Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.
стр. 4026
الحديث التاسع والأربعون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِى ذَرٍّ اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ.
هذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه قبل باب، قال ابن المُنير: وجه دخوله في هذا الباب أن الصفة المذكورة إنما توجد غالبًا في عجمي حديث عهد بالإِسلام، لا يخلو من جهل بدينه، ولا يخلو من هذه صفته عن ارتكاب البدعة، ولو لم يكن إلا افتتانه بنفسه حتى تقدم للإمامة، وليس من أهلها.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي ذَرٍّ، وقد مروا جميعًا.
الأول: محمد بن أبَان، والمراد به البَلْخِيّ, لأن محمد بن أبَان الواسِطِيّ ليست له رواية عن غُنْدُر، والبَلْخيّ قد مرَّ في الخامس والستين من كتاب مواقيت الصلاة، ومرَّ غُنْدُر فى الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرَّ أَنَس في السادس منه، ومرَّ أبو ذَرٍّ في الثالث والعشرين منه، ومرَّ أبو التّيّاح في الحادي عشر من العلم. ثم قال المصنف:
باب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين
قوله: يقوم، أي المأموم، وقوله: بحذائه، بكسر المهملة وذال معجمة بعدها مدة، أي بجنبه، فأخرج بذلك من كان خلفه أو مائلًا عنه. وقوله: وسواء، أخرج به من كان إلى جنبه، لكن على بعد عنه، والظاهر أن قوله بحذائه يخرج هذا أيضًا. وقوله: سواء، أي لا يتقدم ولا يتأخر. في أكثر الروايات باب بالتنوين يقوم إلخ، وأورده الزَّين بن المُنير بلفظ "باب من يقوم" بالإضافة، وزيادة "مَن" وشرحه على ذلك، وتردد بين كونها موصولة أو استفهامية، ثم أطال في حكمة ذلك، وأن سببه كون المسألة مختلفًا فيها، والواقع أن من محذوفة، والسياق ظاهر في أن المصنف جازم بحكم المسألة لا متردد، وفي انتزاع هذا من الحديث الذي أورده بعد، وكأنّ المصنف أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه في الطهارة عن ابن عباس بلفظ "فقمت إلى جنبه" وظاهره المساواة.
وروى عبد الرّزاق عن ابن جُرَيْح قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ قال: إلى شِقَّه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم.
стр. 4027
قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم. وفي "الموطأ" عن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخَطّاب بالهاجرة، فوجدته يسبح، فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه. وقوله: إذا كانا اثنين، أي إمامًا ومأمومًا، بخلاف ما إذا كانا مأمومين مع إمام، فإن الإمام يتقدم عليهما.
وقد نقل بعضهم الاتفاق على أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام إلا النَّخعَيّ فقال: إذا كان الإمام ورجل، قام الرجل خلف الإمام، فإن ركع الإمام قبل أن يجيء أحد قام عن يمينه. أخرجه سعيد بن منصور، ووجهه بعضهم بأن الإمامة مظنة الاجتماع، فاعتبرت في موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك، وهو حسن، لكنه مخالف للنص، وهو قياس فاسد، ثم الظاهر أن إبراهيم إنما كان يقول بذلك حيث يظن ظنا قويًا مجيء ثان، وقد روى سعيد بن منصور أيضًا عنه قال: ربما قمت خلف الأسود وحدي حتى يجيء المؤذن. قال في "الفتح": قال أصحابنا: يستحب أن يقف المأموم دونه قليلًا. قلت: ومذهبنا أيضًا كذلك، فإنه يقف عن يمينه متاخراً عنه قليلًا.
стр. 4028
الحديث الخمسون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ أَوْ قَالَ خَطِيطَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.
مطابقته للترجمة في قوله "عن يمينه". وقوله "جاء" أي من المسجد إلى منزله. وقوله: فجئت، الفاء فيه فصيحة أي قام من النوم فتوضأ فأحرم في الصلاة فجئت، ويحتمل أن لا تكون فصيحة بأن يكون المراد ثم قام إلى الصلاة، والقيام على الوجه الأول بمعنى النهوض، وعلى الثاني بمعنى المنهوض، وفي الحديث أن الذكر يقف عن يمين الإمام بالغًا كان المأموم أو صبيًا، فإن حضر آخر في القيام أحرم عن يساره، ثم يتقدم الإمام أو يتأخران حيث أمكن المتقدم والتأخر، لسعة المكان من الجانبين، وتأخرهما أفضل.
روى مسلم عن جابر قال: قام الرسول ﷺ يصلي، فقمت عن يساره فأخذ بيدي حتى أدارني عن يمينه، ثم جاء جَبّار بن صَخْر فقام عن يساره، فأخذ بأيدينا جميعًا حتى أقامنا خلفه، وهذا الحديث مرَّ في باب السمر في العلم من كتاب العلم بأطول من هذا، ومرَّ الكلام عليه هناك. وقد ذكر البَيْهَقِيّ أنه يستفاد منه امتناع تقدم المأموم على الإمام خلافًا لمالك، لما في رواية مسلم "فقمت عن يساره فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه" وفيما قاله نظر ظاهر لا يحتاج إلى تأمل.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أُمِّنا مَيْمُونة، وقد مرَّ الجميع، مرَّ سُلَيمان بن حَرْب في الرابع عشر من الإيمان, ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرَّ سعيد بن جُبَيْر وابن عبّاس في الخامس من بَدء الوَحْي، ومرَّ الحكم بن عُتَيْبة وأمُّنا مَيمونة في الثامن والخمسين من العلم. ثم قال المصنف:
باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام فحوله الإمام إلى يمينه لم تفسد صلاتهما
وجه الدلالة من حديث ابن عباس المذكور أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يبطل صلاة ابن عباس، مع كونه قام عن يساره أولًا، وعن أحمد تبطل, لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يقره على ذلك، والأول هو قول الجمهور، بل قال سعيد بن المُسَيِّب: إن موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام، ولم يتابع على ذلك.
стр. 4029
الحديث الحادي والخمسون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عَمْرٌو فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا فَقَالَ حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ.
قوله: نمت، في رواية الكُشميهنيّ "بتُّ" وقوله: قال عمرو، أي ابن الحارث المذكور بالإسناد المذكور إليه، ووهم من زعم أنه من تعليق البُخاريّ، فقد ساقه أبو نُعيم مثل سياقه، وبكير المذكور في هذا هو ابن عبد الله بن الأشَجّ. وفي إسناد عمرو بن الحارث بهذه الرواية عنه العلو برجل، وهذا الحديث قد مرَّ بأطول من هذا في باب قراءة القرآن بعد الحدث من كتاب الوضوء، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك.
رجاله سبعة:
وفيه ذكر ميمونة أيضًا، وقد مروا جميعًا إلا عَبْدَ رَبِّه.
الأول: أحمد غير منسوب، والظاهر أنه أحمد بن صالح المِصْريّ، ويحتمل، كما قال بعضهم، أنه أحمد بن عيسى، ويحتمل أنه أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وَهْب. قال العَيْنيّ: لم يخرج البخاريّ عن أحمد بن عبد الرحمن هذا في الصحيح شيئًا، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه. وعلى كل حال أحمد بن صالح وأحمد بن عيسى قد مرا في الرابع والسبعين من أبواب استقبال القبلة.
وأما أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب فهو أبو عُبَيد الله ابن أخي عبد الله بن وهب، لقبه نَحْشَل بفتح الموحدة وسكون المهملة بعدها شين، قلت: ومعناه كما في القاموس: رقص الزنجٍ، مختَلَفٌ في توثيقه، سأل ابن أبي حاتم عنه محَمد بن عبد الحكم فقال: ثقة ما رأينا منه إلا خيرًا. قال له: سمع من عمه؟ قال: إي والله، وقال عبد الملك بن شُعَيْب بن الليث: أبو عُبَيْد الله ابن أخي ابن وهب ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كتبنا عنه، وأمره مستقيم، ثم خلط بعد ذلك، ثم جاء في خبره أنه رجع عن التخليط، وسئل عنه بعد ذلك، فقال: كان صدوقًا، وقيل لابن خزيمة: لم رويت عن ابن أخي ابن وهب وتركت سفيان بن وكيع؟ فقال: لأن أحمد لما أنكروا عليه تلك الأحاديث
стр. 4030
رجع عنها إلا حديث مالك عن الزُّهريّ عن أنس إذا حضر العشاء فإنه ذكر أنه وجده في درج من كتب عمه في قرطاس، وأما سفيان بن وكيع فإن وراقه أدخل عليه أحاديث فكلمناه، فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركته.
وقال ابن عَدِيّ: رأيت شيوخ مصر مجمعين على ضعفه، ومن ضعفه، أنكر عليه أحاديث، وكثرة روايته عن عمه، وكل ما أنكروا عليه محتمل، وإن لم يروه غيره عن عمه، ولعله خصه به. وقال أبو سعيد بن يونس: لا تقوم بحديثه حجة، وعد الدارَقُطني الأحاديث التي أنكروا عليه، وهي حديثه عن أنس أن النبي ﷺ كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة، وحديثه عن ابن عمر مرفوعًا "إذا كان الجهاد على باب أحدكم فلا فيخرج إلا بإذن أبويه" وحديثه عن أبي هُريرة مرفوعًا "يأتي على الناس زمان يرسل إلى القرآن فيرفع من الأرض" وحديثه عن ابن عمر مرفوعًا "إن الله زادكم صلاة على صلاتكم وهي الوتر" وهذا حديث موضوع على مالك، وحديثه عن عمه عن عيسى بن يونُس "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة" فإن هذا الحديث إنما يعرف به نُعَيم بن حماد.
ثم قال الدارَقُطنيّ: وقد صح رجوعه عن هذه الأحاديث التي أنكرت عليه، ولأجل ذلك اعتمده ابن خُزَيْمَةَ من المتقدمين، وابن القَطّان من المتأخرين، والله الموفق. روى عن عمه والشافعيّ وإسحاق بن الفُرَات وبِشر بن بَكر وغيرهم. وروى عنه مسلم وابن خُزَيْمة وأبو حاتم وابن جَرير والسَّاجيّ وغيرهم. مات في ربيع الآخر سنة أربع وستين ومئتين، وقد ذكرت تعريفه مع أن البُخاريّ لم يخرج له تكملة للفائدة، وقد وهم الحاكم من قال ان البخاريّ أخرج له.
وأما عَبْدُ رَبِّة منه وابن سعيد بن قَيْس بن عمرو الأنصاريّ النّجّاريّ المدنيّ، أخو يحيى بن سعيد، ذكره ابن حبَّان في الثقات. وقال: هو الذي يقال له عبد ربه المَدَنيّ. وقال العِجْليّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث دون أخيه. وقال أبو عَوَانَةَ: هو أغر إخوانه حديثًا، وقال يحيي القطّان: كان رقاداً حيّ الفؤاد. وقال أحمد شيخ ثقة مَدَنيّ. وقال ابن مَعِين: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا بأس به، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: هو حسن الحديث ثقة. وقال النَّسائيّ: ثقة روى عن جده قيس وأبي أمامة سَهْل بن حُنَيف وابن المُنْكِدر ومحمد بن يحيي بن حبّان وثابت البُنانيّ وغيرهم، وروى عنه عطاء وهو أكبر منه، وأبو أيوب السَّختيانيّ، وهو من أقرانه، ومالك والليث والسفيانان وحماد بن سلمة وغيرهم. مات سنة تسع وثلاثين ومئة.
