← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

رجاله ستة: قد مروا، مرَّ عبد الأعلي بن حَمّاد في الرابع والثلاثين من الغُسْل، ووُهَيب بن خالد في السادس والعشرين من العلم، ومرَّ موسى بن عُقْبة في الخامس من الوضوء , ومرَّ سالم أبو النَّضْر في السابع والستين من الوضوء ومرَّ بُسْر بن سعيد في التاسع والستين من أبواب استقبال القبلة، ومرَّ زَيْد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة. لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، وفيه ثلاثة مدنيون على نَسَق واحد من التابعين، أولهم موسى بن عُقْبَة، ووُهَيْب بَصْريّ، وعبد الأعلى بَصْريّ، سكن بغداد. وأخرجه البُخاريّ أيضًا في الاعتصام عن إسحاق، وفي الأدب عن محمد بن زِيَاد. وأخرجه مسلم وأبو داود والتِّرمذيّ والنَّسائيّ في الصلاة.

стр. 4097

الحديث الرابع والثمانون قَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مُوسَى سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ عَنْ بُسْرٍ عَنْ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وهذا أخرجه المؤلف في كتاب الاعتصام بواسطة بينه وبين عفان، وفائدة هذه الطريق بيان سماع موسى بن عُقْبَةَ من أبي النَّضْر، وهذا هنا في رواية كَرِيمة وحدها، ولم يذكره الإسماعيليّ ولا أبو نعِيم. رجاله رجال الذي قبله، إلا شيخ البُخاريّ، فإنه عَفّان بن مُسْلِم، وقد مرَّ في الحادي والمئة من الوضوء.

стр. 4098

خاتمة قال في "الفتح": اشتملت أبواب الجماعة والإِمامة من الأحاديث المرفوعة على مئة واثنين وعشرين حديثًا، الموصول منها ستة وتسعون، والمُعَلَّق ستة وعشرون، والمُكَرَّر منها ما فيه وفيما مضى تسعون حديثًا الخاص اثنان وثلاثون، وافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة أحاديث، وهي حديث أبي سعيد في فضل الجماعة، وحديث أبي الدرداء "ما أعرف شيئًا" وحديث أَنَس "كان رجل من الأنصار ضخماً" وحديث مالك بن الحُوَيْرث في صفة الصلاة، وحديث ابن عمر "لمّا قَدِم المهاجرون" وحديث أبي هُريرة "يصلون فإن أصابوا" وحديث النعمان المُعَلَّق في الصفوف، وحديث أَنَس "كان أحدنا يلزِقْ مَنْكِبه" وحديثه في إنكاره إقامة الصفوف. وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين سبعة عشر أثرًا كلها معلقة، إلا أثر ابن عمر أنه كان يأكل قبل أن يصلي، وأثر عثمان "الصلاة أحسن ما يعمل الناس" فإنهما موصولان، والله تعالى أعلم، وما ذكره من عدد الأحاديث الموصولة عهدته عليه، فالذي هو مذكور من العدد في هذا الكتاب ما ترى، أربعة وثمانين. تم، ويليه كتاب أبواب صفة الصلاة

стр. 4099

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أبواب صفة الصلاة لما فرغ المؤلف رحمه الله تعالى من بيان أحكام الجماعة والأمامة وتسوية الصفوف، شرع في بيان صفة الصلاة وما يتعلق بذلك فقال: " باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة " قيل أطلق الإيجاب والمراد الوجوب، تجوزًا لأنّ الإيجاب خطاب الشارع، والوجوب: ما يتعلق بالمكلف، وهو المراد هنا، والواو في قوله وافتتاح الصلاة قيل عاطفة إما على المضاف وهو إيجاب، أو على المضاف إليه وهو التكبير، والأول أولى إن كان المراد بالافتتاح الدعاء، لكنه لا يجب، وقيل الواو بمعنى: مع، والمراد بالافتتاح: الشروع في الصلاة أي: مع الشروع في الصلاة، ومجيء الواو بمعنى مع شائع ذائع، وقيل بمعنى: باء الجر كما في قولهم أنت أعلم ومالك، أي: بمالك، أو بمعنى لام التعليل أي: ايجاب التكبير لأجل افتتاح الصلاة، وقد يجوز إتيانها بمعنى لام التعليل الخارزنجي ويتعيّن على القادر الله أكبر فلا يقوم مقامه تسبيح ولا تهليل، وهذا مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يكفي الله الكبير، ولا الرحمن أكبر، لكن عند الشافعية لا تضر زيادة لا تمنع الاسم كالله الجليل أكبر على الأصح، ومن عجز عن التكبير ترجم عنه بأي لغة شاء، ولا يعدل عنه إلى غيره من الأذكار. وقال الحنفية ينعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم. وقال أبو يوسف: إن كان المصلّي يحسن التكبير لم تجز إلَّا الله أكبر أو الله الأكبر أو الله الكبير، وإن لم يحسن جاز، وهل تكبيرة الأحرام ركن أو شرط؟ قال بالأول الشافعية والمالكية والحنابلة، وقال الحنفية بالثانية، وهو وجه عند الشافعية وقيل سنّة. وقال ابن المنذر عن الزهري: تنعقد بالنية بلا تكبير. قال ابن المنذر: لم يقل به أحد غير الزهري، ونقله غيره عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا تجزئه تكبيرة الركوع، نعم نقله الكرخي من الحنفية عن إبراهيم بن علية وأبي بكر الأصم ومخالفتهما للجمهور كثيرة،

стр. 4100

ولم يختلف في ايجاب النية في الصلاة، وقد أشار المصنف إلى ذلك في أواخر كتاب الإيمان حيث قال: "باب ما جاء في قول النبي ﷺ الأعمال بالنية"، فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة إلى آخر كلامه، قلت: تحرير مذهب مالك في تكبيرة الإحرام ان الإتيان بها واجب من قيام إلاَّ لمسبوق وجد إمامه راكعًا ففيه قولان. إذا فعل بعض تكبيرة الإحرام في حال قيامه، أو أتمّه في حال انحطاطه، أو بعده من غير فصل بين أجزائه، فهل يعتد بتلك الركعة بناء على أن القيام لها واجب في حق غير المسبوق؟ أو لا يعتد بها بناء على أنه واجب لها مطلقًا وصلاته صحيحة على كل حال؟ والقولان جاريان فيمن نوى بتكبيرة العقد أي: الدخول في الصلاة، أو نواه والركوع، أو لم ينوهما أي: لأنه إذا لم ينوهما ينصرف للأصل وهو العقد، وإذا لم ينو ناسيًا بطلت، ولكنه يتمادى على صلاة باطلة، وإن لم يكبّر رأسًا استانف الصلاة، وإذا كبّر في حال الانحطاط وأتمه في حال الانحطاط أو بعده بلا فصل أو مع فصل أي: طويل فهي صحيحة في الأوليين باطلة في الثالثة. واستدل الجمهور على تعين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم بحديث عائشة: "كان النبي ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير"، وبحديث ابن عمر الآتي بعد بابين: "رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة"، وبحديث رفاعة في قصة المسيء صلاته، أخرجه أبو داود وبلفظ: "لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبّر"، ورواه الطبراني بلفظ: "ثم يقول الله أكبر"، وبحديث أبي حميد: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه ثم قال: الله أكبر". أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وهذا فيه بيان المراد بالتكبير وهو قول الله أكبر. وروى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر. ولأحمد والنسائي عن واسع بن حيّان، أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع. وبحديث البخاري المتقدم: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وقال الحنفية مجيبين عن هذه الأحاديث: إن التكبير هو التعظيم من حيث اللغة، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي: عظّمنه، وربّك فكبّر: أي فعظّم. فكل لفظ دلّ على التعظيم وجب أن يجوز الشروع به.

стр. 4101

الحديث الأول حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، قَالَ أَنَسٌ رضى الله عنه: فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلاَةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. قد أورد المصنّف حديث أنس: إنما جعل الأمام ليؤتم به من وجهين، ثم حديث أبي هريرة في ذلك، واعترضه الإسماعيلي، فقال: ليس في الطريق الأول ذكر التكبير ولا في الثاني والثالث بيان إيجاب التكبير، وإنما فيه الأمر بتأخير تكبير المأموم عن الإمام. قال: ولو كان ذلك إيجاباً للتكبير لكان قوله: فقولوا ربنا ولك الحمد، إيجاباً لذلك على المأموم، وأجيب عن الأول بأن مراد المصنّف أن يبين أن حديث أنس من الطريقين واحد اختصره شعيب وأتمّه الليث، وإنما احتاج إلى ذكر الطريق المختصرة لتصريح الزهري فيها بأخبار أنس له، وعن الثاني بأنه ﷺ فعل ذلك وفعله بيان لمحل الصلاة وبيان الواجب واجب، كذا وجهه ابن رشيد وتعقب بالاعتراض الثالث وليس بوارد على البخاري لاحتمال أن يكون قائلًا بوجوبه كما قال به شيخه إسحاق بن راهويه. وقيل في الجواب أيضًا، إذا ثبت إيجاب التكبير في حالة من الأحوال طابق الترجمة ووجوبه على المأموم ظاهر من الحديث وأما لإمام فمسكوت عنه، ويمكن أن في السياق إشارة إلى الإيجاب لتعبيره بإذا التي تختص بما يجزم بوقوعه، وأجاب العيني عن اعتراض الإسماعيلي بأن الكل من حديثي شعيب والليث عن الزهري عن أنس حديث واحد. وقد ذكر في حديث الليث: وإذا كبّر فكبّروا، وهو مقدر في حديث شعيب, لأنّ قوله إذا ركع فاركعوا يستدعي سبق التكبير بلا شك، والمقدر كالملفوظ فيظهر التطابق بين ترجمة الباب وحديثه لأن الأمر بالتكبير صريح في أحدهما مقدر في الآخر، والأمر به للوجوب فدل على الجزء الأول من الترجمة وهو قوله: باب إيجاب التكبير بالمطابقة، وعلى الثاني وهو قوله: وافتتاح الصلاة باللزوم لأن التكبير في أول الصلاة لا يكون إلا عند افتتاحها، وافتتاحها هو الشروع فيها، قال: فبهذا عرفت أن اعتراض الإسماعيلي على البخاري ليس بشيء، وعرفت أن قول صاحب التلويح وافتتاح

стр. 4102

الصلاة ليس في ظاهر الحديث ما يدل عليه ليس بشيء أيضًا، وفي رواية المستملى وحده في طريق شعيب عن الزهري: وإذا سجد فاسجدوا، وقد مرَّ الكلام على أول هذا الحديث مستوفى غاية الاستيفاء، سمع الله لمن حمده في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. رجاله أربعة: قد مرّوا، مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي، ومرَّ الزهري في الثالث منه، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان, فيه التحديث بالجمع والإخبار بالجمع والإفراد. ورواته حمصيان ومدنيان.

