← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13699

كوثر المعاني الدراري في كشف خبايا صحيح البخاري

محمد الخضر الشنقيطي

Полный текст (6 753 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

الكتاب في تعليق بعد الثامن عشر من كتاب المحاربين. وجاء تعريف الأشعث بن قيس في تعليق بعد الثالث من الحوالة. وقوله: فعزله، فكان عمر بن الخطاب أمّر سعد بن أبي وقاص على قتال الفرس في سنة أربع عشرة، ففتح الله العراق على يديه، ثم اختط الكوفة سنة سبع عشرة، واستمر آمِرًا عليها إلى سنة إحدى وعشرين في قول خليفة بن خياط. وعند الطبري سنة عشرين، فوقع له مع أهل الكوفة. وقوله: واستعمل عليهم عمّارًا قال خليفة: استعمل عمّارًا على الصلاة وابن مسعود على بيت المال، وعثمان بن حنيف علىْ مساحة الأرض. وكان تخصيص عمّار بالذكر لوقوع التصريح بالصلاة دون غيرها مما وقعت فيه الشكوى. وقوله: فشكوا ليست هذه الفاء عاطفة على قوله فعزله، بل هي تفسيرية عاطفة على قوله شكا عطف تفسير. وقوله: فعزله واستعمل .. الخ، اعتراض. إذ الشكوى كانت سابقة على العزل وبيّنته رواية عبد الرزاق الماضية. وقوله: حتّى ذكروا أنّه لا يحسن يصلّي ظاهره أن جهات الشكوى كانت متعددة ومنها: قصة الصلاة وصرّح بذلك في رواية ابن عون الآتية قريبًا فقال عمر: لقد شكوك في كل شيء حتى في الصلاة. وذكر ابن سعد وسيف أنهم زعموا أنه حابى في بيع خمس باعه وأنه صنع على داره بابًا مبوبًا من خشب. وكان السوق مجاورًا له، فكان يتأذى باصواتهم، فزعموا أنه قال: لينقطع التصويت، وذكر سيف أنّهم زعموا أنه كان يلهيه الصيد عن الخروج في السرايا. وقال الزبير بن بكار في كتاب النسب: رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر فوجدها باطلة. ويؤيده قول عمر في وصيته فإنيّ لم أعزله من عجز ولا خيانة. الآتي في مناقب عثمان. وقوله: فأرسل إليه فقال: فيه حذف، تقديره فوصل إليه الرسول فجاء إلى عمر فقال: وستأتي تسمية الرسول عند قوله فأرسل معه رجلًا الخ .. وقوله: يا أبا إسحاق كنية سعد، كني بذلك بأكبر أولاده، وهذا تعظيم من عمر له، وفيه دلالة على أنه لم تقدح فيه الشكوى عنده. وقوله: أما أنا والله، أمّا بالتشديد وهي للتقسيم، والقسم هنا محذوف تقديره وأما هم فقالوا ما قالوا وفيه القسم في الخبر لتأكيده في نفس السامع. وجواب القسم يدل عليه قوله: فإني كنت أصلّي بهم. وقوله: صلاة رسول الله .. الخ، بالنصب أي: مثل صلاة. وقوله: ما أَخْرِم عنها بفتح أوله وكسر الراء أي: لا أنقص. وحكى ابن التين أنه يضم أوله من

стр. 4167

الرباعي، واستضعفه. وقوله: أصلّي صلاة العشاء بالمد للجميع غير الجرجاني فقال العشي: وفي الباب الذي بعده صلاتي العَشِيّ بالكسر والتشديد لهم إلاَّ الكشميهني فله صلاتي العشاء. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أبي عوانة بلفظ: صلاتي العشي وهو الأرجح، والمراد بهما الظهر والعصر. ولا يبعد أن يراد بالتثنية في الممدود المغرب والعشاء، لكن يعكّر عليه قوله الأخريين؛ لأن المغرب إنما له أخرى واحدة، وأبدى الكرماني لتخصيص العشاء بالذكر حكمة، وهو أنه لما أتقن فعل هذه الصلاة التي وقتها وقت الاستراحة كان ذلك في غيرها بطريق الأولى وهو حسن. ويقال مثله في الظهر والعصر لأنهما وقت الاشتغال بالقائلة والمعاش والأولى أن يقال لعلّ شكواهم كانت في هاتين الصلاتين خاصة. فلذلك خصّهما بالذكر. وقوله: فأركُد في الأوليين بضم الكاف أي: أثبت وأمكث طويلًا، ومنه الماء الراكد، والأوليين بتحتانيتين تثنية الأولى وكذا الأخريين، والمراد أطول فيهما القراءة، ويحتمل أن يكون التطويل بما هو أعم من القراءة كالركوع والسجود، لكن المعهود في التفرقة بين الركعات إنّما هو في القراءة. وقوله: وأخفّ بضم أوله وكسر الخاء المعجمة. وفي رواية الكشميهني واحذف بفتح أوله وسكون المهملة وكذا هو في رواية عثمان بن سعيد الدارمي فيما أخرجه البيهقي. وعند الإسماعيلي عن شعبة بالميم بدل الفاء من خدم يخدم خدمًا: إذا أسرع. ومنه حديث عمر إذا أقمت فاخدم أي: أسرع. والمراد بالحذف حذف التطويل لا حذف القراءة من أصلها، فكأنه قال: احذف الركود، ويأتي من قال بحذفها رأسًا في الأخريين. وقوله: ذلك الظن بك أي: هذا الذي كنّا نظنّه بك زاد مسعر عن عبد الملك وابن عون فيما أخرجه مسلم فقال: أتعلّمني الأعراب الصلاة وفيه دلالة على أن الذين شكوه لم يكونوا من أهل العلم، وكأنّهم ظنّوا مشروعية التسوية بين الركعات فأنكروا على سعد التفرقة. فيستفاد منه ذمّ القول بالرأي الذي لا يستند إلى أصل وفيه أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار. قال ابن بطال: وجه دخول حديث سعد في هذا الباب أنه قال: أركد وأخف أعلم أنه لا يترك القراءة في شيء من صلاته. وقد قال أنها مثل صلاته صلى الله تعالى عليه وسلّم، ولكن إنّما تتمّ الدلالة على الوجوب إذا ضمّ إلى ما ذكر قوله ﵊ صلّوا كما رأيتموني أصلّي فيحصل التطابق بهذا لقوله: القراءة للإمام، وما ذكر من الجهر والمخافتة، فلا نزاع أنه ﵊ كان يجهر في محل الجهر، ويخفي في محل الإخفاء، ويؤخذ الحضر والسفر من إطلاق قوله صلاة رسول الله ﷺ فإنه لم يفصل بين الحضر والسفر، وأيضًا حديث عبادة يؤخذ منه وجوب القراءة على الإمام والمأموم في الحضر والسفر أو لعلّ البخاري أكتفى بقوله ﷺ للمسيء صلاته وهو ثالث أحاديث الباب، وافعل ذلك في صلاتك كلّها، وبهذا التقرير يندفع اعتراض الإسماعيلي وغيره حيث قال:

стр. 4168

لا دلالة في حديث سعد على وجوب القراءة وإنمّا فيه تخفيفها في الأخريين عن الأوليين. وقوله: فأرسل معه رجلًا أو رجالًا كذا لهم بالشك. وفي رواية ابن عيينة فبعث عمر رجلين، وهذا يدل على أنه أعاده إلى الكوفة ليحصل له الكشف عنه بحضرته ليكون أبعد من التهمة، لكن كلام سيف يدلّ على أن عمر إنّما سأله عن مسألة الصلاة بعدما عاد به محمد بن مسلمة من الكوفة، وذكر سيف والطبري أن رسول عمر بذلك محمد بن مسلمة قال: وهو الذي كان يقتص آثار من شكي من العمّال في زمن عمر. وحكى ابن التين أن عمر أرسل في ذلك عبد الله بن أرقم. وروى ابن سعد من طريق مليح بن عوف السلمي قال: بعث عمر محمد بن مسلمة، وأمرني بالمسير معه وكنت دليلًا بالبلاد فذكر القصة، وفيها وأقام سعدًا في مساجد الكوفة يسألهم عنه. وفي رواية إسحاق عن جرير فطيف به في مساجد الكوفة، ويأتي تعريف الثلاثة في رجال السند. وقوله: ويثنون عليه معروفًا في رواية ابن عيينة فكلّهم يثني عليه خيرًا. وقوله: لبني عبس بفتح المهملة وسكون الموحدة بعدها مهملة قبيلة كبيرة من قيس. وقوله: أبا سعدة بفتح المهملة بعدها مهملة ساكنة، زاد سيف في روايته فقال: محمد بن مسلمة أنشد الله رجلًا يعلم حقًا إلا قال، ويأتي في تعريفه أي: أبي سعدة في السند ما قيل فيه. وقوله: أمّا إذ نشدتنا بتشديد الميم وقسيمها محذوف أيضًا تقديره أمّا غيري إذ نشدتنا فأثنوا عليه، وأمّا نحن إذ نشدتنا فنقول كذا وكذا، ومعنى نشدتنا طلبت منّا القول سائلًا لنا بالله. وقوله: لا يسير بالسرية الباء للمصاحبة والسرية بفتح المهلمة وكسر الراء المخففة قطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو، وسمّوا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري أي: النفيس. وقيل سمّوا بذلك لأنهم ينفذون سرًا وخفية وليس بوجه، لأن لام السير راء ولام هذه ياء، ويحتمل أن تكون صفة لمحذوف أي: لا يسير بالطريقة السرية أي: العادلة. والأول أولى لقوله بعد ذلك ولا يعدل، والأصل عدم التكرار والتأسيس أولى من التأكيد ويؤيده رواية جرير وسفيان بلفظ ولا ينفر في السرية. وقوله: في القضية أي: الحكومة، ورواية سفيان وسيف في الرعية. وقوله: قال سعد في رواية جرير فغضب سعد، وحكى ابن التين أنه قال له: أعلي تسجع. وقوله: أما والله بتخفيف الميم: حرف استفتاح. وقوله: لأدعونّ بثلاث أي: عليك، والحكمة في ذلك أنّه نفى عنه الفضائل الثلاث وهي: الشجاعة: حيث قال لا ينفر، والعفة: حيث قال لا يقسم، والحكمة: حيث قال لا يعدل. فهذه الثلاثه تتعلق بالنفس والمال والدين فقابلها بمثلها فطول العمر يتعلق بالنفس، وطول الفقر يتعلق بالمال، والوقوع في الفتن يتعلق بالدين. ولمّا كان في الثنتين الأوليين ما يمكن الاعتذار عنه دون

стр. 4169

الثالثة، قابلهما بأمرين دنيويين، والثالث بأمر ديني، وبيان ذلك أن قوله لا ينفر بالسرية يمكن أن يكون حقًا، لكن رأى المصلحة في إقامته ليرتب مصالح من يغزو ومن يقيم، أو كان له عذر كما وقع في القادسية. وقوله: لا يقسم بالسوية يمكن أن يكون حقًا، فإن للإمام تفضيل أهل العناء في الحرب والقيام بالمصالح. وقوله: لا يعدل في القضية هو أشدها؛ لأنه سلب عنه العدل مطلقًا، وذلك قدحٌ في الدين، ومن أعجب العجب أن سعدًا مع كون هذا الرجل واجهه بهذا وأغضبه حتى دعا عليه في حال غضبه راعى العدل والإنصاف في الدعاء عليه إذ علّقه بشرط أن يكون كاذبًا وأن يكون الحامل له على ذلك الغرض الدنيوي. وقوله: رياء وسمعة أي: ليراه النّاس ويسمعوه فيشهروا ذلك عنه، فيكون له بذلك ذكر. والرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية، والمد مشتق من الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية النّاس لها، فيحمدوا صاحبها، والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من السمع، والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر. وقال الغزالي: طلب المنزلة في قلوب الناس بأن يريهم الخصال المحمودة. والمرائي هو العامل. وقال ابن عبد السلام: الرياء أن يعمل لغير الله والسمعة أن يخفي عمله لله، ثم يحدّث به الناس. وقوله: وأطل: فقره في رواية جرير وشدّد فقره، وفي رواية سيف وأكثر عياله. قال الزين بن المنير في الدعوات الثلاثة مناسبة للحال. أما طول عمره فليراه من سمع بأمره فيعلم كرامة سعد، وأمّا طول فقره فلنقيض مطلوبه؛ لأن حاله يشعر بأنه طلب أمرًا دنيويًا، وأمّا تعرضه للفتن فلكونه قام فيها ورضيها دون أهل بلده. وقوله: وعرضه للفتن أي: اجعله عرضة للفتن أو أدخله في معرضها أي: أظهره بها. وقوله: فكان بعد أي: أبو سعدة، وقائل ذلك عبد الملك بن عمير بينه جرير في روايته. وقوله: إذا سئل في رواية ابن عيينة إذا قيل له كيف أنت. وقوله: شيخ كبير مفتون قيل: لم يذكر الدعوة الأخرى وهي الفقر، لكن عموم قوله أصابتني دعوة سعد تدلّ عليه. وقد وقع التصريح بذلك كما يأتي في تعريفه قريبًا دعوة سعد أفردها لإرادة الجنس وإن كانت ثلاث دعوات. وكان سعد معروفًا بإجابة الدعوة. روى الطبراني عن الشعبي قيل لسعد: متى أصبت الدعوة قال: يوم بدر، قال النبي ﷺ : اللهم استجيب لسعد. وروى الترمذي وابن حبّان والحاكم عن قيس بن أبي حازم عن سعد: أن