والباقون من السند عبد الله بن وهب، مرَّ في الثالث عشر من العلم، ومر كُرَيب في الرابع من الوضوء، ومخرمة في الثامن والأربعين منه، ومرَّ عمرو بن الحارث في السابع والستين منه، ومرَّ بُكَيْر بن الأَشَجّ في الخامس والسبعين منه، ومرَّ ذكر محل ابن عبّاس ومَيْمُونة في الذي قبله.
стр. 4031
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريين وثلاثة مدنيين، وفيه رواية ثلاثة من التابعين عن بعضهم، وقد مرَّ في الوضوء من أخرجه. ثم قال المصنف:
باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم ثم جاء قوم فأمهم
قوله: أن يؤم، أن مصدرية، أي الإمامة، ولم يجزم بحكم المسألة لما فيه من الاحتمال, لأنه ليس في حديث ابن عباس التصريح بأن النبي- ﷺ لم ينو الإمامة، كما أنه ليس فيه أنه نوى، لا في ابتداء صلائه ولا بعد أن قام ابن عباس فصلى فعه، لكن في إيقافه اياه منه موقف المأموم ما يشعر بالثاني، وأما الأول فالأصل عدمه، وهذه المسألة مختَلَف فيها. فمذهب المالكية أنه لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة إلا في الجمعة وفي الجمع ليلة المطر خاصة، فقيل: عند كل صلاة من الصلاتين، وهو المشهور وقيل عند الثانية فقط، لظهور أثر الجمع فيها، وإلا في صلاة الخوف الذي أديت فيه على هيئتها بطائفتين، وإلا الإمام المستخلَف, لأنه يلزمه أن ينوي الإمامة، ليميز بين نية الإمامية والمأمومية.
وإنما وجبت نية الإمامة في هذه الأربعة لأن الجماعة شرط في صحتها, لكن قال بعضهم: إن النية الحكمية تكفي، فتقدُّم الإمام دال عليها، فاشتراط النية في صحة الصلاة في هذه الأربع لا فائدة فيه. واختلف عندهم في حصول فضل الجماعة، هل لابد فيه من نية أو لا؟ والمشهور الثاني. والأصح عند الشافعية أنها لا تشترط في صحة الاقتداء به، نعم تستحب له لينال فضيلة الجماعة. وقال القاضي حُسَين فيمن صَلّى منفردًا فاقتدى به جمع، ولم يعلم بهم: ينال فضل الجماعة لأنهم نالوها بسببه. واستدل ابن المنذر على عدم اشتراطها بحديث أنس "أن رسول الله ﷺ ، صلي في شهر رمضان، قال: فجئت فقمت إلى جنبه، وجاء آخر فقام إلى جنبي حتى كنا رهطًا، فلما أحسّ النبي ﷺ بنا، تجوز في صلاته .. " الحديث، وهو ظاهر في أنه لم ينو الإمامة ابتداء، وائتموا هم به وأقرهم، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم، وعلقه البخاريّ كما يأتي في كتاب الصيام، إن شاء الله تعالى.
وذهب أحمد إلى التفرقة بين النافلة والفريضة، فشرط أن ينوي في الفريضة دون النافلة، وفيه نظر، لحديث أبي سعيد أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يصلي وحده فقال: "ألا رجل يتصدق على هذا فَيُصلي معه؟ " أخرجه أبو داود وحَسَّنُه التِّرمِذِيّ وصححه ابن خُزَيْمَة وابن حِبّان، وعند الحنفية نية الإمام الإمامة في حق الرجال ليست بشرط, لأنه لا يلزمه باقتداء المأموم حكم، وفي حق النساء شرط عندنا، لاحتمال فساد صلاته بمحاذاتها إياه، وعن ابن القاسم مثل مذهب أبي حنيفة وقال الثَّورِي ورواية عن أحمد وإسحاق على المأموم الإعادة إذا لم ينوِ الإمام الإمامة.
стр. 4032
الحديث الثاني والخمسون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونة فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ.
قوله: فأقامني عن يمينه، فيه كيفية وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وقد مرت في باب يقوم عن يمين الإمام كيفيته عند المالكية والشافعية، وعند الحنفية يقف عن يمينه مساويًا له، وهو قول عمر وابنه وأنس وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وعن محمد بن الحسن يضع أصابع رجليه عند عقب الإمام، وهذا الحديث مرَّ الكلام عليه في باب قراءة القرآن بعد الحدث، وفي باب التخفيف في الوضوء وفي السمر في العلم.
رجاله ستة:
قد مروا كلهم إلا عبد الله بن سعيد، مرَّ مُسَدَّد في السادس من الإيمان, ومرَّ إسماعيل بن عُلَيَّة في الثامن منه، ومرَّ أيوب في التاسع منه، ومرَّ سَعيد بن جُبَير وابن عبّاس في الخامس من بدء الوحي، ومرت مَيْمُونة في الثامن والخمسين من العلم.
وأما عَبد الله، فهو ابن سعيد بن جُبَير الأسَدِيّ، الوليّ، مولاهم الكوفي، قال النَّسائيّ: ثقة مأمون، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وحكى التّرمِذِيّ عن أيّوب قال: كانوا يعدونه أفضل من أبيه. روى عن أبيه، وروى عنه أبو إسحاق السَّبيعيّ وأيوب السَّختيانيّ ومحمد بن أبي القاسم الطويل.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم بصريون، وفيه رواية عبد الله بن سعيد عن أيّوب، وهو من أقرانه، أخرجه النَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف:
باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج وصلى
قوله: وكان للرجل، أي المأموم. وقوله: فخرج وصلى، وللكُشْمِيْهنيّ "فصلى" بالفاء، وهذه الترجمة عكس التي قبلها, لأن في الأولى جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة، وفي الثانية جواز قطع الائتمام بعد الدخول فيه. وقوله: فخرج، يحتمل أنه خرج من القدوة أو من الصلاة رأسًا أو من
стр. 4033
المسجد. قال ابن رَشِيد: الظاهر ان المراد خرج إلى منزله فصلى فيه، وهو ظاهر قوله في الحديث "فانصرف الرجل" قال: وكان سبب ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم، للذي رآه يصلي: أصلاتان معًا؟ كما مر، وليس الواقع كذلك، فإن في رواية للنَّسائيّ فانصرف الرجل فصلى في ناحية المسجد، وهذا يحتمل ان يكون قطع الصلاة أو القدوة، لكن في مسلم "ثم صلى".
стр. 4034
الحديث الثالث والخمسون
حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ.
وهذا الحديث رواه عن جابر عمرو بن دينار ومُحَارِب بن دِثار وأبو الزُّبَيْر وعُبَيْد بن مِقْسَم , فرواية عمرو للمصنف هنا عن شُعبة , وفي الأدب سليم بن حَيّان, ولمُسْلم عن ابن عُيَينة ثلاثتهم عنه, ورواية مُحارب بن دثار تأتي بعد بابين, وهي عند النَّسائيّ مقرونة بأبي صالح , ورواية أبي الزُّبير عند مسلم, ورواية عُبيد الله عند خُزَيْمة. وذكرت هذه الروايات لتسهل الحوالة عليها, وله الطرق أخرى غير هذه, سأذكر ما يحتاج إليه منها معزواً. ورواية مسلم بن إبراهيم هنا مختصرة.
وقوله: كان يصلي مع النبي ﷺ , زاد مسلم "عشاء الآخرة" فكأنّ العِشاء هي التي كان يواظب على صلاتها مرتين. وقوله: ثم يرجع فيؤم قومه، في رواية مسلم "فيصلي بهم تلك الصلاة" وللمصنف في الأدب "فيصلي بهم الصلاة" أي المذكورة، وفي هذا رد على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي ﷺ , غير الصلاة التي كان يصليها بقومه. وفي رواية ابن قُتيْبَةَ: "فصلى ليلة مع النبي ﷺ العِشاء، ثم أتى قومه فأَمَّهُم". وفي رواية ابن عُيَيْنَةَ "ثم يرجع إلى بني سلمة فيصليها بهم" ولا مخالفة فيه, لأنّ قومه هم بنو سَلِمَةَ، وفهب رواية الشافعيّ عنه "ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سَلِمة" ولأحمد "ثم يرجع فيؤمنا".
رجاله أربعة:
وفيه ذكر مُعاذ، وقد مروا جميعًا، مرَّ مسلم بن إبراهيم في السابع والثلاثين من الإِيمان، ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرَّ عمرو بن دِينار في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ جابر بن عبد الله في الرابع من بدء الوحي، ومرَّ مُعَاذ بن جَبَل في الأثر الثاني أول كتاب الإِيمان قبل ذكر حديث منه.
стр. 4035
الحديث الرابع والخمسون
قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ ثَلاَثَ مِرَارٍ أَوْ قَالَ: فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنًا وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ. قَالَ عَمْرٌو: لاَ أَحْفَظُهُمَا.
قوله: فصلى العشاء، كذا في معظم الروايات، وفي رواية لأبي عَوَانَةَ والطَّحَاويّ عن مُحارِب "صلى بأصحابه المغرب" وكذا لعبد الرَّزَّاق عن أبي الزُّبَير، فإن حمل على تعدد القصة كما يأتي، أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازًا تم، وإلا فما في الصبح أصح. قال الكِرْمَانيّ: الظاهر من قوله "فصلى العشاء" إلى آخره، داخل تحت الطريق الأُولى، وكأنّ الحامل له على ذلك أنها لو خلت عن ذلك لم تطابق الترجمة ظاهرًا، لكن لقائل أن يقول إن مراد البخاريّ بذلك الإشارة إلى أصل الحديث على عادته، واستفاد بالطريق الأُولى علو الإسناد، كما أن في الطريق الثانية التصريح بسماع عمرو من جابر.
وقوله: فقرأ بالبقرة، استدل به على من يكره أن يقول البقرة، بل يقول سورة: البقرة، لكن في رواية الإسماعيليّ عن محمد بن بَشّار شَيْخ البُخاريّ فيه "فقرأ سورة البقرة" ولمسلم عن ابن عُيَيْنَةَ نحوه، وللمصنف في "الأدب" "فقرأ بهم البقرة" فالظاهر أن ذلك من تصرفات الرواة، والمراد أنه ابتدأ في قراءتها، وبه صرح مسلم، ولفظه "فافتتح سورة البقرة" وفي رواية محارب "فقرأ بسورة البقرة أو النساء" على الشك، وللسراج عن محارب "فقرأ بالبقرة والنساء" فإن كان مضبوطًا احتمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة، وفي الثانية بالنساء. وعند أحمد عن بُريدة بإسناد قويّ "فقرأ اقتربت الساعة" وهي شاذة، إلا إن حمل على التعدد.