стр. 4103

الحديث الثاني حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: إِنَّمَا الإِمَامُ أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا. قوله: "فلما انصرف" في رواية الكشميهني ثم انصرف بدل فلما انصرف وكذلك زيادة الواو في قوله: "ربنا ولك الحمد" وهذا الحديث هو الذي قبله، وقد مرَّ ذكر محل الكلام عليه في الذي قبله. رجاله أربعة: قد مرّوا مرَّ ذكر محل الزهري وأنس في الذي قبله، ومرَّ قتيبة بن سعيد في الحادي والعشرين من الإيمان, ومرّ الليث في الثالث من الوحي.

стр. 4104

الحديث الثالث حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ". قوله: "إنما جعل الإمام" سقط لفظ جعل عند السرخسي في هذا الحديث. ورجاله خمسة: قد مروا، مرّ أبو اليمان، وشعيب في السادس من بدء الوحي، ومرّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان, ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه، ثم قال المصنف: باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء: أي: حال كون رفع اليدين مع الافتتاح متساويين.

стр. 4105

الحديث الرابع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَكَانَ لاَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ. قوله: في الترجمة سواء، هو ظاهر قوله في الحديث يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وفي رواية شعيب الآتية بعد باب يرفع يديه حين يكبر، وهذا دليل على المقارنة، وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، أخرجهما مسلم فروى حديث الباب عن ابن شهاب بلفظ رفع يديه ثم كبّر، وروى حديث مالك بن الحويرث كبّر ثم رفع يديه، وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلافٌ بين العلماء، وأما تقديم التكبير على الرفع فلم أر من قال به، ورجح الأول حديث وائل بن حجر عند أبي داود بلفظ رفع يديه مع التكبير وهو المرجح عند الشافعية والمالكية. وقضية المعية أنه ينتهي بانتهائه، وهو الذي صححه النووي في شرح المهذب ونقله عن نص الشافعي وهو المرجح عند المالكية، وصحح في الروضة تبعًا لأصلها أنه لا حد له لانتهائه، وقال صاحبُ الهدايةِ: الأصح عندَ الحنفيةِ يرفعُ يَدَيْهِ، ثمَّ يكبّر, لأنّ الرفعَ نفيُ صفة الكبرياء عن عبد الله، والتكبيرُ إثباتُ ذلك له، والنفيُ سابقٌ على الإِثباتِ كما في كلمة الشهادة، وهذا مبني على أن الحكمة في الرفع ما ذُكر. وقد قيل: الحكمةُ في اقترانهما أن يراه الأصمّ ويسمعه الأعمى. وقيل: معناهُ الإشارة إلى طرح الدنيا، والإقبال بكليته على العبادة. وقيل: إشارة إلى الاستسلام والانقياد، ليناسب فعله قوله: الله أكبر. وقيل: إشارة إلى استعظام ما دخل فيه. وقيل إشارة إلى تمام القيام. وقيلَ إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود. وقيل: ليستقبل بجميع بدنه. قال القرطبي: هذا أَنسبها. وقال الربيع: قلت للشافعي: ما معنى رفع اليدين؟ قال: تعظيم الله واتباع سنة نبيه. وقيل: إن سبب مشروعية الرفع هو أن المنافقين كانوا يجيئون بأصنامهم تحت آباطهم فأمرت الناس برفع اليدين لتسقط الأصنام من تحت آباطهم، فزال السبب وبقي المسبَّب.

стр. 4106

ونقل ابن عبد البر عن ابن عمر أنه قال: رفع اليدين من زينة الصلاة. وعن عقبة بن عامر قال: بكل رفع عشر حسنات، بكل إصبع حسنة، وقوله: كان يرفع يديه حذو منكبيه. قال النوويُّ: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. وقال ابنُ المنذر: لم يختلفوا أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. ونقل العبدريُّ عن الزيدية أنَّه لا يرفع. وخِلافهم لا يُعتد به وقال أبو جَوبة الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري وابن خزيمة وداود وأحمد بن سيار بوجوبه. قال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الإيجاب لا يُبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي. ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة أنه يأثم بتركه. ونقل القفال عن أحمد بن سيار أنه أوجبه وأنه إذا لم يرفع لم تصح صلاته، وهو موافق لما مرَّ قريبًا عن الأوزاعي والحميدي. وحكى القاضي حسين أيضًا لوجوب عن الإِمام أحمد. ونقله القرطبي في أوائل تفسيره عن بعض المالكية، واحتج ابن حزم بمواظبة النبي ﷺ على ذلك وقد قال: "صلّوا كما رأيتموني أصلّي". وقوله: حذْو منكبيه أي: بفتح المهملة وإسكان الذال المعجمة أي مقابلها. والمَنكِب مجمع عظم العضد والكتف، وبهذا أخذ الجمهور وهو أحد قولين مشهورين عند المالكية كما يأتي في تحرير مذهبهم. وذهبت الحنفية إلى أنه يرفع يديه حذاء أذنيه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتيهما، وبرؤوس أصابعه فروع أذنيه، مستدلين بما رواه مسلم عن مالك بن الحويرث، كان النبي ﷺ إذا رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وفي لفظ: حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. وعند الطحاوي عن البراء: حتى يكون إبهاماه قريبًا من شحمتي أذنيه. وروى أبو ثور عن الشافعي أنه جمع بين حديث الباب وحديث مالك بن الحويرث فقال: يحاذي بظهر كفيه المنكبين وبأطراف أصابعه الأذنين. ويؤيده رواية عن وائل عند أبي داود بلفظ: حتى كانتا حيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه. وبهذا قال المتأخرون من المالكية كما حكاه ابن عباس في الجواهر. لكن روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه في الافتتاح وفي غيره دون ذلك. أخرجه أبو داود. ويعارضه قول ابن جريح قلنا لنافع: أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن؟ قال: لا. ذكره أبو داود أيضًا، وقال: لم يذكر رفعهما دون ذلك غير مالك. وكيفية اليدين حالة الرفع مختلفة عند العلماء. قال الطحاوي من الحنفية: يرفع ناشرًا أصابعه مستقبلًا بباطن كفّيه، لما في الأوسط للطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: إذا استفتح أحدكم الصلاة فليرفع يديه وليستقبل بباطنهما القِبلة، فإن الله أمامه. وفي المحيط: ولا يفرج بين الأصابع تفريجًا، لما في الترمذي عن أبي هريرة قال: ثلاث كان يعمل بهن فتركهن الناس: كان ﷺ إذا قام أحدكم إلى الصلاة هكذا، وأشار أبو عامر العقدي بيده ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمها، وضعّفه. وفي الحاوي للماوردي يجعل باطن كل كف إلى

стр. 4107

الأخرى. وعن القاضي يقيمهما محنيتين شيئًا يسيرًا. ونقل المحاملي عن أصحابهم: يستحب تفريق الأصابع. وقال الغزالي لا يتكلف ضمًا ولا تفريقًا بل يتركهما على هيئتهما. وقال الرافعي: يفرق تفريقًا وسطًا. وفي المغني لابن قدامة يستحب أن يمد أصابعه ويضم بعضها إلى بعض. وتحرير ما قيل في رفعهما عند المالكية هو ما نظمه بعض علمائنا بقوله: ارفع يديك حيث كنت قائمًا ... بطنهما للأرض قيل للسما فالأول الجمهور قال المذهبُ ... وأصلها للفاكهانيْ ينسبُ رعيًا لحال راهب والثاني ... لراغب في نعم الديانِ وقيل بل قائمتين يجري ... كنابذ الدنيا وراء ظهرِ وقيل بل واحدة إلى السما ... والأخرى للتراب رعيًا لهما ومنتهى الرفع على المشهور ... إلى المناكب أو الصدور وقيل للأذْن وقيل بل إلى ... فوق الرؤوس رافعًا قد نُقلا والرفع مندوب وقيل سُنة ... وأصله أنّ النبيّ سَنَّه كي تسقط الأصنام من آباط ... من كان بالنفاق ذا ارتباط من الذي يزول منه السبب ... من بعده وبقي المسبَّب وقد رويت آثار مشهورة دالة على ما قالوه. فقد قال ابن عبد البر: روي عن النبي ﷺ الرفع مداً مع الرأس وروي إلى صدره. وعن طاووس أنه كان يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقال رأيت ابن عباس يصنعه، ولا أعلم إلا أنه قال: كان رسول الله ﷺ يصنعه. وصححه ابن القطان. وقوله: وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما، كذلك رواية القعنبي هذه عن مالك خلاف ما في روايته عنه في الموطأ، قال الدارقطني: رواه الشافعي والقعنبي وسرد جماعة من رواة الموطأ، فلم يذكروا فيه الرفع من الركوع، قال: وحدث به عن مالك في غير الموطأ ابن المبارك، وابن مهدي والقطان وغيرهم بإثباته، وقال ابن عبد البر: كل من رواه عن ابن شهاب أثبته غير مالك في الموطأ. ورفع اليدين عند تكبير الركوع وعند رفع رأسه من الركوع هو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وابن جرير الطبري ورواية عن مالك والحسن البصري وابن سيرين وعطاء بن أبي رباح وابن المبارك وغيرهم. قال البخاري في كتابه: رفع اليدين في الصلاة بعد أن أخرجه من طريق علي رضي الله تعالى عنه، وكذلك روي عن تسعة عشر رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع، وعند أكثرهم. وزاد البيهقي جماعات.

