4023
الخطيّ في تاريخ بغداد عن ثَعْلَبَة بن يَزِيد الحَمْانيّ، قال: فلما كان يوم عيد الأضحى جاء عليّ فصلى بالناس. وقال ابن المبارك فيما رواه الحسن الحَلْوانيّ: لم يصل بهم غيرها. وقال غيره: صلى بهم عدة صلوات، وصلى بهم، أيضًا سَهْل بن حُنَيف. رواه عمر بن شَبَّة بإسناد قويّ. وقيل: صلى بهم أيضًا أبو أيوب الأنصاريّ وطَلْحَة بن عُبَيد الله، وليس واحد من هؤلاء مرادًا بقوله "إمام فتنة" إلا على ما مرَّ من تقرير الداوديّ. وقد مرَّ ما فيه.
وقوله: ونتحرج، في رواية ابن المبارك "وإنا لنتحرج من الصلاة معه" والتحرج التأثّم أي نخاف الوقوع في الإثم، وأصل الحرج الضيق، ثم استعمل للإثم لأنه يُضَيّق على صاحبه. وقوله: فقال الصلاة أحسن، في رواية ابن المبارك "إن الصلاة أحسن" وفي رواية مَعْقِل بن زِياد عن الأوزاعيّ عند الإسماعيليّ "من أحسن". وقوله: فإذا أحسن الناس، فأحسن معهم، ظاهره أنه رخص له في الصلاة معهم، كأنه يقول: لا يضرك كونه مفتونًا، بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه، واترك ما افتتن به، وهو الموافق لسياق الباب، وهو الذي فهمه الداوديّ حتى احتاج إلى تقدير حذف في قوله "إمام فتنة" كما مرَّ.
قلت: قد مرَّ أنه على كلام الداوديّ لا اختصاص له بالخارجيّ، وخالف ابن المُنير فقال: يحتمل أن يكون رأى أن الصلاة خلفه لا تصح، فحاد عن الجواب بقوله إن الصلاة أحسن, لأن الصلاة التي هي أحسن هي الصلاة الصحيحة، وصلاة الخارجيّ غير صحيحة, لأنه إما كافر أو فاسق، وفيما قاله نظر, لأنّ سيفًا روى في "الفُتَوح" عن سَهْل بن يوسف الأنصاريّ عن أبيه. قال: كره الناس الصلاة خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان، فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه، فهذا صريح في أن مقصوده بقوله "الصلاة أحسن" الإشارة إلى الإذن بالصلاة خلفه، وفيه تأييد لما فهمه المصنف من قوله "إمام فتنة".
وروى سعيد بن منصور عن مَكْحُول قال: قالوا لعثمان انا نتحرج أن نصلي خلف هؤلاء الذين حصروك، فذكر نحو حديث الزُّهريّ، وهذا منقطع، إلا أنه اعتضد. وقوله: وإذا أساؤا فاجتنب، فيه تحذير من الفتنة والدخول فيها، ومن جميع ما ينكر من قول أو فعل أو اعتقاد، وفيه الحض على شهود الجماعة، ولاسيما في زمن الفتنة لئلا يزداد تفرق الكلمة. وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة، ومذهب الشافعية أن الفاسق بجارحة أو اعتقاد تصح الصلاة خلفه إلا منكر العلم بالجزئيات وبالمعدوم ومن يصرح بالتجسيم، فلا يجوز الاقتداء بهم كسائر الكفار، وتصح خلف مبتدع يقول بخلق القرآن أو بغيره من البدع التي لا يكفر بها صاحبها، هذا ما عند الشافعية، والمشهور عند المالكية أن الفاسق الذي لا يتعلق فسقه بالصلاة، بل بالجوارح الظاهرة، كالزنى وشُرْب الخمر يحرم الاقتداء به، ويحرم عليه هو المتقدم، ولا تبطل صلاة المقتدي به، وأما الذي يتعلق بالصلاة، كالتهاون بأركان الصلاة وشروطها، فالصلاة به باطلة، وأما الفاسق بالاعتقاد كالبدعيّ المختلف في تكفيره وتفسيقه، كالخوارج والرَّوافض والجَهْمِية
стр. 4024
والمعتزلة، فالصلاة خلفه صحيحة، وتندب إعادتها في الوقت.