стр. 4170

النبي ﷺ قال: اللهم استجيب لسعد إذا دعاك. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدّم أن الأوليين من الرباعية متساويتان في الطول، ويأتي الكلام على ذلك في حديث أبي قتادة في الباب الذي بعد هذا لأنه هو المحل لذلك، وفيه جواز عزل الإِمام بعض عمّاله إذا شكي إليه، وان لم يثبت عليه شيء إذا اقتضت ذلك المصلحة. قال مالك: قد عزل عمر سعدًا وهو أعدل من يأتي بعده إلى يوم القيامة. والذي يظهر أن عمر عزله حسمًا لحالة الفتنة. ففي رواية سيف قال عمر: لولا الاحتياط وأن لا يتقى من أمير مثل سعد لما عزلته. وقيل عزله إيثارًا لقربه منه لكونه من أهل الشورى. وقيل: لأن مذهب عمر أنه لا يستمر العامل أكثر من أربع سنين. وقال المازري: اختلفوا هل يعزل القاضي بشكوى الواحد أو الاثنين، أو لا يعزل حتى يجتمع الأكثر على الشكوى منه وفيه استفسار العامل عما قيل فيه والسؤال عمّن شكى في موضع عمله، والاقتصار في المسألة على من يظن به الفضل لأن عمر رضي الله تعالى عنه كان يسأل عنه في المسجد أهل ملازمة الصلاة فيها، وفيه أن السؤال عن عدالة الشاهد ونحوه يكون ممّن يجاوره، وأن تعريض العدل للكشف عن حاله لا ينافي قبول شهادته في الحال. وفيه خطاب الرجل الجليل بكنيته والاعتذار لمن سمع في حقه كلام يسوءه. وفيه الفرق بين الافتراء والقول الذي يقصد به دفع الضرر فيعزّر قائل الأول دون الثاني، ويحتمل أن يكون سعد لم يطلب حقّه منهم أو عفا عنهم، واكتفى بالدعاء على الذي كشف قناعه في الافتراء عليه دون غيره، فإنه صار كالمنفرد بأذيته. وقد جاء في الخبر: من دعا على ظالمه فقد انتصر. فلعلّه أراد الشفقة عليه بأن عجّل له العقوبة في الدنيا فانتصر لنفسه، وراعى حال من ظلمه لما كان فيه من وفور الديانة. ويقال: إنّما دعا عليه لكونه انتهك حرمة من صحب صاحب الشريعة، وكان قد انتصر لصاحب الشريعة وفيه جواز الدعاء على الظالم المعين بما يستلزم النقص في دينه، وليس هو من طلب وقوع المعصية، ولكنّه من حيث أنه يؤدي إلى نكاية الظالم وعقوبته، ومن هذا القبيل مشروعية طلب الشهادة، وإن كانت تستلزم ظهور الكافر على المسلم، ومن الأول قول موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، وفيه سلوك الورع في الدعاء. رجاله أربعة: قد مرّوا إلاَّ جابر، وفي ذكر سعد وه وابن أبي وقّاص وعمر وعمّار بن ياسر، وذكر أسامة بن قتادة. وفيه فأرسل معه رجلًا أو رجالًا بالإِبهام. قد مرّ موسى بن إسماعيل المنقري، وأبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرّ عمر في الأول منه، ومرَّ سعد في العشرين من الإِيمان، ومرّ عمّار في التعليقال في بعده، ومرّ عبد الملك بن عمير في الحادي والثلاثين من أبواب الجماعة والإمامة، وأمّا جابر فهو ابن سمرة بن جنادة بن

стр. 4171

جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة العامري السوائي يكنى أبا عبد الله. وقيل: أبا خالد حليف بني زهرة وأمّه خالدة بنت أبي وقّاص أخت سعد بن أبي وقاص له ولأبيه صحبة. أخرج له أصحاب الصحيح، أخرج الطبراني عنه قال: جالست النبي ﷺ أكثر من مائة مرّة، وفي الصحيح عنه: صلّيت مع النبي ﷺ أكثر من ألفي مرّة، نزل الكوفة وابتنى بها دارًا له مائة وستة وأربعون حديثًا اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين منها. قوله: رأيت النبي ﷺ في ليلة مقمرة وعليه حلّة حمراء، فجعلت انظر إليه وإلى القمر فلهو في عيني أحسن من القمر. ومنها قوله ﵊: المستشار مؤتمن. روى عنه الشعبي وتميم بن طرفة، توفي بالكوفة في إمارة بشر بن مروان على العراق سنة أربع وسبعين، وقيل سنة ست وسبعين أيام المختار. وأمّا أسامة بن قتادة أبو سعدة المفتون بدعوة سعد بن أبي وقاص، فليس له من التعريف إلا أنه -أعوذ بالله- أصابته دعوة سعد. قال عبد الملك بن عمير كما عند الطبراني وأبي يعلى فأنا رأيته يتعرض للإماء في السكك، فإذا سألوه قال: كبير فقير مفتون. وفي رواية إسحاق عن جرير: فافتقر وافتتن. وفي رواية سيف فعمي. واجتمع عنده عشر بنات، وكان إذا سمع بحس المرأة تعلق بها، فإذا أنكر عليه قال: دعوة المبارك سعد. وفي رواية ابن عيينة: ولا تكون فتنة إلا هو فيها، وأدرك فتنة المختار فقتل فيها. وفي رواية سيف أنه عاش إلى فتنة الجماجم، وكانت سنة ثلاث وثمانين، وكانت فتنة المختار حين غلب على الكوفة من سنة خمس وستين إلى أن قتل سنة سبع وستين. والرجل أو الرجال الذين أرسل عمر رضي الله تعالى عنه قال: في الفتح ذكر الطبري أن رسول عمر بذلك محمد بن مسلمة قال: هو الذي كان يقتص آثار من شكي من العمّال في زمن عمر. وحكى ابن التين أن عمر أرسل في ذلك عبد الله بن أرقم، وروى ابن سعد من طريق مليح بن عوف السلمي قال: بعث عمر محمد بن مسلمة، وأمرني بالمسير معه، وكنت دليلًا بالبلاد، فذكر القصة، وها أنا أذكر تعريف الصحابين الأول: محمّد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل. ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي وهو ممن سمّي في الجاهلية محمدًا. وقيل: يكنى أبا عبد الله أو أبا سعيد، والأول أصح. قال ابن سعد: أسلم قديمًا على يد مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ، وآخى النبي ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، وشهد بدرًا وما بعدها إلّا تبوك فإنه تخلّف بإذن النبي ﷺ له أن يقيم بالمدينة، وكان ممّن ذهب إلى قتل كعب بن الأشرف وإلى ابن أبي الحُقَيق. وقال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصّحابة، واستخلفه النبي ﷺ على المدينة في بعض غزواته، وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولا صفّين. وأخرج ابن شاهين أن محمد بن مسلمة قال: أعطاني رسول الله ﷺ سيفًا فقال: قاتل به المشركين، ما قوتلوا فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضًا فائت به أحدًا فاضرب به حتى

стр. 4172

ينكسر ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منيّة قاضية ففعل. قال ابن عبد البر: اتخذ سيفًا من خشب وجعله في جفن، وذكر أن النبي ﷺ أمره بذلك. وقال حذيفة في حقّه: إني لأعلم رجلًا لا تضره الفتنة فذكره وصرّح بسماع ذلك من النبي ﷺ . أخرجه البغوي وغيره. وقال ابن الكلبي: ولاّه عمر على صدقات جهينة. وقال غيره كان عند عمر معدًا لكشف الأمور المعضلة في البلاد. وكان هو رسوله في الكشف عن سعد بن أبي وقاص حين بني القصر بالكوفة. قال ابن المبارك في الزهد بسنده: بلغ عمر أن سعدًا بني قصراً وجعل عليه بابًا وقال: انقطع الصوت فأرسل محمد بن مسلمة، وكان عمر إذا أحبّ أن يعلى بالأمر كما يريد بعثه فقال له أئت سعدًا فأحرق عليه بابه. فقدم الكوفة فلمّا وصل الباب أخرج زنده فاستورى نارًا، ثم أحرق الباب فأخبر سعد فخرج إليه. فذكر القصة وقال محمد بن الربيع في صحابة مصر: بعثه عمر إلى عمرو بمصر فقاسمه ماله، وأسند ذلك في حديث. وقال ابن شاهين: كان من قدماء الصحابة سكن المدينة، ثم سكن الرَّبَذَة بعد قتل عثمان. روى عن النبي ﷺ أحاديث، وروى عنه ابنه والمسور بن مخرمة، وعروة، والأعرج، وأبو بردة بن أبي موسى، وقبيصة بن حصن وغيرهم. قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة، وأرّخه المدائني سنة ثلاث وأربعين. وقال ابن أبي داود: قتله أهل الشام وكذا قال يعقوب بن سفيان في تاريخه. دخل عليه رجل من أهل الشام من أهل الأردن وهو في داره فقتله. والثاني: عبد الله بن الأرقم بن أبي الأرقم واسمه عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري. قال البخاري: عبد يغوث جدّه، وكان خال النبي ﷺ أسلم يوم الفتح، وكتب للنبي ﷺ ولأبي بكر وعمر، وكان على بيت المال أيّام عمر، وكان أمينًا عنده. حدّثت حفصة أنه قال لها: لولا أن ينكر علي قومك لاستخلفت عبد الله بن الأرقم. وقال السائب بن يزيد: ما رأيت أخشى لله منه، وأخرج البغوي عن عبد الله بن الزبير: أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث وكان يجيب عنه الملوك، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك فيكتب ويختم، ولا يقرؤه لأمانته عنده، واستكتب أيضًا زيد بن ثابت، وكان يكتب الوحي، وكان إذا غاب ابن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى أحد أمر من حضو أن يكتب. فمن هؤلاء عمر وعلي وخالد بن سعيد والمغيرة ومعاوية. ومن طريق محمد بن صدقة الفديكي عن مالك أن أسلم قال قال عمر: كتب إلى النبي ﷺ كتاب، فقال لعبد الله بن الأرقم أجب هؤلاء عنّي، فأخذ عبد الله الكتاب فأجابهم، ثم جاء به فعرضه على النبي ﷺ فقال: أصبت. فقال عمر: قلت رضي رسول الله ﷺ ما كتبت، فما زالت في نفسي حتى جعلته على بيت المال. وقال مالك: بلغني أن عثمان أجاز عبد الله بن الأرقم ثلاثين ألفًا فأبى

стр. 4173

أن يقبلها وقال: إنما عملت لله وأجري عليه. وأخرج البغوي أن عثمان استعمل عبد الله بن الأرقم على بيت المال، فأعطاه عمالة ثلاثمائة ألف دينار فأبى أن يقبلها. له أحاديث، وعندهم فرد حديث. روى عنه عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأسلم مولى عمر ويزيد بن قتادة وعروة. قال ابن السكن: توفي في خلافة عثمان وهو مقتضى صنيع البخاري. ووقع في ثقات ابن حبّان أنه توفي سنة أربع وستين وهو وهم. قال في الإصابة: وأمّا مليح بن عوف فلم أطّلع على ترجمة له فيما وقفت من كتب الرجال إلاَّ ما في الإصابة من قوله له إدراك. وكان دليلًا في زمن عمر وساق حديث ابن سعد المار في ذهابه مع محمّد بن مسلمة. أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن سليمان بن حرب، وأخرجه مسلم فيها أيضًا وأبو داود والنَّسائي.