стр. 4108

وذكر ابن الأثير في شرحه أن ذلك روى عن أكثر من عشرين نفرًا، وزاد فيهم الخدري. وقال الحاكم: من جملتهم العشرةُ المشهودُ لهم بالجنة. وقال القاضي أبو الطيب: روى الرفع عن رسول الله ﷺ نيّف وثلاثون من الصحابة. وعند أبي حنيفة وأصحابه لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، وبه قال الثوري والنخعي وابن أبي ليلى وعلقمة بن قيس وعامر الشعبي وأبو إسحاق السبيعي وهو رواية ابن القاسم عن مالك، وهو المشهور من مذهبه والمعمول به عند أصحابه. وقال الترمذي: وبه يقول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وهو قول سفيان وأهل الكوفة. وفي البدائع عن ابن عباس أنه قال: العشرةُ الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة ما كانوا يرفعون أيدَيهم إلا في افتتاح الصلاة. وقد قال ابن عبد البر: لم يروِ أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم. والذي نأخذ به الرفع لحديث ابن عمر وهو الذي رواه ابن وهْب وغيره ولم يحك الترمذي عن مالك غيره. ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم أنه آخر قولي مالك وأصحهما. قال: ولم أر للمالكية دليلًا عن تركه ولا متمسكًا إلا بقول ابن القاسم. قلت: دليل المالكية والحنفية ومن وافقهما النسخ. أما المالكية فيكلفيهم في نسخه كونه ليس عليه عمل أهل المدينة لكون عملها عندهم بمنزلة المتواتر مقدم على خبر الآحاد فلا يحتاجون إلى معارضة أحاديث الرفع بغيرها من الأدلة. وعارضتها الحنفية وغيرهم بغيرها من الأدلة الدالة على نسخ الرفع لكونهم غير متّمسكين بهذا الأصل المتمسكة به المالكية. فاستدلوا على النسخ بما رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لأصلّين لكم صلاة رسول الله ﷺ ، فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة. ورواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي عن إبراهيم عن علقمة عنه بلفظ: صليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند الاستفتاح وهذا الحديث حسّنه الترمذي وصححه ابن حزم. وقد قال إبراهيم النخعي للمغيرة حين قال له: إن وائلًا حدّث أنه رأى رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع: إنْ كان وائل رآه مرة فقد رآه عبد الله بن مسعود خمسين مرة لا يفعل ذلك. ولا يقال إن خبر إبراهيم غير متصل لأنه لم يدرك عبد الله, لأنّا نقول إن عادة إبراهيم إذا أرسل حديثًا عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده من الرواة عنه وتكاثر الروايات عنه. ولا شك أن خبر الجماعة أقوى من خبر الواحد وأولى. وأخرج الطحاوي بإسناد صحيح عن مجاهد قال: صلّيت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا عند التكبيرة الأولى من الصلاة. وأخرجه ابن أبي شَيبة في مصنَّفه عن مجاهد قال: ما رأيتُ ابنَ عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح.

стр. 4109

قال الطحاوي: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ﷺ يرفع، ثم ترك هو الرفع بعد النبي ﵊، فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما كان رأى النبي ﷺ فعله. وأجابوا عن هذا بأن في إسناده أبا بكر بن عيّاش قد ساء حفظه في آخره، وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه، وستأتي رواية نافع بعد بابين، والعدد الكثير أولى من واحد لاسيّما وهم مثبتون، وهو ناف مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يكن يراه واجبًا، ففعله تارة وتركه أخرى. ومما يدل على ضعفه ما رواه البخاري في جزء رفع اليدين عن مالك: أن ابن عمر كان إذا رأى رجلًا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى. وأجابوا أيضًا بأن طاوسًا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما روي عنه عن النبي ﷺ من ذلك. وأجيب عن هذا كلّه: بأنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رواه طاوس وغيره يفعله قبل أن تقوم الحجة عنده بنسخه، ثم قامت الحجة عنده بنسخه فتركه وفعل ما ذكره عنه مجاهد. وهذا الجواب في غاية الحسن والجمع. ومن دليل النسخ أيضًا ما روي أن عبد الله بن الزبير رأى رجلًا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند رفع رأسه منه، فقال له: لا تفعل. فإن هذا شيء فعله رسول الله ﷺ ثم تركه. واحتج القائلون بالرفع بما أخرجه الأربعة عن علي رضي الله تعالى عنه، أنه رفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته إذا أراد أن يركع، ويصنعه إذا ركع ورفع من الركوع. وهذا يعارضه ما أخرجه الطحاوي وأبو بكر بن أبي شَيبة عن عاصم بن كليب، وإسناده صحيح على شرط مسلم أن عليًا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يرفع بعد. ومعلوم بديهة أن عليًا رضي الله تعالى عنه لا يجوزله أن يرى ذلك من النبي ﷺ ثم يترك هو ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ الرفع في غير تكبيرة الإحرام. ويدل على هذا ما روي عن ابن عبد البر المنتصر للرفع غاية فإنه قال: من روَى ترك الرفع في الركوع والرفع منه روي عنه فعلُه إلا ابنَ مسعود. وقد قال بعض الحنفية إنه يُبطل الصلاة. ونسب بعض متأخري المغاربة فاعله إلى البدعة. ولهذا مال بعض محققيهم كما حكاه ابن دقيق العيد إلى تركه درءًا لهذه المفسدة. قال في الفتح: قد قال البخاري في جزء رفع اليدين: من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة، فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه. قال: ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع. قلت: قوله: لم يثبت عن أحد منهم تركه، معارَض بما روي عن ابن مسعود، وابن عمر، وابن الزبير، وعلي -رضي الله تعالى عنهم-. وقوله إن كونه بدعة طعن في الصحابة، يجاب عن هذا بأنه مبني على أن الصحابة الفاعلين له رجَعوا عنه لثبوت النسخ عندهم. والمباحث هنا كثيرة، وقد أعرضنا عن باقيها اكتفاء بما ذكرنا. وقوله: وكان لا يفعل ذلك في

стр. 4110

السجود أي: لا في الهويّ إليه ولا في الرفع منه، كما في رواية شعيب الآتية بعد باب حيث قال: حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود. وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية والرابعة والتشهدين ويشمل ما إذا قام إلى الثانية أيضًا لكن بدون تشهد، لكونه غير واجب. وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدل هذا اللفظ على نفي ذلك عند القيام منها إلى الثالثة والرابعة. لكن روى يحيي القطّان عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا هذا الحديث، وفيه: ولا يرفع بعد ذلك. أخرجه الدارقطني في الغرائب بإسناد حسن. وظاهره يشمل النفي عما عدا المواطن الثلاثة. وسيأتي إثبات ذلك في موطن رابع بعد بابين. وأصح ما روي من الأحاديث في الرفع في السجود ما رواه النسائي من رواية سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة عن نضر بن عاصم عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ يرفع يديه في صلائه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. وقد تابع سعيدًا همامًا عن قتادة عند أبي عَوَانة في صحيحه. وفي الباب عن جماعة من الصحابة لا يخلو شيء منها عن مقال. وقد روى البخاري في جزء رفع اليدين في حديث علي المرفوع: ولا يرفع يديه في شيء من صلائه وهو قاعد، وأشار إلى تضعيف ما ورد في ذلك. وقد روى الطحاوي حديث ابن عمر الآتي في الباب الرابع عن نصر بن علي عن عبد الأعلى بلفظ: كان يرفع يديه في كل خفض ورفع وركوع وسجود وقعود وقيام وبين السجدتين، ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. وهذه رواية شاذة، فقد رواه الإسماعيلي عن جماعة من مشايخه الحفاظ عن نصر بن علي المذكور بلفظ عياش شيخ البخاري. وكذا رواه هو وأبو نعيم من طرق أخرى عن عبد الأعلى كذلك. واعلم أنه لم يرد ما يدل على التفرقة في الرفع بين الرجل والمرأة، وعن الحنفية يرفع الرجُلُ إلى الأذنين، والمرأة إلى المَنْكِبين, لأنه أستر لها. رجاله خمسة: قد مرّوا مرارًا، مرَّ عبد الله بن مَسْلَمة في الثاني عشر من الإيمان، ومرَّ سالم في السابع عشر منه، ومرَّ أبوه عبد الله في أول الكتاب قبل ذكر حديثٍ منه. ومرَّ مالك في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ ابن شهاب في الثالث منه. لطائف إسناده: فيه التحديث والعنعنة. وأخرجه النّسائي في الصلاة، ثم قال المصنّف: باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع

стр. 4111

الحديث الخامس حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلاَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَيَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَلاَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ. قوله: عن أبيه، سمّاه غير أبي ذر فقال: عن عبد الله بن عمر. وقوله حين يكبّر للركوع أي: عن ابتداء الركوع وهو مقتضى رواية مالك بن الحويرث المذكورة في الباب حيث قال: وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وسيأتي في باب التكبير، إذا قام من السجود من حديث أبي هريرة، ثم يكبّر حين يركع. وقوله ويفعل ذلك إذا رفعَ رأسه من الركوع أي: إذا أراد أن يرفع ويؤيده رواية أبي داود عن الزهري بلفظ إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه. ومقتضاه أنه يبتدىء رفع يديه عند ابتداء القيام من الركوع. وأما رواية ابن عُيَينة عن الزهري التي أخرجها أحمد وأبو داود بلفظ: وبعدما يرفع رأسه من الركوع، فمعناه بعدما يشرع في الرفع لتتفق الروايات. وقوله: ولا يفعل ذلك في السجود قد مرّ ما قيل فيه في الذي قبله. ومرَّ الكلام فيه على رفع اليدين عند الركوع والرفع منه مستوفى غاية الاستيفاء. ومرّ الكلام على سمع الله لمن حمده في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ محمد بن مقاتل في السابع من العلم. ومرَّ عبد الله بن المبارك في السادس من بدء الوحي. ومرّ يونس بن يزيد في المتابعات بعد الرابع منه. ومرَّ ذكر محل الزهري وسالم وأبيه في الذي قبله. فيه التحديث بالجمع، والإخبار بالجمع، والإفراد، والعنعنة، والقول، ورواته الستة ما بين مَروزيّ وأيليّ ومدنيّ. أخرجه مسلم والنّسائي في الصلاة.

стр. 4112

الحديث السادس حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ هَكَذَا. قوله: إذا صلّى كبّر ورفع يديه، في رواية مسلم ثم رفع وصلّى أي: شرع في الصلاة، وزاد مسلم حتى يحاذي بهما أذنيه كما مرَّ. ووهم المحبُّ الطبريُّ فعزاه للمتفق. وقوله: وحدّث أي: مالك بن الحويرث، وليس معطوفاً على قوله رأى، فيبقى فاعله أبو قِلابة فيصير مرسلًا. والحديث مرَّ الكلام عليه في الأول. رجاله خمسة: قد مرّوا. مرَّ إسحاق بن شاهين في الرابع عشر من الحيض. ومرَّ خالد بن عبد الله الطحان السادس والخمسين من الوضوء. ومرَّ خالد الحذاء في السابع عشر من العلم. ومرَّ أبو قِلابة في التاسع من الإيمان. ومرّ مالك بن الحويرث في تعليق بعد الثامن والعشرين من العلم. أهـ فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول. وفيه راويان متّفِقان في الاسم، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده. ثم قال المصنف: باب إلى أين يرفع يديه لم يجزم المصنّف بالحكم كما جزم به قبل وبعد جريًا على عادته فيما إذا قوي الخلاف. لكن الأرجحُ عنده محاذاةُ المنكِبين، لاقتصاره على إيراد دليله. وقد استوفينا ما قيل فيه عند جميع الأئمة، في الكلام على الحديث الأول. ثم قال: وقال أبو حميد في أصحابه: رفع النبي ﷺ حذو منكبيه. هذا التعليق طرف من حديثه الذي أخرجه المؤلف في باب سنة الجلوس في التشهد ويأتي هناك الكلام عليه واستدلّ به البخاري هنا على رفع اليدين.

