← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

وفي سنن البيهقي عن علي وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم أن الفاتحة هي السبع المثاني وهي سبع، وأن البسملة هي السابعة. وعن أبي هريرة مرفوعًا: إذا قرأتم الحمد لله فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أمّ القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها، وقال الدارقطني: رجال إسناده كلُّهم ثقات. وأحاديث الجهر بها كثيرة عن جماعة من الصحابة نحو عشرين صحابيًا كأبي وعلي وابن عبّاس وأبي هريرة وأمّ سلمة. وقد تتبّع العيني جميع أحاديث الجهر بالطعن فراجعه إن شئت. واحتجت الحنفية على قراءتها سرًا بأحاديث منها ما رواه النَّسائي وأحمد وابن حِبّان والدارقُطني، وقالوا فيه: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم، وزاد ابن حبّان ويجْهرون بالحمد لله رب العالمين. وفي لفظ للنَّسائي وابن حِبّان أيضًا فلم أسمع أحدًا منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وفي لفظ أبي يَعلَى في مسنده: فكانوا يفتتحون القراءة فيما يجهر فيه بالحمد لله رب العالمين. وفي لفظ للطبراني في معجمه وأبي نُعيم في الحلية وابن خُزيمة في مختصر المختصر: فكانوا يسرّون ببسم الله الرحمن الرحيم. قال العيني: ورجال هؤلاء الروايات كلّهم ثقات مخرج لهم في الصحيح. هذا ملخّص ما قيل فيها عند الأئمة. وإذا تأمّلت ما جلبه كل واحد علمتَ أنْ ليس لواحد منهم أدلة مثل أدلة المالكية، لكونها مذكورة في الصحيحين ولم يذكر واحد منهم حديثًا مستدلًا به في واحد من الصحيحين. رجاله أربعة: وفيه ذكر أبي بكر وعمر وقد مرَّ الجميع: مرّ حفص بن عمر الحوضي في الشاك والثلاثين من الوضوء. ومرّ ذكر محل شعبة وما بعد في الذي قبله. ومرَّ أبو بكر بعد الحادي والسبعين من الوضوء في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة. ومرَّ عمر في الأول من بدء الوحي اهـ. أخرجه مسلم والنَّسائي في الصلاة.

стр. 4132

الحديث الثالث عشر حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً، قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ. استُشكلَ إيراد حديث أبي هريرة في ترجمة الباب، إذ لا ذكر للقراءة فيه. وقال الزين بن المنير ضمن قوله ما يقرأُ ما يقول من الدعاء قولًا متّصلًا بالقراءة. أوْ لما كان الدعاء والقراءة يُقصد بهما التقربُ إلى الله تعالى، استغنى بذكر أحدهما عن الآخر، كما جاء: عَلَفّتُها تِبنًا وماءً باردًا: وقال ابن رشد: دعاء الافتتاح يتضمن مناجاة الربّ والإقبال عليه بالسؤال، وقراءة الفاتحة يتضمن هذا المعنى، فظهرت المناسبة بين الحديثين. وهذا غير مفيد؛ لأن المقصود وجود المناسبة بين الترجمة وحديث الباب لا وجودها بين الحديثين. قوله: كان رسول الله ﷺ يَسْكُت أي: بفتح أوّله من السكوت. وفي بعض الروايات بضم أوله من الإسكات، قال الجوهري: يقال تكلم الرجل ثم سكت، بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت أُسْكت. وقوله: إسكاتة، بكسر أوله بوزن إفعالة من السكوت، وهي من المصادر الشاذّة نحو أثبته إثباتة. قال الخطابي: معناه سكوت يقتضي بعده كلامًا مع قصر المدة فيه. وسياق الحديث يدلّ على أنه أراد السكوت عن الجهر لا عن مطلق القول، أو السكوت عن القراءة لا عن الذكر. وقوله: أحسبه، قال هنية: هذه رواية عبد الواحد بن زياد بالظن، ورواية جرير عند مسلم وغيره، وابن فضيل عند ابن ماجه وغيره، بلفظ: سكت هنية بغير تردد، وإنما اختار البخاري رواية عبد الواحد لوقوع التصريح بالتحديث فيها في جميع الإسناد. قيل: المراد أنه قال: هنية بدل إسكاتة، والظاهر أنه شك هل وصف الإسكاتة بكونها هنية أم لا، وهنية بالنون بلفظ التصغير وهو عند الأكثر بتشديد الياء. وذكر عياض والقرطبي أن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمز، وقال النووي: الهمز خطأ وأصله هنوة،

стр. 4133

فلمّا صغر صار هنيوة، فاجتمعت الواو والياء وسكن السابق منهما، فقلبت الواو ياء، وادغمت فيها الياء السابقة. وفي رواية الكشميهني هنيهة بهاء بعد الياء، وقوله بأبي وأمي، الباء متعلقة بمحذوف اسم أو فعل تقديره أنت مفدى بأبي أو أفديك، وحذف تخفيفًا لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب واستدل به على جواز التفدية مطلقا بدون كراهة. وقيل: أنه من خصائصة ﵊. وقيل: تجوز تفدية العلماء الصالحين الأخيار دون غيرهم. وقوله: إسكاتك هو بالرفع في رواية الأكثر على الابتداء، وقيل: بالنصب على أنه منصوب بفعل مقدر أي: أسألك إسكاتَك، أو على تزع الخافض. وفي رواية المستملي والسرخسي بفتح الهمزة وضم السين عدى الاستفهام، وفي رواية الحميدي: ما تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة. ولمسلم أرايت سكوتك؟ وكله مشعر بأن هناك قولًا لأنه قال ما تقول ولم يقل هل تقول؟ ولعلّه استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدلّ غيره على القراءة باضطراب اللحيةكما يأتي في حديث خبّاب بعد باب ونقل ابن بطّال عن الشافعي أن سبب هذه السكتة للإمام أن يقرأ المأموم فيها الفاتحة. وهذا النقل غير معروف عن الشافعي ولا عن أصحابه، إلاَّ أن الغزالي قال في الإحياء: إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإِمام بدعاء الافتتاح وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهة تقديم قراءة الفاتحة على الإِمام، وفي وجه أن فرغ منها قبله بطلت صلاته، والمعروف أن المأموم يقرؤها إذا سكت بين الفاتحة والسورة والسكتة التي بعد الفاتحة ثبت فيها حديث سمرة عند أبي داود ولفظه قال سمرة: حفظت سكتتين في الصلاة: سكتةٌ إذا كبّر الإِمام حين يقرأ، وسكتةٌ إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة، عند الركوع. فأنكر ذلك عليه عمران بن الحصين. فكتبوا في ذلك إلى المدينة إلى أبي، فصدق سمع. قال الخطابي، وهذه السكتة يعني الأخيرة ليقرأ من خلف الإِمام ولا ينازعه في القراءة، وهو مذهب الشافعي. قال العيني: وعند أصحابنا لا يقرأ المقتدي خلف الإمام فتحمل هذه السكتة عندنا على الفصل بين القراءة والركوع بالثاني وترك الاستعجال بالركوع بعد الفراغ من القراءة، ولكن حدّ هذه السكتة قدر ما يقع الفصل بين الركوع والقراءة، حتّى إذا طال جدًّا، فإن كان عمدًا يكره، وإن كان سهوًا يجب عليه سجدة السهو؛ لأن فيه تأخير الركن، وقد حمل البعض هذه السكتة على ترك رفع الصوت بالقراءة دون السكوت عن القراءة. وعند المالكية قراءة المقتدي في الجهرية مكروهة، وفي السرية مستحبّة، ولا تطلب عند سكتة ولا دعاء الاستفتاح على المشهور، بل الدعاء قبل القراءة وبعد الفاتحة مكروه على المشهور مستدلًا على عدم السكتة وعدم الافتتاح بحديث البخاري السابق: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر

стр. 4134

وعمر يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وبحديث المسيء صلاته أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. وقول النووي: إنما علمه فيه الفرائض مردود بما أخرجه الحاكم في المستدرك على شرط الشيخين، وأبو داود عن رفاعة بن رافع، فقد علّمه فيه الفرائض والمندوبات، وذكر في الفتح روايات فيها ما ليس واجبًا كرواية محمد بن عمرو: فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى، ورواية إسحاق: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن جالسًا ثم افترش فخذك اليسرى ثم تشهّد. وفي رواية لأحمد: فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدُد ظهرك، فبما ذكر فيه من المندوبات يتجه الاستدلال به على عدم دعاء الافتتاح، واستدلوا أيضًا بأن هذه السكتة التي يقرأ فيها دعاء الافتتاح لو كانت فيما واظب عليه الشارع لنقلها أهل المدينة عيانًا وعملًا فيحتمل أنه ﵊ فعلها في وقت ثم تركها، فتركها واسع. وأجيب عن هذا بأن لفظ: إذا قام إلى الصلاة، ولفظ: كان إذا قام يصلّي تطوعًا، ولفظ: كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله، ولفظ: كان يشعر بالمداومة، وردّ هذا بأنه إذا ثبتت المداومة يثبت الوجوب، ولم يقل به أحد، وتأتي زيادة على هذا قريبًا. وقوله: باعد، المراد بالمباعدة هو ما حصل منها، والعصمة عمّا سيأتي منها وهو مجاز؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية. وقال الكرماني: كرّر لفظ بين؛ لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض، ويردّ على هذا قوله السابق بين التكبير والقراءة. وقوله: نقّني: مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها، ولمّا كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به، وقوله بالماء والثلج والبرَد، قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد تأكيدًا أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، وقيل عبّر بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ قال الطيبي: يمكن أن يكون المطلوب من الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: برّد الله مضجعه، أي: رحمه ووقاه، ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم. وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنّم لكونها مسببة عنها، فعبّر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيًا عن الماء إلى أبرد منه. وقيل: خصّ هذه الثلاثة بالذكر لأنها منزلة من السماء.

стр. 4135

وقال الكرماني: يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل، والتنقية للحال، والغسل للماضي. وكان تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل، واستدل بالحديث على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة خلافًا للمشهور عن مالك، وورد فيه أيضًا حديث علي: وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدني لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبّيك وسعديك، والخير كلّه بيديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك. أخرجه مسلم. وفيه ألفاظ قليلة متفاوتة، لكن قيّده بصلاة الليل وأخرجه الشافعي وابن خزيمة وغيرهما بلفظ: إذا صلّى المكتوية. واعتمده الشافعي في الأم. وفي الترمذي وصحيح ابن حبّان عن أبي سعيد الخدري: الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدّك، ولا إله غيرك. ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجّه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة وجماعة من الشافعية، وحديث أبي هريرة أصحّ ما ورد في ذلك. ومشهور مذهب الشافعية الافتتاح بحديث علي رضي الله تعالى عنه، وعند أبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، والثوري، وإسحاق، والأوزاعي الافتتاح بسبحانك اللهم .. الخ. وقال أبو يوسف: يجمع بين التوجه والتسبيح، ويبدأ بأيّهما شاء، ومقابل المشهور عن مالك رواية ابن حبيب، أنّه يندب عنده الافتتاح، لكن بعد الإقامة وقبل الإِحرام، يقول: سبحانك اللهم إلى قوله ولا إله غيرك، وجّهت وجهي .. الآية، اللهم باعد بيني وبين خطاياي .. الخ الحديث. بجمع هذه الأذكار الثلاثة، واستدل بالحديث على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافاً للحنفية، ثم هذا الدعاء صدر منه ﵊ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية. وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بأنه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود ذلك في حديث عند البزار، وفيه ما كان عليه الصحابة من المحافظة على تتيع أحوال النبي ﷺ في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه، حتى حفظ الله بهم الدين. واستدل بعض الشافعية على أن الثلج والبرَد مطهّران، واستبعده ابن عبد السلام. قلت: وهذا هو مذهبنا معاشر المالكية، وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء المستعمل.