стр. 4174

الحديث الخامس والعشرون حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قوله: عن محمود بن الربيع في رواية الحميدي عن سفيان حدّثنا الزهري سمعت محمود بن الربيع، وعند الإسماعيلي لابن أبي عمر سمعت عبادة بن الصامت، ولمسلم عن ابن شهاب أن محمود بن الربيع أخبرني أن عبادة بن الصامت أخبره، وبهذا التصريح بالإخبار يندفع تعليل من أعلّه بالانقطاع لكون بعض الرواة أدخل بين محمود وعبادة رجلًا. وهي رواية ضعيفة عند الدراقطني. وقوله: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، زاد الحميدي في مسنده فيها وأخرجها البيهقي والإسماعيلي وأبو نعيم في المستخرج. وهذا يعين أن المراد القراءة في نفس الصلاة ويشمل القراءة في الظهر والعصر ويبيّن ضعف الأحاديث المروية عن ابن عبّاس في ترك القراءة في صلاة الظهر والعصر، وسيأتي إن شاء الله تعالى استيفاء الكلام على ذلك في باب القراءة في الظهر في الباب الذي يلي هذا، واستدل بهذا الحديث من قال بوجوب قراءة الفاتحة على كل مصلّ منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا سواء أسرّ الإمام أو جهر وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وإسحاق، وعند المالكية الفاتحة واجبة على الفذ والإمام، وأما المأموم فتندب له القراءة في السرية، ويندب تركها في الجهرية ولو لم يسمع قراءة الإِمام. واختلف في وجوب قراءتها هل هي واجبة في كل ركعة أو واجبة في الجلّ سنة في الأقل والتارك لها سهوًا سواء كان تركه لها في جلّ الصلاة أو في نصفها أو في أقلّها يسجد قبل السلام لاحتمال أنها وجبت في كل ركعة، هذا مشهور ما قيل في تركها سهوًا ونظمه بعض علمائنا فقال: حاصل ما شهده بناني .... في السهو عن فاتحة القرآن إن كان تركه لها في الجل ... أو النصيف أو من الأقل إتمامه الصلاة ثم يسجد .... قبل السلام ويعيد أبدا وإن تركها عمدًا في ركعة على القول بوجوبها في الجلّ قيل تبطل وقيل لا تبطل. وعند الحنفية تجب القراءة في الركعتين الأوليين من الصلوات ولا تجب في الأخريين. قال صاحب الهداية: إن شاء قرأ في الأخريين، وإن شاء سبّح، وإن شاء سكت، إلاَّ أن الأفضل أن يقرأ. قالوا: المصلّي

стр. 4175

مأمور بالقراءة بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ والأمر لا يقتضي التكرار فتتعين الركعة الأولى منها، وإنّما أوجبوها في الثانية لأنهما تتشاكلان من كل وجه. فالفاتحة لا فرضية لها عندهم في الصلاة مطلقًا لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ فتجب الصلاة بأي قراءة كانت. قالوا: الزيادة على النص تكون نسخًا لاطلاقه وذلك غير جائز، ولا يجوز أن يجعل الحديث بيانًا للآية لأنه لا إجمال فيها؛ لأن المجمل هو ما يتعذر العمل به قبل البيان، والآية ليست كذلك. وتعيين الفاتحة إنّما ثبت بالحديث فيكون واجبًا يأثم تاركه، وتجزىء الصلاة بدونه، والفرض آية قصيرة عند أبي حنيفة (كمدْهامّتان). وقال صاحباه: آية طويلة أو ثلاث آيات ووجوب القراءة عندهم في غير المسلم، وأما المؤتم عندهم فلا يجب أن يقرأ شيئًا لا من الفاتحة ولا من القرآن، وهذا هو ما مرَّ عن المالكية وبه قال الأوزاعي وابن المسيب وجماعة من التابعين وفقهاء الحجاز. قال في الفتح: في قولهم إن الفاتحة واجبة يأثم تاركها، لا ينقضي عجبي ممّن يتعمّد ترك قراءة الفاتحة منهم وترك الطمأنينة فيصلّي صلاة يريد أن يتقرّب إلى الله تعالى بها، وهو يتعمد ارتكاب الإثم فيها مبالغة في تحقق مخالفته لمذهب غيره. وقد قال جماعة: منهم الأحمر، وابن علية، والحسن بن صالح، والأصم أن القراءة في الصلاة مستحبة لا غير. وروى الشافعي عن مالك بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه صلّى المغرب فلم يقرأ فيها شيئًا. فقيل له، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قلنا: حسن. قال: لا بأس. وهذا فيه انقطاع. ولابن الأثير في شرح مسند الشافعي عن الشعبي صلّى عمر فلم يقرأ شيئًا فأعاد، ورواه أبو معاوية عن الأعمش مثله. وروى الشافعي عن علي رضي الله تعالى عنه قال له رجل: إني صلّيت فلم اقرأ قال: أتممت الركوع والسجود قال: نعم، قال: تمّت صلاتك. وروى ابن المنذر عن علي أنه قرأ في الأوليين وسبّح في الأخريين. وفي المصنّف عن أبي إسحاق عن عليّ وعبد الله بن مسعود أنّهما قالا: أقرأ في الأوليين وسبّح في الأخريين. وعن منصور قلت لإبراهيم: ما نفعل في الركعتين الأخريين من الصلاة قال: سبّح وأحمد الله وكبّر، وعن الأسود والثوري كذلك، وعن مالك رواية شاذّة أن الصلاة صحيحة بدون القراءة. وروى البيهقي عن زيد بن ثابت القراءة في الصلاة سُنّة، وعن الشافعي في القديم إن تركها ناسيًا صحّت صلاته. وقد اختلف العلماء في تأويل قوله لا صلاة .. الخ. فقيل أنّها لنفي الجنس والصحة وبهذا قال مَنْ جعلها ركنًا في الصلاة. وقيل إنها لنفي الكمال، وبهذا قال من لم يجعلها ركنًا في الصلاة. قال المازري: اختلف الأصوليون في معنى هذا اللفظ يعني: قوله لا صلاة .. الخ، فقيل: إنه مجمل لأنه حقيقة في نفي الذات، والذات واقعة، والواقع لا يرتفع فينصرف لنفي الحكم وهو متردد

стр. 4176

بين نفي الكمال ونفي الصحة وليس أحدهما أولى، فيلزم الإجمال وهو خطأ لأن العرب لم تضعه لنفي الذات وإنّما تورده للمبالغة. ثم تذكر الذات ما أرادت من المبالغة. وقيل: هو عام مخصوص عام في نفي الذات وأحكامها ثم خصّ بإخراج الذات لأن الرسول لا يكذب. وقيل: هو عام غير مخصوص لأن العرب لم تضعه لنفي الذات بل لنفي أحكامها، وأحكامها في مسألتنا الصحة والكمال وهو عام فيهما ورده المحققون بأن العموم إنّما يحسن إذا لم يكن فيه تنافٍ، هو هنا لازم لأن نفي الكمال يصحّ معه الإجزاء ونفي الصحة لا يصح معه الإجزاء. وصار المحققون إلى الوقف وأنه تردد بين نفي الكمال والإجزاء، فإجماله من هذا الوجه لا ممّا قاله الأولون، وتعقبه الأبي فقال: ما رد به الأول لا يرفع الإجمال لأنه وإن سلم أنه لنفي الحكم فالأحكام متعددة وليس أحدها بأولى، وإنما الجواب ما قيل من أنه لا يمتنع، نفي الذات أي: الحقيقة الشرعية لأن الصلاة في عرف الشرع اسم للصلاة الصحيحة فإذا فقد شرط صحتها انتفت، فلابد من تعلق النفي بالمسمى الشرعي، ثم لو سلّم عوده للحكم لم يلزم الإجمال لأنه في نفي الصحة أظهر؛ لأن مثل هذا اللفظ يستعمل عرفًا لنفي الفائدة كقولهم لا علم إلا ما نفع، ونفي الصحة أظهر في بيان نفي الفائدة، وأيضًا اللفظ يشعر بالنفي العام، ونفي الصحة أقرب إلى العموم من نفي الكمال لأن الفاسد لا اعتبار له بوجه، ومن قال أنه عام مخصوص فالمخصص عنده الحسن؛ لأن الصلاة قد وقعت كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا ترَى (١) إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ فإن الحسّ يشهد بأنها لم تدمر الجبال. وقال في فتح القدير قوله: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب هو مشترك الدلالة لأن النفي لا يرد إلا على النسب لا على نفس الفرد، والخبر الذي هو متعلق الجار محذوف، فيمكن تقديره صحيحة فيوافق قول الشافعي أو كاملة فيخالفه وفيه نظر؛ لأن متعلق المجرور الواقع خبرًا استقرار عام فالحاصل لا صلاة كائنة وعدم الوجود شرعًا هو عدم الصحة. هذا هو الأصل بخلاف لا صلاة لجار المسجد .. الخ، ولا صلاة للعبد الآبق فإن قيام الدليل على الصحة أوجب كون المراد كونًا خاصًا أي: كاملة، فعلى هذا يكون من حذف الخبر لا من وقوع الجار والمجرور خبرًا، ويؤيد حمله على نفي الصحة والإجزاء ما رواه الإسماعيلي عن العبّاس بن الوليد أحد شيوخ البخاري عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ: لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. وأخرجه ابن حبّان وابن خزيمة وغيرهما بهذا اللفظ عن أبي هريرة، وأخرج أحمد بلفظ: لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن، وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي حديث الباب بلفظ لا صلاة إلاَّ بقراءة فاتحة الكتاب، فلا يمتنع أن يقال أن قوله لا صلاة نفي بمعنى النهي أي: لا تصلّوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب، ونظيره ما رواه مسلم عن عائشة مرفوعًا لا صلاة بحضرة الطعام

стр. 4177

فإنه في صحيح ابن حبّان بلفظ: لا يصلّي أحدكم بحضرة الطعام. وأخرجه مسلم وأخرج ابن حبّان شاهداً له عن أبي هريرة بهذا اللفظ، ومما هوكحديث الباب في الدلالة على ركنيتها في الصلاة ما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: "مَنْ صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج فهي خِداج فهي خِداج غير تمام"، واستدل بالحديث على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة بناء على أن الركعة الواحدة تسمّى صلاة لو تجردت، وفيه نظر لأن قراءتها في ركعة واحدة من الرباعية مثلًا يقتضي حصول اسم قراءتها في تلك الصلاة، والأصل عدم وجوب الزيادة على المرّة الواحدة، والأصل أيضًا عدم إطلاق الكل على البعض لأن الظهر مثلًا كلها صلاة واحدة حقيقة كما صرّح به في حديث الإسراء حيث سمّى المكتويات خمسا، وكذا حديث عبادة خمس صلوات كتبهن الله على العباد وكير ذلك، فإطلاق الصلاة على ركعة منها يكون مجازًا. قال الشيخ تقي الدين: وغاية ما في هذا البحث أن يكون في الحديث دلالة مفهوم على صحة الصلاة بقراءة الفاتحة في كل ركعة واحدة منها، فإن دلّ دليل خارج منطوق على وجوبها في كل ركعة كان مقدمًا، ودليل الجمهور قوله ﷺ للمسيء صلاته: وافعل ذلك في صلاتك كلّها -بعد أن أمره بالقراءة- وفي رواية لأحمد وابن حبّان وافعل ذلك في كل ركعة، ولعلّ هذا هو السرّ في إيراد البخاري له عقب حديث عبادة، واستدلّ به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سواء أسرّ الإِمام أو جهر لأن صلاته صلاة حقيقة فتنتفي عند انتفاء القراءة إلى أن جاء دليل يقتضي تخصيص صلاة المأموم من هذا العموم فيقدّم، والمثبتون لركنية الفاتحة مطلقًا كالشافعية أو لغير المأموم كالمالكية يثبتونها لا على معنى الوجوب عند الحنفية، فانهم لا يقولون بوجولها قطعًا بل ظناً لأنهم يخصّون الفرضية والركنية بالقطعي، وإنما قال من قال بفرضيتها وركنيتها بالمعنى الذي سمّوه وجوبًا فلا زيادة. وأجاب القائلون بعدم فرضيتها عن حديث الباب قبول الزيادة بالخبر إنّما تصحّ إذا كان محكمًا، أمّا إذا كان محتملًا فلا. وهذا الحديث محتمل لأن مثله يستعمل لنفي الجواز ونفي الفضيلة كقوله ﵊: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، فالمراد به نفي الفضيلة كذا هو هنا. ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ فمعناه أنهم لا أيمان لهم موثوقًا بها، ولم ينف وجود الأيمان منهم رأسًا لأنه قال: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ وعقب ذلك أيضًا بقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ فثبت أنه لم يرد بقوله أنهم لا أيمان لهم نفي الإيمان أصلًا، وإنما أراد ما ذكر، وهذا يدل على إطلاق لفظة لا والمراد بها نفي الفضيلة دون الأصل، وحملوا معنى قوله في حديث مسلم فهي خِداج على نقصان البركة؛ لأن النقصان في الوصف لا في الذات واستدلت المالكية ومن وافقهم في عدم وجوبها على المأموم بحديث: من صلّى خلف الإِمام فقراءة الإِمام قراءة له. وبما أخرجه مسلم وغيره عن أبي موسى: وإذا قرأ فأنصتوا. وهو