وقوله: فانصرف الرجل، اللام فيه للعهد الذهني، ويحتمل أن يراد به الجنس، فكأنّه قال واحد من الرجال, لأن المعرف تعريف الجنس كالنكرة في مواده. وفي رواية الاسماعيلى "فقام رجل فانصرف" وفي رواية سَلِيم بن حَيّان "فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة" ولابن عُيَيْنَة عند مسلم "فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده" وهو ظاهر في أنه قطع الصلاة، لكن ذكر البَيْهَقِيّ أن محمد بن عباد، شيخ مسلم، تَفَرَّد عن ابن عُيَيْنَة بقوله "ثم سلم" وأن الحفاظ من أصحاب ابن عُيينة، وكذا من أصحاب شيخه عمرو بن دينار، وكذا من أصحاب جابر، لم يذكروا السلام، وكأنه
стр. 4036
فهم أن هذه اللفظة تدل على أن الرجل قطع الصلاة ,لأنّ السلام يتحلل به من الصلاة، وسائر الروايات تدل على أنه قطع القدوة، ولم يخرج من الصلاة، بل استمر فيها منفردًا. قال الرافعيّ في شرح المسند في الكلام على رواية الشافعيّ عن ابن عُيَيْنَة في هذا الحديث "فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده" هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة وتنحّى عن موضع صلاته، واستأنفها لنفسه لكنه، غير محمول عليه, لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه، ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفرداً، ونازع النَّوَوِي فقال: لا دلالة، فيه لأنه ليس فيه أنه فارقه وبنى على صلاته، بل في الرواية التي فيها أنه سلم دليلٌ على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم استانفها، فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر.
ولم يقع في شيء من الطرق المتقدمة تسمية هذا الرجل، وجاء في روايات أخرى مختلفة تسميته يأتي في السند جلبها وتعريف من ذكر فيها، وجمع بعضهم بين الاختلاف الواقع فيها بأنهما قضيتان، وأيد ذلك بالاختلاف في الصلاة هل العشاء أو المغرب وبالاختلاف في السورة هل هي البقرة أو اقتربت، وبالاختلاف في عذر الرجل هل هو لأجل التطويل فقط، لكونه جاء من العمل وهو تعبان، أو لكونه أراد أن يسقي نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء في النخل كما في حديث بُريدة، واستشكل هذا الجمع, لأنه لا يظن بمعاذ أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يأمره بالتخفيف ثم يعود إلى التطويل، ويجاب عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أولًا بالبقرة، فلما نهاه قرأ اقتربت، وهي طويلة بالنسبة إلى السورة التي أمره يقرأ بها، كما يأتي. ويحتمل أن يكون النهي وقع أولًا لما يُخْشَى من تنفير بعض من يدخل في الإِسلام، ثم لما اطمأنت نفوسهم بالإسلام ظن أن المانع زال، فقرأ باقتربت لأنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب ﴿والطور﴾ [الطور: ١] فصادف صاحب الشغل.
وجمع النَّوَويّ باحتمال أن يكون قرأ في الأُولى بالبقرة، فانصرف رجل ثم قرأ اقتربت في الثانية، فانصرف آخر، وفي رواية أبي الزُّبَير عند مسلم "فانطلق رجل منا" وهذا يدل على أنه كان من بني سَلِمة، ويقوي رواية من سماه سليمًا الآتية.
وقوله: فكان معاذ ينال منه، وللمستملي تناول منه، وللكُشْمِيْهَنيّ "فكأنَّ" بهمزة ونون مشددة، معاذًا تناول منه، والأُولى تدل على كثرة ذلك منه، بخلاف الثانية، ومعنى ينال منه: يذكره بسوء, وقد فسره في رواية سَلِيم بن حَيّان ولفظه "فبلغ ذلك مُعاذًا فقال: إنه منافق" وكذا لأبي الزُّبير ولابن عُيَيْنَةَ فقالوا: أنافقت يا فلان؟ فقال: لا والله، لآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه. وكأنَّ معاذًا قال ذلك أولًا. ثم قاله أصحابه للرجل.
وقوله: فبلغ ذلك النبي ﷺ ، بيَّن ابن عُيَيْنَةُ في روايته، وكذا محارب وأبو الزُّبَير أنه الذي جاء فاشتكى من معاذ، وفي رواية النَّسائيّ "فقال معاذ: لئن أصبحت لأذكرن ذلك لرسول الله ﷺ ، فذكر
стр. 4037
ذلك له، فأرسل إليه فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، عملت على ناضح لي بالنهار، فجئت وقد أقيمت الصلاة فدخلت المسجد، فدخلت معه في الصلاة، فقرأ بسورة كذا وكذا، فانصرفت فصليت في ناحية المسجد، فقال رسول الله ﷺ : أفتانا يا معاذ، أفتانا يا معاذ".
وقوله فتّان فتّان فتّان ثلاث مرار، ويروى ثلاث مرات، وفتان مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت، والتكرير للتأكيد، وفي رواية ابن عُيَيْنَة: أفتّانٌ أنت؟ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار. وقوله: أو قال فاتنًا، شك من الراوي، وهو منصوب على أنه خبر كان المقدرة، أي يكون فاتنًا. وفي رواية أبي الزبير أتريد أن تكون فاتنًا؟ ولأحمد عن مُعاذ بن رِفاعة "يا مُعاذ لا تكن فاتنًا" ويأتي حديثه، وفي حديث أنس "لا تطول بهم".
ومعنى الفتنة هنا أن التطويل يكون محببًا لخروجهم من الصلاة، وللتكرة للصلاة في الجماعة، وروى البَيْهَقِيّ في الشعب بإسناد صحيح عن عمر قال: لا تبغِّضوا إلى الله عبادَه (١)، يكون أحدكم إماما فيطوِّل على القوم الصلاةَ حتى يُبِّغض إليهم ما هم فيه. وقال الداوديّ: يحتمل أن يريد بقوله فتّان أي معذّب, لأنه عذبهم بالتطويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إنَّ الذيْنَ فَتَنُوا المُؤمِنِيْنَ والمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠]، قيل: معناه عذبوهم.
وقوله: وأمره بسورتين من أوسط المفصل الأوسط، يحتمل أن يريد به المتوسط والسُّوَر التي مثل بها من قصار المتوسط، ويحتمل أن يريد به المعتدل، أي المناسب للحال من المفصل، قيل سمي المفصّل مفصلًا لكثرة الفصول فيه، وقيل لقلة المنسوخ فيه، واختلف في المراد به مع الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن، هل هو من أول الصّافات أو الجاثية أو القتال أو الفَتح أو الحُجُرات أو "ق" أو الصف أو تبارك أو سبح أو الضحى إلى آخر القرآن؟ أقوال، والراجح الحجرات كما هو المذهب عند المالكية، وذكر النَّووَيّ أنه هو الراجح، ونقل بعضهم أن المفصل الراجح أنه من سورة "ق" إلى آخر القرآن. ونقل المُحِبّ الطَّبَري قولًا شاذًا، أن المفصل جميع القرآن، وأما ما أخرجه الطَّحَاويّ عن زُرارة بن أبي أوفى قال: أقرأني أبو موسى كتاب عمر إليه: اقرأ في المغرب آخر المفصل، وآخر المفصل مِن ﴿لم يكن﴾ [البقرة: ١٩٦] إلى آخر القرآن، فليس تفسيرًا للمفصل بل لآخره، فدل على أنه أوله قبل ذلك، وعند المالكية طوال المفصل من "الحجرات" إلى "عَبَس"، ومن "عَبَس" إلى "والضحى" وسط، ومن "والضحى" إلى آخر القرآن قِصار.
وقال القَسْطَلَانِيّ: طواله من أوله على الأقوال المتقدمة إلى سورة عم، وأوساطه إلى الضحى، أو طواله إلى الصف وأوساطه إلى الانشقاق، والقصار إلى آخره. وفي العَيْنيّ: طوال المفصل من الحجرات إلى ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] قصاره من الضحى إلى آخر القرآن.
وقوله: قال عمرو لا أحفظهما، كأنه قال ذلك في حال تحديثه لشُعبة، وإلا ففي رواية سليم بن حيان عن عمر "واقرأ والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها" وقال في رواية
стр. 4038
ابن عُيينة عند مسلم "اقرأ بكذا واقرأ بكذا" قال ابن عُيينة: قلت لعمر: وإن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال: اقرأ بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وبسبح اسم ربك الأعلى. فقال عمر: ونحو هذا. وجزم بذلك مُحارب في روايته عن جابر، وفي رواية أبي الزُّبَير عند مسلم مع الثلاثة اقرأ باسم ربك، زاد ابن جُرَيْج عن أبي الزُّبَير "والضحى" أخرجه عبد الرَّزَّاق، وفي رواية الحُمَيديّ عن ابن عُيَيْنَةَ مع الثلاثة الأول والسماء ذات البروج والطارق.
واستدل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل، على أن معاذًا كان ينوي بالأُولى الفرض وبالثانية النفل، وهو مذهب الشافعية، وبه قال أحمد في رواية, واختاره ابن المُنذر، وهو قول عَطاء وطاوس وسُلَيمان بن حَرْب وداود. وقالت الحَنَفية والمالكية لا يصح، وهو رواية أبي الحارث عن أحمد. قال ابن قُدامة: اختار هذه الرواية أكثر أصحابنا، وهو قول الزُّهْريّ والحَسَنْ البَصريّ وسعيد بن المُسَيِّب وغيرهم. قال في "الفتح" محتجًا لمذهبه: يدل عليه ما رواه عبد الرَّزَّاق والشافعيّ والطّحاويّ والدارَقُطنيّ وغيرهم، عن ابن جُرَيْج عن عَمرْو بن دِينار عن جابر في حديث الباب، زاد "هي له تَطَوُّع ولهم فريضة" وهو حديث صحيح، رجاله رجال الصحيح، وقد صرح ابن جُرَيج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه فانتفت تهمة تدليسه، واعتماد القائلين بصحة الاقتداء على تلك الزيادة المذكورة.
وتكلم القائلون بعدم صحة الاقتداء فيها بأوجه عديدة، منها ما رُوي عن الإمام أحمد أنه ضعّف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة, لأن ابن عُيَيْنَة يزيد فيها كلامًا لا يقوله أحد، وقال ابن الجَوْزِيّ هذه الزيادة لا تصح، ولو صحت لكانت ظناً من جابر، وبنحوه قال ابن العَرَبيّ في العارضة، ومنها قول الطَّحَاوِيّ: إن ابن عُيينة ساقه عن عمرو بأتم من سياق ابن جُرَيْج، ولم يذكر هذه الزيادة، ومنها ما قاله ابن حَزْم من أن المخالفين لا يجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوعًا، فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم؟ ومنها قول الطَّحَاويّ: لا حجة فيها، لأنها لم تكن بأمر النبي ﷺ ، ولا تقريره، ومنها ما قاله الطَّحَاويّ من احتمال أن تكون مدرجة، وهي جائز أن تكون من ابن جُرَيْج، وأن تكون من عمرو، وأن تكون من جابر، ومن أي هؤلاء كانت لم يكن فيها دليل على حقيقة ما كان يفعل مُعاذ، ولوثبت أنه عن مُعاذ لم يكن فيه دليل على أنه بأمره ﵊.
