Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.
стр. 4061
ومحاضِر هو ابن المُوَرَّع، باسم المفعول، الهَمْدانيّ الياميّ السَّلُوليّ السَّكُونيّ الكُوفيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن سَعْد، كان ثقة صدوقًا ممتنعًا عن التحديث، ثم حدث بعد. وقال ابن قانع: ثقة، وقال مَسْلَمة بن قاسم: ثقة مشهور، وكان على رأي الكوفة في النَّبيذ، وقال أبو زُرْعَة: صَدُوق صَدُوق. وقال أحمد: لم يكن من أصحاب الحديث، كان مُغفلًا جدًا. وقال ابن المبارك: أعرفه قديمًا، وكان شريك إذا لم يَحضر صلى مُحاضر. وقال أبو سعيد الحدَّاد: محاضر لا يحسن أن يصدق، فكيف يحسن أن يكذب؟ كنا نوقفه على الخطأ في كتابه، فإذا بلغ ذلك الموضع أخطأ، وكان إمام الناس. وقال النَّسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عَدِيّ: روى عن الأعمش أحاديث صالحة مستقيمة، ولم أر في حديثه منكرًا فأذكره إذا روى عنه ثقة.
قال في المقدمة: أخرج له البُخَاريّ حديثين مصورة التعليق الموصول عن بعض شيوخه عنه، أحدهما في الحج والآخر في البيوع، وعلق له غيرهما، وروى له مسلم حديثًا واحدًا، وأبو داود والنَّسائيّ. روى عن عاصم الأحول وهشام بن عُرْوَة والأعمش ومُجالِد بن سَعِيد وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شَيْبَةَ، وحجاج الشاعر ومحمد بن يحيي الذُّهْلِيّ وغيرهم. مات سنة ست ومئتين.
السَّلُوليّ نسبه نسبةً إلى سلول، فَخْذ من قَيْس بن هَوَازن، وهم بنو مُرَّة بن صَعْصَعَة بن مُعاوية بن بكر بن هَوَازن، وسَلُول اسم أمّهم، نُسِبوا إليها، وهي ابنة ذُهْل بن شيبان بن ثَعْلَبَةَ، منهم عبد الله بن همّام الشاعر السّلوليّ، من بني عمرو بن مُرّة بن صَعْصَعَة، وهم رَهْط أبي مريم السَّلولي الصحابيّ. والسَّكُونيّ في نسبه نسبة إلى سَكُون كصَبُور، حيٌّ من العرب، وهو ابن أشْرَس بن ثَوْر بن كِنْدَةَ، منهم أبو بَدْر، شُجاعُ بن الوليد بن قَيْس السَّكُونيّ الكُوفيّ المُحَدِّث. ثم قال المصنف:
باب الرجل يأتم بالِإمام ويأتم الناس بالمأموم
قال ابن بطّال: هذا موافق لقول مسروق والشَّعْبيّ إن الصفوف يؤم بعضها بعضًا، خلافًا للجمهور، وليس المراد أنهم يأتَمُّون بهم في التبليغ فقط، كما فهمه بعضهم، بل الخلاف معنويّ، لأنّ الشَّعْبيّ قالَ فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة: إنه أدركها، ولو كان الإمام رفع قبل ذلك, لأنّ بعضهم أئمة لبعض، فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعض ما يتحمل الإمام، وأثر الشَّعْبِيّ الأول وصله عبد الرَّزَّاق، والثاني وصله ابن أبي شَيْبَةَ، ولم يفصح البُخَاريّ باختياره، والظاهر أنه يذهب إلى رأي الشَّعْبيّ. وقوله في الرواية الأولى"يُسمع الناسَ التكبير" لا ينفي كونهم يأتمون به, لأنّ إسماعه لهم التكبَير جزء من أجزاء ما يأتَمْون به فيه، وليس فيه نفي لغيره.
ثم قال: ويُذكَرُ عن النبيِّ ﷺ "ائتمُوا بي، وليأْتمَّ بكمْ مَنْ بَعْدكُمْ".
стр. 4062
وهذا طرف من حديث أبي سَعِيد الخُدْريّ أخرجه مسلم وأصحاب السنن عن أبي نَضْرَة عنه، قال: "رأى رسول الله ﷺ في أصحابه تأخراً فقالَ لهم: تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى" أي عن الصف الأول، حتى يؤخرهم الله عن عظيم فضله، ورفيع منزلته. وقوله: وليأتم بكم من بعدكم، معناه عند الجمهور: يقتدي بكم من خلفكم، مستدلين على أفعالي بأفعالكم. وقيل: معناه تعلموا مني أحكام الشريعة، وليتعلم منكم التابعون بعدكم، وكذلك أتباعُهم إلى انقراض الدنيا، وظاهره يدل لمذهب الشَّعْبيّ، ولكن تفسيره بما ذكر هو المتعين، ليوافق مذهب الجمهور، وإنما ذكره المصنف بصيغة التمريض, لأنّ أبا نَضْرَة ليس على شرطه، لضعف فيه. قال في "الفتح": وهذا عندي ليس بصواب, لأنه لا يلزم من كونه ليس على شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به، بل قد يكون صالحًا للاحتجاج به، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة، والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعف، بل قد تستعمل في الصحيح أيضًا، بخلاف صيغة الجزم، فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح.
стр. 4063
الحديث السادس والستون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّىَ بِالنَّاسِ. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعِ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّىَ بِالنَّاسِ. فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلاَهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِى أَبُو بَكْرٍ بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ رضى الله عنه.
قوله: مروا أبا بكر يُصَلّي، كذا فيه بإثبات الياء، وقد مرَّ في الحديث الذي قبله توجيهه، وقوله: متى يقوم، بإثبات الواو في الموضعين عند الأكثر، ووجهه ابن مالك بأنه شبّه متى بإذا فلم تجزم، كما شبه إذا بمتى في قوله "إذا أخذتما مضاجعكما تُكَبِّرا أربعًا وثلاثين" فحذف النون، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيّ "متى يقم" ولا إشكال فيها. وقوله: تخطان الأرض، في رواية الكُشْمِيْهَنِيّ: يخطان في الأرض، وقد تقدمت مباحث هذا الحديث في باب حد المريض.
رجاله ستة:
وقد مروا جميعًا، وفيه ذكر أبي بكر وعمر وبلال، ولفظ رَجُلين مُبْهَمَين، مرَّ قُتَيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان, ومرَّ أبو مُعَاوية في تعليق بعد الثالث من الإيمان, ومرَّ في الحديث الذي قبل هذا ذكر محل الأعمش وإبراهيم والأسْود وعائشة وأبو بكر وبلال، ومحل الرجلين المُبْهَمَين، ومرَّ عمر في الحديث الأول من بدء الوحي. ومرت حفْصة في الثالث والستين من الغُسل. ثم قال المصنف:
باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس
قال ابن المُنِير: أراد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو ما إذا كان الإمام شاكًا، أما إذا
стр. 4064
كان على يقين من فعل نفسه، فلا خلاف أنه لا يرجع إلى قول أحد، وقال ابن التّين: يحتمل أن يكون صلى الله تعالى عليه وسلم شك بإخبار ذي اليدين، فسألهم إرادة تحقق أحد الأمرين، فلما صدّقوا ذا اليَدَين علم صحة قوله. قال: وهذا الذي أراد البُخاريّ بتبويبه، وقال ابن بَطّال، بعد أن حكى الخلاف في هذه المسألة: حمل الشافعي رجوعه ﵊ على أنه ذُكِّر فَتَذَكّر، وفيه نظر, لأنه لو كان كذلك لبينه لهم، ليرتفع اللَّبس، ولو بينه لنُقل، ومن ادعى ذلك فليذكره. قال في "الفتح": قد ذكره أبو داود عن أبي هُرَيرة بهذه القصة. قال: ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك.
стр. 4065
الحديث السابع والستون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ. فَقَالَ النَّاسُ نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ.
رجاله خمسة:
وقد مروا، وفيه ذِكْرُ ذي اليدين، مرَّ عبد الله بن مَسْلَمَة في الثاني عشر من الإيمان" وأيّوب بن أبي تَمِيمة في التاسع منه، ومحمد بن سيرين في الأربعين منه، وأبو هُريرة في الثاني منه، ومرَّ مالك في الثاني من بَدء الوحي، ومرَّ ذو اليدين في الثالث والثمانين من استقبال القبلة، وقد مرَّ ما يتعلق به في أبواب القبلة، حيث ذكر ذو اليدين.
стр. 4066
الحديث الثامن والستون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، فَقِيلَ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.
وهذا طريق من الحديث السابق، وقد مرَّ استيفاء الكلام عليه غاية الاستيفاء عند ذكر حديث ابن مسعود، في باب التوجه نحو القبلة، وذكرنا هناك ما قيل في رجوع الأمام إلى قول المأموين، وفي باب تشبيك الأصابع في المسجد، بحيث لم يبق شيء يحتاج للذكر هنا.
رجاله خمسة:
مروا جميعًا مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان" ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرَّ أبو هُرَيْرَةَ في الثاني منه، ومرَّ سَعْد بن إبراهيم في السابع والأربعين من الوضوء، ومرَّ أبو سَلَمَة في الرابع من بَدء الوحي. ثم قال المصنف:
باب إذا بكى الإمام في الصلاة
أي هل تفسد أم لا, وقد مرَّ حكم البكاء في الصلاة عند الأئمة في باب حد المريض، إلا أنني هناك لم أذكر للشافعية إلا قولًا واحدًا، بأن الصلاة عندهم تبطل بالبكاء والأنين والتَّأوّه إذا كانت حرفين، سواء بكى للدنيا أو للآخرة، وهذا أحد أوجه ثلاثة عندهم، وهو أصحها.
ثانيها: وهو محكيٌّ عن نصه في الإملاء، أنه لا يفسد مطلقًا, لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يبين منه حرف محقق، فأشبه الصوت الغفل.