стр. 4178

حديث صحيح وأجابت الشافعية ومن وافقهم عن الحديثين أجابوا عن الأول بأنه حديث ضعيف عند الحفاظ، وقد استوعب الدارقطني طرقة وعلله وردّ هذا الجواب بأن الحديث له طرق كثيرة وشواهد كثيرة، أقلّ أحواله أن يرتقي بها إلى درجة الحسن فقد أخرجه ابن ماجه عن جابر مرفوعًا وأخرجه الدارقطني في سننه عن ابن عمر وأبي هريرة مرفوعًا وأخرجه أيضًا عن ابن عبّاس مرفوعًا بلفظ يكفيك قراءة الإِمام خافت أو جهر وأخرجه الطبراني في الأوسط مرفوعًا عن أبي سعيد. وأخرجه ابن حبّان عن أنس مرفوعًا، ولحديث جابر طرق أخرى يشدّ بعضها بعضًا منها طريق صحيح، رواه محمد بن الحسن في موطئه عن أبي حنيفة بسنده عن جابر مرفوعًا، وأخرجه الدارقطني في سننه والبيهقي في سننه عن أبي حنيفة والحسن بن عمارة بالإسناد المذكور، وتعقّب الدارقطني لهذا الحديث بأن أبا حنيفة والحسن بن عُمارة ضعيفان، وأن الصواب أنه مرسل من عبد الله بن شدّاد مردود بان أبا حنيفة لم يرد أحد روايته، وبأن المرسل عندنا وعند الحنفية حجة، وكذلك الموقوف فما اعترض به الدارقطني حديث ابن عمر السابق بأنه موقوف لا اعتراض به لأن الموقوف حجة. وقد روي منع القراءة خلف الإِمام عن ثمانين من الصحابة الكبار منهم العبادلة الأربعة. وقد روى الإِمام عبد الله بن يعقوب الحارني في كشف الأسرار عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ينهون عن القراءة خلف الإِمام اشدّ النهي أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم. ولهذا قال صاحب الهداية: وعلى ترك القراءة خلف الإِمام إجماع الصحابة فسمّاه إجماعًا باعتبار اتفاق الأكثر. ومثل هذا يسمى إجماعًا، وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن موسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا ينهون عن القراءة خلف الإِمام وأخرج عن موسى بن سعد بن أبي وقاص قال: ذكر لي أن سعد بن أبي وقاص قال: وَدِدْتُ أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر. وأخرج الطحاوي بسنده عن علي أنه قال: من قرأ خلف الإِمام فليس على الفطرة أي: ليس على شرائط الإِسلام، أو ليس على السنة. وأخرجه عنه ابن أبي شيبة بلفظ من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة. وأخرجه الدارقطني كذلك من طرق. وأخرجه عبد الرزاق عنه بلفظ: من قرأ مع الإِمام فليس على الفطرة، وقال ابن مسعود: ملىء فوه ترابًا، قال: وقال عمر: وددت أن الذي يقرأ خلف الإِمام في فيه حجر، وفي التمهيد ثبت عن علي وسعد وزيد بن ثابت أنه لا قراءة مع الأمام لا فيما أسرّ ولا فيما جهر. وأخرج عبد الرزاق عن أبي وائل قال رجل إلى عبد الله: يا أبا عبد الرحمن أأقرأ خلف الإِمام؟ قال: أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلًا وسيكفيك ذلك الإِمام. وأخرجه الطبراني عن عبد الرزاق، وأخرجه ابن أبي شيبة عن منصور عن أبي وائل .. الخ.

стр. 4179

وأخرج الطحاوي عن عبيد الله بن مِقْسَم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت، وجابر بن عبد الله فقالوا: لا تقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات. ثم قال الطحاوي: فهؤلاء جماعة من أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على ترك القراءة خلف الإِمام، وقد وافقهم على ذلك ما روي عن النبي ﷺ مما قدمنا ذكره. قلت: وما روي عن هؤلاء الصحابة له حكم المرفوع، إذ لا مجال للرأي في القرآن في الصلاة، فما قالوه محمول على أنهم سمعوه منه ﷺ . وقد روى أبو داود في حديث عبادة بن الصامت لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، أن سفيان بن عيينة أحد رواته قال: هذا لمن يصلي وحده يعني: أنه في حق من يصلي وحده، وأما المقتدي فإن قراءة الإِمام قراءة له، وكذا قال الإسماعيلي في روايته إذا كان وحده وعلى هذا لا تبقى للشافعية ومن قال بقولهم دعوى للعموم في حق المأموم، وأجابوا عن حديث أبي موسى السابق وإذا قرأ فأنصتوا، ومثله ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والطحاوي عن أبي هريرة أنه ﵊ قال: إنما جعل الإِمام ليؤتم به، وزاد فيه: وإذا قرأ فانصتوا، فإن هذين الحديثين حجة صريحة في أن المقتدي لا يجب عليه أن يقرأ خلف الإِمام في الجهرية بأنه لا دلالة فيما حكاه على الجمع بين الأمرين فينصت فيما عدا الفاتحة أو ينصت إذا قرأ الإِمام، ويقرأ إذا سكت. قالوا: وعلى هذا يتعين على الإِمام السكوت في الجهرية ليقرأ المأموم لئلا يوقعه في ارتكاب النهي حيث لا ينصت إذا قرأ الإِمام قلت: وهذا الجواب يكفي من رده أن مذهبهم لا يجب فيه هذا السكوت وإنما هو مندوب عندهم، فلابد من أن يقولوا بوجوب السكوت على الإِمام أو ترك المأموم للإنصات والقراءة مع الإِمام أو تركه القراءة، وهذا كله خلاف مذهبهم. وقد قال ابن عبد البر في التمهيد بسنده عن أحمد بن حنبل أنه صحّح الحديثين حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة. وقد قال في الفتح: كان متفطنًا للاعتراض الذي قدمناه، قد ثبت الإذن بقراءة الفاتحة في الجهرية بغير قيد، وذلك فيما أخرجه البخاري في جزء القراءة والترمذي وابن حبّان وغيرهما عن عبادة أن النبي ﷺ ثقلت عليه القراءة في الفجر، فلمّا فرغ قال: لعلّكم تقرؤون خلف إمامكم قلنا: نعم قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها وله شاهد من حديث أبي قتادة عند أبي داود والنَّسائي ومن حديث أنس عند ابن حبّان. وروى عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: لابد من أم القرآن، ولكن من مضى كان الإِمام يسكت قدر ما يقرأ المأموم بأم القرآن. قلت: ما ذكره من قراءة المأموم في الجهرية ليس في الحديث الأول الذي ذكر دلالة عليه، فإن قوله ﵊: لعلّكم تقرؤون قال على أنه لم يسمع قراءتهم ولو سمعها ما استفهمهم كما أن قوله إلا بفاتحة الكتاب ليس فيه إذن منه في قراءتها جهرًا. وقد أخرج النَّسائي وغيره عن الزهري في آخر حديث الباب فصاعدًا واستدل به على وجوب قدر زائد على الفاتحة، وتعقب بأنه ورد لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة.

стр. 4180

قال البخاري في جزء القراءة: هو نظير قوله تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا وادّعى ابن حبّان والقرطبي وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها وفيه نظر لثبوته عن بعض الصحابة ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره، ولعلّهم أرادوا أن الأمر استقر على ذلك وسيأتي في حديث أبي هريرة بعد ثمانية أبواب وإن لم تزد على أم القرآن اجزأت ولابن خزيمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قام فصلّى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب. رجاله خمسة: قد مرّوا: مرَّ علي بن المديني في الرابع عشر من العلم، ومرَّ ابن عيينة في الأول من بدء الوحي، والزهري في الثالث منه، ومحمود بن الربيع في التاسع عشر من العلم، وعبادة بن الصامت في الحادي عشر من الإيمان. فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصري ومكّي ومدني، أخرجه باقي الستة في الصلاة أيضًا مسلم وأبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه.

стр. 4181

الحديث السادس والعشرون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ وَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلاَثًا. فَقَالَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي. فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا. قال في الفتح: موضع الحاجة منه هنا قوله: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، وكأنه أشار بإيراده عقب حديث عبادة أن الفاتحة إنما تتحتم على من يحسنها، وأن من لم يحسنها يقرأ بما تيسر عليه. وأن إطلاق القراءة في حديث أبي هريرة مقيدة بالفاتحة كما في حديث عبادة. قلت: كان الأولى له الاقتصار على أن مناسبة الحديث للترجمة في قوله ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن فإن الترجمة إنما فيها وجوب القراءة للإمام والمأموم، وقد مرّ أن المنفرد حكمه حكم الإِمام والحديث دال على وجوب القراءة على المنفرد واعترضه العيني من وجه آخر وقال: إن مناسبته للترجمة بالاستيناس في قوله وما يخافت لأنه ﵊ أمر الرجل المذكور في هذا الحديث بالقراءة في صلاته وكانت نهارية، وأصل صلاة النهار على الإسرار إلا ما خرج بدليل كالجمعة والعيدين. والأولى عندي في المناسبة الوجه الأول. قوله: عن أبيه قال الدارقطني خالفه يحيى القطّان وأصحاب عبيد الله كلّهم في هذا الإسناد فإنهم لم يقولوا عن أبيه ويحيى حافظ فيشبه أن يكون عبيد الله حدّث به على الوجهين. وقال البزار: لم يتابع يحيى عليه ورجح الترمذي رواية يحيى ولكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدًا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين. فأخرج البخاري طريق يحيى هنا، وفي باب أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة الآتي، وأخرج في الاستيذان طريق عبيد الله بن نمير، وفي الأيمان والنذور عن أبي أسامة كلاهما عن عبيد الله ليس فيه عن أبيه.

стр. 4182

وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة أخرجها أبو داود والنسائي عن إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن عجلان وداود بن قيس كلّهم عن عليّ بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي عن أبيه عن عمّه رفاعة بن رافع، فمنهم من لم يسمّ رفاعة وقال عن عم له بدري ومنهم من لم يقل عن أبيه. ورواه الترمذي والنَّسائي عن يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن جدّه عن رفاعة، لكن لم يقل الترمذي عن أبيه، وفيه اختلاف آخر سيذكر قريبًا. وقوله: فدخل رجل في رواية ابن نمير ورسول الله ﷺ جالس ونحن حوله، وهذا الرجل هو خلاد بن رافع ويأتي في السند ذكر محل تعريفه، وجعل أبو موسى في الذيل عن ابن عيينة الحديث من رواية خلاد بن رافع والمحفوظ أنه من رواية رفاعة كذلك أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد القطان وابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر، وأمّا ما وقع عند الترمذي إذ جاء رجل كالبدوي فصلّى فأخف صلاته فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد لأن رفاعة شبهه بالبدوي لكونه أخف الصلاة أو لغير ذلك. وقوله: فصلّى زاد النَّسائي من رواية داود بن قيس ركعتين، وفيه إشعار بأنه صلّى نفلًا، والأقرب أنها تحية المسجد، وفي الرواية المذكورة وقد كان النبي ﷺ يرمقه في صلاته زاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة: ولا ندري ما يعيب منها، وعند ابن أبي شيبة من رواية أبي خالد يرمقه ونحن لا نشعر، وهذا محمول على حالهم في المرّة الأولى وهو مختصر من الذي قبله كأنه قال: ولا يشعر بما يعيب منها. وقوله: ثم جاء فسلّم في رواية أبي أسامة، فجاء وسلّم وهي أولى لأنه لم يكن بين صلانه ومجيئه تراخ قلت: هذا يحتاج إلى ما يدل عليه صريحًا حتى تكون هذه هي الأولى. وقوله: فرد النبي ﷺ في رواية مسلم ورواية ابن نمير في الاستيذان فقال: وعليك السلام، وفي تعقّب على ابن المنير حيث قال: إن الموعظة في وقت الحاجة أهم من رد السلام، ولأنه ﵊ لم يرد ﵇ تأديبًا له على جهله فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك السلام، والذي في نسخ الصحيحين ثبوت الرد في هذا الموضع وغيره إلا الذي في الأيمان والنذور، وقد ساق صاحب العمدة الحديث بلفظ الباب إلا أنه حذف منه الرد فلعل ابن المنير اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب العمدة. وقوله: ارجع في رواية ابن عجلان أعد صلاتك. وقوله: فإنك لم تصل قال عياض: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزىء وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء وهو الظاهر، ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه ﷺ لم يأمره بعد التعليم بالإعادة فدل على اجزائها والإلزام تأخير البيان كذا قاله المهلب ومن تبعه من المالكية وفيه نظر لأنه ﵊ قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم

стр. 4183

فعلّمه، فكأنّه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية. قال ابن المنير: وقوله ثلاثًا في رواية ابن نمير، فقال في الثالثة أو في التي بعدها، وفي رواية أبي أسامة فقال في الثانية أو الثالثة وتترجح الأولى لعدم وقوع الشك فيها، ولكونه ﷺ كان من عادته استعمال الثلاث في تعليمه غالبًا. وقوله: فعلمني في رواية يحيى بن علي، فقال الرجل فأرني وعلّمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطىء. فقال أجل. وقوله: إذا قمت إلى الصلاة فكبّر. في رواية ابن نمير إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبّر. وفي رواية يحيى بن علي فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، وأقم، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة عند النسائي: إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبّر الله ويحمده ويمجده، وعند أبي داود ويثني عليه بدل ويمجده. وقوله: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن لم تختلف الروايات في هذا عن أبي هريرة، وأما رفاعة ففي رواية إسحاق المذكورة ويقرأ ما تيسر من القرآن ممّا علّمه الله. وفي رواية يحيى بن علي فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبّره وهلّله وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داود ثم اقرأ بأم القرآن أو بما شاء الله. ولأحمد وابن حبّان من هذا الوجه ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت. ترجم له ابن حبَّان باب فرض المصلّي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة. وقوله: حتى تطمئن راكعًا في رواية أحمد القريبة فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك وتمكن لركوعك. وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة ثم يكبّر فيركع حتى تطمئن مفاصله ويسترخي. وقوله: حتى تعتدل قائمًا في رواية ابن نمير عند ابن ماجه حتى تطمئن قائمًا. وقد أخرج مسلم إسناده بعينه في هذا الحديث لكنه لم يسق لفظه فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده وأبو نعيم في مستخرجه والسراج كلهم عن أبي أسامة. فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبّان. وفي لفظ أحمد: فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، وعرف بهذا أن قول إمام الحرمين: في القلب من إيجابها أي الطمأنينة في الرفع من الركوع شيء لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته دال على أنه لم يقف على هذه الطرق الصحيحة. وقوله: ثم اسجد في رواية إسحاق بن أبي طلحة ثم يكبر فيسجد حتى يمكن وجهه أو جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي. وقوله: ثم ارفع في رواية إسحاق المذكورة ثم يكبر فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته ويقيم صلبه. وفي رواية محمد بن عمرو: فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى، وفي