стр. 4136

رجاله خمسة: قد مرّوا، مرَّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عبد الواحد، وعمارة، وأبو زرعة في التاسع والعشرين من الإيمان، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه. فيه التحديث بصيغة الجمع في جميع الإسناد، وهو نادر، وفيه القول. والاثنان الأولان من الرواةِ بصريان، والأخران كوفيّان. أخرجه مسلم في الصلاة، وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه في الصلاة كلهم. ثم قال المصنّف: باب كذا في رواية الأصيلي وكريمة بلا ترجمة، وفي رواية أبوي ذر والوقت ساقط، وكذا لم يذكره أبو نعيم، وعلى هذا فمناسبة الحديث للترجمة غير ظاهرة، وعلى تقدير ثبوت باب فهو كالفصل من الباب الذي قبله كما قرّرنا غير مرّة، فله به تعلّق أيضًا. قال الكرماني: وجه المناسبة أن دعاء الافتتاح مستلزم لتطويل القيام، وحديث الكسوف فيه تطويل القيام، فتناسبا، وأحسن منه ما قاله ابن رشيد: يحتمل أن تكون المناسبة في قوله حتى قلت أي رب أو أنا معهم أنه وإن لم يكن فيه دعاء ففيه مناجاة واستعطاف، فيجمعه مع الذي قبله جواز دعاء الله ومناجاته بكل ما فيه خضوع، ولا يختص بما ورد في القرآن خلافًا لبعض الحنفية. وقال العيني: المناسبة في قوله: فقام فأطال القيام؛ لأن إطالة النبي ﷺ بحسب الظاهر كانت مشتملة على قراءة الدعاء والقرآن، وقد علم أن الدعاء عقيب الافتتاح قبل الشروع في القرآن، فصدق عليه باب: ما يقول بعد التكبير. قال: وهي مطابقة ظاهرة جدًا.

стр. 4137

الحديث الرابع عشر حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ حدّثنا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلاَةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: قَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لاَ أَطْعَمَتْهَا، وَلاَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ. قَالَ نَافِعٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ خَشِيشِ أَوْ خُشَاشِ الأَرْضِ. قوله: صلّى صلاة الكسوف: اختلف العلماء في الكسوف والخسوف هل هما مترادفان أم لا؟ قال البخاري في أبواب الكسوف: باب هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟ قال الزين بن المنير: أتي بلفظ الاستفهام اشعارًا منه بأنه لم يترجح عنده في ذلك شيء ولعلّه أشار به إلى ما رواه سعيد بن منصور عن عروة: لا تقولوا كسفت الشمس، ولكن قولوا خسفت، هو صحيح موقوف. وأخرجه مسلم عن يحيى. لكن الأحاديث الصحيحة تخالفه لثبوتها بلفظ الكسوف في الشمس من طرق كثيرة، والمشهور في استعمال الفقهاء أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر. وقال ثعلب: إنه أفصح، وقيل: إنه يتعين ذلك، وحكى عياض عن بعضهم عكسهُ وغلطه لثبوته بالخاء في القمر في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت الأحاديث. ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف؛ لأن الكسوف: التغير إلى سواد، والخسوف: النقصان أو الزوال، فإذا قيل في الشمس كسفت أو خسفت لأنها تتغير، ويلحقها النقص ساغ، وكذلك القمر، ولا يلزم من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، والمراد به في كل منهما ذهاب ضوئه كله أو بعضه. وقيل: بالكاف في الابتداء، وبالخاء

стр. 4138

في الانتهاء. وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء لبعضه. وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون، وبالكاف لتغيره. ومشروعيتها أمرٌ متفق عليه، لكن اختلف في الحكم وفي الصفة. فالجمهور على أنها سنة مؤكدة، وصرّح أبو عوانة في صحيحه بوجوبها، وحكى عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، وأوجبها بعض الحنفية. قالوا للأمر بها في حديث: فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وقد دلّ عليها الكتاب في قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ والكسوف آية من آيات الله يخوّف الله به عباده، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى قريبًا. وأمّا صفتها فهي عند الجمهور على ما هو مصرّح به في حديث الباب من زيادة قيامين وركوعين، وقد وافقت عائشة أسماء فيما يأتي في أبواب الكسوف، وكذلك عبد الله بن عباس وابن عمر فيما اتفقا عليه، وكذلك جابر عند مسلم، وعلي عند أحمد، وأبو هريرة عند النَّسائي، وابن عمر عند البزّار، وأم سفيان عند الطبراني. ففي رواياتهم زيادة رواها الحفّاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا. وقالت الحنفية إنها كهيئة النافلة بغير أذان ولا إقامة مثل: صلاة الفجر والجمعة في كل ركعة ركوع واحد. وبه قال النخعي والثوري وابن أبي ليلى وغيرهم. واحتجّوا بما أخرجه أبو داود والنَّسائي والترمذي في الشمائل عن عبد الله بن عمر. وقال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام رسول الله ﷺ لم يكد يركع، ثم ركع، فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع فلم يكد يسجد، ثم سجد فلم يكد يرفع، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. وبما أخرجه النسائي وأحمد والحاكم، وقال على شرطهما عن النعمان بن بشير قال: إن النبي ﷺ قال: إذا خسفت الشمس والقمر فصلّوا كأحدث صلاة صلّيتموها من المكتوبة. ورواه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه بلفظ: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فجعل يصلّي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت، لكن قال البيهقي أنه مرسل لأنه عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير وأبو قلابة لم يسمع من النعمان وصرّح في الكمال بأنه سمع منه. وقال ابن حزم: أبو قلابة أدرك النعمان، وروى هذا الخبر عنه، وصرّح ابن عبد البر بصحّة هذا الحديث، وقال: من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبي قلابة عن النعمان، وتأوّله بعضهم بأن قوله في ركعتين أي: ركوعين، وقد وقع التعبير عن الركوع بالركعة في حديث الحسن: خسف القمر وابن عبّاس بالبصرة، فصلّى ركعتين: في كل ركعة ركوعان. أخرجه الشافعي. وتحتمل أن يكون السؤال وقع بالإشارة فلا يلزم التكرار، وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة أنه ﷺ كلّما ركع ركعة أرسل رجلًا ينظر هل انجلت، فتعين الاحتمال المذكور، وإن ثبت تعدد القصة زال الأشكال أصلًا، واستدلّوا أيضًا بما أخرجه البخاري عن أبي بكرة قال:

стр. 4139

خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فخرج يجر رداءه حتى انتهى إلى المسجد، وثاب الناس فصلّى ركعتين، فانجلت الشمس. وأجيب عن هذا: بأن النَّسائي زاد فيه كما تصلّون، فحمله ابن حبّان والبيهقي على أن المعنى كما تصلّون في الكسوف؛ لأن أبا بكرة خاطب بذلك أهل البصرة، وقد كان ابن عبّاس علّمهم أنها ركعتان: في كل ركعة ركوعان، كما روى ذلك الشافعي وابن شيبة وغيرهما، ويؤيد هذا أن في رواية يونس الآتية في الكسوف أن ذلك وقع يوم موت إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وقد ثبت في حديث جابر عند مسلم مثله، وقال فيه أن في كل ركعة ركوعين، فدل ذلك على اتحاد القصة، وظهر أن رواية أبي بكرة مطلقة. وفي رواية جابر زيادة بيان صفة الركوع والأخذ بها، وعند ابن خزيمة عن عائشة أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ﵇، وفي حديثها كما مرَّ أن في كل ركعة ركوعين. وقد قال الطحاوي أن قول أصحابه أجري على القياس في صلاة النافلة. واعترض هذا بأن القياس مع وجود النص يضمحل، وبأن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعًا؛ لأنها أصل برأسها، وبأنها أيضًا أشبه بصلاة العيد ونحوها مما يجمع فيه من النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة. فلذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنصّ والقياس، بخلاف من لم يعمل به. وقد وردت الزيادة في ذلك من طرق أخرى. فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وبه قال قتادة وعطاء وإسحاق وابن المنذر، وعند مسلم من وجه آخر عن ابن عبّاس أنّ في كل ركعة أربع ركوعات، وبه قال طاووس، وحبيب بن أبي ثابت، وابن جريج، ولأبي داود عن أبيّ بن كعب والبزار عن علي أن في كل ركعة خمس ركوعات، ولا يخلو إسناد منها. ونقل صاحب الهدى عن الشافعي وأحمد والبخاري أنهم كانوا يعدّون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن ردّ بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ﵇. وإذا اتّحدت القصة تعين الأخذ بالراجح، وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن الكسوف وقع مرارًا، فيكون كل من هذه الأوجه جائزًا. وإلى هذا نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات.

стр. 4140

وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك، وهو من الاختلاف المباح، وقوّاه النووي في شرح مسلم، وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه. فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة. وحين أبطأ زاد ركوعًا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثًا وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك وتعقبه النووي وغيره بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى. وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه منوي من أول الحال، وأجيب باحتمال أن يكون الاعتماد على الركعة الأولى، وأمّا الثانية فهي تبع لها. فمهما اتفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء، يقع مثله في الثانية ليساوي بينهما. ومن ثم قال أصبغ من المالكية: إذا وقع الانجلاء في أثنائها يصلّي الثانية كالعادة، وعلى هذا يدخل المصلّي فيها على نية مطلق الصلاة، ويزيد في الركوع بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك، والقول الثاني عند المالكية أنه يتمّها على هيئتها. وأجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس هل انجلت أم لا؟ فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه ففعل ذلك مرّة أو مرتين أو مرارًا، فظن بعض من رآه يفعل ذلك ركوعاً زائدًا وتعقّب بالأحاديث الصحيحة الصريحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل، ولاسيّما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال ثم شرع في القراءة، فكل ذلك يرد هذا العمل ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراجٌ لفعل الرسول عن العبادة المشروعة أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة لا عهد لها، وهذا هو ما فسرّ منه. وقد اختلف في الجهر فيها والإصرار أيهما أفضل؟ فقد وردت طرق كثيرة يعضد بعضها بعضًا، يفيد مجموعها الجزم بالجهر، وورد الجهر عن علي مرفوعاً وموقوفًا. أخرجه ابن خزيمة وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن العربي من المالكية. وقال الطبري: يخيّر بين الجهر والإسرار. وقال الأئمة الثلاثة: يسرّ في الشمس ويجهر في القمر، واحتجوا بقول ابن عبّاس عند البخاري: قرأ نحوًا من سورة البقرة لأنه لو جهر لم يحتج إلى الحزر، وتعقْب بأنه يحتمل أن يكون بعيدًا منه. لكن ذكر الشافعي تعليقًا عن ابن عبّاس أنه صلّى بجنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع حرفًا منه، ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية، وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد فيكون فعل ذلك ليان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة، والترمذي لم يسمع له صوتًا أنه إن ثبت لا يدل على نفي الجهر. قال ابن العربي: الجهر عندي أولى لأنها صلاة جامعة ينادى لها وتخطب، فأشبهت العيد والاستسقاء.