وقال أصبغ يعيد أبداً، وأما المقطوع بكفره من أهل البدع، كالقائل إن اللهَ تعالى لا يعلم الأشياءُ مفصلةً، فالصلاة خلفه باطلة، وأما عند الحَنَفية، فقد قال العَيْنيّ: قال أصحابنا: تكره الصلاة خلف صاحب هوى وبدعة، ولا تجوز خلف الرافضيّ والجهميّ والقدريّ, لأنهم يعتقدون أن الله لا يعلم الأشياء قبل حدوثها، وهذا كفر، والمُشَبِّهَةُ ومن يقول بخلق القرآن. وكان أبو حَنِيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع، ومثله عن أبي يوسف. وأما الفاسق بجارحة، كالزاني وشارب الخمر، فزعم ابن الحبيب أن من صلى خلف شارب الخمر يعيد أبداً إلا أن يكون والياً، وقيل في رواية تصح، وفي المحيط: لو صلى خلف فاسق أو مبتدع يكون محرزًا لثواب الجماعة، ولا ينال ثواب من صلى خلف المتقي. وفي "المبسوط" يكره الاقتداء بصاحب البدعة.
وقال أحمد: لا تصح صلاة بالفاسق مطلقًا، سواء كان فسقه من جهة الأفعال أو الاعتقاد، ولو مستورًا ولو بمثله، إلا في جمعة وعيد تعذرا خَلْف غيره، بأن يعدما خلف عدل, لأن الجمعة والعيد من شعائر الإِسلام، وتليهما الأئمة دون غيرهم، فتركهما خلفهم يفضي إلى تركهما بالكلية، ولا يعيد الجمعة. قال "في الفتح": وفي الأثر رد على من زعم أن الجمعة لا يجزىء أن تقام بغير إذن الإمام. قلت: وبيان ذلك هو أن علياً رضي الله تعالى عنه صلى يوم عيد الأضحى الذي من شرطه أنه لا يصليه إلا من يصلي الجمعة، ولم يثبت أنه حصل له إذن من عثمان رضي الله تعالى عنه، فعل ذلك لئلا تضاع السنة.
قال العَيْنِي: وقد قال أصحابنا: لا تجوز إقامتها إلا للسلطان، وهو الإمام الأعظم، أو لمن أمره، كالنائب والقاضي والخطيب، مستدلين بما رواه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله، قال: "خطبنا رسول الله ﷺ ... " الحديث، وفيه "فمن تركها" أي الجمعة "في حياتي وبعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافًا بها، وجحودا لها، فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره، ولا صلاة له، ولا زكاة ولا حج ولا صوم له، ولا بر له حتى يتوب .. " الحديث. لكن في سنده عبد الله بن محمد، وهو متكلم فيه. وقال العَيْنِي: إنه روي من طرق كثيرة مختلفة، فحصل له من ذلك قوة، فلا يمنع من الاحتجاج به.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر عثمان رضي الله تعالى عنه، مرَّ محمد بن يوسُف الفِرْيابيّ في العاشر من العلم, ومرَّ الأوزاعيّ في العشرين منه، ومرَّ عثمان في أثر معلق بعد الخامس منه، ومرَّ ابن شِهاب في الثالث من بدء الوحي، ومرَّ حُمَيد بن عبد الرحمن في الثلاثين من الإيمان.
وأما عُبَيد الله فهو عُبَيد الله بالتصغير، بن عَدِيّ بن الخِيار، بكسر الخاء، ابن عَديّ بن نَوْفل بن عبد مناف، النَّوفَليّ القُرَشِيّ المَدَنيّ. قال ابن حبَّان: له رؤية. وقال البَغَويّ: بلغني أنه ولد على عهد النبي- ﷺ . ويقال إن أباه قتل ببدر، حكاه ابن ماكولا. وقال ابن سعد: أسلم أبوه يوم الفتح.