ثالثها عن القَفّال: إن كان فمه مطبقًا لم يفسد، وإلا أفسد إن ظهر منه حرفان، وبه قطع المُتَوَلَيّ، والوجه الثاني أقوى دليلًا. قال في "الفتح": أطلق جماعة التسوية بين الضحك والبكاء، وقال المتولي: لعل الأظهر في الضحك البطلان، لما فيه من هتك حرمة الصلاة، وهذا أقوى من حيث المعنى. قلت: أما مذهب المالكية، فلا خلاف عندهم أن القهقهة، وهي الضحك بصوت، مبطلة للصلاة.
ثم قال: وقالَ عبدُ اللهِ بنَ شَدّاد: سمعتُ نَشيجَ عمر وأنا في آخر الصفوف، فقَرَأ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
стр. 4067
النَّشيج: بفتح النون وكسر المعجمة وآخره جيم، قال ابن فارس: نَشَجَ الباكي يَنْشَج نَشِيجًا، إذا غَصّ بالبكاء في حلقه من غير انتحاب، وقال الهروي: النشيج صوت معه ترجيع، كما يردد الصبي بكاءه في صدره، وفي المحكم هو أشد البكاء، وقد أخرج أبو داود والنَّسائيّ والتِّرمذيّ في الشمائل، وإسناده قوي، وصححه ابن خُزَيْمَة وابن حِبّان والحاكم، عن عبد الله بن الشِّخير قال: "رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا وفي صدره أزِيز كأزِيز المرجل من البكاء" وفي لفظ "كأزيز الرّحى". والمِرْجَل بكسر الميم وفتح الجيم: القِدْر إذا غَلَت، والأَزيز، بفتح الهمزة بعدها زاي ثم تحتانية ساكنة ثم زاي أيضًا، وهو صوت القِدر إذا غلت.
وأما الأنين والتأوه، فقد قال ابن المُبَارَك: إذا كان غالبًا فلا بأس. وعند أبي حَنِيفَة: إذا ارتفع تأوُّهُهُ أو بكاؤه، فإنْ كان من ذكر الجنة والنار لم يقطعها، وإن كان من وجع أو مصيبة قطعها. وعن الشافعي وأبي ثَوْر: لا بأس به إلا أن يكون كلامًا مفهومًا، وعند النَّخَعِيّ والشَّعْبِيّ: يعيد صلاته، وعند المالكية: أنين الوجع لا يوصف بجواز ولا غيره, لأنه محل ضرورة، وأما أَنين غير الوجع فهو كلام يبطل عمدُه مطلقًا، وكثيره سهوًا، ويسجد لقليله السهو، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن عُيَيْنة، وزاد "في صلاة الصبح". وأخرجه ابن المنُذر من طريق عبِيد بن عُمير، ومرَّ عبد الله بن شَدّاد في الثامن من الحيض، ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي.
стр. 4068
الحديث التاسع والستون
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ. فَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. قَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا.
وهذا الحديث قد استوفي الكلام عليه في باب حد المريض أن يشهد الجماعة.
رجاله خمسة:
وفيه ذكر أبي بكر. وعمر وحَفْصَة، وقد مرَّ الجميع، مرَّ إسماعيل بن أبي أوَيس الخامس عشر من الإيمان, ومرَّ باقي السند بهذا النَّسَق في الثاني من بدء الوحي، كما أن عمر مر في الأول منه، ومرَّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين من الوضوء في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة، ومرت أُمنا حَفْصَة في الثالث والستين من الغُسل. ثم قال المصنف:
باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها
ليس في حَدِيثَيْ الباب دلالة على تقييد التسوية بما ذكر، لكن أشار بذلك إلى ما في بعض الطرق كعادته، ففي حديث النّعمان عند مسلم: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال ذلك عندما كاد أن يكبر، وفي حديث أنس في الباب الذي بعد هذا أقيمت الصلاة فأقبل علينا فقال ..
стр. 4069
الحديث السبعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَي شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ.
قوله: لتُسَوُّنَّ, بضم المثناة وفتح السين وضم الواو المشددة وتشديد النون، وللمُسْتَمِلي "لتسوُّوْنَ" بواوين: قال البَيْضَاوِيّ: هذه اللام هي التي يتلقى بها القسم، والقسم هنا مقدرة، ولهذا أكد بالنون المشددة, وفي رواية أبي داود إبراز القسم في هذا الحديث. أخرجه عن النُّعمان بن بشير قال: "أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم ثلاثًا، والله لَتُقِيمُنَّ صفوفكم, أوليخالِفَنَّ الله بين قلوبكم". قال: فلقد رأيت الرجل منا بلزق منكبه بمنكب صاحبه، وكعبه بكعبه, والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد، أو يراد بها سد الخَلَل الذي في الصف، فقد أخرج أبو داود، وصححه ابن خُزَيْمة والحاكم، عن ابن عمر "أن رسول الله ﷺ قال: أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسُدُّوا الخلل، ولا تَذَروا فُرُجاتٍ للشيطان، ومن وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله".
وقوله: أو لَيُخاِلفَنَّ الله بين وجوهكم، أي إن لم تسووا، واختلف في الوعيد المذكور. فقيل: هو علي حقيقته, والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه، بجعله موضع القفا، ونحو ذلك فهو نحو نظير ما تقدم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام؛ أن يجعل الله رأسه رأس حمار، وفيه من اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية، وهي المخالفة، وعلى هذا فهو واجب، والتفريط فيه حرام, يأتي البحث في ذلك قريبًا في باب "إثم من لم يتم الصفوف" إن شاء الله تعالى. ويؤيد حمله عل ظاهره حديث أبي أُمَامة "لتسون الصفوت أو لَتُطْمَسَنَّ الوجوه" في إسناده ضعف، ولهذا قال ابن الجَوْزِيّ: الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله ﴿قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧] ومنهم حمله على المجاز. قال النّوَوِيّ: يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب، كما تقول: تَغَيّر وجه فلان عَلَيّ أي: ظهر لي من وجهه كراهية, لأنّ مخالفتهم في الصفوف في ظواهرهم، واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن. ويؤيده رواية أبي داود المارة "أو ليخالفن الله بين قلوبكم".
стр. 4070
وقال القُرْطُبى: معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجهًا غير الذي أخذ صاحبه, لأنّ تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب، الداعي إلى القطيعة، والحاصل أن المراد بالوجه، إن حمل على العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية أو الصفة أو جعل المقدام وراء، وإن حمل ذات الشخص، فالمخالفة بحسب المقاصد، ويحتمل أن تكون المخالفة في الجزاء، فيجازي المسوي بخير، ومن لا يسوي بشر. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يُوَكّل رجلًا بإقامة الصفوف، فلا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت.
وعند مسلم عن النعمان بن بَشِير: كان يسوي صفوفنا، حتى كأنما يسوي بها القِداح، حتي رأى أنا قد عَقَلنا عنه، خرج يومًا حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلًا بادياً صدره فقال: "عباد الله لَتُسَوُّنَّ صفوفكم" الحديث.
رجالة خمسة:
قد مروا إلا عمرو بن مُرَّة، مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان, ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرَّ النّعمان بن بَشِير في الخاص والأربعين منه، ومرَّ سالم بن الجَعْد في السابع من الوضوء، وأخطأ العَيْنيّ في قوله إنه مرَّ في باب فضل من استبرأ لدينه من الإيمان, فإن ذلك عليّ بن الجَعْد.
وأما عمرو فإنه ابن مُرّة بن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سَلَمة بن كَعْب بن وائل بن جَمَل بن كِنانة بن ناجِيَة بن مُراد، الجَمَلِيّ المُراديّ، أبو عبد الله الكُوفي الأعمى، زكّاه أحمد بن حنبل. وقال ابن مَعِين: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، كان يرى الإرجاء. وقال حَفْص بن غِيَاث: ما سمعت الأعمش يثني على أحد إلا على عمرو بن مُرة، فإنه كان يقول: كان مأمونًا على ما عنده. وقال شُعْبَةُ: كان أكثرهم علمًا. وقال أيضًا: ما رأيت أحدًا من أصحاب الحديث إلا يُدَلِّس، إلا ابن عون وابن مُرة. وقال أيضًا: ما رأيت عمرو بن مرة في صلاة قط إلا ظننت أنه لا ينفتل حتى يستجاب له.
وقال عبد الملك بن مَيْسَرَة في جنازته: إني لأحسبه خير أهل الأرض. وقال مِسْعَر: لم يكن بالكوفة أحب إليّ ولا أفضل منه. وقال أيضًا: عمرو من معادن الصدق، وقال ابن مهدي: أربعة بالكوقة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو يخطىء، منهم عمرو بن مُرَّة. وقال مُغيرة: لم يزل في الناس "بَقية" حتى دخل عمرو في الإرجاء، فتهافت الناس فيه. روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي وائل وسعيد بن المُسَيِّب وسعيد بن جُبَيْر وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الله وأبو إسحاق السَّبيعيّ، وهو أكبر منه، والأعمش والثَّوري والأوزاعيّ وشُعْبَة وغيرهم. مات سنة ست عشر ومئة. وقيل ثمانية عشر، وأخطأ العَيْنيّ فجعل صاحب السند عمرو بن مُرَّةَ الجُهَنِي، أبو طَلْحة، وهذا خطأ كبير، فإن هذا صحابى، وصاحب السند من صغار التابعين. والجَمَلي في نسبه، بالتحريك، نسبة إلى جده المذكور في نسبه، جَمَل بن كِنانة رهط سَيْفَويه القاضي، وولده هِنْد بن
стр. 4071
عمرو بن مُرَّةَ، قتله عمرو بن يَثْرِبيّ الضّبِّيّ يوم الجَمَل، وكان مع علي رضي الله تعالى عنه، وقال قاتله:
إن تنكروني فأنا ابن يثربيّ ... قتلتُ عِلباء وهند الجَمَليّ
وابنًا لصوحان على دين عليّ
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والسماع والقول، ورواته ما بين بصريّ وكوفيّ. أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا.