стр. 4113

وأتكلم هنا على ما قيل فيه من هذه الجهة فأقول: احتجاج البخاري به يعارضه أن أبا داود أخرجه من وجوه كثيرة، أحدها عن أحمد بن حنبل، وليس فيه ذكر رفع اليدين عند الركوع. والطريق الذي فيه ذلك عن عبد الحميد بن جعفر، وهو ضعيف مطعون في حديثه، فكيف يُحتج به على الخصم؟ فإن قيل: هو من رجال مسلم، فالجواب أنه لا يلزم من ذلك أن لا يكون ضعيفًا عند غيره. ولئن سلّمنا صحة روايته فالحديث معلولٌ من جهة أخرى، وهي أن محمّد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد، ولا ممن ذكر معه في هذا الحديث مثل أبي قتادة. ولهذا قال ابن حزم: لعل عبد الحميد بن جعفر وهم فيه، يعني في روايته عن محمد بن عمرو بن عطاء فأقيل. قال البيهقي في المعرفة: حكم البخاري في تاريخه بأنه سمع أبا حميد، أجيب بأن القائل بأنه لم يسمع من أبي حميد هو الشعبي وهو حجة في الباب. ويأتي الكلام على هذا عند ذكر الحديث في الباب المذكور آنفًا. ويأتي هناك ذكر من سمي من أصحابه. وقد مرَّ أبو حميد في تعليق في أبواب استقبال القبلة قبل ذكر حديث.

стр. 4114

الحديث السابع حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلاَةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَلاَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ وَلاَ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ. قوله: وإذا قال سمع الله لمن حمده فعل مثله ظاهره أنه يقول التسميع في ابتداء ارتفاعه من الركوع، فيدلّ على أنه ذكر الانتقال، وهو المعروف. ويأتي في حديث رِفاعة بن رافع ما يدل على أنّه يقع بعد الرفع من الركوع فيكون من أذكار الاعتدال. ويمكن الجمع بينهما بأن معنى قوله في حديث رفاعة الآتي: فلمّا رفع رأسه أي: فلما شرع في رفع رأسه، ابتدأ القول المذكور وأتمّه بعد أن اعتدل. وقد مرَّ الكلام على الحديث عند الحديث الأول. رجاله خمسة: مرّوا قريبًا. مرَّ أبو اليمان وشعيب في السابع من بدء الوحي ومرّ الزهري في الثالث منه. ومرَّ سالم في السابع عثر من الإيمان. ومرَّ أبوه في أول الكتاب قبل ذكر حديث منه. وهذا الحديث أخرجه النَّسائي في الصلاة، ثم قال المصنّف: باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين أي بعد التشهد، فيخرج ما إذا تركه ونهض قائمًا من السجود لعموم قوله في الرواية التي قبله، ولا حين يرفع رأسه من السجود. ويُحتمل حملُ النفي هاك على حالة رفع الرأس من السجود ولا على ما بعد ذلك حين يستوي قائمًا. وأبعد من استدل بقول سالم في روايته المارة، ولا يفعل ذلك في السجود على موافقة رواية نافع في حديث الباب، حيث قال: وإذا قام من الركعتين, لأنه لا يلزم من كونه لم ينفه أنه أثبته، بل هو ساكت عنه. وأبعد أيضًا من استدل برواية سالم على ضعف رواية نافع. والحق أنه ليس بين روايتي نافع وسالم تعارض، بل في رواية نافع زيادة لم ينفها سالم. وسيأتي قريبًا أن سالمًا أثبتها من وجه آخر.

стр. 4115

الحديث الثامن حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِىِّ اللَّهِ ﷺ . قوله: ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ في رواية أبي ذر إلى نبي الله ﷺ . قال أبو داود: رواه الثقفي عبد الوهاب عن عبيد الله ولم يرفعه، وهو الصحيح. وكذا رواه الليث وابن جريج ومالك عن نافع موقوفًا. وحكى الدارقطني في العلل الاختلاف في وقفه ورفعه، وقال: الأشبه بالصواب قول عبد الأعلى. وحكى الإسماعيلي أن عبد الأعلى أخطأ في رفعه. قال: وقد خالفَهُ عبد الله بن إدريس وعبد الوهاب الثقفي والمعتمر عن عبيد الله عن نافع، فرووه موقوفًا على ابن عمر، لكن معتمراً وعبد الوهاب رفعاه عن سالم عن ابن عمر. أخرجهما البخاري في جزء رفع اليدين، وفيه الزيادة. وقد توبع نافع على ذلك عن ابن عمر فيما رواه أبو داود وصححه البخاري في الجزء المذكور عن محارب بن دِثار عن ابن عمر قال: كان النبي ﷺ إذا قام في الركعتين كبّر ورفع يديه. وله شواهد منها حديث أبي حميد الساعدي، وحديث عليّ بن أبي طالب، أخرجهما أبو داود وصححهما ابن خُزَيمة وابنُ حبّان. وقال البخاري في الجزء المذكور ما زاده ابن عمر وعلي وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من ركعتين صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة، فاختلفوا فيها، وإنما زاد بعضهم على بعض، والزيادة مقبولة من أهل العلم. وقال ابن بَطّال يجب قبولُها لمن يقولُ بالرَّفع. وقال الخطابي: لم يقل به الشافعي، وهو لازم على أصله في قبول الزيادة. وقال ابن خُزَيمة: هو سنة وإن لم يذكره الشافعي، فالإسناد صحيح. وقد قال قولوا بالسنة ودعوا قولي. وقال ابن دقيق العيد: قياس نظر الشافعي أنه يستحب الرفع فيه لأنه أثبت الرفع عند الركوع

стр. 4116

والرفع منه لكونه زائدًا على من اقتصر عليه عند الافتتاح والحجة في الموضعين واحدة والصواب إثباته. وأما كونه مذهبًا للشافعي لكونه قال إذا صحّ الحديث فهو مذهبي ففيه نظر, لأنّ محل العمل بهذه الوصية ما إذا عرف أن الحديث لم يطلع عليه الشافعي، أما إذا عرف أنه اطّلع عليه ورواه أو تأوّله بوجه من الوجوه فلا. والأمر هنا محتمل. واستنبط البيهقي من كلام الشافعي أنه يقول به، لقوله في حديث أبي حُميد المشتمِل على هذه السنّة وغيرها وبهذا نقول. قلت تمكن عدم صحة هذا الاستنباط لإمكان أن تكون رواية الشافعي لم يذكر فيها الرفع من القيام من الركعتين كما في رواية الليث الآتية عند المصنّف، وقد مرَّ أن الحديث مروي برواياتٍ كثيرةٍ ويأتي ذلك. وأطلق النووي في الروضة أن الشافعيّ نصّ عليه. قال في الفتح: لكن الذي رأيت في الأم خلافُ ذلك، فقال في باب رفع اليدين في التكبير في الصلاة، بعد أن أورد حديث ابن عمرَ عن سالم وتكلّم عليه لا يأمره أن يرفع يديه في شيء من الذكر في الصلاة التي لها ركوع وسجود إلا في هذه المواضع الثلاثة. وأما ما وقع في أواخر البُوَيطي يرفع يديه في كل خفض ورفع، فيحمل الخفض على الركوع والرفع على الاعتدال، وإلاّ فحمله على ظاهره يقتضي استحبابه في السجود أيضًا وهو خلاف ما عليه الجمهور، وقد نفاه ابن عمر. وأغرب الشيخ أبو حامد في تعليقه فنقل الإِجماع على أنه لا يُشرع الرفع في غير المواطن الثلاثة. وتُعُقب بصحة ذلك عن ابن عمر وابن عبّاس ونافع وطاوس، كما أخرجه عبد الرزاق وغيره عنهم بأسانيد قوية. وقد قال به من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وأبو علي الطبري والبيهقي والبغوي. وحكاه ابن خُوَيز مَنداد عن مالك وهو شاذ. رجاله خمسة: قد مرّوا، مرّ عيّاش بن الوليد في الخاص والثلاثين من الغُسل. ومرَّ عبد الأعلى السامي في تعليق بعد الثالث من الإيمان. ومرَّ عبيد الله بن عمر بن حفص في الرابع عشر من الوضوء. ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم. ومرّ عبد الله أوّل كتاب الإيمان قبل ذكر حديث منه. فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول. والنصف الأول من الرواة بصري والثاني مدني. وشيخ البخاري من أفراده. وهذا الحديث أخرجه أبو داود. رواه حَمّاد بن سَلَمة عن أيوبَ عن نافع عن ابنِ عمر عن النبي ﷺ . وهذا التعليق وصله المصنف في جزء رفع اليدين، ولفظه: كان إذا كبّر رفع يديه وإذا ركع وإذا رفع من الركوع. ووصله

стр. 4117

البيهقي وحمّاد بن سَلَمة، وفي متابعة بعد الثامن من الوضوء. ومرَّ أيوب في التاسع من الإيمان. ومرّ ذكر محل نافع وابن عمر في الذي قبله. ثم قال: ورواه ابن طَهمان عن أيوب وموسى بن عُقْبة مختصرًا، يعني أن إبراهيم بن طَهمان رواه عن أيوب وموسى بن عقبة. وقد وصله البيهقي عن عمر بن عبد الله بن رَزين عن إبراهيم بن طَهمان بهذا السند موقوفًا نحو حديث حمّاد وقال آخره وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في حديث حمّاد ولا ابنِ طَهمان الرفعُ من الركعتين المعقود لأجله الباب. قال: فلعلّ المحدّثَ عنه دخل عليه باب في باب، يعني أنّ هذا التعليق يليق بحديث سالم الماضي وأجيبَ بأن البخاري قصد الرد على من جزم بأن رواية نافع لأصل الحديث موقوفةٌ وأنه خالف في ذلك سالمًا. كما نقله ابن عبد البر وغيره، وقد تبين بهذا التعليق أنه اختُلف على نافع في رفعه ووقفه خصوص هذه الزيادة. والذي يظهر أن السبب في هذا الاختلاف أن نافعًا كان يرويه موقوفًا ثم يعقبه بالرفع، فكأنه كان أحيانًا يقتصر على الموقوف أو يقتصر عليه بعض الرواة عنه. وقد مرّ إبراهيم بن طهمان في التاسع والعشرين من الغسل، ومرّ موسى بن عقبة في الخامس من الوضوء ومرَّ ذكر محل أيوب في الذي قبله، ثم قال المصنف: باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: أي في حال القيام