стр. 4184

رواية إسحاق فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن جالسًا ثم افترش فخذك اليسرى ثم تشهد. وقوله: ثم افعل ذلك في صلائك كلها في رواية محمد بن عمرو ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة، وفي رواية ابن نمير في الاستيذان بعد ذكر السجود الثاني، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا. وقد قال بعضهم: هذا يدل على إيجاب جلسة الاستراحة ولم يقل به أحد. وأشار البخاري إلى أن هذه اللفظة وهم فإنه عقبه بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير حتى تستوي قائمًا، ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد ويقويه رواية إسحاق المذكورة قريبًا، وكلام البخاري ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا ثم افعل ذلك في كل ركعة. وأخرجه البيهقي من طريقه هكذا، والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد بن أبي قدامة ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تستوي قائمًا واستدل بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة. وبه قال الجمهور، وقال أبو حنيفة ومحمد إن الطمأنينة في الركوع والسجود واجبة وليست بفرض حتى قال في الخلاصة إنها سنة عندهما وقالا لأن الركوع هو الانحناء والسجود هو الانخفاض لغة، فتتعلق الركنية بالأدنى منهما، وقالا أيضًا قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ أمر بالركوع والسجود وهما لفظان خاصان يراد بهما الانحناء والانخفاض فيتأدى ذلك بأدنى ما ينطلق عليه من ذلك وافتراض الطمأنينة فيهما بخبر الواحد زيادة على مطلق النص وهو نسخ، وذلك لا يجوز ويأتي الجواب عن هذا في آخر الكلام على الحديث، وأجابوا عن حديث الباب بأنه ﵊ انما أمره بالإعادة على الكيفية الكاملة ولا يستلزم ذلك نفي ذات الصلاة، فالنفي راجع إلى الصفة لا إلى الذات والدليل عليه أن صلاته لو كانت فاسدة لكان الاشتغال بها عبثًا، والنبي ﷺ لا يقرر أحدًا على الاشتغال بالعبث، ويأتي في آخر الكلام على الحديث الجواب عن هذا، لكن الطحاوي جعل الخلاف في المقدار الذي يجزىء السجو والركوع بدونه، فإنه لما ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه ﷺ قال: إذا قال أحدكم ني ركوعه سبحان ربي العظيم ثلالًا فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا قال في سجودة سبحان ري الأعلى ثلاثًا فقد تم سجوده وذلك أدناه، قال ذهب إلى هذا إسحاق وداود وأحمد في رواية مشهورة وخالفهم في ذلك الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي والثوري وأحمد في رواته، فإنهم قالوا مقدار الركوع الذي لا تتم الصلاة إلا به إن ركع حتى يستوي ومقدار السجود إن سجد حتى يطمئن ساجداً وقال ابن دقيق العيد تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه وعلى عدم وجوب ما لم يذكر فيه أما الوجوب لتعلق الأمر به وأما عدمه فلكون الموضع موضع تعليم وييان للجاهل، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي وعا لم يتعلق به فدل على أنه لم يقصر

стр. 4185

المقصود على ما وقعت به الإساءة قال: فكل موضع اختلف العلماء في وجوبه وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا التمسك به في وجوبه وبالعكس. قال في الفتح: لكن هذا يحتاج إلى جمع طرق هذا الحديث وإحصاء الأمور المذكورة فيه والأخذ بالترائد فالزائد ثم إن عارض الوجوب أو عدمه دليل أقوى منه عمل به وإن جاءت صيغة الأمر في حديث آخر بشيء لم يذكر في هذا الحديث قدمت قال وقد جمعت طرقه القوية عن أبي هريرة ورفاعة، وقد أمليت الزيادات التي اشتملت عليها قلت: قد اقتفيت أثره في ذلك فذكرت كل ما ذكره فمما لم يذكر فيه صريحًا من الواجبات المتفق عليها النية والقعود الأخير، ومن المختلف فيه التشهد الأخير والصلاة على النبي ﷺ فيه والسلام في آخر الصلاة. قال النووي: وهو محمول على أن ذلك كان معلومًا عند الرجل. قلت: هذا مخالف لما مرّ قريبًا من أنه ﵊ علمه ما تعلقت به الإساءة وما لم تتعلق به، وفيه دليل على أن الإقامة والتعوذ ودعاء الافتتاح ورفع اليدين في الإحرام وغيره ووضع اليمنى على اليسرى وتكبيرات الانتقالات وتسبيحات الركوع والسجود وهيئات الجلوس ووضع اليد على الفخذ ونحو ذلك مما لم يذكر في الحديث ليس بواجب وهو في معرض المنع لثبوت بعض ذكر في بعض الطرق كما مرّ بيانه فيحتاج من لم يقل بوجويه إلى دليل على عدم وجوبه كما مرّ تقريره واستدل به على تعين لفظ التكبير. قال ابن دقيق العيد: ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات ولأن رتب هذه الأذكار مختلفة فقد لا يتأدى برتبة منها ما يقصد برتبة أخرى ونظيره الركوع، فإن المقصود به التعظيم بالخضوع فلو أبدل بالسجود لم يجزىء مع أنه في غاية الخضوع، وقد مرّت هذه المسألة في أول صفة الصلاة واستدل به الحنفية ومن وافقهم على أن قراءة الفاتحة لا تتعين في الصلاة، ووجهه أنه إذا تيسر فيه غير الفاتحة فقرأه يكون ممتثلاً فيخرج من العهدة، وأجاب الذين عينوها عن هذا الحديث بأجوبة منها: أن الدليل على تعينها تقييد المطلق في هذا الحديث وهو متعقب لأنه ليس بمطلق من كل وجه بل هو مقيد بقيد التيسير الذي يقتضي التخيير، وإنما يكون مطلقًا لو قال اقرأ قرآناً ثم قال: اقرأ فاتحة الكتاب، وقال بعضهم: هو بيان للمجمل أي: حديث الفاتحة بيان لما أجمل في حديث اقرأ ما تيسر، وتعقب هذا بأن المجمل هو ما لم تتضح دلالته. وقوله: ما تيسر متضح لأنه ظاهر في التخيير وإنما يقرب ذلك أن جعلت ما موصولة، وأريد بها شيء معين وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها فهي المتيسرة وتعقب هذا بأن سورة الإخلاص ميسرة وهي أقصر من الفاتحة، فلم ينحصر التيسير في الفاتحة، وقيل محمول على أنه عرف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة. ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسر وقيل محمول على أنه منسوخ بالدليل على تعيين الفاتحة ولا يخفى ضعفهما لكنه محتمل ومع الاحتمال لا يترك الصريح، وهو قوله: لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وقيل: إن قوله ما تيسر محمول

стр. 4186

على ما زاد على الفاتحة جمعًا بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة ويؤيده الرواية التي تقدمت لأحمد وابن حبّان حيث قال فيها اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت وتعقب هذا بأنه ليس في ظاهر الحديث ما يدل على الفاتحة حتى يكون قوله ما تيسر وإلا على ما زاد على الفاتحة ومع هذا إِذا كان مأمورًا بما زاد على الفاتحة يجب أن تكون تلك الزيادة أيضًا فرضًا مثل الفاتحة ولم يقل بهذا من أوجب قراءة الفاتحة. قال في الفتح: والجواب القوي عن هذا أنه ورد في حديث المسيء صلاته تفسير ما تيسّر بالفاتحة كما أخرجه أبو داود عن رفاعة بن رافع رفعه، وإذا قمت فتوجهت فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك .. الحديث. وفي بعض طرقه كما مرّ ثم اقرأ إن كان معك قرآن فإن لم يكن فاحمد الله وكبّر وهلّل فإذا جمع بين ألفاظ الحديث كان تعين الفاتحة هو الأصل لمن معه قرآن فإن عجز عن تعلّمها وكان معه شيء من القرآن قرأ ما تيسر وإلاّ انتقل للذكر ويحتمل في طريق الجمع أيضاً أن يقال المراد بقوله: فاقرأ ما تيسر معك من القرآن أي: بعد الفاتحة ويؤيده رواية أبي سعيد عند أبي داود وبسند قوي أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر. وقال الخطابي في قوله: وافعل ذلك في صلاتك كللها دليل على أن عليه أن يقرأ في كل ركعة كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة، وقد مرَّ الكلام على هذا في حديث عبادة بن الصامت، واستدل به على وجوب الطمأنينة في الأركان، واعتذر بعض من لم يقل به بأنه زيادة على النص لأن المأمور به في القرآن مطلق السجود فيصدق بغير طمأنينة، فالطمأنينة زيادة والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تعتبر، وعورض بأنها ليست زيادة لكن لبيان المراد بالسجود وأنه خالف السجود اللغوي لأنه مجرد وضع الجبهة فبيّنت السنة أن السجود الشرعي ما كان بالطمأنينة ويؤيده أن الآية نزلت تأكيدًا لوجوب السجود لأن النبي ﷺ ومن معه كانوا يصلّون قبل ذلك. ولم يكن النبي ﵊ يصلّي بغير طمأنينة، وفي الحديث أيضًا من الفوائد وجوب الإعادة على من أخلّ بشيء من واجبات الصلاة، وفيه أن الشروع في النافلة ملزم لكن يحتمل أن تكون الصلاة فريضة فيقف الاستدلال، وقد مرّ أنها نافلة، ومرّ الكلام على هذه المسألة في كتاب الإيمان عند حديث الأعرابي السائل قال: لا إلا أن تطوع وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحسن التعليم بغير تعنيف وإيضاح المسألة وتخليص المقاصد وطلب المتعلم من العالم أن يعلمه وفيه تكرار السلام ورده وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال، وفيه أن القيام في الصلاة ليس مقصودًا لذاته، وإنما يقصد للقراءة فيه، وفيه جلوس الإِمام في المسجد وجلوس أصحابه معه، وفيه التسليم للعالم والانقياد له والاعتراف بالتقصير والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ، وفيه أن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به القرآن لا ما زادته السنة فيندب، وفيه حسن خلقه ﷺ ولطف معاشرته، وفيه تأخير البيان في المجلس للمصلحة، وقد استشكل تقرير النبي ﷺ له على صلاته

стр. 4187

وهي فاسدة بناء على القول بأنه أخل ببعض الواجبات. وأجاب المازري بأنه أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرات لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا أو غافلًا فيتذكره فيفعله من غير تعليم وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ. وقال النووي نحوه قال، وإنما لم يعلمه أولًا ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة. وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لم يفته، فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك، وقال ابن دقيق العيد: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا، بل لابد من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم لاسيما مع عدم خوف الفوات إما بناء على ظاهر الحال أو بوحي خاص. وقال التوربشتي: إنما سكت عن تعليمه أولًا لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي وكأنه اغتر بما عنده من العلم فسكت عن تعليمه زجرًا له وتأديبًا وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه. لكن فيه مناقشة لأنه إن تم له في الصلاة الثانية والثالثة لم يتم له في الأولى؛ لأنه ﵊ بدأه لما جاء أول مرة بقوله: ارجع فصل فإنك لم تصل فالسؤال وارد على تقريره له في الصلاة الأولى كيف لم ينكر عليه في أثنائها لكن الجواب يصلح بيانًا للحكمة في تأخير البيان بعد ذلك وفيه حجة على من أجاز القراءة بالفارسية يكون ما ليس بلسان العرب لا يسمى قرآنًا قاله عياض. قال العيني: هذا مبني على أن القرآن اسم للنظم، والمعنى جميعًا، وقيل إنه اسم للمعنى فقط بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ولم يكن القرآن في زبر الأولين بلسان العرب. قلت: الأول هو ما درج عليه أهل الأصول من كون القرآن لفظًا منزلًا على النبي ﷺ للإعجاز به وللتعبد به، فالقول الثاني ساقط لا عبرة به، وفيه أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون ذلك منه نصيحة وزيادة خير له من الكلام فيما لا معنى له. وموضع الدلالة منه قوله: علّمني أي: الصلاة، فعلمه الصلاة ومقدماتها. رجاله ستة: وفيه ذكر رجل مبهم، وقد مرَّ الجميع إلا أبا سعيد، مرّ محمد بن بشار في الحادي عشر من العلم، ومرّ يحيى القطان في السادس من الإيمان، ومرّ سعيد المقبري في الثاني والثلاثين منه، ومرّ أبو هريرة في الثاني منه، ومرَّ عبيد الله بن عمر العمري في الرابع عشر من الوضوء والرجل المبهم هو خلّاد بن رافع الأنصاري كما بيّنه ابن أبي شيبة، وقد مرَّ في الحادي عشر من التيمم، وأما أبو سعيد فهو كيسان المقبري صاحب العباء مولى أم شريك، ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة.