стр. 4072
الحديث الحادي والسبعون
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بن صُهيبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي.
قوله: أقيموا الصفوف، أي عدِّلوا، يقال: أقام العود إذا عدله وسواه. وقوله: فإني أراكم، فيه إشارة إلى سبب الأمر بذلك، أي إنما أمرت بذلك, لأني تحققت منكم خلافه. وقد مرَّ الكلام في المراد بهذه الرواية في باب عظة الإمام الناسَ في إتمام الصلاة، من أبواب المساجد، وأن المختار حملها على الحقيقة، خلافًا لمن زعم أن المراد بها خلق علم ضروري بذلك، ونحو ذلك: قال الزَّيْنُ بن المُنِير: لا حاجة إلى تأويلها, لأنه في معنى تعطيل لفظ الشارع من غير ضرورة. وقال القُرْطُبيّ: بل حملها على ظاهرها أولى, لأن فيه زيادة في كرامة النبي ﷺ .
رجاله أربعة:
مروا كلهم، مرَّ أبو مَعْمَر وعبد الوارث في السابع عشر من العلم، ومرَّ عبد العزيز بن صُهيْب في الثامن من الإيمان, ومرَّ أنَس في السادس منه أيضًا. أخرجه مسلم والنسائي. ثم قال المصنف:
باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف
стр. 4073
الحديث الثاني والسبعون
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي.
هذا الحديث طريق من حديث أنس الذي في الباب قبله، وأبو معاوية شيخ المؤلف، وروى له هنا بواسطة، فكأنّه لم يسمعه منه، وإنما نزل فيه لما وقع في الإسناد من تصريح حُمَيد بتحديث أنس له، فأمن بذلك تدليسه. وقوله: وتراصّوا، بتشديد الصاد المهملة، أي تلاصقوا بغير خلل، ويحتمل أن يكون تأكيدًا لقوله "أقيموا صفوفكم" والمراد بأقيموا سووا، كما وقع عند الإسماعيليّ بدل أقيموا "اعتدلوا" وفيه جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة، وقد مرَّ في باب مفرد، وفيه مراعاة الإمام لرعيته، والشفقة عليهم، وتحذيرهم من المخالفة، وفي سنن أبي داود وصحيح ابن حِبّان عن أنس "أن رسول الله ﷺ قال: رُصّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطانَ يدخل من خَلَل الصفوف، كأنه الحَذفُ" والحَذَفُ بالحاء المهملة والذال المعجمة محركة، غَنَمٌ صغار سود تكون باليمن، وفُسِّر بالنَّقَد، بالتحريك، وهو جنس من الغنم قصار الأرجل قباح الوجوه.
رجاله خمسة:
مروا إلا معاوية بن عمرو، ومرَّ أحمد بن أبي رَجَاء في الثلاثين من الحَيْض، ومرَّ زائدة بن قُدَامَةَ في الثاني والعشرين من الغسل، ومرَّ حُمَيد الطَّويل في الثاني والأربعين من الإيمان، ومرَّ أنَسٌ في السادس منه.
وأما معاوية فهو ابن عمرو بن المُهَلَّب بن عمرو بن شَبيب الأزْدِيّ المَعْنِيّ الكوفيّ، أبو عمرو البَغْداديّ. ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أحمد: صَدوق ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة. وقال مُهَنّا بن يحيى: سألت أبا عبد الله عن خَلَف بن تميم، قلت له: كان مثل معاوية بن عمرو؟ قال: لا، فإنه أتقن في الحديث منه. وقال ابن مَعِين: كان شجاعًا، وكان يقال له ابن الكِرْمَانيّ. روى عن زائدة مصنفاته، وعن أبي إسحاق الفَزَاري كتابَ السير، ونزل بغداد.
روى عن زائِدَةَ بن قُدامَةَ وزُهَير بن معاوية وجَرِير بن حازم والمَسْعُودِيّ وغيرهم. وروى عنه البُخاريّ، وروى هو والباقون بواسطة عبد الله بن محمد المُسْنَدِيّ وأحمد بن أبي رَجاء ومحمد بن
стр. 4074
عبد الرحيم البَزّار وأبو بكر بن أبي شَيْبَة وأبو خَيْثَمة وغيرهم. مات سنة أربع عشرة ومئتين عن ست وثمانين سنة، وكان مولده سنة ثمان وعشرين ومئة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع في جميع الإسناد، ولم يقع مثل هذا إلا هنا، وفيه القول، ورواته ما بين بغداديّ وهَرَويّ وكُوفيّ وبَصريّ، وفيه أن شيخه من أفراده، وأن معاوية من قدماء شيوخه، وروى عنه هنا بواسطة، وفيه تصريح حميد بالتحديث عن أَنَس، فأمِن تدليسه. ثم قال المصنف:
باب الصف الأول
стр. 4075
الحديث الثالث والسبعون
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّهَدَاءُ الْغَرِقُ وَالْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْهَدْمُ. وَقَالَ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الأول لاَسْتَهَمُوا.
وهذا الحديث مرَّ الكلام على الشهداء المذكورة فيه مستوفى في باب فضل التهجير إلى الظهر، والكلام على الصف الأول وما يتعلق به في باب الاستهام في الأذان من كتاب الأذان، فراجع المحلين.
رجاله خمسة:
مروا كلهم، مرَّ أبو عاصم في أثر بعد الرابع من العلم، ومرَّ مالك في الثاني من بَدء الوحي، ومرَّ سُمَيّ في الثاني عثر من كتاب أبواب الأذان، ومرَّ أبو صالح وأبو هُريرة في الثاني من الإيمان.
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، ورواته مَدَنيون ما عدا شيخ البُخاريّ فإنه بَصريّ. أخرجه البُخاريّ أيضًا في باب فضل التهجير يأتم من هذا، وفي باب الاستهام على الأذان. ثم قال المصنف:
باب إقامة الصف من تمام الصلاة
لفظ هذه الترجمة أورده عبد الرزاق من حديث جابر.
стр. 4076
الحديث الرابع والسبعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلاَ تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلاَةِ.
المراد من الحديث عند المؤلف قوله: وأقيموا الصفوف إلخ، وهو المقصود بهذه الترجمة، وقد أفرده مسلم وأحمد وغيرهما من طريق عبد الرَّزَّاق المذكورة عما قبله، فجعلوه حديثين. وقوله: من حسن الصلاة؛ قال ابن رَشِيد: إنما قال البُخاريّ في الترجمة من تمام الصلاة، ولفظ الحديث "من حُسْن الصلاة", لأنه أراد أن يبين أن المراد بالحُسْن هنا، وأنه لا يعني به الظاهر المرئي من الترتيب، بل المقصود فيه الحسن الحُكْميّ بدليل حديث أَنَس، وهو الثاني من حديثَيْ الباب، حيث عبر بقوله "من إقامة الصلاة"، وهذا الحديث قد مرَّ استيفاء الكلام عليه، فقوله: إنما جُعل الإمام ليؤتم به الخ، مرَّ الكلام عليه مستوفى في باب الصلاة على السطوح، عند ذكر حديث أنس هناك. ومرَّ الكلام على قوله "وإذا قال سمع الله لمن حمده .. " إلخ في باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به، عند ذكر حديث عائشة هناك.
رجاله خمسة:
مروا جميعًا، مرَّ عبد الله بن محمد المُسْنَدِيّ وأبو هُرَيرة في الثاني من الإيمان, ومرَّ عبد الرزاق وهمام في الخامس والثلاثين منه، ومرَّ مَعْمَر في المتابعات بعد الرابع من بَدء الوحي.
فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار والعنعنة، ورواته ما بين بخارِيّ وبَصريّ ومَدَنيّ ويمانيين. أخرجه مسلم أيضًا في الصلاة.
стр. 4077
الحديث الخامس والسبعون
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ.
قوله: فإن تسوية الصفوف، في رواية الأصيلي "الصف" بالإفراد، والمراد به الجنس، وقوله: من إقامة الصلاة، هكذا ذكره البُخاريّ عن أبي الوَلِيد، وذكره غيره عنه بلفظ "من تمام الصلاة" مُسْلِم وأبو داود والبَيْهَقيّ وغيرهم وأخرج أبو داود الطَّيَالسيّ قال: سمعت شُعْبَةَ يقول: داهنت في هذا الحديث، لم أسأل قتادة أسمعته من أنس أم لا، ولم يرو عن قتادة إلا معنعنًا، ولعل هذا السر هو في إيراد البُخاري لحديث أبي هُريرة معه في الباب تقوية له، وقد استدل ابن حَزْم بقوله "إقامة الصلاة" على وجوب تسوية الصفوف. قال: لأن إقامة الصلاة واجبة، وكل شيء من الواجب واجب، ولا يخفى ما فيه، لاسيما وقد بينا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة، وتمسك ابن بطال بظاهر لفظ حديث أبي هُريرة، فاستدل به على أن التسوية سنة. قال: لأن حسن الشيء زيادة على تمامه. وأورد عليه رواية "من تمام الصلاة".
وأجاب ابن دقِيق العِيد فقال: قد يؤخذ من قوله "تمام الصلاة" الاستحباب, لأنّ تمام الشيء في العرف أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقق إلا بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به، كذا قال. وهذا الأخذ بعيد, لأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان العَربيّ، وإنما يحمل على العُرف إذا ثَبَت أنه عُرْف الشارع لا العُرْف الحادث.
رجاله أربعة:
قد مروا، مرَّ أبو الوليد في العاشر من الإيمان, ومرَّ شُعْبَةُ في الثالث منه، ومرَّ قَتَادةُ وأَنَسٌ في السادس منه. أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجَه. ثم قال المصنف:
باب إثم من لم يتم الصفوف
قال ابن رَشيد: أورد فيه حديث أنس "ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف" وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة، فلا يدل ذلك على حصول الإثم، وأجيب بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] على أن المراد بالأمر الشأن.