ومنها ما قاله الطَّحاويّ: لو سلمنا جميع ذلك، لم يكن فيه حجة، لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة تصلى فيه مرتين، أي: فيكون منسوخًا، واستدل على ذلك بما أخرجه عن ابن عمر، رفعه "لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين" ومن وجه آخر مرسل "أن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم, ثم يصلون مع النبي ﷺ ، فبلغه ذلك فنهاهم". ومنها ما قاله بعضهم من كونه منسوخًا، مستدلًا بأن صلاة الخوف وقعت مرارًا على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في حال الأمن فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل، لصلى النبي ﷺ بهم مرتين على وجه لا
стр. 4039
تقع فيه منافاة، فلما لم يفعل دل ذلك على المنع، وجواب هذا أنه ثبت أنه صلى الله تعالى عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبي بَكْرة صريحًا، ولمسلم عن جابر نحوه.
وأجيب عما قبل هذا من كون ذلك كان قبل النهي عن صلاة الفريضة مرتين، باحتمال أن يكون النهي عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة، وبذلك جزم البَيْهَقِيّ جمعاً بين الحديثين، بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث مُعاذ لم يكن بعيدًا , ولا يقال القصة قديمة, لأن صاحبها استشهد بأُحُد، على أنه سليم كما يأتي, لأنا نقول كانت أحد في أواخر الثالثة، فلا مانع أن يكون النهي في الأول والإذن في الثالثة، وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم، للرجلين اللذين لم يصليا معه "إذا صَلَّيتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصلياها معهم، فإنها لكما نافلة" أخرجه أصحاب السنن عن يزيد بن الأسود العامريّ، وصححه ابن خُزْيمَةَ وغيره، وكان ذلك في حجة الوداع، في آخر حياته ﵊.
ويدل على الجواز أيضًا أمره صلى الله تعالى عليه وسلم لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده، ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها، أن صلوها في بيوتكم في الوقت ثم اجعلوها معهم نافلة. وأجاب القائلون بصحة الاقتداء عما مرَّ من الاعتراضات، ولكن قال في الفتح: أسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة.
وفي الحديث أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة، وفيه جواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين، ولكن على سبيل أنهما فرض، وفيه جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، وأما لغير عذر فاستدل به بعضهم، وتعقب وقال ابن المنير: لو كان كذلك لم يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدة، وفيه نظر, لأن فائدة الأمر بالتخفيف المحافظةُ على صلاة الجماعة، ولا ينافي ذلك جواز الصلاة منفردًا، وفي "شرح المُهَذَّب": اختلف العلماء فيمن دخل مع إمام في صلاة فصلى بعضها، هل يجوز له أن يخرج منها؟ فاستدل أصحابنا بهذا على أن للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفردًا وإن لم يخرج منها، وفي هذه المسألة ثلاثة أوجه أصحها أنه يجوز لعذر ولغير عذر، والثاني لا يجوز مطلقاً، والثالث يجوز لعذر ولا يجوز لغيره، وتطويل القراءة عذر على الأصح. قال العَيْنِيّ: أصحابنا لا يجيزون شيئًا من ذلك، وهو مشهور مذهب مالك، وعن أحمد روايتان, لأن فيه إبطال العمل، والقرآن قد منع من ذلك.
لا أعلم قولًا عند المالكية بجواز قطع المأموم الاقتداء والإتمام لنفسه منفردًا لغير عذر, لأنه ألزم نفسه بحكم الاقتداء، وعندهم قولان, لأن إذا طّول الإمام في القراءة طولًا خاف المأموم بسببه فوات ما يلحقه بفوته ضرر شديد، هل يجوز له أن يخرج عنه بالنية، ويتم لنفسه، أو لا يجوز؟ وفيه جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلى فيه بالجماعة، قال في "الفتح": إذا كان لعذر، قال
стр. 4040
العَيْنِيّ: يجوز مطلقًا. قلت: وهذا هو مذهبنا، ولا أدري ما قاله صاحب الفتح مذهب له أم لا؟ وفيه الإنكار بلطف لوقوعه بصورة الاستفهام، ويؤخذ منه تعزير كل أحد بحسبه، والاكتفاء في التعزير بالقول، والإنكار في المكروهات، وأما تكراره فللتأكيد، وقد مرَّ في العلم أنه ﵊ كان يعيد الكلمة ثلاثًا لتفهم عنه، وفيه اعتذار من وقع منه خطأ في الظاهر، وجواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر، وإن كان له عذر باطن للتنفير عن فعل ذلك، وأنه لا لوم على من فعل ذلك متأوِّلاً، وأن التخلف عن الجماعة من صفة المنافق.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر مُعاذ أيضًا، وذِكْر رجل مُبْهَم، وقد مروا، وقد ذكر محلهم في الذي قبله، إلا محمد بن بَشّار وغُنْدُر، أما ابن بَشّار، فقد مرَّ في الحادي عشر من العلم، ومرَّ غندر في الخامس والعشرين من الإيمان، وأما الرجل المبهم فاختلف في اسمه، فقيل اسمه حَزْم بن أبي كَعْب، وقيل اسمه حَرام بن مِلحان، وقيل رجل من بني سَلِمة اسمه سُلَيم، وها أنا أتكلم على الجميع تتميمًا للفائدة.
أما حزم بن أبي كَعْب الأنصاري، فقد قال في الإصابة: روى أبو داود الطَّيَالِسِيّ عن موسى بن إسماعيل عن طالب بن حَبِيب، سمعتُ عبد الرحمن بن جابر يُحَدِّث عن حَزْم بن أبي كعْب: أنه مرَّ على مُعاذ بن جَبَل وهو يُصلّي بقومه .. فذكر الحديثَ في تطويله بهم، وأمْرَ النبي- ﷺ له بالتخفيف، وهذا أخرجه البَزَّار من طريق الطيَالِسِيّ عن طالب عن ابن جابر عن أبيه، وهذا أشبه. قال: ولم أر مَن ترجم لحزم بن أبي كعْب من القدماء إلا ابن حِبّان، فذكره في الصحابة، ثم ذكره في ثقات التابعين، ولعل التابعيّ آخر وافق اسمه اسم أبيه، وإلا فالقصة صريحة في كونه صحابيًا، وقد ذكره ابن مَنْدَه وأبو نُعيم، وقد ذكر ابن عبد البَرّ في ترجمة حَزْم بن كَعْب بعد أن ساق قصته من تاريخ البُخاريّ، وفي غير هذه الرواية أن صاحب مُعاذ اسمه حرام بن أبي كَعب، وقال في ترجمة حرام، وقال عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس: حَرام بن أبي كَعْب، قال في الإصابة: وليسَ في روايَة عبد العزيز تسمية أبيه، وقد مرت رواية أبي داود لهذه القصة، فيحتمل أن تكون القصة واحدة، ووقع في أحد الرجلين تصحيف، وهو واحد، وقد مرَّ له تعريف في باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم.
وحَرَام هو ابن مِلْحَان، بكسر الميم، واسم ملحان مالك بن خالد بن زَيد بن حَرام بن جُنْدُب بن عامر بن غَنْم بن مالك بن النَّجَّار الأنْصاريّ، شهد بدرًا مع أخيه سليم بن مِلْحان، وشهد أحدًا، وقتل يوم بئْر مَعُونة مع المنذر بن عمرو وعامر بن فُهَيرة، قتله عامر بن الطُّفَيْل، وهو الذي حمل كتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطُّفَيْل، أخو أم سُليم وأم حَرام بنتي مِلحان خال أنس بن مالك، قتل يوم بئر معونة، ضرب في رأسه فتلقى دمه بكفه ثم نضحه على رأسه ووجهه، وقال: فزتُ وَرَبِّ الكعبة. وقيل: إنه ارْتُثّ يوم بئر معونة، فقال الضّحّاك بن سُفْيان الكلَابيّ، وكان مسلمًا
стр. 4041
يكتم إسلامه لامرأة من قومه: هل لك في رجل إن صح كان نِعْم الراعي؟ فضمته إليها وعالجته، فسمعته يقول:
أتت عامر ترجو الهوادة بيننا ... وهل عامر إلا عدو مداجن
إذا ما رجعنا ثَمَّ لم تك وقعة ... بأسيافنا في عامر أو نطاعن
وإلا رجونا أن يقاتل بعد ذا ... عشائرنا والمقربات الصوافن
فوثبوا عليه فقتلوه رضي الله تعالى عنه، والأول أصح، وارتُثّ بالبناء للمجهول أي حمل من المعركة رثيثًا، أي جريحًا وبه رَمَق، قاله في القاموس.
وعلى أنه سَلِيم فهو سَلِيم الأنصاري من رَهْط مُعاذ بن جبل، يقال اسم أبيه الحارث، روى أحمد والطَّبَرانيّ والبَغَوِيّ والطَّحَاوِيّ عن مُعاذ بن رِفاعة الزُّرَقيّ "أن رجلًا من بني سَلِمة يقال له سليم، أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نظل في أعمالنا، فيأتي معاذ بن جبل فيطيل بنا في الصلاة، فقال النبي ﷺ : يا مُعاذ، لا تكونن فتانًا" ثم قال: "يا سَلِيم، ما معك من القرآن؟ قال: معي أن أسال الله الجنة وأعوذ به من النار، ما أُحسن دندنتك (١)، ولا دندنة مُعاذ، فقال رسول الله ﷺ : هل تصير دَنْدَنتي ودندنة معاذ إلا إلى أن تسأل الله الجنة وتعوذ به من النار؛ فقال سَلِيم: سترون غدًا إذا لقينا العدوَ إن شاء الله، والناس يجهزون إلى أُحد، فخرج فكان أول الشهداء".
وقد زعم ابن مَنْدَه أن صاحب هذه القصة هو سَليم بن الحارث بن ثَعْلَبَة النَّجَّاريّ. قال في الإِصابة وغاير بينهما ابن عبد البَرّ، والظاهر أنه أصوب، فإن ذاك من بني دينار بن النَّجَّار، فهو خَزْرَجيّ، وهذا من رَهْط سَعْد بن مُعَاذ، ومُعَاذ بن جَبَل فهو أوْسِيّ، وأما جَزْم الخَطِيب بأن صاحب مُعاذ بن جَبَل يقال له سَليم بن الحارث. فلا يدل على التوحد، إذ لا مانع من الاشتراك في اسم الأب، كما اشترك الابن والله تعالى أعلم. أخرجه البخاري هنا وفي باب من شكا إمامه، ومسلم في الصلاة، والنَّسائي في الصلاة وفي التفسير، وابن ماجَه فيه. ثم قال المصنف:
باب تخفيف الإِمام في القيام وإتمام الركوع والسجود
قال الكِرْمَانيّ: الواو بمعنى مع، كأنه قال: باب التخفيف بحيث لا يفوته شيء من الواجبات، فهو تفسير لقوله في الحديث "فليتجّوز" لأنه لا يأمر بالتجوز المؤدي إلى فساد الصلاة. قال ابن المُنير، وتبعه ابن رشيد وغيره: خص التخفيف في الترجمة بالقيام مع أن لفظ الحديث أعم حيث قال "فليتجوز" لأنّ الذي يطول في الغالب إنما هو القيام، وما عداه لا يشق إتمامه على أحد، وكأنّه حمل حديث الباب على قصة مُعاذ، فإن الأمر بالتخفيف فيها مختص بالقراءة، والذي يظهر أن البُخَاريّ أشار بالترجمة إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته، وأما قصة مُعَاذ فمغايرة لحديث الباب, لأنّ قصة مُعَاذ كانت في العشاء، إلى آخر ما مرَّ في باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم.