стр. 4188

وقال الواقدي: كان ثقة كثير الحديث، وقال النِّسائي: لا بأس به، وقال إبراهيم الحربي: كان ينزل المقابر فسمي بذلك، وقيل إن عمر جعله على حفر القبور فسمي المقبري، وجعل نعيمًا على إجمار المسجد فسمّي المجمر، وفرّق ابن حبّان في الثقات بين كيسان صاحب العباء روى عن عمر وعنه أبو صخر، وبين كيسان مولى أم شريك يكنى أبا سعيد وهو المعروف بالمقبري لأن منزله كان بالقرب من المقابر. روى عن عمر، وعلي، وعبد الله بن سلام، وأسامة بن زيد، وأبي هريرة، وأبي شريح وغيرهم، وروى عنه ابنه سعيد وابن ابنه عبد الله بن سعيد وعمرو بن أبي عمر وأبو صخر حميد بن زياد وغيرهم، مات سنة مائة قال ابن سعد: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك، وزعم الطحاوي أنه مات سنةَ خمسٍ وعشرينَ ومائة وهم منه فإنَّ ذلك تاريخ ولدهِ. لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع، والعنعنة، والقول ورواية تابعي ولد عن تابعي أب. أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة عن مسدد وفي الاستيذان جمن محمد بن بشار ومسلم وأبو داود في الصلاة. وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه. ثم قال المصنف: باب القراءة في الظهر هذه الترجمة والتي بعدها يحتمل أن يكونَ المرادُ بهما إثباتَ القراءة في الظهر والعصر، وأن تكونَ سرًا إشارة إلى مَنْ خالفَ في ذلك كابن عباس. ويأتي قريبًا ما روي عنه وعن غيره في ذلك إن شاء الله تعالى. ويحتمل أن يُراد بهما تقدير المقروء وتعينه. والأول أظهر لكونه لم يتعرض في البابين لإخراج شيء مما يتعلق بالاحتمال الثاني. وقد أخرج مسلم وغيره أحاديثَ مختلقة في ذلك. سيأتي بعضها قريبًا ويأتي الجمع بين ما اختلف من الأحاديث في باب القراءة في المغرب بعد باب.

стр. 4189

الحديث السابع والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ سَعْدٌ: كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاَةَ الْعَشِيِّ لاَ أَخْرِمُ عَنْهَا، أَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الأُخْرَيَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ رضى الله عنه: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ. قوله: وأحذف في الأخريين هذه رواية الكشميهني. وقد مرّ ما قيل فيها في الباب السابق. وقد استدل بهذه الرواية من قال: بعدم وجوب القراءة في الركعتين الأخريين كالحنفية. ومرّ في حديث عبادة بن الصامت بعض الآثار التي استدلوا بها. وهناك من قال إن القراءة مستحبة لا غير. وما روي عن ابن عباس منه ما جزم به. ومنه ما هو شك، فأما ما جزم به فهو ما أخرجه أبو داود في سننه عن عبد الله بن عبيد الله قال: دخلتُ على ابن عباس في شباب من بني هاشم فقلنا لشاب: سل ابن عبّاس أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ فقال: لا لا، فقيل له: فلعلّه كان يقرأ في نفسه فقال: خمسًا هذه شر من الأولى، كان عبدًا مأمورًا بلغ ما أرسل به الحديث. وروى الطحاوي عن عكرمة عن ابن عبّاس أنه قيل له: إن ناسًا يقرؤون في الظهر والعصر فقال: لو كان لي عليهم سبيل لقطعت ألسنتَهم، إن النبي ﷺ قرأ وكانت قراءتُه لنا قراءةً وسكوتُه سكوتًا. وأخرجه البزار عن عكرمة أنَّ رجلًا سأل ابنَ عبّاس عن القراءة في الظهر والعصر فقال: قرأ رسول الله ﷺ في صلوات فنقرأ فيما قرأ فيه ونسكتُ فيما سكتَ فيه. فقلت: كان يقرأ في نفسه فغضبَ وقال: أتتهمون رسول الله ﷺ . وأخرجه أحمد ولفظه: عن عكرمة قال ابن عبّاس: قرأ رسول الله ﷺ فيما أمر أن يقرأ فيه وسكت فيما أُمر أن يسكتَ فيه، وما كان ربك نسيًا. ولقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة. وما روي عنه بالشك هو ما رواه أبو داود أيضًا والطبري عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا؟. وإلى الأحاديث المروية عنه ذهب سويد بن غفلة، والحسن بن صالح، وإبراهيم بن

стр. 4190

علية، ومالك في رواية وقالوا: لا قراءة في الظهر والعصر أصلًا. وما روي عنه يرده ما روي عن غيره مما هو أكثر. فقد روي عن خبّاب فيما مرّ وعن أبي قتادة فيما يأتي بعد هذا القراءة فيهما. وأخرج مسلم حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك. وأخرج مسلم عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ صلّى الظهر فجعل رجل يقرأ بسبّح اسم ربك الأعلى، فلمّا انصرف قال: أيّكم قرأ أو أيكم القارىء قال رجل: أنا قال: علمت أن بعضكم خالجنيها أي: نازعني قراءتها. وأخرج النَّسائي عن عطاء قال: قال أبو هريرة: كل صلاة يقرأ فيها فما أسمعنا رسولُ الله ﷺ أسمعناكم وما أخفى عنّا أخفينا عنكم. وأخرج النَّسائي أيضًا عن أبي بكر بن النضر قال: كنّا بالطف عند أنس فصلّى بهم الظهر، فلمّا فرغ قال: إنِّي صلّيت مع رسول الله ﷺ فقرأ لنا بهاتين السورتين في الركعتين سبّح اسم ربك الأعلى، وبهل أتاكَ حديثُ الغاشية. فهذه الروايات مقدمة على مَنْ نفى فضلًا على من شك. وفي قوله: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة حجة عليه، فيقال له: قد ثبت أنه قرأ فيلزمك أن تقرأ، وقد جاء عن ابن عبّاس إثبات ذلك. روى ابن المنذر والطحاوي وغيرهما عن أبي العالية البراء قال: سألت ابنَ عباس أقرأ في الظهر والعصر قال: هو إمامك اقرأ منه ما قل أو كثر. وروى ابن أبي شيبة عنه أنه قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر. وهذا يدل على أنه رجع عن ذلك القول لمّا بلغته قراءتُه ﵊. وهذا الحديث قد استوفيت مباحثه في الباب الذي قبله عند ذكره هناك تامًا. رجاله ستة: قد مرّوا جميعًا، مرّ أبو النعمان في الحادي والخمسين من الإِيمان، ومرّ أبو عوانة في الخامس من بدء الوحي، ومرَّ عبد الملك بن عمير في الحادي والثلاثين من أبواب الجماعة، ومرّ جابر بن سمرة في الرابع والعشرين من أبواب صفة الصلاة، ومرّ سعد في العشرين من الإيمان.

стр. 4191

الحديث الثامن والعشرون حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِي الأُولَى وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِي الثَّانِيَةِ. في رواية الجوزقي عن شيبان: التصريح بالإخبار ليحيى من عبد الله ولعبد الله من أبيه وكذا النَّسائي من رواية الأوزاعي عن يحيى لكن بلفظ التحديث فيهما، وكذا عنده من رواية أبي إبراهيم القتاد عن يحيى حدّثني عبد الله فأمن تدليس يحيى. وقوله: الأوليين بتحتانيتين، تثنية الأولى. وقوله: صلاة الظهر فيه جواز تسمية الصلاة بوقتها. وقوله: وسورتين أي: في كل ركعة سورة كما يأتي صريحًا في الباب الذي بعده، واستدل به على أن قراءة سورة أفضل من قراءة قدرها من طويلة قاله النووي، وزاد البغوي: ولو قصرت السورة عن المقروء كأنه مأخوذ من قوله: كان يفعل لأنها تدل على الدوام، وعند المالكية السنة قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة في الأولى والثانية، وإكمال السورة مستحب وترك إكمالها مكروه، وهذا في صلاة الفرض الوقتي المتسع وقته. وخرج بالفرض النفل، فإن قراءة ما زاد على أم القرآن فيه مستحب، وبالوقتي مالا وقت له كالجنازة، فلا فاتحة فيها عندهم فضلًا عن السورة وبالمتسع وقته مالًا يتسع وقته فلا سورة فيه خشية خروج الوقت. وفي العيني قال في شرح الهداية: إن قرأ بعض سورة في ركعة وبعضها في الثانية الصحيح أنه لا يكره وقيل يكره، ولا ينبغى أن يقرأ في الركعتين من وسط السورة ومن آخرها ولو فعل لا بأس به. وفي النسائي قرأ رسول الله ﷺ من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون ثم أخذته سعلة فركع وفي المغني لا تكره قراءة آخر السورة وأوسطها في إحدى الروايتين عن أحمد، وفي الرواية الثانية مكروهة. وقوله: يطول في الأولى ويقصر في الثانية قال تقي الدين: كان السبب في ذلك أن النشاط في

стр. 4192

الأولى يكون أكثر، فناسب التخفيف في الثانية حذرًا من الملل. وروى عبد الرزاق عن يحيى في آخر هذا الحديث فظننّا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس بذلك الركعة الأولى. ولأبي داود وابن خزيمة نحوه. وروى عبد الرزاق أيضًا عن عطاء قال: إني لأحب أن يطول الإِمام الركعة الأولى من كل صلاة حتى يكثر الناس، فإذا صلّيت لنفسي فإني أحرص على أن أجعل الأوليين سواء. واستدل بحديث الباب على استحباب تطويل الأولى على الثانية وجمع بينه وبين حديث سعد الماضي حيث قال: أودّ في الأوليين أن المراد تطويلهما على الأخريين لا التسوية بينهما في الطول. واستدل محمد بن الحسن به على تطويل الأولى على الثانية في جميع الصلوات وهو المذهب عند الشافعية. كما في المهذب وقال في الروضة: الأصح التسوية بينهما وبين الأخريين قال: والمختار تطويل أولى الفجر على الثانية وغيرها وهو قول الثوري وأحمد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا يطيل الركعة الأولى على الثانية إلا في الفجر خاصة. واتفقوا على كراهة إطالة الثانية على الأولى، وكون مالك مخالفًا في هذا غير صحيح. وذهب بعض الأئمة إلى استحباب تطويل الأولى من الصبح دائمًا، وأما غيرها فإن كان يترجى كثرة المأمومين ويبادر هو أول الوقت فينظر وإلا فلا، وذكر في حكمة اختصاص الصبح بذلك عند من قال به أنها تكون عقب النوم والراحة، وفي ذلك الوقت يواطىء السمع واللسان القلب لفراغه، وعدم تمكن الاشتغال بأمور المعاش وغيرها منه. وقال البيهقي في الجمع بين أحاديث المسألة يطول في الأولى إن كان ينتظر أحدًا وإلا فليسو بين الأوليين. وقال: من استحب استواءهما إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والتعوذ وأما في القراءة فهما سواء ويدل عليه حديث أبي سعيد عند مسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفي رواية لابن ماجه أن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة. وادّعى ابن حبّان أن الأولى إنما طالت على الثانية بالزيادة في الترسل فيها مع استواء المقدور فيهما. وقد روى مسلم عن حفصة أنه ﷺ كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. وعند المالكية يندب تقصير قراءة الثانية عن الأولى مطلقًا، وتكره المبالغة في تقصيرها عنها فالأقلية بنقص الربع أو أقل منه. والمذهب عندهم أن تطويل الزمن محصل للندب بان يقرأ في الثانية أطول من السورة الأولى ولكنه يرتل في الأولى حتى تكون أطول زمنًا من الثانية. واختلف في المساواة هل تكره أو خلاف الأولى، واستدل به بعض الشافعية على جواز تطويل الإِمام في الركوع لأجل الداخل، وقد استوفينا الكلام على هذا الفرع في باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي ولم يقع في حديث أبي قتادة هذا ذكره القراءة في الأخريين فتمسك به بعض الحنفية على اسقاطها فيهما لكنه ثبت في حديثه من وجه آخر ما سيأتي بعد عشرة أبواب. وقوله: ويسمع الآية الآتية وشمعنا الآية، وللنسائي عن البراء كنّا نصلّي خلف النبي ﷺ -