стр. 4078
والحال، لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كان عليها صلى الله تعالى عليه وسلم يأثم , لما يدل عليه الوعيد المذكور في الآية، وإنكار أنَس ظاهر في كونهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله ﷺ , من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم، وهو ضعيف؛ لأنه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل على ترك الواجب.
وأما قول ابن بَطّال: إن تسوية الصفوف لما كانت من السنن المندوب إليها، التي يستحق فاعلها المدح عليها، دل على أن تاركها يستحق الذم -فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون إثمًا سَلّمنا، لكن يرد عليه التعقب الذي قبله، ويحتمل أن يكون البُخاريّ أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله سووا، ومن عموم قوله "صلوا كما رأيتموني أصلي" ومن ورود الوعيد على تركه، فرجح عنده بهذه القرائن، أن إنكار أَنَس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن, ومع القول بأن التسوية واجبة، فصلاة من خالف ولم يسو صحيحة لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أنَّ أنَسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة.
وأفرط ابن حَزْم فجزم بالبطلان، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر، أنه ضرب قدم أبي عثمان النَّهْدِيّ لإقامة الصف، وبما صح عن سُوَيد بن غَفَلَة قال: كان بلال يُسَوْي مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصلاة. فقال: ما كان عمر ولا بلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب، وفيه نظر، لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة.
стр. 4079
الحديث السادس والسبعون
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلاَّ أَنَّكُمْ لاَ تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ.
قوله: منذ يوم عهدت، وفي رواية المُسْتَمْلِي والكُشْمِيْهَنيّ: ما أنكرت منا منذ عَهِدْت، وهذه القدمة غير القدمة التي تقدم ذكرها في باب وقت العصر، فإن ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول وقت العصر، كما مضى. وهذا الإنكار أيضًا غير الإنكار الذي تقدم ذكره في باب تضييع الصلاة عن وقتها، حيث قال: لا أعرف شيئًا مما كان على عهد النبي ﷺ إلا الصلاة، وقد ضُيِّعت، فإن ذاك كان بالشام، وهذا بالمدينة، وهذا يدل على أن أهل المدينة كانوا في ذلك الزمان أمثل من غيرهم في التمسك بالسنن.
رجاله خمسة:
مروا إلا سَعِيد بن عُبَيد، مرَّ مُعاذ بن أسَد في التاسع والثلاثين من أبواب الجماعة هذه، ومرَّ الفَضْل بن موسى في السادس والأربعين من الغُسْل، ومرَّ بشير بن يَسَار في الرابع والسبعين من الوضوء ومرَّ أَنَس في السادس من الإيمان.
وأما سَعيد فهو ابن عُبَيد الطّائيّ، أبو الهُذَيل الكُوفيّ، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال أحمد وابن معِين: ثقة، ووثقه العِجّليّ ويعقوب بن سُفْيان وابن نُمَير وغيرهم. وقال أبو داود: كان شُعْبَةُ يتمنّى لقاءه، وقال يحيي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، روى عن أخيه عُقبة وبشير بن بَشَار وسعيد بن جُبَير وغيرهم، وروى عنه الثَّوْرِيّ وابن المُبارَك والفَضْل بن موسى ويحيى القَطّان وغيرهم.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والإِخبار والعنعنة، وفيه أن شيخه من أفراده، ورواته ما بين مَرْوَزِيّ وكُوفيّ ومَدَنيّ، والحديث من أفراد البُخاري. قال العَيْنيّ: وفيه أن بشيرًا المذكور ليس له في الكتب الستة عن أنس غير هذا الحديث.
وقال عُقْبَةُ بن عُبَيْد عن بشير بن يَسَار: قَدِم علينا أَنَسٌ المدينة بهذا.
стр. 4080
وأراد المؤلف بإيراد هذا التعليق بيان سماع يشعر بن يَسَار له من أنس، ولفظه قال عُقْبَة بن عُبَيد الطائيّ: حدثني يشعر بن يَسَار قال: جاء أنس إلى المدينة، فقلنا: ما أنكرت منا من عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرت منكم شيئًا غير أنكم لا تقيمون الصفوف. وقد وصل هذا التعليق أحمد في مسنده عن يحيي القَطّان .. الخ، وبشير وأنس مرَّ ذكر محلهما في الذي قبله، وعُقْبَة هو ابن عبيد أخو سَعِيد بن عُبَيد راوي الإسناد الذي قبله، يُكنى أبا الرَّحّال، بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة، وليس له في البخاريّ إلا هذا الموضع المعلق، كوفيّ. قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: هو ثقة؟ قال: كم يروي؟ إنما يروي حديثين أو ثلاثة، روى عن أَنَس وبشير بن يَسار، وروى عنه أخوه سَعيد بن عُبَيد وعُقبَة بن خالد ويحيى القَطّان. ثم قال المصنف:
باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف
المراد بهذا المبالغة في تعديل الصف وسد خَلَله، وقد ورد الأمر بسد خَلَل الصف والترغيب فيبما في أحاديث كثيرة جمعها حديث ابن عمر المتقدم في باب تسوية الصفوف، عند قوله "لَتُسَوُّنَّ صُفوفَكم" ومنها ما رواه أبو داود عن محمد بن مُسْلِم بن السّائِب قال: صَلّيت إلى جنب أنس بن مالك يومًا، فقال: هل تدري لِمَ صُنع هذا العود؟ فقلت: لا والله، قال: كان رسول الله ﷺ يضع يده عليه، ثم يقول: استووا وعدلوا صفوفَكم. ثم قال: كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه، ثم التفت فقال: اعتدلوا صووا صفوفكم، ثم أخذه بيساره، وقال: اعتدلوا سووا صفوفكم، وفي لفظ "رصّوا صُفُوفَكم"، وفي لفظ "أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه", فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر".
ومنها ما رواه ابن حِبّان في صحيحه عن البَرَاء بن عَازِب قال: كان رسول الله ﷺ يتخلل الصف من ناحيته، يمسح صدورنا ومنكبنا، ويقول: "لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم" وفي لفظ "فَيَمْسَحُ عواتقنا وصدورنا". وفي لفظ كان يأتي من ناحية الصف إلى ناحيته القصوى يسوي بين صدور القوم ومناكبهم إلى غير ذلك من الأحاديث.
ثم قال: وقال النُّعمان بن بَشِير: رأيت الرجل منا يُلزقُ كَعْبه بكعبِ صاحبهِ.
وهذا طرف من الحديث المار عند قوله "أوَ لَيُخالِفَن الله بين قلوبكم" في باب تسوية الصفوف، واستدل به على أن المراد بالكَعْب في آية الوضوء العظم النَّاتىء في جانبي الرجل، كما مرَّ في باب مسح الرأس كله، وهذا التعليق طرف من حديث رواه أبو داود وَصَحَّحه ابن خُزَيْمَة، والنُّعمان مرَّ في الخامس والأربعين من الإيمان.
стр. 4081
الحديث السابع والسبعون
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي. وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ.
رواه سَعِيد بن منصور, وصرح فيه بتحديث أنًس لِحُمَيْد , وصرح بأن الزيادة التي في آخره, وهي قوله: وكان أحدنا .. إلى آخره من قول أنس، وأخرجه الإِسماعيليّ بلفظ قال فلقد رأيت أحدنا إلى آخره وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبيّ ﷺ ، وبهذا يتم الاحتجاج به علي بيان المراد بإقامة الصف وتسويته، وزاد معمر في روايته: لو فعلت هذا اليوم بأحدهم لنفر كأنه بغل شموس، ومرَّ الكلام على أوله.
رجاله أربعة:
وقد مروا، مرَّ عمرو بن خالد في الخامس من الإيمان، وأنَس في السادس منه، وزُهَير في الثالث والثلاثين منه، وحُمَيد في الثاني والأربعين منه. ثم قال المصنف:
باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته
قد مرت هذه الترجمة قبل بنحو عشرين بابًا، لكن ليس هناك لفظ خلفه، وقال هناك: لم تفسد صلاتهما بدل قوله "تمت صلاته" والضمير في صلاته يحتمل أن يكون للمأموم، أي فلا يضر وقوفه عن يسار الأمام أولا مع كونه في غير موقفه, لأنه معذور بعدم العلم بذلك الحكم، وتحتمل أن يكون الضمير للإمام، وتوجيهه أن الإمام وحدَه في مقام الصف، ومحاولته لتحويل المأموم فيه التفات ببعض بدنه، ولكن ليس ضارًا للمصلحة المذكورة، فصلاته على هذا لا نقص فيها من هذه الجهة، والظاهر كما في الفتح أن الحكمة في إعادة الترجمة هو أن حكمها مختلف لاختلاف الجوابين، فقوله في الأولى "لم تفسد صلاتهما" أي بالعمل الواقع منهما لكونه خفيفًا، وهو مصلحة الصلاة أيضًا. وقولة هنا: تمت صلاته، أي المأموم، ولا يضر وقوفه عن يسار الإمام أولًا إلى آخر ما مرَّ قريبًا.
стр. 4082
الحديث الثامن والسبعون
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى وَرَقَدَ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
وهذا الحديث مرَّ مرارًا عديدة، ومرَّ استيفاء الكلام عليه في باب قراءة القرآن بعد الحَدَث وغيره. وتكلم عليه أيضًا عند أول ذكره في باب السَّمَر في العلم، وفي باب التخفيف في الوضوء من كتاب الوضوء.
رجاله خمسة:
وقد مروا، إلا داود، مرَّ قُتَيْبة بن سَعِيد في الحادي والعشرين من الإيمان, ومرَّ عمرو بن دينار في الرابع والخمسين من العلم، ومر كَرِيب في الرابع من الوضوء، ومرَّ ابن عباس في الخامس من بدء الوحي.