стр. 4118

الحديث التاسع حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاَةِ. وقَالَ أَبُو حَازِمٍ لاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يُنْمَى ذَلِكَ. وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِي. قوله: كان الناس يؤمرون هذا حكمه الرفع على المشهور, لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي ﷺ . وقوله على ذراعه أبهم موضعه من الذراع. وفي حديث وائل عند أبي داود والنَّسائي ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرسغ من الساعد. وصحّحه ابن خزيمة وغيره، وأصله في صحيح مسلم بدون الزيادة. والرُّسْغ بضم الراء وسكون المهملة بعدها معجمة هو الفصل بين الساعد والكف. ولم يذكر أيضًا محلهما من الجسد. وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل أنه وَضَعَهما على صدره، والبَزَّار عند صدره. وعند أحمد في حديث هِلْب الطائي نحوه وفي زيادات المسند من حديث علي أنه وضعهما تحت سرّته. واعترض الدالي في أطراف الموطأ هذا الحديث فقال: معلول لأنه ظنّ من أبي حازم، ورد بأن أبا حازم لو لم يقل لا أعلمه الخ. لكان في حكم المرفوع, لأن قول الصحابي كنا نؤمر بكذا يصرف بظاهره إلى من له الأمر، وهو النبي ﷺ لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع فيحمل على من صدر عنه الشرع. ومثله قول عائشة: كنّا نؤمر بقضاء الصوم، فإنه محمولٌ على أن الآمر بذلك هو النبي ﷺ . وأطلق البيهقي أن لا خلاف في ذلك بين أهل العلم فإن قيل لو كان مرفوعًا ما احتاج أبو حازم إلى قوله لا أعلمه الخ، فالجواب أنه أراد الانتقال إلى التصريح، فالأول لا يقال له مرفوع وإنما يقال له حكم الرفع، قاله في الفتح، وفي كلّه بعض انتصار لمذهبه، فقول البيهقي إنه لا خلاف في ذلك هو كقول ابن عبد البر: إن قول الصحابي من السنة كذا له حكم الرفع اتفاقًا. وما قالاه مردود. فقد روي عن الشافعي في أصل المسألة قولان. وذهب إلى أنه غير مرفوع أبو بكر الصيرفي من الشافعية، وأبو بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية. وتمسكوا باحتمال أن يكون الأمر غيره ﵊ كأمر القرآن أو الإِجماع أو بعض الخلفاء أو الولاة أو الاستنباط.

стр. 4119

ولذا قال علي القاري الحنفي في شرح موطأ محمّد فقولُ سهلٍ كان الناس يؤمرون الخ، يعني يأمرهم الخلفاء الأربعة أو الأمراء أو النبي ﵊، يعني أنه محتمل لذلك. وقد نصّ أبو عمر بن عبد البر في التقصي على أن هذا الأثر موقوف على سهل ليس إلا. ويدل لما قاله المخالفون ما أخرجه ابن أبي شيبة عن حنظلة السَّدوسي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان يؤمر بالسَّوط فتقطع ثمرته ثم يدق بين حَجَرين ثم يضرب به. فقلت: في زمن من كان هذا؟ قال: في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وقوله: إن أبا حازم أراد الانتقال إلى التصريح فيه أن ما قاله ليس فيه تصريح لأن أبا حازم لم يقطع بأن الصحابي نَمَى ذلك للنبي ﷺ , وإنّما أتى بكلمة غير مفيدة للقطع وهي قوله لا أعلمه، ولو كان جازمًا قاصدًا لتصريح لقال بدل هذه العبارة نمي ذلك للنبي ﷺ , وحذف قوله لا أعلمه. فبقي كلامه على ما قاله الدالي سابقًا من أنه ظنّ منه. وحيث إن المسألة خلافية يمكن أنه اعتمد شطر الخلافِ فلا يرد عليه بشطر الخلاف الذي لم يعتمده. وحيث كانت المسألة خلافية وإن كان الصحيح فيها أنَّ له حكم الرفع، فالحديث المروي بذلك لم يُقْطع بنسبته للنبي ﷺ ، لوجود الخلاف، ولذلك لم يَقْطع التابعيُّ أبوحازم بنسبتِه له ﵊. هذا القدر كافٍ في ثبوت إعلال هذا الحديث. وهو أحد الوجهين اللذين أُعلّ بهما، ويأتي الآخر قريبًا. ثم قال في الفتح: قد ورد في سُنن أبي داود وصحيح ابن السَّكَنِ شيءٌ يستأنسُ به على تعيين الآمر والمأمور، فروي عن ابن مسعود قال: رآني النبي ﷺ واضعًا يديَ اليسرى على يديَ اليمنى فنزعها ووضع اليمنى على اليسرى. قال في الفتح: إسناده حسن. قلت: بل في إسناده ضعف لأن مداره على الحجاج بن أبي زينب، وقد ضعّفه أحمد وابن المديني والنَّسائي والدارقطني، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: هذا الحديث ضعيف. وقوله قال أبو حازم يعني راوية بالسند المذكور إليه. وقوله لا أعلمه أي: سهل بن سعد. وقوله: إلاَّ يَنْمِي بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم من نَمَى الثلاثي، يقال: نَمَيْتُ الحديث إلى غيري رفعته وأسندته. وصرح بذلك معن بن عيسى وابن يوسف عند الإسماعيلي والدارقطني. وزاد ابن وهْب ثلاثتهم عن مالك بلفظ يرفع ذلك. ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي ينميه فمراده يرفع ذلك إلى النبي ﷺ . ولو لم يقيّده يعني إذا كان النامي لذلك الصحابي. وكذا إذا قال التابعي عن الصحابي يرفعه أو يَبْلُغ به أو يرويه أو رواية, كحديث البخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الشفاء في ثلاث: شَرْبة عسل وشرطة مِحجَمْ وكَيّة من نار، وأنهَى أمّتي عن الكيّ. رفع الحديث. وكحديث مسلم عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغُ به: الناس تَبَع لقريش. وفي الصحيحين بهذا السند عن أبي هريرة رواية تقاتلون قوماً صغار الأعين.

стр. 4120

وفيهما عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رواية الفطرة خمس. وكحديث الباب. قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِيْ ذلك. وقد جاء بعضُ ذلك بالتصريح. ففي رواية لحديث الصحيحين: الفطرةُ خمس يبلغُ به النبي ﷺ وفي رواية في حديث سهل يَنْمِي ذلك للنبي ﷺ . والحامل على العدول عن التصريح بالرفع إما الشك في الصيغة التي سمع بها أهي قال رسول الله ﷺ ؟ أو نبي الله أو نحو ذلك كسمعت أو حدثني. وهو ممن لا يرى الإبدال. وأما التخفيف والاختصار أو غير ذلك ولو وقع ذلك من صحابي بعد ذكره صحابيًا كان مرفوعًا أيضًا ولم أر له مثالًا. وقد يقع ذلك من الصحابي بعد ذكره للنبي ﷺ ، كأن يقول عن النبي -صلي الله عليه وسلم- يرفعه، فهذا في حكم قوله عن الله تعالى. ومثالُه حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله يرفعه: إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدني وأنا أنزع نَفْسه من بين جَنْبيه. حديث حسن رواه البزّار في مسنده، وهو من الأحاديث الإلهية. وإن كان القائل لأحد الألفاظ المتقدمة راويًا عن تابعي كان ذلك الحديث مرسلًا مرفوعًا بلا خلاف. وقد نظّم القرافي أصل المسألة فقال: وقولهم يرفعه يبلغ بهْ ... رواية يَنمِيه رفعٌ فانتبهْ وإن يُقَلْ عن تابع فمرسل وحكى في المطالع أن رواية القعنبي هذه بضم أوله من أنمى قال وهو غلط. وتُعقب بأن الزَّجّاج ذكر في كتاب فعلتُ وأفعلتُ نَمَيْت الحديث وأنْمَيته. وهذا حكاه ابنُ دُرَيد وغيره. لكن الذي في البخاري عن القعنبي المضبوط به أنه بفتح أوله من الثلاثي، فلعلّ الضمَّ روايةُ القعبني في الموطأ. وقوله: وقال إسماعيل يُنمى ذلك، ولم يقل يَنْمِي. الأول بضم أوله وفتح الميم بلفظ المجهول، والثاني وهو المنفي بفتح أوله كرواية القعنبي الماضية، فعلى الأول الهاء في لا أعلمه ضمير الشأن، فيكون مرسلًا لأن أبا حازم لم يعين من نماه له، وعلى رواية القعنبي الضمير لسهل شيخه فهو متّصل، وإسماعيل هذا هو ابن أبي أُويس شيخ البخاري كما جزم به الحْميدي في الجمع. ووافق إسماعيل على هذه الرواية عن مالك سويد بن سعيد فيما أخرجه به الحُميدي في الغرائب. وفي خط مَغُلْطاي أن إسماعيل المذكور هنا هو إسماعيلُ بن إسحاق القاضي. وكأنه رأى الحديث عند الجوزقي والبيهقي وغيرهما من روايته عن القعنبي، فظن أنه المراد وليس كذلك, لأن رواية إسماعيل بن إسحاق موافقة لرواية البخاري. ولم يذكر أحد أن البخاري روى عنه وهو أصغر سنًا منه وأحدث سماعًا. وقد شاركه في كثير من مشايخه البَصريين القدماء. وما صرح به ابن حجر فيما مرّ عنه من أن الحديث على رواية إسماعيل بن أبي أويس يكون مرسلًا هو الوجه الثاني من وجهي الإعلال. وإذا قيل إن رواية القعنبي