стр. 4025
وذكر المَدَانيّ لعَديّ قصة مع عثمان، والجمع بين الكلامين أنهما اثنان عَدِيّ الأكبر وعَدِيّ الأصغر، فالذي أسلم في الفتح هو والد عُبيد الله هذا، والآخر قتل ببدر، وفي صحيح البخاري أن عثمان قال له: يا بني أدركت النبي ﷺ ؟ قال: لا، ولكن خلص إليّ من علمه. ومراده أنه لم يدرك السماع منه بقرينة، ولكن خلص.
وقال ابن إسحاق: حدثني الزّهريّ عن عطاء بن يزيد عن عُبيد الله بن عدي، وكان من فقهاء قريش وعلمائهم، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، وقال: أمه أم قَتّال بنت أَسِيد بن أبي العِيص، أخت عَتّاب بن أَسِيد. وقال: تابعيّ ثقة من كبار التابعين، وهو ابن أخت عثمان، كذا قال، ولعل الصواب عتاب. روى عن عمر وعثمان وعلي والمقداد ووحشي بن حرب، وروى عنه عُروة وعطاء بن يَزِيد وحُمَيد بن عبد الرحمن وعُرْوَة بن عِيَاض وغيرهم، كانت وفاته بالمدينة في خلافة الوليد بن عبد الملك، قال ابن حِبّان في ثقات التابعين, مات سنة خمس وتسعين.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، ورواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعضهم، وفيه أولا قال البخاريّ قال لنا محمد بن يوسف، وهو شيخه، قيل: عبر بهذه الصيغة لأنه مما أخذه عن شيخه في المذاكرة، فلم يقل فيه حدثنا. وقيل: إن ذلك مما تحمله بالإجازة أو المناولة أو العرض، وقيل: هو متصل من حيث اللفظ، منقطع من حيث المعنى. قال في "الفتح" والذي ظهر لي بالاستقراء خلاف ذلك، وهو أنه متصل، لكنه لا يعبر بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفًا، أو كان فيه راوٍ ليس على شرطه. والذي هنا من قبيل الأول، هذا ما قاله في "الفتح".
قال العَيْنِيّ: إذا كان الراوي على غير شرطه، كيف يذكره في كتابه؟ وهذا اعتراض باطل، فإنه ذكره مخافة فوات المصلحة، ونبه على ما فيه بقوله: هذا الذي لا يقوله فيما هو تام الصحة.
ثم قال: وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ لاَ نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ لاَبُدَّ مِنْهَا.
قوله: يُصَلّى بالبناء للمجهول. وقوله: المخنث، روى بكسر النون وفتحها، والأول المراد به من فيه تكسر وتثن وتشبه بالنساء، والثاني المراد به من يؤتى، وبه جزم أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التِّين، محتجًا بأن الأول لا مانع من الصلاة خلفه إذا كان أصل خلقته، ورد بأن المراد من يتعمد ذلك فيتشبه بالنساء، فإن ذلك بدعة قبيحة، ولهذا جوز الداوديّ أن يكون كل منهما مرادًا.
قال ابن بطال: ذكر البُخاريّ هذه المسألة هنا, لأن المخنث مفتتن في طريقته. وقوله: إلا من ضرورة، أي بأن يكون ذا شوكة، أو من جهة فلا تعطل الجماعة بسببه. وهذا التعليق رواه معمر عن الزّهريّ بغير قيد، أخرجه عبد الرزاق عنه، ولفظه "قلت: فالمخنث؟ قال: لا، ولا كرامة، لا يؤتم به" وهو محمول على حالة الاختيار. والزَّبيديّ المراد به أبو الهُذَيل، وقد مرَّ في التاسع عشر من العلم، ومرَّ الزُّهْرِيّ في الثالث من بَدْء الوَحي.