وأما داود فهو ابن عبد الرحمن العَطّار، أبو سُليمان المَكّيّ ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال إبراهيم بن محمد الشافعيّ: ما رأيت أحدًا أعبد من الفُضَيل بن عِيّاض ولا أورع من داود بن عبد الرحمن، ولا أفرس في الحديث من ابن عُيَيْنة. وقال ابن حِبّان: كان متقنًا من فقهاء مكة وقال ابن سَعْد: كان كثير الحديث. وقال إسحاق بن منصور عن ابن مَعِين: ثقة, وقال أبو داود: ثقة. وقال العجليّ: مكيّ ثقة. وَوثّقَه البَزّار، قال في المقدمة: نقل الحاكم عن ابن مَعين تضعيفه، ولم يصح ذلك عن ابن معين، وقال الأزْدِيّ: يتكلمون فيه، والأزدي قد قررنا أنه لا يعتد به، ولم يخرج له البخاري سوى حديث واحد في الصلاة متابعةً، وروى له الباقون. روى عن هشام بن عُروة وعمرو بن دينار وابن جُريج وغيرهم. وروى عنه ابن المُبَارك وابن وَهْب والشافعيّ وقُتَيبةُ بن سعيد وغيرهم. ولد بمكة سنة مئة ومات سنة أربع أو خمس وسبعين ومئة.
باب المرأة وحدها تكون صفا
أي في حكم الصف، وبهذا يندفع اعتراض الإسماعيلي حيث قال: الشخص الواحد لا يسمى صفاً، وأقل ما يقوم الصف باثنين، ورد عليه أيضًا بأنه قيل في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]. إنّ الروح وحده صف، والملائكة صف، وأيضًا يُجاب بأن هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه ابن عبد البَرّ عن عائشة مرفوعًا "المرأة وحدها صف".
стр. 4083
الحديث التاسع والسبعون
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.
قوله: عن إسحاق عن أَنَس وعند الإسماعيليّ "عن سفيان حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طَلْحة أنه سمع أَنَس بن مالك". وقوله: صَلّيت أنا ويتيم كذا للجميع، وما عند ابن فَتْحُون من قوله "صليت أنا وسُليم" بسين مُهملة ولام مصغرا تصحيف، واستدل بقوله: وصليت أنا واليتيم خلفه، على أن السنة في موقف الاثنين أن يصفا خلف الإمام، خلافًا لأبي يوسف القائل إن أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن شماله، وحجته في ذلك حديث ابن مسعود، أخرجه أبو داود وغيره عنه أنه أقام علقمة عن يمينه، والأسود عن شماله، وأجاب عنه ابن سِيرين بأنَّ ذلك كان لضيق المكان، كما رواه الطّحاوي، أو أنه لم يبلغه حديث أنس.
وقوله: وأمي أم سليم خلفنا، فيه أن المرأة لا تصف مع الرجال وأصله ما يخشى من الافتتان بها، فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور، وعند الحَنَفِية تفسد صلاة الرجل دون المرأة، وهو عجيب واستدلوا له بقول ابن مسعود: "آخروهن من حيث آخرهن الله". أخرجه عبد الرَّزَّاق في مصنفه فقالوا في توجيهه: إن الأمر للوجوب، وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة، فإذا حاذت الرجل فسدت صلاته, لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها. قال في "الفتح": وحكاية هذا تغني عن تكلف جوابه. قلت: ومن العجب بطلان صلاة الرجل في مذهبهم، دون المرأة التي هي الفاعلة للمخالفة.
ثم قال: فقد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب، وأمر لابسه أن ينزعه، فلو خالف وصلى ولم ينزعه أثم, وأجزأته صلاته، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك؟ وأوضح منه لو كان لباب المسجد صفة مملوكة، فصلى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة، صحت صلاته وأثم. وكذا الرجل مع التي حاذته، ولاسيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه، وقال ابن رشيد: الأقرب أن البُخاري قصد أن يُبين أن هذا مستثنى من عموم حديث عَلِيّ بن شَيْبَان "استقبل صلاتك" وفي رواية "أعد صلاتك" فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف وحده". أخرجه ابن حِبّان، يعني أن هذا مختص بالرجال، وأخرجه أيضًا ابن خُزَيْمَة. وفي صحته نظر, لأن رجاله غير مشهورين، واستدل به ابن بَطّال على
стр. 4084
صحة صلاة المنفرد خلف الصف قائلًا: لما ثبت ذلك للمرأة، كان للرجل أولى، لكن للمخالف أن يقول إنما ساغ لامتناع أن تصفّ مع الرجال بخلاف الرجل، فإن له أن يصف معهم وأن يزاحمهم، وأن يجذب رجلًا من حاشية الصف فيقوم معه، فافترقا، قاله في "الفتح".
وقال ابن خُزَيْمَة: لا يصح الاستدلال به, لأن صلاة المرء خلف الصف وحده منهيّ عنها باتفاق، ممن يقول تجزئه أو لا تجزئه، وصلاة المرأة وحدها إذا لم تكن هناك امرأة أخرى مأمور بها باتفاق، فكيف يقاس مأمور على منهيّ، والظاهر أن الذي استدل به نظر إلى مطلق الجواز، حملًا للنهي على التنزيه والأمر على الاستحباب، وجواز صلاة المنفرد خلف الصف , هو قول مالك وأبي حَنِيفة والشافعيّ، واستدلوا بحديث أبي بكرة الآتي في باب "إذا ركع دون الصف" ففيه "أنه ركع قبل أن يصل إلى الصف"وفي ذلك إتيان بجزء من الصلاة خلف الصف, ولم يؤمر بالإعادة، لكن نهى عن العود إلى ذلك، فكأنه أرشد إلى ما هو الأفضل. وروى البَيْهَقيّ عن المُغِيرة عن إبراهيم، فيمن صَلّى خلف الصف وحده، فقال: صلاته تامة، وليس له تضعيف.
وذهب إلى تحريمه أحمد وإسحاق وبعض محدِّثي الشافعية، كابن خُزَيْمَة، قائلين بإعادة الصلاة، واستدلوا بحديث أبي هُرَيرة، رواه الطَّبَرانيّ في الأوسط "أن النبيّ ﷺ رأى رجلًا يصلّي خلف الصف وحده، فقال: أعد الصلاة" وبحديث وابِصَة بن مَعْبد، أخرجه أصحاب السنن، وصححه أحمد وابن خُزَيْمَةَ وغيرهما، "أن النبيّ ﷺ رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة" وبحديث عليّ بن شَيبان المتقدم، وأجيب عن الأوَّلَين بأن الأمر فيهما للاستحباب، وبأن حديث واِبصَةَ قد قال أبو عمر إن فيه اضطرابًا، وقال الشافعيّ: في سنده اختلاف، وعن حديث شَيْبان بما مرَّ قريبًا.
وجمع أحمد وغيره بين الأحاديث بوجه آخر، وهو أن حديث أبي بَكْرة مخصص لعموم حديث وابصة وما معه، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع، لم تجب الإِعادة عليه، كما في حديث أبي بَكْرة، وإلا فتجب على عموم حديث وَابِصَة وغيره. وقول صاحب الفتح فيما مر "أو يجذب رجلًا من حاشية الصف" لعله مذهبه، وأما عندنا معاشر المالكية فجذبه لأحد مكروه، وإطاعة الجاذب له مكروهة أيضًا، ومحل جواز الانفراد خلف الصف إذا لم يجد فرجة في الصف وإلا كره الانفراد، وعند عدم الوجدان يحصل له فضل الجماعة وفضيلة الصف، وإلا حصل له فضل الجماعة دون الصف، وهذا الحديث قد مرَّ في باب الصلاة على الحصير، ومرجل مباحثه هناك.
رجاله أربعة:
وفيه ذكر اليتيم، وأم سلِيم، وقد مرَّ الجميع، مرَّ عبد الله بن محمد المسْنَدِيّ في الثاني من الإيمان, ومرَّ أنَس في السادس منه، ومرَّ سُفْيان بن عُيَيْنَة في الأول من بَدء الوحي، ومرَّ إسحاق بن
стр. 4085
عبد الله بن أبي طَلْحَةَ في الثامن من العلم، ومرت أمُّ سُلَيم في السبعين منه، واليتيم ضُمَيْرَة بن أبي ضُمَيْرة، وقد مرَّ في الثاني والثلاثين من الصلاة. ثم قال المصنف:
باب ميمنة المسجد والإمام
стр. 4086
الحديث الثمانون
حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي أَوْ بِعَضُدِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي.
أورد المصنف في هذه الترجمة حديث ابن عباس مختصرًا، وهو موافق لها إمّا للإمام, فبالمطابقة، وإما للمسجد فباللزوم، وتعقب بأن حديث الباب إنما ورد فيما إذا كان المأموم واحدًا، أما إذا كثروا، فلا دليل فيه على فضيلة ميمنة المسجد، وأجيب بأن البُخاريّ إنما وضع الترجمة على طبق ما في الحديث، وهو ما ذكرنا، ويدل على فضيلة ميمنة المسجد والإمام ما أخرجه النَّسائيّ بإسناد صحيح عن البراء، قال: "كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه" ولأبي داود بإسناد حسن عن عائشة مرفوعًا "أن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" وأما ما رواه ابن ماجَه عن ابن عمر قال: "قيل للنبي ﷺ : إنّ مَيْسرة المسجد تعطلت، فقال: من عَمَر ميسرة المسجد كتب له كِفلان من الأجر" ففي إسناده مقال، وإن ثبت فلا يعارض الأول, لأنّ ما ورد لمعنى عارض يزول بزواله.