стр. 4121

مقدمة على رواية إسماعيل لكونه أوثق منه، فالجواب أن رواية إسماعيل اعتضدت برواية سويد بن سعيد. وعلى كل حال احتمال الإرسال لا يزيله تقديم رواية القعنبي على رواية إسماعيل والدليل إذا تطرَّقهُ الاحتمال سقط به الاستدلال. والقبض هو مذهب الجمهور، أخذ به الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والثوري وغيرهم. وقال ابن عبد البر: لم يأت عن النبي ﷺ فيه خلاف وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره. وقال القائلون به إن الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل، وهي أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع. وكأن البخاري لحظ ذلك فعقبه بباب الخشوع. ومن اللطائف قولُ بعضهم: القلب موضع النيّة، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه. ومن القائلين بالإرسال كما حكاه ابن المنذر عبد الله بن الزبير والحسن البصري وابن سِيرين وابن المسيّب وسعيد بن جبير، وهو رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، وعليه أكثرُ أصحابه، وهو مشهور مذهبه. ورويت عنه التفرقة بين الفريضة والنافلة فكره القبض في الفرض وأجازه في النافلة. فقد قال في المدونة وأنا أكرهه في الفرض. وهذه رواية ابن القاسم في المدونة عنه، وروايته في المدونة عنه مقدمة على جميع الروايات عند المالكية. قلت: لعل تفرقته بين الفرض والنفل حملا منه لما روي من القبض على النفل، ولما روي من تركه على الفرض. ولم يأت التصريح في أحاديث القبض بأنه في الفرض وإن كان هو المتبادر من الإطلاق. وقال الليث بن سعد: يرسلهما، فإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى. وكلامه هذا صريح في أن القبض ليس من السنة، وإنما هو من باب الاستراحة. وهذا هو عين ما علّل به مالك كراهيته لما فيه من الاعتماد. وقال الأوزاعي: غير بين الوضع والإرسال. وقد قال بعض علماء المالكية إن الإرسال أقرب إلى العبودية والذل من القبض, لأنه حالة الميت المكفن وحالة المصلوب. ولا شيء أشد في الذل من هذين، فالأول فعل له ذلك لوضعه بين يدي ربّه مرجوًا منه أن يتجاوز عن ذنبه. والثاني فعل له ذلك اهانة وإذلالاً له وزجرًا لغيره. وإنما رجح مالك الإرسال مع كونه عمل أهل المدينة لموافقته للأصل، ولما فيه من تقليل الأعمال. وقد استدل القائلون بالقبض بأحاديث كثيرة تتبعناها بالطعن وأبدينا أنها ليس فيها حديث

стр. 4122

صحيح سالم من الطعن في رسالتنا إبرام النقض لما قيل من أرجحية القبض. وأبديت فيها أدلة مشهور مذهب مالك من الإرسال مع أنّا معاشر المالكية لا نقول إن القبض لم يثبت عن النبي ﷺ ، بل نعترف بأنه ثبت عنه ﵊ لكثرة روايته عنه ﷺ وإن كانت ضعيفة. ولكنا نقول إنه منسوخ بالإرسال لما بيناه في الرسالة المذكورة من عمل أهل المدينة والأحاديث الدالة على ذلك. وسنة الوضع عند الشافعية أن يجعلها تحت الصدر واضعًا يده اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرسغ من الساعد. وفي الحاوي أن الوضع يكون على الصدر ولم يذكر النووي في الخلاصة غيره. وعلى القول المرجوح عند المالكية الوضع تحت الصدر. والوضع عند الحنفية تحت السرّة واضعًا بطن كله اليمنى على رسغه اليسرى، فيكون الرسغ وسط الكف قائلين إن الوضع تحت السرّة أقرب إلى التعظيم، وأبعد من التشبه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر العورة، وحفظ الإزار عن السقوط. وذلك كما يفعل بين يدي الملوك. وفي الوضع على الصدر تشبه بالنساء فلا يُسن. وعند الحنابلة الوضع تحت السُّرة. ويكون القبض عند كل قيام فيه ذكر مسنون، فيكون في حالة القنوت وصلاة الجنازة ولا يكون في القومة من الركوع وبين تكبيرات العيدين الزوائد. وعند أبي علي النَّسَفي والإمام أبي عبد الله يقبض في كل قيام سواءٌ كان فيه ذكر مسنون أم لا أهـ. ودليل الوضع تحت السرّة هو ما أخرجه أحمد في المسند والبيهقي والدارقطني عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرّة. قال النووي: في سنده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف باتفاق. وقال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث. وروى ابن حزم عن أنس من أخلاق النبوة وضع اليمين على الشِّمال تحت السرّة. ويأتي مزيد في باب سُنَّةِ الجلوس في التشهد عند حديث أبي حميد. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرّ عبد الله بن مَسْلَمة في الثاني عشر من الإيمان, ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، ومرَّ أبو حازم وسهل بن سعد في الثامن والمائة من الوضوء، فيه التحديث بالجمع والعَنْعَنَة وهو من أفراد البخاري. ثم قال: وقال إسماعيل ينمي ذلك ولم يقل ينمى. وإسماعيل المراد به ابن أبي أُويس. وقد مرّ في الخامس عشر من الإيمان. ثم قال المصنف:

стр. 4123

باب الخشوع في الصلاة سقط لفظ باب من رواية أبي ذر. والخشوع تارة يكون من فعل القلب كالخشية. وتارة من فعل البدن كالسكون. وقيل لابد من اعتبارهما. حكاه الفخر الرازي في تفسيره. وقال غيره: هو معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلايم مقصود العبادة ويدل على أنه من عمل القلب حديث علي الخشوع في القلب، وأن تلين للمسلم كتفك، ولا تلتفت. أخرجه الحاكم. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾: مخبتون أذلاء. وقال الحسن: خائفون. وقال مقاتل: متواضعون. وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الجناح. وقال عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحسن الهيئة في الصلاة. وقال ابن سيرين: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك. وقال أبو بكر الواسطي: هو الصلاة لله تعالى على الخلوص من غير عِوَض. وقال أبو الدرداء: يحتاج المصلّي إلى أربع خلال حتى يكون خاشعًا: إعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التام، وجمع الهم. وقيل: هو جمع الهمة لها والإعراض عمّا سواها. وفي حديث لو خشعت جوارحه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن.

стр. 4124

الحديث العاشر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَىَّ رُكُوعُكُمْ وَلاَ خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي. وقوله: هل ترون الاستفهام بمعنى الإنكار. والمراد من القبلة إما المقابلة وهي المواجهة أي: لا تظنوا مواجهتي هاهنا فقط، وإمّا إضمار أي: لا ترون بصري أو رؤيتي في طرف القبلة فقط، وأما أنه من باب لازم التركيب, لأن كون قبلته ثمة مستلزم لكون رؤيته أيضًا ثمة فكأنه قال: هل ترون رؤيتي هاهنا فقط؟ والله لأراكم من غيرها أيضًا. وهذا الحديث قد أخرجه في باب عظة الإِمام الناس في إتمام الصلاة من أبواب المساجد. قد استوفى الكلام عليه هناك من سائر الوجوه. وبقي ذكر وجه المطابقة بينه وبين الترجمة هنا، وهو من حيث إن في قوله ولا خشوعكم تنبيهًا على التلبيس بالخشوع في الصلاة, لأنه لم يقل ذلك إلا وقد رأى فيهم الالتفات وعدم السكون اللذين ينافيان الخشوع، والمصلّي لا يدخل في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلا بالخشوع، ولا شك أن ترك الخشوع ينافي كمال الصلاة فيكون مستحبا. وقد حكى النووي الإِجماع على أن الخشوع ليس بواجب. ولا يرد عليه قول القاضي حسين لجواز أن يكون بعد الإجماع السابق. أو المراد بالإجماع أنه لم يصرح أحد بوجوبه. وكلامهما في أمر يحصل من مجموع المدافعة وترك الخشوع. وهذان الجوابان أحسن مما أجاب به العيني من أن المراد مدافعة شديدة أفضت إلى خروج شيء، فإن البطلان حينئذٍ بالخروج لا بالمدافعة، وما أجاب به عن هذا لا يلتفت إليه. وفي هذا تعقب على من نسب إلى القاضي وأبي زيد أنهما قالا إن الخشوع شرطٌ في صحة الصلاة. وقد حكاه المحب الطبري، وقال: هو محمول على أن يحصل في الصلاة لا في جميعها، والخلاف في ذلك عند الحنابلة أيضًا. وأما قول ابن بطال، فإن قال قائل إن الخشوع فرض في الصلاة، قيل له بحسب الإِنسان أن يُقبل على صلاته بقلبه ونيته. ويريد بذلك وجه الله تعالى، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر، فحاصل كلامه أن القدْر المذكور هو الذي يجب من الخشوع، وما زاد على ذلك فلا.

стр. 4125

وأنكر ابن المنير إطلاق الفرضية وقال: الصواب أن عدم الخشوع تابع لما يظهر عنه من الآثار وهو أمر متفاوت، فإن أثر نقصًا في الواجبات كان حرامًا وكان الخشوع واجبًا وإلا فلا. قلت: مشهور مذهب مالكٍ أن الخشوع في الصلاة مندوب لا واجب، والمدافعة المذكورة عندنا تبطل الصلاة إذا حصل بها شغل عن فرض. وإن حصل الشغل عن سنّة أعاد الصلاة ندبًا في الوقت. وقد تتحرك اليد مع وجود الخشوع، لما في سنن البيهقي عن عمرو بن حُريث قال: كان رسول الله ﷺ ربما مس لحيته وهو يصلّي. وقد سئل عن الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته إياهم دون تحذيرهم برؤية الله تعالى لهم وهو مقام الإحسان المبين في سؤال جبريل، كما مرَّ في كتاب الإيمان أنْ تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأجيب بأن في التعليل برؤيته ﷺ لهم تنبيهًا على رؤية الله تعالى لهم فإنهم إذا أحسنوا الصلاة لكون النبي ﷺ يراهم أيقظهم ذلك إلى مراقبة الله تعالى مع ما تضمنه الحديث من المعجزة له ﷺ بذلك، ولكونه يبعث شهيدًا عليهم يوم القيامة. فإذا علموا أنه يراهم تحفظوا في عبادتهم ليشهد لهم بحسنها. رجاله خمسة: قد مرّوا: إسماعيل قد مرّ محله في التعليق الذي قبله. ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي. ومرَّ أبو الزناد والأعرج في السابع من الإيمان. ومرَّ أبو هريرة في الثاني منه. وهذا الحديث قد مرّ ما يتعلق به في باب عظة الإمام الناس.