стр. 4042
وفي قول ابن المُنير: إن الركوع والسجود لا يشق إتمامها، نظرٌ، فإنه إن أراد أقل ما يطلق عليه اسم تَمام، فذاك لابد منه، وإن أراد غاية التَّمَام فقد يشق كما يأتي في حديث البَرَاء قريبًا، أنه ﵊ كان قيامه وركوعه وسجوده قريبًا من السواء، وفي الطَّبَرانيّ من حديث عَدِيّ بن حاتم "من أَمَّنا فَلْيُتِمَّ الركوع والسجود".
стр. 4043
الحديث الخامس والخمسون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ.
قوله: إن رجلًا، لم يعرف اسم ذلك الرجل، ووهم من زعم أنه حَزْم بن أبي كَعْب, لأن قصته كانت مع مُعاذ لا مع أُبيّ بن كَعْب كما مرَّ في الحديث الذي قبله. وقوله: لأتأخر عن صلاة الغداة، أي فلا أحضرها مع الجماعة لأجل التطويل. وفي رواية ابن المبارك في الأحكام "والله إني لأتاخر" بزيادة القسم، وفيه جواز مثل ذلك, لأنه لم ينكر عليه، واستدل به على تسمية الصبح بذلك، وفي رواية سُفيان الآتية قريبًا عن الصلاة في الفجر، وإنما خصها بالذكر لأنها تطول فيها القراءة غالبًا، ولأن الانصراف منها وقت الترجه لمن له حرفة إليها.
وقوله: أشَدَّ، بالنصب، وهو نعت لمصدر محذوف، وقوله: فأيكم ما صلى، ما زائدة، وفي رواية سُفيان "فمن أم الناس" وقوله: فيهم، في رواية سُفيان "فإن خلفه" وهو تعليق الأمر المذكور.
وهذا الحديث قد مرَّ في باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم، ومرَّ هناك استيفاء الكلام عليه.
رجاله خمسة:
وقد مروا جميعًا، وفيه ذكر رجل مبهم، وذكر فلان، مرَّ أحمد بن يُوْنُس في التاسع عشر من الإيمان, ومرَّ زُهَير بن مُعَاوية في الثالث والثلاثين منه، ومرَّ إسماعيل بن أبي خالد في الثالث منه، ومرَّ قَيْس بن أبي حازم في الخمسين منه، ومرَّ أبو مَسْعود البَدْرِيّ في الثامن والأربعين منه، والرجل المبهم لم أقف على من سَمّاه. قال في "الفتح": وليس الرجل حزم بن أبي كعب المار؛ لأن قصته كانت مع مُعَاذ لا مع ابن بن كَعْب، كما أخرجه أبو يَعْلى بإسناد صحيح، وقد مرَّ في السادس عشر من العلم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار والسماع والقول، ورواته كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعيّ
стр. 4044
عن تابعيّ عن صحابيّ، وقد مرَّ هذا الحديث في باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم، ومرَّ هناك ما يتعلق به. ثم قال المصنف:
باب إذا صلي لنفسه فليطول ما شاء
يريد أن عموم الأمر بالتخفيف مختص بالأئمة، فأما المنفرد فلا حجر عليه في ذلك، لكن اختلف فيما إذا أطال القراءة حتى خرج الوقت كما سيذكر.
стр. 4045
الحديث السادس والخمسون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ.
قوله: فإن فيهم، كذا للأكثر، وللكُشْمِيْهَنيّ "فإن منهم". وقوله: الضعيف والسقيم، المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة، وبالسقيم من به مرض. وقوله: فَلْيُطَوِّل ما شاء، ولمسلم "فَلْيُصَلِّ كيف شاء" مخففًا أو مطولًا، واستدل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت، قال في "الفتح": وهو المصحح عند بعض أصحابنا، وفيه نظر, لأنه يعارضه عموم قوله في حديث أبي قَتَادة "إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى" أخرجه مسلم، وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل، ومفسدة إيقاع الصلاة في غيرها، كانت مراعاة ترك المفسدة أولى، واستدل بعمومه أيضًا على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين، ومقتضى الحديث أنه متى لم يكن فيهم متصف بصفة من المذكورات، لم يضر التطويل، وقد يشكل على هذا أن الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة، كما وقع في حديث مُعَاذ، فعلى هذا يكره التطويل مطلقًا، إلا إذا فرض في مصلٍ بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم.
وقال اليَعْمُريّ: الأحكام إنما تُناط بالغالب لا بالصورة النادرة، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقًا، وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر وعلل بالمشقة، وهو مع ذلك يُشْرع ولو لم يشق عملًا بالغالب, لأنه لا يدري ما يطرأ عليه، وهنا كذلك. وقال ابن عبد البَرّ: العلة الموجبة للتخفيف عندي غير مأمونة, لأن الإمام، وإن علم قوة من خلفه، فإنه لا يدري ما يحدث بهم من حادث شغل وعارض من حاجة وآفة من حدث بَوْل أو غيره، وتعقب بعضهم هذا بأن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل لا يترتب عليه حكم، فإذا انحصر المأمومون ورضوا بالتطويل، لا يؤمر إمامهم بالتخفيف لعارض لا دليل عليه، وحديث أبي قتادة "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبى فأتجوز كراهة أن أشق على أمه" يدل على إرادته ﵊ التطويل، فيدل على الجواز، وإنما تركه لدليل قام على تضرر بعض المأمومين، وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه.
стр. 4046
وذهب ابن عبد البَرّ وابن بَطال وابن حَزْم إلى وجوب التخفيف تمسكًا بظاهر الأمر في قوله "فَلْيُخَفِّف" وعبارة ابن عبد البَرّ في هذا الحديث أوضح الدلائل على أن أئمة الجماعة يلزمهم التخفيف، لأمره ﵊ إياهم بذلك، ولا يجوز لهم التطويل, لأن في الأمر لهم بالتخفيف نهيًا عن التطويل، والمراد بالتخفيف أن يكون بحيث لا يخل بسننها ومقاصدها، وقد مرَّ قريبًا أن بعض الشافعية قالَ بجواز تطويل القراءة ولو خرج الوقت، ومرَّ عدم صحته، ولكن على تقدير صحته مقيد بما إذا وقع ركعة في الوقت، كما ذكر المَسْنَويّ أنه المتجه، وقيدوا التطويل أيضًا بما إذا لم يحوج إلى سهو، فإن أدّى إليه كره، ولا يكون إلا في الأركان التي تحتمل الطول، وهي القيام والركوع والسجود لا الاعتدال والجلوس بين السجدتين، قاله القَسْطَلانيّ.
قلت: مشهور مذهب مالك أن الطول في المحل الذي لا يشرع فيه التطويل يسن فيه سجود البعديّ، كالرفع من الركوع والجلوس بين السجدتين، ومن استَوْفَز للقيام على يديه وركبتيه، والذي يشرع فيه التطويل لا يسن فيه السجود إلا إذا زاد على الحد، فيسجد، وكان سعد إذا صلّى في المسجد خفف الركوع والسجود وتجوّز، وإذا صلى في بيته أطال الركوع والصلاة، فقيل له، فقال: انا أئمة يُقتدى بنا. وصلى الزُّبَيْر بن العَوَّام صلاة خفيفة فقيل له: أنتم أصحاب النبي ﷺ أخف الناس صلاة، فقال: إنا نبادر هذا الوسواس، وقالَ عمار: احذفوا هذه الصلاة قبل وسوسة الشيطان، وفي هذا المعنى آثار كثيرة ذكرها ابن أبي شَيْبَةَ في مصنفه.
رجاله خمسة:
وقد مروا جميعًا، مرَّ عبد الله بن يوسُف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو الزّناد والأعْرج في السابع من الإيمان, ومرَّ أبو هُرَيرة في الثاني منه. ثم قال المصنف:
باب من شكا إمامه إذا طول
فيه حديث أبي مسعود وجابر، وهما ظاهران في الترجمة.
ثم قال أبو أُسَيد: طوّلت بنا يا بنيّ.
والتعليق عن أبي أُسَيد وصله ابن أبي شَيْبَةَ من رواية المُنذر بن أبي أُسيد، قال: كان أَبيْ يصلي خلفي، فربما قال: طولت بنا يا بني اليوم. وفيه حجة على من كره للرجل أن يؤم أباه، وفي خط البدر الزَّرْكَشِيّ أنه رأى في بعض نسخ البُخاريّ، وكره عطاء أن يؤم الرجل أباه، فإن شئت ذلك فقد وصل ابن أبي شَيْبَةَ هذا التعليق، وكأنّ المنذر كان إمامًا راتبًا في المسجد، واستفيد من وصل التعليق تسمية الابن المبهم، وهو المنذر بن أبي أُسَيد السَّاعِدِيّ الأنصاريّ، ولد في عهد النبي ﷺ فسماه المُنذر، روى عن أبيه وعنه ابنه الزُّبير وعبد الرحمن بن سُليمان بن الغَسيل، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: يقال كان مولده في زمان النبي ﷺ , وما قاله ثبت عند البُخاريّ ومسلم
стр. 4047
في صحيحهما من حديث سَهْل بن سَعْد، وذكره كذلك ابن مَنْدَه وأبو نعِيم وغير واحد ممن ألف في الصحابة.
وأما أبوه أبو أُسَيد، فاسمه مالك بن رَبِيْعَة بن البَدَن، بتحريك الدال، وقيل بسكونها، ابن عامر بن عَوْف بن حارِثَة بن عَمْروبن الخَزْرج بن ساعِدَةَ بن كَعْب بن الخَزْرج الأنصاريّ السّاعديّ، مشهور بكنيته، وهو بصيغة التصغير على الأصوب، وحكي فتح الهمزة، شهد بدرًا وأُحدًا وما بعدهما، وكانت معه راية بني ساعدة يوم الفتح.
قال الواقِدِيّ: وكان قصيرًا أبيض الرأس واللحية، كثير الشعر، وكان قد ذهب بصره، عن ابن شهاب. قال أبو حازم عن سهل بن سعد قال: قال أبو أُسَيد السّاعِدِيّ بعدما ذهب بصره: لو أني كنت ببدر، ثم أَطلق الله لي بصري لأريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة غير شك ولا تمار. له ثمانية وعشرون حديثًا، اتفقا على حديث وانفرد البُخاريّ بحديثين، ومسلم بواحد، روى عنه أولاده حُمَيد والزُّبَير والمُنْذِر ومولاه أبو سعيد، ومن الصحابة أَنَس وسَهْل بن سَعْد، ومن التابعين أبو سَلَمة وعبَاد بن سَهْل وعبد المَلِك بن سَعِيد بن سُوَيد، مات سنة ستين وهو ابن ثمان وقيل خمس وسبعين وقيل ثمانين. وهو آخر البَدْرِيّين موتًا، وقيل: مات سنة أربعين، وقيل مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين. قال ابن عبد البَرّ: هذا خلاف مُتَبايِن جدًا.