وقوله: وقال بيده، أي تناول، ويدل عليه رواية الإسماعيلى "فأخذ بيدي"، وقوله: أو بعضدي، شك من الرّاوي، وقال الكِرْمَانيّ: الشك من ابن عبّاس، ويحتمل أن يكون من غيره، ووجه الجمع بين قوله "فأخذ بيدي" وبين قوله في باب إذا أَمَّ الرجل "فأخذَ برأسي" كون القضية متعددة، وإلا فوجهه أن يقال: أخذ أولًا برأسه ثم بيده، أو بعضده أو بالعكس، وقد مرَّ في باب "إذا قام الرجل" قريبًا المحال التي تكلم عليه فيها.
رجاله خمسة:
قد مروا إلا ثابت، مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بَدء الوحي، وابن عباس فيه أيضًا، ومرَّ الشَّعْبِيّ في الثالث من الإيمان, ومرَّ عاصم الأحول في الخامس والثلاثين من الوضوء.
وأما ثابت، فهو ابن يَزيد الأحول أبو زَيد البَصْري، ذكره ابن حِبّان في الثقات، وقال ابن مَعِين: ثقة، وقال أبو زُرْعَة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ثقة، أوثق من عبد الأعلى، وأحفظ من عاصم. وقال عَفّان: دلنا عليه شُعْبَةُ، وَوَثَّقَهُ أبو داود أيضًا، روى عن عاصم الأحْول وسُلَيمان التَّيْمِيّ
стр. 4087
وهلال بن خَبَّاب وغيرهم، وروى عنه أبو سَلَمة التَّبُوذَكِيّ ومُعَاوية بن عمرو وغارِم وغيرهم. مات سنة تسع وستين ومئة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، وفي رواته من يلقب بالأحول عن الأحول، ورواته بصريون ما عدا الشَّعبيّ، فهو كُوفيّ. أخرجه ابن ماجَه. ثم قال المصنف:
باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة
أي هل يضر ذلك بالاقتداء؟ أم لا؟ والظاهر من تصرفه أنه لا يضر والمسألة ذات خلاف، ويأتي قريبًا تفصيله إن شاء الله.
ثم قال: وقال الحسن لا بأسَ أنْ تُصلّي وبينكَ وبينهُ نهرٌ.
قال في "الفتح": لم أره موصولًا بلفظه، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه ما يوافقه معنى، ولفظه "الرجل يصلي خلف الإمام أو فوق سطح يأتم به لا بأس بذلك" والحَسَن البَصْري قد مرَّ في الرابع والعشرين من الإيمان.
ثم قال: وقالَ أبُو مِجْلَز: يأتمُّ بالإِمامِ وإنْ كانَ بينهما طريقٌ أو جدارٌ إذا سمعَ تكبيرَ الإمامِ.
وحاصل ما في المسألة عند الأئمة هو أن فصل المأموم عن الأمام بنهر صغير أو طريق جائز عند المالكية، والمراد بالصغير ما يأمنون معه عدم سماع قول مأمومه أو رؤية فعل أحدهما، وكذلك السفن المتقاربة يكون الإمام في إحداهما تجزيهم الصلاة معه، وعند أبي حَنِيفة لا تجزئه إلا أن تكون الصفوف متصلة في الطريق، وبه قال اللَّيثُ والأوزاعيّ وأشْهَب.
وفي الصحيح عند الشافعية يجوز الفصل بالنهر، سواء كان مُحْوجًا إلى سباحة أم لا، قال القَسْطَلانيّ: إذا جمعهما مسجد وعلم بصلاة الإمام بسماع تكبيره، أَو بتبليغ عنه جاز فأما النهر الصغير, وهو الذي يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحة، فلا يضر جزمًا. قال وَرَحبَةُ المسجد ملحقة به، وحكم المساجد المتلاصقة المتنافذة كمسجد على الأصح، وإن صلى خارج المسجد واتصلت به الصفوف جازت صلاته, لأن ذلك يعد جماعة، وإن انقطعت ولم يكن دونه حائل جازت إذا لم يزد ما بينهما على ثلاث مئة ذراع تقريبًا، وإن كانا في بناءين كصحن وصفة أو بيت فطريقان: أحدهما إن كان بناء المأموم يمينًا أو شمالًا وجب اتصال صف من أحد البناءين بالآخر, لأن اختلاف البناء يوجب كونهما متفرقين، فلابد من رابطة يحصل بها الاتصال، ولا تضر فرجة لا تسع واقفًا وإن كان بناء المأموم خلف بناء الإمام، فالصحيح صحة القُدوة، بشرط أن لا يكون بين الصفين أكثر من ثلاثة أذرع تقريباً.
والطريق الثاني وصححها النَّوَوِيّ تبعًا لمعظم العِرَاقيين، لا يشترط إلا القرب، كالفضاء،
стр. 4088
فيصح ما لم يزد ما بينه وبين آخر صف على ثلاث مئة ذراع إن لم يكن حائل، فإن كان بينهما حائل يمنع الاستطراق والمشاهدة، كالحائط، لم تصح باتفاق الطريقين, لأنّ الحائط مُعَدّ للفصل بين الأماكن، وإن منع الاستطراق دون المشاهدة بأنْ كان بينهما شُبّاك، فالأصح في أصل الروضة البطلان.
وقالت الحنابلة: إن أمكن المأموم الاقتداء بإمامه، ولو كان بينهما فوق ثلاث مئة ذارع صح إن رأى الإمام، أو رأى من وراءه، وإن كان الإمام والمأموم في المسجد لم تشترط الرؤية، وكفى سماع التكبير، وإن كان بينهما نهر تجري فيه السفن، أو طريق، ولم تتصل فيه الصفوف، لم يصح الاقتداء، وألحق الآمِدِيّ بالنهر النار والبئر، وقيل: والسَّبعُ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شَيْبَةَ عن لَيْث بن سُلَيم بمعناه، وليث ضعيف، وأَخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، وأبو مِجْلَز بكسر الميم وسكون الجيم، اسمه لاحق بن حُمَيد بن سَعيد البَصريّ الأعور، من التابعين المشهورين، مات بظهر الكوفة سنة مئة أو إحدى ومئة.
стр. 4089
الحديث الحادي والثمانون
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ اللَيْلَةَ الثَّانِيَةِ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلاَةُ اللَّيْلِ.
قوله: في حُجْرته، ظاهره أن المراد بيته، ويدل عليه ذكر جدار الحُجْرة في قوله "وجدار الحجرة قصير" وأوضح رواية حماد بن زَيْد عند أبي نُعيم بلفظ "كان يُصَلّي في حجرة من حجر أزواجه" والصحيح أنه ليس المراد بها بيته، وإنما المراد الحَصير التي كان يحتجرها بالليل في المسجد، فيجعلها على باب بيت عائشة، فيصلي فيه ويجلس عليه بالنهار، وورد هذا مبيناُ في كتاب اللباس عند المصنف عن عائشة بلفظ "كان يحتجر حصيرًا بالليل، فيصلي عليه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه"، ويحتمل أن يكون المراد الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، كما في الرواية التي بعد هذه، ورواية زيد بن ثابت التي بعدها.
وقد قال النوويّ: معنى يحتجر، يحوّط موضعًا من المسجد بحصير يستره ليصلي فيه، ولا يمر بين يديه مار ليتفرغ قلبه، ويتوفر خشوعه، وتَعَقَّبَهُ الكِرْمَانيّ بأن لفظ الحديث لا يدل على أن احتجاره كان في المسجد. قال: ولو كان كذلك للزم أن يكون تاركًا للأفضل الذي أمر الناس به، حيث قال: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" ثم أجاب بأنه إن صح أنه كان في المسجد فهو إذا اعتبر صار كأنه بيت بخصوصيته أو أن السبب في كون صلاة التطوع في البيت أفضل عدم شوبه بالرياء غالبًا، والنبي ﷺ منزه عن الرياء في بيته وغير بيته.
ولأبي داود ومحمد بن نصر عن عائشة أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها، فإما أن يحمل على التعدد أو على المجاز في الجدار، وفي نسبة الحجرة إليها. وقوله: فقام ناس، في رواية الكُشْمِيْهَنيّ: فقام أناس، وهذا موضع الترجمة, لأن مقتضاه أنهم كانوا يصلون بصلاته، وهو داخل الحجرة، وهم خارجها. وقوله: فقام ليلة الثانية، كذا للأكثر بإضافة ليلة إلى الثانية، وفيه حذف تقديره ليلة الغداة الثانية، وقيل: هو من باب إضافة الموصوف إلى صفته. وفي رواية الأصيليّ "فقام الليلة الثانية".
стр. 4090
وقوله: صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثًا، وفي رواية التهجد "ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة" رواه مالك بالشك، وفي رواية الجمعة "فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا" وفي هذه الرواية التي هنا "فأصبحوا فتحدثوا بذلك" ولمسلم يتحدثون بذلك، ولأحمد "فلما أصبح تحدثوا أن النبي ﷺ في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم" زاد يونس "فخرج النبي ﷺ في الليلة الثانية، فصلوا معه فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله" ولابن جريج "حتى كان المسجد يعجز عن أهله" ولأحمد "امتلأ المسجد حتى اغتص بأهله" وله أيضًا "فلما كانت الليلة الرابعة غص المسجد بأهله".
وقوله: فلم يخرج زاد أحمد عن ابن جريج "حتى سمعت" يعني عائشة "ناسًا منهم يقولون: الصلاة"، وفي رواية فقالوا ما شابه، وفي حديث زيد بن ثابت في الاعتصام "فقدوا صوته وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم" وفي حديثه في الأدب "فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب" وقوله: فلما أصبحَ ذكر ذلك الناس، أي له، وأفاد عبد الرزاق عن عُروة أن الذي خاطبه بذلك عمر بن الخَطّاب، رضي الله تعالى عنه. وفي رواية التهجد "فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم" وفي رواية عقيل في الجمعة "فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، فتشهَّد ثمّ قال: أما بعد، فإنيّ لم يخف عليّ مكانكم" وفي رواية يونُس وابن جُرَيج "لم يخف عليّ شأنكم" وفي رواية أبي سلمة "اكلفوا من العمل ما تُطيقون" وليس في شيء من طرقه بيان عدد صلاته في تلك الليلة، لكن روى ابن خُزَيْمَة وابن حِبّان عن جابر قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ في رمضان ركعات، ثم أوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله .. " الحديث. فإن كانت القصة واحدة، احتمل أن يكون جابر ممن جاء في الليلة الثالثة، فلذلك اقتصر على وصف ليلتين.