стр. 4126

الحديث الحادي عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي وَرُبَّمَا قَالَ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ. قوله: أقيموا الركوع والسجود أي: أكملوهما، وعند الإسماعيلي اتمّوا بدل أقيموا، وقوله: فوالله إني لأراكم من بعدي أي: من خلفي، وأغرب الداودي فحمل البعدية هنا على ما بعد الموت، يعني أن أعمال الأمة تعرض عليه ويرده قوله وربما قال من بعد ظهري وكأنه أيضًا لم يتأمل سياق حديث أبي هريرة حيث بيّن فيه سبب هذه المقالة ومقتضى صيغ البخاري في إيراده الحديثين في باب عظة الإمام الناس وإيراده لهما في هذا الباب على أنهما في قضية واحدة وكذا أوردهما مسلم معًا واستشكل إيراد البخاري لحديث أنس هنا لكونه لا ذكر فيه للخشوع الذي ترجم له. وأجيب بأنه أراد أن ينبه على أن الخشوع يدرك بسكون الجوارح إذ الظاهر عنوان الباطن كما مرّ وروى البيهقي بإسناد صحيح عن مجاهد قال: كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود، وحدّث أنّ أبا بكر كان كذلك، وكان يقال ذلك الخشوع في الصلاة، واستدل بحديث الباب على أنه لا يجب إذ لم يأمرهم بالإعادة. وعند مسلم عن أبي هريرة: صلى رسول ﷺ يومًا ثم انصرف فقال: يا فلان ألا تحسن صلاتك، وله في رواية أخرى أتمّوا الركوع والسجود، وفي أخرى أقيموا الصفوف، وفي أخرى لا تستبقوني بالركوع ولا بالسجود. وعند أحمد: صلى بنا الظهر وفي مؤخر الصفوف رجل فأساء الصلاة. وعنده عن أبي سعيد الخدري أن بعض الصحابة تعمد المسابقة لينظر هل يعلم به رسول الله ﷺ أم لا، فلمّا قضى الصلاة نهاه عن ذلك. واختلاف هذه الأسباب يدل على أن جميع ذلك صدر من جماعة في صلاة واحدة وفي صلوات. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ محمّد بن بشّار في الحادي عشر من العلم، ومرّ غُندر في الخامس والعشرين من

стр. 4127

الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ قتادة وأنس في السادس منه. أخرجه مسلم في الصلاة أيضًا، ثم قال المصنّف: باب ما يقول بعد التكبير في رواية المستملي باب ما يقرأ بدل ما يقول وعليها اقتصر الإسماعيلي.

стр. 4128

الحديث الثاني عشر حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضى الله عنهما كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلاَةَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قوله: كانوا يفتتحون الصلاة أي: القراءة في الصلاة، وكذا رواه ابن المنذر والجوزقي وغيرهما من طريق حفص بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ: كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين. وكذلك رواه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام وقوله بالحمد لله رب العالمين أي: بضم الدال على الحكاية، واختلف في المراد بذلك فقيل المعنى كانوا يفتتحون بالفاتحة وهذا قول من أثبت البسملة في أولها وتعقب بأنها تسمى الحمد فقط. وأجيب بمنع الحصر ومستنده ثبوت تسميتها بهذه الجملة فيما أخرجه البخاري في فضائل القرآن عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي ﷺ قال له: الا أعلمك أعظم سورة في القرآن. فذكر الحديث، وفيه قال الحمد لله رب العالمين: هي السبع المثاني، وقيل المعنى كانوا يفتتحون بهذا اللفظ تمسكًا بظاهر الحديث، وهذا هو الأقوى إذ لا يعدل عن حقيقة اللفظ وظاهره إلى مجازه إلا بدليل. وهذا قول من نفى قراءة البسملة. ولأجل اختلاف الأحاديث الواردة فيها اختلفت العلماء في قراءتها في أول الفاتحة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنها ليست من الفاتحة، وتكره قراءتها في الفرض سرًا وجهرًا، وفي النافلة إن شاء قرأها وإن شاء ترك، والأفضل قراءتها. وبقوله قال الأوزاعي والطبري. وقال الشافعي هي آية من الفاتحة يخفيها إذا أخفى ويجهر بها إذا جهر واختلف قوله هل هي آية من كل سورة؟ على قولين: أحدهما نعم، وهو قول ابن المبارك. والثاني لا، وقال أبو حنيفة وأحمد والثوري وابن أبي ليلى: يقرأ بها وجوباً سرًا مع أم القرآن في كل ركعة، إلا ابن أبي ليلى فإنه قال: ان شاء جهر بها وإن شاء أخفاها. وعند أحمد قراءتها سنة واجبة. واحتج كل فريق بأحاديث ظاهرة في مذهبه. فاحتجت المالكية بحديث البخاري هذا فإن قوله كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، نصّ في أنهم ما كانوا يبسملون أصلًا وقول المخالف لا يلزم من قوله كانوا يفتتحون بالحمد أنهم لم يقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم سرًا بعيد جدًا، إذ يبعد جدًا أنّ أنسًا صحب النبي ﷺ مدة عشر سنين ثم يصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسًا وعشرين سنة، فلم يسمع الجهر منهم بها في صلاة واحدة.

стр. 4129

وأخرج مسلم حديث البخاري هذا ولفظه: كانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها. وهذا نصّ صريح دال على ما ذكرناه من أن المراد بالأول عدم البسملة أصلًا لا عدم الجهر بها. فالحديث بعضه يفسر بعضًا. ولحديث أنس طرق أخرى دون ما أخرجه أصحاب الصحاح في الصحة، وكل ألفاظه يرجع إلى معنى واحد يصدّق بعضها بعضًا: الأول: كانوا لا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. الثاني: فلم أسمع أحدًا منهم يقول أو يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. الثالث: فلم يكونوا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم. الرابع: فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. وصحح الخطيب هذا اللفظ، وجعل ما سواه ضعيفًا، لرواية الحفاظ له عن قتادة ولمتابعة غير قتادة له عن أنس، وجعل اللفظ المحكم عن أنس وجعل غيره متشابهًا، وحقيقة هذا اللفظ الافتتاح بالآية من غير ذكر التسمية سرًا أو جهراً فكيف يجوز العدول عنه بغير موجب. ويؤكده قوله في رواية مسلم لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم لا في أول قراءة ولا في آخرها. وقَدْحُ بعضهم في صحة حديث مسلم هذا يكون الأوزاعي رواه عن قتادة مكاتبةً فيه نظر، فإن الأوزاعي لم ينفرد به، فقد رواه أبو يَعلَى عن أحمد الدَّورقي والسراج عن يعقوبَ الدَّورقي وعبد الله بن أحمد عن أحمد بن عبد اللة السُّلَمي، ثلاثتهم عن أبي داود الطيالسي عن شُعْبة بلفظ: فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم. واحتجوا أيضًا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: يقول الله تعالى قُسمتِ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفُها لي ونصفُها لعبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حَمدني عبدي الخ. فهذا واضح في أن البسملة ليست من الفاتحة وإلا لابتدأ بها. وقال أبو عمر: حديث العلاء هذا قاطع لقلق المنازعين، وهو نص لا يحتمل التأويل، ولا أعلم حديثًا في سقوط البسملة أبين منه، والاعتراض على هذا الحديث بأن العلاء بن عبد الرحمن قد تُكلّم فيه مردود بأنه قد رواه عن العلاء الأئمة الثمَات الأثبات، كمالك، وابن عُيينة، وابن جُرَيح، وشُعيب، والوليد بن كَثير، وعبد العزيز الدراوردي وغيرهم. وكذلك الاعتراضَ عليه بأن الدارقطني أخرجه وفيه فإذا افتتح الصلاة ببسم الله الرحمن المرحيم، فإن هذه الرواية انفرد بها عن العلاء بن سمعان. وقد قال مالك فيه كان كذابًا. وكذا قال يحيى بن مَعين. وقال هشام بن عُروة: لقد كذب عليّ وحدّث عني بأحاديث لم أحدّثه بها. وقال أحمد متروك الحديث. واحتجوا أيضًا بما أخرجه الترمذي عن ابن عبد الله بن مغفَّل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة

стр. 4130

أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أيْ بنيَّ محدَث إياك والحدث. قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإِسلام منه. قال: وقد صلّيت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلْها، فإذا أنت صلّيت فقل الحمد لله رب العالمين. قال الترمذي حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم، ومَن بعدهم من التابعين. وأخرجه النَّسائي وابنُ ماجَهْ أيضًا. قلت في نفي الصحابة للبسملة في الصلاة: وقوله فقل الحمد لله رب العالمين دلالة واضحة على ما ذكرناه من كون حديث البخاري دالاً على نفي البسملة في الصلاة رأسًا لا على نفي الجهر بها لأن قول الصحابي قل: الحمد لله رب العالمين مع نفيه للبسملة صريح في ذلك. وما روى عن أبي خزيمة وابن عبد البر والخطيب من تضعيف هذا الحديث بأن مداره على ابن عبد الله بن مغفَّل وهو مجهول، مردود بأنه رواه أبو نَعامة في مسند أحمد عن ابن عبد الله بن مغفَّل، ورواه الطبراني في معجمه عن عبد الله بن بُريدة عن ابن عبد الله بن مغفَّل. وأخرجه أيضًا عن أبي سفيان طريف بن شهاب عن يزيد بن عبد الله بن مغفَّل، فهؤلاء ثلاثة رووا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفَّل وسمّاه الأخير منهم، ورواية اثنين عن راو تزيل عنه الجهالة فضلًا عن ثلاثة. وأيضًا عبد الله بن مغفَّل له ثلاثة من البنين يزيد وزياد ومحمّد وكلّهم مروي عنه الحديث مشهور بالرواية لم يرو أحد منهم حديثًا منكرًا ليس له شاهد ولا متابع حتى يجرح بسببه، وإنما رووا ما رواه غيرهم من الثقات، فبان أن هذا التضعيف مردود. واحتجوا أيضًا باستمرار عمل أهل المدينة في محراب النبي ﷺ ومقاصد على تركها، كما دلّ عليه حديث أنس المتقدم وحديث عبد الله بن مغفَّل. ولا يظن عاقل أن أصحاب النبي ﷺ وأكابر التابعين وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان ﷺ يفعله إلى غير هذا من الأدلة. وقالت الشافعية إن حديث البخاري المراد به الافتتاح بالفاتحة فلا تعرض فيه لكون البسملة منها أولًا. وقد مرَّ ما فيه. وقالوا إن حديث مسلم المار لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم محمول على نفي سماعها فيحتمل إسرارهم بها وقد مرَّ ما فيه أيضًا. قالوا: ويؤيده رواية النسائي وابن حِبّان فلم يكونوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، فنفي القراءة محمول على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر. ويؤيده رواية ابن خزيمة كانوا يسرّون ببسم الله الرحمن الرحيم. قالوا: وقد قامت الأدلة والبراهين للشافعي على إثباتها، ومن ذلك حديث أم سَلَمة المروي في البيهقي وصحيح ابن خزيمة أن رسول الله ﷺ قرأ بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة وعدّها آية.