стр. 4048
الحديث السابع والخمسون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلاَنٌ فِيهَا. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ.
هذا الحديث قد مرَّ في باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم، ومرَّ الكلام عليه هناك.
رجاله خمسة:
وقد مروا جميعًا:
الأول: محمد بن يوسُف، يحتمل أن يكون الفِرْيَابي، وأن يكون البيْكَنْدِيّ، والأول مرَّ في العاشر من العلم، والثاني مرَّ في التاسع عشر منه، وسُفْيان يحتمل أن يكون ابن عُيَيْنَة، وأن يكون الثَّوْرِيّ، والأول مرَّ في الأول من بدء الوَحْي، والثاني مرَّ في السابع والعشرين من الإيمان، والثلاثة الباقية مرَّ ذكر محلهم في الذي قبل هذا بحديث، وهو هو بعينه، ومرَّ فيه الكلام على الرجل وفلان.
стр. 4049
الحديث الثامن والخمسون
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوِ النِّسَاءِ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ أَوْ فَاتِنٌ ثَلاَثَ مِرَارٍ فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ.
قوله: بناضِحين، الناضح بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة، ما استعمل من الإبل في سقي النخل والزرع، وقوله: وقد جنح الليل, أي أقبل بظلمته، وهو يؤيد أن الصلاة المذكورة كانت العشاء كما مرَّ. وقوله: بسورة البقرة أو النساء، زاد أبو داود الطَّيَالِسِيّ عن شُعْبَة "شك مُحارِب" وفي هذا رد على من زعم أن الشك فيه من جابر. قوله: فلولا صليت، أي فهلا صليت. وقوله: فإنه يصلي وراءك، كان هذا هو الحامل لمن وجه بين القصتين، لكن في ثبوت هذه الزيادة في هذه القصة نظر، لقوله بعدها: أحسب هذا في الحديث، يعني هذه الجملة الأخيرة، فإنه يصلي الخ. وقائل ذلك هو شُعْبَةُ الراوي عن مُحَارِب، وقد رواه غير شُعْبَة من أصحاب مُحارِب عنه بدونها، وكذا أصحاب جابر.
وهذا الحديث مرَّ قبل بابين، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليه هناك.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر رجل مبهم، ومُعاذ، وقد مروا جميعًا، مرَّ آدم وشُعْبَة في الثالث من الإيمان, ومرَّ محارب في السابع والأربعين من أبواب استقبال القبلة، ومرَّ جابر في الرابع من بَدْء الوَحي، ومرَّ مُعاذ في الأثر الثاني من كتاب الإيمان, قبل ذكر حديث منه، والرجل المبهم مرَّ ما فيه في الرابع والخمسين، قبل هذا بثلاثة أحاديث.
تابعه سَعِيد بن مَسْرُوق ومِسْعَر والشَّيْبانِيّ.
متابعة سعيد وصلها أبو عوانَةَ من طريق أبي الأحْوَص عنه، ومتابعة مِسْعَر وصلها السّراج من
стр. 4050
رواية أبي نعيم عنه، ومتابعة الشَّيْبانيّ وصلها البَزّار من طريقه، كلهم عن مُحارِب، فكلهم تابعوا شُعبة عن مُحَارب في أصل الحديث، لا في جميع ألفاظه، ومِسْعَر مرَّ في السادس والستين من الوضوء ومرَّ أبو إسحاق الشَّيْباني في السابع من الحيض.
وأما سَعِيد بن مَسْرُوق فهو والد سُفيان الثَّوْرِي، ذكره ابن حِبّان في الثقات. وقال ابن مَعين وأبو حاتم والعِجليّ والنّسائيّ: ثقة، روى عن إبراهيم التَّيمي والشَّعْبي وأبي الضُّحى وعِكْرِمَة وعَوْن بن أبي جُحَيْفَةَ وغيرهم. وروى عنه الأعمش وهو من أقرانه، وأولاده سفيان وعمرو، وروى عنه شُعْبَةُ وزائِدَةُ وأبو عوَانَةُ وغيرهم. مات سنة ست أو سبع أو ثمان وعشرين ومئة.
ثم قال: قال عمرو وعُبَيد الله بن مِقْسَم وأبو الزُّبَير عن جابر: قرأ مُعاذ في العشاء بالبقرة.
وإنما قال هنا: قال عمرو، ولم يقل تابعه مثل الأول, لأنّ هؤلاء الثلاثة لم يتابعوا أحدًا في ذلك، أما رواية عمرو فقد تقدمت في باب إذا طوّل الأمام، ورواية عُبَيد الله بن مِقْسم وصلها ابن خزيمة عن بندار، وهي عند أبي داود باختصار، ورواية أبي الزُّبَير وصلها عبد الرزاق عن ابن جُرَيْج عنه، وهي عَند مسلم من طريق الليث عنه، لكن لم يعين أن السورة البقرة.
أما عمرو بن دينار فقد مرَّ في الرابع والخمسين من العلم، ومرَّ جابر في الثالث من بدء الوحي، وأما عُبيد الله فهو ابن مِقْسَم القُرَشِي، مولى ابن أبي نَمِر المَدَني، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أبو داود والنَّسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به، ووثقه يعقوب بن سُفْيان، روى عن جابر واين عمر وأبي هُرَيْرة والقاسم بن محمد وروى عنه إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة، وأبو حازم بن دينار وبُكير بن الأشج وغيرهم.
وأبو الزُّبير محمد بن مُسْلم بن تَدْرس، بفتح المثناة، الأَسَدِيّ مولاهم المكيّ قال يَعْلى بن عَطَاء: حدثني أبو الزُّبَير، وكان أكمل الناس عقلًا وأحفظهم. وقال النَّسائيّ: ثقة، وقال ابن عَدِيّ: روى مالك عن أبي الزُّبير أحاديث، وكفى بأبي الزبير صدقًا أن يحدث عنه مالك، فإن مالكًا لا يروي إلا عن ثقة، وقال: لا أعلم أحدًا من الثقات تخلف عن أبي الزبير إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة، إلا إن رواه عنه بعض الضُّعَفَاء، فيكون ذلك من جهة الضعيف، وذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال: لم ينصف من قدح فيه, لأنّ من استرجح لنفسه في الوزن لم يستحق الترك لأجله. وقال عطاء: كنا نكون عند جابر فإذا خرجنا من عنده تذاكرنا حديثه، فكان أبو الزُّبَير أحفظنا. وقال ابن سَعْد: كان ثقة كثير الحديث، إلا أن شُعْبَةَ تركه شيء زعم أنه رآه في معاملة.
وقال السّاجيّ صَدُوق حجة في الأحكام، وقد روى عنه أهل النقل، وقبلوه واحتجوا به. قال: وبلغني عن يحيي بن مَعِين أنه قال: استحلف شَيْبَة أبا الزُّبير بين الركن والمقام أنك سمعت هذه الأحاديث من جابر؟ فقال: والله إني سمعتها من جابر، يقول ذلك ثلاثًا. وضَعَّفه شُعْبَة كثيرًا فقد قال سُوَيد بن عبد العزيز: قال لي شعبة: تأخذ من أبي الزُّبَير وهو لا يحسن أن يصلي؟ وقال هُشَيم:
стр. 4051
سمعت من أبي الزُّبير فأخذ شُعْبة كتابي ومزّقه. وقال ورقاء: قلت لِشُعْبَة: مالك تركت حديث أبي الزُّبَير؟ قال: رأيته يزن ويسترجع في الميزان. وقال أبو داود الطَّيَاليسيّ: قال شُعْبَة: لم يكن في الدنيا أحب إلى من رجل يقدم فأسأله عن أبي الزُّبَير، فقدمت مكة، فسمعتُ منه، فبينما أنا جالس عنده، إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فرد عليه، فافترى عليه فقال له: يا أبا الزُّبَير، تفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويت عنك شيئًا.
وقال الشَّافعيّ: أبو الزُّبير يحتاج إلى دِعامة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زُرْعَة عن أبي الزُّبَير فقال: روى عنه الناس. قلت: يحتج به؟ قال: إنما يحتج بحديث الثقات. قال في "المقدمة": هو أحد التابعين، مشهور وثقة قال: الجمهور، وضعفه بعضهم لكثرة التدليس وغيره، ولم يرو له البُخَاري سوى حديث واحد في البيوع، قرنه بعطاء عن جابر، وعلق له عدة أحاديث، واحتج به مُسْلم والباقون، روى عن العبادلة الأربعة، وعن جابر وسعيد بن جُبَير وعِكْرمَة وطاووس وغيرهم، وروى عنه عطاء، وهو من شيوخه، والزُّهْرِيّ وأيّوب والأعمش وابن جُرَيج وهِشَام بن عُرْوَة وغيرهم. مات سنة ست وعشرين ومئة.
ثم قال: وتابعه الأعْمَش عن مُحارِب.
وهذه المتابعة وصلها النَّسائيّ من طريق مُحَمَّد بن فُضَيل عن الأعمش وأبي صالح، كلاهما عن جابر بطوله، وقال فيه: فيطول بهم مُعاذ، ولم يعين السورة، والأعمش مرَّ في الخامس والعشرين من الإيمان, ومرَّ محل ذكر مُحارب في الثامن والخمسين قبل هذه المتابَعات. ثم قال المصنف:
باب الإيجاز في الصلاة وإكمالها
ثبتت هذه الترجمة عند المُسْتَمْلِي وكَرِيمة، وذكرها الإسماعيليّ، وسقطت عند الباقين، وعلى تقدير سقوطها فمناسبة حديث أَنَس للترجمة من جهة أن من سلك طريق النبي ﷺ في الإيجاز والإتمام لا يُشْتَكى منه تطويل، وروى ابن أبي شَيْبَة عن أبي مُجْلِز قال: كان الصحابة يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة، وقد مرت في الباب الذي قبل هذا بباب آثار دالة على هذا، فبين العلة في تخفيفهم، ولهذا عقب المصنف هذه الترجمة بالإشارة إلى أن تخفيف النبي ﷺ لم يكن لهذا السبب لعصمته، بل كان يخفف عند حدوث أمر يقتضيه، كبكاء صبي.
стр. 4052
الحديث التاسع والخمسون
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلاَةَ وَيُكْمِلُهَا.
قوله: يوجز الصلاة، الإيجاز ضد الإطناب، والمراد به هنا الإتيان بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض، وفي لفظ عند مسلم "كان أتم الناس صلاة في إيجازه" وفي لفظ "كانت صلاته متقاربة، وكانت صلاة أبي بكر متقاربة، فلما كان عمر مد في صلاة الفجر".
رجاله خمسة:
قد مروا، مرَّ أبو مَعْمَر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ عبد العزيز بن صُهَيب في الثامن من الأيمان، ومرَّ أَنَس في السادس منه. أخرجه مسلم وابن ماجَه. ثم قال المصنف:
باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي
يجوز في باب التنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا باب، والإضافة إلى من الموصولة. قال الزَّيْن بن المُنِير: التراجم السابقة بالتخفيف، تتعلق بحق المأمومين، وهذه الترجمة تتعلق بقدر زائد على ذلك، وهو مصلحة غير المأموم لكن حيث تتعلق بشيء يرجع إليه.