стр. 4141

والمحل الذي تصلّى فيه: قالت الحنفية: تصلّى في المسجد الجامع، أو في مصلّى. وقالت المالكية والشافعية والحنابلة: السنّة في المسجد لأن النبي ﷺ فعلها فيه، ولأن وقت الكسوف يضيق عن الخروج إلى المصلّى. وقوله: فأطال القيام. وفي رواية ابن شهاب في حديث عائشة الآتي في الكسوف فقرأ قراءة طويلة، وفي آخر الصلاة عنه من وجه آخر فقرأ سورة طويلة. وفي حديث ابن عبّاس في الكسوف: فقرأ نحواً من سورة البقرة في الركعة الأولى، ونحوه لأبي داود عن عروة، وزاد فيه أنه قرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحوًا من آل عمران. وقوله: ثم قام فأطال القيام في رواية ابن شهاب. ثم قال سمع الله لمن حمده وزاد من وجه آخر عنه في آخر الكسوف ربنا ولك الحمد، واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة، واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه. وأجيب بما مرَّ في الرد على الحنفية من أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها .. الخ، وقوله فأطال الركوع قال في الفتح: لم أر في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة، وإنما فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما، ولم يقع في هذه الرواية ذكر تطويل الاعتدال الذي يقع السجود بعده، ولا تطويل الجلوس بين السجدتين. وقد جاء في حديث جابر عن مسلم تطويل الاعتدال الذي يليه السجود ولفظه: ثم ركع فأطال، ثم سجد. وقال النووي: هي رواية شاذّة مخالفة، فلا يعمل بها، أو المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع، وتعقب بما رواه النَّسائي واين خزيمة وغيرهما عن عبد الله بن عمر، وأيضًا ففيه ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع ثم ريع فأطال حتّى قيل لا يسجد، ثم سجد فأطال حتّى قيل لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد، واللفظ لابن خزيمة عن الثوري عن عطاء بن السائب، والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح. قال في الفتح: لم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلا في هذا، وقد نقل الغزالي الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الرواية. قلت: الرواية إذا لم يثبت أخْذُ أحد من العلماء بها لا تكون ردًا عليه لأن الاتفاق اتفاق العلماء لا اتفاق روايات الحديث. ولم أر من أخذ بها، بل حكت المالكية الإجماع على ترك إطالته أيضًا. وقوله: فأطال السجود، كل الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطول كما يطول القيام والركوع، وأبدى بعض المالكية فيه بحثًا فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حد

стр. 4142

الإطالة في الركوع، وكأنه غفل عمّا رواه مسلم عن جابر بلفظ: وسجوده نحو من ركوعه، وهذا مذهب مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي. وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه واختاره ابن سريج ثم النووي. وتعقّبه صاحب المهذب بأنه لم ينقل في خبر ولم يقل به الشافعي، وردّ عليه في الأمرين معًا، فإن الشافعي نصّ عليه في البويطي ولفظه: ثم يسجد سجدتين طويلتين يقيم في كل سجدة نحوًا مما قام في ركوعه. وقد مرّ في حديث جابر قريبًا، وقوله ثم انصرف أي: من الصلاة. وفي رواية عائشة الآتية في الكسوف: ثم انصرف وقد تجلّت الشمس، فخطب النّاس، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله وكبّروا وصلّوا وتصدّقوا. وفي رواية أبي مسعود الآتية فيه: فإذا رايتموها فقدموا فصلّوا. وفي رواية أبي بكرة فيه: ولكن الله يخوّف بهما عباده. وها أنا أتكلم على الزيادات حصرًا للكلام في محل واحد. قوله: وقد تجلّت الشمس في رواية ابن شهاب: انجلت الشمس، قبل أن ينصرف. وللنسائي ثم تشهّد وسلّم. وقوله: فخطب الناس فيه مشروعية الخطبة لكسوف، والعجب أن مالكًا روى هذا الحديث عن هشام وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه. وقد اختلف فيها فاستحبّها الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث، وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة. والمشهور عن المالكية أن لا خطبة لها مع أن مالكًا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة. وأجاب بعضهم بأنه ﵊ لم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنّما أراد أن يبيّن لهم الردّ على من زعم أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقّب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث. فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف. والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل. واستضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور. وقال إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين بعد الإتيان بما هو المطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة. وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره هو من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسّي بالنبيّ ﵊. فيذكر ذلك الإِمام في خطبة الكسوف. نعم نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبة الجمعة والعيدين، إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك. وإلى ذلك نحا ابن المنير في حاشيته، وردّ على من أنكر أصل الخطبة

стр. 4143

لثبوت ذلك صريحًا في الأحاديث. وذكر أن بعض أصحابهم احتج على ترك الخطبة بأنه لم ينقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيفه بأن المنبر ليس شرطًا، ثم لا يلزم من أنه لم يذكر أنه لم يقع. قلت: الجواب الحق عن مالك في تركه الخطبة بعد صلاة الكسوف وجعله بدل الخطبة وعظًا غير منظّم على هيئة الخطبة مع روايته لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المصرّح فيه بلفظ الخطبة هو: أنه لما رأى جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم علي والنعمان بن بشير وابن عبّاس وأبو هريرة وغيرهم نقلوا صفة صلاة الكسوف ولم يذكر أحد منهم أنه ﵊ خطب فيها، ولا يجوز أن يكون خطب وأغفل هؤلاء كلّهم ذلك مع نقل كل واحد منهم ما تعلق بتلك الحال، مع أنه لم ينقل عن عائشة ولا غيرها صفة لها كخطبة الجمعة والعيدين كما مرّ، فوجب حمل تسمية عائشة رضي الله تعالى عنها لها خطبة أو غيرها ممن نقل عنه ذلك على المجاز لكونه أتى بكلام منظوم فيه حمد الله والصلاة على رسول الله ﷺ على طريق الخطبة، فلذلك سمّتها خطبة. ولعلّ مالكًا أدرك عمل المدنية على ما ذكر من الوعظ، فحمل الخطبة المذكورة في الحديث الذي روي على ذلك، وعمل أهل المدنية عنده كما مرَّ كالمتواتر. واستدل بقوله: فخطب بعد قوله. وقد تجلّت من قال بالخطبة على أن الانجلاء لا يسقط الخطبة بخلاف انجلت قبل أن يشرع في الصلاة، فإنه يسقط الصلاة والخطبة. وقد مرّ حكم ما إذا انجلت في أثنائها عند المالكية. وظاهر كلام صاحب الفتح أنه يتمّها عندهم على الهيئة المذكورة. وقوله: آيتان من آيات الله أي: علامتان من آيات الله الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ وقد قال في الرواية المتقدمة: يخوّفُ الله بهما عباده. وفي قوله يخوّف الله بهما عباده ردٌ على من زعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف ويصير بمنزلة الجزر والمدّ في البحر. وقد ردّ ذلك عليهم ابن العربي وغيره من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الآتي في الكسوف حيث قال: فقام فزعًا يخشى أن تكون الساعة. قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى، فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعة يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر ذلك الكسوف. وممّا نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة، وإنما يجول القمر بينهما وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. فقال: هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله أم كيف يظلم الكثير بالقليل ولا

стр. 4144

سيّما وهو من جنسه، وكيف تحجب الأرض نور الشمس وهي في زاوية منها لأنهم يزعمون أن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفًا. وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره سبب آخر للكسوف غير ما يزعمه أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنَّسائي وابن ماجه وصحّحه ابن خزيمة والحاكم بلفظ أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله وأن الله إذا تجلّى لشيء من خلقه خشع له، وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة وقال: إنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلًا من أصول الشريعة. قال ابن بزيزة: هذا عجيب منه، كيف يسلّم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة مع أنّها مبنية على أن العالم كرويّ الشكل، وظاهر الشرع يعطي خلاف ذلك، والثابت من قواعد الشريعة أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء. والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتراب. والحديث الذي ردّه الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضًا لأن النورية والاضاءة من عالم الجمال الحسّي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ ويؤيد هذا الحديث ما روي عن طاووس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت فبكى، حتّى كاد أن يموت. وقال: هي أخوف لله منّا. وقال ابن دقيق العيد: ربّما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ وليس بشيء، لأن لله أفعالًا على حسب العادة، وأفعالًا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض. وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن تكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها، وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقًا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى (١). وقوله: لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته قد جاء في رواية عبد الوارث الآتية في الكسوف بيان سبب هذا القول ولفظه: أن ابنًا للنبي ﷺ يقال له إبراهيم مات، فقال الناس في ذلك. وفي رواية مبارك بن فضالة عند ابن حبّان، فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم. ولأحمد والنَّسائي وابن ماجه وصحّحه ابن خزيمة وابن حبّان عن النعمان بن بشير قال: انكسفت