وعند مسلم عن أنس "كان رسول الله- ﷺ يصلي في رمضان، فجئت فقمت إلى جنبه، فجاء رجل فقام حتى كنا رهطًا، فلما أحس بنا تجوّز ثم دخل رحله" الحديث. والظاهر أن هذا كان في قصة أخرى. وقوله: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل، وفي رواية التهجد، "إلَّا أني خشيت أن تفرض عليكم" وتكتب معناها تفرض، وهو ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ وضاق على المصلين. وفي رواية عَقِيل وابن جُرَيج ويونُس زيادة "فتعجزوا عنها، أي تشق عليكم فتتركوها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكليّ, لأنه يسقط التكليف من أصله، ثم إن ظاهر الحديث أنه ﵊ توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع ملزم، وفيه نظر.
стр. 4091
وأجاب المحب الطبريّ بأنه يحتمل أن يكون الله أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم، افترضتها عليهم، فأحب التخفيف عنهم، فترك المواظبة. قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه كما اتفق في بعض القُرَب التي داوم عليها، فافترضت. وقيل: خشي أن يظن أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوب، وإلى هذا نحا القُرْطُبيّ فقال: قوله فتفرض عليكم، أي تظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك، كما إذا ظن المجتهد، حل شيء أو تحريمه فإنه يجب عليه العمل به.
قلت: ما قاله القُرْطُبيّ مغاير لما قاله المحب الطَّبَريّ كما يفهم ذلك مَن تأمله، ثم قال القُرْطُبيّ: وقيل: كان حكم النبي ﷺ أنه إذا واظب على شيء من أعمال البر، واقتدى الناس به فيه أنه يفرض عليهم، ولا يخفى بعد هذا الأخير, لأنه ﵊ قد واظب على رواتب الفرائض، وتابعه أصحابه، ولم تفرض. وقال ابن بَطّال: يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه ﷺ ، لمّا كان قيام الليل فرضًا عليه دون أمته، فخشي إن خرج إليهم والتزموا معه قيام الليل أن يسوي الله بينه وبينهم في حكمه, لأنّ الأصل في الشرع المساواة بين النبيّ ﷺ وبين أمته في العبادة. قال: ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها، فيعصي من تركها بترك اتباعه ﵊، وقد استشكل الخطابيّ أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء، من أن الله تعالى قال: "هن خمس، وهن خمسون، لا يبدل القول لديّ" فإذا أمن التبديل، فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وهذا يدفع في صدور الأجوبة التي تقدمت.
وقد أجاب عنه الخطابيّ بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، أي عند المواظبة، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع. قلت: ما قاله الخَطّابيّ هنا هو ما مرَّ عن ابن بطال، إلا أنه هو زاد أن الأمة يجب عليها الاقتداء به عليه ﵊ في أفعاله الشرعية، ولم أعلم أحدًا من العلماء قال: إن الأمة يجب عليها ما هو واجب عليه ﵊ بالخصوص، ثمّ قال: وفيه احتمال الآخر، وهو أن الله فرض الصلاة خمسين، ثم حط معظمها بشفاعة نبيه ﷺ ، فإذا عادت الأمة فيما استوهب لها والتزمت ما استعفى لهم نبيهم ﵊ منه، لم يستنكر أن يثبت ذلك فرضًا عليهم، كما التزم ناس الرهبانية من قِبَل أنفسهم ثم عاب الله عليهم التقصير فيها، فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، فخشي صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكون سبيلهم سبيل أولئك، فقطع العمل شفقة عليهم من ذلك.
قال في "الفتح": وقد تلقى هذين الجوابين من الخَطَّابِيّ جماعة من الشُّرَّاح كابن الجَوْزِيّ,
стр. 4092
وهو مبني على أن قيام الليل كان واجبًا عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كل متن الأمرين نزاع قلت: أما قيام الليل فهو عندنا واجب عليه صلى الله تعالى وسلم من خصائصه، وأما وجوب اتباعه ﵊ في جميع أفعاله فلم أر من قاله. وأجاب الكِرْمَانِيّ بأن حديث الإسراء يدل على أن المراد بقوله تعالى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] إلا من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرض للزيادة، لكن في ذكر التضعيف بقوله "هن خمس وهن خمسون" إشارة إلى عدم الزيادة أيضًا, لأنّ التضعيف لا ينقص عن العشر، ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلًا للنسخ، فلا مانع من خشية الافتراض، وفيه نظر, لأنّ قوله ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح.
وذكر في "الفتح" ثلاثة أجوبة:
أحدها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل، بمعنى جعل التهجد في المسجد شرطًا في صحة التنفل بالليل، ويومىء إليه قوله في حديث زيد بن ثابت "حتى خَشِيْتُ أنْ يُكْتَبَ عليكم، ولو كُتِب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم" فمنعهم من التجميع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأمن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم.
ثانيها: يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائداً على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها.
ثالثها: يحتمل أن يكون المَخُوف افتراض قيام رمضان خاصة، فقد وقع في رواية التهجد أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سُفيان بن حُسَين "خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر" فعلى هذا يرتفع الإشكال, لأن قيام رمضان لا يتكرر كل يوم في السنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائداً على الخمس. قال في "الفتح": وأقوى هذه الأجوبة في نظري الثلاثة الأُول.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم، ندب قيام الليل، ولاسيما في رمضان جماعة؛ لأن الخشية المذكورة أمنت بعد النبي ﷺ , ولذلك جمعهم عمر بن الخطاب على أُبيّ بن كَعْب رضي الله تعالى عنهما، كما يأتي في الصيام إن شاء الله تعالى، وفيه جواز الفرار من قدر الله إلى قدر الله، وفيه أن الكبير إذا فعل شيئًا خلاف ما اعتاده أتباعه، أن يذكر لهم عذره وحكمه والحكمة فيه. وفيه ما كان النبي ﷺ فيه عليه من الزهد في الدنيا، والاكتفاء بما قل منها، والشفقة على أمته والرأفة بهم، وفيه ترك بعض المصالح خوف المَفْسَدَة، ونقديم أهم المصلحتين، وفيه جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة، كما مرَّ مستوفى في باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم، وفيه ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صليت جماعة.
стр. 4093
رجاله خمسة:
مروا كلهم، مرَّ محمد بن سَلَام وَعَبْدَة بن سُلَيمان في الثالث عشر من الإيمان, ومرَّ يحيي بن سعيد في الأول من بَدء الوحي، ومرت عائشة في الثاني منه، ومرت عَمرة بنت عبد الرحمن في الثاني والثلاثين من الحيض.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الإفراد والإخبار بصيغة الجمع، والقول والعنعنة، ورواية التابعي عن التابعية عن الصحابية، ورواته ما بين بيْكَندِيّ وبُخاريّ وكوفيّ ومَدَنيّ. وشيخ البُخاريّ من أفراده. أخرجه أبو داود في الصلاة أيضًا. ثم قَال المصنف:
باب صلاة الليل
ليست هذه الترجمة في غير رواية المستملي، والوجه حذفها, لأن التراجم متعلقة بأبواب الصفوف وإقامتها، ولما كانت الصلاة بالحائل يتخيل أنها مانعة من إقامة الصفوف ترجم لها، وأورد ما عنده فيها، فأما صلاة الليل بخصوصها فلها كتاب مفرد، وسيأتي في أواخر الصلاة، وكأنّ النسخة وقع فيها تكرير لفظ صلاة الليل، وهي الجملة التي في آخر الحديث الذي قبله، فظن الراوي أنها ترجمة مستقلة، فصدرها بلفظ "باب" ويحتمل أن يكون المراد صلاة الليل جماعة، فحذف لفظ "جماعة". والذي يأتي في أبواب التهجد إنما هو حكم صلاة الليل وكيفيتها في عدد الرَّكَعَات، أو في البيت أو في المسجد أو نحو ذلك.
стр. 4094
الحديث الثاني والثمانون
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ.
قوله: ويحتجره بالليل، كذا للأكثر بالراء، أي يتخذه مثل الحجرة، وفي رواية الكُشْمِيْهَنيّ بالزايّ، أي يجعله حاجزاً بينه وبين غيره. وقوله: فثاب، أي بمثلثة موحدة، اجتمعوا، وعند الخَطّابيّ "آبوا" أي رجعوا وللكُشْمِيْهَنيّ والسرْخَسِيّ "فثار" بالثاء والراء، أي قاموا. وقوله: فصلوا وراءه، كذا أورده مختصرًا، وغرضه بيان أن الحجرة المذكورة في الرواية التي قبل هذه كانت حصيرًا، وقد مرَّ ما قيل في ذلك في الحديث الذي قبله، ومرت مباحثه مستوفاة فيه، وقد ساقه الإِسماعيليّ من وجه آخر عن ابن أبي ذِئْب تامًا.
رجاله ستة:
مروا جميعًا، مرَّ إبراهيم بن المُنْذر في الأول من العلم، ومرَّ محمد بن أبي الفُدَيْكَ ومحمد بن أبي ذِئْب في الستين منه، ومرَّ سَعيد بن أبي سَعيد المَقْبَريّ في الثاني والثلاثين من الإيمان، ومرَّ أبو سَلَمةَ في الرابع من بَدء الوحي، ومرت عائشة في الثاني منه.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والقول، ورواته كلهم مدنيون، وشيخ البخاريّ من أفراده، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن الصحابية. أخرجه البُخاريّ في اللباس أيضًا عن محمد بن أبي بكر، ومُسْلم والتِّرمِذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجَه في الصلاة.