стр. 4053
الحديث الستون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ" إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ.
قوله: عن عبد الله، عند الإسماعيليّ: حدثني عبد الله بن أبي قتادة، وقوله: إني لأقوم في الصلاة أريد، في رواية بِشْر بن بَكْر "لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد". وقوله: أن أطوّل، أن مصدرية، أي أريد التطويل في الصلاة. وقوله: بكاء الصبي، البكاء إذا مددت أردت به الصوت الذي يكون معه، وإذا قصرت أردت خروج الدمع، وهاهنا ممدود لا محالة، بقرينة "فأسمع" إذ السماع لا يكون إلا في الصوت. وقوله: فأتجوّز، أي فأخفف. بيّن مُسْلِم في رواية ثابت عن أَنَس محل التخفيف، ولفظه "فيقرأ بالسورة القصيرة" وبيّن ابن أبي شَيْبَة عن عبد الرحمن بن ساباط مقدارها، ولفظه "أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى بسورة طويلة نحو ستين آية، فسمع بكاء الصبيّ، فقرأ في الثانية بثلاث آيات" وهذا مرسل.
وقوله: كراهية، بالنصب على التعليل، مضاف إلى أن المصدرية، واستدل بهذا الحديث على جواز إدخال الصبيان المساجد. وفيه نظر، لاحتمال أن يكون الصبي كان مخلفًا في بيت يقرب من المسجد بحيث يسمع بكاؤه، وعلى جواز صلاة النساء في الجماعة مع الرجال، وفيه شفقته صلى الله تعالى عليه وسلم على أصحابه، ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير. وقال ابن بَطّال: احتج به من قال يجوز للإمام إطالة الركوع إذا سمع بحس داخل ليدركه, وسبقه إلى ذلك الخَطّابيّ، ووجهه بأنه إذا جاز التخفيف لحاجة من حاجات الدنيا كان التطويل لحاجة من حاجات الدين أجوز، وتعقبه القُرْطُبِيّ بأن التطويل هنا زيادة عمل في الصلاة غير مطلوب، بخلاف التخفيف، فإنه مطلوب، وبأن الحكمة لا يعلل بها لخفائها، أو لعدم انضباطها، ولأنه لم يكن يدخل في الصلاة، يريد تقصير تلك الركعة. ثم يطيلها لأجل الآتي، وإنما كان يدخل فيها ليأتي بالصلاة على سننها من تطويل الأولى، فافترق الأصل والفرع، وامتنع الإلحاق.
وذكر البُخَاريّ في جزء القراءة أنه لم يرو عن أحد من السلف في انتظار الداخل في الركوع شيء. وقال ابن المُنِير: التخفيف نقيض التطويل، فكف يقاس عليه؟ قال: ثم إن فيه مغايرة للمطلوب, لأن فيه ادخال مشقة على جماعة لأجل واحد، ويمكن أن يقال: محل ذلك ما لم يشق
стр. 4054
على الجماعة، وبذلك قيده أحمد وإسحاق وأبو ثَوْر.
وفي هذه المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل، وأطلق النَّوَوِيّ عن المذهب استحباب ذلك، وفي "التجريد" للمَحامِلِيّ نقل كراهيته عن "الجديد"، وبه قال الأوزاعيّ ومالك وأبو حَنيفة وأبو يوسف. وقال محمد بن الحسن: أخشى أن يكون شركًا. قلت: قيد بعض المالكية الكراهة بأن لا يكون الداخل عالمًا تُرجى بركته، أو ظالمًا تُخشى عقوبته، أو جاهلًا يَعْتَدّ بما دون الركعة، ولم يقل بعضهم القيود المذكورة، ومحلها قطعًا في الامام، وأما الفذ فلا يكره له التطويل. وقال أبو القاسم الصّفّار: إن كان الجائي غنيًا لا يجوز، وإن كان فقيرًا يجوز انتظاره. وقال أبو الليث: إن كان الإمام عرف الجائي لا ينتظره، وإن لم يعرفه فلا بأس به، إذ فيه إعانة على الطاعة.
رجاله ستة:
مروا جميعًا، مرَّ إبراهيم بن موسى في الثالث من الحَيْف، ومرَّ الوليد بن مسلم في السادس والثلاثين من كتاب مواقيت الصلاة، ومرَّ الأوْزَاعيّ في العشرين من العلم، ومرَّ يحيي بن أبي كَثير في الثالث والخمسين منه، ومرَّ عبد الله بن أبي قَتادة وأبوه في التاسع عشر من الوضوء.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين رازيّ ودمشقيّ ويمانيّ ومَدَنيّ، أخرجه البخاريّ أيضًا عن محمد بن مِسْكِين، وأبو داود في الصلاة، والنَّسائيّ وابن ماجَه فيها أيضًا.
ثم قال: تابعه بِشْر بنُ بَكْر وابنُ المُبارَك، وبَقِّيةُ عن الأوْزَاعيّ.
متابعة بشْر موصولة عند المؤلف في باب خروج النساء إلى المساجد، قُبَيل كتاب الجمعة، ومتابعة ابن المبارك وصلها النّسائيّ، ومتابعة بقية، قال في "الفتح": لم أقف عليها، والأوْزَاعيّ مرَّ ذكر محله في هذا الحديث السابق، وابن المبارك قد مرَّ في السادس من بدء الوحي.
وأما بشر، فهو بكسر الباء الموحدة، ابن بكر، بفتحها، التَّنِيسيّ أبو عبد الله البَجَليّ، دمشقيّ الأصل، ذَكره ابن حِبّان في الثقات، وقال الحاكم: مأمون، وقال العِجْليّ والعَقِيليّ: ثقة، وقال أبو زُرْعَة أيضًا: ثقة. وقال الدارَقُطنيّ مرة: ثقة، وقالَ مرة: ليس به بأس، ما علمت إلا خيرًا. روى عن الأوْزاعيّ وجَرير بن عثمان وسعيد بن عبد العزيز وغيرهم. وروى عنه دُحَيم وابن السَّرح والحُمَيْدِيّ ومحمد بن مِسْكين، وابن وهَبْ ومات قبله والشافعيّ، ولد سنة أربع وعشرين ومئة، ومات سنة خمس وخمسين ومئتين، وقيل سنة خمس ومئتين.
وأما بَقيّة فهو ابن الوليد بن صايد بن كَعْب بن جريز الكَلَاعيّ بفتح الكاف المَيْتَمِيّ، بفتح الميم، أبو يُحمد، بضم التحتانية، الحمصيّ. قال ابن المبارك: كان صدوقًا، ولكنه كان يحدث عمن أقبل وأدبر. وقال ابن مَعين: كان شُعْبَة مُبَجلًا لبقية حيث قَدِم بغداد. وقال أحمد ويحيى:
стр. 4055
إذا حدث عن الثقات فاقبلوه، وإذا حدث عن أولئك المجهولين فلا. وقال ابن عُيَيْنَة: لا تسمعوا من بَقِيّةَ ما كان في سنة، واسمعوا منه ما كان في ثواب وغيره. وقال يعقوب: بقية ثقة حسن الحديث إذا حدث عن المعروفين، ويحدث عن قوم متروكي الحديث، وعن الضعفاء، ويحيد عن أسمائهم إلى كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدث عمن هو أصغر منه. وقال ابن سعد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفًا في روايته عن غير الثقات. وقال العِجْلِيّ: ثقة فيما يروي عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء. وقال أبو مُسْهِر الغَسّانيّ: بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية، لم يرو عنه البخاري إلا استشهادًا، روى عن الأوزاعيّ وابن جرير ومالك والزبيديّ وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك وشعبة والحمادان وابن عُيَينة، والأوزاعيّ وابن جُرَيج، وهما من شيوخه، ولد سنة خمس عشرة ومئة، ومات سنة سبع وتسعين ومئة والمَيْتَمِيّ في نسبه نسبة إلى ميتم قبيلة من حمير.
стр. 4056
الحديث الحادي والستون
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنَي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلاَةً وَلاَ أَتَمَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِىِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ.
قوله: أخف صلاة ولا أتم، إلىِ هنا أخرجه مُسْلم عن إسماعيل بن جَعْفر عن شَريك، ووافق سليمان بن بلال على تكملته أبو ضَمْرَة عند الإسماعيليّ. وقوله: أن تَفتن أمه، بالبناء للفاعل، أي تنتهي عن صلائها لاشتغال قلبها ببكائه، زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء "أو تتركه فيضيع" وفي رواية "أن يُفتِن" من أفتن الرباعيّ، وقد مرت مباحثه في الذي قبله.
رجاله أربعة:
مروا كلهم، مرَّ خالد بن مَخْلَد في الرابع من العلم، ومرَّ شريك بن عبد الله في الخامس منه، ومرَّ سلَيمان بن بلال في الثاني من الإيمان, ومرَّ أنس في السادس منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والسماع والقول، ورواته مدنيون ما عدا شيخ البخاريّ، فإنه كوفي، أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا.
стр. 4057
الحديث الثاني والستون
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ.
قوله: وأنا أريد إطالتها، فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحب لا يجب عليه الوفاء به، خلافًا لأشهب حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائمًا ليس له أن يتمه جالسًا. وقوله: مما أعلم، في رواية الكُشْمِيْهَنيّ "لما أعلم" وقوله: وَجْد أمه، أي حزنها. قال صاحب "المُحكم": وَجَد يَجدِ وَجْدًا بالسكون والتحريك، أي حَزن، وكأنّ ذكر الأم هنا خرج مخرج الغالب، وإلا فمن كان في معناها ممن يحصل له اشتغال القلب، وإن لم يصل إلى درجتها، ملتحق بها.
رجاله خمسة:
مروا كلهم، مرَّ عَلِيّ بن المَدينيّ في الرابع عشر من العلم، ومرَّ يَزِيد بن زُرَيْع في السادس والتسعين من الوضوء، ومرَّ سعيد بن أبي عَرُوبَةَ في الحادي والعشرين من الغُسل، ومرَّ قتَادَةُ وَأَنَسُ في السادس من الإيمان.
فيه التحديث بصيغة الجمع والإفراد والقول، ورواته كلهم بصريون. أخرجه مسلم وابن ماجَه في الصلاة أيضًا.
стр. 4058
الحديث الثالث والستون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ.
هذا طريق آخر من الحديث الذي قبله.
رجاله خمسة:
مرَّ محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، ومرَّ في الذي قبله ذكر محل سعيد وقَتَادة وأَنَس، ومرَّ محمد بن أبي عَدِيّ في العشرين من الغسل.
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته كلهم بصريون.
ثم ذكر البُخَارِيّ قال: وقال مُوسَى: حدّثنا أبانُ، حدّثنا قتادةُ، حدّثنا أنسٌ عن النبيِّ ﷺ مثلَهُ.