стр. 4145

الشمس على عهد رسول ﷺ فخرج فزعًا يجر ثوبه حتّى أتى المسجد، فلم يزل يصلّي حتى انجلت، فلمّا انجلت قال: إن الناس يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك. الحديث. واستشكل قوله: ولا لحياته بأن السياق إنما ورد في حقّ من ظنّ ذلك لموت إبراهيم ولم يذكروا الحياة. والجواب أن فائدة ذكر الحياة دفع توهّم من يقول لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد، فعمّم الشارع النفي لدفع هذا التوهم. وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض. وهو كقوله الآتي في الاستسقاء. يقولون مطرنا بنوء كذا. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغيّر في الأرض من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخّران لله ليس لهما سلطان في غيرهما ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما. وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من الشفقة على أمّته وشدة الخوف من ربّه. وقوله: فقوموا فصلّوا استدل به على أنه لا وقت لصلاة الكسوف معين؛ لأن الصلاة علّقت برؤيته، وهي ممكنة في كل وقت من النهار، وبهذا قال الشافعي ومن تبعه، ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أنها لا تصلّى في أوقات الكراهة، وابتداؤها عندهم من حل النفل وآخرها عند مالك الزوال. وإذا طلعت مكسوفة لا يصلّى حتى يدخل وقت الجواز. واحتجت الشافعية بأن المقصود لإيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء. وقد اتفقوا على أنها لا تقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله فيفوت المقصود. واعترفوا بأنه ﵊ لم يصلّها إلاَّ ضحى ولكن قالوا: إن ذلك وقع اتفاقًا ولا يدل على منع ما عداه، واحتج الباقون بما رواه ابن عبد البر في الاستنكار عن الليث بن سعد قال: حججت سنة ثلاث عشرة ومائة، وعلى الموسم سليمان بن هشام، وبمكة شرّفها الله تعالى عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب، وابن أبي مليكة، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن شعيب، وأيوب بن موسى، وكسفت الشمس بعد فقاموا قيامًا يدعون الله في المسجد فقلت لأيوب: مالهم لا يصلّون؟! فقال: النهي قد جاء عن الصلاة بعد العصر، فلذلك لا يصلّون، إنّما يذكرون حتى تنجلي الشمس. وقال إسحاق: يصلّون بعد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وبعد صلاة الصبح، ولا يصلّون في الأوقات الثلاثة، فلو كسفت عند الغروب لم يصلّ إجماعًا. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم من المبادرة بالصلاة. وسائر ما ذكر عند الكسوف من صدقة وذكر وعتق وفيه تقديم الإِمام في الموقف وتعديل الصفوف والتكبير بعد الوقوف في موضع الصلاة والرد على من زعم أن للكواكب

стр. 4146

تاثيرًا في الأرض لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر. فكيف بما دونهما؟ وفيه بيان ما يخشى اعتقاده على غير الصواب واهتمام الصحابة بنقل أفعال النبي ﷺ ليقتدى به فيها. ومن حكمة وقوع الكسوف تبيين أنموذج ما سيقع في القيمة وصورة عقاب من لم يذنب والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرَّجاء لوقوع الكسوف بالكوكب. ثم كشف ذلك عنه ليكون المؤمن من ربّه على رجاء وخوف. وفي الكسوف إشارة إلى تقبيح رأي من يعبد الشمس أو القمر. وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ على صلاة الكسوف لأنه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما لما يظهر فيهما من التغير والنقص المنزّه عنه المعبود جلّ وعلا. وقوله: دنت منيّ الجنة .. الخ، مرّ الكلام عليه مستوفى في باب كفران العشير من كتاب الإيمان. وقوله: أنا أوَ أنا معهم؟ كذا للأكثر بهمزة الاستفهام بعدها واو عاطفة على مقدر. وفي رواية كريمة بحذف الهمزة وهي مقدرة. وقوله: فإذا امرأة. وفي رواية ابن عمر عند المصنّف في آخر بدء الخلق: دخلت امرأة النار في هرّة، والمرأة لم تسمّ، وفي رواية أنّها حميْرية. وفي أخرى أنّها من بني إسرائيل وكذا عند مسلم، ولا تضاد بينهما لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى. وفي كتاب البعث للبيهقي ما يدلّ على ذلك. وأبداه عيّاض احتمالًا. وأغرب النووي فأنكره. وقوله: حسبت أنه قال: تخدشها هرّة. قائل ذلك هو نافع بن عمر راوي الحديث بينه الإسماعيلي، فالضمير في أنّه لابن أبي مليكة وتخدشها من الخدش، وهو خدش الجلد وقشره بعود ونحوه، وهو من باب ضرب. وقوله في الرواية السابقة في هرّة أي: بسبب هرّة، فالفاء سببيّة. وفي رواية أبى هريرة عند مسلم من جَرّا هرّة وهو بمعناه، وجَرّا بفتح الجيم وتشديد الراء مقصور ويجوز فيه المدّ. والهرّة أنثى السنّور، والهرّ الذكر، ويجمع الهرّ على هررة، كقرد وقردة، وتجمع الهرّة على هرر، كقربة وقرب. وفي حديث جابر الآتي في الكسوف: وعرضت عليّ النار، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذّب في هرّة لها. وقوله: لا هي أطعمتها: سقط لفظ هي من رواية الكشميهني والحموي. وقوله: تأكل من خشيش أو خشاش كذا في هذه الرواية على الشك. وكل من اللفظين بمعجمات مفتوح الأول. وأنكر الخطابي رواية خشيش وضبطها بعضهم بضم أوّله على التصغير من

стр. 4147

لفظ خشاش. فعلى هذا لا إنكار، وفي الخشاش الضم والكسر فهو مثلّث والمراد به هوامّ الأرض وحشراتها من فأرة ونحوها. وحكى النووي أنه روي بالحاء المهملة، والمراد: نبات الأرض. قال: وهو ضعيف أو غلط. وظاهر هذا الحديث أن المرأة عذّبت بسبب قتل هذه الهرّة بالحبس. قال عياض: يحتمل أن تكون المرأة كافرة، فعذّبت بالنار حقيقة، أو بالحساب؛ لأن من نوقش الحساب عذّب. قلت: صريح الرواية الماضية أن العذاب وقع بالنار حقيقة لا بالحساب، فلا معنى للاحتمال، ولعلّه سها عن هذه الرواية، ويحتمل أن تكون المرأة كافرة، فعذبت بكفرها وزيدت بسبب ذلك عذابًا، أو مسلمة وعذّبت بسبب ذلك. قال النووي: يظهر أنها كانت مسلمة وإنما دخلت النار بهذه المعصية. كذا قال. ويؤيد كونها كانت كافرة ما أخرجه البيهقي في البعث والنشور، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان عن عائشة وفيه قصة لها مع أبي هريرة، وهو بتمامه عند أحمد، وفيه جواز اتخاذ الهرّة ورباطها إذا لم يهمل إطعامها وسقيها ويلتحق بذلك غير الهرة مما في معناها. وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه. كذا قال النووي. ويدل لما قاله رواية هرّة لها المتقدمة، فإنها دالة على ملكها لها، وعلى أن الهرّ يملك، فلا معنى لقول القرطبي إنه لا يملك، وإنما يجب إطعامه على من حبسه. ولم يجر في هذا الحديث ذكر لخسوف القمر. فلذا أخّرت الكلام عليه إلى قول المصنّف في الكسوف، باب الصلاة في كسوف القمر. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرَّ سعيد بن أبي مريم، ونافع بن عمر في الرابع والأربعين من العلم، ومرّت أسماء في الثامن والعشرين منه، ومرَّ ابن أبي مليكة في متابعة في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله بعد الأربعين من العلم. لطائف الإسناد: فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار والعنعنة والقول. ورواته ما بين مصري ومكّي. وفيه رواية تابعي عن صحابية، أخرجه البخاري أيضًا في الشرب عن سعيد بن أبي مريم. وأخرجه الستة خلا الترمذي في الصلاة. ثم قال المصنّف: باب رفع البصر إلى الإِمام في الصلاة قال الزين بن المنير: نظر المأموم إلى الإِمام من مقاصد الائتمام، فإذا تمكن من مراقبته بغير

стр. 4148

التفات كان ذلك من إصلاح صلاته. وقال ابن بطّال: فيه حجة لمالك في أن نظر المصلّي يكون إلى جهة القبلة. وأحاديث الباب شاهدة له لأنهم لو لم ينظروا إليه ﵊ ما رأوا تأخّره حين عرضت عليه جهنّم، ولا رأوا اضطراب لحيته، ولا استدلّوا بذلك على قراءته، ولا نقلوا ذلك، ولا رأوا تناوله فيما تناوله في قبلته حين مثلت له الجنّة. وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده؛ لأنه أقرب للخشوع، واستثنى بعض مشايخ الحنفية إذا كان مشاهدًا للكعبة، فإنه ينظر إليها. وقال القاضي حسين: ينظر إلى موضع سجوده في حال قيامه، وإلى قدميه في ركوعه، وإلى أنفه في سجوده، وإلى حجره في تشهده؛ لأن امتداد النظر يلهي، فإذا قصر كان أولى. وورد في ذلك حديث أخرجه سعيد بن منصور من مرسل محمد بن سيرين ورجاله ثقات. وأخرجه البيهقي موصولًا. وقال المرسل: هو المحفوظ، وفيه أن ذلك سبب نزول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ويمكن أن يفرق بين الإِمام والمأموم، فيستحب للإمام النظر موضع السجود. وكذا للمأموم إلا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه، وأما المنفرد فحكمه حكم الإمام. ثم قال: وقالت عائشة: قال النبي ﷺ في صلاة الكسوف: رأيت جهنّم يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخّرت، وموضع الترجمة منه قوله حين رأيتموني. وهذا طرف من حديث وصله المؤلف في باب: إذا انفلتت الدابة وهو في أواخر الصلاة، وعائشة مرّت في الثاني من بدء الوحي.

стр. 4149

الحديث الخامس عشر حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْنَا لِخَبَّابٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. وموضع الترجمة منه قوله: باضطراب لحيته. فيه الحكم بالدليل، لكونهم حكموا باضطراب لحيته على قراءته، لكن لابد من قرينة تعين القراءة دون الذكر والدعاء، مثلًا لأن اضطراب اللحية يحصل بكل منهما، وكأنهم نظروه بالصلاة الجهرية؛ لأن ذلك المحل منها هو محل القراءة لا الذكر والدعاء. وإذا انضمّ إلى ذلك قول أبي قتادة: كان يسمعنا الآية أحيانًا قوي الاستدلال. وقال بعضهم: احتمال الذكر ممكن، لكن جزم الصحابي بالقراءة مقبول لأنه أعرف بأحد المحتملين، فيقبل تفسيره. واستدل به المصنّف على رفع بصر الإمام إلى المأموم هنا، وعلى مخافتة القراءة في الظهر والعصر كما سيأتي. واستدل به البيهقي على أن الإسرار بالقراءة لابد فيه من إسماع المرء نفسه، وذلك لا يكون إلا بتحريك، للسان والشفتين، بخلاف ما لو أطبق شفتيه، وحرّك لسانه بالقراءة فإنه لا تضطرب بذلك لحيته، فلا يسمع نفسه. وفي هذا نظر لا يخفى. رجاله ستة: مرّت الثلاثة الأول منهم، مرّ موسى بن إسماعيل في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عبد الواحد بن زياد في التاسع والعشرين من الإيمان، ومرّ الأعمش في الخامس والعشرين منه. الرابع: عُمارة بن عمير التيمي من بني تيم الله بن ثعلبة كوفي. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه فقال: ثقة وزيادة، أيسال عن مثل هذا. وقال ابن مَعين وأبو حاتم والنَّسائي: ثقة. وقال العجلي كوفي: ثقة. وكان خيارًا نظر إلى رجل فقال: ألست الذي كنت تجالسنا؟ قال: بلى. قال: فأخرج صرّة فيها خمسون دينارًا فدفعها إليه، وذكره ابن حبّان في الثقات. رأى عبد الله بن عمر. وروى عن الأسود وعبد الرحمن بن يزيد وأبي معمر عبد الله بن سَخْبَرة وغيرهم. وروى عنه إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة، والأعمش، ومنصور بن المعتمر وغيرهم مات في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة ثمان وتسعين، وقيل سنة اثنتين وثمانين.