стр. 4131

وفي سنن البيهقي عن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم أن الفاتحة هي السبع المثاني وهي سبع، وأن البسملة هي السابعة. وعن أبي هريرة مرفوعًا: إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أمّ القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها، وقال الدارقطني: رجال إسناده كلُّهم ثقات. وأحاديث الجهر بها كثيرة عن جماعة من الصحابة نحو عشرين صحابيًا كأبي وعلي وابن عبّاس وأبي هريرة وأمّ سلمة. وقد تتبّع العيني جميع أحاديث الجهر بالطعن فراجعه إن شئت. واحتجت الحنفية على قراءتها سرًا بأحاديث منها ما رواه النَّسائي وأحمد وابن حِبّان والدارقُطني، وقالوا فيه: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وزاد ابن حبّان ويجْهرون بالحمد لله رب العالمين. وفي لفظ للنَّسائي وابن حِبّان أيضًا فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وفي لفظ أبي يَعلَى في مسنده: فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر فيه بالحمد لله رب العالمين. وفي لفظ للطبراني في معجمه وأبي نُعيم في الحلية وابن خُزيمة في مختصر المختصر: فكانوا يسرّون ببسم الله الرحمن الرحيم. قال العيني: ورجال هؤلاء الروايات كلّهم ثقات مخرج لهم في الصحيح. هذا ملخّص ما قيل فيها عند الأئمة. وإذا تأمّلت ما جلبه كل واحد علمتَ أنْ ليس لواحد منهم أدلة مثل أدلة المالكية، لكونها مذكورة في الصحيحين ولم يذكر واحد منهم حديثًا مستدلًا به في واحد من الصحيحين. رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي بكر وعمر وقد مرَّ الجميع: مرّ حفص بن عمر الحوضي في الشاك والثلاثين من الوضوء. ومرّ ذكر محل شعبة وما بعد في الذي قبله. ومرَّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين من الوضوء في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة. ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي اهـ. أخرجه مسلم والنَّسائي في الصلاة.

стр. 4132

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ. استُشكلَ إيراد حديث أبي هريرة في ترجمة الباب، إذ لا ذكر للقراءة فيه. وقال الزين بن المنير ضمن قوله ما يقرأُ ما يقول من الدعاء قولًا متّصلًا بالقراءة. أوْ لما كان الدعاء والقراءة يُقصد بهما التقربُ إلى الله تعالى، استغنى بذكر أحدهما عن الآخر، كما جاء: عَلَفّتُها تِبنًا وماءً باردًا: وقال ابن رشد: دعاء الافتتاح يتضمن مناجاة الربّ والإقبال عليه بالسؤال، وقراءة الفاتحة يتضمن هذا المعنى، فظهرت المناسبة بين الحديثين. وهذا غير مفيد؛ لأن المقصود وجود المناسبة بين الترجمة وحديث الباب لا وجودها بين الحديثين. قوله: كان رسول الله ﷺ يَسْكُت أي: بفتح أوّله من السكوت. وفي بعض الروايات بضم أوله من الإسكات، قال الجوهري: يقال تكلم الرجل ثم سكت، بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت أُسْكت. وقوله: إسكاتة، بكسر أوله بوزن إفعالة من السكوت، وهي من المصادر الشاذّة نحو أثبته إثباتة. قال الخطابي: معناه سكوت يقتضي بعده كلامًا مع قصر المدة فيه. وسياق الحديث يدلّ على أنه أراد السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو السكوت عن القراءة لا عن الذكر. وقوله: أحسبه، قال هنية: هذه رواية عبد الواحد بن زياد بالظن، ورواية جرير عند مسلم وغيره، وابن فضيل عند ابن ماجه وغيره، بلفظ: سكت هنية بغير تردد، وإنما اختار البخاري رواية عبد الواحد لوقوع التصريح بالتحديث فيها في جميع الإسناد. قيل: المراد أنه قال: هنية بدل إسكاتة، والظاهر أنه شك هل وصف الإسكاتة بكونها هنية أم لا، وهنية بالنون بلفظ التصغير وهو عند الأكثر بتشديد الياء. وذكر عياض والقرطبي أن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمز، وقال النووي: الهمز خطأ وأصله هنوة،

стр. 4133

فلمّا صغر صار هنيوة، فاجتمعت الواو والياء وسكن السابق منهما، فقلبت الواو ياء، وادغمت فيها الياء السابقة. وفي رواية الكشميهني هنيهة بهاء بعد الياء، وقوله بأبي وأمي، الباء متعلقة بمحذوف اسم أو فعل تقديره أنت مفدى بأبي أو أفديك، وحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب واستدل به على جواز التفدية مطلقا بدون كراهة. وقيل: أنه من خصائصة ﵊. وقيل: تجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون غيرهم. وقوله: إسكاتك هو بالرفع في رواية الأكثر على الابتداء، وقيل: بالنصب على أنه منصوب بفعل مقدر أي: أسألك إسكاتَك، أو على تزع الخافض. وفي رواية المستملي والسرخسي بفتح الهمزة وضم السين عدى الاستفهام، وفي رواية الحميدي: ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة. ولمسلم أرايت سكوتك؟ وكله مشعر بأن هناك قولًا لأنه قال ما تقول ولم يقل هل تقول؟ ولعلّه استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدلّ غيره على القراءة باضطراب اللحيةكما يأتي في حديث خبّاب بعد باب ونقل ابن بطّال عن الشافعي أن سبب هذه السكتة للإمام أن يقرأ المأموم فيها الفاتحة. وهذا النقل غير معروف عن الشافعي ولا عن أصحابه، إلاَّ أن الغزالي قال في الإحياء: إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإِمام بدعاء الافتتاح وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهة تقديم قراءة الفاتحة على الإِمام، وفي وجه أن فرغ منها قبله بطلت صلاته، والمعروف أن المأموم يقرؤها إذا سكت بين الفاتحة والسورة والسكتة التي بعد الفاتحة ثبت فيها حديث سمرة عند أبي داود ولفظه قال سمرة: حفظت سكتتين في الصلاة: سكتةٌ إذا كبّر الإِمام حين يقرأ، وسكتةٌ إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة، عند الركوع. فأنكر ذلك عليه عمران بن الحصين. فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبي، فصدق سمع. قال الخطابي، وهذه السكتة يعني الأخيرة ليقرأ من خلف الإِمام ولا ينازعه في القراءة، وهو مذهب الشافعي. قال العيني: وعند أصحابنا لا يقرأ المقتدي خلف الإمام فتحمل هذه السكتة عندنا على الفصل بين القراءة والركوع بالثاني وترك الاستعجال بالركوع بعد الفراغ من القراءة، ولكن حدّ هذه السكتة قدر ما يقع الفصل بين الركوع والقراءة، حتّى إذا طال جدًّا، فإن كان عمدًا يكره، وإن كان سهوًا يجب عليه سجدة السهو؛ لأن فيه تأخير الركن، وقد حمل البعض هذه السكتة على ترك رفع الصوت بالقراءة دون السكوت عن القراءة. وعند المالكية قراءة المقتدي في الجهرية مكروهة، وفي السرية مستحبّة، ولا تطلب عند سكتة ولا دعاء الاستفتاح على المشهور، بل الدعاء قبل القراءة وبعد الفاتحة مكروه على المشهور مستدلًا على عدم السكتة وعدم الافتتاح بحديث البخاري السابق: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر

стр. 4134

وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وبحديث المسيء صلاته أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. وقول النووي: إنما علمه فيه الفرائض مردود بما أخرجه الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين، وأبو داود عن رفاعة بن رافع، فقد علّمه فيه الفرائض والمندوبات، وذكر في الفتح روايات فيها ما ليس واجبًا كرواية محمد بن عمرو: فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى، ورواية إسحاق: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن جالسًا ثم افترش فخذك اليسرى ثم تشهّد. وفي رواية لأحمد: فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدُد ظهرك، فبما ذكر فيه من المندوبات يتجه الاستدلال به على عدم دعاء الافتتاح، واستدلوا أيضًا بأن هذه السكتة التي يقرأ فيها دعاء الافتتاح لو كانت فيما واظب عليه الشارع لنقلها أهل المدينة عيانًا وعملًا فيحتمل أنه ﵊ فعلها في وقت ثم تركها، فتركها واسع. وأجيب عن هذا بأن لفظ: إذا قام إلى الصلاة، ولفظ: كان إذا قام يصلّي تطوعًا، ولفظ: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله، ولفظ: كان يشعر بالمداومة، وردّ هذا بأنه إذا ثبتت المداومة يثبت الوجوب، ولم يقل به أحد، وتأتي زيادة على هذا قريبًا. وقوله: باعد، المراد بالمباعدة هو ما حصل منها، والعصمة عمّا سيأتي منها وهو مجاز؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية. وقال الكرماني: كرّر لفظ بين؛ لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض، ويردّ على هذا قوله السابق بين التكبير والقراءة. وقوله: نقّني: مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها، ولمّا كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به، وقوله بالماء والثلج والبرَد، قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد تأكيدًا أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، وقيل عبّر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ قال الطيبي: يمكن أن يكون المطلوب من الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: برّد الله مضجعه، أي: رحمه ووقاه، ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم. وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنّم لكونها مسببة عنها، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه. وقيل: خصّ هذه الثلاثة بالذكر لأنها منزلة من السماء.

стр. 4135

وقال الكرماني: يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل، واستدل بالحديث على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافًا للمشهور عن مالك، وورد فيه أيضًا حديث علي: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدني لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبّيك وسعديك، والخير كلّه بيديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك. أخرجه مسلم. وفيه ألفاظ قليلة متفاوتة، لكن قيّده بصلاة الليل وأخرجه الشافعي وابن خزيمة وغيرهما بلفظ: إذا صلّى المكتوية. واعتمده الشافعي في الأم. وفي الترمذي وصحيح ابن حبّان عن أبي سعيد الخدري: الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك. ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجّه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة وجماعة من الشافعية، وحديث أبي هريرة أصحّ ما ورد في ذلك. ومشهور مذهب الشافعية الافتتاح بحديث علي رضي الله تعالى عنه، وعند أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، والثوري، وإسحاق، والأوزاعي الافتتاح بسبحانك اللهم .. الخ. وقال أبو يوسف: يجمع بين التوجه والتسبيح، ويبدأ بأيّهما شاء، ومقابل المشهور عن مالك رواية ابن حبيب، أنّه يندب عنده الافتتاح، لكن بعد الإقامة وقبل الإِحرام، يقول: سبحانك اللهم إلى قوله ولا إله غيرك، وجّهت وجهي .. الآية، اللهم باعد بيني وبين خطاياي .. الخ الحديث. بجمع هذه الأذكار الثلاثة، واستدل بالحديث على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافاً للحنفية، ثم هذا الدعاء صدر منه ﵊ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية. وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بأنه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود ذلك في حديث عند البزار، وفيه ما كان عليه الصحابة من المحافظة على تتيع أحوال النبي ﷺ في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه، حتى حفظ الله بهم الدين. واستدل بعض الشافعية على أن الثلج والبرَد مطهّران، واستبعده ابن عبد السلام. قلت: وهذا هو مذهبنا معاشر المالكية، وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء المستعمل.
следующие страницы →