والمراد من هذا التعليق بيان سماع قتادة له من أنس، وهذا التعليق وصله السراج عن عُبَيْد الله بن جَرير، وابن المُنْذر عن محمد بن إسماعيل، كلاهما عن موسى. وموسى المراد به إسْماعيل التَّبُوذَكِيّ، مرَّ في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ أبان بن يزيد في التعليق الذي بعد السابع والثلاثين من الإيمان, ومرَّ قَتَادَةُ وأَنَس في السادس منه. ثم قال المصنف:
باب إذا صلى ثم أمّ قومًا
قال الزَّيْن بن المنُير: لم يذكر جواب "إذا" جريًا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه.
стр. 4059
الحديث الرابع والستون
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالاَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ.
وهذا الحديث طريق من حديث جابر المتقدم، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليه.
رجاله ستة:
وفيه ذكر مُعاذ، وقد مرَّ الجميع، مرَّ سُلَيمان بن حَرْب في الرابع عشر من الإيمان، ومرَّ أبو النُّعْمان في الحادي والخمسين منه، ومرَّ حماد بن زيد في الرابع والعشرين منه، ومرَّ أيّوب في التاسع منه، ومرَّ مُعَاذ في الأثر الثاني أول كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه، ومرَّ جابر في الرابع من بدء الوحي، ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم. ثم قال المصنف:
باب من أسمع الناس تكبير الإمام
стр. 4060
الحديث الخامس والستون
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ. قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي فَلاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ. قَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ. فَقُلْتُ مِثْلَهُ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ. فَصَلَّى وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه وَقَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ.
وهذا الحديث قد مرَّ في باب حد المريض أن يشهد الجماعة، ومرَّ استيفاء الكلام عليه هناك، والشاهد فيه هنا قوله "وأبو بكر يُسْمع الناسَ التكبيرَ" وهذه اللفظة مفسرة عند الجمهور للمراد بقوله في الرواية الماضية "وكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر" ووقع في بعض الروايات هنا "إن يقم مقامك يبكي، ومروا أبا بكر يصلي" بإثبات الياء فيهما، وهو من قبيل إجراء المعتل مجرى الصحيح، والاكتفاء بحذف الحركة ومنه قراءة من قرأ ﴿إنه مَنْ يَتقِي وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٥].
رجاله ستة:
وفيه ذكر أبي بَكر وبِلَال، وقد مرَّ الجميع، مرَّ مُسَدَّد في السادس من الإيمان, ومرَّ الأعْمَش وإبراهيم بن يَزيد في الخامس والعشرين منه، ومرَّ عبد الله بن داود الخُرَيْبيّ في الثاني والسبعين من العلم، ومرَّ الأسْوَد في السابع والستين منه، وبلال بن حَمَامة في التاسع والثلاثين منه، ومرت عائشة في الثاني من بَدء الوَحْي، ومرَّ أبو بكر في باب "من لم يتوضأ من لحم الشاة والسَّويق" بعد الحادي والسبعين من الوضوء. وفيه ذِكْرُ رَجُلَين مبهَمَين، ومرَّ بيانهما في الثلاثين من هذا الباب.
ثم قال: تابعه مُحاضِر عن الأعْمَش.
أي تابع عبد الله بن داود محاضر عن الأعمش، وهذه المتابعة لم أر من وصلها، والأعمش قد مرَّ الآن في الحديث ذكرُ محله.
стр. 4061
ومحاضِر هو ابن المُوَرَّع، باسم المفعول، الهَمْدانيّ الياميّ السَّلُوليّ السَّكُونيّ الكُوفيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سَعْد، كان ثقة صدوقًا ممتنعًا عن التحديث، ثم حدث بعد. وقال ابن قانع: ثقة، وقال مَسْلَمة بن قاسم: ثقة مشهور، وكان على رأي الكوفة في النَّبيذ، وقال أبو زُرْعَة: صَدُوق صَدُوق. وقال أحمد: لم يكن من أصحاب الحديث، كان مُغفلًا جدًا. وقال ابن المبارك: أعرفه قديمًا، وكان شريك إذا لم يَحضر صلى مُحاضر. وقال أبو سعيد الحدَّاد: محاضر لا يحسن أن يصدق، فكيف يحسن أن يكذب؟ كنا نوقفه على الخطأ في كتابه، فإذا بلغ ذلك الموضع أخطأ، وكان إمام الناس. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عَدِيّ: روى عن الأعمش أحاديث صالحة مستقيمة، ولم أر في حديثه منكرًا فأذكره إذا روى عنه ثقة.
قال في المقدمة: أخرج له البُخَاريّ حديثين مصورة التعليق الموصول عن بعض شيوخه عنه، أحدهما في الحج والآخر في البيوع، وعلق له غيرهما، وروى له مسلم حديثًا واحدًا، وأبو داود والنَّسائيّ. روى عن عاصم الأحول وهشام بن عُرْوَة والأعمش ومُجالِد بن سَعِيد وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شَيْبَةَ، وحجاج الشاعر ومحمد بن يحيي الذُّهْلِيّ وغيرهم. مات سنة ست ومئتين.
السَّلُوليّ نسبه نسبةً إلى سلول، فَخْذ من قَيْس بن هَوَازن، وهم بنو مُرَّة بن صَعْصَعَة بن مُعاوية بن بكر بن هَوَازن، وسَلُول اسم أمّهم، نُسِبوا إليها، وهي ابنة ذُهْل بن شيبان بن ثَعْلَبَةَ، منهم عبد الله بن همّام الشاعر السّلوليّ، من بني عمرو بن مُرّة بن صَعْصَعَة، وهم رَهْط أبي مريم السَّلولي الصحابيّ. والسَّكُونيّ في نسبه نسبة إلى سَكُون كصَبُور، حيٌّ من العرب، وهو ابن أشْرَس بن ثَوْر بن كِنْدَةَ، منهم أبو بَدْر، شُجاعُ بن الوليد بن قَيْس السَّكُونيّ الكُوفيّ المُحَدِّث. ثم قال المصنف:
باب الرجل يأتم بالِإمام ويأتم الناس بالمأموم
قال ابن بطّال: هذا موافق لقول مسروق والشَّعْبيّ إن الصفوف يؤم بعضها بعضًا، خلافًا للجمهور، وليس المراد أنهم يأتَمُّون بهم في التبليغ فقط، كما فهمه بعضهم، بل الخلاف معنويّ، لأنّ الشَّعْبيّ قالَ فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة: إنه أدركها، ولو كان الإمام رفع قبل ذلك, لأنّ بعضهم أئمة لبعض، فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعض ما يتحمل الإمام، وأثر الشَّعْبِيّ الأول وصله عبد الرَّزَّاق، والثاني وصله ابن أبي شَيْبَةَ، ولم يفصح البُخَاريّ باختياره، والظاهر أنه يذهب إلى رأي الشَّعْبيّ. وقوله في الرواية الأولى"يُسمع الناسَ التكبير" لا ينفي كونهم يأتمون به, لأنّ إسماعه لهم التكبَير جزء من أجزاء ما يأتَمْون به فيه، وليس فيه نفي لغيره.
ثم قال: ويُذكَرُ عن النبيِّ ﷺ "ائتمُوا بي، وليأْتمَّ بكمْ مَنْ بَعْدكُمْ".
стр. 4062
وهذا طرف من حديث أبي سَعِيد الخُدْريّ أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أبي نَضْرَة عنه، قال: "رأى رسول الله ﷺ في أصحابه تأخراً فقالَ لهم: تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى" أي عن الصف الأول، حتى يؤخرهم الله عن عظيم فضله، ورفيع منزلته. وقوله: وليأتم بكم من بعدكم، معناه عند الجمهور: يقتدي بكم من خلفكم، مستدلين على أفعالي بأفعالكم. وقيل: معناه تعلموا مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعُهم إلى انقراض الدنيا، وظاهره يدل لمذهب الشَّعْبيّ، ولكن تفسيره بما ذكر هو المتعين، ليوافق مذهب الجمهور، وإنما ذكره المصنف بصيغة التمريض, لأنّ أبا نَضْرَة ليس على شرطه، لضعف فيه. قال في "الفتح": وهذا عندي ليس بصواب, لأنه لا يلزم من كونه ليس على شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح.
стр. 4063
الحديث السادس والستون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّىَ بِالنَّاسِ. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّىَ بِالنَّاسِ. فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلاَهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِى أَبُو بَكْرٍ بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ رضى الله عنه.
قوله: مروا أبا بكر يُصَلّي، كذا فيه بإثبات الياء، وقد مرَّ في الحديث الذي قبله توجيهه، وقوله: متى يقوم، بإثبات الواو في الموضعين عند الأكثر، ووجهه ابن مالك بأنه شبّه متى بإذا فلم تجزم، كما شبه إذا بمتى في قوله "إذا أخذتما مضاجعكما تُكَبِّرا أربعًا وثلاثين" فحذف النون، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيّ "متى يقم" ولا إشكال فيها. وقوله: تخطان الأرض، في رواية الكُشْمِيْهَنِيّ: يخطان في الأرض، وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في باب حد المريض.
رجاله ستة:
وقد مروا جميعًا، وفيه ذكر أبي بكر وعمر وبلال، ولفظ رَجُلين مُبْهَمَين، مرَّ قُتَيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان, ومرَّ أبو مُعَاوية في تعليق بعد الثالث من الإيمان, ومرَّ في الحديث الذي قبل هذا ذكر محل الأعمش وإبراهيم والأسْود وعائشة وأبو بكر وبلال، ومحل الرجلين المُبْهَمَين، ومرَّ عمر في الحديث الأول من بدء الوحي. ومرت حفْصة في الثالث والستين من الغُسل. ثم قال المصنف:
باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس
قال ابن المُنِير: أراد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو ما إذا كان الإمام شاكًا، أما إذا
стр. 4064
كان على يقين من فعل نفسه، فلا خلاف أنه لا يرجع إلى قول أحد، وقال ابن التّين: يحتمل أن يكون صلى الله تعالى عليه وسلم شك بإخبار ذي اليدين، فسألهم إرادة تحقق أحد الأمرين، فلما صدّقوا ذا اليَدَين علم صحة قوله. قال: وهذا الذي أراد البُخاريّ بتبويبه، وقال ابن بَطّال، بعد أن حكى الخلاف في هذه المسألة: حمل الشافعي رجوعه ﵊ على أنه ذُكِّر فَتَذَكّر، وفيه نظر, لأنه لو كان كذلك لبينه لهم، ليرتفع اللَّبس، ولو بينه لنُقل، ومن ادعى ذلك فليذكره. قال في "الفتح": قد ذكره أبو داود عن أبي هُرَيرة بهذه القصة. قال: ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك.
стр. 4065
الحديث السابع والستون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ. فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ.
رجاله خمسة:
وقد مروا، وفيه ذِكْرُ ذي اليدين، مرَّ عبد الله بن مَسْلَمَة في الثاني عشر من الإيمان" وأيّوب بن أبي تَمِيمة في التاسع منه، ومحمد بن سيرين في الأربعين منه، وأبو هُريرة في الثاني منه، ومرَّ مالك في الثاني من بَدء الوحي، ومرَّ ذو اليدين في الثالث والثمانين من استقبال القبلة، وقد مرَّ ما يتعلق به في أبواب القبلة، حيث ذكر ذو اليدين.
следующие страницы →