стр. 4150

الخامس: أبو معمر عبد الله بن سَخْبَرة بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة الكوفي من أزد شنوءة. ذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن سعد: ثقة وله أحاديث. وقال العجلي: تابعي ثقة، روى عن عمر وعلي والمقداد وابن مسعود وخبّاب وأبي موسى، وروى عنه عُمارة بن عمير ومجاهد وإبراهيم النخعي وغيرهم، توفي في ولاية عبيد الله بن زياد. السادس: خَبّاب بن الأرَتّ بتشديد المثناة ابن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم التميمي، ويقال الخزاعي أبو عبد الله سبي في الجاهلية فبيع بمكة، فكان مولى أم أنمار الخزاعية. وقيل غير ذلك، ثم حالف بني زهرة. وقال الطبري: إنما انتسب في بني زهرة لأن آل سباع حلفاء عمرو بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، وآل سباع منهم سباع بن أم أنمار الخزاعية كان من السابقين الأوّلين، أسلم قديمًا وكان من المستضعفين. روى البارودي أنه أسلم سادس ستة، وهو أول من أظهر إسلامه، وعذب عذابًا شديدًا لذلك. روى أبو داود عن الشعبي قال: سأل عمر خبابًا عمّا لقي من المشركين؟ فقال: يا أمير المؤمنين: انظر إلى ظهري، فنظر فقال: ما رأيت كاليوم! قال خبّاب: لقد أوقدت لي نار وسحبت عليها، فما أطفاها إلا ودك ظهري. شهد المشاهد كلها، وآخى النبي ﷺ بينه وبين تميم مولى خِرَاش بن الصَمّة. وقيل آخى بينه وبين جبير بن عتيك. قال ابن عبد البر: والأول أصح. واقتصر في الإصابة على الثاني. كان يعمل السيوف في الجاهلية، ثبت ذلك في الصحيحين، وثبت فيهما أيضًا أنه تمول وأنه مرض مرضًا شديدًا حتى كاد أن يتمنى الموت. وروى مسلم من طريق قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على خبّاب وقد اكتوى فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به. وروى الطبراني من طريق زيد بن وهب قال: لمّا رجع علي من صفّين مرَّ بقبر خبّاب فقال: يرحم الله خبّابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلي في جسمه أحوالًا، ولن يضيع الله أجره. له اثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري باثنين، ومسلم بواحد. روى عنه علقمة، ومسروق، وقيس بن إبي حازم، وأبو أمامة وابنه عبد الله، وأبو معمر. مات بالكوفة سنة سبع وثلاثين، منصرف علي من صفّين، وصلّى عليه عليّ. ويقال إنّه أول من دفن بظهر الكوفة، وأنه عاش ثلاثًا وستين سنة. وقيل: مات سنة تسع وثلاثين بعد أن شهد مع علي صفين والنهروان، وصلّى عليه عليّ. وقيل: مات سنة تسع عشرة بالمدينة وصلّى عليه عمر رضي الله تعالى عنهما. والأول أصح.

стр. 4151

لطائف إسناده: فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة، والقول بالإفراد والجمع، ورواته ما بين بصري وكوفيّ. أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن محمد بن يوسف، وأبو داود، والنَّسائي، وابن ماجه في الصلاة أيضًا.

стр. 4152

الحديث السادس عشر حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ قَالَ حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ. وقوله: حتى يرونه قد سجد في رواية كريمة وأبي الوقت بإثبات النون، وفي رواية أبي ذر والأصيلي بحذفها، وهو أوجه، وجاز الأول على إرادة الحال، وقد مرَّ الكلام على هذا الحديث مستوفى في باب حتى يسجد من خلف الإِمام. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ حجّاج بن منهال، وعبد الله بن يزيد في الثامن والأربعين من الإيمان، ومرّ شعبة في الثالث منه، ومرَّ أبو إسحاق والبراء في الثالث والثلاثين منه. فيه التحديث والإنباء وبصيغة الجمع، وفيه السماع والقول ورواية صحابي عن صحابي.

стр. 4153

الحديث السابع عشر حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ. قَالَ: إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. ومناسبة الترجمة في قوله: رأيناك تكعكعت فهو في موضع الترجمة، وما فيه من رؤية الجنّة والنّار تقدم الكلام عليه مستوفى في باب كفران العشير من كتاب الإيمان، ومرّ الكلام على صلاة الكسوف مستوفى في الباب الذي قبله. ويأتي الحديث في الكسوف. رجاله خمسة: قد مرّوا جميعًا: مرَّ إسماعيل في الخامس عشر من الإيمان، ومرَّ زيد بن أسلم، وعطاء بن يسار في الثاني والعشرين منه، ومرّ مالك في الثاني من بدء الوحي، وابن عبّاس في الخامس منه. أخرجه البخاري أيضًا مطولًا في باب صلاة الكسوف. وأخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي في الصلاة أيضًا، وأخرج الترمذي أيضًا قطعة منه.

стр. 4154

الحديث الثامن عشر حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَقَيَ الْمِنْبَرَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلاَةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ثَلاَثًا. وهذا الحديث يأتي في الرقاق، وفيه التصريح بسماع هلال له من أنس، واعترض الإسماعيلي على إيراده له هنا فقال: ليس فيه نظر المأمومين إلى الإمام. وأجيب: بأن فيه أن الإِمام يرفع بصره إلى أمامه، وإذا ساغ ذلك للإمام ساغ للمأموم، ويحتمل أن يكون مأخوذًا من قوله فأشار بيده قبل المسجد، فإن رؤيتهم الإشارة تقتضي أنهم كانوا يراقبون أفعاله، لكن يطرق هذا احتمال أن يكون سبب رفع بصرهم إليه وقوع الإشارة منه لا أن الرفع كان مستمرًا قلت: هذا الاحتمال بعيد جدًا لأن الإشارة لا صوت لها، فلا يراها إلا من كان رافعًا رأسه مراقبًا لأفعال الإِمام. ويحتمل أن يكون المراد بالترجمة: أن الأصل نظر المأموم إلى موضع سجوده؛ لأنه المطلوب في الخشوع، إلا إذا احتاج إلى رؤية ما يفعله الإِمام ليقتدي به مثلًا. والذي يظهر أن حديث أنس مختصر من حديث ابن عبّاس، وأن القصة فيهما واحدة، فسيأتي في حديث ابن عباس أنه ﷺ قال: رأيت الجنّة والنّار كما قال في حديث أنس. وقوله: صلّى لنا يومًا الصلاة كما في رواية الرقاق وفي رواية الزهري عن أنس أنها الظهر. وقوله: ثم رَقِي المنبر بفتح أوله وكسر القاف: من الارتقاء أي: صعد وزنًا ومعنىً. وقوله: ممثلتين أي: مصورتين وزنًا ومعنىً. يقال: مثله، إذا صوره كأنّه ينظر إليه. وقوله: في قِبلة هذا الجدار، بكسر القاف. وفي رواية: في قُبُل بضم القاف والباء، والمراد بالجدار: جدار المسجد. وقوله: فلم أر كاليوم في الخير والشر: المراد باليوم: الوقت الذي هو فيه. وقد مرّ الكلام عدى هذه الجملة في باب من صلّى وقدّامه تنّور أو نار، من أبواب المساجد، ومرَّ الكلام على ما ذكر فيه

стр. 4155

من رؤية الجنّة والنّار مستوفى في باب كفران العشير من كتاب الإيمان. ومرّ الحديث في باب وقت الظهر من أبواب المواقيت. ومرّ هناك ذكر ما لم يذكر سابقًا. رجاله أربعة: قد مرّوا: مرّ الثلاثة الأول في الأول من العلم، ومرَّ أنس في السادس من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة، وشيخ البخاري من أفراده أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن يحيى بن صالح. ثم قال المصنّف: باب رفع البصر إلى السماء في الصلاة قال ابن بطّال: أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة، واختلفوا فيه خارج الصلاة في الدعاء، فكرهه شريح وطائفة، وأجازه الأكثرون لأن السماء قبلة الدعاء، كما أن الكعبة قبلة الصلاة. قال عياض: رفع البصر إلى السماء في الصلاة فيه نوع إعراض عن القبلة، وخروج عن هيئة الصلاة.

стр. 4156

الحديث التاسع عشر حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ. فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ. قوله: حدّثنا قتادة فيه ردّ لما قاله ابن عدي في الكامل من أن بين سعيد بن أبي عروبة وقتادة رجلًا فأعلّ به الحديث. وقد أخرجه عبد الأعلي بن عبد الأعلى عن سعيد -وهو من أثبت أصحابه- وليس بقادح فيه رواية عبد الرزاق له عن معمر عن قتادة مرسلًا لم يذكر أنسًا لأن سعيدًا أعلم بحديث قتادة من معمر، وقد تابعه همّام على وصله عن قتادة. وقوله: ما بال أقوام أي: ما حالهم وشأنهم يرفعون أبصارهم. وقد بيّن ابن ماجه سبب هذا الحديث ولفظه: صلّى رسول الله ﷺ يومًا بأصحابه، فلمّا قضى الصلاة أقبل عليهم بوجهه فذكره. وإنّما لم يبيّن الرافع من هو لئلا ينكسر خاطره إذ النصيحة على رؤوس الأشهاد فضيحة. وقوله: في صلاتهم، زاد مسلم عن أبي هريرة عند الدعاء. فإن حمل المطلق على هذا المقيّد اختصاص الكراهة بالدعاء الواقع في الصلاة. وقد أخرجه ابن ماجه وابن حبّان عن ابن عمر بغير تقييد ولفظه لا ترفعوا أبصاركم في السماء يعني: في الصلاة. وأخرجه مسلم عن جابر بن سمرة بغير تقييد أيضًا، والطبراني عن أبي سعيد الخدري وكعب بن مالك. وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين: كانوا يلتفتون في صلاتهم حتى نزلت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ فأقبلوا على صلاتهم ونظروا أمامهم، وكانوا يستحبّون أن لا يجاوز بصر أحدهم موضع سجوده. وصله الحاكم بذكر أبي هريرة فيه، ورفعه إلى النبيّ ﷺ وقال في آخره: فطأطأ رأسه. واعترض العيني على صاحب الفتح قوله السابق. فإن حمل المطلق على هذا المقيد اقتضى اختصاص الكراهة بالدعاء الواقع في الصلاة. فقال: ليس الأمر كذلك، بل المطلق يجري على إطلاقه والمقيد على تقييده، والحكم عام سواء كان رفع بصره في الصلاة عند الدعاء أو بدون الدعاء.