стр. 4026
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِى ذَرٍّ اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ.
هذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه قبل باب، قال ابن المُنير: وجه دخوله في هذا الباب أن الصفة المذكورة إنما توجد غالبًا في عجمي حديث عهد بالإِسلام، لا يخلو من جهل بدينه، ولا يخلو من هذه صفته عن ارتكاب البدعة، ولو لم يكن إلا افتتانه بنفسه حتى تقدم للإمامة، وليس من أهلها.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي ذَرٍّ، وقد مروا جميعًا.
الأول: محمد بن أبَان، والمراد به البَلْخِيّ, لأن محمد بن أبَان الواسِطِيّ ليست له رواية عن غُنْدُر، والبَلْخيّ قد مرَّ في الخامس والستين من كتاب مواقيت الصلاة، ومرَّ غُنْدُر فى الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرَّ أَنَس في السادس منه، ومرَّ أبو ذَرٍّ في الثالث والعشرين منه، ومرَّ أبو التّيّاح في الحادي عشر من العلم. ثم قال المصنف:
باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين
قوله: يقوم، أي المأموم، وقوله: بحذائه، بكسر المهملة وذال معجمة بعدها مدة، أي بجنبه، فأخرج بذلك من كان خلفه أو مائلًا عنه. وقوله: وسواء، أخرج به من كان إلى جنبه، لكن على بعد عنه، والظاهر أن قوله بحذائه يخرج هذا أيضًا. وقوله: سواء، أي لا يتقدم ولا يتأخر. في أكثر الروايات باب بالتنوين يقوم إلخ، وأورده الزَّين بن المُنير بلفظ "باب من يقوم" بالإضافة، وزيادة "مَن" وشرحه على ذلك، وتردد بين كونها موصولة أو استفهامية، ثم أطال في حكمة ذلك، وأن سببه كون المسألة مختلفًا فيها، والواقع أن من محذوفة، والسياق ظاهر في أن المصنف جازم بحكم المسألة لا متردد، وفي انتزاع هذا من الحديث الذي أورده بعد، وكأنّ المصنف أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه في الطهارة عن ابن عباس بلفظ "فقمت إلى جنبه" وظاهره المساواة.
وروى عبد الرّزاق عن ابن جُرَيْح قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شِقَّه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم.
стр. 4027
قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم. وفي "الموطأ" عن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخَطّاب بالهاجرة، فوجدته يسبح، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه. وقوله: إذا كانا اثنين، أي إمامًا ومأمومًا، بخلاف ما إذا كانا مأمومين مع إمام، فإن الإمام يتقدم عليهما.
وقد نقل بعضهم الاتفاق على أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام إلا النَّخعَيّ فقال: إذا كان الإمام ورجل، قام الرجل خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحد قام عن يمينه. أخرجه سعيد بن منصور، ووجهه بعضهم بأن الإمامة مظنة الاجتماع، فاعتبرت في موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك، وهو حسن، لكنه مخالف للنص، وهو قياس فاسد، ثم الظاهر أن إبراهيم إنما كان يقول بذلك حيث يظن ظنا قويًا مجيء ثان، وقد روى سعيد بن منصور أيضًا عنه قال: ربما قمت خلف الأسود وحدي حتى يجيء المؤذن. قال في "الفتح": قال أصحابنا: يستحب أن يقف المأموم دونه قليلًا. قلت: ومذهبنا أيضًا كذلك، فإنه يقف عن يمينه متاخراً عنه قليلًا.
стр. 4028
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ قَالَ خَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.