стр. 4095
الحديث الثالث والثمانون
حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ.
قوله: حجرة، للأكثر بالراء، وللكُشْمِيْهنيّ بالزاي. وقوله: من صنيعكم، كذا للأكثر، وللكُشْمِيْهَنيّ بضم الصاد وسكون النون، وليس المراد به صلاتهم فقط، بل كونهم رفعوا أصواتهم وسبحوا به ليخرج إليهم، وحصب بعضهم الباب لظنهم أنه نائم، كما في الباب الذي قبله مستوفى. وقوله: أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة، ظاهره يشمل جميع النوافل, لأنّ المراد بالمكتوبة المفروضة، لكنه محمول على ما لا يشرع فيه التجميع، وكذا على ما لا يخص المسجد، كركعَتَيْ التحية وركعَتَيْ الطواف، كما قاله بعض أئمة الشافعية ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة ما يشرع في البيت وفي المسجد معًا، فلا تدخل تحية المسجد لأنها لا تشرع في البيت، وأن يكون المراد بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة، وهل يدخل ما وجب بعارض كالمنذورة؟ فيه نظر. أو المراد بالمكتوبة الصلوات الخمس، لا ما وجب بعارض، كالمنذورة. ويستثنى من قوله: إلا المكتوبة، النِّساءَ فَفِعْلُها في البيت أفضل لهن، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم، فيما أخرجه مسلم "لا تمنعوهُنَّ المساجدَ وبيوتهنَّ خَيْرٌ لهن" وظاهره أن فعلها في البيت أفضل من المساجد، ولو كان أحد المساجد الثلاثة. وقد ورد التصريح بذلك في إحدى روايتي أبي داود لحديث زبد بن ثابت، فقال فيه: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، وإسنادها صحيح.
قال النّوَوِيّ: إنما حث على النافلة في البيت لكونه أخفى وأبعد من الرياء، وليتبرك البيت بذلك، فتنزل فيه الرحمة، وينفر منه الشيطان، وعلى هذا يمكن أن يخرج بقوله في بيته بيت غيره، لما فيه من الرياء، وقد مرَّ بعض مباحث هذا الحديث في باب كراهية الصلاة في المقابر عند ذكر حديث ابن عمر هناك.
стр. 4096
رجاله ستة:
قد مروا، مرَّ عبد الأعلي بن حَمّاد في الرابع والثلاثين من الغُسْل، ووُهَيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرَّ موسى بن عُقْبة في الخامس من الوضوء , ومرَّ سالم أبو النَّضْر في السابع والستين من الوضوء ومرَّ بُسْر بن سعيد في التاسع والستين من أبواب استقبال القبلة، ومرَّ زَيْد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة.
لطائف إسناده:
فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، وفيه ثلاثة مدنيون على نَسَق واحد من التابعين، أولهم موسى بن عُقْبَة، ووُهَيْب بَصْريّ، وعبد الأعلى بَصْريّ، سكن بغداد. وأخرجه البُخاريّ أيضًا في الاعتصام عن إسحاق، وفي الأدب عن محمد بن زِيَاد. وأخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيّ في الصلاة.
стр. 4097
الحديث الرابع والثمانون
قَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مُوسَى سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ عَنْ بُسْرٍ عَنْ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وهذا أخرجه المؤلف في كتاب الاعتصام بواسطة بينه وبين عفان، وفائدة هذه الطريق بيان سماع موسى بن عُقْبَةَ من أبي النَّضْر، وهذا هنا في رواية كَرِيمة وحدها، ولم يذكره الإسماعيليّ ولا أبو نعِيم.
رجاله رجال الذي قبله، إلا شيخ البُخاريّ، فإنه عَفّان بن مُسْلِم، وقد مرَّ في الحادي والمئة من الوضوء.
стр. 4098
خاتمة
قال في "الفتح": اشتملت أبواب الجماعة والإِمامة من الأحاديث المرفوعة على مئة واثنين وعشرين حديثًا، الموصول منها ستة وتسعون، والمُعَلَّق ستة وعشرون، والمُكَرَّر منها ما فيه وفيما مضى تسعون حديثًا الخاص اثنان وثلاثون، وافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة أحاديث، وهي حديث أبي سعيد في فضل الجماعة، وحديث أبي الدرداء "ما أعرف شيئًا" وحديث أَنَس "كان رجل من الأنصار ضخماً" وحديث مالك بن الحُوَيْرث في صفة الصلاة، وحديث ابن عمر "لمّا قَدِم المهاجرون" وحديث أبي هُريرة "يصلون فإن أصابوا" وحديث النعمان المُعَلَّق في الصفوف، وحديث أَنَس "كان أحدنا يلزِقْ مَنْكِبه" وحديثه في إنكاره إقامة الصفوف.
وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين سبعة عشر أثرًا كلها معلقة، إلا أثر ابن عمر أنه كان يأكل قبل أن يصلي، وأثر عثمان "الصلاة أحسن ما يعمل الناس" فإنهما موصولان، والله تعالى أعلم، وما ذكره من عدد الأحاديث الموصولة عهدته عليه، فالذي هو مذكور من العدد في هذا الكتاب ما ترى، أربعة وثمانين.
تم، ويليه كتاب أبواب صفة الصلاة
стр. 4099
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب صفة الصلاة
لما فرغ المؤلف رحمه الله تعالى من بيان أحكام الجماعة والأمامة وتسوية الصفوف، شرع في بيان صفة الصلاة وما يتعلق بذلك فقال:
" باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة "
قيل أطلق الإيجاب والمراد الوجوب، تجوزًا لأنّ الإيجاب خطاب الشارع، والوجوب: ما يتعلق بالمكلف، وهو المراد هنا، والواو في قوله وافتتاح الصلاة قيل عاطفة إما على المضاف وهو إيجاب، أو على المضاف إليه وهو التكبير، والأول أولى إن كان المراد بالافتتاح الدعاء، لكنه لا يجب، وقيل الواو بمعنى: مع، والمراد بالافتتاح: الشروع في الصلاة أي: مع الشروع في الصلاة، ومجيء الواو بمعنى مع شائع ذائع، وقيل بمعنى: باء الجر كما في قولهم أنت أعلم ومالك، أي: بمالك، أو بمعنى لام التعليل أي: ايجاب التكبير لأجل افتتاح الصلاة، وقد يجوز إتيانها بمعنى لام التعليل الخارزنجي ويتعيّن على القادر الله أكبر فلا يقوم مقامه تسبيح ولا تهليل، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يكفي الله الكبير، ولا الرحمن أكبر، لكن عند الشافعية لا تضر زيادة لا تمنع الاسم كالله الجليل أكبر على الأصح، ومن عجز عن التكبير ترجم عنه بأي لغة شاء، ولا يعدل عنه إلى غيره من الأذكار.
وقال الحنفية ينعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم. وقال أبو يوسف: إن كان المصلّي يحسن التكبير لم تجز إلَّا الله أكبر أو الله الأكبر أو الله الكبير، وإن لم يحسن جاز، وهل تكبيرة الأحرام ركن أو شرط؟ قال بالأول الشافعية والمالكية والحنابلة، وقال الحنفية بالثانية، وهو وجه عند الشافعية وقيل سنّة.
وقال ابن المنذر عن الزهري: تنعقد بالنية بلا تكبير.
قال ابن المنذر: لم يقل به أحد غير الزهري، ونقله غيره عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا تجزئه تكبيرة الركوع، نعم نقله الكرخي من الحنفية عن إبراهيم بن علية وأبي بكر الأصم ومخالفتهما للجمهور كثيرة،
стр. 4100
ولم يختلف في ايجاب النية في الصلاة، وقد أشار المصنف إلى ذلك في أواخر كتاب الإيمان حيث قال: "باب ما جاء في قول النبي ﷺ الأعمال بالنية"، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة إلى آخر كلامه، قلت: تحرير مذهب مالك في تكبيرة الإحرام ان الإتيان بها واجب من قيام إلاَّ لمسبوق وجد إمامه راكعًا ففيه قولان.
إذا فعل بعض تكبيرة الإحرام في حال قيامه، أو أتمّه في حال انحطاطه، أو بعده من غير فصل بين أجزائه، فهل يعتد بتلك الركعة بناء على أن القيام لها واجب في حق غير المسبوق؟ أو لا يعتد بها بناء على أنه واجب لها مطلقًا وصلاته صحيحة على كل حال؟ والقولان جاريان فيمن نوى بتكبيرة العقد أي: الدخول في الصلاة، أو نواه والركوع، أو لم ينوهما أي: لأنه إذا لم ينوهما ينصرف للأصل وهو العقد، وإذا لم ينو ناسيًا بطلت، ولكنه يتمادى على صلاة باطلة، وإن لم يكبّر رأسًا استانف الصلاة، وإذا كبّر في حال الانحطاط وأتمه في حال الانحطاط أو بعده بلا فصل أو مع فصل أي: طويل فهي صحيحة في الأوليين باطلة في الثالثة.
واستدل الجمهور على تعين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم بحديث عائشة: "كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير"، وبحديث ابن عمر الآتي بعد بابين: "رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة"، وبحديث رفاعة في قصة المسيء صلاته، أخرجه أبو داود وبلفظ: "لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبّر"، ورواه الطبراني بلفظ: "ثم يقول الله أكبر"، وبحديث أبي حميد: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه ثم قال: الله أكبر". أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وهذا فيه بيان المراد بالتكبير وهو قول الله أكبر.
وروى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر.
ولأحمد والنسائي عن واسع بن حيّان، أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع. وبحديث البخاري المتقدم: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقال الحنفية مجيبين عن هذه الأحاديث: إن التكبير هو التعظيم من حيث اللغة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: عظّمنه، وربّك فكبّر: أي فعظّم. فكل لفظ دلّ على التعظيم وجب أن يجوز
الشروع به.
следующие страницы →