стр. 4157

قلت: العيني لم يتأمل اعتراضه، إذ كيف يصح أن يبقى المقيّد على تقييده، وتكون الكراهة عامّة. فإن التقييد منافٍ لعموم الكراهة، فمع اعتباره لا يصح عموم الكراهة. وقوله: ليُنْتَهَيَنَّ بضم الياء وسكون النون وفتح التاء المثناة والهاء والياء وتشديد نون التوكيد على البناء للمجهول في رواية الحموي والمستملي وللباقين بفتح أوله وضم الهاء على البناء للفاعل. وقوله: أو لتخطفنّ أبصارهم، ولمسلم عن جابر بن سمرة: أو لا ترجع إليهم يعني: أبصارهم، وكلمة أو هنا للتخيير تهديدًا نظير قوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي: يكون أحد الأمرين: إمّا المقاتلة، وإمّا الإِسلام. فهو خبر في معنى الأمر أي: ليكونن منكم انتهاء عن رفع البصر أو تخطف الأبصار عند الرفع من الله تعالى. واختلف في المراد بذلك فقيل: هو وعيد. وعلى هذا فالفعل المذكور حرام. وأفرط ابن حزم فقال: يبطل الصلاة. وقد مرَّ لك الإجماع على كراهته في الصلاة وقيل: المعنى أنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلّين كما في حديث أسيد بن حضير الآتي في فضائل القرآن إن شاء الله تعالى. أشار إلى ذلك الداودي ونحوه في جامع حمّاد بن سلمة عن أبي مِجْلَز أحد التابعين. وأمّا تغميض العينين: ففي مشهور مذهب مالك أنه مكروه إلا لخوف نظر محرّم أو ما يشغله عنها. وقال النووي: المختار أنه لا يكره إذا لم يخف ضررًا لأنه يجمع الخشوع ويمنع من إرسال البصر وتفريق الذهن. وقال الطحاوي: كرهه أصحابنا. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرّ عليّ بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ سعيد بن أبي عروبة في الحادي والعشرين من الغسل، ومرّ يحيى القطّان، وقتادة وأنس في السادس من الإيمان. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والإفراد والقول، ورواته كلّهم بصريّون. أخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه في الصلاة. ثم قال المصنف: باب الالتفات في الصلاة لم يبيّن المؤلّف حكمه. لكن الحديث الذي أورده دالّ على الكراهة وهو إجماع، لكن الجمهور: على أنّها للتنزيه إلى آخر ما مرّ عند حديث سهل بن سعد في باب من دخل ليؤمّ النّاس .. الخ.

стр. 4158

الحديث العشرون حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ. قوله: عن أبيه، أي: أبي الشعثاء. ووافق أبا الأحوص على هذا الإسناد شيبان عند ابن خزيمة، وزائدة عند النَّسائي ومسعر عند ابن حبّان وخالفهم إسرائيل فرواه عن أشعث عن أبي عطية عن مسروق. وعند البيهقي عن مِسْعَر عن أشعث عن أبي وائل. فهذا اختلاف على أشعث والراجح رواية أبي الأحوص. وقد رواه النَّسائي عن عمارة بن عمير عن أبي عطية عن عائشة ليس بينهما مسروق. ويحتمل أن يكون للأشعث فيه شيخان أبو وأبو عطية بناء على أن يكون أبو عطية حمله من مسروق. ثم لقي عائشة فحمله عنها. وأمّا الرواية عن أبي وائل فشاذة لأنه لا يعرف من حديثه. وقوله: هو اختلاس أي: اختطاف بسرعة. وفي النهاية: الاختلاس: افتعال من الخلسة وهو ما يؤخذ سلبًا مكابرة وفيه نظر. وقال غيره: المختلس: الذي يخطف من غيره غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوة، والسارق يأخذ بخفية. فلما كان الشيطان قد يشغل المصلّي عن صلاته بالالتفات إلىِ شيء ما بغير حجة يقيمها أشبه المختلس. وقال ابن بزيزة: أضيف إلى الشيطان لأن فيه انقطاعاً عن ملاحظة التوجّه إلى الحق سبحانه. وقال الطيبي: سمّي اختلاسًا تصويرًا لقبح الفعلة بالمختلس؛ لأن المصلّي يقبل عليه الربّ ، والشيطان مرتصد له ينتظر ذوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان تلك الفرصة فسلبه تلك الحالة. وقوله: يختلس الشيطان كذا للأكثر بحذف المفعول، وللكشميهني يختلسه، وهي رواية أبي داود عن مسدد شيخ البخاري. وكان المصنّف أشار إلى أن علّة كراهة الالتفات كونه يؤثر في الخشوع كما وقع في قصة الخميصة. وكذا ذكر حديثها عقب حديث الالتفات، ويحتمل أن يكون أراد أن ما لا يستطاع دفعه معفو عنه؛ لأن لمح العين يغلب الإنسان. ولهذا لم يعد النبي ﷺ تلك الصلاة. وقيل: الحكمة في جعل سجود السهو جابرًا للمشكوك فيه دون الالتفات وغيره مما ينقص الخشوع؛ لأن السهو لا يؤاخذ به المكلف، فشرع له الجبر دون العمد ليتيقظ العبد له فيجتنبه.

стр. 4159

وقال القفال في فتاويه: إذا التفت في صلاته التفاتًا كثيرًا في حال قيامه إن كان جميع قيامه كذلك بطلت صلاته وإن كان في بعضه فلا؛ لأنه عمل يسير ولو حوّل أحد شقيه عن القبلة بطلت صلاته؛ لأنه عمل كثير وعندنا لا تبطل ما دامت رجلاه إلى القبلة كما مرَّ وهو مكروه كراهة تنزيه إن كان لغير حاجة وإلا فلا يكره، ورخص فيه طائفة. فقال ابن سيرين: رأيت أنس بن مالك يشرف في صلاته إلى الشيء ينظر إليه. وقال معاوية بن قرّة: قيل لابن عمر: ان ابن الزبير إذا قام إلى الصلاة لم يتحرك، ولم يلتفت. قال: لكنّا نتحرك ونلتفت، وكان إبراهيم يلتفت يمينًا وشمالاً، وكان ابن مغفل يفعله. وممن كان لا يلتفت فيها الصدّيق والفاروق. ونهى عنه أبو الدرداء وأبو هريرة. وفي المبسوط حدّ الالتفات المكروه أن يلوي عنقه حتّى يخرج من جهة القبلة والالتفات يمنة وشرة انحراف عن القبلة ببعض بدنه، فلو انحرف بجميع بدنه بطلت صلاته. ولو نظر بمؤخر عينيه يمنة أو يسرة من غير أن يلوي عنقه لا يكره. وكذلك عندنا لا يكره على المشهور. وفيه أحاديث كثيرة مرَّ منها البعض في باب من دخل ليؤم الناس ومنها حديث أنس. أخرجه الترمذي وقال حسن، قال: قال رسول الله ﷺ : يا بني إياك والالتفات في الصلاة فإن الالتفات في الصلاة هلكة. قال: فإن كان ولابد ففي التطوع لا في الفريضة. ومنها ما أخرجه البزّار في مسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام الرجل في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه، فإذا التفت قال: يا ابن آدم: إلى من تلتفت، إلى من هو خير لك مني. أقبل إليّ. فإذا التفت الثانية قال مثل ذلك، وإذا التفت الثالثة قال صرف الله وجهه عنه. وفيه الفضل بن عيسى وهو ضعيف ومنها ما أخرجه الطبراني عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إياكم والالتفات في الصلاة، فإن أحدكم يناجي ربه ما دام في الصلاة. ومنها ما أخرجه ابن حبّان في كتاب الضعفاء عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : المصلّي يتناثر على رأسه الخير من عنان السماء إلى مفرق رأسه وملك ينادي لو يعلم هذا العبد من يناجي ما انفتل. وفيه عبّاد بن كثير مختلف فيه. ومنها ما أخرجه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول -فذكر حديثًا في آخره-: إياكم والالتفات في الصلاة فإنه لا صلاة لملتفت، فإن غلبتم في التطوع فلا تغلبوا في الفريضة. وفيه عطاء بن عجلان وهو ضعيف. رجاله ستة: قد مرّوا إلا أبا الأحوص، مرّ مسدد في السادس من الإيمان، ومرّ مسروق في السابع والعشرين منه، ومرّ أشعث وأبوه سليم في الثاني والثلاثين من الوضوء. وأمّا أبو الأحوص فهو سلَّام -بتشديد اللام- بن سُليم بالتصغير الحنفي مولاهم الكوفيّ الحافظ، ذكره ابن حبّان في الثقات. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صالحًا فيه. وقال ابن معين: ثقة متقن. وقال العجلي: كان ثقة صاحب

стр. 4160

سنة واتباع. وقال أبو زرعة والنّسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق دون زائدة وزهير في الإتقان، وقيل ليحيى: أبو الأحوص أحب إليك أو أبو بكر بن عيّاش قال: ما أقربهما. روى عن ابن إسحاق وعاصم والأعمش ومنصور وأشعث بن أبي الشعثاء وغيرهم. وروى عنه وكيع وابن مهدي وأبو نعيم ومسدد وقتيبة ومحمد بن سلام البيكندي وغيرهم. مات سنة تسع وسبعين ومائة. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول ورواته كلّهم كوفيّون ما عدا شيخ البخاري فإنه بصري. أخرجه البخاري أيضًا في صفة إبليس عن الحسن بن الربيع وأبو داود والنَّسائي في الصلاة.

стр. 4161

الحديث الحادي والعشرون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ فَقَالَ شَغَلَتْنِي أَعْلاَمُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ (١). أورد هذا الحديث هنا وقد مرّ الكلام عليه مستوفى في باب إذا صلّى في ثوب له أعلام في أوائل الصلاة، ووجه دخوله في الترجمة أن أعلام الخميصة إذا لحظها المصلّي وهي على عاتقه كان قريبًا من الالتفات، ولذلك خلعها معللًا بوقوع بصره على أعلامها وسمّاه شغلًا عن صلاته. وقوله: شغلني في رواية الكشميهني شغلتني وهو أوجه وكذا اختلفوا في اذهبوا بها واذهبوا به. وقوله: إلى أبي جهم، كذا للأكثر وهو الصحيح وللكشميهني جهيم بالتصغير. رجاله خمسة: وفيه ذكر أبي جهم. وقد مرَّ الجميع: مرّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرّ سفيان بن عيينة في الأول من بدء الوحي، ومرّ عروة وعائشة في الثاني منه، ومرّ أبو جهم في الخامس والعشرين من كتاب الصلاة، ومرّ هناك الكلام على ما يتعلق به. ثم قال المصنف: باب هل يلتفت لأمر ينزل به أو يرى شيئاً أو بصاقًا في القبلة الظاهر أن قوله في القبلة يتعلق بقوله بصاقًا، وأمّا قوله شيئًا فهو أعمّ من ذلك، والجامع بين جميع ما ذكر في الترجمة حصول التأمل المغاير للخشوع، وأنه لا يقدح إلا إذا كان لغير حاجة. ثم قال وقال سهل: التفت أبو بكر رضي الله تعالى عنه فرأى النبيّ ﷺ وجه الدلالة منه أنه ﷺ لم يأمر أبا بكر بالإعادة، بل أشار إليه أن يتمادى على إمامته، وكان التفاته لحاجة، وهذا التعليق طرف من حديث أخرجه البخاري في باب من دخل ليؤم الناس. وسهل بن سعد قد مرّ في الثامن والمائة من الوضوء، ومرّ أبو بكر بعد السبعين منه في باب: من لم يتوضأ من لحم الشاة.