стр. 4193

فنسمع منه بعض الآية من سورة لقمان والذاريات ولابن خزيمة عن أنس نحوه لكن قال بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديثُ الغاشية، وقوله أحيانًا: يدل على تكرر ذلك منه واستدل به على جواز الجهر في السرية، وأنه لا سجود سهو على مَنْ فعل ذلك، سواء قلنا كان يفعل ذلك لبيان الجواز أو بغير قصد للاستغراق في التدبر قاله في الفتح. ولعلّه مذهبه. وأما مذهب المالكية فسجود السهو سنة في ترك الجهر في الفاتحة ولو مرة أو في السورة مرتين قبل السلام ويسجد بعد السلام في ترك السر بأن جهر في الفاتحة، أو في السورة مرتين، ومحل الجهر الصبح وأوليا المغرب والعشاء وما عدا ذلك سر. وأقل الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه وأدنى السر أن يسمع نفسه، وأعلاه حركة اللسان وجهر المرأة أن تسمع نفسها، ويسجد عند الحنفية أيضًا سجود السهو. قال العيني: فإن جهر فيما يخافت فيه أو خافت فيما يجهر فيه، فعند أبي حنيفة يسجد للسهو، وعند أبي يوسف إن جهر بحرف سجد، وفي رواية عنه إن زاد فيما يخافت فيه على ما يسمع أذنيه تجب سجدتا السهو والصحيح أنها تجب إذا جهر مقدار ما تجوز به الصلاة. وفي المصنّف ممن كان يجهر بالقراءة في الظهر والعصر خبّاب بن الأرت، وسعيد بن جبير، والأسود، وعلقمة. وعن جابر قال: سألت الشعبي وسالمًا وقاسمًا ومجاهدًا وعطاء عن الرجل الذي يجهر في الظهر والعصر فقالوا: ليس عليه سهو وقال قتادة: إن أنسًا جهر فيهما فلم يسجد، وكذا فعله سعيد بن العاص حين كان أميرًا بالمدينة، وفي التلويح ويستدل لمن قال بسجود السهو بما رواه ابن شاهين في كتابه بسند فيه كلام عن أبي هريرة قال النبي ﷺ : إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في صلاة النهار فارجموه بالبعر. وفي المصنف عن يحيى بن كثير قالوا: يا رسول الله ان هنا قومًا يجهرون بالقراءة بالنهار. فقال ارموهم بالبعر، وعن الحسن وأبي عبيدة صلاة النهار. وقال صاحب التلويح: حديث ابن عبّاس صلاة النهار عجماء وإن كان بعض الأئمة قال هوحديث لا أصل له باطل فيشبه أن يكون ليس كذلك لما أسلفناه. قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على جواز الاكتفاء بظاهر الحال في الأخبار دون التوقف على اليقين لأن الطريق إلى العلم بقراءة السورة في السرية لا يكون إلا بسماع كلها، وإنما يفيد يقين ذلك لو كان في الجهرية، وكأنه ماخوذ من سماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، ويحتمل أن يكون الرسول ﵊ كان يخبرهم عقب الصلاة دائمًا أو غالبًا بقراءة السورتين وهو بعيد جدًا. رجاله خمسة: وقد مرّوا جميعًا: مرَّ أبو نعيم في الخامس والأربعين من الإيمان، ومرَّ شيبان بن عبد الرحمن، ويحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرّ عبد الله بن أبي قتادة وأبوه في التاسع عشر من الوضوء.

стр. 4194

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع، والعنعنة، والقول، ورواية الولد عن والده. أخرجه البخاري في الصلاة أيضًا عن مكي بن إبراهيم. وأخرجه مسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجه في الصلاة أيضًا.

стр. 4195

الحديث التاسع والعشرون حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: سَأَلْنَا خَبَّابًا أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. وهذا الحديث قد مرّ في باب رفع البصر إلى الإِمام في الصلاة، ومرّ الكلام عليه هناك. رجاله ستة: قد مرّوا: مرَّ عمر بن حفص وأبوه في الثاني عشر من الغسل، ومرَّ الأعمش في الخامس والعشرين من الإيمان، ومرَّ عمارة، وأبو معمر، وخبّاب في الرابع والعشرين من أبواب صفة الصلاة هذه. ثم قال المصنف: باب القراءة في العصر

стр. 4196

الحديث الثلاثون حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ: أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قَالَ قُلْتُ بِأَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. وهذا قد مرّ في الذي قبله ومرّ محل الكلام عليه في الذي قبله. رجاله ستة: مرَّ ذكر محلّهم في الذي قبله إلا اثنين محمد بن يوسف الفريابي، وقد مرّ في العاشر من العلم، وسفيان الثوري، وقد مرّ في السابع والعشرين من الإيمان.

стр. 4197

الحديث الحادي والثلاثون حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا. وهذا الحديث ذكر هنا مختصراً وقد مرَّ الكلام عليه مستوفى في الذي قبله. رجاله خمسة: مرّ مكي بن إبراهيم في السابع والعشرين من العلم، ومرَّ هشام الدستوائي في السابع والثلاثين من الإيمان، ومرَّ يحيى بن أبي كثير في الثالث والخمسين من العلم، ومرَّ عبد الله بن أبي قتادة وأبوه في التاسع عشر من الوضوء. ثم قال المصنف: باب القراءة في المغرب المراد تقديرها لا إثباتها لكونها جهرية بخلاف ما تقدم في باب القراءة في الظهر من أن المراد إثباتها.

стр. 4198

الحديث الثاني والثلاثون حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ وَهُوَ يَقْرَأُ وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ. قوله: "إن أُم الفضل" هي والدة عبد الله بن عباس الراوي عنها ويأتي تعريفها قريبًا في السند. وقوله: "سمعته" أي: سمعت ابن عباس، وفيه التفات لأن السياق يقتضي أن يقول: سمعتني، وقوله: "لقد ذكّرتني" أي: شيئًا نسيته، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب أنها آخر صلوات النبي ﷺ ، ولفظه: ثم ما صلّى لنا بعدها حتى قبضه الله. أورده المصنف في باب الوفاة، ومرّ في باب حد المريض أن يشهد الجماعة الخلاف في الصلاة ما هي، ومرَّ هناك الجمع بأن الظهر التي في حديث عائشة هناك كانت في المسجد والتي حكتها أُم الفضل هنا كانت في بيته كما رواه النَّسائيّ لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق بلفظ: "خرج إلينا رسولُ الله ﷺ وهو عاصب رأسَه في مرضه فصلّى المغرب" الحديث. أخرجه التِّرمِذِيّ عن ابن شهاب، ويمكن حمل قولها: خرج إلينا أي: من مكانه الذي كان راقدًا فيه إلى مَنْ في البيت فصلّى بهم فتلتئم الروايات. قاله في "الفتح". قلت: هذا الحمل بعيد جدًا؛ لأنه ﵊ لم يكن له محل للنوم معروفًا يخرج منه إلى المحل الذي فيه أهل البيت، وقد مرت هناك زيادة على اعتراض كون هذه الصلاة في البيت. وقوله: "يقرأ بها" هو في موضع الحال أي: سمعته في حال قراءته. رجاله ستة: قد مرّوا إلاَّ أم الفضل، مرَّ عبد الله بن يوسف ومالك في الثاني من بدء الوحي، ومرّ ابن شهاب في الثالث منه، ومرَّ عبيد الله في السادس منه، وابن عباس في الخامس منه، وأمّا أُم الفضل فهي لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب وأُخت أُمنا ميمونة بنت الحارث، قال ابن سعد: إنها أوّل امرأة آمنت بعد خديجة. وأخرج الزبير بن بكار وغيره عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "الأخوات الأربع مؤمنات أُم الفضل وميمونة وأسماء وسلمى". فأما ميمونة فهي أُم المؤمنين وهي شقيقة أُم الفضل، وكذلك لبابة الصغرى، وعصماء، وعزة، وهذيلة

стр. 4199

فكلهن بنات الحارث وأخواتهن لأُمهن أسماء، وسلمى وسلامة بنات عميس الخثعميات وأختهن لأُمهن مَحْمِية بنت جَزْء الزُّبيدية فهذه ست أخوات لأب وأُم وعشر أخوات لأم. وقد قيل: إن زينب بنت خريمة الهلالية اختهن لأُمهن وأُمهن كلهن هند بنت عوف الكنانية، وقيل: الحميرية وهي العجوز التي قيل فيها: أكرم الناس أصهارًا ميمونة زوج النبي ﷺ ، وأُم الفضل شقيقتها زوجة العباس، وسلمى زوجة حمزة بن عبد المطلب وشقيقتها أسماء زوجة جعفر بن أبي طالب، ثم تزوجها بعده أبو بكر ثم تزوجها بعده علي. قال ابن عبد البر: كانت أُم الفضل من المنجبات وكان النبي ﷺ يزورها ويقيل عندها. ولدت للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم: الفضل وبه كانت تكنّى ويكنى زوجها العباس، وعبد الله الحبر، وقُثَم، ومعبد، وعبد الرحمن، وعبيد الله، أُم حبيب سابعة وفيها يقول الشاعر: ماولدت نجيبة من فحل .... بجبل نعلمه وسهل كستة من بطن أُم الفضلى .... عم النبي المصطفى ذي الفضل وخاتم الرسل وخير الرسل وأخرج ابن سعد بسند جيد أن أُم الفضل قالت: يا رسول الله رأيت أن عضوًا من أعضائك في بيتي، قال: تَلِدُ فاطمة غلامًا وترضعينه بلبن قثم، فولدت حسينًا فبينما هو يقبله إذ بال عليه فقرصته فبكى فقال: "آذيتني في ابني، ثم دعا بماء فحدره حدرًا"، ومن طريق قابوس بن المخارق نحوه وفيه: فأرضعته حتى تحرك فجاءت به النبي ﷺ فأجلسه في حجره فبال فضربته بين كتفيه فقال: "أوجعت ابني رحمك الله" حديث. وفي الصحيح أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن فشرب وهو بالموقف فعرفوا أنه لم يكن صائمًا كانت تصوم الاثنين والخميس لها ثلاثون حديثاً اتفقا على حديث واحد وانفرد كل واحد منهما بحديث. روى عنها ابناها عبد الله وتمام ومولاها عمير بن الحارث، وكريب مولى ابنها عبد الله، وغيرهم، قال ابن حِبّان: ماتت في خلافة عثمان قبل زوجها العباس. أخرجه البخاري في "المغازي" عن يحيى بن بكير ومسلم في الصلاة وكذا أبو داود والتِّرْمذِيّ والنَّسائيّ وابن ماجه.

стр. 4200

الحديث الثالث والثلاثون حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ. قوله: "عن ابن أبي مليكة" في رواية عبد الرزاق عن ابن جريج حدثني ابن أبي مليكة ومن طريقه أخرجه أبو داود وغيره. وقوله:"عن عروة" في رواية الإسماعيليّ عن ابن جريج سمعت ابن أبي مليكة أخبرني عروة أن مروان أخبره. وقوله: "قال لي زيد بن ثابت ما لَكَ تقرأ" كان مروان حينئذ أميرًا على المدينة من قبل معاوية. وقوله: "بقصار" كذا للأكثر بالتنوين وهو عوض عن المضاف إليه، وفي رواية الكشميهنيّ بقصار المفصل وكذا للطبراني، والبيهقيّ عن أبي عاصم شيخ البخاري فيه، وكذا عند أبي داود والنَّسائيّ وغيرهما لكن في رواية النَّسائيّ بقصار السور. وعند النَّسائيّ أيضًا عن زيد بن ثابت أنه قال لمروان: يا أبا عبد الملك أتقرأ في المغرب بقل هو الله أحد وإنا أعطيناك الكوثر؟ وصرح الطحاوي من هذا الوجه بالإخبار بين عروة وزيد فكأن عروة سمعه من مروان عن زيد ثم لقي زيدًا فأخبره. وقوله: "وقد سمعت" استدل به ابن المنير على أن ذلك وقع منه ﷺ نادرًا قال: لأنه لو لم يكن نادرًا لقال: كان يفعل يشعر بأن عادته كانت كذلك، وغفل عمّا في رواية البَيْهَقيّ عن أبي عاصم شيخ البخاري بلفظ: كان رسول الله ﷺ يقرأ، ومثله عند الإسماعيلىّ عن ابن جريج، وقوله: "بطولى الطوليين" أي: بأطول السورتين الطويلتين وطولى تأنيث أطول والطوليين بتحتانيتين تثنية طولى. وهذه رواية الأكثر، وفي رواية كريمة بِطُول بباء الجر وضم الطاء وسكون الواو. ووجه الكرماني بأنه أطلق المصدر وأراد الوصف أي: كان يقرأ بمقدار طول الطوليين وفيه نظر؛ لأنه يلزم منه أن يكون بقرأ بقدر السورتين وليس هو المراد وضبطه بعضهم بكسر الطاء وفتح الواو وليس بشيء لأن الطّوَل الحبل ولا معنى له هنا، وفي رواية الإسماعيليّ بأطول الطوليين بالتذكير ولم يقع تفسيرهما في رواية البخاري، وفي رواية أبي الأسود عند النَّسائيّ بأطول الطوليين المص. وفي رواية أبي داو قال: قلت: وما طول الطوليين؟ قال: الأعراف والتفسير من لفظ عروة كما قال النَّسائيّ والبَيْهَقيّ وعند أبي داود قال ابن جريج: وسألت ابن أبي مليكة فقال لي من قبل نفسه:

стр. 4201

المائدة والأعراف، وللجوزقي عن عبد الرزاق مثله لكن قال: الأنعام بدل المائدة فحصل الاتفاق على تفسير الطولى بالأعراف. وفي تفسير الأخرى ثلاثة أقوال المحفوظ منها الأنعام قال ابن بطال: البقرة أطول السبع الطوال فلو أرادها لقال طولى الطوال فلما لم يردها دل على أنه أراد الأعراف لأنها أطول السور بعد البقرة، وتعقب بأن النساء أطول من الأعراف، وليس هذا التعقب بمرض لأنه اعتبر عدد الآيات وعدد آيات الأعراف أكثر من عدد آيات النساء، وغيرها من السبع بعد البقرة والمتعقب اعتبر عدد الكلمات لأن كلمات النساء تزيد على كلمات الأعراف بمئتين. وقال ابن المنير: تسميته الأعراف والأنعام بالطوليين إنما لعرف فيهما لا أنهما أطول من غيرهما، واستدل بهذين الحديثين على امتداد وقت المغرب وعلى استحباب القراءة فيها بغير قصار المفصل. أما امتداد وقت المغرب فقد مرَّ الكلام عليه في باب وقت المغرب، وباب تأخير الظهر إلى العصر، واستدل الخطابي على امتداد وقتها إلى غروب الشفق بهذا الحديث والذي بعده فيه نظر؛ لأن مَنْ قال: إن لها وقتًا واحدًا لم يحده بقراءة معينة بل قالوا: لا يجوز تأخيرها عن أول غروب الشمس بل له أن يمد القراءة فيها ولو غاب الشفق. قلت: هذا خلاف مذهب مالك فمالك لا يقرأ عنده فيها إلا بقصار المفصل كما يأتي قريبًا واستشكل المحب الطبري إطلاق هذا، وحمله الخطابي قبله على أن يوقع ركعة في أول الوقت ويديم الباقي ولو غاب الشفق ولا يخفى ما فيه لأن تعمد إخراج الصلاة عن الوقت ممنوع ولو أجزات فلا يحمل ما ثبت عن النبي ﷺ على ذلك، وقد مرَّ في الباب المذكور من الأحاديث ما يدل على انصرافه ﵊ منها بسرعة، فقد مرَّ في حديث أنس قال: كنا نصلي المغرب مع النبي ﷺ ثم يرمي أحدنا ليرى موضع نبله. وروى عن جابر بن عبد الله أنهم كانوا يصلون المغرب ثم ينتضلون. وروي عن علي بن بلال قال: صليت مع نفر من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار فحدثوني أنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ المغرب ثم ينطلقون فيرتمون لا يخفى عليهم موقع سمهامهم حتى يأتوا ديارهم وهو أقصى المدينة في بني سَلِمة. رواه أحمد كما مرّ، ورواه الطحاوي وإذا كان هذا وقت انصرافه ﵊ من صلاة المغرب استحال أن يكون قد قرأ منها الأعراف ولا نصفها وقد أنكر على معاذ حين صلّى العشاء بالبقرة مع إتساع وقتها فالمغرب أولى بذلك فينبغي على هذا أن يقرأ بقصار المفصل في المغرب وهذا هو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وإسحاق والثوري والنخعي وعبد الله بن المبارك. وذهب حميد وعروة بن الزبير وابن هشام والظاهرية إلى استحباب القراءة في المغرب بطولى الطوليين فقالوا: الأحسن أن يقول بالسورة التي قرأ بها النبي ﷺ نحو الأعراف، والطور، والمرسلات

стр. 4202

فعند المالكية والشافعية يقرأ في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، وفي المغرب من قصاره؛ لأن الصبح وقت النوم، والظهر وقت القيلولة فطولا ليدرك المتأخر، والعصر وقت إتمام الأعمال فخفف، والعشاء وقت الاستراحة فخفف أيضًا. وأما المغرب فإنها تأتي عند إعياء الناس من العمل وحاجتهم إلى العشاء ولاسيما الصوام، وقال الحنابلة: يقرأ في الصبح من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره وفي الباقي من أوساطه، ومحل سنية الطوال والأوساط إذا كان المصلى منفردًا إلى آخر ما مرَّ مستوفى في باب إذا صلّى لنفسه فليطول ما شاء من أبواب الجماعة، وفي باب الغضب في الموعظة من كتاب العلم ومرّت حقيقة المفصل وتفصيله من بيان الطوال والأوساط والقصار عند الأئمة في باب إذا طول الإِمام وكان للرجل حاجة من الجماعة. وأجاب القائلون بالاقتصار على المفصل عمّا ثبت من قراءته ﵊ بطولى الطوليين في المغرب بأن قراءته ﷺ ليست كقراءة غيره. ألا تسمع قول الصحابي: ما صليت خلف أحدٍ أخف صلاة من رسول الله ﷺ ، وكان يقرأ بالستين إلى المئة، وقد قال ﷺ : "إن داود ﵊ كان يأمر بدوابه أن تسرج فيقرأ الزبور قبل إسراجها"، فإذا كان داود بهذه المثابة فسيدنا ﷺ أحرى بذلك وأولى. وإما إنكاره على معاذ فظاهر؛ لأنه غيره، واستدلوا بما أخرجه النَّسائيّ وصححه ابن خزيمة وغيره عن أبي هريرة أنه قال: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من فلان، قال سليمان بن يسار: فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل وفي المغرب بقصار المفصل الحديث. وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك. وفي حديث رافع المتقدم في المواقيت وما معه من الأحاديث أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب دلالة على تخفيف القراءة فيها وعند ابن ماجه بسند صحيح عن ابن عمر كان رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، وكان الحسن يقرأ فيها إذا زلزلت والعاديات، ولا يدعهما، وروى ابن حِبّان عن جابر بن سمع أنه ﷺ كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة قل يا أيها الكافرون، وقيل هو الله أحد. وروى البزار في مسنده بسند صحيح عن بريدة: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقرأ في المغرب والعشاء والضحى، وكان يقرأ في الظهر، والعصر بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك. وروى الطحاوي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ في المغرب بالتين والزيتون. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" وفي سنده. فقال وقال التِّرمِذِيّ: ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات. وقال الشافعي: لا أكره ذلك بل استحب وكذا نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي. والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك ولا استحباب، وأما مالك فاعتمد عمل أهل المدينة بل وغيرها. قال ابن دقيق العيد: استمر العمل على تطويل القراءة في الصبح وتقصيرها في المغرب والحق عندنا أن ما صحّ عن النبي ﷺ في ذلك وثبتت مواظبته عليه فهو وما لا تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه، وقد مرّ تحقيق مذهب الشافعي، وقد وردت آثار

стр. 4203

كثيرة عن الصحابة فيها ما كانوا يقرؤون به من قِصار المفصل منها ما أخرجه الطحاوي عن زرارة بن أوفى قال: أقرأني أبو موسى في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما إليه أقرأ في المغرب آخر المفصل وآخر المفصل من لم يكن إلى آخر القرآن، ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي عثمان النهدي قال: صلّى بنا ابن مسعود المغرب فقرأ: قل هو الله أحد فوددت أنه قرأ سورة البقرة من حسن صوته. وأخرجه أبو داود والبَيْهقيّ أيضًا ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن ابن عباس قال: سمعته يقرأ في المغرب: إذا جاء نصر الله والفتح، ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن الحسن قال: كان عمران بن حصين يقرأ في المغرب إذا زلزلت والعاديات، ومنها ما أخرجه عبد الرزاق عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلّى وراء أبي بكر الصديق في المغرب قرأ في الركعتين الأوليين بأُم القرآن وسورتين من قِصار المفصل، ثم قرأ في الثالثة قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا إلى الوهاب. وعن مكحول أن قراءة هذه الآية كانت على سبيل الدعاء، ومرّت أحاديث صحاح من هذا المعنى في باب إذا طول الإِمام وكان للرجل حاجة. وروى أيضًا نحو هذا عن التابعين روى ابن أبي شيبة في مصنفه أن سعيد بن جبير كان يقرأ في المغرب مرّة بتنبىء أخبارها ومرّة تحدّث أخبارها. وروي عن الضحاك بن عثمان قال: رأيت عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يقرأ في المغرب بقصار المفصل، وروي أيضًا عن محل قال: سمعت إبراهيم يقرأ في الركعة الأولى من المغرب لإيلاف قريش. وأخرج البيْهَقيّ في سننه عن هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في المغرب بنحو مما يقرؤون والعاديات ونحوها من السور. فهذه أحاديث وآثار كثيرة تدل على قراءة المفصل دون الطوال، والذي ذكره البخاري هنا في القراءة ثلاثة مختلفة المقادير؛ لأن الأعراف من السبع الطوال، والطور من طوال المفصل، والمرسلات من أوساطه. وفي ابن حِبّان عن ابن عمر أنه قرأ بهم في المغرب بالذين كفروا وصدوا عن سبيل الله. وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه ﷺ كان أحيانًا يطيل القراءة في المغرب. إما لبيان الجواز وإما لعلمه رضا المأمومين وليس في حديث جُبير بن مطعم الآتي قريبًا دليلٌ على أن ذلك تكرر منه. وأما حديث زيد بن ثابت ففيه اشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل ولو كان مروان يعلم أن النبي ﷺ واظب على ذلك لاحتج على زيد، لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي ﷺ . وفي حديث أُم الفضل إشعار بأنه ﷺ كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات لكونه كان في شدة مرضه، وهو مظنة التخفيف، وهو يرد على أبي داود إدعاء نسخ التطويل؛ لأنه روى عقيب حديث زيد بن ثابت عن عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد، ولم

стр. 4204

يبين وجه الدلالة، وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر بخلافه حمله على أنه اطلع على ناسخه وكيف تصح دعوى النسخ وأُم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاّها بهم قرأ بالمرسلات؟ قال ابن خزيمة في صحيحه: هذا من الاختلاف المباح فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب إلا أنه إذا كان إمامًا استحب له أن يخفف في القراءة كما مرَّ، وهذا أولى من قول القرطبي ما ورد في مسلم وغيره من تطويل القراءة فيما استقر عليه التقصير أو عكسه، فهو متروك. واستدل ابن العربي باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة في صلاة معينة. قال في "الفتح": وهو واضح فيما اختلف لا فيما لم يختلف كتنزيل وهل أتى في صلاة صبح الجمعة. قلت: هذا التقييد موافق لمذهبه ومن لم يقل بهذا كالمالكية الذين ابن العربي واحدٌ منهم لم يسلم هذا التقييد وادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث الثلاثة على تطويل القراءة لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدل لذلك بما رواه عن هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ: سمعته يقول: إن عذاب ربك لواقع قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الآية خاصة وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة مع كون رواية هشيم عن الزهري بخصوصها مضعفة بل جاء في روايات أُخرى ما يدل على أنه قرأ السورة كلها، فعند البخاري في التفسير سمعته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ الآيات، إلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي يطير. ونحوه لقاسم بن أصبغ وفي رواية أُسامة بن زيد ومحمد بن عمرو الآتيتين "في الباب" الذي بعده سمعته يقرأ: والطور وكتاب مسطور، ومثله لابن سعد في أخرى ثم استمعت قراءته حتى خرجت من المسجد ثم ادعى الطحاوي أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت وكذا أبداه الخطابي احتمالًا، وفيه نظر لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى. وقد روى حديث زيد هشام بن عروة عن أبيه عنه أنه قال لمروان: إنك لتخف القراءة في الركعتين من المغرب فوالله لقد كان رسول الله ﷺ يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعًا أخرجه ابن خزيمة، واختلف على هشام في صحابيه والمعروف عن عروة أنه زيد بن ثابت وقال أكثر الرواة عن هشام عن زيد بن ثابت أو أبي أيوب وقيل: عن عائشة. أخرجه النَّسائيّ مقتصرًا على المتن دون القصة. رجاله ستة: قد مرّوا، مرّ أبو عاصم في أثر بعد باب القراءة والعرض على المحدث، ومرّ ابن جريج في الثالث من الحيض، ومرّ ابن أي مليكة في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله بعد الأربعين من الإيمان، ومرّ عروة في الثاني من بدء الوحي، ومرّ مروان بن الحكم في الرابع والخمسين من الوضوء ومرّ زيد بن ثابت في تعليق بعد الثاني والعشرين من كتاب الصلاة.

стр. 4205

لطائف إسناده: فيه التحديث بالجمع والعنعنة والقول، ورواته ما بين بصريّ ومكيّ ومدنيّ. أخرجه أبو داود والنَّسائيّ في الصلاة. ثم قال المصنف: باب الجهر في المغرب اعترض الزين بن المنير على هذه الترجمة والذي بعدها بأن الجهر فيهما لا خلاف فيه وهو عجيب لأن الكتاب موضوع لبيان الأحكام من حيث هي وليس مقصورًا على الخلافيات.
следующие страницы →