مطابقته للترجمة في قوله "عن يمينه". وقوله "جاء" أي من المسجد إلى منزله. وقوله: فجئت، الفاء فيه فصيحة أي قام من النوم فتوضأ فأحرم في الصلاة فجئت، ويحتمل أن لا تكون فصيحة بأن يكون المراد ثم قام إلى الصلاة، والقيام على الوجه الأول بمعنى النهوض، وعلى الثاني بمعنى المنهوض، وفي الحديث أن الذكر يقف عن يمين الإمام بالغًا كان المأموم أو صبيًا، فإن حضر آخر في القيام أحرم عن يساره، ثم يتقدم الإمام أو يتأخران حيث أمكن المتقدم والتأخر، لسعة المكان من الجانبين، وتأخرهما أفضل.
روى مسلم عن جابر قال: قام الرسول ﷺ يصلي، فقمت عن يساره فأخذ بيدي حتى أدارني عن يمينه، ثم جاء جَبّار بن صَخْر فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعًا حتى أقامنا خلفه، وهذا الحديث مرَّ في باب السمر في العلم من كتاب العلم بأطول من هذا، ومرَّ الكلام عليه هناك. وقد ذكر البَيْهَقِيّ أنه يستفاد منه امتناع تقدم المأموم على الإمام خلافًا لمالك، لما في رواية مسلم "فقمت عن يساره فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه" وفيما قاله نظر ظاهر لا يحتاج إلى تأمل.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أُمِّنا مَيْمُونة، وقد مرَّ الجميع، مرَّ سُلَيمان بن حَرْب في الرابع عشر من الإيمان, ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرَّ سعيد بن جُبَيْر وابن عبّاس في الخامس من بَدء الوَحْي، ومرَّ الحكم بن عُتَيْبة وأمُّنا مَيمونة في الثامن والخمسين من العلم. ثم قال المصنف:
باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما
وجه الدلالة من حديث ابن عباس المذكور أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يبطل صلاة ابن عباس، مع كونه قام عن يساره أولًا، وعن أحمد تبطل, لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقره على ذلك، والأول هو قول الجمهور، بل قال سعيد بن المُسَيِّب: إن موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام، ولم يتابع على ذلك.
стр. 4029
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عَمْرٌو فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا فَقَالَ حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ.
قوله: نمت، في رواية الكُشميهنيّ "بتُّ" وقوله: قال عمرو، أي ابن الحارث المذكور بالإسناد المذكور إليه، ووهم من زعم أنه من تعليق البُخاريّ، فقد ساقه أبو نُعيم مثل سياقه، وبكير المذكور في هذا هو ابن عبد الله بن الأشَجّ. وفي إسناد عمرو بن الحارث بهذه الرواية عنه العلو برجل، وهذا الحديث قد مرَّ بأطول من هذا في باب قراءة القرآن بعد الحدث من كتاب الوضوء، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك.
رجاله سبعة:
وفيه ذكر ميمونة أيضًا، وقد مروا جميعًا إلا عَبْدَ رَبِّه.
الأول: أحمد غير منسوب، والظاهر أنه أحمد بن صالح المِصْريّ، ويحتمل، كما قال بعضهم، أنه أحمد بن عيسى، ويحتمل أنه أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وَهْب. قال العَيْنيّ: لم يخرج البخاريّ عن أحمد بن عبد الرحمن هذا في الصحيح شيئًا، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه. وعلى كل حال أحمد بن صالح وأحمد بن عيسى قد مرا في الرابع والسبعين من أبواب استقبال القبلة.
وأما أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب فهو أبو عُبَيد الله ابن أخي عبد الله بن وهب، لقبه نَحْشَل بفتح الموحدة وسكون المهملة بعدها شين، قلت: ومعناه كما في القاموس: رقص الزنجٍ، مختَلَفٌ في توثيقه، سأل ابن أبي حاتم عنه محَمد بن عبد الحكم فقال: ثقة ما رأينا منه إلا خيرًا. قال له: سمع من عمه؟ قال: إي والله، وقال عبد الملك بن شُعَيْب بن الليث: أبو عُبَيْد الله ابن أخي ابن وهب ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كتبنا عنه، وأمره مستقيم، ثم خلط بعد ذلك، ثم جاء في خبره أنه رجع عن التخليط، وسئل عنه بعد ذلك، فقال: كان صدوقًا، وقيل لابن خزيمة: لم رويت عن ابن أخي ابن وهب وتركت سفيان بن وكيع؟ فقال: لأن أحمد لما أنكروا عليه تلك الأحاديث
стр. 4030
رجع عنها إلا حديث مالك عن الزُّهريّ عن أنس إذا حضر العشاء فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع فإن وراقه أدخل عليه أحاديث فكلمناه، فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركته.