стр. 4162

الحديث الثاني والعشرون حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، وَهْوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَىِ النَّاسِ، فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلاَ يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاَةِ. قوله: بين يدي الناس يحتمل أن يكون متعلقًا بقوله وهو يصلّي أو بقوله رأى نخامة. وقوله: فحتها ثم قال حين انصرف ظاهره أن الحت وقع منه، داخل الصلاة. وقد أخرجه المؤلف في أوائل أبواب المساجد عن ابن عمر وأنس وعائشة وأبي هريرة وأبي سعيد من طرق كلها غير مقيدة بحال الصلاة. ومرَّ الكلام على مباحثه هناك مستوفى غاية. رجاله أربعة: قد مروا، مرّ قتيبة في الحادي والعشرين من الإيمان، ومرَّ ابن عمر في أوّله قبل ذكر حديث منه، ومرّ الليث في الثالث من بدء الوحي، ومرّ نافع في الثالث والسبعين من العلم. ثم ذكر البخاري تعليقين فقال: رواه موسى بن عقبة وابن أبي روّاد عن نافع، وتعليق موسى وصله مسلم، وتعليق ابن أبي رواد وصله أحمد في مسنده، وفيه أن الحك كان بعد الفراغ من الصلاة. فالغرض منه على هذا المتابعة في أصل الحديث، وموسى بن عقبة قد مرّ في الخامس من الوضوء ومرّ عبد العزيز بن أبي رواد في التاسع من مواقيت الصلاة، وكذلك مرّ معه عثمان بن أبي رواد.

стр. 4163

الحديث الثالث والعشرون حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَنَسٌ قَالَ: بَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلاَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلاَتِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَتِمُّوا صَلاَتَكُمْ، فَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. قال ابن بطال: وجه مناسبته للترجمة أن الصحابة لما كشف ﷺ الستر التفتوا إليه، ويدل على ذلك قول أنس فأشار إليهم. ولولا التفاتهم لما رأوا إشارته ويوضحه كون الحجرة عن يسار القبلة، فالناظر إلى إشارة من هو فيها يحتاج إلى أن يلتفت، ولم يأمرهم ﵊ بالإعادة بل أقرهم على صلاتهم بالإشارة المذكورة. وقد مرّ هذا الحديث في باب أهل العلم والفضل أحقّ بالإمامة. وقد تكلم على بعض ألفاظه هناك. ومرَّ استيفاء الكلام على مباحثه في باب حد المريض أن يشهد الجماعة. رجاله خمسة: وفيه ذكر أبي بكر وعائشة، وقد مرَّ الجميع: مرَّ ابن بكير والليث وعقيل والزهري في الثالث من بدء الوحي، ومرّت عائشة في الثاني منه، ومرّ أنس في السادس من الإيمان، ومرّ محل أبي بكر في الذي قبل هذا بحديث، والحديث أخرجه البخاري أيضًا في المغازي، وقد مرَّ الكلام عليه. ثم قال المصنف: باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر وما يُجهر فيها وما يُخافَت لم يذكر المنفرد، لأن حكمه حكم الإِمام وذكر السفر لئلا يتخيّل أنه يترخص فيه بترك القراءة كما رخص فيه بحذف بعض الركعات. وقوله: وما يجهر فيه وما يخافت هو بضم أول كل منهما على البناء للمجهول، وتقدير الكلام وما يجهر به وما يخافت به.

стр. 4164

قال ابن رشيد: قوله "وما يجهر" معطوف على قوله في الصلوات لا على القراءة، والمعنى وجوب القراءة فيما يجهر فيه، ويخافت، أي أن الوجوب لا يختص بالسرية دون الجهرية خلافًا لمن فرّق في المأموم. وقد ألّف البخاري في هذه المسألة جزءًا مفردًا. قال في الفتح: إنه يذكر ما يحتاج إليه من فوائده في هذا الشرح، وما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 4165

الحديث الرابع والعشرون حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رضى الله عنه فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ. قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً أَوْ رِجَالاً إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلاَّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِى عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلاَ يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِى دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ. قوله: عن جابر، قد صرّح ابن عيينة بسماع عبد الملك له من جابر، أخرجه أحمد وغيره. وقوله: شكا أهل الكوفة سعدًا: هو ابن أبي وقّاص، وهو خال جابر بن سمرة الراوي عنه. وفي رواية عبد الرزاق عن جابر بن سمرة قال: كنت جالسًا عند عمر إذ جاء أهل الكوفة يشكون إليه سعد بن أبي وقاص، حتى قالوا إنه لا يحسن الصلاة. وفي قوله: أهل الكوفة مجاز وهو إطلاق الكل على البعض لأن الذين شكوه بعض أهل الكوفة لا كلّهم. ففي صحيح أبي عوانة جعل ناس من أهل الكوفة، ونحوه لإسحاق بن راهويه، وسمّى منهم عند سيف والطبراني الجراح بن سنان وقَبيصة وأَربَد الأسديون. وفي الأوائل للعسكري أن منهم الأشعث بن قيس. والكوفة قد مرّ الكلام عليها مستوفى في الحديث الثالث من كتاب الإيمان. والرجال المذكررون، أما الجراح بن سنان وأَربَد الأسديان فلم أر لهما تعريفًا، وأما قبيصة فالظاهر أنه قبيصة بن جابر لأنه اختاره أهل الكوفة وافدًا على عثمان، وقد صحب عمر. وقد جاء معرّفًا في آخر

стр. 4166

الكتاب في تعليق بعد الثامن عشر من كتاب المحاربين. وجاء تعريف الأشعث بن قيس في تعليق بعد الثالث من الحوالة. وقوله: فعزله، فكان عمر بن الخطاب أمّر سعد بن أبي وقاص على قتال الفرس في سنة أربع عشرة، ففتح الله العراق على يديه، ثم اختط الكوفة سنة سبع عشرة، واستمر آمِرًا عليها إلى سنة إحدى وعشرين في قول خليفة بن خياط. وعند الطبري سنة عشرين، فوقع له مع أهل الكوفة. وقوله: واستعمل عليهم عمّارًا قال خليفة: استعمل عمّارًا على الصلاة وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف علىْ مساحة الأرض. وكان تخصيص عمّار بالذكر لوقوع التصريح بالصلاة دون غيرها مما وقعت فيه الشكوى. وقوله: فشكوا ليست هذه الفاء عاطفة على قوله فعزله، بل هي تفسيرية عاطفة على قوله شكا عطف تفسير. وقوله: فعزله واستعمل .. الخ، اعتراض. إذ الشكوى كانت سابقة على العزل وبيّنته رواية عبد الرزاق الماضية. وقوله: حتّى ذكروا أنّه لا يحسن يصلّي ظاهره أن جهات الشكوى كانت متعددة ومنها: قصة الصلاة وصرّح بذلك في رواية ابن عون الآتية قريبًا فقال عمر: لقد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة. وذكر ابن سعد وسيف أنهم زعموا أنه حابى في بيع خمس باعه وأنه صنع على داره بابًا مبوبًا من خشب. وكان السوق مجاورًا له، فكان يتأذى باصواتهم، فزعموا أنه قال: لينقطع التصويت، وذكر سيف أنّهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السرايا. وقال الزبير بن بكار في كتاب النسب: رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر فوجدها باطلة. ويؤيده قول عمر في وصيته فإنيّ لم أعزله من عجز ولا خيانة. الآتي في مناقب عثمان. وقوله: فأرسل إليه فقال: فيه حذف، تقديره فوصل إليه الرسول فجاء إلى عمر فقال: وستأتي تسمية الرسول عند قوله فأرسل معه رجلًا الخ .. وقوله: يا أبا إسحاق كنية سعد، كني بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر له، وفيه دلالة على أنه لم تقدح فيه الشكوى عنده. وقوله: أما أنا والله، أمّا بالتشديد وهي للتقسيم، والقسم هنا محذوف تقديره وأما هم فقالوا ما قالوا وفيه القسم في الخبر لتأكيده في نفس السامع. وجواب القسم يدل عليه قوله: فإني كنت أصلّي بهم. وقوله: صلاة رسول الله .. الخ، بالنصب أي: مثل صلاة. وقوله: ما أَخْرِم عنها بفتح أوله وكسر الراء أي: لا أنقص. وحكى ابن التين أنه يضم أوله من

стр. 4167

الرباعي، واستضعفه. وقوله: أصلّي صلاة العشاء بالمد للجميع غير الجرجاني فقال العشي: وفي الباب الذي بعده صلاتي العَشِيّ بالكسر والتشديد لهم إلاَّ الكشميهني فله صلاتي العشاء. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أبي عوانة بلفظ: صلاتي العشي وهو الأرجح، والمراد بهما الظهر والعصر. ولا يبعد أن يراد بالتثنية في الممدود المغرب والعشاء، لكن يعكّر عليه قوله الأخريين؛ لأن المغرب إنما له أخرى واحدة، وأبدى الكرماني لتخصيص العشاء بالذكر حكمة، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة كان ذلك في غيرها بطريق الأولى وهو حسن. ويقال مثله في الظهر والعصر لأنهما وقت الاشتغال بالقائلة والمعاش والأولى أن يقال لعلّ شكواهم كانت في هاتين الصلاتين خاصة. فلذلك خصّهما بالذكر. وقوله: فأركُد في الأوليين بضم الكاف أي: أثبت وأمكث طويلًا، ومنه الماء الراكد، والأوليين بتحتانيتين تثنية الأولى وكذا الأخريين، والمراد أطول فيهما القراءة، ويحتمل أن يكون التطويل بما هو أعم من القراءة كالركوع والسجود، لكن المعهود في التفرقة بين الركعات إنّما هو في القراءة. وقوله: وأخفّ بضم أوله وكسر الخاء المعجمة. وفي رواية الكشميهني واحذف بفتح أوله وسكون المهملة وكذا هو في رواية عثمان بن سعيد الدارمي فيما أخرجه البيهقي. وعند الإسماعيلي عن شعبة بالميم بدل الفاء من خدم يخدم خدمًا: إذا أسرع. ومنه حديث عمر إذا أقمت فاخدم أي: أسرع. والمراد بالحذف حذف التطويل لا حذف القراءة من أصلها، فكأنه قال: احذف الركود، ويأتي من قال بحذفها رأسًا في الأخريين. وقوله: ذلك الظن بك أي: هذا الذي كنّا نظنّه بك زاد مسعر عن عبد الملك وابن عون فيما أخرجه مسلم فقال: أتعلّمني الأعراب الصلاة وفيه دلالة على أن الذين شكوه لم يكونوا من أهل العلم، وكأنّهم ظنّوا مشروعية التسوية بين الركعات فأنكروا على سعد التفرقة. فيستفاد منه ذمّ القول بالرأي الذي لا يستند إلى أصل وفيه أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار. قال ابن بطال: وجه دخول حديث سعد في هذا الباب أنه قال: أركد وأخف أعلم أنه لا يترك القراءة في شيء من صلاته. وقد قال أنها مثل صلاته صلى الله تعالى عليه وسلّم، ولكن إنّما تتمّ الدلالة على الوجوب إذا ضمّ إلى ما ذكر قوله ﵊ صلّوا كما رأيتموني أصلّي فيحصل التطابق بهذا لقوله: القراءة للإمام، وما ذكر من الجهر والمخافتة، فلا نزاع أنه ﵊ كان يجهر في محل الجهر، ويخفي في محل الإخفاء، ويؤخذ الحضر والسفر من إطلاق قوله صلاة رسول الله ﷺ فإنه لم يفصل بين الحضر والسفر، وأيضًا حديث عبادة يؤخذ منه وجوب القراءة على الإمام والمأموم في الحضر والسفر أو لعلّ البخاري أكتفى بقوله ﷺ للمسيء صلاته وهو ثالث أحاديث الباب، وافعل ذلك في صلاتك كلّها، وبهذا التقرير يندفع اعتراض الإسماعيلي وغيره حيث قال:

стр. 4168

لا دلالة في حديث سعد على وجوب القراءة وإنمّا فيه تخفيفها في الأخريين عن الأوليين. وقوله: فأرسل معه رجلًا أو رجالًا كذا لهم بالشك. وفي رواية ابن عيينة فبعث عمر رجلين، وهذا يدل على أنه أعاده إلى الكوفة ليحصل له الكشف عنه بحضرته ليكون أبعد من التهمة، لكن كلام سيف يدلّ على أن عمر إنّما سأله عن مسألة الصلاة بعدما عاد به محمد بن مسلمة من الكوفة، وذكر سيف والطبري أن رسول عمر بذلك محمد بن مسلمة قال: وهو الذي كان يقتص آثار من شكي من العمّال في زمن عمر. وحكى ابن التين أن عمر أرسل في ذلك عبد الله بن أرقم. وروى ابن سعد من طريق مليح بن عوف السلمي قال: بعث عمر محمد بن مسلمة، وأمرني بالمسير معه وكنت دليلًا بالبلاد فذكر القصة، وفيها وأقام سعدًا في مساجد الكوفة يسألهم عنه. وفي رواية إسحاق عن جرير فطيف به في مساجد الكوفة، ويأتي تعريف الثلاثة في رجال السند. وقوله: ويثنون عليه معروفًا في رواية ابن عيينة فكلّهم يثني عليه خيرًا. وقوله: لبني عبس بفتح المهملة وسكون الموحدة بعدها مهملة قبيلة كبيرة من قيس. وقوله: أبا سعدة بفتح المهملة بعدها مهملة ساكنة، زاد سيف في روايته فقال: محمد بن مسلمة أنشد الله رجلًا يعلم حقًا إلا قال، ويأتي في تعريفه أي: أبي سعدة في السند ما قيل فيه. وقوله: أمّا إذ نشدتنا بتشديد الميم وقسيمها محذوف أيضًا تقديره أمّا غيري إذ نشدتنا فأثنوا عليه، وأمّا نحن إذ نشدتنا فنقول كذا وكذا، ومعنى نشدتنا طلبت منّا القول سائلًا لنا بالله. وقوله: لا يسير بالسرية الباء للمصاحبة والسرية بفتح المهلمة وكسر الراء المخففة قطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو، وسمّوا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري أي: النفيس. وقيل سمّوا بذلك لأنهم ينفذون سرًا وخفية وليس بوجه، لأن لام السير راء ولام هذه ياء، ويحتمل أن تكون صفة لمحذوف أي: لا يسير بالطريقة السرية أي: العادلة. والأول أولى لقوله بعد ذلك ولا يعدل، والأصل عدم التكرار والتأسيس أولى من التأكيد ويؤيده رواية جرير وسفيان بلفظ ولا ينفر في السرية. وقوله: في القضية أي: الحكومة، ورواية سفيان وسيف في الرعية. وقوله: قال سعد في رواية جرير فغضب سعد، وحكى ابن التين أنه قال له: أعلي تسجع. وقوله: أما والله بتخفيف الميم: حرف استفتاح. وقوله: لأدعونّ بثلاث أي: عليك، والحكمة في ذلك أنّه نفى عنه الفضائل الثلاث وهي: الشجاعة: حيث قال لا ينفر، والعفة: حيث قال لا يقسم، والحكمة: حيث قال لا يعدل. فهذه الثلاثه تتعلق بالنفس والمال والدين فقابلها بمثلها فطول العمر يتعلق بالنفس، وطول الفقر يتعلق بالمال، والوقوع في الفتن يتعلق بالدين. ولمّا كان في الثنتين الأوليين ما يمكن الاعتذار عنه دون

стр. 4169

الثالثة، قابلهما بأمرين دنيويين، والثالث بأمر ديني، وبيان ذلك أن قوله لا ينفر بالسرية يمكن أن يكون حقًا، لكن رأى المصلحة في إقامته ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم، أو كان له عذر كما وقع في القادسية. وقوله: لا يقسم بالسوية يمكن أن يكون حقًا، فإن للإمام تفضيل أهل العناء في الحرب والقيام بالمصالح. وقوله: لا يعدل في القضية هو أشدها؛ لأنه سلب عنه العدل مطلقًا، وذلك قدحٌ في الدين، ومن أعجب العجب أن سعدًا مع كون هذا الرجل واجهه بهذا وأغضبه حتى دعا عليه في حال غضبه راعى العدل والإنصاف في الدعاء عليه إذ علّقه بشرط أن يكون كاذبًا وأن يكون الحامل له على ذلك الغرض الدنيوي. وقوله: رياء وسمعة أي: ليراه النّاس ويسمعوه فيشهروا ذلك عنه، فيكون له بذلك ذكر. والرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية، والمد مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية النّاس لها، فيحمدوا صاحبها، والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من السمع، والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر. وقال الغزالي: طلب المنزلة في قلوب الناس بأن يريهم الخصال المحمودة. والمرائي هو العامل. وقال ابن عبد السلام: الرياء أن يعمل لغير الله والسمعة أن يخفي عمله لله، ثم يحدّث به الناس. وقوله: وأطل: فقره في رواية جرير وشدّد فقره، وفي رواية سيف وأكثر عياله. قال الزين بن المنير في الدعوات الثلاثة مناسبة للحال. أما طول عمره فليراه من سمع بأمره فيعلم كرامة سعد، وأمّا طول فقره فلنقيض مطلوبه؛ لأن حاله يشعر بأنه طلب أمرًا دنيويًا، وأمّا تعرضه للفتن فلكونه قام فيها ورضيها دون أهل بلده. وقوله: وعرضه للفتن أي: اجعله عرضة للفتن أو أدخله في معرضها أي: أظهره بها. وقوله: فكان بعد أي: أبو سعدة، وقائل ذلك عبد الملك بن عمير بينه جرير في روايته. وقوله: إذا سئل في رواية ابن عيينة إذا قيل له كيف أنت. وقوله: شيخ كبير مفتون قيل: لم يذكر الدعوة الأخرى وهي الفقر، لكن عموم قوله أصابتني دعوة سعد تدلّ عليه. وقد وقع التصريح بذلك كما يأتي في تعريفه قريبًا دعوة سعد أفردها لإرادة الجنس وإن كانت ثلاث دعوات. وكان سعد معروفًا بإجابة الدعوة. روى الطبراني عن الشعبي قيل لسعد: متى أصبت الدعوة قال: يوم بدر، قال النبي ﷺ : اللهم استجيب لسعد. وروى الترمذي وابن حبّان والحاكم عن قيس بن أبي حازم عن سعد: أن

стр. 4170

النبي ﷺ قال: اللهم استجيب لسعد إذا دعاك. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم أن الأوليين من الرباعية متساويتان في الطول، ويأتي الكلام على ذلك في حديث أبي قتادة في الباب الذي بعد هذا لأنه هو المحل لذلك، وفيه جواز عزل الإِمام بعض عمّاله إذا شكي إليه، وان لم يثبت عليه شيء إذا اقتضت ذلك المصلحة. قال مالك: قد عزل عمر سعدًا وهو أعدل من يأتي بعده إلى يوم القيامة. والذي يظهر أن عمر عزله حسمًا لحالة الفتنة. ففي رواية سيف قال عمر: لولا الاحتياط وأن لا يتقى من أمير مثل سعد لما عزلته. وقيل عزله إيثارًا لقربه منه لكونه من أهل الشورى. وقيل: لأن مذهب عمر أنه لا يستمر العامل أكثر من أربع سنين. وقال المازري: اختلفوا هل يعزل القاضي بشكوى الواحد أو الاثنين، أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى منه وفيه استفسار العامل عما قيل فيه والسؤال عمّن شكى في موضع عمله، والاقتصار في المسألة على من يظن به الفضل لأن عمر رضي الله تعالى عنه كان يسأل عنه في المسجد أهل ملازمة الصلاة فيها، وفيه أن السؤال عن عدالة الشاهد ونحوه يكون ممّن يجاوره، وأن تعريض العدل للكشف عن حاله لا ينافي قبول شهادته في الحال. وفيه خطاب الرجل الجليل بكنيته والاعتذار لمن سمع في حقه كلام يسوءه. وفيه الفرق بين الافتراء والقول الذي يقصد به دفع الضرر فيعزّر قائل الأول دون الثاني، ويحتمل أن يكون سعد لم يطلب حقّه منهم أو عفا عنهم، واكتفى بالدعاء على الذي كشف قناعه في الافتراء عليه دون غيره، فإنه صار كالمنفرد بأذيته. وقد جاء في الخبر: من دعا على ظالمه فقد انتصر. فلعلّه أراد الشفقة عليه بأن عجّل له العقوبة في الدنيا فانتصر لنفسه، وراعى حال من ظلمه لما كان فيه من وفور الديانة. ويقال: إنّما دعا عليه لكونه انتهك حرمة من صحب صاحب الشريعة، وكان قد انتصر لصاحب الشريعة وفيه جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه، وليس هو من طلب وقوع المعصية، ولكنّه من حيث أنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته، ومن هذا القبيل مشروعية طلب الشهادة، وإن كانت تستلزم ظهور الكافر على المسلم، ومن الأول قول موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، وفيه سلوك الورع في الدعاء. رجاله أربعة: قد مرّوا إلاَّ جابر، وفي ذكر سعد وه وابن أبي وقّاص وعمر وعمّار بن ياسر، وذكر أسامة بن قتادة. وفيه فأرسل معه رجلًا أو رجالًا بالإِبهام. قد مرّ موسى بن إسماعيل المنقري، وأبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عمر في الأول منه، ومرَّ سعد في العشرين من الإِيمان، ومرّ عمّار في التعليقال في بعده، ومرّ عبد الملك بن عمير في الحادي والثلاثين من أبواب الجماعة والإمامة، وأمّا جابر فهو ابن سمرة بن جنادة بن
следующие страницы →