وقال ابن عَدِيّ: رأيت شيوخ مصر مجمعين على ضعفه، ومن ضعفه، أنكر عليه أحاديث، وكثرة روايته عن عمه، وكل ما أنكروا عليه محتمل، وإن لم يروه غيره عن عمه، ولعله خصه به. وقال أبو سعيد بن يونس: لا تقوم بحديثه حجة، وعد الدارَقُطني الأحاديث التي أنكروا عليه، وهي حديثه عن أنس أن النبي ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة، وحديثه عن ابن عمر مرفوعًا "إذا كان الجهاد على باب أحدكم فلا فيخرج إلا بإذن أبويه" وحديثه عن أبي هُريرة مرفوعًا "يأتي على الناس زمان يرسل إلى القرآن فيرفع من الأرض" وحديثه عن ابن عمر مرفوعًا "إن الله زادكم صلاة على صلاتكم وهي الوتر" وهذا حديث موضوع على مالك، وحديثه عن عمه عن عيسى بن يونُس "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة" فإن هذا الحديث إنما يعرف به نُعَيم بن حماد.
ثم قال الدارَقُطنيّ: وقد صح رجوعه عن هذه الأحاديث التي أنكرت عليه، ولأجل ذلك اعتمده ابن خُزَيْمَةَ من المتقدمين، وابن القَطّان من المتأخرين، والله الموفق. روى عن عمه والشافعيّ وإسحاق بن الفُرَات وبِشر بن بَكر وغيرهم. وروى عنه مسلم وابن خُزَيْمة وأبو حاتم وابن جَرير والسَّاجيّ وغيرهم. مات في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومئتين، وقد ذكرت تعريفه مع أن البُخاريّ لم يخرج له تكملة للفائدة، وقد وهم الحاكم من قال ان البخاريّ أخرج له.
وأما عَبْدُ رَبِّة منه وابن سعيد بن قَيْس بن عمرو الأنصاريّ النّجّاريّ المدنيّ، أخو يحيى بن سعيد، ذكره ابن حبَّان في الثقات. وقال: هو الذي يقال له عبد ربه المَدَنيّ. وقال العِجْليّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث دون أخيه. وقال أبو عَوَانَةَ: هو أغر إخوانه حديثًا، وقال يحيي القطّان: كان رقاداً حيّ الفؤاد. وقال أحمد شيخ ثقة مَدَنيّ. وقال ابن مَعِين: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: هو حسن الحديث ثقة. وقال النَّسائيّ: ثقة روى عن جده قيس وأبي أمامة سَهْل بن حُنَيف وابن المُنْكِدر ومحمد بن يحيي بن حبّان وثابت البُنانيّ وغيرهم، وروى عنه عطاء وهو أكبر منه، وأبو أيوب السَّختيانيّ، وهو من أقرانه، ومالك والليث والسفيانان وحماد بن سلمة وغيرهم. مات سنة تسع وثلاثين ومئة.
والباقون من السند عبد الله بن وهب، مرَّ في الثالث عشر من العلم، ومر كُرَيب في الرابع من الوضوء، ومخرمة في الثامن والأربعين منه، ومرَّ عمرو بن الحارث في السابع والستين منه، ومرَّ بُكَيْر بن الأَشَجّ في الخامس والسبعين منه، ومرَّ ذكر محل ابن عبّاس ومَيْمُونة في الذي قبله.
следующие страницы →